стр. 433
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 236
التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
ابن عبد البر
Полный текст (8 840 стр.). Показаны 433–472 · переход к 438.
стр. 434
حديثٌ ثالثٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ
مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا ذهَب إلى قُباءٍ يَدخُلُ على أُمِّ حرام بنتِ مِلحانَ فتُطْعِمُه، وكانت أمُّ حرام تحتَ عُبادةَ بنِ الصامِت، فدخَل عليها رسولُ اللَّه ﷺ يومًا فأطْعَمَتْه، وجلَستْ تَفْلي رأسَه، فنام رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم استَيقَظَ وهو يَضحَكُ، قالت: فقلت: ما يُضحِكُكَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "ناسٌ مِن أمَّتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه، يَركَبُونَ ثَبَجَ هذا البحر، مُلوكًا على الأسِرَّة، أو مثلَ الملوكِ على الأسِرَّة". يَشُكُّ إسحاقُ. قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يَجعلَني منهم. فدعا لها، ثم وضَع رأسَه فنام، ثم اسْتَيقَظَ يَضحَكُ، قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ما يُضحِكُكَ؟ قال: "ناسٌ من أُمَّتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه، مُلوكًا على الأسِرَّة، أو مِثْلَ الملوكِ على الأسِرَّة". كما قال في الأولى. قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يَجعَلَني منهم. قال: "أنتِ من الأوَّلين". قال: فرَكِبَتِ البحرَ في زَمَنِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيان، فصُرِعَتْ عن دابَّتِها حينَ خرجَتْ من البحر، فهلَكَتْ.
هكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ رواةِ "الموطّأ" فيما علِمْتُ، جعلوه من مسندِ أنس بن مالك (٢).
стр. 435
ورواه بشرُ بنُ عمرَ الزَّهرانيُّ (١)، عن مالك، عن إسحاق، عن أنس، عن أُمِّ حرام بنتِ مِلحانَ، قالت: استَيقَظَ رسولُ اللَّه ﷺ ، الحديثَ، جعَله من مُسندِ أمِّ حرام، هكذا حدَّثَ عنه به بُندارٌ محمدُ بنُ بشّار (٢).
وأمُّ حرام هذه هي خالةُ أنسِ بنِ مالك، أختُ أمِّ سُليم بنتِ مِلحانَ أمِّ أنسِ بنِ مالك (٣)، وقد ذكَرناهما ونَسَبْناهما وذكَرْنا شيئًا من أخبارِهما في كتابِنا كتاب "الصحابة" (٤)، فأغنَى عن ذكرِه هاهُنا، وأظنُّها أرْضَعَتْ رسولَ اللَّه ﷺ ، أو أمُّ سُليم أرضعَتْ رسولَ اللَّه ﷺ ، فحصَلتْ أمُّ حرام خالةً له من الرَّضاعة، فلذلك كانت تَفْلي رأسَه، وينامُ عندَها، وكذلك كان ينامُ عندَ أمِّ سُليم، وتنالُ منه ما يجوزُ لذي المَحْرَم أن يَنالَه من محارمِه، ولا يشكُّ مسلمٌ أنَّ أُمَّ حرام كانت من رسولِ اللَّه بمَحْرم (٥)، فلذلك كان منها ما ذُكِرَ في هذا الحديث، واللَّهُ أعلم.
وقد أخبَرَنا غيرُ واحدٍ من شُيوخِنا، عن أبي محمدٍ الباجيِّ (٦) عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليّ، أنَّ محمدَ بنَ فُطيس أخبرَه، عن يحيى بن إبراهيمَ بن مُزين، قال:
стр. 436
إنَّما استجازَ رسولُ اللَّه ﷺ أن تَفْليَ أُمُّ حرام رأسَه لأنّها كانت منه ذاتَ مَحْرَم من قبلِ خالاتِه؛ لأنَّ أمَّ عبدِ المطَّلبِ بنِ هاشم كانت من بني النَّجّار.
وقال يونسُ بنُ عبدِ الأعلى: قال لنا ابنُ وَهْب: أُمُّ حرام إحدَى خالاتِ النبيِّ ﷺ من الرَّضاعة، فلهذا كان يَقيلُ عندَها، وَينامُ في حِجْرِها، وتَفْلي رأسَه (١).
قال أبو عُمر: أيُّ ذلك كان، فأُمُّ (٢) حرام مَحْرمٌ من رسولِ اللَّه ﷺ ، والدليلُ على ذلك ما حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤): حدَّثنا عليُّ بنُ حُجر، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ألا لا يَبِيتَنَّ رجلٌ عندَ امرأةٍ إلّا أن يكونَ ناكحًا أو ذا محرم".
وروَى عمرُ بنُ الخطاب، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأة؛ فإنَّ الشَّيطانَ ثالثُهما" (٥).
стр. 437
стр. 438
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٢): حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عُقبةَ بنِ عامر، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إيّاكم والدُّخولَ على النساء". فقال رجلٌ من الأنصار: أرأيْتَ الحَمْوَ؟ قال: "الحَمْوُ الموتُ". وهذه آثارٌ ثابتةٌ بالنَّهْي عن ذلك، ومحالٌ أن يأتيَ رسولُ اللَّه ﷺ ما يَنهَى عنه.
وفي هذا الحديثِ أيضًا إباحةُ أكلِ ما قدَّمَتْه المرأةُ إلى ضَيْفِها في بَيتِها من مالِها ومالِ زوجِها؛ لأنّ الأغلبَ أنَّ ما في البيتِ من الطعام هو للرجُل، وأنَّ يدَ زَوجَتِه فيه عارِيَة.
وقد اختلَف العلماءُ في هذا المعنى لاختلافِ الآثارِ فيه، وأحسنُ حديثٍ في ذلك وأصحُّه من جهةِ النَّقْلِ ما رواه ابنُ جُريج، عن ابنِ أبي مُليكة، عن عبّادِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ الزُّبير، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، أنَّها جاءَتْ رسولَ اللَّه ﷺ فقالت: يا نبيَّ اللَّه، ليس لي شيءٌ إلّا ما أدخَل عليَّ الزُّبير، فهل عليَّ جُناحٌ أن أرضَخَ مما يُدخِلُ عليَّ؟ فقال: "ارضَخِي ما اسْتَطَعْتِ، ولا تُوكِي فيُوكِيَ اللَّهُ عليكِ" (٣).
стр. 439
وروَى الأعمشُ ومنصورُ بنُ المعتمر، جميعًا عن شقيقٍ أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا أنْفقَتِ المرأةُ من بَيتِ زوجِها غيرَ مُفسِدَة، كان لها أجْرٌ بما أنْفقَتْ (١)، ولزوجِها أجرُ ما كسَب، وللخازنِ مثلُ ذلك، لا ينقُصُ بعضُهُم من أجرِ بعضٍ شيئًا" (٢).
وهذان حديثانِ صحيحانِ مشهوران، لا يُختلَفُ في صحَّتِهما وثُبوتِهما، تَركْتُ الإتيانَ بطُرقِهما خشيةَ التَّطويل.
أخبرنا عبدُ الرَّحمن بن مروان (٣)، قال: أخبَرنا أبو محمدٍ الحسنُ بنُ يحيى بن الحسنِ القُلْزُميُّ القاضي في دارِه بمصرَ سنةَ ثمانٍ وستِّين، قال: حدَّثنا أبو غسَّانَ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسفَ القاضي القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الفُرات، عن نافع بنِ يزيد، عن ابنِ الهادِ، عن مسلم بنِ الوليدِ بنِ رباح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنّه سمِع رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تَصومُ وزوجُها شاهدٌ إلّا بإذنِه، ولا تأذَنُ لرجلٍ في بَيتِها وهو له كارِهٌ، وما تَصدَّقَتْ مما كَسبَه فلهُ أجرُ نصفِ صَدَقَتِها (٤)، وإنّما خُلِقَتِ
стр. 440
المرأةُ من ضِلَع، فلن تُصاحِبَها إلّا وفيها عِوَجٌ، فإن ذَهَبْتَ تُقيمُها كَسَرْتَها، وكسْرُك إيّاها فِراقُها" (١).
وأمّا الآثارُ الواردةُ في الكراهةِ لذلك، فروَى ابنُ المبارك، عن عبدِ الرَّحمن بنِ يزيد (٢) بنِ جابر، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، قال: حدَّثني مَن سمِع النبيَّ ﷺ يقول: "لا تُنْفِقَنَّ امرأةٌ من بيتِها شيئًا إلّا بإذنِ زَوجِها". فقال رجلٌ: من الطعام يا رسولَ اللَّه؟ قال: "وهل أموالُنا إلّا الطعام؟ " (٣).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٤): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيّاش،
стр. 441
عن شُرَحْبيلِ بنِ مسلم الخَوْلانيّ، قال: سمِعتُ أبا أُمامةَ الباهليَّ يقول: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ في خُطبتِه عامَ حجَّةِ الوداع: "إنَّ اللَّهَ قد أعْطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارث". وذكَر الحديث، وفيه: "لا تُنفِقُ امرأةٌ من بيتِ زوجِها إلّا بإذنِ زوجِها". قيل: يا رسولَ اللَّه، ولا الطعام؟ قال: "ذلك أفضلُ أموالِنا". وساق تمامَ الحديث.
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن ليث، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمان، عن عطاء، عن ابنِ عمرَ، قال: أتَتِ امرأةٌ النبيَّ ﷺ فقالت: يا نبي اللَّه، ما حقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تَمْنعُه نفسَها ولو كانت على ظَهْرِ قَتَبٍ" (٣). فقالت: يا رسولَ اللَّه، ما حقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تصومُ إلا بإذنِه، إلّا الفريضة، فإن فَعَلَتْ أثِمَتْ ولم يُقْبَلْ منها". قالت: يا رسولَ اللَّه، ما حَقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تَصَّدَّقُ بشيءٍ من بيتِه إلا بإذنِه". قال: "فإن فعَلتْ كان له الأجرُ وعليها الوِزْرُ". قالت: يا رسولَ اللَّه، ما حقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تَخرُجُ من بيتِها إلّا بإذنِه،
стр. 442
فإنْ فعَلتْ لعَنتْها ملائكةُ اللَّه، وملائكةُ الرحمة، وملائكةُ الغَضَب، حتى تتوبَ أو تُراجِعَ". قالت: يا رسولَ اللَّه، وإن كان لها ظالمًا؟ قال: "وإن كان لها ظالمًا". قالت: والذي بعثَكَ بالحقِّ، لا يملكُ عليَّ أمري أحدٌ بعدَها أبدًا ما بَقِيتُ.
فإن كان ما أطْعَمتْه أمُّ حرام رسولَ اللَّه ﷺ من مالِ زوجِها عُبادةَ بنِ الصامتِ ولم يكنْ من مالِها، ففي هذا الحديثِ أيضًا إباحةُ أكلِ مالِ الصديقِ بغيرِ إذنِه، وقد اختلَف فيه العلماءُ إذا كان يَسيرًا، ليس مثلُهُ يُدَّخَرُ ولا يُتموَّلُ، ولم يَختلِفُوا في الكثيرِ الذي له بال، ويَحضُرُ النفسَ عليه الشُّحُّ به، أنّه لا يَحِلُّ إلّا عن طِيبِ نفسٍ من صاحبِه.
واختلَفوا في تأويل (١) قولِ اللَّه : ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]. وقد ذكَرنا هذا المعنَى فيما تقدَّم من كتابِنا هذا (٢)، والحمدُ للَّه.
ومَنْ أجاز أكلَ مالِ الصديقِ بغيرِ إذنِه فإنّما أباحَه ما لم يتَّخِذ الآكِلُ خُبْنَةً (٣)، ولم يَقصدْ بذلك وقايةَ مالِه، وكان تافهًا يَسيرًا، ونحوَ هذا.
وأمّا قولُه: "ناسٌ من أمَّتي عُرضُوا علَيَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه" فإنّه أراد، واللَّهُ أعلمُ، أنّه رأى الغُزاةَ في البحرِ من أُمَّتِه مُلُوكًا على الأسِرَّةِ في الجَنَّة، ورُؤياه وَحْيٌ ﷺ ، ويَشهَدُ لقوله: "مُلُوكًا على الأسِرَّة" ما ذكَر اللَّهُ في أهل الجَنّةِ بقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]. قال أهلُ التفسير: الأرائِكُ: السُّرُرُ
стр. 443
في الحِجَال. ومثلُه قولُه : ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧، الصافات: ٤٤]. وهذا الخبرُ إنّما ورَد تَنبيهًا على فضلِ الجهادِ في البحرِ وتَرْغيبًا فيه.
وفي هذا الحديثِ أيضًا: إباحةُ ركوبِ البحرِ في الجهاد، وفيه إباحةُ الجهادِ للنساء، وقد رُوِيَ عن أمِّ عطيّةَ، قالت: كنا نَغْزُو مع رسولِ اللَّه ﷺ فنُمَرِّضُ المرضَى، ونُداوي الجَرْحَى، وكان يَرْضَخُ لنا من الغنيمة (١).
واختلَف الفقهاءُ في الإسْهام للنساءِ من الغنيمةِ إذا غَزَوْنَ؛ فقال ابنُ وَهْب: سألتُ مالكًا عن النساء، هل يُحذَيْن من المغانم في الغزو؟ قال: ما عَلِمْتُ ذلك.
وقد أجاز قومٌ من أصحابِنا أن يُرضَخَ للنساءِ ما أمْكَن على ما يَراه الإمامُ. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفة، والليثُ، والشافعيُّ، وأصحابُهم (٢): لا يُسْهَمُ لامرأة، ويُرضَخُ لها. وقال الأوزاعي: يُسْهَمُ للنساء. وزعَم أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أسْهَم للنساءِ بخَيبر. قال الأوزاعيُّ: وأخَذ بذلك المسلمون عندَنا (٣).
стр. 444
قال أبو عُمر: أحْسَنُ شيءٍ في هذا الباب ما كتَب به ابنُ عباسٍ إلى نَجْدَةَ الخارجيّ: إنَّ النساءَ كُنَّ يَحْضرْنَ فيُداوينَ المرضَى، ويُحذَين (١) من الغنيمة، ولم يُضْرَبْ لهنَّ بسهم (٢).
وفيه إباحةُ رُكُوبِ البَحْرِ للنساء، وقد كان مالكٌ ﵀ يَكرَهُ للمرأةِ الحجَّ في البحر، فهو في الجهادِ لذلك أكْرَهُ، واللَّهُ أعلم.
وقال بعضُ أصحابِنا من أهلِ البصرة: إنّما كَرِه ذلك مالكٌ لأنَّ السُّفُنَ بالحجازِ صغارٌ، وأنَّ النساءَ لا يَقْدِرْنَ على الاستِتارِ عندَ الخلاءِ فيها لضيقِها وتزاحُم الناس فيها، وكان الطَّريقُ من المدينةِ إلى مكةَ على البرِّ ممكنًا، فلذلك كَرِه ذلك مالكٌ. قال: وأمّا السُّفُنُ الكبارُ نحوُ سُفُنِ أهل البَصْرَة، فليس بذلك بأسٌ. قال: والأصلُ أنَّ الحجَّ فَرْضٌ على كلِّ مَن استَطاعَ إليه سبيلًا من الأحرارِ البالِغين؛ نساءً كانوا أو رِجالًا، إذا كان الأغلبُ من الطّريقِ الأمنَ، ولم يَخُصَّ برًّا من بحر، فإذا كان طريقُهم على البحر، أو تَعذَّر عليهم طريقُ البَرّ، فذلك لازمٌ لهم مع الاستِطاعة.
وفي هذا الحديث ما يَدُلُّ على رُكوبِ البحرِ للحَجِّ؛ لأنّه إذا رُكِبَ للجهاد، فهو للحَجِّ المفترضِ أوْلَى وأوْجَبُ. وذكَر مالكٌ ﵀ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كان يَمنعُ الناسَ من رُكوبِ البحر، فلم يَركَبْه أحدٌ طُولَ حياتِه، فلمّا مات استَأذَن معاويةُ عثمانَ في رُكوبِه فأذِنَ له، فلم يَزَلْ يُركَبُ حتى كان أيّامُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز (٣)، فمنَع الناسَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز من رُكوبِه، ثم رُكِب بعدَه إلى الآن.
стр. 445
وهذا إنّما كان من عمرَ وعمرَ (١) ﵄ في التجارةِ وطَلبِ الدنيا، واللَّهُ أعلم، وأمّا في أداءِ فريضةِ الحجِّ فلا، والسُّنَّةُ قد أباحَتْ رُكوبَه للجهادِ في حديثِ إسحاق، عن أنس، وحديثِ غيرِه، وهي الحُجَّةُ وفيها الأُسوَة، فرُكوبُه للحَجِّ أوْلَى قياسًا ونَظَرًا، والحمدُ للَّه.
ولا خلافَ بينَ أهلِ العلم أنَّ البحرَ إذا ارْتَجَّ لم يَجُزْ رُكوبُه لأحدٍ بوجهٍ من الوُجوهِ في حينِ ارْتجاجِه.
ذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ليث، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال عمرُ: لا يَسألُني اللَّهُ عن جيشٍ رَكِبوا البحرَ أبدًا؛ يعني التغرير.
وفيه التَّحَرِّي في الإتيانِ بألفاظِ النبيِّ ﷺ ، فقد ذهَب إلى هذا جماعةٌ، ورخَّص آخَرون في الإتيانِ بالمعاني، وقد أوضحْنا هذا المعنَى في بابٍ أفرَدْناه له في كتاب "جامع بيان العلم وفضلِه وما يَنبغي في روايتِه وحَملِه" (٣)، وسيأتي من هذا البابِ ذكرٌ في مواضعَ من هذا الكتاب إن شاء اللَّه (٤).
وفيه أنَّ الجهادَ تحتَ رايةِ كلِّ إمام جائزٌ ماضٍ إلى يوم القيامة؛ لأنّه ﷺ قد رأى الآخرينَ مُلُوكًا على الأسِرَّةِ كما رأى الأوَّلينَ، ولا نهايةَ للآخرينَ إلى يوم قيام الساعة، قال اللَّهُ : ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ
стр. 446
إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]. وقال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠]، وهذا على الأبد.
وفيه فضلٌ لمعاويةَ ﵀، إذ جعَل من غَزا تحتَ رايتِه من الأوَّلين، ورُؤْيا الأنبياءِ صلواتُ اللَّه عليهم وَحْيٌ، الدليلُ على ذلك قولُ إبراهيمَ ﵇: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فأجابَه ابنُه: ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]. وهذا بَيِّنٌ واضحٌ. وقالت عائشة: أوَّلُ ما بُدِئَ به رسولُ اللَّه ﷺ من الوَحْي الرُّؤيا الصادقة، فكان لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مثلَ فَلَقِ الصُّبْح (١).
وفي فرح رسولِ اللَّه ﷺ واستِبْشارِه وضَحِكِه بدُخولِ الأجرِ على أُمَّتِه بعدَه، سُرورًا بذلك، بيانُ ما كان عليه رسولُ اللَّه ﷺ من المُناصحةِ لأُمَّتِه، والمَحبّةِ فيهم، وفي ذلك دليل على أنَّ من علامةِ المؤمنِ سُرُورَه لأخيه بما يُسَرُّ به لنفسِه.
وإنّما قلنا: إنَّ في هذا الحديثِ دليلًا على رُكُوبِ البحرِ للجهادِ وغيرِه، للنساءِ والرِّجال، إلى سائرِ ما استَنبَطْنا منه؛ لاستِيقاظِ رسولِ اللَّه ﷺ -وهو يَضحَكُ فرحًا بذلك، فدَلَّ على جوازِ ذلك كلِّه وإباحتِه وفضلِه، وجعَلْنا المباحَ مما يُركَبُ فيه البحرُ قياسًا على الغزوِ فيه.
ويَحتملُ بدليلِ هذا الحديثِ أن يكونَ الموتُ في سبيلِ اللَّه والقتلُ سواءً، أو قريبًا من السَّواءِ في الفضل؛ لأنَّ أُمَّ حَرام لم تُقتَلْ، وإنّما ماتَتْ من صَرْعةِ دابَّتِها، وقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "أنتِ من الأوَّلين". وإنّما قلتُ: أو قريبًا من السَّواء.
стр. 447
لاختلافِ الناسِ في ذلك؛ فمن أهلِ العلم من جعَل الميِّتَ في سبيلِ اللَّه والمقتولَ سَواءً، واحْتَجَّ بقولِ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ الآيتين جميعًا [الحج: ٥٨ - ٥٩]. وبقولِه تبارَك اسمُه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ﴾ [النساء: ١٠٠]. وبقولِ النبيِّ ﷺ في حديثِ عبدِ اللَّه بنِ عَتِيك: "مَن خرَج من بَيتِه مُجاهدًا في سبيلِ اللَّه، فخَرَّ عن دابَّتِه فمات، أو لدَغتْه حيّةٌ فمات، أو مات حَتْفَ أنْفِه، فقد وقَع أجْرُه على اللَّه، ومَن ماتَ قَعْصًا (١) فقد اسْتوجَب المآبَ" (٢). وبقَوْلِ فَضالةَ بنِ عُبيدٍ: ما أبالي من أيِّ حُفْرَتَيْهِما بُعِثْتُ؛ ذكَر ذلك ابنُ المبارك (٣)، عن ابنِ لَهِيعَة، عن سَلامانَ بنِ عامر، عن
стр. 448
عبدِ الرَّحمنِ بنِ جَحدم (١) الخَوْلانيِّ، عن فَضالةَ بنِ عُبَيْد، في حديثٍ ذكَر فيه رَجُلين؛ أحدُهما أُصيبَ في غَزاةٍ بمَنْجَنِيق، والآخَرُ مات هناك، فجلَس فَضالةُ عندَ الميت، فقيل له: ترَكْتَ الشَّهيدَ ولم تَجلِسْ عندَه! فقال: ما أُبالي من أيِّ حُفْرَتَيْهما بُعِثْتُ. ثم تلا قولَه : ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ الآيةَ كلَّها [الحج: ٥٨].
قال أبو عُمر: قد ثبَت عن رسولِ اللَّه ﷺ أنّه سُئِلَ: أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ فقال: "مَنْ أُهْرِيق دَمُه، وعُقِرَ جَوادُه". ولم يَخُصَّ بَرًّا من بَحْر. رواه أبو ذَرٍّ وغيرُه (٢).
стр. 449
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمد، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن محمدِ بنِ مسلم بنِ عائِذ، عن عامرِ بنِ سعد، عن سعد، أنَّ رجلًا جاء ورسولُ اللَّه ﷺ يُصَلِّي، فقال حينَ انتهَى إلى الصَّفِّ: اللَّهُمَّ آتِني أفضلَ ما تُؤْتِي عبادَك الصالحين. فلمّا قضَى رسولُ اللَّه ﷺ صلاتَه، قال: "مَن المتكَلِّمُ آنِفًا؟ ". قال: أنا يا رسولَ اللَّه. قال: "إذن يُعْقَرَ جوادُك، وتُستشهَدَ في سبيلِ اللَّه" (١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيبَة، قال (٢): حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا
стр. 450
المسعوديُّ، عن عمرِو بنِ مُرّة، عن عبدِ اللَّه بنِ الحارث، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الجهادِ أفْضلُ؟ قال: "مَن عُقِر جَوادُه، وأُهْريقَ دَمُه".
وبهذا الإسناد، عن وَكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (١).
وإذا كان مَنْ أهْرِيقَ دَمُه وعُقِرَ جَوادُه أفضلَ الشُّهداء، عُلِم أنّه مَنْ لم يكنْ بتلك الصفةِ فهو مفضولٌ، وقد كان عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ يَضرِبُ مَن يَسمَعُه يقول: من قُتِلَ في سبيلِ اللَّه فهو شَهِيد. ويقول لهم: قولوا: من قُتِل في سبيلِ اللَّه فهو في الجنّة (٢).
стр. 451
قال أبو عُمر: لأنَّ شرطَ الشهادةِ شديدٌ، فمن ذلك ألّا يَغُلَّ، ولا يَجْبُن، وأن يُقتَلَ مُقبِلًا غيرَ مُدبر، وأنْ يُياسِرَ الشَّريكَ، ويُنفقَ الكريمة، ونحوُ هذا، كما قال مُعاذ (١)، واللَّهُ أعلم.
ورَوينا في هذا المعنَى عن عبدِ اللَّه بن عمرِو بنِ العاص، أنّه قال: لا تَغُل، ولا تُخْفِ غُلُولًا، ولا تُؤذِ جارًا ولا رفيقًا ولا ذِمِّيًّا، ولا تَسُبَّ إمامًا، ولا تَفِرَّ من الزَّحف (٢). يعني: ولك الشَّهادةُ إنْ قُتِلْتَ.
واختَلَفوا أيضًا في شهيدِ البحر، أهو أفضلُ أم شهيدُ البرِّ؟
فقال قوم: شهيدُ البرِّ أفضلُ. واحتجُّوا بقولِه ﷺ : "أفضلُ الشُّهداءِ مَن عُقِرَ جوادُه، وأُهْريق دمُه" (٣).
стр. 452
وقال آخَرون: شهيدُ البحرِ أفضلُ، والغزوُ في البحرِ أفضلُ. واحتجُّوا بحديثٍ مُنقطع الإسنادِ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "من لم يُدركِ الغَزْوَ معي فليَغْزُ في البحر، فإنَّ غَزاةً في البحرِ أفضلُ من غزوتينِ في البرِّ، وإنَّ شهيدَ البحرِ له أجرُ شهيدَي البرِّ، وإنَّ أفضلَ الشُّهداءِ عندَ اللَّه يومَ القيامةِ أصحابُ الوُكُوف". قالوا: يا رسولَ اللَّه، وما أصحابُ الوُكُوف؟ قال: "قومٌ تكفَّأُ بهم مراكبُهُم في سبيل اللَّه" (١).
وعن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو، أنّه قال: غزوةٌ في البحرِ أفضلُ من عَشْرِ غزَواتٍ في البرِّ؛ ذكَره ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارث، عن يحيى بنِ سعيد، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو، قال: غزوةٌ في البحرِ أفضلُ من عَشْرٍ في البرِّ، والمائدُ فيه كالمتَشَحِّط في دَمِه (٢).
وعن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍ وأيضًا أنّه قال: لأنْ أغْزُوَ في البحرِ غزوةً أحبُّ إليَّ
стр. 453
من أنْ أُنفِقَ قِنطارًا مُتقبَّلًا في سبيلِ اللَّه. وإسنادُه ليس به بأسٌ (١)؛ ذكَره ابنُ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن يحيَى بنِ ميمون، عن أبي سالم الجَيْشانيِّ، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص.
وذكَر ابنُ وَهْبِ أيضًا، عن عمرِو بنِ الحارث، عن سعيدِ بنِ أبي هلال، عن كعبِ الأحبار، أنّه قال: أفضلُ الشُّهداءِ الغريقُ؛ له أجرُ شهيدين، وإنّه يُكتبُ له من الأجرِ من حينِ يَركبُه حتى يُرسيَ كأجرِ رجلٍ ضُرِبَتْ في اللَّه عُنقُه، فهو يَتَشَحَّطُ في دمِه (٢).
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بنُ بكّارٍ العَيْشيُّ، قال: حدَّثنا مروانُ، قال: أخبرنا هلالُ بنُ ميمونٍ الرَّمليُّ، عن يعلَى بنِ شدّاد، عن أُمِّ حرام، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "المائِدُ في البَحرِ الذي يُصيبُهُ القَيْءُ له أجرُ شهيد، والغَرِقُ له أجرُ شهيدين".
стр. 454
قال أبو عُمر: قد ذكَرنا ما بلَغَنا في ذلك، ورُوِيَ من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، عن النبيِّ ﵇ أنّه قال: "لا يركبُ البَحرَ رجلٌ إلّا غازيًا، أو حاجًّا، أو مُعتمرًا، فإنَّ تحتَ البحرِ نارًا"، الحديثَ (١). وهو حديثٌ ضعيفٌ مُظْلمُ الإسناد، لا يُصحِّحُه أهلُ العلم بالحديث؛ لأنَّ رُواتَه مجهولون لا يُعرَفون، وحديثُ أمِّ حرام هذا يَرُدُّه، وفيما رواه يعلَى بنُ شدّادٍ عن أُمِّ حرام كفايةٌ في ردِّه.
وقد ذكَر أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا حفصُ بنُ غِياث، عن ليث، عن مُجاهد، قال: لا يَركبُ البحرَ إلا حاجٌّ، أو غازٍ، أو مُعتمرٌ.
وأكثرُ أهلِ العلم يُجِيزون رُكوبَ البحرِ في طلبِ الحَلالِ إذا تعذَّرَ البَرُّ ورُكِب البحرُ في حينٍ يَغلبُ عليه فيه السُّكونُ، وفي كُلِّ ما أباحَه اللَّهُ ولم يَحْظُرْه، على حديثِ أمِّ حرام وغيرِه، إلّا أنّهم يَكْرهُون رُكوبَه في الاسْتغزارِ من طلبِ الدُّنيا والاستكثارِ من جمْع المال، وباللَّه التوفيق.
ذكَر أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الأعلى، عن يُونسَ، عن الحسن، أنَّ عمرَ بنَ الخطاب قال: عَجِبْتُ لراكبِ البحر.
стр. 455
وقولُه في حديثِ إسحاقَ في هذا الباب: "يَركبُونَ ثبجَ هذا البحر" يعني: ظهرَ هذا البحر.
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (١): حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم. وأخبرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا عفانُ. وأخبرنا عُبيدُ بنُ محمدٍ -واللفظُ لحديثِه- قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا حجّاجُ بنُ منهال، قالا: حدَّثنا حمادُ بنُ (٣) سلَمة، عن يحيى بنِ سعيد -وقالا في حديثِ عفّان: قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيد- عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبّان، عن أنسِ بنِ مالك، عن أُمِّ حرام، قالت: بينما رسولُ اللَّه ﷺ قائلًا في بيتي، فاستَيقظَ وهو يَضحكُ، فقلتُ: بأبي أنت يا رسولَ اللَّه، ممَّ تَضحكُ؟ قال: "عُرضَ عليَّ ناسٌ من أُمَّتي يَركَبون ظهرَ البحر، كالملوكِ على الأسِرَّة". فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ادعُ اللَّهَ أنْ يَجعَلَني منهم. قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْها منهم". ثم نام فاستَيقظَ
стр. 456
وهو يَضحكُ، فقلتُ: بأبي أنت يا رسولَ اللَّه، ممَّ تَضحكُ؟ قال: "عُرضَ عليَّ ناسٌ من أُمَّتي يَركَبون ظهرَ البحر، كالملوكِ على الأسِرَّة". فقلتُ: ادعُ اللَّهَ أنْ يَجعَلَني منهم. قال: "أنتِ من الأوَّلينَ". فغزَتْ مع زوجِها عُبادةَ بنِ الصّامتِ في البحر، فلمّا قَفَلوا وقَصَتْها بغلةٌ لها فماتَتْ.
هكذا في هذا الحديث: فغزَتْ مع زَوجِها عُبادةَ بنِ الصّامت. وروَى هذا الحديثَ أبو طُوالةَ القاضي (١) عبدُ اللَّه (٢) بنُ عبدِ الرَّحمن، عن أنسٍ، قال: اتَّكَأ رسولُ اللَّه ﷺ عندَ بنتِ مِلحان. فساقَ هذا الحديثَ بنحوِ ما ذكَرنا، إلّا أنّه قال في آخرِه: فنكَحتْ عُبادةَ بنَ الصّامت، فركِبَتْ مع ابنةِ قَرَظَة، فلمّا قفَلتْ وقَصَتْ بها دابَّتُها فقتَلتْها فدُفِنَتْ ثَمَّ؛ ذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا حُسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدةَ، عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أنس.
стр. 457
وذكَر ابنُ وَهْب، عن حفصِ بنِ مَيْسَرةَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ هذا الحديثَ بمعناه، وقال: قال عطاءُ بنُ يسار: فشَهِدْتُ أنا تلكَ الغزوةَ مع المنذرِ بنِ الزُّبير، فكانت معه في غَزوتِنا، فماتَتْ بأرضِ الرُّوم (١).
وذكَر خليفةُ بنُ خيّاط (٢)، عن ابنِ الكلبيِّ، قال: وفي سنةِ ثمانٍ وعشرينَ غزَا معاويةُ بنُ أبي سفيانَ في البحر ومعه امرأتُه فاخِتَةُ بنتُ قَرظَةَ من بني عبدِ مناف، ومعه عُبادةُ بنُ الصّامتِ ومعه امرأتُه أُمُّ حرام بنتُ مِلحانَ الأنصاريّةُ، فأتَى قُبرُسَ، فتُوفِّيتْ أُمُّ حرام، فقبرُها هناك.
قال أبو عُمر: لم يختلفْ أهلُ السِّيَر فيما علمتُ أنّ غَزاةَ معاويةَ هذه المذكورةَ في حديثِ هذا الباب، إذْ غزتْ معه أُمُّ حرام، كانت في خلافةِ عثمان، لا في خلافةِ معاوية.
قال الزُّبيرُ بن أبي بكر: ركبَ معاويةُ البحرَ غازيًا بالمسلمينَ في خلافةِ عثمانَ بن عفّانَ إلى قُبْرس ومعه أُمُّ حرام بنتُ مِلْحانَ زوجةُ عُبادةَ بنِ الصّامت، فرَكِبَتْ بَغْلتَها حينَ خرجتْ من السَّفينة، فصُرِعَتْ عن دابَّتِها فماتَتْ.
стр. 458
حديثٌ رابعٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ
مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بن عبد اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال (٢): كنتُ أسقي أبا عُبيدةَ بنَ الجرّاح وأبا طلحةَ الأنصاريَّ وأُبيَّ بنَ كعبٍ شرابًا من فَضِيخٍ وتَمْرٍ، قال: فجاءَهُم آتٍ فقال: إنَّ الخَمْرَ قد حُرِّمتْ، فقال أبو طلحة: يا أنسُ، قُمْ إلى هذه الجِرارِ فاكْسِرْها، قال: فقُمْتُ إلى مِهْراسٍ (٣) لنا فضَرَبْتُها بأسْفَلِه حتّى تكَسَّرتْ.
هذا الحديثُ وما كان مثلَه يدخُلُ في المسنَدِ عندَ الجميع.
فأمّا قولُه فيه: "شرابًا من فَضِيخ" فقد اختُلِف في الفَضِيخ؛ فقال أكثرُ أهلِ العلم: الفَضِيخُ: نَبِيذُ البُسْر.
وقال أبو عُبيد (٤): الفَضِيخُ ما افْتُضِخ من البُسْرِ من غيرِ أن تَمَسَّه النارُ. قال: وفيه رُوِيَ عن ابنِ عمر: ليس بالفضيخ، ولكنَّه الفَضُوخُ (٥). قال أبو عُبيد: فإن كان مع البُسْرِ تمرٌ فهو الخَلِيطَان، وكذلك إن كانَ زَبِيبًا (٦) فهو مثلُه.
стр. 459
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ نَبيذَ التمرِ إذا أسْكَرَ خمر، وهو نَصٌّ لا يجوزُ الاعتراضُ عليه؛ لأنَّ الصحابةَ ﵏ هم أهلُ اللسان، وقد عَقَلُوا أنَّ شرابَهم ذلك (١) خمرٌ، بل لم يكنْ لهم شَرابٌ ذلك الوقتَ بالمدينةِ غيرُه.
أخبرني أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه الباجيُّ، أنَّ أباه أخبَره، قال: أخبرنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: أخبرنا يحيى بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بنُ دينار، عن ابنِ القاسم، عن مالك، قال: نزَل تحريمُ الخمرِ وما بالمدينةِ خمرٌ من عنب (٢).
وروَى شُعبةُ، عن مُحارِبِ بن دِثار، عن جابر، قال: حُرِّمَتِ الخمرُ يومَ حُرِّمَتْ، وما كان شَرابُ الناسِ إلّا البُسْرَ والتمر (٣).
стр. 460
وقال الحَكَميُّ (١):
لنا خَمْرٌ وليست خَمْرَ كَرْمٍ ... ولكِنْ مِن نتاجِ البَاسِقاتِ
كِرامٌ في السماءِ ذهَبْنَ طُولًا ... وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وقد اختلَف أهلُ اللغةِ في اشتقاقِ اسم الخمرِ على ألفاظٍ قريبةِ المعاني، مُتداخِلة، كلُّها موجودةُ المعنى في الخمر.
فقال بعضهم: إنّما سُمِّيَتِ الخمرُ خمرًا؛ لأنّها تَخْمُرُ العقلَ، أي: تُغَطِّيه وتَستُرُه، وكلُّ شيءٍ غَطَّى شيئًا، فقد خَمَرَه، ومنه (٢) حديثُ أبي حُميدٍ الساعديِّ أنه جاء بقَدَح من لَبَن، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "ألَا خَمَّرتَه؟ ولو أن تَعرِضَ عليه عُودًا" (٣). ومن ذلك: خِمارُ المرأة، سُمِّيَ خِمارًا لأنّه يُغَطِّي رأسَها، ومن ذلك الشجرُ المُلْتَفُّ، يُقال له: الخَمَرُ؛ لأئه يُغَطِّي ما تحتَه ويُخَمِّرُه.
وقال آخرون منهم: إنّما سُمِّيَتِ الخمرُ خمْرًا؛ لأنّها تُرِكَتْ حتى أدْرَكَتْ، كما يقال: خَمَرَ الرَّأيُ واختمَرَ؛ أي: تُرِك حتى تَبيَّن فيه الوجهُ، ويقال: قد اختَمر العَجِينُ؛ أي: بلَغَ إدْراكَه.
وقال بعضُهم: إنّما سُمِّيَتِ الخمرُ خمرًا؛ لأنّها اشْتُقَّتْ من المُخامَرَةِ التي هي المُخالَطَة؛ لأنّها تُخالِطُ العقل، وهذا مأخوذ من قولِهم: دَخَلْتُ في خِمارِ الناس؛ أي: اخْتَلَطْتُ بهم. وهذا الوَجْهُ يَقرُبُ من المعنى الأوّل. والثلاثةُ الأوجهِ
стр. 461
كلُّها موجودةٌ في الخمر (١)؛ لأنّها تُركَتْ حتى أدْرَكَتِ الغَلَيانَ وحَدَّ الإسْكار، وهي مُخالِطَةٌ للعقل، وربّما غلَبَتْ عليه وغَطَّتْه. وقد رَوينا عن عمرَ بنِ الخَطّابِ أنّه قال: الخَمْرُ ما خَمَّرْتَه.
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٢)، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عديٍّ، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَص، عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدَة، عن عمرَ، قال: الخمرُ من خمسة؛ من التمر، والزبيب، والعَسَل، والحِنْطَة، والشعير. والخمرُ ما خَمَّرْتَه.
وقد أجمَع علماءُ المسلمين في كلِّ عصرٍ وبكلِّ مصر، فيما بلَغَنا وصَحَّ عندَنا، أنَّ عَصيرَ العِنَبِ إذا رَمَى بالزَّبَد، وهدَأ، وأسْكَرَ الكثيرُ منه أو القليل، أنّه خمرٌ، وأنّه ما دام على حالِه تلك حرامٌ، كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، رِجْسٌ نَجِسٌ كالبول، إلّا ما رُوِيَ عن ربيعةَ في نُقَطٍ من الخمر، شيءٌ لم أرَ لذِكْرِه وجهًا؛ لأنّه خِلافُ إجماعِهم. وقد جاء عنه في مثل رُؤوسِ الإبَرِ من نُقَطِ البولِ نحوُ ذلك.
والذي عليه عامّةُ العلماءِ في خمرِ العِنَبِ ما ذكَرْتُ لك عنهم، من تحريم قليلِها وكثيرِها، وأنّها عندَهم رِجْسٌ كسائرِ النجاسات (٣)، إلّا أنَّ تَحرِيمَها عندَهم لعلَّةِ الشدَّةِ والإسْكار، وليس كذلك تَحريمُ الميتةِ وما جَرَى مَجْراها مما حُرِّمَ
стр. 462
لذاتِه وعينِه، ولهذا ما اختَلف العلماءُ في تحليلِ الخمرِ وفي طيبِها عندَ زوالِ العِلَّةِ المذكورةِ عنها، وسنذكُرُ اختِلافَهم في تحليلِ الخمرِ في آخرِ هذا البابِ إن شاءَ اللَّه.
وكخمرِ العِنَبِ عندَهم نَقِيعُ الزَّبيبِ إذا غَلَا وأسْكَر، قَليلُه وكثيرُه في التحريم سواءٌ؛ لأنّه عندَهم ميِّتٌ أُحْيي (١).
واختلَف العلماءُ في سائرِ الأنبِذَةِ المُسْكِرَة، فقال العراقيُّون: إنّما الحرامُ منها السُّكْرُ، وهو فعلُ الشارِب، وأمّا النبيذُ في نفسِه، فليس بحرام ولا نَجِس؛ لأنَّ الخمرَ العِنَبُ لا غيرُه، بدليل قولِ اللَّه : ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]؛ يعني عنبًا (٢).
قال أبو عُمر: ليس في هذا دليلٌ على أنَّ الخمرَ ما عُصِرَ من العنبِ لا غيرُ؛ لِما قدَّمْنا ذِكْرَه من أنَّ الخمرَ المعروفةَ عندَ العربِ ما خمَر العقلَ وخامَرَه، وذلك اسمٌ جامعٌ للمُسْكِرِ من عصيرِ العنبِ وغيرِه.
وقال أهلُ المدينة، وسائرُ أهلِ الحجاز، وعامّةُ أهلِ الحديثِ وأئمَّتُهم (٣): إنَّ كلَّ مُسْكِرٍ خمرٌ، حُكْمُه حُكْمُ خمرِ العنبِ في التحريم والحَدِّ على مَن شَرِب شيئًا من ذلك كلِّه، كما هو عندَ الجميع منهم على شارِبِ خمرِ العَنِب. ومن الحُجَّةِ لهم أنَّ القرآنَ قد وَرَد بتحريم الخمرِ مُطلَقًا، ولم يَخُصَّ خمرَ العنبِ من غيرِها، فكلُّ ما وقَعَ عليه اسمُ خمرٍ من الأشرِبَةِ فهو داخِلٌ في التحريم بظاهرِ الخطاب، والدليلُ على ذلك أنَّ الخمرَ نزَلَ تحريمُها بالمدينة، وليس بها شيءٌ من خمرِ العنب.
стр. 463
قال أبو عُمر: لا خلافَ بينَ علماءِ المسلمين أنَّ سورةَ "المائدة" نزَلت بتحريم الخمر، وهي مدنيّةٌ، من آخرِ ما نزَل بالمدينة، وذلك قولُ اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ثم قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. فنَهَى عنها، وأمرَ باجتنابِها، كما قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. ثم زجَر وأوعَد مَن لم يَنتَهِ أشَدَّ الوعيدِ في كتابِه، وعلى لسانِ رسولِه ﷺ ، وسمّاها رِجْسًا، وقرَنها بالميتةِ والدم ولحم الخنزير، بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] والرِّجْسُ: النجاسةُ.
وقال في الخمر: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ فقرَنها بلحم الخنزير.
وورَد التحريمُ في الميتةِ والدم والخنزيرِ خبرًا، وفي الخمرِ نهيًا وزجرًا، وهو أقْوَى التحريم وأوْكَدُه عندَ العلماء، وفي إجماع أهلِ الصلاةِ على هذا التّأويل ما يُغني عن الإكثارِ فيه، وقد مضَى في بابِ إسماعيلَ بنِ أبي حكيم ذِكْرُ معنى التحريم في اللغة، وأنّه المنعُ (١)، وكلُّ ما مُنِعْتَ منه فقد حُرِّمَ عليك؛ دليلُ ذلك قولُ اللَّه : ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]؛ أي: مَنعْناه من رَضاع غيرِ أُمِّه. وقال اللَّهُ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]. وقال تباركَ اسمُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ الآيةَ [الأعراف: ٣٣]. فحَصَلَ بهاتَيْن الآيتَيْنِ تَحريمُ الخمرِ نصًّا.
стр. 464
قرأتُ على سعيدِ بنِ نصر (١)، فأقَرَّ به، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدثهم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ يونس، قال: حدَّثنا أبو شهاب، عن الحسنِ بنِ عمرو، عن طَلحةَ بن مُصَرِّف، عن ابنِ عباس (٢)، قال: لما نزَل تحريمُ الخمرِ مشَى أصحابُ النبيِّ ﷺ بعضُهم إلى بعض وقالوا: حُرِّمت الخمرُ، وجُعِلَتْ عِدْلًا للشِّرْك (٣).
قال أبو عُمر: يعني، واللَّهُ أعلم، أنّه قَرَنها وعدَلها بالذَّبْح للأنصاب، وذلك شِرْكٌ.
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو مسلم إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّه الكَشِّي (٤)، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن عبدِ الحميدِ بنِ
стр. 465
جَعفَر، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيب، عن عمرِو بنِ الوليد، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَن كذَب عليَّ متعمِّدًا فلْيتبوَّأْ مقعدَه من النار، وإنَّ اللَّهَ ورسولَه حَرَّما الخمرَ، والميسرَ، والكُوبةَ، والغُبَيْراء" (١).
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شعبة، قال: حدَّثني سَلَمةُ بنُ كُهَيْل، قال: سمِعتُ أبا الحَكَم، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن نبيذِ الجَرِّ، فقال: نهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن نَبيذِ الجَرِّ والدُّبّاء. وقال ابنُ عباس: من سَرَّه أن يُحرِّمَ ما حَرَّم اللَّه، فلْيُحَرِّم النبيذَ (٢).
стр. 466
وذكَر يحيى بنُ سَلّام، عن شَرِيك (١)، عن سِمَاكِ بنِ حرب، عن عكرمة، قال: ما أُحِلَّتِ الغنيمةُ لأحَدٍ قبلَكم، ولا حُرِّمت الخمرُ على قوم قبلَكم.
ولما اختلفَ العلماءُ فيما تقدَّم ذِكْرُنا له من مُسكِرِ الأنبذَة، وجَب الرُّجوعُ عندَ تنازُعِهم في ذلك إلى ما ورَدَ به الكتاب، أو قام دليلُه منه، أوَ ثبتَتْ به سُنَّةٌ عن النبيِّ ﷺ ، وقد ذكَرْنا ما يُوجِبُه إطْلاقُ اسم الخمر، وما يَعرِفُه أهلُ اللسانِ من اشتقاقِها.
وأمّا السُّنة، فالآثارُ الثابتةُ كلُّها في هذا الباب تَقْضي على صحَّةِ قولِ أهلِ الحجاز. وقد روَى أهلُ العراقِ فيما ذهَبوا إليه آثارًا لا يَصِحُّ شيءٌ منها عندَ أهلِ العلم بالحديث، وقد أكثرَ الناسُ في تعليلِ تلك الأحاديث، وفي الاستظهارِ بتكريرِ الآثارِ في تَحريم المُسْكِر، ونحن نذكُرُ منها في هذا الباب ما يُغْنِي ويَكفِي عن التطويل. وقد مفَى في هذا الباب عن عمرَ ﵁ أنَّ الخمرَ من خمسةِ أشياء، وحسبُكَ به عالمًا باللسانِ والشرع.
وروَى يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي كثيرٍ الغُبَريِّ السُّحَيميِّ، واسمُه يزيدُ بنُ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "الخمرُ من هاتينِ الشَّجرتَين؛ النَّخلةِ والعِنَبة". وفي هذا ما يُبيِّنُ لك أنَّ الخمرَ من غيرِ العِنَب، رواه عن يحيى جماعةٌ من أصحابِه (٢).
стр. 467
وقد جاء عن النبيِّ ﷺ وعن عمرَ بنِ الخطابِ أيضًا في تأويلِ الخمرِ حديثانِ مُبيِّنانِ موضعَ الصوابِ فيما اختُلِفَ فيه، هما جميعًا عندَ الشعبيِّ؛ أحدُهما عن النُّعمانِ بنِ بَشير، عن النبيِّ ﷺ ، والآخرُ عن ابنِ عمر، عن عمرَ قوله:
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ بكر (١)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدم، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِر، عن الشَّعبيِّ، عن النُّعمانِ بنِ بَشِير، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ من العِنَبِ خَمرًا، وإنَّ من العسلِ خمرًا، وإنَّ من البُرِّ خمرًا، وإنَّ من الشَّعيرِ خمرًا، وإنَّ من التّمرِ خمرًا".
стр. 468
قال أبو داود: وحدَّثنا مالكُ بنُ عبدِ الواحدِ المِسْمَعيُّ، قال: حدَّثنا مُعْتَمرٌ، قال: قَرأتُ على الفُضَيْل، عن أبي حَرِيز (١)، أنَّ عامِرًا أخبَره، أنَّ النعمانَ بنَ بَشِير، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ الخمرَ مِن العصِير، والزبيب، والتمر، والحِنْطَة، والشَّعير، والذُّرَة، وإنِّي أنْهاكم عن كلِّ مُسْكِر" (٢).
حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مروان (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنُ سليمانَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٤): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو حيّانَ التَّيْميُّ، قال: حدَّثنا الشعبيُّ، عن ابنِ عمرَ، قال: سمِعتُ عمرَ يَخطُبُ على مِنبرِ المدينة، قال: يا أيُّها الناسُ، ألا إنّه قد نزَلَ تحريمُ الخَمرِ يومَ نزَل، وهي من خمسة؛ من العنب، والتمر، والعسل، والحِنْطَة، والشَّعير. والخمرُ: ما خامَرَ العقل.
стр. 469
وهذا أبيَنُ ما يكونُ في معنى الخمر، يخطُبُ به عمرُ بالمدينةِ على المنبَرِ بمحضَرِ جماعةِ الصحابة، وهم أهلُ اللسان، ولم يَفهَموا من الخمرِ إلّا المعنَى الذي ذكَرْنا، وباللَّه توفيقُنا.
وحدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ مروان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرٍو، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل (١) وجدِّي أحمدُ بنُ منيع، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ إدريس، قال: سمِعتُ المختارَ بنَ فُلْفُل، قال: قال أنسٌ: الخمرُ من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذُّرَة، فما خَمَّرْتَ من ذلك فهو الخمر.
أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد (٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا حَجّاجٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سلَمة، عن عليِّ بن زيد، عن صفوانَ بنِ مُحْرِز، قال: سمِعتُ أبا موسى الأشعريَّ يخطُبُ فقال: خمرُ المدينةِ من البُسْرِ والتمر، وخمرُ أهلِ فارسَ من العنب، وخمرُ أهلِ اليَمَن البِتْعُ؛ وهو من العَسَل، وخمرُ الحَبَشِ السُّكُرْكَةُ؛ من الذُّرَة (٣).
стр. 470
وثَبتَ عن النبيِّ ﵇ أنّه قال: "كلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حَرام". وقوله: "كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فهو حَرامٌ، وما أسْكَرَ كثيرُه فقَليلُه حَرام" (١). وأصَحُّ شيءٍ في ذلك وأثبَتُه، وأشَدُّه استِقامَةً في الإسناد، حديثُ مالكٍ (٢) وغيرِه، عن ابن شِهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سُئِل عن البِتعْ، فقال: "كُلُّ شرابٍ أسكَرَ فهو حرامٌ". والبِتع: شَرابُ العَسَل، لا خِلافَ في ذلك، فدَلَّ على أنَّ الخمرَ المُحَرَّمةَ قد تكونُ من غيرِ العِنَب، وحديثُ ابنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ في ذلك صحيحٌ ثابت:
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ الأُمويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ النَّسَويُّ، قال (٣): حدَّثنا سُوَيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ المبارَك، عن حمادِ بنِ زيد، عن أيوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كلُّ مسكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ".
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التّمّار، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ ومحمدُ بنُ عيسى في آخَرِين،
стр. 471
قالوا: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، ومَن مات وهو يَشْرَبُ الخمرَ في الدنيا، لم يشرَبْها في الآخرة".
حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ مروان (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ سليمانَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٢): حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، قال: أخبرني موسى بنُ عقبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ مُسكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ".
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرَّحمن القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيب، قال (٣): حدَّثنا الحُسينُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ، وكلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ". قال الحُسينُ بنُ منصور: قال أحمدُ بنُ حنبل: هذا حديثٌ صحيحٌ.
стр. 472
قال أبو عُمر: هكذا روَى هذا الحديثَ أبو حازم بنُ دينار (١)، ولَيثٌ (٢)، وأبو مَعْشَر (٣)، وإبراهيمُ الصّائِغُ (٤)، والأجْلَحُ (٥)، وعبدُ الواحدِ بنُ قَيْس (٦)، وأبو الزِّناد (٧)، ومحمدُ بنُ عَجْلان (٨)، وعبيدُ اللَّه بنُ عمرَ العُمَريُّ (٩)، كلُّهم عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ مرفوعًا، كما رواه أيوبُ السَّخْتيانيُّ وموسى بنُ عُقْبة (١٠).