← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4073–4112 · переход к 4078.

стр. 4073

وقال ابن وَهْب، عن مالكٍ: يُسلِّمُ تِلقاءَ وجهِهِ: السَّلامُ عليكُم، بتسليمةٍ واحِدةٍ (١). وقال أشهبُ، عن مالكٍ: أنَّهُ سُئلَ عن تسليم المُصلِّي وَحْدهُ، فقال: يُسلِّمُ واحِدةً عن يَمينِهِ. فقيل لهُ: وعن يَسارِهِ؟ فقال: ما كانُوا يُسلِّمُون إلّا واحِدةً، وإنَّ من النّاسِ من يَفْعلُهُ. وقال مرَّةً أُخرى: إنَّما حَدَثتِ التَّسليمتانِ من زَمَنِ بني هاشِم. فقال مالكٌ: والمأمُومُ يُسلِّمُ تَسْليمةً عن يمينِهِ، وأُخْرَى عن يسارِهِ، ثُمَّ يرُدُّ على الإمام (٢). ورُوي عن سعيدِ بن المُسيِّبِ مِثلُهُ (٣). وقال عنهُ ابن القاسم: من صلَّى لنَفْسِهِ، يُسلِّمُ عن يمينِهِ ويَسارِهِ. وقال: وأمّا الإمامُ فيُسلِّمُ تَسْليمةً واحِدةً تِلْقاءَ وَجْهِهِ، يَتَيامنُ بها قليلًا (٤). واختلَفَ قولُهُ في مَوْضِع ردِّ المأمُوم على الإمام، فمرَّةً قال: يُسلِّمُ عن يمينِهِ ويَسارِهِ، ثُمَّ يرُدُّ على الإمام. ومرَّةً قال: يرُدُّ على الإمام، بعد أن يُسلِّمَ عن يمينِهِ (٥). قال أبو عُمر: الذي تحصَّلَ من مذهبِ مالكٍ ﵀، أنَّ الإمام يُسلِّمُ واحِدةً تِلْقاءَ وجهِهِ، ويَتَيامنُ بها قليلًا، والمُصلِّي لنَفْسِهِ يُسلِّمُ اثْنَتينِ، والمأمُومُ يُسلِّمُ ثلاثًا، إن كانَ عن يَسارِهِ أحدٌ. وقال اللَّيثُ بن سعْدٍ: أدركتُ الأئمَّةَ والنّاسُ يُسلِّمُونَ تَسْليمةً واحِدةً تِلقاءَ وُجُوهِهِمُ: السَّلامُ عليكُم. وكان اللَّيثُ يَبْدأُ بالرَّدِّ على الإمام، ثُمَّ يُسلِّمُ عن يَمينِهِ، وعن يَسارِهِ (٦).

стр. 4074

قال أبو عُمرَ: روى الدَّراوَرْديُّ، عن مُصعبِ بن ثابِتٍ، عن إسماعيلَ بن محمدٍ، عن عامِرِ بن سَعْدٍ، عن سَعْدٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُسلِّمُ في الصلاةِ تَسْليمةً واحِدةً: السَّلامُ عليكُم (١). وقد وهِمَ فيه الدَّراورديُّ، وإنَّما الحديثُ لمُصعبِ بن ثابِتٍ، عن إسماعيل بن محمدٍ، عن عامِرِ بن سعدٍ، عن أبيهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُسلِّمُ عن يمينِهِ وَيسارِهِ، حتّى يُرى بياضُ خدَّيهِ من هُنا وهنا. هكذا رواهُ ابن المُباركِ (٢) وغيرُهُ، عن مُصعبِ بن ثابِتٍ بإسناد. وأمّا حديثُ عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ كانَ يُسلِّمُ تَسْليمةً واحِدةً. فلا يصِحُّ مرفُوعًا؛ لأنَّهُ لم يَرْفعهُ إلّا زُهَير (٣) بن محمدٍ، عن هشام بن عُروةَ (٤). وهُو ضعيفٌ، ضعَّفهُ ابن مَعِينٍ وغيرُهُ.

стр. 4075

وفي التَّسْلِيمتينِ حديثُ ابن مسعُودٍ ثابِتٌ صحيحٌ. رواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن الأسْوَدِ، عن أبيهِ وعَلْقمَة (١)، عن عبدِ الله قال: كانَ رسُولُ الله ﷺ وأبو بكرٍ يُسلِّمُونَ عن أيْمانِهِم، وعن شَمائلِهِم في الصَّلاةِ: السَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله، السَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله (٢). ورواها ابن عُمر (٣) وأبو حُميدٍ السّاعِديُّ (٤)، عن النَّبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: اختلَفَ القائلُونَ بالتَّسْليمتينِ في وُجُوبِهِما فرضًا (٥). فقالت طائفةٌ منهُم: كِلا التَّسْليمتينِ سُنَّةٌ، ومن لم يأتِ بالسَّلام بعدَ أن يَقْعُد مِقْدار التَّشهُّدِ، فقد تمَّت صلاتُهُ. قالوا: وإنَّما السَّلامُ إعْلامٌ بانقِضاءِ الصَّلاةِ وتَمامِها. واحتجُّوا بأنَّ السَّلامَ إذا وُضِع في غيرِ مَوْضِعِهِ، كالكلام، فكذلكَ هُو في آخِرِ الصَّلاةِ.

стр. 4076

ومِمَّن قال ذلكَ: أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والأوزاعيُّ، وأكثرُ أهلِ الكُوفةِ، إلّا الحسن بن حيٍّ، فإنَّهُ أوجبَ التَّسْليمتينِ جميعًا، بقولِهِ ﵇: "تحليلُها التَّسليمُ" (١). ثُمَّ بيَّن بفِعلِهِ كيفَ التَّسليمُ. وقال آخرُونَ، منهُمُ الشّافِعيُّ: التَّسليمةُ الأُولى يخرُجُ بها من صلاتِهِ واجِبةٌ، والأُخرى سُنَّةٌ (٢). ومن حُجَّتِهِ، قولُهُ ﷺ : "تحليلُها التَّسليمُ". والتَّسْليمةُ الواحِدةُ يَقَعُ عليها اسمُ تسليم، وهذه أيضًا حُجَّةُ من قال بالتَّسليمةِ الواحِدةِ، وبالله التَّوفيقِ. وقال الثَّوريُّ: إذا كُنتَ إمامًا فسلِّم عن يَمينِكَ وعن يسارِكَ: السَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله، فإن كُنتَ غير إمام، فإذا سلَّمَ الإمامُ، فسلِّم عن يمينِكَ وعن يسارِك، تَنْوي به الملائكةَ، ومن معكَ من المُسلِمينَ (٣). وقال الشّافِعيُّ: نأمُرُ كلَّ مُصلٍّ أن يُسلِّمَ عن يمينِهِ وعن يَسارِهِ، إمامًا كانَ أو مُنفرِدًا أو مأمُومًا، ويقولُ في كلِّ واحِدةٍ منهُما: السَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله، وينوي بالأُولى من عن يَمينِهِ، وبالثّانيةِ من عن يَسارر، وينوي المأمُومُ الإمام بالتَّسليمةِ التي إلى ناحيتِهِ في اليمينِ أو في المسارِ. قال: ولو اقْتَصرَ على تسليمةٍ واحِدةٍ، لم يكُن عليه إعادةٌ (٤).

стр. 4077

ابن شِهاب، عن ابن السَّبّاقِ حديثٌ واحِدٌ مُرسلٌ ابن السَّبّاقِ هذا عُبيدٌ (١)، روى عنهُ ابن شِهاب، وابنُهُ سعيدُ بن عُبيدِ بن السَّبّاقِ، وهُو من ثِقاتِ التّابِعين بالمدينةِ، ومن أشْرافِهِم، من بني عبدِ الدّارِ بن قُصيٍّ، ولم يذكُرهُ أهلُ النَّسبِ، وللسَّبّاقِ بن عبدِ الدّارِ بن قُصيٍّ: عوفٌ، وعُبيدٌ، وعَمِيلة، وعبدُ الله. قال الزُّبيرُ: بغى بعضُهُم على بعضٍ، فهَلَكُوا وانْقَرضُوا. قال: وهُم أوَّلُ من بَغَى بمكَّةَ، فتفانوا في البَغْيِ، ولم يَبْق منهُم إلّا قليلٌ. قال: وصارَ بعضُ بني السَّبّاقِ في عَكٍّ. ولم يذكُرِ ابن شِهابٍ هذا.

стр. 4078

مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن ابن السَّبّاقِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال في جُمُعةٍ من الجُمَع: "يا مَعْشرَ المُسلِمينَ، إنَّ هذا اليومَ جَعَلهُ الله عيدًا للمُسلِمينَ فاغْتَسِلُوا، ومن كان عندَهُ طيبٌ، فلا يَضُرُّهُ (٢) أن يَمَسَّ منهُ، وعليكُم بالسِّواكِ". هكذا رواهُ جماعةٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن ابن السَّبّاقِ، مُرسلًا. كما يُروى، ولا أعلمُ فيه بين رُواةِ "المُوطَّأ" اختِلافًا (٣). ورواهُ حجّاجُ بن سُليمان الرُّعينيُّ، عن مالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمةَ وحُميدٍ ابْنَي عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، أو (٤) عن أحَدِهِما، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال في جُمُعةٍ من الجُمع. فذكَرَهُ حرفًا بحَرْفٍ (٥). رواهُ عن حجّاج هذا، وهُو حجّاجُ بن سُليمانَ بن أفلَحَ الرُّعَينيُّ، يُكْنَى (٦) أبا الأزْهَرِ، جماعةٌ هكذا، ولا يصحُّ فيه عن مالكٍ إلّا ما (٧) في "المُوطَّأ". وقد رواهُ يزيدُ بن سعيدٍ الصَّبّاحُ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن سَعيدِ بن أبي سَعيدٍ المقبُريِّ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ. ولم يُتابِعهُ أحدٌ من الرُّواةِ على ذلكَ، ويزيدُ بن سَعيدٍ هذا من أهْلِ الإسكندريَّةِ، ضعيفٌ.

стр. 4079

حدَّثنا خلفُ بن القاسم الحافِظُ، قال: حدَّثنا أبو طالبٍ محمدُ بن زكريّا بن (١) يحيى بن أعين المقدِسيِّ بها، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أحمد بن سُليمانَ أبو عليٍّ البَصْريُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن سَعيدٍ الصَّبّاحيُّ، قال: حَضَرتُ مالكًا سنةَ اثْنتينِ وسبعينَ ومئةٍ، وهُو يُسألُ عن غُسْلِ الجُمُعةِ، قال: حدَّثني صَفْوانُ بن سُليم، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ في جُمُعةٍ من الجُمع: "يا مَعْشرَ المُسلِمينَ، إنَّ هذا يَوْمٌ جَعَلهُ الله عيدًا فاغْتَسِلُوا، وعليكُم بالسِّواكِ" (٢). قال أبو عُمر: لم يُتابِعهُ أحدٌ على الإسنادينِ جميعًا في هذينِ الحديثينِ. ومِمّا أجازَ لنا أبو جَعْفرٍ أحمدُ بن رحمُونَ الإفريقيُّ. وحدَّثنا به عنهُ أيضًا أبو العبّاسِ أحمدُ بن سَهْلِ بن المُباركِ البَصْريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدِ بن مَيْسرةَ، وأحمدُ بن قُرادٍ الجُهينيُّ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بن سَعيدٍ الصَّبّاحيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن سَعيدِ بن أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُول الله ﷺ قال في جُمعةٍ من الجُمع: "يا معشَرَ المُسلِمينَ، إنَّ هذا يومٌ جَعلهُ الله عيدًا فاغْتَسِلُوا، وعليكُم بالسِّواكِ" (٣). وحدَّثنا خلفُ بن قاسِم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن صالح بن عُمر المُقرئُ بالرَّمْلةِ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن سُليمانَ. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ بن إسحاق الرّازيُّ، قال: حدَّثنا أبو رِفاعةَ عُمارةُ بن وَثِيمةَ بن مُوسَى وأبو عليٍّ الحسنُ بن أحمد بن سُليمانَ؛ قالوا: حدَّثنا يزيدُ بن سعيدٍ الصَّبّاحيُّ الإسكندرانيُّ، قال: سمِعتُ مالك بن أنسٍ، قال: حدَّثني سعيدُ بن أبي سعيدٍ، عن أبي هُريرةَ.

стр. 4080

وقال الحسنُ بن أحمد: عن سعيدٍ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، قال رسُولُ الله ﷺ في جُمُعةٍ من الجُمَع: "يا معشَرَ المُسلِمينَ، إنَّ هذا يومٌ جعَلَهُ الله عيدًا فاغتسِلُوا، وعليكُم بالسِّواكِ". وهذا اضطِرابٌ عن يزيدَ بن سعيدٍ، ولا يصِحُّ شيءٌ من رِوايتِهِ في هذا البابِ. وقدِ اخْتَلف في هذا الحديثِ أصحابُ ابن شِهابٍ أيضًا، فرَواهُ مالكٌ كما رأيتَ في هذا الحديث (١)، ورواهُ ابن لهيعةَ، عن عُقَيلٍ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني أنسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في جُمُعةٍ من الجُمع: "يا مَعْشرَ المُسلِمين، إنَّ هذا يومٌ جَعَلهُ الله عيدًا فاغتسِلُوا، وعليكُم بالسِّواكِ". حدَّثني خلفُ بن قاسِم، قال: أخبرنا أحمدُ بن الحسنِ بن إسحاقَ، قال: أخبرنا يحيى بن عُثمان بن صالح، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا ابن لَهِيعةَ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، أنَّ ابن شِهابٍ أخبرهُ، عن أنسٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال في جُمُعةٍ من الجُمَع: "يا مَعْشرَ المُسلِمينَ، إنَّ هذا يومٌ جَعَلهُ الله عيدًا للمُسلِمين، ومن كانَ عِندهُ طيبٌ فلا يَضُرُّهُ (٢) أن يَمسَّ منهُ، وعليكُم بالسِّواكِ" (٣). ورواهُ مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني من لا أتَّهِمُ من أصحابِ محمدٍ ﷺ ، أنَّهُم سمِعُوا رسُول الله ﷺ في جُمعةٍ من الجُمع وهُو على المنْبرِ، وهُو يقولُ: "يا مَعْشرَ المُسلِمينَ، إنَّ هذا اليوم يومٌ (٤) جَعَلهُ الله عيدًا للمُسلِمينَ، فاغْتَسِلُوا فيه بالماءِ، ومن كان عندَهُ طيبٌ، فلا يَضُر أن يَمسَّ منهُ، وعليكُم بالسِّواكِ" (٥).

стр. 4081

وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: الأمرُ بغُسلِ الجُمعةِ. وقد مَضَى القولُ فيهِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سالم (١) فأغْنَى عن إعادتِهِ هاهُنا. وفيه الغُسلُ للعيدينِ، لقولِهِ: "إنَّ هذا يومٌ جَعلَهُ الله عيدًا فاغتسِلُوا". وفيه أخذُ الطِّيبِ في يوم الجُمعةِ. وأخذُهُ مندُوبٌ إليه حسنٌ، مرغُوبٌ فيهِ، كان رسُولُ الله ﷺ يُعرَفُ برائحةِ الطِّيبِ إذا مَشَى. وقال ﷺ : "لا ترُدُّوا الطِّيبَ، فإنَّهُ طيِّبُ الرِّيح، خَفِيفُ المَحْمَلِ" (٢). وفيه الحثُّ على السِّواكِ. والآثارُ في السِّواكِ كثيرةٌ، وقد مَضَى القولُ في سِواكِ القَوْم فيما مَضَى من كتابنا، أنَّهُ كانَ الأراكِ والبَشامِ (٣). قال أبو عُمر: وكلُّ ما جَلا الأسْنانَ، ولم يُؤذِها، ولا كانَ من زينةِ النِّساءِ، فجائزٌ الاستِنانُ به. وهذا القولُ يَحْمِلُهُ أهلُ العِلم، أنَّهُ كان من رسُولِ الله ﷺ ، وهُو يخطُبُ في الجُمُعةِ، وإذا كان كذلكَ، كان فيه دليلٌ على أنَّ للخَطِيبِ أن يأتي في خُطْبتِهِ بكلِّ ما يَحْتاجُ إليه النّاسُ، من فُصولِ الأعيادِ وغيرِها، تعليمًا لهُم، وتَنْبيهًا على ما يُصلِحُهُم في دينِهِم. وفيه دليلٌ على أنَّ من حلَفَ أنَّ يومَ الجُمعةِ يومُ عيدٍ، لم يَحْنثْ، وكذلكَ إن قال: والله لأُعطينَّكَ كذا، ولأفعلَنَّ كذا يوم عيدٍ، ولم يَنْوِ يوم الفِطْرِ، ولا الأضْحَى، وأيام التَّشريقِ، ولا نَوَى شيئًا، أنَّهُ يَبَرُّ بأن يفعلَ ذلكَ يوم جُمُعةٍ، والله أعلمُ.

стр. 4082

أخبرنا قاسِمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا سُلَيمانُ بن بلالٍ، قال: حدَّثني عَمرُو بن أبي عَمرٍو، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ قال: الغُسلُ يومَ الجُمُعةِ ليسَ بواجِبٍ، ومن اغْتَسلَ فهُو خيرٌ وأطهرُ. ثُمَّ قال: إنَّ النّاسَ على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ كانُوا يَلْبسُون الصُّوف، وكان المسجِدُ ضيِّقًا مُتقارِبَ السَّقفِ، خرَجَ رسُولُ الله ﷺ يوم الجُمُعةِ في يوم صائفٍ شديدِ الحرِّ، ومنْبرُهُ صغيرٌ، إنَّما هُو ثلاث دَرَجاتٍ، فخطَبَ النّاس، فعرِقَ النّاسُ في الصُّوفِ، فصارُوا يُؤذي بعضُهُم بعضًا، حتّى بَلَغت أرواحُهُم رسُولَ الله ﷺ وهُو على المنْبرِ، فقال: "يا أيُّها النّاسُ، إذا كانَ هذا اليومُ فاغْتَسِلُوا، وليَمسَّ أحدُكُم ما يَجِدُ من طيبِهِ، أو دُهنِهِ" (١).

стр. 4083

ابن شِهاب، عن صَفْوان بن عبدِ الله بن صَفْوان بن أُميَّةَ الجُمَحيِّ حديثٌ واحِدٌ وقد ذكَرْنا نسب صَفْوان بن أُميَّةَ في كِتابنا في "الصَّحابةِ" (١) وذكَرْنا أشياءَ من أخْبارِهِ هُناك، وصَفْوانُ (٢) بن عبدِ الله بن صَفْوان هذا حَفِيدُهُ، أحدُ الثِّقاتِ، روى عنهُ ابن شِهاب، وأخُوهُ عَمرُو بن عبدِ الله بن صَفْوان. وكان أطعَمَ النّاس الطَّعامَ في دَهْرِهِ، وفيه يقولُ الفَرَزدقُ، إذ نظرَ إلى عبدِ العزيزِ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدٍ، وهُو يَخْطِرُ حول البيتِ: تظلُّ تخطِرُ حول البيتِ مُنْتحيًا ... لو كُنتَ عَمرو بن عبدِ الله لم تَزِدِ (٣) وأمّا عبدُ الله بن صفوان بن أُميَّةَ، فأحَدُ الأشرافِ الجلَّةِ، قُتِلَ مع ابن الزُّبيرِ بمكَّةَ، وذلكَ أنَّهُ كان عدُوًّا لبَني أُميَّةَ، وهذا كلُّهُ لا يختلِفُ فيه أهلُ العِلم بالنَّسبِ، والله أعلمُ.

стр. 4084

مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن صَفْوانَ بن عبدِ الله بن صَفْوانَ بن أُميَّةَ، أنَّ صفوان بن أُميَّةَ قيلَ لهُ: إنَّهُ من لم يُهاجِرْ هَلكَ، فَقدِمَ صفوانُ بن أُميَّةَ المدينةَ، فنامَ في المسجِدِ، وتَوسَّد رِداءَهُ، فَجاءَهُ سارِقٌ فأخَذَ رِداءَهُ، فأخَذَ صَفْوانُ السّارِقَ، فَجاءَ به إلى رسُولِ الله ﷺ ، فأمرَ به رسُول الله ﷺ أن تُقْطَعَ يدُهُ، فقال صَفْوانُ: إنِّي لم أُرِدْ هذا يا رسُولَ الله، هُو عليه صَدَقةٌ، فقال رسُول الله ﷺ : "فَهلّا قبلَ أن تأتِيَني به". هكذا رَوَى هذا الحديث جُمهُورُ أصحابِ مالكٍ مُرسلًا (٢). ورواهُ أبو عاصم النَّبيلُ، عن مالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن صَفْوانَ بن عبدِ الله بن صَفْوانَ، عن جدِّهِ قال: قيلَ لصَفْوانَ: إنَّهُ من لم يُهاجِرْ هلَكَ (٣). وساقَ الحديثَ على ما في "المُوطَّأ". ولم يَقُل أحدٌ فيما علِمتُ في هذا الحديثِ، عن صَفْوانَ بن عبدِ الله بن صَفْوان، عن جدِّهِ، غيرُ أبي عاصِم. ورواهُ شَبابةُ بن سوّارٍ، عن مالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله بن صَفْوانَ، عن أبيهِ: أنَّ صفوانَ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنَسٍ، عن

стр. 4085

الزُّهْريِّ، عن عَبدِ الله بن صَفْوانَ، عن أبيهِ: أنَّ صَفْوانَ قيل لهُ: من لم يُهاجِرْ هلكَ، فدَعا براحِلتِهِ فرَكِبَها، حتّى أتَى المدينةَ، فسألَ النَّبيَّ ﷺ قال: قد قيلَ لي من لم يُهاجِرْ هلكَ. فقال النَّبيُّ ﷺ : "ذَهَبتِ الهِجْرَةُ، فارجِعْ إلى بَطْحاءِ مكّةَ". فنامَ صَفْوانُ في المسجِدِ، وتَوَسَّدَ رِداءَهُ، فأُخِذَ من تحتِ رأسِهِ، فجاءَ بسارِقِهِ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فأمرَ به أن يُقْطَعَ. فقال صَفْوانُ بن أُميَّةَ: يا رسُولَ الله إنِّي لم أُرِدْ هذا، رِدائي عليه صَدَقةٌ. فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "أفَلا قبلَ أن تأتِيَني به" (١). ورواهُ أبو عَلْقمةَ الفرويُّ، عن مالكٍ، كما رواهُ شبابةُ بن سوّارٍ عنهُ بإسناده سَواءً. حدَّثنا بحديثِ شبابةَ بن سوّارٍ، عن مالكٍ: خلَفُ بن قاسِم، قال: حدَّثني أبو عِيسَى العبّاسُ بن أحمد الأزديُّ وأبو محمدٍ الحَسَنُ بنُ رَشيقٍ ونَصرُ بن عليٍّ البَزّارُ، قالوا: حدَّثنا أبو العَلاءِ محمدُ بن أحمد بن جَعْفرٍ الكُوفيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا شَبابةُ بن سوّارٍ المدائنيُّ، حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن ابن شِهاب، فذكرهُ. وقد ذكر الطَّحاويُّ (٢) حديث شَبابةَ، عن محمدِ بن أحمد بن جَعْفرٍ، عن أبي بكر بن أبي شَيْبةَ، عن شَبابةَ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن صَفْوان، عن أبيهِ، فذكَرَهُ هكذا ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن صَفْوانَ، عن أبيهِ. وقال الطَّحاويُّ (٣): جائزٌ أن يسمع ابن شِهابٍ هذا الحديث من عبدِ الله بن صفوان بن أُميَّةَ، عن أبيهِ. ومن صَفْوانَ بن عبدِ الله، عن جَدِّهِ، وذلكَ غيرُ مُسْتنكرٍ،

стр. 4086

لابنِ شِهابٍ في أحاديثهِ عن غيرِ هذينِ مِمَّن يُحدِّثُ عنهُ، وغيرُ مُسْتَنكرٍ سماعُهُ من عبدِ الله بن صَفْوانَ، لأنَّ عبد الله بن صفوان قُتِلَ مع عبدِ الله بن الزُّبيرِ، في اليَوْم الذي قُتِل فيهِ، من سنةِ ثلاثٍ وسَبْعينَ. قال: والزُّهْريُّ يومئذٍ سِنُّهُ أربعَ عَشْرةَ سنةً، لأنَّ مولِدهُ كان في السَّنةِ التي قُتِل فيها الحُسينُ بن عليٍّ ﵁، وهي سنةُ إحْدَى وسِتِّينَ. قال: فإن قال قائلٌ: قد يجُوزُ أن يَكُونَ عبدُ الله بن صَفْوانَ هذا، هُو عبدُ الله بن صَفْوانَ بن عبدِ الله قيل لهُ: ما نعلمُ لصفوان بن عبدِ الله ابنًا أخذ عنهُ شيئًا من العِلم، وإنَّما عبدُ الله بن صفوان هذا هُو عبدُ الله بن صفوان بن أُميَّةَ. قال أبو عُمرَ: قد رَوَى هذا الحديث عَطاءٌ وطاوُوسٌ، عن صَفْوانَ بن أُميَّةَ. ورواهُ حمّادُ بن سَلَمةَ، عن قَتادةَ، وقيسُ بن سعدٍ، وحبيبٌ المُعلِّمُ، وحُميدُ بن قيس، كلُّهُم عن عطاءٍ (١). ورواهُ حمّادٌ أيضًا، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن طاووسٍ جميعًا، عن صفوانَ بن أُميَّةَ: أنَّهُ كانَ نائمًا في المسجِدِ تحتَ (٢) رأسِهِ خَمِيصَة، فجاءَ لصٌّ فانْتَزعَها من تحتِ رأسِهِ. وذكر الحديثَ (٣). ولم يَسْمعهُ عَطاءٌ من صَفْوانَ بن أُميَّةَ، لأنَّ شُعبةَ وسعيدَ (٤) بن أبي عَرُوبةَ رَوَياهُ عن قَتادةَ، عن عَطاءٍ، عن طارِقِ بن المُرقَّع، عن صفوانَ بن أُميَّةَ: أنَّ رَجُلًا سرَقَ بُرْدَهُ، فرَفَعهُ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فأمرَ بقَطْعِهِ، فقال: يا رسُول الله قد تَجاوزتُ عنهُ، قال: "أفَلا قبلَ أن تأتِيَني به أبا وَهْب". فقَطَعهُ رسُولُ الله ﷺ . أخبرناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، وعبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن خالدٍ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن جَعْفرِ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل قال:

стр. 4087

حدَّثنا أبي (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا سعيد (٢)، عن قَتادةَ، عن عَطاءٍ، عن طارِقِ بن المُرقَّع، عن صَفْوانَ بن أُميَّةَ. فذكرهُ حرفًا بحرفٍ. وذكرهُ النَّسائيُّ (٣)، عن عبدِ الله بن أحمد بن حَنْبل، بإسناده مِثلهُ سواءً. وأخبرنا قاسِمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن إبْراهيمَ، قال: حدَّثنا وهيبٌ (٤)، عن ابن طاووسٍ، عن أبيهِ، عن صَفْوانَ، أنَّهُ قيل لهُ: إنَّهُ لا يدخُلُ الجنّةَ إلّا من قد هاجَرَ، فقال: لا أدخلُ (٥) مَنْزِلي حتّى آتيَ النَّبيَّ ﷺ ، فأتاهُ برَجُل، فقال: يا رسُولَ الله إنَّ هذا سرَقَ خَمِيصةً لي، والرَّجُلُ مَعهُ، فأمَرَ النَّبيُّ ﷺ بقَطْعِهِ، فقال: يا رسُولَ الله إنِّي قد وَهْبتُها لهُ، قال: "فَهلّا قبل أن تأتيني به". قال: فقلتُ: يا رسُولَ الله إنَّهُم يقولونَ: لا يدخُلُ الجنّةَ إلّا من قد هاجَرَ. فقال: "لا هِجْرةَ بعد فتح مكَّةَ، ولكِنْ جِهادٌ ونيَّةٌ، وإذا اسْتُنفِرتُم فانفِرُوا" (٦).

стр. 4088

وطاووسٌ سماعُهُ من صَفْوانَ بن أُميَّةَ مُمكِنٌ، لأنَّهُ أدركَ زَمَنَ عُثمانَ. وذكَرَ يحيى القَطّانُ، عن زُهيرٍ، عن لَيْثٍ، عن طاووسٍ قال: أدركتُ سبعينَ شيخًا من أصْحابِ رسُولِ الله ﷺ . وقد قيل: إنَّ طاووسًا تُوُفِّي وهُو ابن بضمع وسبعينَ سنةً، في سنةِ سِتٍّ ومئةٍ، فإن (١) كان سِنُّهُ هذا، فغيرُ مُمكِنٍ سماعُهُ من صَفْوانَ بن أُميَّةَ، لأنَّ صفوانَ تُوفِّي سنةَ سِتٍّ وثلاثينَ. وقيل: كانت وفاتُهُ بمكَّةَ، عندَ خُرُوج النّاسِ إلى الجَمَل. وقد رُوي هذا الحديثُ، عن طاووسٍ، وعِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، ذكَرهُ البزّارُ من حديثِ الأشْعَثِ بن سوّارٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ. ومن حديثِ زكريّا بن إسحاقَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن طاووسٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبي ﷺ . وهذا لفظُ حَديثِ الأشْعَثِ: عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كان صَفْوانُ بن أُميَّةَ نائمًا في المسجِدِ، فجاءَهُ رجُلٌ، فأخَذَ رِداءَهُ من تحتِ رأسِهِ، فاتَّبعهُ فأدركَهُ، فأتى به النَّبيَّ ﷺ فقال: هذا سَرَقَ رِدائي من تحتِ رأسي، فأمرَ به أن يُقْطَعَ، فقال: إنَّ رِدائي لم يَبلُغْ أن يُقطَعَ فيه هذا. قال: "أفلا قبلَ أن تأتِيَني به" (٢). قال البزّارُ: ورواهُ جماعةٌ عن عِكْرِمةَ مُرسلًا. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 4089

شُعَيبٍ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن عُثمانَ بن حَكِيم، قال: حدَّثنا عَمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطٌ، عن سِماكٍ، عن حُميدٍ ابن أُختِ صَفْوانَ، عن صَفْوانَ بن أُميَّةَ، قال: كُنتُ نائمًا في المسجِدِ على خَمِيصةٍ لي، ثمنُها ثلاثُونَ دِرهمًا، فجاءَ رجُلٌ فاخْتَلسها منِّي، فأُخِذَ الرَّجُلُ، فأُتي به النَّبيَّ ﷺ ، فأمرَ به أن يُقطَعَ، فأتيتُهُ فقلتُ: تَقْطعُهُ من أجْلِ ثلاثينَ دِرهمًا؟ أنا أُمتعهُ (٢) ثمنها. قال: "فهلّا كان قبلَ أن تأتِيَني به". وفي حديثِ مالكٍ من الفِقْهِ والمعاني: أنَّ الِهجْرةَ كانت قبلَ الفتح مُفْتَرضةً. وفيه: إباحةُ النَّوم في المسجِدِ. وفيه: توطُّئ الثِّياب وتَوسُّدُها. وفيه: أنَّ ما جَعلهُ الإنسانُ تحت رأسِهِ، فهُو حِرزٌ لهُ، وما سُرِقَ من حِرزٍ، فيه القَطْعُ. واختلَفَ العُلماءُ في السّارِقِ من حِرْزٍ، فأمّا فُقهاءُ الأمصارِ بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، فإنَّهُمُ اعتبرُوا جميعًا الحِرْزَ في وُجُوبِ القَطْع، باتِّفاقٍ منهُم على ذلكَ، وقالوا: من سرقَ من غيرِ حِرْزٍ، فلا قطعَ عليه، بلَغَ المِقدار أو زادَ. والحُجَّةُ لما ذهَبَ إليه الفُقهاءُ في ذلكَ، قولُهُ ﷺ : "لا قَطْعَ في حَرِيسةِ جَبَل، حتّى يأويها المُراحُ" (٣).

стр. 4090

وأجمعُوا أنَّ السَّارِق من مالِ المُضاربةِ والوَدِيعةِ، لا قطعَ عليه، وقال ﷺ : "لا قطعَ على خائنٍ ولا مُختلِسٍ" (١). وأجمعُوا على ذلكَ. وفي إجْماعِهِم على أن لا قطعَ على خائنٍ ولا مخُتلِس، دليلٌ على مُراعاةِ الحِرْزِ. وقال أهلُ الظّاهِرِ، وبعضُ أهلِ الحديثِ، وأحمدُ بن حَنْبل في رِوايةٍ عنهُ: كلُّ سارِقٍ يُقطعُ، سرقَ من حِرزٍ، وغيرِ حِرْزٍ، لأنَّ الله أمرَ بقطع السّارِقِ أمرًا مُطْلقًا، وبيَّن النَّبيُّ ﷺ المِقْدار، ولم يذكُرِ الحِرْزَ (٢). قال أبو عُمرَ: الحُجَّةُ عليهم ما ذكرنا، وبالله توفيقُنا. واختلفَ الفُقهاءُ في أبوابٍ من معاني الحِرْزِ يطُولُ ذِكْرُها، فجُملةُ قولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حَنِيفةَ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وأصحابِهِم: أنَّ السّارِق من غيرِ حِرْزٍ لا قطعَ عليه. وجُملةُ قولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ في الحِرْزِ: أنَّ الحِرْزَ كلُّ ما يُحرِزُ به النَّاسُ أموالهُم، إذا أرادُوا التَّحفُّظَ بها، وهُو يختلِفُ باخْتِلافِ الشَّيءِ المحرُوزِ، واختِلافِ المَواضِع، فإذا ضُمَّ المتاعُ في السُّوقِ إلى مَوْضِع، وقعدَ عليه صاحِبُهُ، فهُو حِرْزٌ، وكذلك إذا جُعِل في ظَرْفٍ، فأُخرِجَ منهُ، وعليه من يُحرِزُهُ، أو كانت إبِلٌ قُطِرَ (٣) بعضُها إلى بعضٍ، أو أُنيخت في صَحْراءَ حيثُ يُنظرُ إليها، أو كانت

стр. 4091

غنمًا في مُراحِها، أو متاعًا في فُسْطاطٍ، أو بَيْتًا مُغلقًا على شيءٍ، أو مقفُولًا عليه، وكلُّ ما تنسُبُهُ العامَّةُ إلى أنَّهُ حِرْزٌ، على اخْتِلافِ أزْمانِها وأحوالِها (١). قال الشّافِعيُّ: ورِداءُ صفوان كان مُحرزًا باضطِجاعِهِ عليه، فقطَعَ النَّبيُّ ﷺ سارِقهُ (٢). قال: ويُقطعُ النَّبَاشُ إذا أخرجَ الكفنَ من جميع القبرِ، لأنَّ هذا حرزُ مثلهِ (٣). مذهبُ المالكيِّين، والشّافِعيِّين في هذا البابِ مُتقارِب جِدًّا. ولا سَبِيلَ إلى إيرادِ مَسائلِ السَّرِقةِ، على اخْتِلافِ أنواع الحِرْزِ، وقد ذَكَرنا هاهُنا جُملًا تكفي، ومن أرادَ الوُقوفَ على الفُرُوع، نظرَ في كُتُبِ الفُقهاءِ، وبانَ لهُ ما ذكَرْناهُ، وبالله التَّوفيقُ. واختلفُوا أيضًا في السّارِقِ يَرفعُ إلى الحاكِم سَرِقتهُ بيدِهِ، فيُحكُمُ عليه بالقَطْع لثبوتِ سرِقتِهِ بإقرارِهِ، أو ببيِّنةِ عُدُولٍ قامت عليه، فيَهَبُ لهُ المسرُوقُ منهُ ما سرَقهُ، هل يُقطعُ أم لا؟ فقال مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والشّافِعيُّ، وأهلُ الحِجازِ: يُقْطَعُ، لأنَّ الِهبَةَ إنَّما وَقَعت بعد وُجُوبِ الحدِّ، فلا يَسْقُطُ ما قد وجَبَ لله، كما أنَّهُ لو غصَبَ جاريةً، ثُمَّ نكحها قبل أن يُقامَ عليه الحدُّ، لم يُسقِط ذلكَ الحدَّ عنهُ (٤). وأحَدُ أقوالِ أبي يُوسُفَ في هذهِ المسألةِ: أنَّهُ يُقطعُ. كقولِ اهل الحِجازِ. وقال العِراقيُّونَ: إذا أمرَ الحاكمُ بقطع السّارقِ، فتُصدِّقَ عليه بالسَّرقةِ، لم

стр. 4092

يُقْطَع، ودُرِئَ عنه الحَدُّ، لأنَّهُ قد ملكَ الشَّيء المسرُوقَ بالصَّدَقةِ أو الهبةِ، قبلَ أن يُقطعَ، فلا تُقْطعُ يَدُ رَجُل فيما قد ملَكهُ (١). قال الطَّحاويُّ: ويختلِفُونَ في هذه المسألةِ لو كانتِ الِهبةُ قبل أن يُؤتى بالسّارِقِ إلى الإمام، فقال أهلُ الحِجازِ، منهُم مالكٌ، والشّافِعيُّ: يُقطَعُ، ووافقهُم على ذلكَ ابن أبي ليلى. وقال أبو يُوسُف في هذا: لا يُقطعُ. وأمّا أبو حَنِيفةَ، ومحمدُ بن الحسنِ، فقالا: لا يُقطعُ في شيءٍ من ذلكَ، مع وُقوع ملكِهِ (٢) على السَّرِقةِ قبل أن يُرفع إلى الإمام، وبعدَ أن يُرفع إليهِ (٣). وحُجَّةُ أبي يُوسُف، قولُهُ ﷺ : "فهلّا قبلَ أن تأتِيَني به". وهذا يدُلُّ على أنَّهُ لو وهَبَ للسّارِقِ رِداءَهُ قبلَ أن يأتيهُ به، لما قُطِع، والله أعلمُ. قال أبو عُمرَ: الحُجَّةُ قائمةٌ لمالكٍ والشّافِعيِّ على أبي حَنِيفةَ بالحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قطَعَ يدَ السّارِقِ الذي سرَقَ ثوبَ صفوانَ بن أُميَّةَ، بعد أن وَهَبهُ لهُ، وقال: "هلّا قبل أن تأتِيَني به". ومعنى قولِهِ عِندهُم: "فهلّا قبلَ أن تأتِيَني به": هلّا كانَ ما أردتَ من العَفْوِ عنهُ، قبل أن تأتِيَني به، فإنَّ الحُدُود إذا لم أُوتَ بها، ولم أعْرِفها، لم أُقِمْها، وإذا أتَتْني لم يَجُزِ العفوُ عنها، ولا لغيري، هذا معناهُ (٤)، والله أعلمُ. وقدِ احتَجَّ الشّافِعيُّ بالزّاني تُوهَبُ لهُ الأمةُ التي زَنَى بها، أو يَشْتريها، أنَّ مِلْكهُ الطّارِئَ لا يُزيلُ الحدَّ عنهُ، فكذلكَ السَّرِقةُ (٥).

стр. 4093

ومن حُجَّةِ أبي حنيفةَ، في قولِهِ: مَتَى وهَبَ السَّرِقةَ صاحِبُها للسّارِقِ، سقَطَ الحدُّ، قولُهُ ﷺ : "تَعافُوا (١) الحُدُودَ بَيْنكُم، فما بَلَغني من حَدٍّ، فقد وجَبَ" (٢). قال: فهذا الحدُّ قد عُفِي عنهُ بالِهبَةِ، وقد حَصَلت مِلْكًا للسّارِقِ قبلَ أن يبلُغ السُّلطانَ، فلم يبلُغ الحدُّ السُّلطانَ، إلّا وهُو معفُوٌّ عنهُ. قال: وما حصلَ مِلْكًا للسّارِقِ اسْتَحالَ أن يُقطَعَ فيهِ، لأنَّهُ إنَّما يُقْطَعُ في مِلْكِ غيرِهِ، لا في ملكِ نفسِهِ. ومن حُجَّتِهِ (٣) أيضا أنَّ الطّارِئَ من الشُّبْهةِ في الحُدُودِ، بمنزِلةِ ما هُو موجُودٌ في الحالِ، قياسًا على الشَّهاداتِ، وبالله التَّوفيقُ. قال أبو عُمر: لا أعلمُ بين أهْلِ العِلْم اختِلافًا في الحُدُودِ إذا بلَغتْ إلى السُّلطانِ، لم يَكُن فيها عفوٌ، لا لهُ، ولا لغيرِهِ، وجائزٌ للنّاسِ أن يتعافوُا الحُدُودَ ما بينهُم، ما لم يبلُغ السُّلطانَ، وذلكَ محمُودٌ عندَهُم. وفي هذا كلِّهِ دليلٌ، على أنَّ لصاحِبِ السَّرِقةِ في ذلكَ ما ليسَ للسُّلطانِ، وذلكَ ما لم يبلُغ السُّلطانَ، فإذا بلَغَ السّارِقُ إلى السُّلطانِ، لم يَكُن للمسرُوقِ منهُ شيءٌ من حُكْمِهِ في عَفْوٍ ولا غيرِهِ، لأنَّهُ لا يتبَعُهُ بما سرقَ منهُ، إذا وهبَهُ لهُ، ألا ترى أنَّهُم قد أجمعُوا على أنَّ السّارِقَ لو أقرَّ بسَرِقةٍ عندَ الإمام، يجِبُ في مِثْلِها القطعُ، سَرَقها من رجُلٍ غائبٍ، أنَّهُ يُقطعُ وإن لم يَحضُر ربُّ السَّرِقةِ، ولو كانَ لربِّ السَّرِقةِ في ذلكَ مقالٌ، لم يُقطع حتّى يَحْضُر، فيُعرَف ما عندَهُ فيهِ.

стр. 4094

وقدِ اختَلفُوا في السّارِقِ تُدَّعى عليه السَّرِقةُ في ثَوْبٍ هُو بيدِهِ، يدَّعيهِ لنَفسِهِ، وصاحِبُ السَّرِقةِ غائبٌ. فقال أبو حَنِيفةَ، والشَّافِعيُّ، وأصحابُهُما: لا يُخاصِمُهُ في ذلكَ أحدٌ، إلّا ربُّ الثَّوبِ، ولا يُسمعُ من غَيرِهِ في ذلكَ بيِّنةٌ، ولا خُصُومةَ في ذلكَ بينهُ وبين من يدَّعي عليه، حتّى يأتي ربُّ الثَّوبِ، أو وكيلُهُ في ذلكَ. وقال ابن أبي ليلى، ومالكٌ: كلُّ من خاصَمهُ في ذلكَ من النّاسِ، كان خَصْمًا لهُ، وسُمِعت بيِّنتُهُ، فإن قُبِلت قُطِع، إن (١) لم يأتِ بمَدْفع (٢). وهذه المسائلُ كلُّها في معنى الحديث، فلذلكَ ذكَرْناها، وبالله التَّوفيق (٣).

стр. 4095

مراسِيلُ ابن شِهاب عن نفسِه حديثٌ أوَّلُ من مراسِيلِ ابن شِهاب مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُصلِّي يومَ الفِطرِ ويومَ الأضْحَى قبلَ الخُطْبةِ. مالكٌ (٢) أنَّهُ بلغهُ: أنَّ أبا بكرٍ وعُمرَ كانا يَفْعلانِ ذلكَ. قال أبو عُمر: قد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ صلَّى في العِيدينِ قبلَ الخُطبةِ من وُجُوهٍ: منها: حديثُ ابن عُمر (٣)، وحديثُ ابن عبّاسٍ، وحديثُ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، وحديثُ البَراءِ بن عازِبٍ، وحديثُ جابرٍ، وغيرِهِم. وقد ذكَرْنا الحُكمَ في ذلك، وذكَرْنا أوَّلَ من نُسِبَ إليه أنَّهُ خطبَ قبلَ الصَّلاةِ في العِيدينِ، في بابِ ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ مولى ابن أزْهَر، فيما تقدَّم من كِتابِنا هذا، فأغْنَى عن ذِكرِهِ هاهُنا. وجماعةُ العُلماءِ على العَملِ بهذا، والقولِ به والفَتْوَى، ولا يجُوزُ عندَ جميعِهِم تقدِيمُ الخُطبةِ قبلَ الصَّلاةِ في العِيدينِ، فلا وجهَ للكلام في هذا. وأمّا أهلُ بلدِنا فجَرَى بعضُهُم فيه على مذهبِ السُّلطانِ؛ لأنَّهُ شيءٌ صَنَعهُ بنُو أُميَّةَ قدِيمًا، نُسِبَ (٤) ذلك إلى مُعاوِيةَ وإلى مروان، وقد نُسِبَ إلى عُثمانَ، ولا يصحُّ.

стр. 4096

وحديثُ ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ مولى ابن أزْهَرَ: أنَّهُ صلَّى مع عُمرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ، فكلُّهُم كان يُصلِّي قبلَ الخُطبةِ، أصحُّ ما في هذا البابِ عن عُثمان وغيرِهِ. فأمّا الآثارُ المُتَّصِلةُ المرفُوعةُ في هذا البابِ، فمنها: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (١): حدَّثنا إبراهِيمُ بن المُنذِرِ الحِزامِيُّ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن دُلَيم، قال: حدَّثنا عُمرُ بن أبي تمّام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الحَكَم، قالا: حدَّثنا أنسُ بن عِياضٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمر، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُصلِّي في الأضْحَى والفِطرِ، ثُمَّ يخطُبُ بعد الصَّلاةِ. قال البُخارِيُّ (٢): وروى أبو أُسامةَ، عن عُبيدِ الله بن عُمر، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: كان رسُولُ الله ﷺ وأبو بكرٍ وعُمرُ يُصلُّونَ قبل الخُطبةِ. وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح. وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابيُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا

стр. 4097

عَبْدةُ بن سُليمانَ، عن عبدِ الملكِ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، قال: شهِدتُ النَّبيَّ ﷺ يوم عِيدٍ، فبَدَأ بالصَّلاةِ قبل الخُطبةِ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ (٣) ومحمدُ بن بكرٍ، قالا: أخبرنا ابنُ جُرَيْج، قال (٤): أخبرني عطاءٌ عن جابرِ بن عبدِ الله، سمِعتُهُ (٥) يقولُ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى يوم الفِطرِ فبدأ بالصَّلاةِ قبل الخُطبةِ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى بن عُمر بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حرب، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن أيُّوبَ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، سمِعهُ يقولُ: أشهدُ أنِّي شهِدتُ العِيدَ مع رسُولِ الله ﷺ ، فبَدَأ بالصَّلاةِ قبلَ الخُطبةِ، ثُمَّ خطبَ، فرأى أنَّهُ لم يُسمِع النِّساءَ، فأتاهُنَّ فوعَظهُنَّ وذكَّرهُنَّ، وأمرهُنَّ بالصَّدقةِ ومعهُ بلالٌ باسِطٌ ثوبهُ، فجَعَلتِ المرأةُ تُلقِي الخُرصَ (٦)، والخاتمَ، والثَّوبَ، والشَّيءَ (٧).

стр. 4098

ورواهُ عبدُ الوارِثِ (١)، وشُعبةُ (٢)، وحمّادُ بن زيدٍ (٣)، عن أيُّوبَ، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في العِيدينِ قبلَ أن يخطُبَ. ورواهُ مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: شَهِدتُ العِيدَ مع النَّبيِّ ﷺ ، فصلَّى، ثُمَّ خطَبَ (٤). وقد ذكَرَنا حديثَ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ وحديثَ البَراءِ وغيرِهِما في بابِ ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ مولى ابن أزْهَرَ من كِتابِنا هذا، بأسانِيدِها، فأغْنَى عن ذِكْرِها هاهُنا. حدَّثنا محمدُ بن إبراهِيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥): حدَّثنا إسحاقُ بن راهُوية، قال: حدَّثنا عَبْدةُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ وأبو بكرٍ وعُمرُ كانُوا يُصلُّونَ في العِيدينِ قبلَ الخُطبةِ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٦): أخبرنا ابنُ جُرَيْج، قال: أخبرني الحسنُ بن مُسلم،

стр. 4099

عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاس، قال: شهِدتُ صلاةَ الفِطرِ مع رسُولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمان، فكلُّهُم يُصلِّيها قبلَ الخُطبةِ، ثُمَّ يخطُبُ بعدُ. وهذا الحديثُ مِثلُ حديثِ ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ، عن عُثمانَ، أنَّهُ كانَ يخطُبُ بعد الصلاةِ. وفي هَذينِ الحديثينِ ما يرُدُّ قولَ القائلِ: أنَّ عُثمانَ أوَّلُ من خَطبَ قبلَ الصلاةِ. وأصحُّ ما فيه عِندنا، والله أعلمُ: أنَّ مُعاوِيةَ فعلَ ذلكَ، وقد ذكَرْنا كلَّ من نسبَ ذلك إليه بالأسانِيدِ عمَّن قال ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ مولى ابن أزهَرَ، من هذا الكِتاب. وأخبرنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنجر، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، عن ابن جُرَيْج، عن الحسنِ بن مُسلم، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاس، قال: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ ، أو حَضَرتُ رسُولَ الله ﷺ ، وأبا بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ، يُصلُّونَ قبلَ الخُطبةِ (١). قال أبو عُمر: قد صحَّ عن عليٍّ: أنَّهُ كان يُصلِّي قبلَ الخُطبةِ. فهذا عملُ رسُولِ الله ﷺ وسُنَّتُهُ، وسُنَّةُ الخُلفاءِ الرّاشِدِين بعدهُ، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 4100

حديثٌ ثانٍ من مراسِيلِ ابن شِهاب مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يجتمِعُ دِينانِ في جَزِيرةِ العَرَبِ". قال مالكٌ (٢): قال ابنُ شِهاب: ففحَصَ عن ذلك عُمرُ بن الخطّابِ، حتّى أتاهُ الثَّلِجُ (٣) واليقِينُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يجتمِعُ دِينانِ في جزِيرةِ العربِ"، فأجلى يهُودَ خَيْبرَ. هذا الحديثُ (٤) يتَّصِلُ من وُجُوهٍ كثِيرةٍ، قد ذكَرَناها في بابِ إسماعيلَ بن أبي حكِيم من هذا الكِتابِ، فأغْنَى عن إعادَتِها، وذكَرْناها في هذا البابِ. وروى مَعْمرٌ هذا الحديث، عن ابن شِهاب، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يجتمِعُ بأرضِ العربِ - أو قال: بأرضِ الحِجازِ - دِينانِ". قال: ففحَصَ عن ذلك عُمرُ بن الخطّابِ، حتّى وجدَ الثَّبتَ عليه. قال الزُّهرِيُّ: فلِذلكَ أجلاهُم عُمرُ. ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عن معمرٍ، فجعلهُ عن ابن شِهاب، عن سعِيدِ بن المُسيِّب. قال عبدُ الرَّزّاقِ (٦): وأخبرنا ابنُ جُرَيْج، قال: أخبرني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ

стр. 4101

جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: أخبرني عُمرُ بن الخطّابِ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لأُخرِجنَّ اليَهُودَ والنَّصارى من جَزِيرةِ العَرَبِ، حتّى لا أدَعَ فيها (١) إلّا مُسلمًا". وحدَّثني محمدُ بن إبراهِيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أبو يعقوب الأيليُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن سُليمانَ بن أبي مُسْلم الأحولِ خال ابن (٢) أبي نَجِيح، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقول: إنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "أخرِجُوا المُشرِكِينَ من جَزِيرةِ العَرَبِ" (٣). مُختصرًا من حديثٍ فيه كلامٌ غيرُ هذا، قد ذكرناهُ في بابِ إسماعيل بن أبي حكِيم، من هذا الكِتابِ. وذكرَ أحمدُ بن المُعذَّلِ، قال: سمِعتُ مَعْن بن عِيسى، عن مالكِ بن أنسٍ: جَزِيرةُ العربِ، مَنْبِتُ العربِ (٤). قال أحمدُ بن المُعذَّلِ: وحدَّثني يعقوبُ بن محمدٍ الزُّهرِيُّ، قال: قال المُغِيرةُ بن عبدِ الرَّحمنِ: جَزِيرةُ العربِ مَكَّةُ، والمدِينةُ، واليَمنُ، وقُريّاتُها (٥). قال يعقوبُ: وقال مالكُ بن أنسٍ: جزِيرةُ العرب مكَّةُ، والمدِينةُ، واليمامةُ، واليمنُ (٦).

стр. 4102

وذكَرْنا مِقدارَ جزِيرةِ العربِ، وما في ذلكَ من الأقوالِ لأهلِ اللُّغةِ، وأهلِ الفِقهِ، في بابِ إسماعيلَ بن أبي حَكِيم، بأكثر مِمّا ذكرناهُ هاهُنا، والله المُستعانُ. أخبرنا قاسمُ بن محمد (١)، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن منصورٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، عن ابن جُرَيْج، قال: أخبرني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابر بن عبدِ الله يقولُ: سمِعتُ عُمر بن الخطّابِ يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لأُخرِجنَّ اليهُودَ والنَّصارى من جزيرةِ العَرَب" (٢). وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثني إبراهِيمُ بن ميمُونٍ مولَى آلِ سمُرةَ، عن سَعْدِ بن سمُرةَ، عن أبيهِ سمُرةَ بن جُندُبٍ، عن أبي عُبيدةَ بن الجرّاح، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "أخرِجُوا يهُودَ الحِجازِ".

стр. 4103

ورواهُ يحيى القطّانُ (١)، وأبو أحمد الزُّبيرِيُّ (٢)، وإسماعيلُ بن زكرِيّا، عن إبراهِيم بن ميمُونٍ بإسنادِهِ، مِثلهُ. وروى أبو عُثمان سعِيدُ بن داود الزَّنبرِيُّ، عن مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيهِ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ حِينَ أجلَى يهُودَ خيبرَ، قال لهُ يهُودِيٌّ: أتُخرِجُنا وقد أقرَّنا محمدٌ؟ فقال لهُ عُمرُ: أتُراني نَسِيتُ قولَهُ: "كأنِّي بكَ وقد قَلَصتْ بك ناقتُكَ ليلةً بعد ليلة"؟ فقال اليهُودِيُّ: إنَّما كانت هُزَيلةً (٣) من أبي القاسم. قال عُمرُ: كلّا، والذي نفسِي بيدِهِ لتَخرُجُنَّ (٤). وهذا الحديثُ قلَّ من يروِيهِ عن مالكٍ.

стр. 4104

حديثٌ ثالِثٌ من مراسِيلِ ابن شِهاب مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، أنَّهُ بلغهُ: أنَّ نِساءَّ كُنَّ في عَهدِ رسُولِ الله ﷺ يُسْلِمنَ بأرضِهِنَّ، وهُنَّ غيرُ مُهاجِراتٍ، وأزواجُهُنَّ حِينَ أسلمنَ كُفّارٌ، منهُنَّ: بنتُ الوليدِ بن المُغِيرةِ، وكانت تحتَ صفوانَ بن أُميَّةَ، فأسْلَمت يومَ الفَتْح، وهربَ زوجُها صَفْوانُ بن أُميَّةَ من الإسلام، فبعَثَ إليه رسُولُ الله ﷺ ابن عمِّهِ وَهْب بن عُميرٍ برِداءِ رسُولِ الله ﷺ أمانًا لِصَفْوانَ بن أُميَّةَ، ودَعاهُ رسُولُ الله ﷺ إلى الإسلام، وأن يَقْدَمَ عليه، فإن رَضِيَ أمرًا قَبِلهُ، وإلّا سيَّرهُ شَهْرين، فلّما قدِمَ صَفْوانُ على رسُولِ الله ﷺ برِدائهِ ناداهُ على رُؤُوسِ النّاسِ: يا محمدُ، إنَّ هذا وَهبُ بن عُميرٍ جاءَنِي برِدائكَ، وزعَمَ أنَّكَ دَعَوتني إلى القُدُوم عليكَ، فإن رضِيتُ أمرًا قبِلتُهُ، وإلّا سيَّرتَني شَهْرينِ. فقال رسُولُ الله ﷺ : "انزِلْ أبا وَهْبٍ"، فقال: لا والله، حتّى تُبيِّن لي، فقال رسُولُ الله ﷺ : "بَلْ لكَ تسيِيرُ أربَعةِ أشهُر". فخرجَ رسُولُ الله ﷺ قِبَلَ هَوازِن بحُنينٍ، فأرسلَ إلى صفوانَ بن أُميَّةَ يَسْتعِيرُهُ أداةً وسِلاحًا عِندهُ، فقال صَفْوانُ: طَوْعًا أم كَرْهًا؟ فقال: "بل طَوْعًا"، فأعارَهُ الأداةَ والسِّلاحَ التي عِندهُ، ثُمَّ خرجَ مع رسُولِ الله ﷺ وهُو كافِرٌ، فشهِدَ حُنينًا والطّائفَ وهُو كافِرٌ، وامرأتُهُ مُسلمةٌ، ولم يُفرِّقْ رسُولُ الله ﷺ بَيْنهُ وبين امرأتِهِ حتّى أسلَمَ صَفْوانُ، واستقرَّتْ عِندهُ امْرَأتُهُ بذلكَ النِّكاح. مالكٌ (٢)، عن ابن شِهاب، قال: كان بينَ إسلام صَفْوانَ بن أُميَّةَ، وبين إسلام امرأتِهِ نحوٌ من شهر.

стр. 4105

قال ابنُ شِهاب: ولم يَبْلُغنا أنَّ امرأةً هاجَرَتْ إلى رسُولِ الله ﷺ وزَوْجُها كافِرٌ ومُقِيمٌ بدارِ الكُفرِ إلّا فرَّقَت هِجْرتُها بينَها وبين زَوْجِها، إلّا أن يَقْدَمَ مُهاجِرًا قبلَ أن تَنْقضِي عِدَّتُها (١). هذا الحديثُ لا أعلمُهُ يتَّصِلُ من وَجْهٍ صحِيح، وهُو حديثٌ مشهُورٌ مَعْلُومٌ عندَ أهلِ السِّيرِ، وابنُ شِهاب إمامُ أهلِ السِّيرِ وعالِمُهُم، وكذلك الشَّعبِيُّ، وشُهرةُ هذا الحديثِ أقْوَى من إسْنادِهِ إن شاءَ الله. وليسَ في هذا البابِ من المُسندِ الحسنِ الإسْنادِ، إلّا حديثٌ رواهُ وكِيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ رَجُلًا جاءَ مُسلمًا على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ جاءَتِ امرأتُهُ مُسلمةً بَعْدهُ، فقال: يا رسُولَ الله، إنَّها قد كانت أسْلَمت معي، فردَّها عليه (٢). وبعضُهُم يزِيدُ في هذا الحديث: أنَّها تَزوَّجَت، فانْتَزَعها رسُولُ الله ﷺ من زَوْجِها الآخَرِ، وردَّها إلى الأوَّلِ. وقد حدَّث داودُ بن الحُصينِ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس، قال: رَدَّ رسُولُ الله ﷺ ابْنتَهُ زينبَ على أبي العاصِ بالنِّكاح الأوَّلِ، ولم يُحدِث شيئًا (٣).

стр. 4106

بعضُهُم يقولُ فيه: بعد ثلاثِ سِنِينَ. وبعضُهُم يقولُ: بعد سِتِّ سِنِينَ. وبعضُهُم يقولُ: بعد سَنَتينِ. وبعضُهُم لا يقولُ شيئًا من ذلك. وهذا الخبرُ وإن صحَّ (١)، فهُو مترُوكٌ منسُوخٌ عندَ الجميع، لأنَّهُم لا يُجِيزُونَ رُجُوعَهُ إليها بعد خُرُوجِها من عادَتِها، وإسلامُ زينبَ كانَ قبلَ أن ينزِلَ كثِيرٌ من الفَرائضِ. ورُوِيَ عن قَتادةَ: أنَّ ذلكَ كان قبلَ أن تَنْزِل سُورةُ بَراءَةٌ، بقطع العُهُودِ بَيْنهُم وبين المُشرِكينَ (٢). وقال الزُّهرِيُّ: كان هذا قبلَ أن تنزِلَ الفرائضُ (٣). ورَوى عنهُ سُفيانُ بن حُسينٍ: أنَّ أبا العاصِ بن الرَّبيع أُسِرَ يومَ بَدْرٍ، فأُتِي به رسُولُ الله ﷺ ، فَردَّ عليه

стр. 4107

امرأتهُ (١). وفي هذا أنَّهُ ردَّها عليه وهُو كافِرٌ، فمن هُناكَ قال ابنُ شِهاب: إنَّ ذلكَ كان قبلَ أن تَنْزِلَ الفَرائضُ (٢). وقال آخرُون: قِصَّةُ أبي العاصِ هذه منسُوخةٌ بقولِهِ : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار﴾ الآيةَ إلى قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. ومِمّا يدُلُّ على أنَّ قِصَّةَ أبي العاص مَنْسُوخةٌ بقولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] إجماعُ العُلماءِ على أنَّ أبا العاصِ بن الرَّبيع كان كافِرًا، وأنَّ المُسلمةَ لا يَحِلُّ أن تكون زَوْجَةً لكافرٍ، قال الله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، وقال رسُولُ الله ﷺ للمُلاعِنِ: "لا سبِيلَ لكَ عليها" (٣). روى سعِيدُ بن جُبيرٍ وعِكرِمةُ، عن ابن عبّاس، قال: لا يعلُو مُسلمةً مُشرِكٌ، فإنَّ الإسلامَ يَظْهرُ، ولا يُظهرُ عليهِ (٤).

стр. 4108

وفي قولِ الله : ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ما يُغنِي ويكفِي والحمدُ لله. قال أبو عُمر: ولم يختلِفْ أهلُ السِّيرِ أنَّ هذه الآيةَ المذكُورةَ نزلت في الحُديبِيةِ، حِينَ صالَحَ رسُولُ الله ﷺ قُرَيشًا، على أن يَرُدَّ عليهِم من جاءَ بغيرِ إذنِ وليِّهِ، فلمّا هاجَرْنَ، أبَى اللهُ أن يُرْدَدْنَ إلى المُشرِكِينَ، إذا امتُحِنَّ بمِحنةِ الإسلام، وعُرِف أنَّهُنَّ جِئنَ رَغْبةً في الإسلام. وذكَرَ مُوسى بن عُقبةَ، أنَّ أبا العاصِ بن الرَّبِيع كان قد أذِنَ لامرأتِهِ زينَبَ بنتِ رسُولِ الله ﷺ حِينَ خرَجَ إلى الشّام، أن تَقْدَمَ المدِينةَ، فتكونَ معَ رسُولِ الله ﷺ ، ولم يذكُر مَتَى كان خُرُوجُهُ إلى الشّام، وذكَرَ أنَّهُ في رُجُوعِهِ من الشّام مرَّ بأبي جَنْدلٍ وأبي بَصِيرٍ في نَفَرٍ من قُريشٍ، فأخذُوهُم ومن معهُم، ولم يقتُلُوا منهُم أحَدًا، لِصِهرِ أبي العاصِ من رسُولِ الله ﷺ ، فقَدِمَ المدِينةَ على امْرأتِهِ زينبَ (١). فقد أجمَعَ العُلماءُ، أنَّ الزَّوجينِ إذا أسْلَما معًا في حالٍ واحِدةٍ، أنَّ لهُما المُقامَ على نِكاحِهِما، إلّا أن يكونَ بينهُما نَسَبٌ أو رَضاعٌ يُوجِبُ التَّحرِيم، وأنَّ كلَّ من كان لهُ العَقْدُ عليها في الشِّركِ، كان لهُ المُقامُ مَعَها إذا أسْلَما معًا، وأصلُ العَقْدِ مُعْفًى (٢) عنهُ، لأنَّ عامَّةَ أصْحابِ رسُولِ الله ﷺ كانُوا كُفّارًا، فأسلمُوا بعد التَّزوِيج، وأُقِرُّوا على النِّكاح الأوَّلِ، ولم يُعتَبرْ في أصلِ نِكاحِهِم شُرُوطُ الإسلام، وهذا إجماعٌ وتَوقِيفٌ. وإنَّما اخْتَلَف العُلماءُ في تقدُم إسلام أحَدِ الزَّوجينِ، على ما نذكُر هاهُنا إن شاءَ الله.

стр. 4109

قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ، أنَّ الكافِرةَ إذا أسْلَمت، ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُها، أنَّهُ لا سبِيلَ لِزَوْجِها إليها إذا كان لم يُسْلِمْ في عِدَّتِها، إلّا شَيءٌ رُوِي عن إبراهِيمَ النَّخَعِيِّ (١)، شذَّ فيه عن جَماعةِ العُلماءِ، ولم يتبَعهُ عليه أحدٌ من الفُقهاءِ، إلّا بعضُ أهلِ الظّاهِر، فإنَّهُ قال: أكثرُ أصحابِنا لا يُفْسِخُ النِّكاحَ لِتقدُّم إسلام الزَّوجةِ، إلّا بمُضِيِّ مُدَّةٍ يتَّفِقُ الجميعُ على فسخِهِ (٢)، لِصِحَّةِ وُقوعِهِ في أصْلِهِ، ووُجُودِ التَّنازُع في حَقِّهِ (٣). واحتجَّ بحديثِ ابن عبّاسٍ، بأنَّ رسُولَ الله ﷺ ردَّ زَيْنبَ على أبي العاصِ بالنِّكاح الأوَّلِ (٤)، بعد مُضِيِّ سَنَتينِ لهِجرتِها. وأظُنُّهُ مالَ فيه إلى قِصَّةِ أبي العاصِ، وقِصَّةُ أبي العاصِ لا تخلُو من أن يكونَ أبو العاصِ كافِرًا، إذ ردَّهُ رسُولُ الله ﷺ إلى ابنتِهِ زينبَ على النِّكاح الأوَّلِ أو مُسلمًا، فإن كان كافِرًا، فهذا ما لا شَكَّ فيه، أنَّهُ كان قبلَ نُزُولِ الفَرائضِ وأحكام الإسلام في النِّكاح، إذ في القُرآنِ والسُّنَّةِ والإجْماع تحرِيمُ فُرُوج المُسلماتِ على الكُفّارِ، فلا وَجْهَ هاهُنا للإكثار. وإن كان مُسلمًا، فلا يخلُو من أن يكونَ كانت حامِلًا، فتمادَى حملُها ولم تَضَعهُ حتَّى أسلَمَ زوجُها، فَردَّهُ رسُولُ الله ﷺ إليها في عِدَّتِها، وهذا ما لم يُنْقَلْ في خَبَر. أو تكونَ قد خَرَجت من العِدَّةِ، فيكونَ أيضًا ذلك منسُوخًا بالإجماع؛ لأنَّهُم قد أجمعُوا أنَّهُ لا سبِيلَ لهُ إليها بعدَ العِدَّةِ، فكيفَ كان ذلك؟

стр. 4110

فخَبرُ ابن عبّاسٍ في ردِّ أبي العاصِ إلى زَيْنبَ بنتِ رسُولِ الله ﷺ ، خَبرٌ مترُوكٌ لا يجُوزُ العَملُ به عندَ الجميع، فاستُغنِي عن القولِ فيه. وقد يحتمِلُ قولُهُ: "على النِّكاح الأوَّلِ" يُرِيدُ: على مِثلِ النِّكاح الأوَّلِ من الصداقِ، على أنَّهُ قد رَوَى عَمرُو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَدَّ زينبَ إلى أبي العاصِ بنِكاح جدِيدٍ (١). وكذلكَ يقولُ الشَّعبِيُّ على عَملِهِ بالمغازِي: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يرُدَّ أبا العاصِ إلى ابنتِهِ زينبَ إلّا بنِكاح جدِيد (٢)، وهذا يَعضدُهُ الأُصُولُ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، عن حجّاج، عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رَدَّ ابنتَهُ زينبَ على أبي العاصِ بن الرَّبيع بنِكاح جدِيد (٣). وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في الحربِيَّةِ تخرُجُ إلينا مُسلمةً (٤)، فإنَّ مالكًا قال: إن أسْلَمَ الزَّوجُ قبلَ أن تحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فهِي امرأتُهُ، وإن لم يُسلِم حتّى حاضَتْ ثلاثَ حِيَضٍ، فقد وَقَعتِ الفُرقةُ.

стр. 4111

ولا فرقَ عِندهُ بين دارِ الإسلام ودارِ الحرب، وهُو قولُ الشّافِعيِّ (١) سواءٌ، ولا حُكم للدّارِ عندَهُ، وكذلك قال الأوزاعِيُّ واللَّيثُ بن سعدٍ اعتبرا العِدَّةَ. وقال أبو حنِيفةَ في الحربِيَّةِ تخرُجُ إلينا مُسلمةً، ولها زوجٌ كافِرٌ بدارِ الحربِ: فقد وَقَعتِ الفُرقةُ بينهُما، ولا عِدَّةَ عليها (٢). وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: أمّا الفُرقةُ فقد وَقَعت بينهُما ولا سبِيلَ لهُ إليها إلّا بنِكاح جدِيد، ولكِنَّ العِدَّةَ عليها. وهُو قولُ الثَّورِيِّ (٣). وأمّا اختِلافُهُم في الذِّمِّيَّينِ إذا أسلَمَ أحدُهُما قبلَ صاحِبِهِ، فقولُ مالكٍ، والشَّافِعيِّ، واللَّيثِ، والحسنِ بن حيٍّ، والأوزاعِيِّ: اعتِبارُ العِدَّةِ في وُقوع الفُرقةِ على ما ذكَرْنا عنهُم في الحربِيّةِ. إلّا أنَّ الأوزاعِيَّ يقولُ: إذا أسْلَمتِ المرأةُ، ولم يُسلِم زوجُها إلّا بعد انقِضاءِ العِدَّةِ، فهِي تطليقةٌ (٤)، وهُو خاطِبٌ (٥). وفي قولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ، واللَّيثِ، والحسنِ بن حيٍّ: إذا انْقَضت عِدَّتُها، فلا سبِيلَ لهُ إليها. وليستِ الفُرقةُ عندَهُم طلاقًا، وإنَّما هُو: فَسْخٌ بغيرِ طلاقٍ.

стр. 4112

وإذا أسلَمَ في عِدَّتِها، فهُو أحقُّ بها عندَ مالكٍ، والشّافِعيِّ، واللَّيثِ، والأوزاعِيِّ، والحسنِ بن حيٍّ. وسواءٌ كانتِ المرأةُ قبلَ أن تُسلِمَ (١) كِتابِيَّةً أو مجُوسِيّةً، زوجُها أحقُّ بها أبدًا، إن أسلَمَ في عِدَّتِها. فإن كانا مجُوسِيَّينِ، وأسلَمَ الرَّجُلُ قبلُ، فإنَّ مالكًا قال (٢): يُعرَضُ عليها الإسلامُ في الوقتِ، فإن أسْلَمت، وإلّا وَقَعتِ الفُرقةُ بينهُما. قال إسماعيلُ بن إسحاق: إذا أسلَمَ الرَّجُلُ وزوجتُهُ مجُوسِيَّةٌ غائبةٌ، فإنَّ الفُرقةَ تَقعُ بينهُما حِينَ يُسلِمُ ولا يَنْتظِرُ بها؛ لأنَّهُ لوِ انْتَظرَ بها كان مُتَمسِّكًا بعِصمَتِها، وقد قال اللهُ : ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال: والحاضِرةُ إذا عُرِضَ عليها الإسلامُ، فليسَ الرَّجُلُ مُمسِكًا بعِصْمتِها؛ لأنَّهُ لا ينتظِرُ بها شيئًا غير حاضِرٍ، إنَّما هُو كَلامٌ وجوابٌ، فكأنَّها إذا أسْلَمت في هذه الحالِ، قد أسْلَمت معَ إسلامِهِ، إذ كان إنَّما ينتظِرُ جوابَها. ألا ترى الآيةَ لمّا نَزَلت، وَقَعتِ الفُرقةُ بين المُسلمِينَ الذين كانُوا بالمدِينةِ وبين أزواجِهِمُ اللّاتي كُنَّ بمكَّةَ، ولم يُنْتَظر أن يُعرَضَ عليهِنَّ الإسلامُ، وقد كانَ ذلك مُمكِنًا في ذلك الوقتِ، للهُدنةِ التي كانت بينهُم، إلى أن نَقَضُوا العهدَ بعد سِنِينَ من الصُّلح؟ قال: والكَوافِرُ التي أنزلَ اللهُ فيهِنَّ هذا، هُنَّ: المُشرِكاتُ من العَرَبِ، فكان سبِيلُ المجُوسِيّاتِ سَبِيلَهُنَّ، فليسَ يجُوزُ للمُسلم أن يُمسِكَ بعِصمةِ كافِرةٍ من غيرِ أهلِ الكِتابِ، كانت مَعهُ في دارِ الإسلام، أو في غيرِ دارِ الإسلام.
следующие страницы →