← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4178–4217 · переход к 4183.

стр. 4178

قال أبو عُمر: إسنادُ هذا الحديثِ ليس بالقوِيِّ؛ لأنَّ أبا ماجِدٍ ويحيى الجابر ضعِيفانِ (١). وحدَّثناهُ عبدُ الله، قال: حدَّثنا ابنُ حِمدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد، قال: حدَّثنا أبي، قال (٢): حدَّثنا أبو كامِلٍ، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن الحارِثِ أبو الحارِثِ التَّيمِيُّ، أنَّ أبا ماجِدٍ، رَجُلًا من بني حَنِيفةَ، قال: قال ابنُ مسعُودٍ: سألنا نبِيَّنا ﵊ عن السَّيرِ بالجِنازةِ، فقال: "السَّيرُ ما دُونَ الخَبَبِ، فإن يَكُن خيرًا تُعجَّلْ إليهِ، وإن يكُن غيرَ ذلك، فبُعدًا لأهلِ النّارِ، الجِنازةُ مَتْبُوعةٌ، ولا تَتْبعُ، ليسَ منّا من تَقدَّمها". وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثني يحيى الجابرُ، أنَّهُ سمِعَ أبا ماجِدٍ الحَنفِيَّ يُحدِّثُ عن

стр. 4179

عبدِ الله بن مسعُودٍ، قال: سألنا نبِيَّنا ﷺ عن السَّيرِ بالجِنازةِ، فقال: "ما دُونَ الخَببِ، الجِنازةُ مَتْبُوعةٌ ولَيْست بتابِعةٍ، وليس منّا من تَقدَّمها". قال سُفيانُ: وهذه الكلِمةُ: "ليسَ منّا من تَقدَّمها". لا أدرِي أمرفُوعةٌ، أو قولُ عبدِ الله؟ رواهُ أبو عَوانةَ، عن يحيى الجابرِ، بإسنادِهِ مِثلهُ، وقال فيه: "ليسَ مَعَها من تَقدَّمها" مرفُوعًا (١). وقد رُوِي في هذا البابِ حديثٌ، هُو عِندهُم مُنكرٌ، من حديثِ حُدَيج (٢) بن مُعاوِيةَ أخِي زُهيرِ بن مُعاوِيةَ، عن كِنانةَ مولى صفِيَّةَ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "امشُوا خلفَ الجِنازةِ" (٣). فهذا ما جاءَ من الآثارِ المرفُوعةِ في هذا البابِ. وأمَّا الصَّحابةُ والتّابِعُونَ: فرُوِي عن أنسِ بن مالكٍ، ومُعاوِيةَ بن قُرَّةَ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ: أنَّهُم كانُوا يمشُونَ خلفها (٤). وقد رُوِي عن نافِع، عن ابن عُمر، قلتُ: كيفَ المشيُ في الجِنازةِ؟ فقال: أما تَراني أمْشي خلفَها (٥)؟ وهذا عِندِي لا يثبُتُ عنهُ، والله أعلمُ، والصَّحِيحُ ما رواهُ ابنُ شِهاب، عن سالم، عنهُ، على ما ذكرناهُ في هذا البابِ، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 4180

ورَوَى أشهبُ، عن مالكٍ، أنَّهُ سألهُ عن قولِ ابن شِهاب: المشيُ خلفَ الجِنازةِ من خَطأ السُّنَّةِ (١)؟ أذلك على الرجالِ والنِّساءِ؟ فقال: إنَّما ذلكَ للرِّجالِ. وكَرِهَ أن يتَقدَّم النِّساءُ أمامَ النَّعشِ، وأمامَ الرِّجالِ. وقال الأثرمُ: ذَكَرتُ لأبي عبدِ الله الحديثَ الذي رُوِيَ عن عليٍّ: أنَّهُ مَشَى خلفَ الجِنازةِ، وأبو بكرٍ وعُمرُ أمامها، وقال: إنَّهُما ليَعْلمانِ أنَّ المشي خلفَها أفضلُ (٢). فتكلَّمَ في إسناده وقال: ذلك عن زائدةَ بن خِراش، قلتُ لهُ: لأنَّهُ مجهُولٌ؟ فقال: نعم لأنَّهُ ليسَ بمعرُوفٍ. قال أبو عُمر: زائدةُ بن خِراشٍ هذا، هُو كُوفيٌّ، من المشايخ الذين لم يروِ عنهُم غيرُ أبي إسحاقَ، وليسَ الحديثُ الذي ذُكِرَ لِزائدةَ بن خِراشٍ، وإنَّما هُو لِزائدةَ بن أوسٍ، فاللهُ أعلمُ، مِمَّن جاءَ الوَهْمُ في ذلك (٣). وذكر أبو بكرٍ الأثرمُ بالأسانِيدِ الحِسانِ، عن عُثمان بن عفّان، وطَلْحةَ، والزُّبيرِ، وابنِ عبّاسٍ، وأبي هُريرةَ، وأبي أُسَيدٍ، وأبي قَتادةَ، وعُبيدِ بن عُمَيرٍ، وشُرَيح، والأسودِ بن يزِيد، والقاسم، وعُروةَ، وسَعِيدِ بن جُبيرٍ، والسّائبِ بن يزِيد، وسُليمان بن يَسارٍ، وسعِيدِ بن المُسيِّبِ، وبُسرِ بن سَعيدٍ (٤)، وعطاءِ بن يَسارٍ، وابنِ شِهاب، وربِيعةَ، وأبي الزِّنادِ، كلُّهُم يمشُونَ أمام الجِنازةِ (٥).

стр. 4181

قال أبو بكرٍ: وحدَّثنا عليُّ بن أحمد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرني يحيى بن أيُّوبَ، عن يعقوبَ بن إبراهِيمَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، قال: ما رأيتُ أحدًا مِمَّن أدركتُ من أصْحابِ النَّبيِّ ﷺ إلّا وهُم يَمْشُونَ أمامَ الجِنازةِ، حتّى إنَّ بعضَهُم ليُنادِي بعضًا ليرجِعُوا إليهم (١). قال: وحدَّثنا سعِيدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: حدَّثنا مُوسى الجُهنيُّ، قال: سألتُ عبد الرَّحمنِ بن أبي لَيْلى عن المشيِ بين يَدَي الجِنازةِ، فقال: كُنّا نَمشي بين يديِ الجِنازةِ مع أصحابِ رسُولِ الله ﷺ ، لا يرونَ بذلك بأسًا. قال: وحدَّثنا سعِيدٌ، قال: حدَّثنا هُشَيم، عن مُغِيرةَ، قال: قال إبراهِيمُ لأبي وائلٍ وأنا أسمعُ: أكانَ أصحابُكَ يمشُونَ أمامَ الجِنازة؟ قال: نعم. قال: وحدَّثنا سعِيدٌ، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَصِ، عن عِمرانَ بن مُسلم، عن سُوَيدِ بن غَفَلةَ، قال: إنَّ الملائكةَ لتَمْشي أمامَ الجِنازةِ (٢). وذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن أبي جعفرٍ الرّازيِّ، عن حُميدٍ الطَّوِيل، قال: سمِعتُ العيزارَ يَسْألُ أنسَ بن مالكٍ عن المشيِ أمامَ الجِنازة، فقال أنسٌ: إنَّما أنتَ مُشيِّعٌ (٤)، فامشِ إن شِئتَ أمامها، وإن شِئتَ خلفَها، وإن شِئتَ عن يمِينِها، وإن شِئتَ عن يَسارِها.

стр. 4182

حديثٌ عاشرٌ من مَراسيل ابنِ شِهابٍ مالك (١)، عن ابن شِهاب، أنهُ أخبره: أنَّ رجُلًا اعترفَ على نَفْسِهِ بالزِّنا، على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ، وشَهِدَ على نفسِهِ أربَعَ مرّاتٍ، فأمرَ به رسُولُ الله ﷺ فرُجِمَ. هكذا هُو في "المُوطَّأ" عندَ جميع رُواتِهِ، فِيما علِمتُ (٢). وقد رَوَى هذا الحديثَ عن ابن شِهاب مُسندًا: عُقيل وغيرُهُ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا المُطَّلِبُ بن شُعيب، قِراءَةً عليه، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ وسعِيدُ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، أنَّهُ قال: أَتَى رَجُلٌ من المُسلمِينَ رسُولَ الله ﷺ وهُو في المسجِدِ، فناداهُ فقال: يا رَسُولَ الله، إنِّي قد زَنَيتُ، فأعرضَ عنهُ، حتّى ثنَّى ذلكَ أربعَ مرّاتٍ، فلمَّا شَهِدَ على نفسِهِ أربعَ مرّاتٍ، دَعاهُ رسُولُ الله ﷺ فقال: "أبِكَ جُنُونٌ؟ "، فقال: لا، قال: "فهَلْ أحصنْتَ؟ "، قال: نعم، قال رسُولُ الله ﷺ : "اذْهَبُوا به فارجُمُوهُ". قال ابنُ شِهاب: فأخْبَرني من سمِعَ جابر بن عبدِ الله يقولُ: فكُنتُ فيمَنْ رَجَمهُ، فلمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجارةُ هَرَب، فأدركناهُ بالحرَّةِ فرَجَمناهُ (٣). هكذا قال عُقيلٌ: عن ابن شِهاب، عن سعِيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هُريرةَ. وبعضُهُ عن جابرٍ، وقد جوَّدهُ إن شاءَ الله.

стр. 4183

ورواهُ مَعْمر ويُونُسُ، عن ابن شِهاب، عن أبي سَلَمةَ، عن جابرٍ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن عليٍّ وابنُ أبي السَّرِيِّ (١) العَسْقلانِيُّ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢): أخبرنا مَعْمر، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن جابرِ بن عبدِ الله: أن رَجُلًا من أسلَمَ جاءَ إلى رسُولِ الله ﷺ فاعترفَ بالزِّنا، فأعرَضَ عنهُ، ثُمَّ اعترَفَ، فأعرضَ عنهُ، حتّى شهِدَ على نفسِهِ أربَعَ شهاداتٍ، فقال لهُ النَّبيُّ ﷺ : "أبِكَ جُنُون؟ "، قال: لا، قال: "أحصنْتَ؟ "، قال: نعم، قال: فأمرَ به النَّبيُّ ﷺ فرُجِمَ في المُصلَّى، فلمَّا أذْلَقتهُ الحِجارةُ فرَّ، فأُدرِكَ، فرُجِمَ حتّى ماتَ، فقال لهُ النَّبيُّ ﷺ خيرًا، ولم يُصلِّ عليه. وأخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا أبو العبّاسِ بن تميم، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكِين. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قالا (٣): حدَّثنا سحنُون، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، عن يُونُس بن يزِيدَ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ رَجُلًا من أسلمَ أتى رسُولَ الله ﷺ وهُو في المسجِدِ، فناداهُ وحدَّثهُ أنَّهُ زنى، فأعرَضَ عنهُ رسُولُ الله ﷺ ، فتَنَحَّى لِشِقِّهِ الذي أعرضَ

стр. 4184

قِبَلَهُ، فأخبَرَهُ أنَّهُ زنى، وشهِدَ على نفسِهِ أربعَ مرّاتٍ، فدعاهُ رسُولُ الله ﷺ فقال: "هل بكَ جُنُون؟ "، فقال: لا، قال: "فهَلْ أحصنْتَ؟ " (١)، قال: نعم، قال: فأمرَ به رسُولُ الله ﷺ أن يُرجَمَ بالمُصلَّى، فلمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجارةُ جمَزَ (٢) حتّى أُدرِكَ بالحِجارةِ (٣) فقُتِل بها رجمًا (٤). وقد رَوى هذا الحدِيثَ في رَجْم الأسلمِيِّ، وهُو ماعِزٌ، جماعةٌ من الصَّحابةِ، منهُم: أبو هُريرةَ، رواهُ عنهُ: ابنُ عمِّهِ عبدُ الرَّحمنِ بن الصامِتِ (٥) وأبو سَلَمةَ (٦). ومنهُم: جابرُ بن عبدِ الله، رُوِي عنهُ من طُرُقٍ شتَّى. وابنُ عبّاسٍ (٧)، رُوِي عنهُ أيضًا من وُجُوهٍ كثِيرةٍ. وجابرُ بن سمُرةَ، وسهلُ بن سعدٍ (٨)، ونُعيمُ بن هزّالٍ، وأبو سعِيدٍ الخُدرِيُّ (٩)، وبُرَيدةُ الأسلمِيُّ.

стр. 4185

وأكثرُهُم يقولُ: إنَّهُ اعترَفَ أربَعَ مرّاتٍ. وفي حديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ: ثلاثَ مرّاتٍ. وفي حديثِ جابرِ بن سَمُرةَ: أنَّهُ اعترَفَ مرَّتينِ، ثُمَّ أمرَ به فرُجِمَ. هكذا رواهُ شُعبةُ (١) وإسرائيلُ (٢) وأبو عَوانةَ (٣)، عن سِماكٍ، عن جابرِ بن سمُرةَ. واختلف الفُقهاءُ في عَددِ الإقرارِ بالزِّنا (٤). فقال مالكٌ، واللَّيثُ، والشّافِعيُّ وعُثمانُ البتِّيُّ: إذا أقرَّ مرَّةً واحِدةً حُدَّ. وهُو قولُ داود والطَّبرِيِّ. ومن حُجَّتِهِم، ما رُوِيَ من الآثارِ المذكُورِ فيها الرَّجمُ بإقرارٍ مرَّتينِ، وثلاث. وهُو دُونَ الأربع، وحديثُ ابن شِهاب، عن عُبيدِ الله، عن أبي هُريرةَ وزيدِ بن خالدٍ في قِصَّةِ العَسِيفِ، قولُهُ ﷺ : "واغدُ يا أُنيسُ على امرأةِ هذا، فإنِ اعْتَرفتْ، فارجُمها" فاعْتَرفت فرَجَمها (٥). ولم يُقل: إنِ اعْتَرفت أربعَ مرّاتٍ، فكلُّ اعتِرافٍ على ظاهِرِ هذا الحديثِ، يُوجِبُ الرَّجمَ، مرَّةً كانَ أو أكثرَ. وقد أجمعُوا أنَّ الإقرارَ في الحُقوقِ، يجِبُ بالمرَّةِ الواحِدةِ، وكذلك الحُدُودُ في القِياسِ، وليسَ الشَّهاداتُ من بابِ الإقرارِ في شيءٍ، لإجْماعِهِم على أنَّ الإقرارَ في الحُقوقِ لا يجِبُ تَكْرار مرَّتينِ، قِياسًا على الشّاهِدينِ، وكذلك لا يجِبُ الإقرارُ في الزِّنا أربع مرّاتٍ، قِياسًا على الشُّهُودِ الأربعة.

стр. 4186

وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ (١): لا يجِبُ الرَّجمُ بالإقرارِ، حتّى يُقِرَّ بالزِّنا أربعَ مرّاتٍ، في مجالِسَ مُفترِقةٍ، وهُو أن يغِيبَ عن مجلِسِ القاضِي، حتّى لا يراهُ، ثُمَّ يعُودَ فيقرَّ. وقال الحسنُ بن حيٍّ: يُقِرُّ أربع مرّاتٍ. ولم يذكُر: مجالِس مُفترِقةً (٢). وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: يُحدُّ في الخمرِ بإقراره مرَّةً واحِدةً. وقال زُفرُ: لا يُحدُّ حتّى يُقِرَّ مرَّتينِ في مَوْطِنينِ. وقال أبو حنِيفةَ، وزُفرُ، ومحمدُ بن الحسنِ: إذا أقرَّ مرَّةً واحِدةً في السَّرِقةِ، صحَّ إقرارُهُ. وقال أبو يُوسُف: لا يصِحُّ حتّى يُقِرَّ مرَّتينِ (٣). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الله بن نُمير، قال: حدَّثنا بشِيرُ بن المُهاجِرِ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن بُريدةَ، عن أبيهِ: أنَّ ماعِزَ بنَ مالكٍ الأسلمِيَّ أتى رسُولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسُولَ الله، إنِّي قد ظَلَمتُ نفسِي وزَنَيتُ، وأنا أُرِيدُ أن تُطهِّرنِي. فردَّهُ، فلمَّا كانَ من الغَدِ أتاهُ أيضًا، فقال: يا رسُولَ الله، إنِّي قد زَنيتُ. فردَّهُ الثّانِيةَ، فأرسلَ رسُولُ الله ﷺ إلى قومِهِ، فقال: "أتعلمُونَ بعَقلِهِ بأسًا؟ أتنكِرُونَ منهُ شيئًا؟ " قالوا: لا نعلمُهُ إلّا وفيَّ العَقْلِ من صالحينا فيما نَرَى. قال: فأتاهُ الثّالِثةَ، فأرسلَ إليهم أيضًا، فسألَ عنهُ، فأخبرُوهُ أنَّهُ لا بأسَ به ولا بعَقلِهِ، فلمَّا كان الرّابعةُ حفَرَ لهُ حُفرةً، ثُمَّ أمرَ به فرُجِمَ.

стр. 4187

وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن مُجالدٍ، عن الشَّعبِيِّ، عن جابرٍ، قال: جاءَ ماعِزُ بن مالكٍ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: إنَّهُ قد زَنَى. فقال: "أما لهذا أحَدٌ؟ " فردَّه (٢). ثُمَّ جاءَ ثلاث مرّاتٍ، فقال: "أما لهذا أحدٌ؟ " فردَّه (٣)، فلمَّا كانتِ الرّابعةُ قال: "ارجُمُوهُ". فرماهُ ورميناهُ، وفرَّ واتَّبعناهُ. قال عامرٌ: فقال لي جابرٌ: فهاهُنا قَتلناهُ (٤). حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن أبجَرَ، قال: حدَّثنا مُوسى بن هارُونَ، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن الوليدِ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن سِماكِ بن حَرْبٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَدَّ ماعِزًا حتّى شهِدَ وأقرَّ أربعَ مرّاتٍ، ثُمَّ أمرَ برجمِهِ (٥). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ (٦)، عن سِماكٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بن سَمُرةَ يقولُ: أتى رسُولَ الله ﷺ

стр. 4188

رجُلٌ أشْعَرُ (١) قصِيرٌ لهُ عَضَلاتٌ، فأقرَّ أنَّهُ قد زنَى، فردَّهُ مرَّتينِ، ثُمَّ أمَرَ به فرُجمَ (٢)، فقال رسُولُ الله ﷺ : "كلَّما نَفَرنا غازِين في سبِيلِ الله، تخلَّفَ أحدُهُم لهُ نبِيبٌ (٣) كنبِيبِ التَّيسِ، يمنحُ إحداهُنَّ الكُثْبةَ، لا أُوتَى بأحَدٍ منهُم، إلّا جعلتُهُ نكالًا" (٤). قال أبو عُمر: في بعضِ هذه الأحادِيثِ ما يَدُلُّ على أنَّ إقْرارهُ كان في مجالِس مُفْترِّقةٍ. وفي حديثِ ابن عبّاسٍ أيضًا، وجابرِ بن سمُرةَ، وأبي هُريرةَ، ما يدُلُّ على أنَّهُ أقرَّ على نَفسِهِ في مجلِسٍ واحِدٍ مرَّتينِ، أو أربع مرّاتٍ، أعرضَ عنهُ رسُولُ الله ﷺ منها في الثَّلاثِ، وبعضُهُم يقولُ: شَهِدَ على نفسِهِ أربَعَ شهاداتٍ. والآثارُ في ذلك كثيرةٌ طرقُها جِدًّا، قد ذكَرَها المُصنَفون، وفيما ذكرْنا منها كِفايةٌ، وإنَّما غَرضُنا أن نذكُرَ حديثَ ابن شِهاب مُتَّصِلًا لا غيرَ، ولكِنّا ذكَرْنا غيرَهُ، لأَنهُ من حُجَّةِ المُخالِفِ، وفيما ذكَرْنا من الحُجَّةِ لمذهبِنا شِفاءٌ إن شاءَ الله. واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في رُجُوع المُقِرِّ بالزِّنى، وشُربِ الخمرِ، وما ليسَ من حُقوقِ الآدمِيِّين (٥).

стр. 4189

فقال مالكٌ، واللَّيثُ، والشّافِعيُّ، والثَّورِيُّ، والحسنُ بن حيٍّ، وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: يُقبَلُ رُجُوعُ المُقِرِّ بالزِّنى، والسَّرِقةِ، وشُربِ الخمرِ (١). وقال ابنُ أبي ليلى وعُثمانُ البتِّيُّ: لا يُقبلُ رُجُوعُهُ في شيءٍ من ذلك كلِّهِ. وقال الأوزاعِيُّ - في رَجُلٍ أقرَّ على نفسِهِ بالزِّنا أربعَ مرّاتٍ، وهُو مُحصنٌ، ثُمَّ ندِمَ وأنكرَ أن يكونَ أَتَى ذلك -: إنه يُضرَبُ حَدَّ الفِريةِ على نفسِهِ، فإنِ اعترَفَ بسرِقةٍ، أو شُربِ خَمْرٍ، أو قتلٍ، ثُمَّ أنكرَ، عاقبهُ السُّلطانُ دُونَ الحدِّ. قال أبو عُمر: إذا أقرَّ الرَّجُلُ بسرِقةٍ، من مالِ رَجُلٍ، فأنكرَ الرَّجُلُ المُقرُّ لهُ ذلك، ولم يدَّعِهِ، وكذَّبَ السّارِق، أو أقرَّ بسرِقةٍ من مالِ غائبٍ، ثُمَّ رجعَ: لم يُقطَع؛ لأنَّهُ لا حقَّ لآدمِيٍّ هاهُنا، وحُكمُهُ حُكمُ المُقِرِّ بالزِّنا. واختلفَ قولُ مالكٍ في المُقِرِّ بالزِّنا، أو شُربِ الخمرِ، يُقامُ عليه الحدُّ، فيرجِعُ تحتَ العذابِ، فمرَّةً قال: إذا أقِيمَ عليه أكثرُ الحدِّ، أُتِمَّ عليه؛ لأنَّ رُجُوعَهُ نَدَمٌ منهُ. ومرَّةً قال: يُقبلُ منهُ رُجُوعُهُ أبدًا، ولا يُضرَبُ بعد رُجُوعِهِ، ويرفعُ عنهُ (٢). وهُو قولُ ابن القاسم، وعليه النّاسُ؛ لأنهُ مُحالٌ أن يُقامَ حدٌّ على أحَدٍ بغيرِ إقرارٍ ولا بيِّنةٍ، وإذا أكذَبَ نفسَهُ قبلَ تمام الحدِّ، فما بَقِي من الحدِّ لا يُتَمُّ عليه؛ لأنهُ حِينئذٍ يُضرَبُ بغيرِ إقرارٍ ولا بيِّنةٍ، وظُهُورُ المُسلمِين ودِماؤُهُم حِمًى، إلّا بيقِينٍ، ولا وجهَ لِقولِ من جعَلَ رُجُوعهُ نَدَمًا، لإجماعِهِم على أنَّ رُجُوعَهُ قبلَ أن يُقامَ عليه الحدُّ ليس بندَم، ولا فرقَ في القِياسِ والنَّظرِ بينَ أوَّلِ الحدِّ وآخِرِهِ، وإذا جازَ أن يُقبَلَ رُجوعُه بعد سَوْطٍ واحِدٍ، جازَ أن يُقبَلَ بعد سبعِينَ، والله أعلمُ. قال أبو عُمر: ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ ، من حديثِ أبي هُريرةَ، وجابرٍ، ونُعيم بن هزّالٍ، ونصرِ بن دَهْرٍ، وغيرِهِم: أنَّ ماعِزَ بن مالكٍ لمّا رُجِمَ ومَسَّتهُ الحِجارةُ،

стр. 4190

هرَبَ، فاتَّبعُوهُ، فقال لهُم: رُدُّونِي إلى رَسُولِ الله ﷺ . فقَتلُوهُ رَجْمًا، وذكرُوا ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "فهلّا تَرَكتُمُوهُ، لعلَّهُ يتُوبُ، فيتُوبَ الله عليه؟ ". ففي هذا أوضحُ الدَّلائلِ، على أنَّهُ يُقبَلُ رجُوعُه إذا رجعَ، والله أعلمُ، وقد جعلَ رسُولُ الله ﷺ هُرُوبَهُ رُجُوعًا، وقال: "فهلّا تركتُمُوهُ؟ "، وقال: "إنَّهُ لفِي أنهارِ الجنَّةِ يَنْغمِسُ فيها" (١). حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن محمدِ بن إسحاق. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٣): حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زُريع، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بن إبراهِيم التَّيمِيُّ، عن أبي الهيثم بن نصرِ بن دَهْرٍ الأسْلَمِيِّ، عن أبيهِ، قال: كُنتُ فيمَنْ رَجَمهُ، يعني: ماعِز بن مالكٍ، فلمَّا وجدَ مسَّ الحِجارة جزع جَزَعًا شدِيدًا، قال: فذَكَرنا ذلك لرسُولِ الله ﷺ ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "فهلّا تركتُمُوهُ؟ ". وفي حديثِ سعِيدٍ، حديثِ ابن أبي شيبةَ: فلمَّا وجَدَ مسَّ الحِجارة قال: رُدُّوني إلى النَّبيِّ ﷺ .

стр. 4191

حديثٌ حادِيَ عَشَرَ من مَراسِيلِ ابن شِهاب مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ نشدَ النّاس بمِنًى: من كان عندَهُ عِلمٌ من الدِّيةِ أن يُخْبِرنِي، فقامَ الضَّحَّاكُ بن سُفيانَ الكِلابِيُّ، فقال: كتبَ إليَّ رسُوُل الله ﷺ أن أُورِّثَ امرأةً أشْيمَ الضِّبابيِّ من دِيةِ زَوْجِها. فقال لهُ عُمرُ: ادخُلِ الخِباءَ حتّى آتِيكَ، فلمَّا نزلَ عُمرُ بن الخطّابِ، أخبرهُ الضَّحَّاكُ، فقَضى بذلكَ عُمرُ بن الخطّابِ. قال ابنُ شِهاب: وكان قَتْلُ أشْيمَ (٢) خَطَأً. هكذا روى هذا الحديث جَماعةُ أصحابِ مالكٍ، فِيما عَلِمتُ في "المُوطَّأ" وغيره (٣)، ورواهُ أصحابُ ابن شِهاب عنهُ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ. وهُو صحِيحٌ عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ. ورِوايةُ سعِيدِ بن المُسيِّبِ عن عُمَرَ، قد تكلَّمنا فيها، في غيرِ هذا الموضِع، وأنَّها تَجْرِي مجرَى المُتَّصِلِ، وجائزٌ الاحتِجاجُ بها عندَهُم، لأنَّهُ قد رآه، وقد صحَّحَ بعضُ العُلماءِ سَماعهُ منهُ، ووُلِدَ سعِيدُ بن المُسيِّبِ لسنَتينِ مَضَتا من خِلافةِ عُمر. وقال سعِيدٌ: ما قَضى رسُولُ الله ﷺ بقضيَّةٍ، ولا أبو بكرٍ، ولا عُمرُ، إلّا وأنا أحفظُها. وهذا الحديثُ عندَ جماعةِ أهلِ العِلم صحِيحٌ، معمُولٌ بهِ، غيرُ مُختَلفٍ فيه، سُنَّةٌ مسنُونةٌ عندَهُم، فأغْنَى ذلك عن الإكثارِ والبيانِ، والله المُستعانُ.

стр. 4192

حدَّثني سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطَّحاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزنِيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ (١). وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ (٢)، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّ عُمرَ كان يقولُ: الدِّيةُ للعاقِلةِ، ولا تَرِثُ المرأةُ من دِيَةِ زَوْجِها، حتّى كتبَ إليه الضَّحَّاكُ بن سُفيانَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ورَّثَ امرأةً أشْيمَ من دِيَةِ زَوْجِها. وأخبرنا خلفُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: أخبرنا إسحاقُ بن إبراهِيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٤): أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن ابن المُسيِّبِ، أنَّ عُمر بن الخطّابِ قال: ما أرَى الدِّيةَ إلّا للعَصَبةِ، لأنَّهُم يَعْقِلُون عنهُ، فهَلْ سمِعَ أحدٌ منكُم من رسُولِ الله ﷺ في ذلكَ شيئًا؟ فقال الضَّحَّاكُ بن سُفيان الكِلابِيُّ، وكان رسُولُ الله ﷺ اسْتَعملهُ

стр. 4193

على الأعْرابِ: كتبَ إليَّ رسُولُ الله ﷺ أن أُورِّث امرأةً أشْيمَ الضِّبابِيِّ من دِيَةِ زَوْجِها. فأخَذَ بذلكَ عُمرُ. وذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (١) أيضًا، عن ابن جُرَيْج، عن الزُّهرِيِّ، عن ابن المُسيِّبِ، عن عُمر مِثلهُ سَواءً، وزاد فيه: وكان قَتْلُ أشْيمَ خطأً. وهذا يحتمِلُ أن يكون قولُهُ: "وكان قتلُ أشْيمَ خَطأً" من قولِ سعِيدِ بن المُسيِّبِ أيضًا، ويحتمِلُ أن يكونَ من قولِ ابن شِهاب، كما قال مالكٌ، وهُو المعرُوفُ من ابن شِهاب، إدخالُهُ كلامهُ في الأحادِيثِ كثِيرًا، وهُو الذي يُشبِهُ أن يكونَ من قولِ ابن شِهاب، كما قال مالكٌ، لا من قَوْلِ سعِيدٍ. وقد رُوِيَ عن ابن المُباركِ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنسٍ قال: كان قَتْلُ أشْيمَ خطأً. وهُو غرِيبٌ من حديثِ مالكٍ جِدًّا. حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهِيمَ بن حَيُّونَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ بن أبانٍ مُشكُدانةُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المُباركِ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنسٍ قال: كان قَتْلُ أشْيمَ خَطَأً (٢). هكذا رواهُ مُشكُدانةَ، عن ابن المُباركِ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنسٍ. ورواهُ حِبّانُ بن مُوسى، عن ابن المُباركِ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، قولهُ، كما في "المُوطَّأ".

стр. 4194

وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال: حدَّثنا إبراهِيمُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا هُشيم، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بن المُسيِّبِ قال: جاءَتِ امرأةٌ إلى عُمرَ تَسْألُهُ أن يُورِّثها من دِيةِ زَوْجِها، فقال: ما أعلمُ لكِ شيئًا. فنَشدَ النّاسَ: من كان عندَهُ عن النَّبيِّ ﷺ عِلم، فلْيَقُم، فقامَ الضَّحَّاكُ بن سُفيانَ الكِلابِيُّ، فقال: كتبَ إليَّ رسُولُ الله ﷺ أن أُورِّثَ امْرَأةَ أشْيمَ من دِيَةِ زَوْجِها (١). قال أبو إسحاق: ولم يَسْمعهُ هُشيم من الزُّهرِيِّ. قال أبو عُمر: هكذا في حديثِ ابن شِهاب: أنَّ الضَّحّاكَ بن سُفيانَ أخبرَ بهذا الخبرِ عُمرَ بن الخطّابِ. وهذا بيِّن في حديثِ مالكٍ، وهُشَيم، وابنِ جُرَيْج، وغيرِهِم في هذا الحديثِ. وقال فيه ابنُ عُيَينةَ: حتّى كتبَ إليه الضَّحَّاكُ. وهُو عِندِي وَهم، وإنَّما الحديثُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كتَبَ إلى الضَّحّاكِ. لا أنَّ الضَّحّاكَ كتبَ بذلكَ إلى عُمرَ. ألا تَرى إلى حديثِ مالكٍ وغيره: فقامَ (٢) الضَّحَّاكُ حِينَ نشدَهُم عُمرُ، وأخبرَ به عُمر، وقال لهُ: ادخُلِ الخِباءَ حتّى آتِيكَ، فلمَّا نزلَ عُمرُ، أخبرَهُ الضَّحَّاكُ. وفي حديثِ غيره: من كان عندَهُ عِلم فليقُم، فقامَ الضَّحَّاكُ. وهذا كلُّهُ يدُلُّ على أنَّ ابن عُيَينةَ وهِمَ في قولِهِ: حتّى كتبَ إليه الضَّحَّاكُ، وأنَّ الصحِيح ما قالهُ مالك وغيرُهُ.

стр. 4195

وقد روى زُفَرُ بن وثيمَةَ، عن المُغِيرة بن شُعبةَ، أنَّ الذي أخبرَ بهذا الحديثِ عمر: زُرارةُ بن جِزْيٍ، رَجُلٌ من الصَّحابةِ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: أخبرنا يُوسُفُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرِو بن مُوسى، قال: أخبرنا محمدُ بن أحمد بن الوليدِ الأنْطاكِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُباركِ الصُّورِيُّ، قال: حدَّثنا صدَقةُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله الشُّعَيثيُّ، عن زُفَرَ بن وثيمةَ، عن المُغِيرة بن شُعبةَ، أنَّ زُرارةَ بن جِزْيٍ قال لِعُمرَ بن الخطّابِ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كتبَ إلى الضَّحّاكِ بن سُفيانَ أن يُورِّثَ امرأةَ أشْيمَ الضِّبابِيِّ من دِيَتِه (١). وهذا الحديثُ لا تقومُ به الحُجَّةُ، وليسَ مِمَّا يُعارَضُ به حديثُ ابن شِهاب. وأصحُّ ما في هذا البابِ حديثُ ابن شِهاب، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، عن الضَّحّاكِ بن سُفيانَ، عن النَّبيِّ ﷺ . وفيه من الفِقهِ: أنَّ الرَّجُلَ العالِم الخيِّرَ الجليل، قد يخفَى عليه من السُّننِ والعِلم، ما يكونُ عندَ غيره، مِمَّن هُو دُونهُ في العِلم. وأخبارُ الآحادِ عِلمُ خاصَّةٍ، لا يُنكَرُ أن يخفَى منهُ الشَّيءُ على العالِم، وهُو عندَ غيره. وفيه أنَّ القِياسَ لا يُسْتعملُ مع وُجُودِ الخَبرِ وصِحَّتِهِ. وأنَّ الرَّأي لا مَدخَلَ لهُ في العمَلِ، مع ثبوتِ السُّنَّةِ بخِلافِهِ. ألا تَرى عُمرَ قد كان عندَهُ في رأيِهِ: أنَّ من يَعقِلُ يرِثُ الدِّيةَ. فلمَّا أخبرَهُ الضَّحَّاكُ بما أخبَرهُ، رجعَ إليهِ، وقَضَى بهِ، واطَّرحَ رأيهُ.

стр. 4196

وفيه إثباتُ العَملِ بخَبرِ الواحِدِ. وفيه ما يُبيِّنُ مذهبَ عُمرَ في خبرِ الواحِدِ، أنَّهُ عندَهُ مقبُولٌ مَعْمُولٌ بهِ، وأنَّ مُراجَعتَهُ لأبي مُوسَى في حديثِ الاسْتِئذانِ (١)، لم تكن إلّا للاستِظهارِ، أو لغيرِ ذلك من الوُجُوهِ، التي قد بيّناها في كِتابِ العِلم، فأغْنَى ذلكَ عن ذِكرِها هاهُنا. ولا خِلافَ بين الفُقهاءِ والفُرّاضِ في هذا البابِ. وجاءَ فيه عن الحسنِ البصِريِّ وحدَه: أنَّ الإخوةَ للأُمِّ، والمرأةَ، والزَّوج، لا يرِثُونَ من الدِّيةِ شيئًا (٢). ورُوِي مِثلُ ذلك عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ (٣). ورُوِي عنهُ أيضًا أنَّهُ قال: قد ظلمَ من لم يُورِّث بَني الأُمِّ من الدِّيةِ (٤).

стр. 4197

حديث ثانيَ عَشَرَ من مَراسِيلِ ابن شِهاب مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب: أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعثَ عبدُ الله بن حُذافةَ أيام مِنًى يطُوفُ يقولُ: "إنَّما هِيَ أيامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكرٍ لله". قال أبو عمر (٢): قولهُ: "أيام مِنًى". يُرِيدُ الأيام التي يُقيمُ النّاسُ فيها بمِنًى في حجِّهِم، وهي ثلاثةُ أيام بعد يوم النَّحرِ، إلّا لمن تعجَّل في يومينِ منها، وهي أيامُ التَّشرِيقِ، وهي الأيامُ المعدُوداتُ التي أمر الله عِبادهُ المُؤمنين بذكرِ الله فيها. ومعنى ذلك عندَ أهلِ العلم ذِكْرُ الله مع رَمْيِ الجِمارِ هُناك، وفي سائرِ الأمْصارِ تكبِيرٌ أدبار الصَّلواتِ، والله أعلمُ، وسنُبيِّنُ ذلك كلَّهُ في مَوْضعهِ من هذا الكِتابِ إن شاءَ الله. ويُقالُ: سُمِّيت مِنًى، لاجتِماع النّاسِ بها، والعربُ تقولُ لكلِّ مكانٍ يجتمِعُ النّاسُ فيه: مِنًى، لما يُمنى فيه من الدِّماء. هكذا هُو في "المُوطَّأ" عندَ جميع رُواتِهِ عن مالك (٣). واختلفَ فيه أصحابُ ابن شِهاب عليه، فرواهُ مَعْمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن مسعُودِ بن الحَكَم الأنصارِيِّ، عن رجُلٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ قال: أمرَ النَّبيُّ ﷺ عبد الله بن حُذافةَ السَّهمِيَّ أن يَرْكب راحِلتهُ أيامَ مِنًى، فيصِيحُ في النّاسِ:

стр. 4198

"لا يصُومنَّ أحَد، فإنَّها أيامُ أكلٍ وشُربٍ". قال: فلقد رأيتُهُ على راحِلتِهِ يُنادِي بذلكَ. ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ عن معمرٍ (١). ورواهُ صالحُ بن أبي الأخضرِ، عن الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ. حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا روحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا صالح، قال: حدَّثنا ابنُ شِهاب، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعَثَ عبدَ الله بن حُذافةَ يطُوفُ في مِنًى: "لا تصُومُوا هذه الأيامَ، فإنَّها أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكرٍ لله" (٢).

стр. 4199

ورواهُ يُونُسُ بن يزِيدَ، وابنُ أبي ذِئب (١)، وعبدُ الله بن عُمرَ العُمرِيُّ، عن الزُّهرِيِّ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعثَ عبدَ الله بن حُذافةَ. مُرْسلًا، هكذا كما رواهُ مالكٌ سواءً، وهُو الصَّحِيحُ في حديثِ ابن شِهاب هذا، والله أعلمُ. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ النَّهيُ عن صِيام أيام مِنًى: من حديثِ عليِّ بن أبي طالبٍ (٢). ومن حديثِ عَمرِو بن العاصِ (٣). ومن حديثِ بشرِ بن سُحَيم (٤). وعُقبةَ بن عامرٍ (٥). وأنسِ بن مالكٍ. وأبي هُريرةَ. وامرأةٍ من الأنْصارِ (٦) وجماعةٍ.

стр. 4200

وإنَّما ذكَرْنا هاهُنا حديثَ ابن شِهاب خاصَّة، فرُبَّما أردفناهُ بما خفَّ علينا، ونَشَطنا إليه من غيرِ رِوايةِ ابن شِهاب. أخبرنا يعِيشُ بن سعِيدٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُضَرُ بن محمد، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعِينٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا عُمرُ بن أبي سَلَمةَ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أيامُ التَّشرِيقِ، أيامُ طُعْم وذِكرٍ لله" (١). ورواهُ أبو عَوانةَ، عن عُمر بن أبي سَلَمةَ، بإسنادِهِ مِثلهُ سَواءً (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا الرَّبِيعُ بن صُبَيح ومرزُوقٌ أبو (٤) عبدِ الله الشّامِيُّ، قالا: حدَّثنا يزِيدُ الرَّقاشِيُّ، عن أنسِ بن مالكٍ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن صَوم أيام التَّشرِيقِ (٥). وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا مُوسَى بن مُعاوِيةَ وأبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٦)، قالا: حدَّثنا

стр. 4201

وكِيعُ بن الجرّاح، عن مُوسَى بن عُلَي بن رَباح، عن أبيهِ، عن عُقبةَ بن عامرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ يومَ عَرَفةَ، ويومَ النَّحرِ، وأيامَ التَّشرِيقِ عِيدَنا أهلَ الإسلام، وهي أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ". قال أبو عُمر: هذا حديثٌ في جمع يوم عرفةَ مع أيام التَّشرِيقِ، في النَّهيِ عن صِيامِها، لا يأتي إلّا بهذا الإسنادِ. وسيأتِي القَولُ في صوم يوم عرفةَ، وما جاءَ في ذلك عن السَّلفِ، في بابِ أبي النَّضرِ، وهُو الحديثُ الثّالِثُ لمالكٍ، عن أبي النَّضرِ، في كِتابِنا هذا، ويأتِي في الحديثِ الخامِسِ عشر عن أبي النَّضرِ، القولُ في معنى أيام مِنًى، لأنَّ مالكًا روى عن أبي النَّضرِ، عن (١) سُليمان بن يَسارٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن صِيام أيام مِنًى (٢). فذكَرْنا هُنالكَ الآثار أيضًا في ذلك، وذكَرْنا ثمَّ ما بَلَغنا عن الفُقهاءِ وأهلِ اللُّغةِ في تَعْيِينِ أيام مِنًى وعَدَدِها، واشْتِقاقِ معناها، وذكَرْنا معنَى أيام التَّشرِيقِ في بابِ يزِيدَ بن الهادِ، كلُّ ذلك مُمهَّدًا مبسُوطًا إن شاءَ الله، ونذكُرُ في بابِ يزِيد بن الهادِ أيضًا اختِلافَ العُلماءِ في صوم أيام التَّشرِيقِ، وبالله العَوْنُ والتَّوفيقُ. وأمَّا صِيامُ أيام التَّشرِيقِ، فلا خِلافَ بين فُقهاءِ الأمصارِ فِيما عَلِمتُ، أنَّهُ لا يجُوزُ لأحَدٍ صومُها تطوُّعًا. وقد رُوِيَ عن الزُّبيرِ، وابنِ عُمرَ، والأسودِ بن يزِيد، وأبي طَلْحةَ ما يدُلُّ

стр. 4202

على أنَّهُم كانُوا يصُومُونَ أيام التَّشرِيقِ تطوُّعًا (١). وفي أسانِيدِ أخْبارِهِم تلكَ ضعفٌ، وجُمهُورُ العُلماءِ من الفُقهاءِ وأهلِ الحديثِ على كَراهِيةِ ذلك. ذكر ابنُ عبدِ الحكِمِ (٢) عن مالكٍ، فقال: لا بأسَ بسردِ الصَّوم، إذا أفطرَ يومَ الفِطْرِ، ويومَ النَّحرِ، وأيامَ التَّشرِيقِ، لنَهْي رسُولِ الله ﷺ عن صِيامِها. وقال في مَوْضِع آخرَ: ولا يتطوَّعُ أحَد بصِيام أيام مِنًى، لنَهْيِ رسُولِ الله ﷺ عن صِيام أيام مِنًى (٣). واختلفُوا في المُتمتِّع إذا لم يجِدِ الهَدْي، ولم يكُن صامَ الثَّلاثةَ الأيام في الحجِّ قبلَ يوم النَّحرِ. فقال الشّافِعيُّ والكُوفيُّونَ: لا يصُومُ المُتمتَعُّ ولا غَيرُهُ أيام التَّشرِيقِ، ولا يصُومُها أحَد بحالٍ، مُتطوِّعٌ ولا غير مُتطوِّع، وإن صامَها المُتمتِّعُ، لم تُجزِ عنهُ. وقال المُزنيُّ: وقد كان الشّافِعيُّ قال مرَّةً: إن صامَها المُتمتِّعُ، أجْزَأت عنهُ. ثُمَّ رجعَ عن ذلكَ (٤). قال أبو عُمر: قولُهُ بالعِراقِ: إنَّ المُتمتِّعَ إن لم يصُم الثَّلاثةَ أيام في الحجِّ، ما بين أن يُهِلَّ بالحجِّ إلى يَوْم عَرَفةَ، صام أيامَ التَّشرِيقِ. وهُو قولُ مالكٍ، والأوزاعِيِّ، وإسحاق. ورُوِيَ ذلك عن ابن عُمر (٥)، وعائشةَ (٦) وعُرْوةَ، وعُبيدِ بن عُمَيرٍ (٧) والزُّهرِيِّ.

стр. 4203

وقال أحمدُ بن حنبلٍ: أرجُو أن لا يكونَ به بأسٌ، أن يصُومها المُتمتِّعُ، إذا لم يكُن صامَ قبلها. قال: ورُبَّما جبُنتُ عنهُ. وقال الشّافِعيُّ بمِصر: لا يصُومُ أحدٌ أيام مِنًى، لا مُتمتِّعٌ ولا غيرُهُ. وهُو قولُ أبي حنِيفةَ وأصحابُهُ والثَّورِيُّ (١). ورُوِي ذلك عن عليِّ بن أبي طالبٍ. قال علي: يصومُ بعد أيام التَّشرِيقِ (٢). وبه قال الحسنُ، وعطاءٌ. ورُوِي عن ابن عبّاسٍ (٣)، وطاوُوسٍ، ومُجاهِدٍ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ: إذا فاتَ المُتمتِّع الصومُ في العَشْرِ، لم يُجزِهِ إلّا الهديُ. وقال ابنُ القاسم، عن مالك (٤): لا يَنْبغِي لأحَدٍ أن يصُومَ أيام الذَّبح الثَّلاثةَ، ولا يَقْضي فيها صِيامًا واجِبًا من نَذرٍ، ولا قَضاءِ رمضانَ، ولا يصُومُها إلّا المُتمتِّعُ وحدهُ، الذي لم يَصُم، ولم يجِدِ الهَدْي. قال: وأما آخِرُ أيام التَّشرِيقِ، فيُصامُ إن نَذَرهُ رجُلٌ، أو نَذرَ صِيامَ ذِي الحجَّةِ، فأمَّا قَضاءُ رمضانَ أو غيرُهُ، فلا يَفْعلُ، إلّا أن يكونَ قد صامَ قبل ذلكَ صِيامًا مُتتابِعًا، فمرِضَ، ثُمَّ صحَّ، وقوِيَ على الصِّيام في هذا اليوم، فيَبْنِي على الصِّيام الذي كان صامهُ في الظِّهارِ، أو قتلِ النَّفسِ، وأمَّا قَضاءُ رمضانَ خاصةً، فإنَّهُ لا يصُومُهُ فيه (٥). قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحَدًا من أهلِ العِلم غيرَ مالكٍ وأصحابِهِ، فرَّقوا بينَ اليَوْمينِ الأوَّلينِ من أيام التَّشرِيقِ في الصيام خاصَّةً، وبينَ اليوم الثّالِثِ منها،

стр. 4204

وجُمهُورُ العُلماءِ (١) من أهلِ الرَّأيِ والأثرِ، لا يُجِيزُونَ صومَ يوم الثّالِثِ من أيام التَّشرِيقِ في قَضاءِ رمضانَ، ولا في نَذرٍ، ولا في غيرِ ذلكَ من وُجُوهِ الصِّيام، إلّا للمُتمتِّع وحدَهُ، فإنَّهُمُ اختلفُوا في ذلك. ولم يختلِفُوا فيما ذكرتُ لكَ، لنَهْي رسُولِ الله ﷺ عن صِيام أيام مِنًى، وعن صيام أيام التَّشرِيقِ، وهِيَ أيامُ مِنًى، وأقلّ ما يَقعُ عليه أيامٌ ثلاثةٌ، وليسَ في حديثِ ذِكرِ صِيام أيام الذَّبح، إنَّما ذلكَ النَّهيُ عن صِيام أيام التَّشرِيقِ. ولا خِلافَ بين العُلماءِ، أنَّ أيام التَّشرِيقِ، هي الأيامُ المعدُوداتُ، وهي أيامُ مِنًى، وهي ثلاثةُ أيام بعدَ يوم النَّحرِ، كلُّ هذه الأسماءِ واقِعةٌ على هذه الأيام، ولم يختلِفُوا في ذلك. واختلف العُلماءُ في الأيام المعلُوماتِ، فقال مالك وأصحابُهُ: هي يومُ النَّحرِ (٢) ويَوْمانِ بعدهُ. وهي أيامُ الذَّبح عِندهُ. وهُو قولُ ابن عُمرَ، روى نافِعٌ، عن ابن عُمر قال: المعلُوماتُ يومُ النَّحرِ، ويومانِ بعدهُ من أيام التَّشرِيقِ. والأيامُ المعدُوداتُ الثَّلاثةُ ليس منها يومُ النَّحرِ (٣). وهذا كلُّهُ قولُ مالكٍ سواءٌ، وقولُ أبي يُوسف. قال أبو يُوسُف: إلى هذا أذهبُ، لِقولِ الله : ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. فهِيَ أيامُ الذَّبحِ: يومُ النَّحرِ، ويومانِ بعدهُ، على ما قال ابنُ عُمر. وقال أبو حنِيفةَ، والشّافِعيُّ: الأيامُ المعلُوماتُ، أيامُ العَشْرِ، والمعدُوداتُ أيامُ التَّشرِيقِ.

стр. 4205

وهُو قولُ عبدِ الله بن عبّاسٍ (١)، وبه قال إبراهِيمُ النَّخعِيُّ وغيرُهُ، وإليه ذهب الطَّبرِيُّ (٢). وأمَّا اختِلافُ العُلماءِ في أيام الذَّبح. فقال مالكٌ، وأبو حنِيفةَ، والثَّورِيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل وأصحابُهُم: أيامُ الذَّبح يومُ النَّحرِ، ويومانِ بعدهُ (٣). ورُوِيَ ذلك عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وابنِ عُمرَ، وابنِ عبّاسٍ (٤). وقال الأوزاعِيُّ والشّافِعيُّ: أيامُ التَّشرِيقِ كلُّها الثَّلاثةُ أيامُ أضحًى، والأضحى عِندهُما أربعةُ أيام: يومُ النَّحرِ، وثلاثةُ أيام التَّشرِيقِ بعدهُ (٥). وهُو قولُ الحسنِ البصرِيِّ وعطاءِ بن أبي رباح. ورُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "كلُّ فِجاج مكَّةَ مَنْحرٌ، وكلُّ أيام التَّشرِيقِ ذبحٌ" (٦) وهُو حديثٌ في إسناده اضطِرابٌ، وسنزِيدُ هذه المسألةَ في أيام الذَّبح خاصَّةً بيانًا، في بابِ يحيى بن سعِيدٍ إن شاءَ الله.

стр. 4206

حديثٌ ثالثَ عَشَرَ من مَراسِيلِ ابن شِهاب مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، أنَّهُ قال: ما نحَرَ رسُولُ الله ﷺ عنهُ وعن أهْلِ بَيْتِهِ، إلّا بَدَنةً واحِدةً، أو بَقَرةً واحِدةً. قال: مالكٌ: لا أدرِي أيَّتُهُما قال ابنُ شِهاب. هكذا رواهُ جماعةُ أصحابِ مالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" وغيره (٢)، إلّا جُوَيرِيةُ، فإنَّهُ رواهُ عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، قال: أخبرني من لا أتَّهِمُ، عن عائشةَ أُمِّ المُؤمنين: أنَّها قالت: ما نحَرَ رسُولُ الله ﷺ عن أهلِهِ إلّا واحِدةً. أو بَقَرةً واحِدةً. لا أدرِي أيتهُما قالت. حدَّثناهُ (٣) عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسماءَ، قال: حدَّثنا جُوَيرِيةُ، عن مالكٍ، فذكرهُ. أمّا سائرُ أصحابِ ابن شِهاب، فاختلفُوا في إسناده عنهُ، فَجَعلهُ أكثرُهُم عنهُ عن عَمْرةَ، وجَعلهُ بعضُهُم عنهُ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ. فأمَّا مَعْمرٌ، فرواهُ عن الزُّهرِيِّ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: ما ذبَحَ رسُولُ الله ﷺ عن آلِ محمدٍ في حَجَّةِ الوداع إلّا بقرةً واحِدةً. هكذا ذكَرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٤). ورواهُ ابنُ أخِي الزُّهرِيِّ، عن عمِّهِ، قال: حدَّثني من لا أتَّهِمُ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ قالت: ذبَحَ رسُولُ الله ﷺ عمَّن حَجَّ من أهلِهِ في حَجَّةِ الوداع بقَرةً واحِدةً.

стр. 4207

وأمَّا يُونُسُ، فذكر حديثهُ ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يُونُسُ، عن ابن شِهاب، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، أنَّ رسُول الله ﷺ نحَرَ عن آلِ محمد في حجَّةِ الوداع بَقَرةً واحِدةً (١). ورواهُ اللَّيثُ بن سعدٍ، عن يُونُس بن يزِيدَ، عن ابن شِهاب، قال: بَلَغنِي: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نحَرَ عن آلِ محمدٍ في حَجَّةِ الوداع بَقَرةً، وكانت عَمْرةُ تُحدِّث ذلكَ عن عائشةَ (٢). ورِوايةُ اللَّيثِ عن يُونُسَ، مع رِوايةِ ابن أخي الزُّهرِيِّ، تدُلُّ على أنَّ ابن شِهاب لم يَسْمعهُ من عَمْرةَ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن عبدِ الواحِدِ الحِمصِيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن سَلَمةَ أبو (٣) أيوبَ، قال: حدَّثنا بقِيَّةُ، عن الزُّبيدِيِّ، عن الزُّهرِيِّ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ضَحَّى عَمَّن حجَّ مَعهُ من أهلِ بَيْتِهِ من بني هاشِم ببَقَرةٍ. قال أبو أيُّوب: قلتُ لِبقِيَّةَ: كَمْ كانُوا؟ قال: عددٌ كثِيرٌ. هكذا قال يُونُسُ، ومَعْمرٌ، والزُّبيدِيُّ: بَقَرةً. لم يشُكُّوا كما شكَّ مالكٌ في: بَدَنةٍ أو بَقَرة. وكلُّهُم جَعَلهُ عن ابن شِهاب، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ. وقد حدَّثنا محمدُ بن إبراهِيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٤): أخبرنا يعقوبُ بن إبراهِيم، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمر،

стр. 4208

قال: حدَّثنا يُونُسُ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نحَرَ عن أزواجِهِ بَقَرةً في حجَّةِ الوداع. قال عُثمانُ بن عمر: وجَدتُهُ في كِتابِي في مَوْضِعينِ: في موضِع: عن عمرةَ عن عائشةَ. وفي موضِع: عن عُروةَ، عن عائشةَ. قال أبو عُمر: الحديثُ لِعَمْرةَ، والله أعلمُ، وإن كان اللَّيثُ قد بيَّنَ فيه عن يُونُسَ: أنَّهُ لم يسمعهُ ابنُ شِهاب من عَمْرةَ. وكذلكَ رِوايةُ ابن أخِي ابن شِهاب صرَّحت بذلك أيضًا. وظاهِرُ حديثِ يُونُسَ، يدُلُّ على أنَّ الزُّهرِيَّ لم يَسْمعهُ من عَمْرةَ، والله أعلمُ. وقد رُوِي هذا الحديثُ عن الأوزاعِيِّ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ. حدَّثناهُ أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليِّ بن مُوسى البَغْدادِيُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن محمدٍ، عن الأوزاعِيِّ، عن الزُّهرِيِّ، قال: حدَّثني عُروةُ، عن عائشةَ، قالت: ذبَحَ رسُولُ الله ﷺ عَمَّنِ اعتَمرَ من نِسائهِ بَقَرةً. هكذا حدَّث عبدُ الملكِ بن محمدٍ الصَّنعانِيُّ، عن الأوزاعِيِّ، عن الزُّهرِيِّ (١)، عن عُروةَ (٢)، عن عائشةَ. وغيرُهُ يقولُ: عن الزُّهرِيِّ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ. وعندَ الأوزاعِيِّ في هذا حديث آخرُ؛ حدَّثناهُ عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن صالح الأبهرِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ الدِّمشقِيُّ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن محمدٍ قال: حدَّثنا أبو مُسهِرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ،

стр. 4209

عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ذبَحَ بَقَرةً عن نِسائهِ، وكُنَّ مُتَمتِّعاتٍ. لم يُسمِّ عِدَّتهُنَّ (١). وحدَّثنا محمدُ بن إبراهِيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢): أخبرنا عَمرُو بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا الوَليدُ، عن الأوزاعِيِّ، عن يحيى، عن أبي سَلَمةَ (٣)، عن أبي هُريرةَ، قال: ذبَحَ رسُولُ الله ﷺ عَمَّنِ اعتمَرَ مَعهُ من نِسائهِ في حَجَّةِ الوَداع بَقَرةً بَيْنهُنَّ. وحدَّثناه (٤) عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا عَمرُو بن عُثمانَ ومحمدُ بن مِهْران الرّازِيُّ، قالا: حدَّثنا الوليدُ، عن الأوزاعِيِّ، فذكَرهُ بإسنادِهِ وبمَعناهُ سَواءً. قال أبو عُمر: حديثُ أبي هُريرةَ هذا صحِيح (٦). ومِثلُهُ ما رواه ابنُ جُرَيْج.

стр. 4210

وكِلاهُما يشهَدُ لصحة (١) رِوايةِ ابن شِهاب هذه، ويُعضِّدُها في قولِهِ: "بَقَرةً واحِدةً"، ويُعارِضُ ظاهِرَ حديثِ يحيى بن سعِيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ذبَحَ عن نِسائهِ يومَئذٍ البقَرَ. وظاهِرُ حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ضَحَّى عن نِسائهِ بالبقَرِ. كلُّ ذلكَ على لفظِ الجَمْع. كذلكَ رواهُ الثَّورِيُّ، وابنُ عُيَينةَ (٢)، وشُعبةُ، وحمّادُ بن سَلَمةَ (٣)، كلُّهُم عن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن عائشةَ. وأمَّا ابنُ جُرَيْج فأرسَلَهُ، قال فيه: عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، أنَّهُ سمِعَ أباهُ يقولُ: أهْدَى رسُولُ الله ﷺ عن نِسائهِ في حَجَّةِ الوداع بَقَرةً (٤) عن كلِّ امرأةٍ. ونحوُ ذلك هُو عِندِي حديثُ مالكٍ (٥)، عن يحيى (٦) بن سعِيدٍ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّها قالت: سمِعتُ عائشةَ تقولُ: خَرَجنا مع رسُولِ الله ﷺ لخمْسِ لَيالٍ بقِينَ من ذِي القَعْدَةِ، ولا نَرَى إلّا أنَّهُ الحجُّ. فذكر الحديث، وفيه: قالت عائشةُ: فدُخِلَ علينا يومَ النَّحرِ بلَحْم بَقَرٍ، فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا: نحَرَ

стр. 4211

رسُولُ الله ﷺ عن أزْواجِه. قال يحيى: فذكَرتُ ذلك للقاسم بن محمدٍ، فقال: أتتكَ والله بالحديثِ على وَجْهِهِ. وقد ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: ذبَحَ رسُولُ الله ﷺ عن نسائهِ البَقَر يومَئذٍ. يعني في حجَّةِ الوَداع. ففي هذه الأحادِيثِ كلِّها ذُكِرُ البقرُ على لَفْظِ الجمع. وفي حديثِ ابن شهاب: بقرةً واحِدةً عن أزْواجِهِ. وهُو عِندِي تفسِيرُ حديثِ يحيى بن سعِيدٍ، لأنَّهُ يحتمِلُ أن يكونَ أرادَ بذِكرِ البَقَرِ الجِنسَ، تقولُ: دُخِلَ علينا بلحم بَقَرٍ. أي: لم يكُن لحم إبِلٍ، ولا غَنَم، كما تقولُ: لحمُ بَقَرٍ، تنفِي أن يكون غير بَقَرِيٍّ، وهُو من بَقَرةٍ واحِدةٍ. وإذا حُمِلَ الخَبَرانِ على هذا، لم يتدافعا، وصحَّ بذلكَ مذهبُ مالكٍ، في إجازَتهِ أن يُضحِّي الرَّجُلُ عنهُ وعن أهلِ بيتِهِ بالبقَرةِ الواحِدةِ، وفي معناها عندَهُ الشّاة الواحِدة. واختلفَ الفُقهاءُ في الاشتِراكِ في الهديِ والضَّحايا (١). فقال مالكٌ: يجُوزُ للرَّجُلِ أن يذبحَ الشّاةَ، أو البَقَرةَ، أوِ البَدَنةَ عن نَفسِهِ، وعن أهلِ البَيْتِ، وسواءٌ كانُوا سَبْعةً، أو أكثر من سَبْعةٍ، يُشرِكُهُم فيها، ولا يجُوزُ أن يشترُوها بَيْنهُم بالشَّركَةِ فيَذْبحُوها، إنَّما يُجزِئُ إذا تَطَوَّعَ عنهُم، ولا يُجزِئُ عن الأجنبِيِّين (٢). هذا كلّهُ قولُ مالكٍ. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ مِثلهُ في البقرِ. وأجازَ مالكٌ الاشتِراكَ في الهديِ التَّطوُّع على هذا الوجهِ، ولا يجُوزُ عندَهُ الاشتِراكُ في الهَدْيِ الواجِبِ بحالٍ، لا في بَدَنةٍ، ولا في بَقَرةٍ.

стр. 4212

والحُجَّةُ لهُ فيما ذهَبَ إليه من ذلكَ كلِّهِ، حديثُ ابن شِهاب المذكُورُ في هذا البابِ. وحديثُ جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيهِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أشرَكَ عليًّا في هَدْيِهِ عامَ حجَّةِ الوَداع (١). وقد قال ﷺ في بعضِ ضَحاياهُ: "هذه عنِّي، وعَمَّن لم يُضحِّ من أُمَّتي" (٢). وهذا كلُّهُ تطوُّعٌ، ليس باشتِراكٍ لازِم، على ما قال مالك ﵀. وقال الشّافِعيُّ (٣)، والأوزاعِيُّ، والثورِيُّ، وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُم: يجُوزُ الاشتِراكُ في الهديِ التَّطوُّع، وفي الواجِبِ، وفي الضحايا: البَدَنةُ عن سَبْعةٍ، والبقَرةُ عن سَبْعةٍ (٤). وهُو قولُ أحمد بن حَنْبل، وأبي ثَوْرٍ، والطَّبرِيِّ، وداود بن عليٍّ. ولا يجُوزُ عِند واحِدٍ منهُمُ اشتِراكُ أكثر من سَبْعةٍ في بَدَنةٍ، ولا بَقرةٍ. وأجمَعَ العُلماءُ: أنهُ لا يجُوزُ الاشتِراكُ في الشّاةِ لمن لَزِمهُ دمٌ. وحُجَّةُ هؤُلاءِ، حديثُ جابرٍ قال: كُنّا نَتمَتَّعُ معَ رسُولِ الله ﷺ ، فنَذْبحُ البقَرةَ عن سَبْعةٍ، والبَدَنةَ عن سَبْعةٍ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ الجُهنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ الكِنانِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ النَّسوِيُّ، قال (٥): أخبرنا يَعْقوبُ بن إبراهِيمَ الدَّورقِيُّ،

стр. 4213

قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، قال: كُنّا نَتمتَّعُ. فذكره. وسنذكُرُ بعد هذا، في بابِ أبي الزُّبَيرِ من هذا المعنى، ما فيه شِفاء، لأنهُ أولى بذلكَ من ذِكْرِه هاهُنا. وفي هذا الحديثِ أيضًا: جَوازُ نَحْرِ البقَرِ وذَبْحِها، لأنَّ في بعضِ الرِّواياتِ: ذَبَحَ. وفي بعضِها: نحَرَ. وهُو لفظُ حديثِ مالكٍ. وكان مالكٌ يُجِيزُ نحرَ البَقَرِ، ويستحِبُّ فيها الذَّبح، لقولِ الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. وقال الثَّورِيُّ، وأبو حنِيفةَ، والشّافِعيُّ: إن نُحِرتِ البَقَرةُ، كُرِه ذلكَ وجازَ. وكذلكَ عندَهُم: إن ذُبح الجزُورُ. وقال مالكٌ: إن ذُبِحَ الجزُورُ من غَيْرِ ضرُورةٍ، أو نُحِرَتِ الشّاةُ من غيرِ ضرُورةٍ، لم تُؤكَل (١). وكان الحسنُ بن حيٍّ يَسْتحِبُّ نحرَ البقَرِ. وهُو قولُ مُجاهِدٍ (٢). وحُجَّةُ من ذهَبَ إلى هذا، حديثُ أسماءَ: انْتَحرنا فَرسًا على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ (٣). تمَّت أحادِيثُ ابن شِهاب والحمدُ لله. [آخر المجلد السابع من هذه الطبعة المحققة، نسأل الله جل في علاه أن يوفقنا لإتمامه].

стр. 4214

مالكٌ، عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ واسمُ أبي الزُّبيرِ هذا محمدُ (١) بن مُسلم بن تدرُس، مولى حكيم بن حِزام، وقيل: مولى محمدِ بن طَلْحةَ. والأوَّلُ أصحُّ وأكثرُ. سكنَ مكّةَ، وماتَ بها سنةَ ثمانٍ وعِشرينَ ومئةٍ، في خِلافَةِ مروان بن محمدٍ، وهُو ابنُ أربَع وثمانينَ سَنة. هذا قولُ الواقِديِّ (٢). وقال عليُّ بن المدينيِّ (٣): مات أبو الزُّبيرِ قبلَ عَمرِو بن دينارٍ بسنةٍ، ومات عَمرُو بن دينارٍ سنةَ ستٍّ وعِشرينَ ومئةٍ. قال أبو عُمر: كان أبو الزُّبيرِ ثِقةً حافِظًا، روى عنهُ مالكٌ، والثَّوريُّ، وابنُ جُرَيْج، واللَّيثُ بن سعد، وابنُ عُيَينةَ، وجماعةٌ من الأئمَّةِ، وكان شُعبةُ يتكلَّمُ فيه، ولا يُحدِّثُ عنهُ، ونسَبهُ مرَّةً إلى أنهُ كان يُسيءُ صَلاتَهُ، ومرَّةً إلى أنَّهُ وَزَنَ فأرجَحَ (٤). وهُو عِند أهلِ العلم مقبُولُ الحديثِ، حافِظٌ مُتقِنٌ، لا يُلتفتُ فيه إلى قولِ شُعبةَ. قال مَعْمرٌ: لَيْتني لم أكُن رأيتُ شُعبةَ، جَعلَني أنِّي لا أكتُبُ عن أبي الزُّبيرِ، ولا أحمِلُ عنهُ، وخَدَعني (٥). وقال يحيى بن مَعينٍ: أبو الزُّبيرِ ثِقةٌ (٦). وقال أحمدُ بن حَنْبل: أبو الزُّبيرِ ليسَ به بأسٌ (٧).

стр. 4215

وروى هُشَيمٌ، عن الحجّاج بن أرطاةَ وابنِ أبي ليلى، عن عَطاءٍ، قال: كُنّا نكونُ عِندَ جابرِ بن عبدِ الله فيُحدِّثُنا، فإذا خَرَجنا من عِنده، تذاكَرْنا حديثهُ، فكان أبو الزُّبيرِ من أحْفَظِنا للحديثِ. حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المُفسِّرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عليِّ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مَنيع، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ليلى والحجّاجُ بن أرطاةَ، قالا: قال عَطاء. فذكرهُ. وذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا عَمرُو بن قيسٍ، قال: كان عَطاءُ بن أبي رباح وأصحابُهُ إذا قدِمَ جابرٌ، قدَّمُوا أبا الزُّبيرِ أمامَهُم يتحفّظُ (١) لهُم. أخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عُمرَ البَجَليُّ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ، قال: أخبرنا ابنُ أبي عُمَر، قال: سمِعتُ سفيانَ بن عُيَينةَ يقولُ: ما نازَعَ أبو الزُّبيرِ عَمرو بن دينارٍ في حديثٍ قطُّ، إلّا زادَ عليه أبو الزُّبيرِ. وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الصبّاح، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، قال: كان عَطاءٌ يُقدِّمُني إلى جابرٍ، فأتحفَّظُ لهُمُ الحديث. وكان عَطاءٌ رُبَّما سُئلَ عن شيءٍ، فيقولُ للسّائل: سَلْ أبا الزُّبيرِ. لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" من حديثِ النَّبيِّ ﷺ ثمانيةُ أحاديثَ مُتَّصِلة (٢).

стр. 4216

حديثٌ أوَّلُ لأبي الزُّبيرِ مالكٌ (١)، عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن جابرِ بن عبدِ الله، أنَّهُ قال: نَحَرْنا مع رسُولِ الله ﷺ عام الحُديبيةِ البَدَنةَ عن سَبْعةٍ، والبَقَرةَ عن سَبْعةٍ. هذا حديثٌ صحيحٌ عِندَ أهلِ العِلم. والحُديبيةُ: مَوْضِعٌ من الأرضِ في أوَّلِ الحَرَم، منهُ حِلٌّ، ومنهُ حُرْمٌ، بينهُ وبينهُ مكّةَ نحوُ عَشَرةِ أميالٍ أو خَمْسةَ عشرَ ميلًا، وهُو وادٍ قَريب من بَلْدح (٢)، على طريقِ جُدَّة. ومَنْزِلُ النَّبيِّ ﷺ بها معرُوفٌ ومشهُورٌ، بينَ الحِلِّ والحُرْم، نَزلهُ ﷺ واضْطَربَ به بناؤُهُ حينَ صدَّهُ المشرِكُون عن البيتِ، وذلك سنةَ ستٍّ من الهِجْرةِ، ونزلَ مَعهُ أصحابُهُ، فعَسْكرتْ قُرَيش لصدِّ النَّبيِّ ﷺ بذي طُوًى، وأتاهُ الحُلَيسُ بن علقمةَ أو ابن زبّانَ، أحدُ بني الحارثِ بن عبدِ مَنَاةَ بن كِنانةَ، فأخبرَهُ أنَّهُم قد عَسْكرُوا بذي طُوًى، وحَلَفُوا أن لا يدخُلَها عليهم عَنوةً أبدًا. وكان رسُولُ الله ﷺ قد قَصدَ مكّةَ زائرًا للبيتِ ومُعظِّمًا لهُ، ولم يَقْصِد لقِتالِ قُرَيش، فلمَّا اجتمَعُوا لصدِّهِ عن البيتِ، بعثَ إليهِم عُثمانَ بن عفّان، يُخبِرُهُم أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَأتِ لحربٍ، وإنَّما جاءَ زائرًا للبَيْتِ ومُعظِّمًا لحُرمتِهِ، فخرجَ عُثمانُ حتّى أتى مكّةَ، فأخَبَرهُم بذلك، فقالوا لهُ: إن شِئتَ أنتَ أن تطُوفَ بالبيتِ فطُف، وأمَّا محمدٌ فلا في عامِهِ هذا، فقال عُثمانُ: ما كُنتُ لأفعلَ حتّى يطُوفَ رسُولُ الله ﷺ ، فاحْتَبسَتْهُ قُرَيشٌ عِندَها. فبلَغَ رسُولَ الله ﷺ :

стр. 4217

أنَّ عُثمان قُتِلَ، فقال رسُولُ الله ﷺ حين بلَغهُ ذلك: "لا نَبْرَحُ حتّى نُناجِزَ القومَ" (١). ودَعا رسُولُ الله ﷺ إلى البَيْعةِ، فكانت بيَعْةُ الرِّضوانِ تحتَ الشَّجرةِ، فكان النّاسُ يقولون: بايَعهُم على الموتِ، وكان جابرُ بن عبدِ الله يقولُ: لم يُبايعْنا على الموتِ، وإنَّما بايَعَنا على أن لا نَفِرَّ (٢). ثُمَّ أتى رسُولَ الله ﷺ : أنَّ الذي قيلَ من أمرِ عُثمانَ، وذُكِر من قتلِهِ باطِلٌ. ثُمَّ بَعَثتْ قُريشٌ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو العامريَّ، إلى رسُولِ الله ﷺ ، فصالحَهُ عنهُم، على أن يرجِعَ عامَهُ ذلك، ولا يدخُلَ عليهم مكّةَ، وأنَّهُ إذا كان عامُ قابِل، خَرَجت قُريشٌ عن مكّةَ، فدَخَلها رسُولُ الله ﷺ وأصحابُهُ، فأقامُوا بها ثلاثًا. إلى سائرِ ما قاضَوْهُ وصالحُوهُ عليه، مِمَّا قد ذكرَهُ أهلُ السِّيرِ. فسُمِّي عام القَضيَّةِ، وهُو عامُ الحُدَيبيةِ. فلمَّا فرغَ رسُولُ الله ﷺ من الصُّلح، قامَ إلى هَدْيِهِ فنَحَرهُ، وحل من إحرامِهِ، وأمرَ أصحابَهُ أن يَحِلُّوا، فنحَرَ ونحرُوا، وحلقوا رُؤُوسَهُم، وقصَّرَ بعضُهُم، فدعا للمُحلِّقين ثلاثًا، وللمُقصِّرينَ واحِدةً، وحلُّوا من كلِّ شيءٍ. وكان رسُولُ الله ﷺ قد أحرمَ يومَئذٍ بعُمرة ليأمنَ النّاسُ من حَرْبِهِ، وليَعْلمُوا أنَّهُ خرجَ زائرًا للبيتِ، ومُعظِّمًا لهُ.
следующие страницы →