← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4213–4252 · переход к 4218.

стр. 4213

قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، قال: كُنّا نَتمتَّعُ. فذكره. وسنذكُرُ بعد هذا، في بابِ أبي الزُّبَيرِ من هذا المعنى، ما فيه شِفاء، لأنهُ أولى بذلكَ من ذِكْرِه هاهُنا. وفي هذا الحديثِ أيضًا: جَوازُ نَحْرِ البقَرِ وذَبْحِها، لأنَّ في بعضِ الرِّواياتِ: ذَبَحَ. وفي بعضِها: نحَرَ. وهُو لفظُ حديثِ مالكٍ. وكان مالكٌ يُجِيزُ نحرَ البَقَرِ، ويستحِبُّ فيها الذَّبح، لقولِ الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. وقال الثَّورِيُّ، وأبو حنِيفةَ، والشّافِعيُّ: إن نُحِرتِ البَقَرةُ، كُرِه ذلكَ وجازَ. وكذلكَ عندَهُم: إن ذُبح الجزُورُ. وقال مالكٌ: إن ذُبِحَ الجزُورُ من غَيْرِ ضرُورةٍ، أو نُحِرَتِ الشّاةُ من غيرِ ضرُورةٍ، لم تُؤكَل (١). وكان الحسنُ بن حيٍّ يَسْتحِبُّ نحرَ البقَرِ. وهُو قولُ مُجاهِدٍ (٢). وحُجَّةُ من ذهَبَ إلى هذا، حديثُ أسماءَ: انْتَحرنا فَرسًا على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ (٣). تمَّت أحادِيثُ ابن شِهاب والحمدُ لله. [آخر المجلد السابع من هذه الطبعة المحققة، نسأل الله جل في علاه أن يوفقنا لإتمامه].

стр. 4214

مالكٌ، عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ واسمُ أبي الزُّبيرِ هذا محمدُ (١) بن مُسلم بن تدرُس، مولى حكيم بن حِزام، وقيل: مولى محمدِ بن طَلْحةَ. والأوَّلُ أصحُّ وأكثرُ. سكنَ مكّةَ، وماتَ بها سنةَ ثمانٍ وعِشرينَ ومئةٍ، في خِلافَةِ مروان بن محمدٍ، وهُو ابنُ أربَع وثمانينَ سَنة. هذا قولُ الواقِديِّ (٢). وقال عليُّ بن المدينيِّ (٣): مات أبو الزُّبيرِ قبلَ عَمرِو بن دينارٍ بسنةٍ، ومات عَمرُو بن دينارٍ سنةَ ستٍّ وعِشرينَ ومئةٍ. قال أبو عُمر: كان أبو الزُّبيرِ ثِقةً حافِظًا، روى عنهُ مالكٌ، والثَّوريُّ، وابنُ جُرَيْج، واللَّيثُ بن سعد، وابنُ عُيَينةَ، وجماعةٌ من الأئمَّةِ، وكان شُعبةُ يتكلَّمُ فيه، ولا يُحدِّثُ عنهُ، ونسَبهُ مرَّةً إلى أنهُ كان يُسيءُ صَلاتَهُ، ومرَّةً إلى أنَّهُ وَزَنَ فأرجَحَ (٤). وهُو عِند أهلِ العلم مقبُولُ الحديثِ، حافِظٌ مُتقِنٌ، لا يُلتفتُ فيه إلى قولِ شُعبةَ. قال مَعْمرٌ: لَيْتني لم أكُن رأيتُ شُعبةَ، جَعلَني أنِّي لا أكتُبُ عن أبي الزُّبيرِ، ولا أحمِلُ عنهُ، وخَدَعني (٥). وقال يحيى بن مَعينٍ: أبو الزُّبيرِ ثِقةٌ (٦). وقال أحمدُ بن حَنْبل: أبو الزُّبيرِ ليسَ به بأسٌ (٧).

стр. 4215

وروى هُشَيمٌ، عن الحجّاج بن أرطاةَ وابنِ أبي ليلى، عن عَطاءٍ، قال: كُنّا نكونُ عِندَ جابرِ بن عبدِ الله فيُحدِّثُنا، فإذا خَرَجنا من عِنده، تذاكَرْنا حديثهُ، فكان أبو الزُّبيرِ من أحْفَظِنا للحديثِ. حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المُفسِّرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عليِّ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مَنيع، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ليلى والحجّاجُ بن أرطاةَ، قالا: قال عَطاء. فذكرهُ. وذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا عَمرُو بن قيسٍ، قال: كان عَطاءُ بن أبي رباح وأصحابُهُ إذا قدِمَ جابرٌ، قدَّمُوا أبا الزُّبيرِ أمامَهُم يتحفّظُ (١) لهُم. أخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عُمرَ البَجَليُّ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ، قال: أخبرنا ابنُ أبي عُمَر، قال: سمِعتُ سفيانَ بن عُيَينةَ يقولُ: ما نازَعَ أبو الزُّبيرِ عَمرو بن دينارٍ في حديثٍ قطُّ، إلّا زادَ عليه أبو الزُّبيرِ. وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الصبّاح، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، قال: كان عَطاءٌ يُقدِّمُني إلى جابرٍ، فأتحفَّظُ لهُمُ الحديث. وكان عَطاءٌ رُبَّما سُئلَ عن شيءٍ، فيقولُ للسّائل: سَلْ أبا الزُّبيرِ. لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" من حديثِ النَّبيِّ ﷺ ثمانيةُ أحاديثَ مُتَّصِلة (٢).

стр. 4216

حديثٌ أوَّلُ لأبي الزُّبيرِ مالكٌ (١)، عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن جابرِ بن عبدِ الله، أنَّهُ قال: نَحَرْنا مع رسُولِ الله ﷺ عام الحُديبيةِ البَدَنةَ عن سَبْعةٍ، والبَقَرةَ عن سَبْعةٍ. هذا حديثٌ صحيحٌ عِندَ أهلِ العِلم. والحُديبيةُ: مَوْضِعٌ من الأرضِ في أوَّلِ الحَرَم، منهُ حِلٌّ، ومنهُ حُرْمٌ، بينهُ وبينهُ مكّةَ نحوُ عَشَرةِ أميالٍ أو خَمْسةَ عشرَ ميلًا، وهُو وادٍ قَريب من بَلْدح (٢)، على طريقِ جُدَّة. ومَنْزِلُ النَّبيِّ ﷺ بها معرُوفٌ ومشهُورٌ، بينَ الحِلِّ والحُرْم، نَزلهُ ﷺ واضْطَربَ به بناؤُهُ حينَ صدَّهُ المشرِكُون عن البيتِ، وذلك سنةَ ستٍّ من الهِجْرةِ، ونزلَ مَعهُ أصحابُهُ، فعَسْكرتْ قُرَيش لصدِّ النَّبيِّ ﷺ بذي طُوًى، وأتاهُ الحُلَيسُ بن علقمةَ أو ابن زبّانَ، أحدُ بني الحارثِ بن عبدِ مَنَاةَ بن كِنانةَ، فأخبرَهُ أنَّهُم قد عَسْكرُوا بذي طُوًى، وحَلَفُوا أن لا يدخُلَها عليهم عَنوةً أبدًا. وكان رسُولُ الله ﷺ قد قَصدَ مكّةَ زائرًا للبيتِ ومُعظِّمًا لهُ، ولم يَقْصِد لقِتالِ قُرَيش، فلمَّا اجتمَعُوا لصدِّهِ عن البيتِ، بعثَ إليهِم عُثمانَ بن عفّان، يُخبِرُهُم أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَأتِ لحربٍ، وإنَّما جاءَ زائرًا للبَيْتِ ومُعظِّمًا لحُرمتِهِ، فخرجَ عُثمانُ حتّى أتى مكّةَ، فأخَبَرهُم بذلك، فقالوا لهُ: إن شِئتَ أنتَ أن تطُوفَ بالبيتِ فطُف، وأمَّا محمدٌ فلا في عامِهِ هذا، فقال عُثمانُ: ما كُنتُ لأفعلَ حتّى يطُوفَ رسُولُ الله ﷺ ، فاحْتَبسَتْهُ قُرَيشٌ عِندَها. فبلَغَ رسُولَ الله ﷺ :

стр. 4217

أنَّ عُثمان قُتِلَ، فقال رسُولُ الله ﷺ حين بلَغهُ ذلك: "لا نَبْرَحُ حتّى نُناجِزَ القومَ" (١). ودَعا رسُولُ الله ﷺ إلى البَيْعةِ، فكانت بيَعْةُ الرِّضوانِ تحتَ الشَّجرةِ، فكان النّاسُ يقولون: بايَعهُم على الموتِ، وكان جابرُ بن عبدِ الله يقولُ: لم يُبايعْنا على الموتِ، وإنَّما بايَعَنا على أن لا نَفِرَّ (٢). ثُمَّ أتى رسُولَ الله ﷺ : أنَّ الذي قيلَ من أمرِ عُثمانَ، وذُكِر من قتلِهِ باطِلٌ. ثُمَّ بَعَثتْ قُريشٌ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو العامريَّ، إلى رسُولِ الله ﷺ ، فصالحَهُ عنهُم، على أن يرجِعَ عامَهُ ذلك، ولا يدخُلَ عليهم مكّةَ، وأنَّهُ إذا كان عامُ قابِل، خَرَجت قُريشٌ عن مكّةَ، فدَخَلها رسُولُ الله ﷺ وأصحابُهُ، فأقامُوا بها ثلاثًا. إلى سائرِ ما قاضَوْهُ وصالحُوهُ عليه، مِمَّا قد ذكرَهُ أهلُ السِّيرِ. فسُمِّي عام القَضيَّةِ، وهُو عامُ الحُدَيبيةِ. فلمَّا فرغَ رسُولُ الله ﷺ من الصُّلح، قامَ إلى هَدْيِهِ فنَحَرهُ، وحل من إحرامِهِ، وأمرَ أصحابَهُ أن يَحِلُّوا، فنحَرَ ونحرُوا، وحلقوا رُؤُوسَهُم، وقصَّرَ بعضُهُم، فدعا للمُحلِّقين ثلاثًا، وللمُقصِّرينَ واحِدةً، وحلُّوا من كلِّ شيءٍ. وكان رسُولُ الله ﷺ قد أحرمَ يومَئذٍ بعُمرة ليأمنَ النّاسُ من حَرْبِهِ، وليَعْلمُوا أنَّهُ خرجَ زائرًا للبيتِ، ومُعظِّمًا لهُ.

стр. 4218

واختُلِفَ في مَوْضِع نحرِه ﷺ (١)، فقال قومٌ: نَحَرَ في الحِلِّ، وقال آخرُونَ: بل نَحرَ في الحُرْم، وقال اللهُ : ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. وقالوا: كان بناءُ رسُولِ الله ﷺ في الحِلِّ، وكان يُصلِّي في الحُرم. ذكرَ محمدُ بن إسحاق، عن الزُّهريِّ، قال: كان بناءُ رسُولِ الله ﷺ مَضْروبًا (٢) في الحِلِّ، وكان يُصلِّي في الحُرْم (٣). وقال عَطاءٌ: في الحُرْم نحرَ رسُولُ الله ﷺ هديَهُ يومئذ (٤). وكان عطاءٌ يقولُ: إذا بلغ الهَدْيُ الحُرْم، فقد بلغ محِلَّهُ. قال أبو عُمر: ظاهِرُ قولِ الله : ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ يرُدُّ قولَ عطاءٍ، واللهُ أعلمُ، وقد قال اللهُ : ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. واختلفَ الفُقهاءُ فيمن حصَرهُ العدُوُّ في غيرِ الحُرْم (٥): فقال مالكٌ: المُحصَرُ بعدُوٍّ، ينحَرُ هَدْيَهُ حيثُ حُصِرَ، في الحُرْم وغيرِهِ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ وداودَ بن عليٍّ. وقال أبو حَنِيفةَ: لا ينحَرُ هَدْيَهُ إلّا في الحُرْم. وقال عطاءٌ: لا يَحِلُّ المُحصَرُ إلّا أن ينحَرَ هديَهُ في الحُرْم. وقد رُوي عنهُ إجازَةُ نحرِ الهدي للمُحصَرِ في الحِلِّ والحُرْم. وهُو قولُ ابن مسعُودٍ، وابنِ عُمرَ،

стр. 4219

وابنِ الزُّبيرِ. وهُو قولُ مالكٍ، والحُجَّةُ لمالك (١): أنَّ الهَدْيَ تابِعٌ للتَّحلُّل، قياسًا على من تمَّ حجُّهُ، ألا تَرَى أنَّ من تمَّ حجُّهُ، نحرَ بمِنًى، ومن تمَّتْ عُمرتُهُ، نحرَ بمكّةَ، فكذلك المُحصَرُ ينحرُ حيثُ يحِلُّ، وكلُّ مُتحلِّل، فهديُهُ منحُورٌ حيثُ يحِلُّ، والله أعلمُ. وقال مالكٌ: من حصَرهُ المرضُ، فلا يُحِلُّهُ إلّا الطَّوافُ بالبيتِ، فإن أُحصِرَ بعدُوٍّ، فإنَّهُ ينحَرُ هَدْيَهُ حيثُ حُصِر، ويتحلَّلُ وينصرِفُ، ولا قَضاءَ عليه، إلّا أن يكونَ صَرُورةً (٢). وهذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ وداودَ بن عليٍّ. وقال أبو حنيفةَ: المُحصَرُ بالعدُوِّ والمرضِ سواءٌ، يذبحُ هديهُ في الحُرْم، ويَحِلُّ يومَ النَّحرِ إن شاءَ، وعليه حَجَّةٌ وعُمرة. وهُو قولُ الطَّبريِّ (٣). وقال أبو يوسُفَ ومحمدٌ: ليسَ ذلك لهُ، ولا يَتحلَّلُ دُونَ يوم النَّحرِ. وهُو قولُ الثَّوريِّ، والحسنِ بن صالح (٤). وقال مالكٌ: من أُحصِرَ بعدُوٍّ، فحالَ بينهُ وبين البيتِ، فإنَّهُ يَحِلُّ من كلِّ شيءٍ، وينحَرُ هديَهُ، ويَحلِقُ رأسَهُ حيثُ حُبِسَ، وليسَ عليه قضاءٌ. قال مالكٌ (٥): وبلغني أنَّ رسُولَ الله ﷺ حَلَّ هُو وأصحابُهُ بالحُديبيةِ، فنحرُوا الهَدْيَ، وحَلَقوا رُؤُوسَهُم، وحلُّوا من كلِّ شيءٍ قبلَ أن يطُوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أن يصِلَ إليه الهديُ، ثُمَّ لم يُعلَمْ أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمر أصحابَهُ، ولا أحدًا مِمَّن كان مَعهُ أن يقضُوا شيئًا، ولا يُعيدُوا الشيءَ.

стр. 4220

قال مالكٌ: وعلى هذا الأمرُ عِندَنا فيمن حُصِرَ بالعدُوِّ، كما حُصِرَ رسُولُ الله ﷺ وأصحابُهُ، فأمّا من حُصِرَ بغيرِ عدُوٍّ، فإنَّهُ لا يَحِلُّ دُونَ البيت (١). وقولُ الشّافِعيِّ في هذا البابِ كلِّهِ، كقولِ مالكٍ سَواءٌ. واختلفُوا إذا حَصَرهُ العدُوُّ بمكّةَ (٢). فقال مالكٌ: يَتحلَّلُ بعَمَلِ عُمرةٍ، كما لو حَصَرهُ العدُوُّ في الحِلِّ، إلّا أن يكونَ مكِّيًّا، فيخرُجَ إلى الحلِّ، ثُمَّ يتحلَّل بعُمرة (٣). وقال الشّافِعيُّ: الإحصارُ بمكّةَ وغيرِها سواءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا أتى مكّةَ مُحرِمًا بالحجِّ، فلا يكونُ محُصرًا. وقال مالكٌ: من وقفَ بعرَفةَ، فليسَ بمُحصرٍ، ويُقيمُ على إحرامِهِ، حتّى يطُوفَ بالبيتِ ويَهدي (٤). ونحوَ ذلك قال أبو حَنِيفةَ، وهُو أحَدُ قولي الشّافِعيِّ. وقال الحسنُ بن حيٍّ: يكونُ مُحصَرًا. وهُو أحدُ قولي الشّافِعيِّ أيضًا. وقال مالكٌ: من فاتَهُ الحجُّ، تحلَّل بعَملِ عُمرةٍ، وعليه الحجُّ من قابِلٍ والهديُ. وهُو قولُ الثَّوريِّ. وقال أبو حنيفةَ: يتَحلَّلُ بعُمرةٍ، ولا هَدْيَ عليه، وعليه الحجُّ من قابل (٥). وقال الأوزاعيُّ: يعمَلُ ما أدرَكَ من عَملِ الحجِّ ويقضي. واختلفَ أهلُ اللُّغةِ في لفظِ الإحصارِ، والحَصْرِ، فقال بعضُهُم: أحْصَرهُ

стр. 4221

المرضُ، وحَصَرهُ العدُوُّ. واحتجَّ من ذهبَ هذا المذهبَ بقولِ ابن عبّاسٍ: لا حصْرَ إلّا حَصْرُ العدُوِّ (١). وقال بعضُهُم: يُقالُ فيهما جميعًا: أحصرهُ. واحتجَّ من ذهَبَ إلى هذا بقولِ الله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأنَّها نزلت بالحُديبيةِ. والحِلاقُ عِندَ مالكٍ وأصحابِهِ نُسُكٌ واجِبٌ على الحاجِّ والمُعتمِرِ، وعلى المُحصَرِ بعدُوٍّ أو بمَرض (٢). قال أبو حنيفةَ: ليسَ على المُحصَرِ تَقْصيرٌ ولا حِلاقٌ (٣). وقد رُويَ عن أبي يوسُفَ، أنَّ ذلكَ عليه لا بُدَّ لهُ منهُ، يحلِقُ أو يُقصِّرُ (٤). واختلفَ أصحابُ الشّافِعيِّ في هذه على قَوْلينِ، أحدِهِما: أنَّ الحِلاقَ نُسُكٌ. والآخر: ليسَ الحِلاقُ من نُسُكٍ (٥). واختلفَ العُلماءُ أيضًا في وُجُوبِ الهدي على المُحصَرِ (٦). فقال مالكٌ: لا هديَ على المُحصَرِ بعدُوٍّ (٧). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: عليه الهديُ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ وأشهَبَ (٨). واختلفُوا في البَدَنةِ والبَقَرةِ، هل تُجزِئُ عن سبعةٍ مُحصَرينِ أو مُتمتِّعينَ أم لا؟

стр. 4222

فقال مالكٌ: لا يجُوزُ الاشتِراكُ في الهَدْي، لا تُجزِئُ البَدَنةُ ولا البَقَرةُ، عمَّن وجبَ عليه دمٌ، إلّا عن واحدٍ. قال: ولا يجُوزُ الاشتِراكُ في الهَدْي الواجِبِ، ولا في الضَّحايا (١). قال أبو عُمر: لم يُختَلَفْ عن مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّهُ لا يجُوزُ الاشتِراكُ في الهدي الواجِبِ، إلّا رِوايةٌ شذَّت عِندَ أصحابِهِ عنهُ، وكذلك لا يجُوزُ عِندَهُ الاشتِراكُ في الضَّحايا، إلّا على ما نَصِفُهُ عنهُ هاهُنا. واختلَفَ قولُهُ في الاشتِراكِ في هدي التَّطوُّع، فذكَرَ ابنُ عبدِ الحكم عنهُ: أنَّهُ لا بأسَ بذلكَ، وكذلك ذَكَر ابنُ الموّازِ. قال مالكٌ: تفسيرُ حديثِ جابرٍ في التَّطوُّع: ولا يُشتَركُ في شيءٍ من الواجِبِ. قال: وأمّا في العُمرةِ تَطوُّعًا، فلا بأسَ بذلكَ (٢). وقال ابنُ الموّازِ: لا يُشتَركُ في واجِبٍ، ولا في التَّطوُّع. قال: وأرجُو أن يكونَ خفيفًا في التَّطوُّع (٣). ورَوَى ابنُ القاسم، عن مالكٍ، وهُو قولُهُ: لا يُشتَركُ في هديِ تطوُّع، أو واجِبٍ، أو نَذْرٍ، أو جزاءٍ، أو فِديةٍ. قال: وأمّا الضَّحايا فجائزٌ أن يذبحَ الرَّجُلُ البَدَنةَ أو البَقَرةَ، عن نفسِهِ، وعن أهل بيتِهِ، وإن كانوا أكثرَ من سَبْعةٍ يُشرِكُهُم فيها. ولا يجُوزُ عِندَهُ أن يشترُوها بينهُم بالشَّرِكةِ فيَذْبحُوها، إنَّما يُجزِئُ إذا تَطوَّعَ عن أهلِ بيتِهِ، ولا يُجزِئُ عن الأجنبيِّينَ. وقال في "مُوطَّئهِ" (٤): أحسنُ ما سمِعتُ أنَّ الرَّجُلَ يَنحَرُ عنهُ وعن أهلِ بيتِهِ

стр. 4223

بَدَنةً، أو يذبحُ بقرةً أو شاةً، وهُو يملِكُها ويُشرِكُهُم فيها، فأمّا أن يَشْترِكَ فيها ناسٌ في نُسُكٍ، أو ضَحيَّةٍ، ويُخرِجَ كلُّ واحِدٍ منهُم حِصَّتَهُ من ثَمنِها، فإنَّ ذلك يُكرَهُ. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ مِثلَهُ في البَقَرِ والإبِلِ. ومن حُجَّةِ مالكٍ فيما ذهَبَ إليه من ذلكَ: حديثُ ابن شِهاب، عن عَمْرةَ وعُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نحَرَ عن نِسائهِ بَقَرةً واحِدةً في حَجَّةِ الوداع بَيْنهُنَّ (١). يعني: أنَّهُ تَطوَّعَ بذلكَ عنهُنَّ، والله أعلمُ. ورَوَى الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ (٢). وأشرَكَ رسُولُ الله ﷺ عليًّا في هديهِ عامَ حجَّةِ الوداع، تَطوَّعَ عنهُ بذلك. وقد تقدَّم ذِكرُ حديثِهِ في بابِ جَعْفرِ بن محمدٍ، من كتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِهِ هاهُنا. واحتجَّ لهُ ابنُ خُوَيْزمَنْداد (٣) بإجماعِهِم على أنَّهُ لا يجُوزُ الاشتِراكُ في الكَبْشِ الواحِدِ، قال: وكذلكَ البَدَنةُ والبقرةُ؛ لأنَّهُ دمٌ أُريِقَ بواجِبٍ، وما زادَ منِ احتجَّ بهذا على أن جمعَ بين ما فرَّقتِ السُّنّةُ. وقال الأَبْهريُّ: الاشتِراكُ في الضَّحايا والهَدايا يُوجِبُ القِسْمةَ بين الشُّركاءِ. قال: والقِسْمةُ بيعٌ من البُيُوع، ولا يجُوزُ أن يُباعَ النُّسُكُ بإجماع، فلذلك (٤) لا يجُوزُ الاشتِراكُ في الضَّحايا والهدايا. قال أبو عُمر: إجماعُ العُلماءِ على أنَّ بيعَ الهَدْي التَّطوُّع لا يجُوزُ، مع إجازتِهِمُ الاشْتِراكَ فيه، يُبطِلُ ما اعتلَّ به الأبهريُّ، ﵀، ويدُلُّك ذلك، على أنَّ هذا ليسَ من بابِ البُيُوع في شيءٍ، وإنَّما هُو من بابِ الصَّدَقةِ بالمُشاع، فكيفَ وقد وردَ

стр. 4224

في الاشْتِراكِ في الهَدْي ما وردَ عن السَّلفِ، الذي لا يجُوزُ عليهم تحريفُ التَّأويلِ، ولا الجهلُ به، ويصِحُّ الاحتِجاجُ لمالكٍ في هذا البابِ على مذهبِهِ، في أنَّ الهَدْيَ الذي ساقَهُ رسُولُ الله ﷺ يومَ الحُدَيبيةِ كان تطوُّعًا، فأشْرَكهُم في ثوابِهِ لا في المِلكِ بالثَّمنِ، كما صنعَ بعليٍّ في حَجَّةِ الوداع، إذ أشْرَكهُ في الهَدْيَ الذي ساقَهُ تطوُّعًا أيضًا عِندَ مالكٍ؛ لأنَّهُ كان مُفْرِدًا ﷺ ، وفي المسألةِ ضُرُوبٌ من النَّظر. وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، والأوزاعيُّ: تُجزِئُ البَدَنةُ عن سَبْعةٍ، والبَقَرَةُ عن سبعةٍ كلِّهِم، قد وجبَ عليه دمٌ من تَمتُّع، أو قِرانٍ، أو حَصْرِ عدُوٍّ، أو مَرضٍ، وكلُّ من وجبَ عليه ما استَيسَرَ من الهَدْي، وذلك شاةٌ: أجزأهُ شركٌ في بَقرةٍ أو بَدَنة إذا كان ذلك الشِّركُ سُبعَها، أو أكثرَ من سبعِها، ولا تُجزِئُ البَدَنةُ ولا البَقَرةُ عن أكثرَ من سَبْعة (١). وهذا كلُّهُ قولُ الثَّوريِّ، وأحمدَ بن حَنْبل، وأبي ثورٍ، وداودَ بن عليٍّ، والطَّبريِّ، وعامَّةِ الفُقهاءِ. ورُوي ذلكَ عن جَماعةٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، منهُم: عليٌّ، وابنُ مسعُود (٢). وكان زُفَرُ بن الهُذيلِ يقولُ: إن كان الهَدْيُ الواجِبُ على السَّبعةِ نَفرٍ، وجَبَ من بابٍ واحِدٍ، مِثلَ أن يكونُوا مُتمتِّعينَ، أو قارِنِينَ، أو نحوَ ذلك، جازَ لهُمُ الاشتِراكُ في البَدَنةِ أو البَقَرةِ، إذا كانوا سَبْعةً فأدنى. قال: فإنِ اختلفَ الوَجْهُ الذي منهُ وجَبَ عليهمُ الدَّمُ، لم يُجْزِهِم ذلك (٣). وكان أبو ثَوْرٍ يقولُ: إن شارَكهُم ذِمِّيٌّ، أو من لا يُريدُ الهَدْي، وأرادَ حِصَّتَهُ من اللَّحم، أجْزَأ من أراد منهُمُ الهَدْيَ حِصَّتُهُ، يعني: إذا كانت سُبُعَ البَدَنةِ فما فوقَهُ، ويأخُذُ الباقون حِصَصَهُم من اللَّحم.

стр. 4225

وقال أبو حَنِيفةَ، وأبو يوسُفَ، ومحمدٌ: إذا كان فيهم ذِمِّيٌّ، أو مَن لا يُريدُ أن يَهْديَ، فلا يُجزيهِم من الهَدْي. ومن حُجَّةِ هؤُلاءِ في تجويزِهِمُ البَدَنةَ عن سَبْعةٍ، والبَقَرةَ عن سَبْعةٍ، قد وجبَ على كلِّ واحِدٍ منهُم دمٌ: حديثُ أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، المذكُورُ في هذا البابِ، وقد رواهُ عن جابرٍ غيرُ واحِدٍ، وهُو حديثٌ صحيحٌ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن قَيْسٍ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نحَرَ البدنةَ عن سَبْعةٍ، والبَقَرةَ عن سَبْعة (١). وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ، قال: حدَّثنا مُجالِدٌ، قال: حدَّثني الشَّعبيُّ، عن جابرٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ سَنَّ الجَزُورَ عن سَبْعةٍ، والبَقَرةَ عن سَبْعة (٢). وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٣): أخبرنا يَعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال:

стр. 4226

حدَّثنا عبدُ الملكِ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، قال: كُنّا نتَمتَّعُ مع رسُولِ الله ﷺ ، فنَذْبحُ البَقَرةَ عن سبْعةٍ نَشْترِكُ فيها. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا مُجالِدُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثني الشَّعبيُّ، قال: سألتُ ابنَ عُمرَ، قلتُ: الجَزُورُ والبَقَرةُ تُجزِئُ عن سبْعةٍ؟ قال: فقال: يا شعبيُّ، ولها سبْعةُ أنفُسٍ؟ قال: قلتُ: إنَّ أصحابَ محمدٍ ﷺ يزعُمُونَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ سنَّ الجزُورَ والبَقَرةَ عن سبعةٍ، قال: فقال ابنُ عُمر لرجُل: أكذلكَ يا فُلانُ؟ قال: نَعَم. قال: ما سمِعتُ بهذا (١). وروى الزُّهريُّ، عن عُروةَ، عن مَرْوانَ والمِسْوَرِ بن مَخْرمةَ ورافِع بن خَدِيج (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ : "البَدَنةُ عن عَشَرة". ورَوَى الزُّهريُّ، عن عُروةَ، عَن (٣) مَرْوان والمِسورِ: أنَّهُم كانوا يومَ الحُدَيبيةَ بِضْعَ عَشْرَ مئة (٤).

стр. 4227

ورَوَى محمدُ بن إسحاق: أنَّهُم كانوا سبعَ مئةٍ، ونحَرَ عنهُم سبعينَ بَدَنةً (١). ورُوِيَ عن جابرٍ، قال: كُنّا يومَ الحُدَيبيةِ ألفًا وأربع مئة (٢). وقال أبو جعفرٍ الطَّبريُّ: اجْتَمعتِ الحُجَّةُ على أنَّ البَقرةَ، والبَدَنةَ، لا تُجزِئُ عن أكثرَ من سَبْعةٍ. قال: وفي ذلك دليلٌ على أنَّ حديثَ ابن عبّاس (٣)، وما كان مِثلهُ، خَطأٌ ووَهمٌ، أو منسُوخٌ. وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٤): قدِ اتَّفقوا على جَوازِها عن سَبْعةٍ، واختلفُوا فيما زادَ، فلا تثبُتُ الزِّيادةُ إلّا بتوقيفٍ لا مُعارِضَ لهُ واتِّفاقٍ. قال الأثرمُ: قيل لأحمد: ضحَّى ثمانيةٌ ببقرةٍ؟ قال: لا يُجزِئُ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَروانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليِّ بن داود المُطرِّزُ أبو عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو القاسم جعفرُ بن محمدٍ الجَرَويُّ (٥)، قال: حدَّثنا أبو الأشْعَثِ، قال حدَّثنا المُعتمِرُ بن سُليمانَ، قال: سمِعتُ أبي يُحدِّثُ، قال: حدَّثنا

стр. 4228

قَتادةُ، عن أنَسِ بن مالكٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال يومَ الحُدَيبيةِ: "دَعُوني فأنطلِقَ بالهَدْي فأنْحَرَهُ"، فقال المِقْدادُ بن الأسودِ: لا والله لا نكونُ كالملأ من بني إسرائيلَ إذ قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكنّا نقولُ: اذْهَب أنتَ وربُّك فقاتِلا إنّا معكُم مُقاتِلُونَ. قال: فنحَرَ الهَدْيَ بالحُدَيبيةِ. قال قَتادةُ: كانت معهُم يومَئذٍ سبعُونَ بَدَنةً، بينَ كلِّ سَبْعةٍ بَدَنةٌ (١). حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن يحيى القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عليِّ بن الجارُودِ، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الله بن هاشِم، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عن ابن جُرَيْج، عن أبي الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: اشْتَركنا معَ النَّبيِّ ﷺ في الحجِّ والعُمرةِ، كلُّ سَبْعةٍ في بَدَنة.

стр. 4229

حديثٌ ثانٍ لأبي الزُّبيرِ مالكٌ (١)، عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن أكْلِ لُحُوم الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ، ثُمَّ قال: "كُلُوا، وتَزوَّدُوا، وادَّخِرُوا". وقد تقدَّمَ القولُ في مَعْنَى هذا الحديثِ مُسْتَوعبًا، في بابِ ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ، وهُو الحديثُ الحاديَ عَشَر من حديثِهِ، في كِتابِنا هذا، فلا وجَهَ لتكْرارِ القولِ فيه هاهُنا.

стр. 4230

حديثٌ ثالثٌ لأبي الزُّبيرِ مالكٌ (١)، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى أن يأكُلَ الرَّجُلُ بشِمالِهِ، أو يَمْشيَ في نَعْلٍ واحِدةٍ، وأن يَشْتمِلَ الصَّمّاءَ، وأن يَحْتَبيَ (٢) في ثوبٍ واحِدٍ، كاشِفًا عن فَرْجِهِ. قد مَضَى القولُ في الأكلِ بالشِّمالِ، في بابِ ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله (٣) بن عُمرَ. وليسَ في الأكلِ بالشِّمالِ ما يحتاجُ إلى تفسيرٍ؛ لأنَّ كلَّ سامِع لهُ يَسْتوُونَ في فهمِهِ. وكذلك النَّهيُ عن المَشْي في نَعْلٍ واحِدةٍ، يَسْتوي أيضًا لفظُهُ ومعناهُ في الفَهْم. ومن فعلَ شيئًا من ذلك، عالِمًا بالنَّهي، مُستخِفًّا به، فهُو لله عاصٍ، وأمرُهُ إليهِ، إن شاءَ غَفَر لهُ، وإن شاءَ عذَّبهُ. فلا يَنْبغي للمرءِ أن يَمْشِي في نعلٍ واحِدةٍ. وقد رُوِيَ عن عائشةَ ﵂: أنَّها كانت تُنكِرُ على أبي هُريرةَ حديثَهُ بهذا (٤). وليسَ في إنكارِ من أنكَرَ حُجَّةً على من علِمَ. وقد رُوي عنها (٥)، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّها رأتهُ يَمْشى في نَعْلٍ واحِدةٍ. ولا يصِحُّ حديثُها ذلك.

стр. 4231

وقد رَوى هذا الحديثَ معَ جابرٍ: أبو هُريرةَ وغيرُهُ، وهُو صحيحٌ عن النَّبيِّ ﷺ . أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا زُهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا انقطعَ شِسعُ أحدِكُم، فلا يمشِ في نعلٍ واحِدةٍ حتّى يُصلِحَ شِسعَهُ، ولا يَمْشِ في خُفٍّ واحِدةٍ، ولا يأكُل بشِمالِهِ". وروى مالكٌ (٢) عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يَمْشينَّ أحدُكُم في النَّعلِ الواحِدةِ". وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "وأن يَشْتمِلَ الصَّمّاءَ" فللعُلماءِ وأهلِ اللُّغةِ في ذلكَ أقوالٌ، وقد جاءَ في الآثارِ المرفُوعةِ ما هُو أوْلَى ما قيلَ به فيها إن شاءَ الله. قال ابنُ وَهْب: اشتِمالُ الصَّمّاءِ: أن يرميَ بطَرَفي الثَّوبِ جميعًا على شِقِّهِ الأيسرِ، وقد كان مالكُ بن أنسٍ أجازها على ثَوْبٍ، ثُمَّ كَرِهها (٣). وفي سَماع ابن القاسم: سُئلَ مالكٌ عن الصَّمّاءِ، كيف هي؟ قال: يَشْتمِلُ الرَّجُلُ، ثُمَّ يُلقي الثَّوبَ على مَنْكِبيهِ، ويُخرِجُ يدَهُ اليُسرَى من تحتِ الثَّوبِ، وليسَ عليه إزارٌ. قيل لهُ: أرأيتَ إنْ لُبِسَ هكذا، ولُبِسَ (٤) عليه إزارٌ؟ قال: لا بأسَ بذلك.

стр. 4232

قال ابنُ القاسم: ثُمَّ كرِههُ بعد ذلكَ، وإن كان عليه إزارٌ. قال ابنُ القاسم: وتَرْكُهُ أحبُّ إليَّ، للحديثِ، ولستُ أراهُ ضيِّقًا، إذا كان عليه إزارٌ (١). قال مالكٌ: والاضْطِباعُ، أن يَرْتديَ الرَّجُلُ، فيُخرِجَ ثَوْبَهُ من تحتِ يدِهِ اليُمنى. قال ابنُ القاسم: وأُراهُ من ناحيةِ الصَّمّاءِ. وقال أبو عُبيد (٢): قال الأصمعيُّ: اشتِمالُ الصَّمّاءِ عِندَ العربِ: أن يَشْتمِلَ الرَّجُلُ بثوبه، فيُجلِّلَ به جسدَهُ كلَّهُ، ولا يرفعَ منهُ جانِبًا، فيُخرِج منهُ يدهُ، ورُبَّما اضْطَجعَ فيه على تلك الحالِ. قال أبو عُبيدٍ: كأنَّهُ يَذْهبُ إلى أنَّهُ لا يَدْري لعلَّهُ يُصيبُهُ شيءٌ يُريدُ الاحتِراسَ منهُ، وأن يَقِيَهُ بيدِهِ، فلا يَقْدِرُ على ذلك لإدخالِهِ إيَّاها في ثيابِهِ، فهذا كلامُ العربِ. قال: وأمّا تفسيرُ الفُقهاءِ، فإنَّهُم يقولونَ: هُو أن يشتمِلَ الرَّجُلُ بثَوْبٍ واحِدٍ ليسَ عليه غيرُهُ، ثُمَّ يرفعَهُ من أحَدِ جانِبيهِ، فيَضَعَهُ على مَنْكِبِهِ، فيبدُوَ منهُ فرجُهُ. قال أبو عُبيدٍ: والفُقهاءُ أعلمُ بالتَّأويلِ في هذا، وذلكَ أصَحُّ معنًى في الكلام. وقال الأخْفَشُ: الاشْتِمالُ: أن يلتفَّ الرَّجُلُ برِدائهِ أو بكِسائهِ، من رَأسِهِ إلى قَدَميهِ، يرُدُّ طرفَ الثَّوبِ الأيمنِ على مَنكِبِهِ الأيسرِ، هذا هُو الاشتِمالُ، فإنْ لم يرُدَّ طَرْفَهُ الأيمنَ على مَنكبِهِ الأيسرِ، وترَكهُ مُرسلًا إلى الأرضِ، فذلك: السَّدلُ الذي نُهي عنهُ. قال: وقد رُويَ في هذا الحديثِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ مَرَّ برجُلٍ وقد سدَلَ ثَوْبَهُ، فعَطَفَهُ عليه، حتّى صارَ مُشْتمِلًا (٣).

стр. 4233

قال: فإن لم يَكُن على الرَّجُلِ إلّا ثوبٌ واحِدٌ، فاشتملَ به، ثُمَّ رفعَ الثَّوبَ عن يَسارِهِ، حتّى ألقاهُ عن مَنْكِبِهِ، فقدِ انكشَفَ شِقُّهُ الأيسرُ كلُّهُ، وهذا هُو اشتِمالُ الصَّمّاءِ، الذي نُهي عنهُ، فإن هُو أخذَ طَرَفَ الثَّوبِ الأيْسرِ من تحتِ يَدِهِ اليُسرى، فألقاهُ على مَنْكِبِهِ الأيمن، وألقى طَرَفَ الثَّوبِ الأيمنِ من تحتِ يدِهِ اليُمنى (١) على مَنْكِبِهِ الأيسرِ، فهذا: التَّوشُّحُ الذي جاءَ عن رسُولِ الله ﷺ أنَّهُ صلَّى في ثَوْبٍ واحِدٍ مُتوشِّحًا به (٢). قال: وأمّا الاضْطِباعُ، فإنَّهُ للمُحرِم، وذلكَ أنَّهُ يكونُ مُرتديًا بالرِّداءِ، أو مُشتمِلًا، فيكشِفُ مَنْكِبَهُ الأيمنَ، حتّى يصيرُ الثَّوبُ تحتَ إبِطَيه. وهذا معنى الحديثِ الذي جاءَ عن رسُولِ الله ﷺ : أنَّهُ طافَ وسَعَى مُضْطبِعًا ببُردٍ أخضَرَ (٣). ويُروَى عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ مِثلُهُ. قال: والارتداءُ، أن تأخُذَ بطَرَفي الثَّوبِ، فتُلقيَهُما على صَدْرِكَ ومَنْكِبيك، وسائرُ الثَّوبِ خلفَكَ. قال أبو عُمر: الذي جَعَلهُ أبو داود (٤) تفسيرَ اللُّبسةِ الصَّمّاءِ: حديثُ الأعْمَش،

стр. 4234

عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن لُبستينِ: أن يَحْتبيَ الرَّجُلُ مُفْضيًا بفرجِهِ إلى السَّماءِ، ويَلْبَسَ ثوبًا واحِدًا جانِبُهُ خارجٌ، ويُلقيَ ثَوْبَهُ على عاتِقِهِ. ذكرهُ عن عُثمان بن أبي شَيْبةَ، عن جريرٍ، عن الأعمشِ. وقد أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا المُطَّلِبُ بن شُعيبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يُونُسُ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ قال: أخبرني عامرُ بن سعدٍ، أنَّ أبا سَعيدٍ الخُدريَّ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن لُبستينِ: اشْتِمالِ الصَّمّاءِ، والصَّمّاءُ: أن يجعَلَ طَرَفي ثوبه على أحَدِ عاتِقيهِ، ويبدُو أحَدُ شِقَّيهِ، ليسَ عليه ثوبٌ، واللُّبسةُ الأُخرى: احْتِباؤُهُ بثَوْبٍ وهُو جالِسٌ، ليسَ على فَرْجِهِ منهُ شيءٌ (١). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: أخبرنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن عطاءِ بن يزيد، عن أبي سعيدٍ، قال: نَهى رسُولُ الله ﷺ عن لُبْسَتينِ: اشتِمالِ الصَّمّاءِ، وأن يَحتبيَ الرَّجُلُ بثوبٍ واحِدٍ، ليس على عورتهِ منهُ شيءٌ. وأخبرنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا كثيرُ بن هشام، قال: حدَّثنا جعفرُ بن بُرْقانَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن لُبْسَتينِ:

стр. 4235

الصَّمّاءِ، وهُو أن يَلْتحِفَ بالثَّوبِ الواحِدِ، ثُمَّ يَرْفعَ جانِبَهُ على مَنْكِبيهِ ليس عليه ثوبٌ غيرُهُ، أو يَحْتبيَ الرَّجُلُ في الثَّوبِ الواحِدِ، ليسَ بين فَرْجِهِ وبين السَّماءِ شيءٌ. يعني: سِتْرًا (١). وعن مالك (٢)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يَشْتمِلَ الرَّجُلُ بالثَّوبِ الواحِدِ على أحَدِ شِقَّيهِ. وبهذا فسَّرَ ابنُ وَهْبٍ الصَّمّاءَ، والله أعلمُ، إلّا أنَّهُ قال: على شِقِّهِ الأيسرِ. وسيأتي من هذا المعنى ذِكرٌ كافٍ، في بابِ أبي الزِّنادِ، وقد مَضَى القولُ مُسْتَوعبًا في سَتْرِ العَوْرةِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، والحمدُ لله. وأمّا كشفُ الفرج، فحرامٌ في هذه اللُّبسةِ وفي غيرِها، لا يحِلُّ لأحَدٍ أن يُبْديَ عَوْرتَهُ، ويَكْشِفَ فَرْجَهُ إلى آدميٍّ ينظُرُ إليهِ، من رَجُلٍ، أو امرأةٍ، إلّا من كانت حليلتَهُ: امْرَأتَهُ، أو سُرِّيَّتَهُ، وهذا ما لا أعلمُ فيه خِلافًا بين المُسلمين، وحسبُك قولُ الله : ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وأجمعُوا أنَّهُ أرادَ بذلك سَتْرَ العَوْرةِ؛ لأنَّهُم كانوا يطُوفُون عُراةً، فنزلت هذه الآيةُ، وأجمعُوا على أنَّ سترَ العَوْرةِ فَرْضٌ عن عُيُونِ الآدميِّين. واختلفُوا: أهي من فرائضِ الصلاةِ، أم لا؟ وقد ذكَرْنا ذلك في غيرِ هذا الموضِع. وقد كانوا يَسْتحِبُّونَ أن لا يَكْشِفَ أحدٌ عَوْرتهُ في الخَلاءِ. وقد رَوَينا أنَّ في بعضِ ما أوحَى اللهُ ، إلى إبراهيمَ ﵊: إنِ اسْتَطعتَ أن لا تُرِيَ الأرضَ عَوْرتَك فافْعَل، فاتَّخَذَ السَّراويلَ، وهُو أوَّلُ منِ اتَّخذها، وقال اللهُ تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 4236

حديثٌ رابعٌ لأبي الزُّبيرِ مالكٌ (١)، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "أغلِقوا البابَ، وأوكُوا السِّقاءَ، وخمِّرُوا الإناءَ، أو أَكْفِئُوا (٢) الإناءَ، وأطْفِئُوا المِصْباحَ، فإنَّ الشَّيطانَ لا يفتحُ غَلَقًا (٣)، ولا يَحُلُّ وِكاءً، ولا يَكْشِفُ إناءً، وإنَّ الفُوَيسِقةَ تُضرِمُ على النّاسِ بَيْتهُم". هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: "تُضرِمُ على النّاسِ بيتَهُم". وتابَعهُ ابنُ القاسم، وابنُ وَهْب (٤)، وقال ابنُ بُكَيرٍ: "بُيُوتَهُم". وقال القعنبيُّ: "بيتَهُم، أو بُيُوتَهُم" على الشَّكِّ. والفُوَيسِقةُ: الفَأرةُ، سمّاها رَسُولُ الله ﷺ : "فاسِقةً" في هذا الحديثِ وغيرِهِ، وقال ﷺ : "خَمْسٌ فَواسِقُ تُقتلُ في الحَرم" (٥)، فذكَرَ منهُنَّ الفأرةَ. وكلُّ من آذى مُسلمًا إذا تابَعَ ذلكَ، وكَثُر منهُ، وعُرِفَ به، فهُو فاسِقٌ، والفأرةُ أذاها كثيرٌ. وأصلُ الفِسْقِ: الخُرُوجُ عن طاعةِ الله، ومن الخُرُوج عن طاعَةِ الله، أذَى المُسلم، والفأرةُ مُؤذيةٌ، فلذلك سُمِّيت فاسِقةً، وفُوَيسِقةً، والرَّجُلُ الظّالِمُ الفاجِرُ، فاسِقٌ، والمُؤذي بيَدِهِ، ولسانِهِ، وفِعْلِهِ، وسَعيهِ، فاسِقٌ، قال اللهُ :

стр. 4237

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وقولُهُ: "تُضرِمُ" أي: تُشعِلُ وتُحرِقُ. وقال ابنُ وَهْب: أمّا قولُهُ: "الفُوَيسِقةُ تُضرِمُ على النّاسِ بَيتَهُم" فإنَّما تحمِلُ الفَتِيلةَ وهي تتَّقِدُ، حتّى تجعَلَها في السَّقفِ. وقال أحمدُ بن عِمْران الأخفشُ: الفُوَيسِقةُ: الفأرةُ. وقولُهُ: "تُضرِمُ على النّاسِ بيتَهُم": تُشعِلُ البيتَ عليهم بالنّارِ، وذلك أنَّها إذا تَناوَلَتْ طرفَ الفَتيلةِ وفيها النّارُ، فلعلَّها تمُرُّ بثيابٍ، أو بحَطَبٍ، فتُشعِلُ النّار فيها، فيَلْهَبُ البيتُ على أهلِهِ، وقد أصابَ ذلك أهلَ بيتٍ بالمدينةِ، فذُكِر ذلك لرسُولِ الله ﷺ من الغَدِ فقال: "إنَّ هذه النّارَ عدُوٌّ لكُم، فإذا نِمتُم فأطفِئوها عنكُم". قال: حدَّثنا بذلك أبو أُسامةَ، عن بُرَيدِ، عن (١) أبي بُردةَ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ (٢). قال أبو عُمر: ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ من حديثِ ابن عُمرَ وغيرِهِ، أنَّهُ قال: "لا تترُكُوا النَّارَ في بُيُوتِكُم حين تنامُونَ". وكان رسُولُ الله ﷺ بالمُؤمنين رؤُوفًا رحيمًا. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثني قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (٣). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن حنبل (٥). وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ،

стр. 4238

قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (١)، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تترُكُوا النّارَ في بُيُوتِكُم حينَ تَنامُونَ". وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي نُعْم، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنَّهُ قال: الفأرةُ فُوَيسِقةٌ. قيل لهُ: لِمَ قيلَ لها الفُوَيسِقةُ؟ قال: لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَيقظَ وقد أخذَتْ فَتِيلةً لتَحرِقَ بها البيتَ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا سُليمانُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن أبي طَلْحةَ، قال: حدَّثنا أسباطٌ، عن سِماكٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: جاءَت فَأرةٌ فأخَذتْ تجُرُّ الفَتِيلةَ، فجاءَتْ بها فألْقَتها بينَ يَدَي رسُولِ الله ﷺ على الخُمْرةِ التي كان

стр. 4239

قاعِدًا عليها، فأحْرَقَتْ منها مِثلَ مَوْضِع الدِّرهم، فقال: "إذا نِمتُمْ فأطْفِئُوا سُرُجَكُم (١)، فإنَّ الشَّيطانَ يدُلُّ مثلَ هذه، على هذا، فتَحْرِقُكُم". وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "وأوْكِئُوا السِّقاءَ". فالسِّقاءُ: القِربةُ وشِبهُها، والوِكاءُ: الخيطُ الذي تُشَدُّ بهِ. فكأنَّهُ قال ﵇: اربُطُوا فمَ الإناءِ إذا كان مِمّا يُربَطُ مِثلُهُ، وشُدُّوهُ بالخيطِ. وأمّا قولُهُ: "أَكْفِئُوا الإناءَ". فإنَّهُ يُريدُ: اقلِبُوهُ، وكُبُّوهُ، وحوِّلُوهُ إذا كان فارِغًا، لا تَدعُوهُ مفتُوحًا ضاحيًا، يُقالُ: كَفأتُ الإناءَ: إذا قَلبتَهُ، وهي كلِمةٌ مَهْمُوزةٌ، وأنا أكفُؤُهُ، قال ابنُ هَرْمةَ: عِندي لهذا الزَّمانِ آنيةٌ ... أملؤُها مرَّةً وأكفُؤُها (٢) وكذلك قولُهُ: "أطفِئُوا المِصباح" مهمُوزٌ أيضًا، قال اللهُ : ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقال الشّاعِرُ: بَرَزتُ في غايتي وشايَعني ... مَوْقِدُ نارِ الوَغَى ومُطفِؤُها وقال غيرُهُ: وعاذِلةٍ (٣) هبَّت (٤) تلُومُ ولومُها ... لِنيرانِ شَوْقي مُوقِدٌ غيرُ مُطفِئ

стр. 4240

وأمّا قولُهُ: "وخمِّرُوا الإناءَ" فالتَّخميرُ هاهُنا: التَّغطيةُ، وما خمَّرتَهُ، فقد غطَّيتَهُ، وإنَّما يُكفَأُ من الأواني، ما لا يُمكِنُ تَغْطيتُهُ وتخميرُهُ. وقولُهُ في حديثِ مالك: "خمِّرُوا الإناءَ، أو أكْفِئُوا الإناءَ" يَحتَمِلُ أن يكون التَّخييرُ في تخميرِ الإناءِ وتحويلِهِ، ويَحتَمِلُ أن يكون شكًّا من المُحدِّث. وفي هذا الحديثِ من العِلم أيضًا: أنَّ الشَّيطانَ لم يُعطَ معَ ما به من القوَّةِ أن يفتحَ غَلَقًا، ولا يَحُلَّ وِكاءً، ولا يكشِفَ إناءً، رحمةً من الله تعالى بعِبادِهِ، ورِفقًا بهِم. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني ابنُ لَهيعة واللَّيثُ، عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ أبا حُميدٍ السّاعِديَّ أتَى رسُولَ الله ﷺ بقَدَح لَبنٍ من البَقِيع لم يُخمِّرهُ، فقال رَسُولُ الله ﷺ : "هلّا خمَّرتَهُ ولو بعُودٍ تَعْرُضُهُ (١) عليه؟ " (٢). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جُرَيْج، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "أطفِئ مِصْباحَك،

стр. 4241

واذكُرِ اسمَ الله، وخمِّرْ إناءَكَ ولو بعُودٍ تَعْرُضُهُ عليه واذكُرِ اسمَ الله، وأوْكِ سِقاءَكَ واذكُرِ اسمَ الله" (١). وبه، عن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن القَعْقاع بن حكيم، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إيّاكُم والسَّمَرَ بعد هَدْأةِ الرِّجل، فإنَّ أحدَكُم لا يَدْري ما يبُثُّ اللهُ من خَلْقِهِ، وأغْلِقوا الأبوابَ وأوْكِئُوا السِّقاءَ، وخمِّرُوا الإناءَ، أو الآنيةَ (٢)، وأطْفِئُوا المِصباحَ" (٣). قال أبو عُمر: "هدأةُ الرِّجل" مهمُوزةٌ، قال الشّاعِرُ: يُؤَرِّقُني ذِكراكِ في كلِّ ليلةٍ ... كأنِّيَ قد أقْسَمتُ في تركِ مَهْدئي أُعاذِلُ، إنَّ العَذْلَ مِمّا يزيدُني ... وُلُوعًا بشَوْقي فاترُكِ العَذْلَ واهْدَئي وأنشدَ أبو زَيْد (٤): ونارٍ قد حَضَأْتُ (٥) بُعَيْدَ هَدْأٍ (٦) ... بدارٍ ما أُريدُ بها مُقاما

стр. 4242

سِوَى ترحيلِ راحِلةٍ وعينٍ ... أُكالِئُها مخافةَ أن تناما وقال إبراهيمُ بن هَرْمةَ: خَوْدٌ تعاطيكَ بعد رَقْدتِها ... إذا يُلاقي العُيُونَ مهدؤُها (١) حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني حَيْوةُ بن شُرَيح وابنُ لَهيعة، عن عُقيلٍ، عن ابن شِهاب، أنَّ رسُول الله ﷺ قال: "إذا سمِعتُمُ النِّداءَ وأحدُكُم على فِراشِهِ، أو أيْنَما كان فاهدَؤوا، فإنَّ الشَّياطينَ إذا سَمِعتِ النِّداءَ اجتمعُوا وعشَّوا (٢) ". قال: وحدَّثنا حيوةُ بن شُرَيح، عن عُقَيلٍ، عن ابن شِهاب، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا جَنحَ اللَّيلُ، فاحبِسُوا أولادَكُم، فإنَّهُ يُبَثُّ في اللَّيلِ ما لا يُبَثُّ في النَّهارِ". وقال عُقيلٌ: يُتَّقى على المرأةِ أن تتوضَّأ عِندَ ذلك. ورَوى اللَّيثُ بن سعدٍ، عن يزيدَ بن عبدِ الله بن أُسامةَ بن الهادِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن جعفر (٣) بن عبدِ الله بن الحَكَم، عن القَعْقاع بن حكيم، عن جابِرٍ قال: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ قال: "غطُّوُا الإناءَ، وأَوْكِئُوا السِّقاءَ، فإنَّ في السَّنةِ ليلةً ينزِلُ فيها وباءٌ، لا يمُرُّ بإناءٍ ليسَ عليه غِطاءٌ، أو سِقاءٍ ليسَ عليه وِكاءٌ، إلّا نزلَ فيه ذلكَ الوَباءُ، ووقَعَ فيه من ذلك الدّاءِ" (٤). قال اللَّيثُ: والأعاجِمُ يتَّقونَ ذلك في كانُونَ الأوَّلِ.

стр. 4243

وروى أبو عاصِم النَّبيلُ، عن شَبيبِ بن بِشْر (١)، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: دخَلَ رسُولُ الله ﷺ المخرَجَ، ثُمَّ خرَجَ، فإذا بتَوْرٍ (٢) مُغطًّى، فقال: "من صنَعَ هذا؟ " فقال عبدُ الله: أنا، فقال رسُولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ علِّمْهُ تأويلَ القُرآنِ" (٣). أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا الخضِرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سمِعتُ أحمدَ بن حَنْبل سُئلَ عن الرَّجُلِ يَضَعُ الوُضُوءَ باللَّيلِ غيرَ مخُمَّرٍ، فقال: لا يُعجِبُني، إلّا أن يُخمَّر؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "خمِّرُوا الآنيةَ". وقال أبو داود: قلتُ لأحمدَ بن حَنْبل: الماءُ المكشُوفُ يُتَوضَّأُ بهِ؟ قال: إنَّما أمرَ النَّبيُّ ﷺ أن يُغطَّى الإناءُ، ولم يَقُل: لا تتَوضَّئُوا بهِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الأعلى بن عبدِ الأعلى، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارثِ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إذا سَمِعتُم نُباحَ الكِلابِ، أو نُهاقَ الحَميرِ، فتَعوَّذُوا بالله من الشَّياطينِ، فإنَّهُم يَرونَ ما لا تَرونَ، وأقِلُّوا الخُرُوجَ إذا هَدَأتِ الرِّجلُ، فإنَّ اللهَ يبُثُّ من خَلْقِهِ في ليلِهِ ما شاءَ، وأجيفُوا

стр. 4244

الأبوابَ، واذكُرُوا اسْمَ الله عليها، فإنَّ الشَّيطانَ لا يفتحُ بابًا أُجِيفَ، واذكُرُوا اسْمَ الله عليه، وغطُّوا الجِرارَ، وأكفِئُوا الآنيةَ، وأوْكِئُوا القِرَبَ". وحدَّثنا سعيدٌ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن نُمَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو (١) أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو بُرْدَة (٢) بن أبي بُردةَ، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ هذه النّارَ عدُوٌّ لكُم، فإذا نِمْتُم فأطفِئُوها" (٣). حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ بن إسحاقَ بن مِهْرانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن بَدْرِ بن النَّفّاح (٤) أبو الحسنِ الباهِليُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن كثيرِ بن شِنْظيرٍ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "خمِّرُوا الآنيةَ وأوْكِئُوا الأسْقيَةَ، وأجِيفُوا الأبوابَ، وكُفُّوا صِبْيانَكُمْ عِندَ المساءِ، فإنَّ للجِنِّ انتِشارًا وخَطْفَةً" (٥).

стр. 4245

قال أبو عُمرَ: في معنى قولِهِ هذا: "وخَطْفَةَ" ما قد ذكرهُ ابنُ أبي الدُّنيا (١)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا خالدُ بن الحارِثِ الهُجيميُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أبي نَضْرةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبى لَيْلَى، أنَّ رَجُلًا من قَومِهِ خرجَ ليُصلِّيَ مع قَومِهِ صلاةَ العِشاءِ ففُقِدَ، فانْطَلقتِ امْرأَتُهُ إلى عُمرَ بن الخطّابِ، فحدَّثتهُ بذلكَ، فسألَ عن ذلك قَوْمَها فصدَّقوها، فأمَرَها أن تَتربَّصَ أربعَ سِنينَ، فتربَّصَتْ، ثُمَّ أَتَتْ عُمرَ فأخْبَرتهُ بذلكَ، فسألَ عن ذلكَ قَوْمَها فصدَّقوها، فأمَرَها أن تَتزوَّج، ثُمَّ إنَّ زَوْجَها الأوَّلَ قَدِمَ فارْتَفعُوا إلى عُمرَ بن الخطّابِ، فقال عُمرُ: يَغِيبُ أحدُكُمُ الزَّمانَ الطَّويلَ، لا يعلَمُ أهلُهُ حَياتهُ؟ قال: إنَّ لي عُذرًا. قال: فما عُذرُكَ؟ قال: خَرَجتُ أُصلِّي معَ قَوْمي صلاةَ العِشاءِ، فسَبَتني الجِنُّ. أو قال: أصابَتْني الجِنُّ، فكُنتُ فيهم زَمانًا، فغَزاهُم جِنٌّ مُؤمنُونَ، فقاتَلُوهُم، فظَهرُوا عليهم وأصابُوا لهُم سَبايا، فكُنتُ فيمَنْ أصابُوا، فقالوا: ما دينُكَ؟ قلتُ: مُسلمٌ، قالوا: أنتَ على دينِنا، لا يحِلُّ لنا سَبْيُكَ، فخيَّرُوني بينَ المُقام وبين القُفُولِ، فاخترتُ القُفُولَ، فأقبلُوا معي، باللَّيلِ بَشَرٌ يُحدِّثونني (٢) وبالنَّهارِ إعصارُ ريح أتْبَعُها. قال: فما كان طعامُكَ؟ قال: الفُولُ، وما لم يُذكَرِ اسمُ الله عليه. قال: فما كان شرابُكَ؟ قال: الجَدَفُ. قال قتادةُ: الجَدَفُ: ما لم يُخمَّر من الشَّرابِ. قال: فخيَّرهُ عُمرُ بين المرأةِ والصَّداقِ. قال أبو عُمر: هذا خبرٌ صحيحٌ من رِوايةِ العِراقيِّينَ والمكِّيِّينَ مشهُورٌ. وقد روى مَعناهُ المدنيُّون في المفقودِ، إلّا أنَّهُم لم يذكُرُوا معنى اختِطافِ الجِنِّ للرَّجُل، ولا ذَكرُوا تخييرَ المفقودِ بينَ المرأةِ والصَّداقِ، وإنَّما ذَكْرناهُ هاهُنا،

стр. 4246

من أجْلِ تخميرِ أواني الشَّرابِ والطَّعام، وهي لَفْظةٌ لم أرَها في هذا الحديثِ في غَيرِ هذا الإسنادِ. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ بإسنادِهِ، من غيرِ رِوايةِ قَتادةَ، في بابِ صيفيٍّ، والحمدُ لله. قال أبو عُمر: يُروى هذا الجَدَفُ في هذا الحديثِ، الجَدَفُ بالدّالِ، وقال أبو عُبيد (١): هُو كما جاءَ في الحديثِ: ما لا يُغطَّى من الشَّرابِ. قال وقد قيلَ: هُو نباتٌ باليَمنِ لا يَحتاجُ أكلُهُ إلى شُرْبِ الماءِ. وأنكرَ ابنُ قُتيبةَ (٢) هذا، وزعَمَ أنَّهُ: زَبَدُ الشَّرابِ ورَغْوةُ اللَّبنِ. قال: وسُمِّي جَدَفًا لأنَّهُ يُقطَعُ ويُرمى عن الشَّرابِ. قال: وقد يجُوزُ أن يُقال لما لا يُغطَّى من الشَّرابِ: جَدَفٌ، كأنَّ غِطاءهُ جُدِفَ، أي: قُطِعَ (٣).

стр. 4247

حديثٌ خامِسٌ لأبي الزُّبيرِ مالكٌ (١)، عن أبي الزُّبير المكِّيِّ، عن طاووس اليَمانيِّ، عن ابن عبّاس، أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُعلِّمُهُم هذا الدُّعاءَ، كما يُعلِّمُهُمُ السُّورةَ من القُرآنِ، يقولُ: "اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ من عَذابِ جَهنَّم، وأعُوذُ بكَ من عَذابِ القَبْرِ، وأعُوذُ بكَ من فِتْنةِ المسيح الدَّجّالِ، وأعُوذُ بكَ من فِتْنةِ المَحْيا والمماتِ". قال أبو عُمر: كان رسُولُ الله ﷺ يُعلِّمُ أصْحابَهُ الدُّعاءَ فيحُضُّهُم عليه ويأمُرُهُم به، ويقولُ: "إنَّ الدُّعاءَ هُو العِبادةُ". ويتلُو: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٢) [غافر: ٦٠]. وقد قالوا: إنَّ الدُّعاءَ مخُّ (٣) العِبادةِ؛ لأنَّ فيه (٤) الإخْلاصَ، والضَّراعةَ، والإيمانَ، والخُضوعَ. واللهُ يُحِبُّ أن يُسألَ، ولذلك أمرَ عِبادَهُ أن يَسْألُوهُ من فَضْلِهِ، وقد كان لرسُولِ الله ﷺ أنواعٌ من الدعاءِ يُواظِبُ عليه ويَدْعُو به، لا يقومُ به كِتابٌ لكَثْرتِهِ. وفي هذا الحديث: الإقرارُ بعَذابِ القَبْرِ. ولا خِلافَ بينَ أهلِ السُّنّةِ في جَوازِ تَصْحيحِهِ، واعْتِقادِ ذلكَ، والإيمانِ بهِ. وكذلك الإيمانُ بالدَّجّالِ. وقد ذكَرْنا الأخبارَ في عَذابِ القَبْرِ، في بابِ هشام بن عُرْوةَ وغيرِهِ من هذا الكِتابِ، وذكَرْنا أخبارَ الدَّجّالِ في بابِ نافِع، والحمدُ لله.

стр. 4248

وأمّا فِتَنُ المَحْيا فكَثِيرةٌ جِدًّا، في الأهلِ، والمالِ، والدِّينِ، والدُّنيا، أجارَنا الله من مُضِلّاتِ الفِتَنِ. وأمّا فِتَنُ المماتِ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ إذا احتُضِرَ، ويحتَمِلُ أن يكونَ في القَبْرِ أيضًا. ومِمّا كان رسُولُ الله ﷺ يُواظِبُ عليه من الدُّعاءِ: ما أخبرناهُ خَلَفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا عُبادَةُ بن مُسْلم الفَزاريُّ، قال: حدَّثني جُبَيرُ بن أبي (١) سُليمان بن جُبيرِ بن مُطعِم، أنَّهُ كان جالِسًا مع ابن عُمرَ، فقال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ في دُعائهِ حين يُمْسي وحينَ يُصبِحُ، لم يَدَعْهُ حتّى فارقَ الدُّنيا وماتَ: "اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ العافيةَ في الدُّنيا والآخِرةِ، اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ العَفْو والعافيةَ، في دِيني ودُنْياي، وأهلي ومالي، اللَّهُمَّ اسْتُر عَوْراتي، وآمنْ رَوْعاتي، اللَّهُمَّ احْفَظْني من بينِ يَدَيَّ، ومنْ خَلْفي، وعن يَمِيني، وعن شِمالي، ومن فَوْقي، وأعُوذُ بكَ من أن أُغتالَ من تحتي". قال جُبيرٌ: وهُو الخَسْفُ. قال عُبادةُ: فلا أدري أقولُ النَّبيِّ ﷺ أو قولُ جُبَير (٢)؟

стр. 4249

حديثٌ سادِسٌ لأبي الزُّبيرِ مالكٌ (١) عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن طاووس، عن ابن عبّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان إذا قامَ إلى الصَّلاةِ من جَوْفِ اللَّيلِ يقولُ: "اللَّهُمَّ لكَ الحَمْدُ، أنتَ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ، ولكَ الحَمْدُ، أنتَ قَيّامُ السَّماواتِ والأرضِ، ولكَ الحَمْدُ، أنتَ ربُّ السَّماواتِ والأرض ومن فيهِنَّ، أنتَ الحقُّ، وقولُكَ الحقُّ، ووعدُكَ الحقُّ، ولِقاؤُكَ حقٌّ، والجنَّةُ حقٌّ (٢) والنّارُ حقٌّ، والسّاعةُ حقٌّ، اللَّهُمَّ لكَ أسْلَمتُ، وبكَ آمَنتُ، وعليكَ تَوكَّلتُ، وإليكَ أَنَبْت، وبكَ خاصَمتُ، وإليكَ حاكمْتُ، فاغْفِر لي ما قَدَّمتُ وأخَّرتُ، وأسْرَرتُ وأعْلَنتُ، أنتَ إلهي، لا إلَهَ إلّا أنتَ". وفي هذا الحديث: ما كان عليه رسُولُ الله ﷺ من المُداومةِ على قِيام اللَّيلِ، والإخْباتِ عِندَ قيامِهِ، والدُّعاءِ، والتَّضرُّع، والإخْلاصِ، والثَّناءِ على الله بما هُو أهلُهُ، والإقْرار بوَعدِهِ ووَعيدِهِ، والتَّسليم، والابتِهالِ، وفيه ﷺ الأُسوةُ الحَسَنةُ، فطُوبَى لمَن وُفِّق وأُعينَ على ذلك. وقد رَوَى هذا الحديثَ بعضُ من جَمعَ حديثَ مالكٍ، فذَكَرهُ عن مالكٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاس، وذلك خَطأٌ، والحديثُ صحيحٌ لمالكٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن طاووس، عن ابن عبّاسٍ، كما رواهُ يحيى، وسائرُ رُواةِ "المُوطَّأ" لا يختلِفُونَ في ذلك فيما علِمتُ (٣)، وليسَ في هذا الحديثِ معنًى يُشكلُ إن شاءَ الله.

стр. 4250

وأمّا قولُهُ: "أنتَ قيّامُ السَّماواتِ والأرضِ" فقيّامٌ، وقيُّومٌ، وقيِّمٌ، بمعنًى واحِدٍ، وهُو الدّائمُ الذي لا يزُولُ، وقيّامٌ: فَيْعالٌ، وقيُّومٌ: فَيْعُولٌ، وقيِّمٌ: فَيْعِلٌ. وأمّا الرَّبُّ، فمعلُومٌ عِندَ النّاسِ أنَّهُ المالكُ، سُبحانَ مالكِ (١) الدُّنيا والآخِرةِ، وملِكِهِما، ونُورِهِما. قولُهُ: "الحقُّ"؛ لأنَّ اللهَ هُو الحقُّ المُبينُ، وقد قال: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤]. وأمّا الإقرارُ بالجنَّةِ والنّارِ، فواجِبٌ مُجتَمَعٌ عليه، ألا تَرى أنَّ ذلك مِمّا يُكتَبُ في صُدُورِ الوَصايا، مع الشَّهادةِ بالتَّوحيدِ، وبالنَّبيِّ ﷺ ، وقد قُرِئَتِ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] و"الحيُّ القيّامُ" (٢)، وفي مُصحفِ ابن مَسْعُودٍ: "القيِّمُ" (٣)؟ وكلُّ ذلك حَسَنٌ. وأمّا قولُهُ: "وإليكَ أنبتُ" فالإنابةُ: الرُّجُوعُ إلى الخَيرِ، ولا يكونُ الرُّجُوعُ إلى الشَّرِّ إنابةً، قال اللهُ : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] أي: عُودُوا إلى ما يَرْضَى به عنكُم من التَّوبةِ. وأمّا قولُهُ: "اللَّهُمَّ لكَ أسلمتُ" فمعناهُ: اسْتَسلمتُ لحُكمِكَ وأمرِكَ، وسلَّمتُ، ورَضِيتُ، وآمنتُ، وصدَّقتُ، واسْتَيقنتُ، والله أعلمُ. وقد مَضَى معنى الإسلام والإيمانِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سالِم، والحمدُ لله.

стр. 4251

ورَوى هذا الحديثَ سُفيانُ بن عُيينةَ، عن سُليمانَ الأحولِ، عن طاووس، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مثلَهُ (١). وطاووسٌ يُكْنَى أبا عبدِ الرَّحمنِ، وهُو من جُلَّةِ التّابِعينَ دينًا، وورعًا، وفَضْلًا، وعِلمًا، وهُو: طاووسُ بن كَيْسانَ، ويُقالُ: طاووسُ بن أبي حَنِيفةَ، مولى بَحِير (٢) بن رَيْسانَ الحِميريِّ اليمانيِّ، يُقالُ: إنَّهُ لم يَنفرِدْ أحدٌ بابنِ عبّاسٍ من أصحابِهِ، غيرُ طاووس، كان لهُ منهُ مجلِسٌ خاصٌّ، وكان يُواظِبُ مَجْلسَهُ مع العامّةِ، وماتَ طاووسُ بمكّةَ قبلَ التَّرويةِ بيوم، سنةَ سِتٍّ ومئةٍ وهُو ابنُ بضع وتِسعينَ سنةً، وصلَّى عليه هشامُ بن عبدِ الملكِ، وهُو خليفةٌ، كان حجَّ في ذلكَ العام. حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ الدِّينوريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يوسُف الهرويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن المُعلَّى الأسديُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن يزيد، يُعرفُ بابنِ أبي طَلْحةَ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بن ربيعةَ، عن ابن شَوْذب، قال: شَهِدتُ جِنازةَ طاووس بمكّةَ سنةَ سِتٍّ ومئةٍ، فسَمِعتُهُم يقولون: يرحمُ الله أبا عبدِ الرَّحمنِ، حَجَّ أربعينَ حَجَّةً (٣).

стр. 4252

حديثٌ سابعٌ لأبي الزُّبيرِ مالكٌ (١)، عن أبي الزُّبير (٢)، عن أبي الطُّفيلِ عامرِ بن واثِلةَ، أنَّ مُعاذَ بن جَبَلٍ أخبرَهُ: أنَّهُم خَرجُوا مع رسُولِ الله ﷺ في غَزْوةِ تبُوكَ، فكان رسُولُ الله ﷺ يجمعُ بين الظُّهرِ والعَصْرِ، والمغرِبِ والعِشاءِ، قال: فأخَّرَ الصَّلاةَ يومًا، ثُمَّ خرَجَ فصلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعًا، ثُمَّ دخلَ، ثُمَّ خرجَ فصلَّى المغرِبَ والعِشاءَ جميعًا، ثمَّ قال: "إنَّكُم ستأتُونَ غدًا إن شاءَ الله عينَ تبُوك، وإنَّكُم لن تأتُوها، حتّى يَضْحَى النَّهارُ، فمن جاءَها منكُم، فلا يَمسَّ من مائها شيئًا، حتّى آتي". قال: فجِئناها وقد سَبَقنا إليها رَجُلانِ، والعينُ تبُضُّ بشيءٍ من ماءٍ، فسَألهُما رسُولُ الله ﷺ : "هل مَسَستُما من مائها شيئًا؟ " فقالا: نعم، فسبَّهُما رسُولُ الله ﷺ وقال لهُما ما شاءَ اللهُ أن يقولَ، ثُمَّ غَرفُوا بأيديهِم من العَيْنِ قليلًا قليلًا، حتّى اجتمَعَ في شيءٍ، ثُمَّ غسَلَ رسُولُ الله ﷺ منهُ وَجْهَهُ ويَدَيهِ، ثُمَّ أعادَهُ فيها، فجَرَتِ العَيْنُ بماءٍ كثيرٍ، فاسْتَقَى النّاسُ، ثُمَّ قال رسُولُ الله ﷺ : "يُوشِكُ يا مُعاذُ إن طالَتْ بكَ حياةٌ، أن تَرى ما هاهُنا قد مُلِئَ جِنانًا". قال أبو عُمر: هذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ، وأبو الطُّفيلِ من كِبارِ التّابِعين وجِلَّتِهِم وعُلَمائهِم، مِمَّن وُلِدَ على عَهدِ رسُول الله ﷺ ، وقد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في الصحابةِ (٣) على شَرْطِنا فيه، فأغْنَى عن ذِكْرِهِ هاهُنا، وقد ذكَرْنا مُعاذَ بنَ جَبَل (٤) هُناك ذِكرًا مُجوَّدًا إن شاءَ الله، وكان أبو الطُّفيل مُحِبًّا في عليٍّ، غيرَ مُتَنقِّصٍ لغيرِهِ من الصَّحابةِ، وجهِلَ أمرَهُ من جعلهُ من الشِّيعةِ الغاليةِ.
следующие страницы →