← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4108–4147 · переход к 4113.

стр. 4108

وفي قولِ الله : ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ما يُغنِي ويكفِي والحمدُ لله. قال أبو عُمر: ولم يختلِفْ أهلُ السِّيرِ أنَّ هذه الآيةَ المذكُورةَ نزلت في الحُديبِيةِ، حِينَ صالَحَ رسُولُ الله ﷺ قُرَيشًا، على أن يَرُدَّ عليهِم من جاءَ بغيرِ إذنِ وليِّهِ، فلمّا هاجَرْنَ، أبَى اللهُ أن يُرْدَدْنَ إلى المُشرِكِينَ، إذا امتُحِنَّ بمِحنةِ الإسلام، وعُرِف أنَّهُنَّ جِئنَ رَغْبةً في الإسلام. وذكَرَ مُوسى بن عُقبةَ، أنَّ أبا العاصِ بن الرَّبِيع كان قد أذِنَ لامرأتِهِ زينَبَ بنتِ رسُولِ الله ﷺ حِينَ خرَجَ إلى الشّام، أن تَقْدَمَ المدِينةَ، فتكونَ معَ رسُولِ الله ﷺ ، ولم يذكُر مَتَى كان خُرُوجُهُ إلى الشّام، وذكَرَ أنَّهُ في رُجُوعِهِ من الشّام مرَّ بأبي جَنْدلٍ وأبي بَصِيرٍ في نَفَرٍ من قُريشٍ، فأخذُوهُم ومن معهُم، ولم يقتُلُوا منهُم أحَدًا، لِصِهرِ أبي العاصِ من رسُولِ الله ﷺ ، فقَدِمَ المدِينةَ على امْرأتِهِ زينبَ (١). فقد أجمَعَ العُلماءُ، أنَّ الزَّوجينِ إذا أسْلَما معًا في حالٍ واحِدةٍ، أنَّ لهُما المُقامَ على نِكاحِهِما، إلّا أن يكونَ بينهُما نَسَبٌ أو رَضاعٌ يُوجِبُ التَّحرِيم، وأنَّ كلَّ من كان لهُ العَقْدُ عليها في الشِّركِ، كان لهُ المُقامُ مَعَها إذا أسْلَما معًا، وأصلُ العَقْدِ مُعْفًى (٢) عنهُ، لأنَّ عامَّةَ أصْحابِ رسُولِ الله ﷺ كانُوا كُفّارًا، فأسلمُوا بعد التَّزوِيج، وأُقِرُّوا على النِّكاح الأوَّلِ، ولم يُعتَبرْ في أصلِ نِكاحِهِم شُرُوطُ الإسلام، وهذا إجماعٌ وتَوقِيفٌ. وإنَّما اخْتَلَف العُلماءُ في تقدُم إسلام أحَدِ الزَّوجينِ، على ما نذكُر هاهُنا إن شاءَ الله.

стр. 4109

قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ، أنَّ الكافِرةَ إذا أسْلَمت، ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُها، أنَّهُ لا سبِيلَ لِزَوْجِها إليها إذا كان لم يُسْلِمْ في عِدَّتِها، إلّا شَيءٌ رُوِي عن إبراهِيمَ النَّخَعِيِّ (١)، شذَّ فيه عن جَماعةِ العُلماءِ، ولم يتبَعهُ عليه أحدٌ من الفُقهاءِ، إلّا بعضُ أهلِ الظّاهِر، فإنَّهُ قال: أكثرُ أصحابِنا لا يُفْسِخُ النِّكاحَ لِتقدُّم إسلام الزَّوجةِ، إلّا بمُضِيِّ مُدَّةٍ يتَّفِقُ الجميعُ على فسخِهِ (٢)، لِصِحَّةِ وُقوعِهِ في أصْلِهِ، ووُجُودِ التَّنازُع في حَقِّهِ (٣). واحتجَّ بحديثِ ابن عبّاسٍ، بأنَّ رسُولَ الله ﷺ ردَّ زَيْنبَ على أبي العاصِ بالنِّكاح الأوَّلِ (٤)، بعد مُضِيِّ سَنَتينِ لهِجرتِها. وأظُنُّهُ مالَ فيه إلى قِصَّةِ أبي العاصِ، وقِصَّةُ أبي العاصِ لا تخلُو من أن يكونَ أبو العاصِ كافِرًا، إذ ردَّهُ رسُولُ الله ﷺ إلى ابنتِهِ زينبَ على النِّكاح الأوَّلِ أو مُسلمًا، فإن كان كافِرًا، فهذا ما لا شَكَّ فيه، أنَّهُ كان قبلَ نُزُولِ الفَرائضِ وأحكام الإسلام في النِّكاح، إذ في القُرآنِ والسُّنَّةِ والإجْماع تحرِيمُ فُرُوج المُسلماتِ على الكُفّارِ، فلا وَجْهَ هاهُنا للإكثار. وإن كان مُسلمًا، فلا يخلُو من أن يكونَ كانت حامِلًا، فتمادَى حملُها ولم تَضَعهُ حتَّى أسلَمَ زوجُها، فَردَّهُ رسُولُ الله ﷺ إليها في عِدَّتِها، وهذا ما لم يُنْقَلْ في خَبَر. أو تكونَ قد خَرَجت من العِدَّةِ، فيكونَ أيضًا ذلك منسُوخًا بالإجماع؛ لأنَّهُم قد أجمعُوا أنَّهُ لا سبِيلَ لهُ إليها بعدَ العِدَّةِ، فكيفَ كان ذلك؟

стр. 4110

فخَبرُ ابن عبّاسٍ في ردِّ أبي العاصِ إلى زَيْنبَ بنتِ رسُولِ الله ﷺ ، خَبرٌ مترُوكٌ لا يجُوزُ العَملُ به عندَ الجميع، فاستُغنِي عن القولِ فيه. وقد يحتمِلُ قولُهُ: "على النِّكاح الأوَّلِ" يُرِيدُ: على مِثلِ النِّكاح الأوَّلِ من الصداقِ، على أنَّهُ قد رَوَى عَمرُو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَدَّ زينبَ إلى أبي العاصِ بنِكاح جدِيدٍ (١). وكذلكَ يقولُ الشَّعبِيُّ على عَملِهِ بالمغازِي: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يرُدَّ أبا العاصِ إلى ابنتِهِ زينبَ إلّا بنِكاح جدِيد (٢)، وهذا يَعضدُهُ الأُصُولُ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، عن حجّاج، عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رَدَّ ابنتَهُ زينبَ على أبي العاصِ بن الرَّبيع بنِكاح جدِيد (٣). وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في الحربِيَّةِ تخرُجُ إلينا مُسلمةً (٤)، فإنَّ مالكًا قال: إن أسْلَمَ الزَّوجُ قبلَ أن تحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فهِي امرأتُهُ، وإن لم يُسلِم حتّى حاضَتْ ثلاثَ حِيَضٍ، فقد وَقَعتِ الفُرقةُ.

стр. 4111

ولا فرقَ عِندهُ بين دارِ الإسلام ودارِ الحرب، وهُو قولُ الشّافِعيِّ (١) سواءٌ، ولا حُكم للدّارِ عندَهُ، وكذلك قال الأوزاعِيُّ واللَّيثُ بن سعدٍ اعتبرا العِدَّةَ. وقال أبو حنِيفةَ في الحربِيَّةِ تخرُجُ إلينا مُسلمةً، ولها زوجٌ كافِرٌ بدارِ الحربِ: فقد وَقَعتِ الفُرقةُ بينهُما، ولا عِدَّةَ عليها (٢). وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: أمّا الفُرقةُ فقد وَقَعت بينهُما ولا سبِيلَ لهُ إليها إلّا بنِكاح جدِيد، ولكِنَّ العِدَّةَ عليها. وهُو قولُ الثَّورِيِّ (٣). وأمّا اختِلافُهُم في الذِّمِّيَّينِ إذا أسلَمَ أحدُهُما قبلَ صاحِبِهِ، فقولُ مالكٍ، والشَّافِعيِّ، واللَّيثِ، والحسنِ بن حيٍّ، والأوزاعِيِّ: اعتِبارُ العِدَّةِ في وُقوع الفُرقةِ على ما ذكَرْنا عنهُم في الحربِيّةِ. إلّا أنَّ الأوزاعِيَّ يقولُ: إذا أسْلَمتِ المرأةُ، ولم يُسلِم زوجُها إلّا بعد انقِضاءِ العِدَّةِ، فهِي تطليقةٌ (٤)، وهُو خاطِبٌ (٥). وفي قولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ، واللَّيثِ، والحسنِ بن حيٍّ: إذا انْقَضت عِدَّتُها، فلا سبِيلَ لهُ إليها. وليستِ الفُرقةُ عندَهُم طلاقًا، وإنَّما هُو: فَسْخٌ بغيرِ طلاقٍ.

стр. 4112

وإذا أسلَمَ في عِدَّتِها، فهُو أحقُّ بها عندَ مالكٍ، والشّافِعيِّ، واللَّيثِ، والأوزاعِيِّ، والحسنِ بن حيٍّ. وسواءٌ كانتِ المرأةُ قبلَ أن تُسلِمَ (١) كِتابِيَّةً أو مجُوسِيّةً، زوجُها أحقُّ بها أبدًا، إن أسلَمَ في عِدَّتِها. فإن كانا مجُوسِيَّينِ، وأسلَمَ الرَّجُلُ قبلُ، فإنَّ مالكًا قال (٢): يُعرَضُ عليها الإسلامُ في الوقتِ، فإن أسْلَمت، وإلّا وَقَعتِ الفُرقةُ بينهُما. قال إسماعيلُ بن إسحاق: إذا أسلَمَ الرَّجُلُ وزوجتُهُ مجُوسِيَّةٌ غائبةٌ، فإنَّ الفُرقةَ تَقعُ بينهُما حِينَ يُسلِمُ ولا يَنْتظِرُ بها؛ لأنَّهُ لوِ انْتَظرَ بها كان مُتَمسِّكًا بعِصمَتِها، وقد قال اللهُ : ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال: والحاضِرةُ إذا عُرِضَ عليها الإسلامُ، فليسَ الرَّجُلُ مُمسِكًا بعِصْمتِها؛ لأنَّهُ لا ينتظِرُ بها شيئًا غير حاضِرٍ، إنَّما هُو كَلامٌ وجوابٌ، فكأنَّها إذا أسْلَمت في هذه الحالِ، قد أسْلَمت معَ إسلامِهِ، إذ كان إنَّما ينتظِرُ جوابَها. ألا ترى الآيةَ لمّا نَزَلت، وَقَعتِ الفُرقةُ بين المُسلمِينَ الذين كانُوا بالمدِينةِ وبين أزواجِهِمُ اللّاتي كُنَّ بمكَّةَ، ولم يُنْتَظر أن يُعرَضَ عليهِنَّ الإسلامُ، وقد كانَ ذلك مُمكِنًا في ذلك الوقتِ، للهُدنةِ التي كانت بينهُم، إلى أن نَقَضُوا العهدَ بعد سِنِينَ من الصُّلح؟ قال: والكَوافِرُ التي أنزلَ اللهُ فيهِنَّ هذا، هُنَّ: المُشرِكاتُ من العَرَبِ، فكان سبِيلُ المجُوسِيّاتِ سَبِيلَهُنَّ، فليسَ يجُوزُ للمُسلم أن يُمسِكَ بعِصمةِ كافِرةٍ من غيرِ أهلِ الكِتابِ، كانت مَعهُ في دارِ الإسلام، أو في غيرِ دارِ الإسلام.

стр. 4113

قال: والفُرقةُ بينهُما بغيرِ طلاقٍ؛ لأنَّهُما مَغْلُوبانِ على الفسخِ، وليسَ يُراجِعُها في العِدَّةِ إن أسْلَمت، بخِلافِهِ إذا كان هُو المُتقدِّم الإسلام؛ لأنَّ إسلامهُ قَبْلها أشْبَهُ بالمُفارِقِ يَرْتجعُ، والارتِجاعُ إنَّما هُو بالرِّجالِ، لا بالنِّساءِ. وقال الشّافِعيُّ، والأوزاعِيُّ، واللَّيثُ بن سَعْدٍ، والحسنُ بن حيٍّ: لا فَرْقَ بين المرأةِ والرَّجُل في ذلكَ، وأيُّهُما أسلَمَ قبلُ، ثُمَّ أسْلَمَ صاحِبُهُ في العِدَّةِ، كانا على نِكاحِهِما (١). وسَواءٌ عندَهُم أهلُ الكِتابِ في ذلك، أو غيرُ أهلِ الكِتابِ. وكذلك سواءٌ عندَهُم تقدَّم إسلامُ الرَّجُلِ، أو تقدَّم إسلامُ المرأةِ؛ لأنَّ أبا سُفيانَ بن حربٍ وحكِيمَ بن حِزام أسْلَما قبلُ، ثُمَّ أسْلَمتِ امرأتاهُما، فاسْتَقرَّت كلُّ واحِدةٍ منهُما عندَ زوجِها بالنِّكاح الأوَّلِ، إذ أسلَمَتْ في العِدَّةِ (٢). وأسْلَمتِ امرأةُ صَفْوانَ وامرأةُ عِكْرِمةَ، فاستقرَّتا بالنِّكاح الأوَّلِ، وذلك قبلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ (٣). وهذا يدُلُّ على أنَّ قولَهُ : ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] في حالٍ دُونَ حالٍ، وذلك التَّمادِي في الإمْساكِ بعد العِدَّةِ على ما بيَّنَتْ وأحكَمَتْ في ذلك السُّنَّةُ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ في الذِّمِّيَّينِ (٤): إذا أسْلَمتِ المرأةُ، عُرِضَ على الزَّوج الإسلامُ، فإن أسلمَ، وإلّا فُرِّقَ بينهُما.

стр. 4114

قالوا: ولو كانا حَرْبِيَّيْنِ وأسْلَمت هُناكَ، كانتِ امرأتَهُ حتَّى تحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فإن لم يُسلِم، وَقَعتِ الفُرقةُ. وفرَّقوا بين حُكم دارِ الإسلام، ودارِ الحربِ. وقال ابنُ شُبرُمةَ في النَّصرانِيِّ تُسلِمُ امرأتُهُ قبلَ الدُّخُولِ: يُفرَّقُ بينهُما، ولا صَداقَ لها، ولو كانتِ المرأةُ مجُوسِيَّةً، وأسلَمَ الزَّوجُ قبلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ لم تُسلِم المرأةُ حتَّى انْقَضَت عِدَّتُها، فلَها نِصفُ الصَّداقِ، وإن أسْلَمت قبلَ أن تَنْقضِيَ عِدَّتُها، فهُما على نِكاحِهِما (١). وقال الثَّورِيُّ كقولِ أبي حنِيفةَ، في عَرْضِ الإسلام على الزَّوج إذا أسْلَمتِ امرأتُهُ، فإن أسلمَ، وإلّا فُرِّق بينهُما (٢). وقال في المهرِ: إن أسلَمَتْ وأبَى، فلَها جميعُ المهرِ، إن كان دَخلَ بها، وإن لم يَكُن دَخلَ بها، فلها النِّصفُ، وإن أسلَمَ وأبَتْ وهِي مجُوسِيّةٌ، فلا مَهْرَ إن لم يدخُل بها. وقال مالكٌ (٣) في النَّصرانِيَّةِ تكونُ تحتَ النَّصْرانيِّ فيخرُجُ إلى بعضِ الأسْفارِ، فتُسلِمُ امرأتُهُ وهُو غائبٌ، فإنَّها تُؤمَرُ بالنِّكاح إذا انْقَضَت عِدَّتُها، ولا ينتظِرُ بها، وليسَ لهُ منها شيءٌ إن قَدِمَ بعد انقِضاءِ عِدَّتِها وهُو مُسلمٌ، نَكَحت أو لم تَنْكِح، هذا إذا أسلَمَ بعد انقِضاءِ عِدَّتِها، فإن أسلَمَ قبل انقِضاءِ عِدَّتِها في غَيْبتِهِ، فإن نَكَحت قبلَ أن يَقْدَمَ زَوْجُها أو يبلُغَها إسلامُهُ، فلا سبِيلَ لهُ إليها، وإن أدْرَكها قبلَ أن تَنْكِح، فهُو أحقُّ بها. قال: وإن كانتِ الغيبةُ قرِيبةً، استُؤنِي بتَزْوِيجِها، وكُتِبَ للسُّلطانِ فلعلَّهُ قد أسلَمَ قبلها، وإن كانت بعِيدةً فلا.

стр. 4115

وجُملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ في صَداقِ الكِتابِيَّةِ والمجُوسِيَّةِ إذا أسْلَمَت قبلَ البِناءِ، أنَّهُ لا صداقَ لها، ولا شيءَ منهُ مُعجَّلٌ ولا مُؤَجَّلٌ، فإن قَبَضتهُ ردَّتهُ؛ لأنَّ الفِراقَ من قِبَلِها، ولو بَنَى بها كان لها صَداقُها كامِلًا، وكذلكَ المُرتدَّةُ في الصداقِ. ذكرَ إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، عن مالكٍ، قال: الأمرُ عندَنا في المرأةِ تُسلِمُ وزَوْجُها كافِرٌ قبلَ أن يدخُلَ بها ويَمسَّها، أنَّهُ لا صَداقَ لها، سَمَّى لها أو لم يُسمِّ، وليسَ لزَوْجِها عليها رَجْعةٌ؛ لأنَّهُ لا عِدَّةَ عليها، ولو دخَلَ بها، كان لهُ عليها الرَّجْعَةُ ما دامَتْ في عِدَّتِها، وكان لها صَداقُها كامِلًا، فإن بَقيَ لها عليه شيءٌ من مَهْرِها، فلها بقِيَّتُهُ، أسلَمَ في عِدَّتِها أو لم يُسلِم. قال: وقال مالكٌ في المجُوسِيّةِ يتَزوَّجُها المجُوسِيُّ، ثُمَّ يُسلِمُ أحدُهُما ولم يدخُل بها، فرَضَ لها أو لم يَفْرِض: إنّهُ لا صَداقَ لها إن أسْلَمَت قَبلهُ وأبى هُو أن يُسلِمَ، أو أسلَمَ قبلها فأبَتْ هِيَ أن تُسلِمَ في الوَجْهينِ (١). أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد (٣)، عن إسرائيل، عن سِماكٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: أسْلَمتِ امرأةٌ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ

стр. 4116

فتَزوَّجت (١)، فجاءَ زوجُها إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا نَبِيَّ الله، إنِّي قَدْ أسلمتُ وعلِمَتْ بإسلامِي، فانْتَزَعها رسُولُ الله ﷺ من زَوْجِها الآخَرِ، ورَدَّها إلى زَوْجِها الأوَّلِ. ورواهُ حَفْصُ بن جُميع (٢) وسُليمانُ بن مُعاذٍ (٣)، وهذا لفظُهُ: عن سِماكٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس، قال: أسْلَمتِ امرأةٌ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ وهاجَرَتْ وتَزوَّجَت، وكان زَوْجُها قد أسلمَ، فَردَّها رسُولُ الله ﷺ إلى زَوْجِها. ذكر البزّارُ. وحدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله (٤) بن مُوسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس، قال: أسْلَمتِ امرأةٌ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ، فَتزوَّجت، فجاءَ زوجُها إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إنِّي قد أسْلَمتُ مَعَها، وعَلِمَتْ بإسْلامِي، فنَزعَها (٥) رسُولُ الله ﷺ من زوجِها الآخَرِ، وردَّها إلى زَوْجِها الأوَّلِ (٦). قال أبو عُمر: احتجَّ الطَّحاوِيُّ (٧) لأبي حنِيفةَ وأصْحابِهِ والثَّورِيِّ، بأن

стр. 4117

قال: خَبرُ ابن شِهاب مُنقطِعٌ، وفي الأُصُولِ أنَّ العِدَّةَ إذا وُجِّهت على الطَّلاقِ، فإنَّما تجِبُ بعدَ ارتفاع النِّكاح، وأمّا مع بَقاءِ النِّكاح فلا عِدَّةَ. قال أبو عُمر: لوِ ارتفَعَ النِّكاحُ، ما كان يُعرضُ الإسلامُ على الثّانِي منهُما معًا، وقد أجمعُوا على ذلك في الفورِ. رُوِيَ عن عُمرَ، وابن عبّاسٍ الفُرقةُ بين الزَّوجينِ إذا أسْلَمتِ المرأةُ الذِّمِّيَّةُ وأبىَ زوجُها أن يُسلِمَ، ولم يَعْتبِرِا العِدَّةَ (١). وذكر ابنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا مُعتمِرٌ، عن أبيهِ، عن الحسنِ وعُمرَ بن عبدِ العزيز، قالا في النَّصرانِيَّةِ تُسلِمُ تحت زَوْجِها: أخرَجَها عنهُ الإسلامُ. ورَوى حمّادُ بن سَلَمةَ، عن زِيادٍ الأعلم، عن الحسنِ، عن النَّصرانِيَّةِ تكونُ تحتَ النَّصرانِيِّ فتُسلِمُ قبل الدُّخُولِ، قال: فرَّق بينهُما الإسلامُ. ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ نحوُ قولِ مالكٍ والشّافِعيِّ. وحسبُك بقولِ ابن شِهاب: أنَّهُ لم يبلُغْهُ غيرُ مما حَكَى، في حديثهِ المذكورِ في هذا البابِ: وأنَّهُ أحقُّ بها إن أسلَمَ في عِدَّتِها. وذكرَ حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: أخبرنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن الزُّهرِيِّ: أنَّ امرأةَ عِكْرِمةَ بن أبي جَهْلٍ وامرأةَ سُهَيلِ بن عَمرٍو أسْلَمَتا، ثمَّ أسْلَما (٣) في عِدَّتِهِما، فأقاما على نكاحِهِما. وذكر ابنُ أبي شَيْبةَ (٤)، عن عبدِ السَّلام بن حَرْبٍ، عن إسحاقَ بن عبدِ الله بن

стр. 4118

أبي فَرْوةَ، عن الزُّهرِيِّ: أنَّ امرَأةَ عِكْرِمةَ بن أبي جَهْلٍ أسْلَمت قبلَهُ، ثُمَّ أسلمَ وهِي في العِدَّةِ، فرُدَّت إليهِ، وذلكَ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ . وذكر مالكٌ، عن ابن شِهاب: أنَّ ابنةَ الوليدِ بن المُغِيرةِ، وكانت تحتَ صَفْوانَ بن أُميَّةَ، فأسْلَمَت يومَ الفتح، ثُمَّ أسلمَ، واستقرَّت عِندهُ بذلكَ النِّكاح، وكان بينَ إسلام صَفْوانَ بن أُميَّةَ وبينَ إسلام امرأتِهِ نحوٌ من شهر (١). وأنَّ أُمَّ حكِيم بنتَ الحارِثِ بن هشام كانت تحتَ عِكْرِمةَ بن أبي جهلٍ، فأسْلَمَت يوم الفتح، ثُمَّ أسلمَ عِكْرِمةُ، فثَبَتا على نِكاحِهِما ذلك (٢). وذكر مالكٌ (٣)، عن ابن شِهاب، قال: لم يَبْلُغْنا أنَّ امْرَأةً هاجَرَت إلى الله ورَسُولِهِ وزَوْجُها كافِرٌ بدارِ الحربِ (٤) إلّا فرَّقت هِجْرتُها بَيْنها وبينَ زَوْجِها، إلّا أن يَقْدَمَ زَوْجُها مُهاجِرًا قبلَ أن تَنْقضِيَ عِدَّتُها. وذكر أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٥): حدَّثنا عَبْدةُ بن سُليمانَ، عن سعِيدٍ، عن قَتادةَ، عن مُجاهِدٍ، قال: إذا أسلمَ وهِيَ في عِدَّتِها فهِي امرأتُهُ، يعني: إذا كانَتْ أسْلَمَت قبلهُ. قال (٦): وحدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ابن أبي نَجِيح، عن عَطاءٍ، قال: إن أسلمَ وهِيَ في العِدَّةِ، فهُو أحقُّ بها.

стр. 4119

قال (١): وحَدَّثنا عُبيدُ الله (٢) بن مُوسى، عن سفيانَ، عن عَمرِو بن ميمُونٍ، عن عُمرَ بن عبدِ العزيز، قال: هُو أحقُّ بها ما دامَتْ في العِدَّةِ. وذكَرَ حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، قال: إذا أسلمَ الرَّجُلُ في عِدَّةِ امْرَأتِهِ، فهُو أحقُّ بها. وفي حديثِ ابن شِهاب المذكُورِ أيضًا في هذا البابِ من الفِقهِ: إثباتُ الأمانِ للكافرِ، ودُعاؤُهُ إلى الإسلام وإن كان له شوكةٌ، وكانت كلِمةُ الإسلام العاليةَ. وهذا ما لا خِلافَ فيه على هذا الوَجْهِ، ولا سِيَّما إذا طُمِع بإسلامِهِ. وفيه: التَّأمِينُ على شُرُوطٍ تجُوزُ، وعلى الخِيارِ فيها. وفيه: جَوازُ تَصْحِيح الأماراتِ في العُقودِ، وأنَّ من صَحَّ عليه شيءٌ منها، أو صحَّ عِندهُ، لَزِمهُ العَملُ بها، وجازَ ذلك عليه ولهُ، ألا تَرى إلى إرْسالِ رَسُولِ الله ﷺ برِدائهِ أمارَةً لأمانِهِ؟ وفيه: بيانُ ما كان عليه رسُولُ الله ﷺ من الاجْتِهادِ، والحِرصِ على دُخُولِ النّاسِ في الإسلام. وفيه: إجازةُ تَكْنِيةِ الكافِرِ، إذا كان وجهًا ذا شَرَفٍ، وطُمِعَ بإسلامِهِ، وقد يجُوزُ ذلك وإن لم يُطْمَع بإسلامِهِ؛ لأنَّ الطَّمعَ ليسَ بحقِيقةٍ تُوجِبُ عَملًا، وقد قال ﷺ : "إذا أتاكُم كَرِيمُ قوم، أو كرِيمةُ قوم فأكرِمُوهُ" (٣)، ولم يقُل: إن

стр. 4120

طَمِعتُم بإسلامِهِ، ومنِ الإكرام: دُعاؤُهُ بالتّكنِيةِ، وقد كان الكلبي يقولُ، في قولِ الله : ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] قال: كنِّياهُ. وأمّا شُهُودُ صَفْوانَ بن أُميَّةَ معَ رسُولِ الله ﷺ حُنينًا والطّائفَ وهُو كافِرٌ، فإنَّ مالكًا قال: لم يَكُن ذلك بأمرِ رسُولِ الله ﷺ . قال مالكٌ: ولا أرَى أن يُسْتَعانَ بالمُشرِكِينَ على قِتالِ المُشرِكِين، إلّا أن يكونُوا خَدَمًا، أو نَواتِيَّةً (١). ورَوَى مالكٌ، عن الفُضَيلِ بن أبي عبد الله (٢)، عن عبدِ الله بن نيارٍ (٣) الأسلمِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لِرجُل أتاهُ، فقال: جِئتُ لأتَّبِعكَ وأُصِيبَ معكَ، في حِينِ خُرُوجِهِ إلى بَدْرٍ: "إنّا لا نَسْتعِينُ بمُشرِكٍ" (٤).

стр. 4121

وهذا حديثٌ قدِ اختُلِف عن مالكٍ في إسناده، وهكذا رواهُ أكثرُ أصحابِه. وقد رَوى أبو حُميدٍ السّاعِدِيُّ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (١). وقال الشّافِعيُّ، والثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ، وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُم: لا بأسَ بالاستِعانةِ بأهْلِ الشِّركِ على قِتالِ المُشرِكِينَ، إذا كانَ حُكمُ الإسْلام هُو الغالِبَ عليهم، وإنَّما تُكرَهُ الاستِعانةُ بهِم، إذا كان حُكمُ الشِّركِ هُو الظّاهِر. وقد رُوِي: أنَّهُ لمّا بلغَ رسُولَ الله ﷺ جمعُ أبي سُفيانَ للخُرُوج إليه يومَ أُحُدٍ، انطلَقَ وبعَثَ إلى بَني النَّضِيرِ، وهُم يهودٌ، فقال لهُم: "إمّا قاتلتُم مَعَنا، وإمّا أعَرْتُمُونا سِلاحًا" (٢). قال أبو عمر (٣): هذا قَولٌ يحتمِلُ أن يكونَ لضرُورةٍ دَعَتهُ إلى ذلك. وقال الثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ: إذا استُعِينَ بأهلِ الذِّمَّةِ، أُسهِمَ لهُم (٤). وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: لا يُسهَمُ لهُم، ولكِنْ يُرضَخُ (٥).

стр. 4122

وقال الشّافِعيُّ: يستأجِرُهُمُ الإمامُ من مالٍ لا مالكَ لهُ بعينِهِ، فإن لم يَفْعلْ أعطاهُم من سَهْم النَّبيِّ ﷺ . وقال في مَوْضع (١) آخرَ: يُرضَخُ للمُشرِكِينَ إذا قاتَلُوا مع المُسلمِينَ (٢). قال أبو عُمر: قَدِ اتَّفقوا أنَّ العبدَ، وهُو مِمَّن يجُوزُ أمانُهُ، إذا قاتَلَ لم يُسهَمْ لهُ، ولكِنْ يُرضَخُ لهُ، فالكافِرُ أولى بذلكَ أن لا يُسهَمَ لهُ. وفيه: جَوازُ العارِيةِ والاستِعارة، وجَوازُ الاستِمتاع بما استُعِيرَ، إذا كان على المعهُودِ مِمّا يُسْتعارُ مِثلُهُ. وحديثُ صَفْوانَ هذا في العارِيةِ أصلٌ في هذا البابِ. وقدِ اختلفَ الفُقهاءُ في ضَمانِ العارِيةِ (٣). فذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ، إلى أنَّ العارِيةَ أمانةٌ غيرُ مضمُونةٍ، إذا كانت حيوانًا، أو ما لا يُغابُ عليه، إذا لم يتَعدَّ المُستعِيرُ فيه، ولا ضيَّعَ، وكذلك ما يُغابُ عليه أمانةٌ أيضًا، إذا ظهَرَ هلاكُهُ، وصحَّ من غيرِ تَضْييع ولا تَعَدٍّ، فإن خَفِيَ هلاكُهُ ضُمنَ، ولا يُقبلُ قولُ المُستعِيرِ فيه، إذا ادَّعَى هَلاكهُ وذَهابهُ ولم يُقِم على ما قال بيِّنةً، ويُضمَنُ أبدًا إذا كان هكذا، ولا يُضمَنُ إذا كان هلاكُهُ ظاهِرًا مَعْرُوفًا، أو قامت به بيِّنةٌ بلا تَضْيِيع ولا تَفْرِيط. هذا هُو المشهُورُ من قولِ مالكٍ، وهُو قولُ ابن القاسم. وقال أشهبُ: يَضْمَنُ كلَّ ما يُغابُ عليه، قامت بيِّنةٌ بهلاكِهِ أو لم تَقُم، وسَواءٌ هَلكَ بسببِهِ أو بغيرِ سببِهِ، يضمَنُ أبدًا؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لصَفْوان حِينَ استعارَ منهُ السِّلاح، وهُو مِمّا يُغابُ عليه: "بل عارِيةٌ مَضمُونةٌ مُؤَدّاةٌ" (٤).

стр. 4123

قال: وأمّا الحَيَوانُ وما لا يُغابُ عليه، فلا ضمانَ عليه. وقولُ عُثمانَ البتِّيِّ في هذه المسألةِ، نحوُ قولِ مالك، قال عُثمانُ البتِّيُّ: المُسْتعِيرُ ضامنٌ لما اسْتَعارَهُ، إلّا الحَيَوانَ والعَقارَ، ويَضمَنُ الحُليَّ والثِّيابَ وغَيْرَها. قال: وإنِ اشتُرِطَ ضمانُ الحيوانِ، ضَمنهُ (١). وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: لا ضمانَ في العارِيةِ، ولكِنَّ أبا العبّاسِ أمِيرَ المُؤمنينَ قد كتبَ بأن يضمَنَها، فالقَضاءُ اليومَ على الضَّمانِ (٢). وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، والثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ: العاريةُ غيرُ مضمُونةٌ، ولا يَضمَنُ شيئًا منها إلّا بالتَّعدِّي. وهُو قولُ ابن شُبرُمةَ (٣). وقال الشّافِعيُّ: كلُّ عارِيةٍ مَضمُونةٌ (٤). قال أبو عُمر: احتجَّ من قال بأنَّ العارِيةَ مَضْمُونةٌ، بما حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ (٥). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٦): حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن

стр. 4124

نَجْدةَ الحَوْطِيُّ (١)، قالا جميعًا: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، عن شُرَحبِيل بن مُسْلم، قال: سمِعتُ أبا أُمامةَ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "العارِيةُ مُؤَدّاةٌ، والمنحةُ مردُودةٌ، والدَّينُ مَقْضِيٌّ، والزَّعِيمُ غارِمٌ". ومن قال: إنَّ العارِيةَ لا تُضمَنُ، قال: في قولِهِ ﷺ : "العارِيةُ مُؤَدّاةٌ" دليلٌ على أنَّها أمانةٌ؟ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فجعل الأماناتِ مُؤَدّاةً، قال: ويحتمِلُ قولُهُ: "العارِيةُ مُؤَدّاةٌ" إذا وُجِدَت قائمةَ العَيْنِ. وهذا ما لا يُختلفُ فيه، وإنَّما التَّنازُعُ فيها إذا تَلِفَت، هل يجِبُ على المُستعِيرِ ضمانُها؟ واحتجَّ أيضًا من قال: إنَّ العارِيةَ مضمُونةٌ، بما حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ وسَلَمةُ بن شَبِيب، قالا: حدَّثنا يزِيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن عبدِ العزيز بن رُفَيع، عن أُميَّةَ بن صَفْوانَ بن أُميَّةَ، عن أبيهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَعارَ منهُ دُرُوعًا يومَ حُنين (٣)، فقال: أغَصْبًا يا محمدُ؟ فقال: "بَلْ عارِيةٌ مَضْمُونةٌ". قال أبو داود: هذه رِوايةُ يزِيدَ ببغدادَ، وفي رِوايتهِ بواسِط غيرُ هذا. قال أبو داود: وكانَ أعارَهُ قبلَ أن يُسلِمَ، ثُمَّ أسلَمَ.

стр. 4125

قال أبو عُمر: حديثُ صَفْوانَ هذا اختُلِفَ فيه على عبدِ العزيز بن رُفيع اختِلافًا يطُولُ ذِكرُهُ، فبعضُهُم يذكُرُ فيه الضَّمان، وبعضُهُم لا يذكُرهُ. وبعضُهُم يقولُ فيه: عن عبدِ العزيز بن رُفيع، عن ابن أبي مُليكةَ، عن أُميَّةَ بن صَفْوان، عن أبيهِ (١). وبعضُهُم يقولُ: عن عبدِ العزيز، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن ابن صَفْوان، قال: اسْتَعارَ النَّبيُّ ﷺ (٢)، لا يقولُ: عن أبيهِ. ومنهُم من يقولُ: عن عبدِ العزيز بن رُفيع، عن أُناسٍ من آلِ صَفْوانَ، أو من آلِ عبدِ الله بن صفوانَ. مُرسلًا أيضًا. (٣) وبعضُهُم يقولُ فيه: عن عبدِ العزيز بن رُفيع، عن عَطاءٍ، عن ناسٍ من آلِ صَفْوانَ، ولا يذكُرُ فيه الضَّمان، ولا يقولُ: "مُؤَدّاةً" بل "عارِيةً" فقط (٤). والاضطِرابُ فيه كثِيرٌ، ولا يجِبُ عِندِي بحديثِ صَفْوانَ هذا حُجَّةٌ في تَضمِينِ العارِيةِ، والله أعلمُ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَصِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن رُفَيع، عن عَطاءِ بن أبي رَباح، عن ناسٍ من آلِ صَفْوانَ، قالوا: اسْتَعارَ رسُولُ الله ﷺ من صَفْوانَ بن أُميَّةَ سِلاحًا، فقال لهُ صفوانُ: أعارِيةٌ أم غَصْبٌ؟ فقال: "بل عارِيةٌ". فأعارَهُ ما بينَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبعِينَ دِرعًا، فغَزا رسُولُ الله ﷺ حُنينًا، فلمّا هزَمَ اللهُ المُشرِكِينَ، قال رسُولُ الله ﷺ : "اجْمعُوا أدْراعَ

стр. 4126

صَفْوانَ" ففَقَدُوا من أدراعِهِ أدراعًا، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إن شِئتَ غَرِمناها لكَ"، فقال: يا رسُولَ الله، إنَّ في قَلْبِي اليومَ من الإيمانِ ما لم يَكُن يومئذٍ (١). ورواهُ جرِيرُ بن عبدِ الحمِيدِ، عن عبدِ العزيز بن رُفَيع، عن أُناسٍ من آلِ صَفْوانَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "يا صَفْوانُ، هل عِندكَ من سِلاح؟ "، قال: عارِيةٌ، أم غَصْبٌ؟ قال: "بَلْ عارِيةٌ"، فأعارَهُ ما بينَ الثَّلاثِينَ إلى الأربعِينَ. ثُمَّ ساقَ مِثلَ حديثِ أبي الأحوصِ سواءً إلى آخِرِهِ بمعناهُ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا جرِيرٌ، فذكرهُ. واحتجَّ أيضًا من ضمَّنَ العارِيةَ، بما حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا مُسدَّدُ بن مُسَرْهَدٍ، قال: حدَّثنا يحيى، عن ابن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في هذا الحديثِ، فقال: هُو أمِينُك لا ضمانَ عليه.

стр. 4127

وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: أخبرنا سعِيدٌ، عن قَتادةَ، عن الحَسَنِ، عن سمُرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "على اليَدِ ما أخذَتْ حتَّى تُؤَدَّيَهُ". ثُمَّ إنَّ الحَسَن نسِي (١) فقال: هُو أمِينُكَ، فلا ضمانَ عليه (٢) (٣). قال أبو عُمر: قدِ اختُلِف في سماع الحسنِ من سَمُرةَ، وقد ذكَرْنا ذلكَ فيما سلَفَ من كتابِنا والحمدُ لله. وأمّا الصَّحابةُ ﵃، فرُوِي عن عُمرَ وعليٍّ: أنْ لا ضَمانَ في العارِية (٤). ورُوِي عن ابن عبّاس وأبي هُريرةَ: أنَّها مَضْمُونةٌ (٥)، والله المُوفِّقُ للصَواب.

стр. 4128

حديثٌ رابعٌ من مَراسِيلِ ابن شِهاب مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ، أنَّهُ قال: لمّا قَدِمنا المدِينةَ نالَنا وَباءٌ من وَعْكِها شَدِيدٌ، فخرَجَ رسُولُ الله ﷺ وهُم يُصلُّونَ في سُبْحتِهِم قُعُودًا، فقال رسُولُ الله ﷺ : "صَلاةُ القاعِدِ مِثلُ نِصْفِ صلاةِ القائم". هكذا رَوَى هذا الحديثَ عن مالكٍ جماعةُ الرُّواةِ، فيما عَلِمتُ، بهذا الإسنادِ مُرسلًا (٢). ورُويَ فيه: عن ابن أبي زائدةَ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ. ولا يصِحُّ. ورواهُ الحُسينُ بن الوليدِ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن عِيسى بن طلحةَ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو. ولم يُتابِعهُ على ذلكَ أحدٌ من رُواةِ مالكٍ، وإنَّما يَرْوِيهِ هكذا عن ابن شهاب، عن عيسى بن طَلْحةَ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو: ابنُ عُيينةَ وَحْدَهُ من بينِ أصحابِ ابن شهاب، على اختِلافٍ على ابن عُيينةَ في ذلك أيضًا. ومن اختِلافِ أصحابِ ابن شِهاب في ذلكَ: أنَّ صالحَ بن أبي الأخضرِ وابن جُرَيْج رَوَياهُ عن ابن شهاب، عن أنسٍ، كذلك ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ، عن ابن جُرَيْج (٣). وكذلك رواهُ النَّضرُ بن شُمَيلٍ، عن صالح بن أبي الأخضرِ. ورواهُ صالحُ بن عُمرَ، عن صالح بن أبي الأخضرِ، عن الزُّهرِيِّ، عن السّائبِ بن يزِيدَ، عن المُطَّلبِ بن أبي وَداعةَ.

стр. 4129

ورواهُ مَعْمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ، قال: قَدِمنا المدِينةَ. بمِثلِ رِوايةِ مالكٍ سَواءً، في الإسنادِ والمتنِ. هذه رِوايةُ الدَّبَرِيِّ، عن عبدِ الرَّزّاقِ (١)، عن معمر. رواهُ خُشيشٌ، عن عبدِ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن رجُلٍ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم خُشيشُ بن أصرمَ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن رجُلٍ، عن عبد الله بن (٢) عَمرِو بن العاصِ، فذكرهُ. ورواهُ بكرُ بن وائلٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن مولًى لعبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ، عن عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ (٣). ورواهُ حجّاجُ بن مَنِيع، عن جدِّهِ، عن الزُّهرِيِّ، عن ثَعْلبةَ بن أبي مالكٍ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو. ورواهُ يزِيدُ بن عِياضٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو (٤). ورواهُ إبراهِيمُ بن مُرَّةَ وعبدُ الرَّزّاقِ بن عُمرَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ (٥). وكلُّ هذا خطأٌ، والله أعلمُ.

стр. 4130

فأمّا رِوايةُ النَّضرِ بن شُميلٍ، عن صالح بن أبي الأخْضَرِ؛ فأخبرنا سعِيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم بن خليلٍ، قال: حدَّثنا بكرُ بن محمدِ بن حَفْصٍ الشَّعرانِيُّ بتِنِّيسَ، قال: حدَّثنا إبراهِيمُ بن محمدٍ الصَّفّارُ، قال: حدَّثنا خلّادٌ، قال: حدَّثنا النَّضرُ بن شُمَيل، قال: حدَّثنا صالحُ بن أبي الأخْضَرِ، عن ابن شِهاب، عن أنَسٍ، قال: لمّا قدِمَ النّاسُ المدِينةَ أصابهُم وَعْكٌ من وَباءِ المدِينةِ، فمرَّ رسُولُ الله ﷺ والنّاسُ يُصلُّونَ في سُبحتِهِم قُعُودًا، فقال رسُولُ الله ﷺ : "صَلاةُ القاعِدِ على نِصفِ صَلاةِ القائم" (١). وأمّا رِوايَةُ ابن جُرَيْج؛ فحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عَلّانُ ومحمدُ بن أبانٍ، قالا: حدَّثنا سَلَمةُ بن شَبِيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢): أخبرنا ابنُ جُرَيْج، قال: أخبرني ابنُ شِهاب، قال: أخبرني أنسُ بن مالك، قال: قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ المدِينةَ وهي مُحمَّةٌ (٣)، فحُمَّ النّاسُ، فدخَلَ المسجِدَ والنّاسُ قُعُودٌ، فقال: "صَلاةُ القاعِدِ نِصفُ صَلاةِ القائم"، فتَجشَّمَ النّاسُ القِيامَ. وأمّا رِوايةُ ابن عُيينةَ؛ فحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى البَلْخِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن عيسى بن طلحةَ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو. فذكرهُ (٤).

стр. 4131

وأمّا رِوايةُ صالح بن عُمر، عن صالح بن أبي الأخضرِ؛ فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ عليُّ بن الحسنِ علّانُ، قال: حدَّثنا صالحُ بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا إبراهِيمُ بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا صالحُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا صالحُ بن أبي الأخضرِ، عن الزُّهرِيِّ، عن السّائبِ بن يزِيدَ، عن المُطَّلِبِ، قال: رأى رَسُولُ الله ﷺ رَجُلًا يُصلِّي قاعِدًا، فقال: "صَلاةُ القاعِدِ على النِّصفِ من صلاةِ القائم". قال: فتَجَشَّم النّاسُ القِيامَ (١). وهذا عِندِي خطأٌ من صالح بن أبي الأخضرِ، أو مِمَّن دُونَهُ في الإسْنادِ. وأمّا حديثُ الزُّهرِيِّ، عن السّائبِ بن يزِيدَ، عن المُطَّلِبِ بن أبي وَداعةَ، عن حَفْصةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُصلِّي في سُبْحتِهِ قاعِدًا قبلَ وفاتِهِ بعام، ويَقْرأُ بالسُّورةِ ويُرتِّلُها، حتَّى تكونَ أطولَ مِن أطوَلَ منها (٢). هكذا حدَّث به الحُفّاظُ عن ابن شِهاب بهذا الإسنادِ، ومنهُم: مالكٌ وغيرُهُ. وأمّا حديثُ عبدِ الله بن عَمرٍو المذكُورُ في هذا الباب، من غيرِ رِوايةِ ابن شِهاب؛ فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أَصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيانَ، قال: حدَّثني منصورٌ، عن هِلالِ بن يِسَافٍ، عن أبي يحيى، عن عبدِ الله بن عَمرٍو، قال: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يُصلِّي جالِسًا، فقلتُ: يا رسُولَ الله، حُدِّثتُ أنَّكَ قلتَ: "صلاةُ القاعِدِ على النِّصفِ من صَلاةِ القائم"، وأنتَ تُصلِّي جالِسًا؟ قال: "أجَلْ، ولكِنِّي لَستُ كأحدٍ منكُم" (٣).

стр. 4132

وأخبرنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحسنِ (١) بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ علّانُ بن المُغِيرةِ، قال: حدَّثنا عبدُ الغفّارِ بن داود، قال: حدَّثنا عِيسى بن يُونُس، عن الأعْمَشِ، عن حبِيبِ بن أبي ثابتٍ، عن عبدِ الله بن بابَيْهِ، عن عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ، قال: مرَّ بي رسُولُ الله ﷺ وأنا أُصلِّي قاعِدًا، فقال: "أما إنَّ للقاعِدِ نِصفَ صلاةِ القائم" (٢). قال أبو عُمر: ذكَرْنا في هذا البابِ من القولِ في إسنادِ حديثِهِ ما بَلَغَهُ عِلمُنا مُختصرًا مُهذَّبًا، ولم نذكُر شيئًا من مَعانِيهِ، لتقدُّم القولِ فيها مُمهَّدةً في بابِ الألفِ من هذا الكِتابِ (٣). وأمّا الوَباءُ، فمهمُوزٌ مقصُورٌ، وهُو الطّاعُونُ، يُقالُ: أرضٌ وبِيئَةٌ، أي: ذاتُ وَباءٍ وأمراض. وأمّا الوَعْكُ، فقال أهلُ اللُّغةِ: لا يكونُ إلّا من الحُمَّى دُونَ سائرِ الأمراض. وأمّا السُّبحةُ، فهي: النّافِلةُ من الصَّلاةِ، وقد قِيلَ: إنَّ كلَّ صلاةٍ سُبحةٌ. والأوَّلُ أصحُّ، ويَشْهدُ لصِحَّتِهِ حديثُ ابن شِهاب في هذا البابِ؛ لأنَّهُ لا وَجْهَ لهُ إلّا النّافِلةُ، والله أعلمُ. وقد مَضَى القولُ في هذا المعنى مُجوَّدًا في بابِ إسماعيل بن محمدٍ، من هذا الدِّيوانِ، والحمدُ لله لا شرِيكَ لهُ.

стр. 4133

حديثٌ خامِسٌ، من مَراسِيلِ ابن شِهاب مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، أنَّ أُمَّ حَكِيم بنتَ الحارِثِ بن هشام، وكانَتْ تحتَ عِكْرِمةَ بن أبي جَهْلٍ، فأسْلَمَتْ يومَ الفَتْح، وهرَبَ زوجُها عِكْرِمةُ بن أبي جَهْلٍ من الإسْلام، حتَّى قدِمَ اليمنَ، فارْتَحلت أُمُّ حَكِيم حتَّى قدِمَتْ عليه باليمَنِ، فدَعَتهُ إلى الإسلام فأسلَمَ، وقدِمَ على رسُولِ الله ﷺ عامَ الفَتْح، فلمّا رآهُ رسُولُ الله ﷺ وثَبَ إليه فَرِحًا وما عليه رِداءٌ، حتَّى بايَعَهُ، فثَبَتا على نِكاحِهما. في هذا الحديثِ من المعاني: وُثُوبُ الرَّجُلِ الجَليلِ إلى ما يَفْرحُ به في دِينِهِ، وكذلك عِندِي وُثُوبُهُ لما يُسرُّ به في دُنياهُ، إذا لم يَقْدَح ذلكَ في دِينِهِ. وفيه: ما كانَ عليه رسُولُ الله ﷺ من السُّرُورِ والفَرح بإسْلام قُرَيشٍ وأشْرافِ النّاسِ، وكذلك سائرُ من أسلَمَ، والله أعلمُ. وفيه: دليلٌ على أنَّ لِباسَ الرِّداءِ كان من شأنِ رسُولِ الله ﷺ . وأمّا القولُ في ثُبُوتِ نِكاحِهِما، فقد تَقدَّم مُسْتَوعبًا في بابِ صَفْوانَ بن أُميَّةَ، من هذا الكِتابِ، والمعنى فيهِما واحِدٌ، لا يَفترِقانِ في شيءٍ من ذلك. وقد ذكَرْنا خبرَ عِكْرِمةَ بن أبي جهل، وكيفَ كان إسلامُهُ، وشيئًا كافِيًا من خَبرِهِ في كِتابِنا في الصحابةِ (٢)، وبالله التَّوفيقُ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن أحمد المكِّيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرِو بن مُوسى، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكِين،

стр. 4134

قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجر، قالا: أخبرنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن سَعِيدٍ الثَّورِيُّ، عن أبي إسحاقَ، عن مُصعبِ بن سَعْدٍ، عن عِكْرِمةَ بن أبي جَهْل، قال: قال النَّبيُّ ﷺ يومَ جِئتُهُ: "مرحبًا بالرّاكِبِ المُهاجِر"، قلتُ: يا رسُولَ الله، والله لا أدعُ نَفَقةً أنفقتُها عليكَ، إلّا أنفقتُ مِثْلَها في سبِيلِ الله (١).

стр. 4135

حديثٌ سادِسٌ من مَراسِيلِ ابن شِهاب مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، أَنَّهُ قال: بَلَغني أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لِرجُل من ثَقِيفٍ أسلَمَ وعندَهُ عشْرُ نِسْوةٍ حِينَ أسلَمَ: "أمْسِكْ منهُنَّ أربعًا، وفارِق سائرَهُنَّ". هكذا رواهُ جماعةُ رُواةِ "المُوطَّأ" وأكثرُ رُواةِ ابن شِهاب (٢). ورواهُ ابنُ وَهْب، عن يُونُس، عن ابن شِهاب، عن عُثمانَ بن محمدِ بن أبي سُوَيدٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لغَيْلانَ بن سَلَمةَ الثَّقفِيِّ حِينَ أسلَمَ وتحتهُ عَشْرُ نِسْوةٍ: "خُذْ منهُنَّ أربعًا، وفارِق سائرَهُنَّ" (٣). ورواهُ يحيى بن سلّام، عن مالكٍ ومَعْمرٍ وبَحْرٍ السَّقّاءِ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ مُسندًا (٤)، فأخطأ فيه يحيى بن سلّام على مالكٍ، ولم يُتابَعْ عنهُ على ذلك.

стр. 4136

ووصَلهُ مَعْمرٌ، فرَواهُ عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عُمر. ويقولون: إنَّهُ من خَطأِ مَعْمر، ومِمّا حدَّثَ به بالعِراقِ من حِفْظِهِ، وصَحِيحُ حديثِهِ ما حدَّثَ به باليمَنِ من كُتُبِهِ. حدَّثنا خلفُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أبو عُبيدٍ القاسمُ بن سلّام، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن هارُونَ، عن سعِيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن مَعْمرِ بن راشِدٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهِ: أنَّ غَيْلانَ بن سلَمةَ الثَّقفِيَّ أسلَمَ وعندَهُ عَشْرُ نِسْوةٍ، وأسْلَمنَ مَعهُ، فأمَرهُ (١) رسُولُ الله ﷺ أن يختارَ منهُنَّ أربعًا (٢). قال: وأخبرنا أبو عُبيدٍ، قال: وحدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، عن سُفيان الثَّورِيِّ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَ ذلكَ (٣).

стр. 4137

وقد ذكَرَ يعقوبُ بن شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شبُّويَةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: لم يُسنِد لنا مَعْمرٌ حديثَ غَيْلانَ بنِ سلَمةَ: أنَّهُ أسلَمَ وعندَهُ عشْرُ نِسْوة (١).

стр. 4138

وقد رُوِيَ عن قَيْسِ بن الحارِثِ، وبعضُهُم يقولُ فيه: الحارِثُ بن قَيْسٍ الأسدِيُّ، والأكثرُ: قَيْسُ بن الحارِثِ، قال: أسلَمتُ وعِندِي (١) ثماني نِسْوةٍ، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "اخْتَرْ منهُنَّ أربعًا".

стр. 4139

أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ ووَهبُ بن بقِيَّةَ، قالا: أخبرنا هُشَيمٌ، عن ابن أبي لَيْلَى، عن حُمَيضةَ بن الشَّمَرْدلِ (٢)، عن الحارِثِ بن قَيْسٍ. قال مُسدَّدٌ: ابن عَمِيرة. وقال وَهْبٌ: الأسدِيُّ، قال: أسلمتُ وعِندِي ثماني نِسْوِة، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "اخْتَرْ منهُنَّ أربعًا". قال أبو داود (٣): وحدَّثنا أحمدُ بن إبراهِيم، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ بهذا الحديثِ، فقال: قيسُ بن الحارِثِ، مكانَ: الحارِثِ بن قيس. قال أحمدُ بن إبراهِيم: هذا هُو الصَّوابُ. يعني: قيسَ بنَ الحارِثِ. قال أبو داود (٤): وحدَّثنا أحمدُ بن إبراهِيم، قال: حدَّثنا بكرُ بن عبدِ الرَّحمنِ قاضِي الكُوفةِ، عن عيسى بن المُختارِ، عن ابن أبي لَيْلَى، عن حُميضةَ بن الشَّمردلِ (٥)، عن قَيْسِ بن الحارِثِ، بمعناهُ. قال أبو عُمر: الصَّحِيحُ عن هُشَيم في هذا الإسْنادِ: الحارِثُ بن قَيْسٍ، وعن غيرِ هُشَيم: قيسُ بن الحارِثِ، وهُو الصَّوابُ إن شاءَ الله؛ لأن عيسى بن المُختارِ والكلبِيَّ اجْتَمعا على ذلك.

стр. 4140

هكذا يقولُ الثَّورِيُّ: عن الكَلْبيِّ، عن حُمَيضةَ بن الشَّمَرْدلِ، عن قَيْسِ بن الحارِثِ بن جِدَار (١) الأسدِيِّ، قال: أسلمتُ وكان عِندِي ثماني نِسْوةٍ، فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "اخْتَرْ منهُنَّ أربعًا، واترُك أربعًا" (٢). ورواهُ شَرِيكٌ، عن الكلبِيِّ، عن حُميضةَ بن الشَّمَرْدلِ، عن الحارِثِ بن قيسٍ، قال: أسلمتُ وعِنْدِي ثماني نِسْوةٍ، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فأمَرَني أن أختارَ منهُنَّ أربعًا. أخبرنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجر، قال: حدَّثنا الفَضْلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، فذكرهُ (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٤): حدَّثنا أبي (٥)، قال: حدَّثنا جرِيرٌ، عن الكَلْبيِّ، عن ابن شَمَرذلٍ، عن قَيْسِ بن الحارِثِ الأسدِيِّ، قال: أسلمتُ وتحتي ثماني نِسْوةٍ، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "اخْتَرْ منهُنَّ أربعًا". قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: كذا قال: ابنُ الشَّمرذل، بالذّالِ، وإنَّما هُو الشَّمَردلُ، وهُو الرَّجُلُ الطَّوِيلُ.

стр. 4141

وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا بكرُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عيسى بن المُختارِ، عن ابن أبي لَيْلَى، عن حُميضةَ بن الشَّمَردلِ، عن قَيْسِ بن الحارِثِ الأسدِيِّ، أنَّهُ أسلَمَ وتحتهُ ثماني نِسْوةٍ، فأمَرهُ رسُولُ الله ﷺ أن يختارَ منهُنَّ أربعًا. قال أبو عُمر: الأحادِيثُ المروِيَّةُ في هذا البابِ كلُّها مَعْلُولةٌ، ولَيْست أسانِيدُها بالقوِيَّةِ (٢)، ولكِنَّها لم يُروَ شيءٌ يُخالِفُها عن النَّبيِّ ﷺ ، والأُصُولُ تَعضُدُها، والقَوْلُ بها والمصِيرُ إليها أوْلَى، وبالله التَّوفيقُ (٣). وقدِ اختلَفَ الفُقهاءُ في ذلك: فقال مالكٌ، والشّافِعيُّ، ومحمدُ بن الحسنِ، والأوزاعِيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ: إذا أسلَمَ الكافِرُ، كِتابِيًّا كان أو غيرَ كِتابيٍّ، وعندَهُ عشْرُ نِسوةٍ، أو خمسُ نِسوةٍ، أو ما زادَ على أربع، اختارَ منهُنَّ أربعًا، ولا يُبالي كُنَّ الأوائلَ أو الأواخِرَ، على ما رُوِي في هذه الآثارِ عن النَّبيِّ ﷺ ، وكذلكَ إذا أسلَمَ وتحتهُ أُختانِ، اختارَ أيَّتَهُما شاءَ، إلّا أنَّ الأوزاعِيَّ رُوِي عنهُ في الأُختينِ: أنَّ الأُولى امرأتُهُ. وقال الثَّورِيُّ، وأبو حنِيفةَ، وأبو يُوسُف: يختارُ الأوائلَ، فإن تزَوَّجهُنَّ (٤) في عُقدةٍ واحِدةٍ، فُرِّقَ بينهُ وبينهُنَّ (٥).

стр. 4142

وقال الحسنُ بن حيٍّ: يختارُ الأرْبَع الأوائلَ، فإن لم يدرِ أيَّتُهُنَّ أوَّلُ، طلَّق كلَّ واحِدةٍ منهُنَّ تطليقةً حتَّى تَنْقضِيَ عِدَّتُهُنَّ، ثُمَّ يتزوَّجُ منهُنَّ أربعًا إن شاءَ (١). وقال أحمدُ بن المُعذَّلِ: سُئلَ عبدُ الملكِ (٢) عن رجُلٍ أسلَمَ وعِندهُ عشرُ نِسوةٍ، قال: يُفارِقُ سِتًّا، ويُقِيمُ على أرَبْع، وتِلكَ السُّنَّة التي أمَرَ بها رسُولُ الله ﷺ الثَّقفِيَّ (٣). قال عبدُ الملكِ: فإن وجَدَ الاثنتينِ من الأربع أُختَيهِ، قال: يكونُ لهُ من السِّتِّ اثنتانِ، لأنَّهُ لم يُطلِّق، إنَّما ظنَّ السُّلطانُ أنَّهُ قد أبْقَى لهُ أربعًا، ففسخَ ما سِوَى ذلك بتَخْيِيرِهِ إيّاهُ، ثُمَّ انكشفَ أنَّ منهُنَّ أُختَينِ لهُ، فيَنْبغِي أن يرُدَّ إلى تخيِيرِهِ، كما لو كُنَّ عندَهُ، أمسكَ أربعًا، وفسَخَ ما سِوَى ذلك. قال أحمدُ: يعني: تخيِيرَهُ من السِّتِّ اثْنَتينِ، لأنَّهُ رَجُلٌ كان عِندهُ ثماني نِسوةٍ، فكان عليه أن يُفارِقَ أربعًا، فغلِطَ عليه السُّلطانُ، فنزعَ منهُ سِتًّا، لأنَّ أُختَيهِ من الرَّضاعةِ لم يكونا زَوْجتيهِ. قيلَ لعبدِ الملكِ: فلو (٤) تزوَّجنَ؟ قال: إذَنْ (٥) لا يكونُ لهُ إليهِنَّ سبِيلٌ؛ لأنَّه أحلَّهُنَّ لمن نَكَحهُنَّ. قال: وإن كان خَفِي على الحاكِم، فإنَّهُ حُكمٌ قد فاتَ. وقِيل: النِّكاحُ لم يَفُت،

стр. 4143

فمن هُناكَ ردَّ عليه. قال: وإذا تَزوَّجت، فهِي مِثلُ المُطلَّقةِ لم تبلُغْها الرَّجعةُ فتزوَّجت، وهي زوجةٌ للأوَّل، ففاتَتْ ومَضَى ذلك. قال: ولو أسلَمَ وعِندهُ أُختانِ من نَسبٍ، أو رَضاع، أو امرأةٌ وعَمَّتُها، كان ذلك كلُّهُ، كأنَّما عَقَدهُ وهُو مُسلمٌ عقدًا واحِدًا. وقال أبو ثابتٍ (١): قلتُ لابنِ القاسم: أرأيتَ الحربِيَّ، أو الذِّمِّيَّ يُسلِمُ وقد تزوَّج الأُمَّ والابنةَ في عُقْدةٍ واحِدةٍ أو عُقدتينِ، فلم يَبْنِ بهما، ألَهُ أن يَحْبِسَ أيَّتَهُما شاءَ، ويُفارِقَ الأُخرى؟ قال: نعم. قلتُ: وهذا قولُ مالكٍ؟ قال: نعم، قال مالكٌ: إلّا أن يكونَ مَسَّهُما جميعًا، فإن مَسَّهُما جميعًا، فارَقهُما جميعًا. قال ابنُ القاسم: وإن مَسَّ واحِدةً ولم يَمسَّ الأُخرى، لم يكُن لهُ أن يختار التي لم يَمَسَّ، وامرأتُهُ هاهُنا: التي قد مَسَّ. قال: وأخبرني من أثِقُ بهِ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ قال في المجُوسِيِّ يُسلِمُ وتحتهُ الأُمُّ وابنتُها: إنّهُ إن لم يكُن أصابَ واحِدةً منهُما، اختار أيَّتهُما شاءَ، وإن وطِئَ إحداهُما، أقامَ على التي وطِئَ وفارقَ الأُخرى، وإن مَسَّهُما جميعًا، فارقهُما جميعًا، ولم تحِلَّ لهُ واحِدةٌ منهُما أبدًا. وقال ابنُ أبي أُوَيس: قال مالكٌ في الرَّجُلِ ينكِحُ المرأةَ المُشرِكةَ وابنتَها فدخَلَ بهما، ثُمَّ أسلَمَ وتُسلمانِ (٢): إنَّهُ يُفرَّقُ بينهُما وبينهُ، ولا ينكِحُ واحِدةً منهُما أبدًا. قال إسماعيلُ: كلُّ مِلكٍ لا يجُوزُ لمُسْلم أن يستأنِفهُ، فإنَّهُ لا يجُوزُ للذي أسلمَ أن يُقِيمَ عليه.

стр. 4144

قال: وحدَّثني أبو ثابتٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرني ابنُ لَهيعة، عن ابن أبي حبِيبٍ: أنّ مجُوسِيًّا أسلَمَ وكان تحتهُ امرأةٌ وابنتُها، فكتَبَ فيه عُمرُ بن عبدِ العزيز: أنَّ لهُ في النِّساءِ سَعَةً. ففرَّق بينهُما وبينهُ، ثُمَّ لا يَرْتجِعُ منهما شيئًا. قال عبدُ الله: وأخبرني أُسامةُ بن زيدٍ اللَّيثِيُّ: أنَّ عدِيَّ بن أرْطاةَ كتبَ إلى عُمرَ بن عبدِ العزيز، عن رجُل من المجُوسِ أسلَمَ وعِندهُ امرأةٌ وابنتُها أسْلَمَتا معهُ، فكتَبَ إليه عُمرُ: أن يُطلِّقَهُما جميعًا، وقال: لا أُحِبُّ أن يُمسِكَ واحِدةً منهُما وقدِ اطَّلع ذلك المُطَّلعَ منهُما (١). وقال ابنُ أبي أُويس: قال مالكٌ في المُشرِكِ يُسلِمُ، وعندَهُ أكثرُ من أربَع نِسْوةٍ: إنَّهُ يختارُ منهُنَّ أربعًا، ولا يُبالي أوائلَ كُنَّ أو أواخِر، هُو في ذلك بالخِيار (٢). قال مالكٌ: وذلك أنَّهُ لو ماتَ من الأوائلِ أربعٌ أو أكثرُ أو أقلُّ، جازَ لهُ أن يحبِسَ من الأواخِرِ أربعًا، ولو كانَ كما يقولُ هؤُلاءِ، لم يصِحَّ (٣) أن يحبِسَ الأواخِرَ إذا مات الأوائلُ؛ لأنَّ نِكاحَهُنَّ فاسِدٌ في قولِهِم (٤). قال ابنُ نافِع: وكان ابنُ أبي سَلَمةَ يقولُ: يحبِسُ الأوائلَ.

стр. 4145

أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (١). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قالا: حدَّثنا يحيى بن مَعِينٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن جرِيرٍ، عن أبيهِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ أيُّوب يُحدِّثُ، عن يزِيد بن أبي حبِيب، عن أبي وَهْبٍ الجَيْشانيِّ، عن الضَّحّاكِ بن فيرُوزٍ، عن أبيهِ، قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، إنِّي أسلمتُ وتَحْتي أُخْتانِ؟ قال: "طلِّق أيُّتهُما شِئتَ". ورواهُ ابنُ وَهْب، عن ابن لَهيعة، عن أبي وَهْبٍ الجَيْشانيِّ، سمِعَ الضَّحّاك بن فيرُوزٍ، عن أبيهِ، مِثلَهُ سَواءً (٢).

стр. 4146

حديثٌ سابعٌ من مَراسِيلِ ابن شِهاب مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، قال: بَلَغنِي أنَّ رسُولَ الله ﷺ أخَذَ الجزْيةَ من مُجوسِ البَحْرينِ، وأنَّ عُمر أخذَها من مجُوسِ فارِس، وأنَّ عُثمانَ أخَذَها من البَرْبرِ. هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جميع رُواتِهِ (٢)، وكذلك رواهُ مَعْمرٌ، عن ابن شِهاب (٣). ورواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن السّائبِ بن يزِيد. والسّائبُ بن يزِيدَ وُلِدَ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ، وحفِظَ عنهُ، وحجَّ مَعهُ، وتُوفِّي النَّبيُّ ﷺ وهُو ابنُ تِسع سِنينَ وأشهُرٍ، وقد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في الصَّحابةِ (٤) بما فيه كِفايةٌ. ورواهُ ابنُ وَهْب، عن يُونُس بن يزِيدَ، عن ابن شِهاب، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ. وقد ذكَرناهُ في بابِ جَعْفرِ بن محمدٍ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا يحيى بن محمدِ بن صاعِدٍ، قال: حدَّثنا حُسينُ بن سلَمَةَ بن أبي كَبْشةَ بالبَصْرةِ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَهْدِيٍّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن السّائبِ بن يزِيدَ:

стр. 4147

أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخَذَ الجِزيةَ من مجُوسِ هجَرَ (١). هكذا حدَّثنا به خلفٌ، وكتبتُهُ من كِتابِه. وحدَّثنا محمدٌ بن عَمْرُوس (٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمر الدّارقُطنيُّ (٣) ببغدادَ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ يحيى بن محمدِ بن صاعِدٍ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن سَلَمةَ بن أبي كبشةَ اليَحْمدِيُّ بالبصرةِ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن السّائبِ بن يزِيدَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أخَذَ الجِزْيةَ من مُجوسِ البَحْرينِ، وأخَذَها عُمرُ من فارِسَ، وأخذها عُثمانُ من البَرْبرِ. قال عليٌّ: وحدَّثنا به دَعْلجُ بن أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ بن خُزيمةَ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن سَلَمةَ (٤) بن أبي كبشةَ، فذكر مِثلهُ. قال أبو الحَسَنِ: تَفرَّدَ به الحُسينُ بن سلَمةَ، عن ابن مهدِيٍّ، لم يذكُر فيه السّائبَ غيرُهُ. وأخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بن عِيسى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يزِيدَ صاحِبُ عَبْدانَ، قال: حدَّثنا حُسينُ بن سلَمةَ بن أبي كَبْشةَ أبو عليٍّ، قال: حدَّثنا
следующие страницы →