← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4248–4287 · переход к 4253.

стр. 4248

وأمّا فِتَنُ المَحْيا فكَثِيرةٌ جِدًّا، في الأهلِ، والمالِ، والدِّينِ، والدُّنيا، أجارَنا الله من مُضِلّاتِ الفِتَنِ. وأمّا فِتَنُ المماتِ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ إذا احتُضِرَ، ويحتَمِلُ أن يكونَ في القَبْرِ أيضًا. ومِمّا كان رسُولُ الله ﷺ يُواظِبُ عليه من الدُّعاءِ: ما أخبرناهُ خَلَفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا عُبادَةُ بن مُسْلم الفَزاريُّ، قال: حدَّثني جُبَيرُ بن أبي (١) سُليمان بن جُبيرِ بن مُطعِم، أنَّهُ كان جالِسًا مع ابن عُمرَ، فقال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ في دُعائهِ حين يُمْسي وحينَ يُصبِحُ، لم يَدَعْهُ حتّى فارقَ الدُّنيا وماتَ: "اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ العافيةَ في الدُّنيا والآخِرةِ، اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ العَفْو والعافيةَ، في دِيني ودُنْياي، وأهلي ومالي، اللَّهُمَّ اسْتُر عَوْراتي، وآمنْ رَوْعاتي، اللَّهُمَّ احْفَظْني من بينِ يَدَيَّ، ومنْ خَلْفي، وعن يَمِيني، وعن شِمالي، ومن فَوْقي، وأعُوذُ بكَ من أن أُغتالَ من تحتي". قال جُبيرٌ: وهُو الخَسْفُ. قال عُبادةُ: فلا أدري أقولُ النَّبيِّ ﷺ أو قولُ جُبَير (٢)؟

стр. 4249

حديثٌ سادِسٌ لأبي الزُّبيرِ مالكٌ (١) عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن طاووس، عن ابن عبّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان إذا قامَ إلى الصَّلاةِ من جَوْفِ اللَّيلِ يقولُ: "اللَّهُمَّ لكَ الحَمْدُ، أنتَ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ، ولكَ الحَمْدُ، أنتَ قَيّامُ السَّماواتِ والأرضِ، ولكَ الحَمْدُ، أنتَ ربُّ السَّماواتِ والأرض ومن فيهِنَّ، أنتَ الحقُّ، وقولُكَ الحقُّ، ووعدُكَ الحقُّ، ولِقاؤُكَ حقٌّ، والجنَّةُ حقٌّ (٢) والنّارُ حقٌّ، والسّاعةُ حقٌّ، اللَّهُمَّ لكَ أسْلَمتُ، وبكَ آمَنتُ، وعليكَ تَوكَّلتُ، وإليكَ أَنَبْت، وبكَ خاصَمتُ، وإليكَ حاكمْتُ، فاغْفِر لي ما قَدَّمتُ وأخَّرتُ، وأسْرَرتُ وأعْلَنتُ، أنتَ إلهي، لا إلَهَ إلّا أنتَ". وفي هذا الحديث: ما كان عليه رسُولُ الله ﷺ من المُداومةِ على قِيام اللَّيلِ، والإخْباتِ عِندَ قيامِهِ، والدُّعاءِ، والتَّضرُّع، والإخْلاصِ، والثَّناءِ على الله بما هُو أهلُهُ، والإقْرار بوَعدِهِ ووَعيدِهِ، والتَّسليم، والابتِهالِ، وفيه ﷺ الأُسوةُ الحَسَنةُ، فطُوبَى لمَن وُفِّق وأُعينَ على ذلك. وقد رَوَى هذا الحديثَ بعضُ من جَمعَ حديثَ مالكٍ، فذَكَرهُ عن مالكٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاس، وذلك خَطأٌ، والحديثُ صحيحٌ لمالكٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن طاووس، عن ابن عبّاسٍ، كما رواهُ يحيى، وسائرُ رُواةِ "المُوطَّأ" لا يختلِفُونَ في ذلك فيما علِمتُ (٣)، وليسَ في هذا الحديثِ معنًى يُشكلُ إن شاءَ الله.

стр. 4250

وأمّا قولُهُ: "أنتَ قيّامُ السَّماواتِ والأرضِ" فقيّامٌ، وقيُّومٌ، وقيِّمٌ، بمعنًى واحِدٍ، وهُو الدّائمُ الذي لا يزُولُ، وقيّامٌ: فَيْعالٌ، وقيُّومٌ: فَيْعُولٌ، وقيِّمٌ: فَيْعِلٌ. وأمّا الرَّبُّ، فمعلُومٌ عِندَ النّاسِ أنَّهُ المالكُ، سُبحانَ مالكِ (١) الدُّنيا والآخِرةِ، وملِكِهِما، ونُورِهِما. قولُهُ: "الحقُّ"؛ لأنَّ اللهَ هُو الحقُّ المُبينُ، وقد قال: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤]. وأمّا الإقرارُ بالجنَّةِ والنّارِ، فواجِبٌ مُجتَمَعٌ عليه، ألا تَرى أنَّ ذلك مِمّا يُكتَبُ في صُدُورِ الوَصايا، مع الشَّهادةِ بالتَّوحيدِ، وبالنَّبيِّ ﷺ ، وقد قُرِئَتِ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] و"الحيُّ القيّامُ" (٢)، وفي مُصحفِ ابن مَسْعُودٍ: "القيِّمُ" (٣)؟ وكلُّ ذلك حَسَنٌ. وأمّا قولُهُ: "وإليكَ أنبتُ" فالإنابةُ: الرُّجُوعُ إلى الخَيرِ، ولا يكونُ الرُّجُوعُ إلى الشَّرِّ إنابةً، قال اللهُ : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] أي: عُودُوا إلى ما يَرْضَى به عنكُم من التَّوبةِ. وأمّا قولُهُ: "اللَّهُمَّ لكَ أسلمتُ" فمعناهُ: اسْتَسلمتُ لحُكمِكَ وأمرِكَ، وسلَّمتُ، ورَضِيتُ، وآمنتُ، وصدَّقتُ، واسْتَيقنتُ، والله أعلمُ. وقد مَضَى معنى الإسلام والإيمانِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سالِم، والحمدُ لله.

стр. 4251

ورَوى هذا الحديثَ سُفيانُ بن عُيينةَ، عن سُليمانَ الأحولِ، عن طاووس، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مثلَهُ (١). وطاووسٌ يُكْنَى أبا عبدِ الرَّحمنِ، وهُو من جُلَّةِ التّابِعينَ دينًا، وورعًا، وفَضْلًا، وعِلمًا، وهُو: طاووسُ بن كَيْسانَ، ويُقالُ: طاووسُ بن أبي حَنِيفةَ، مولى بَحِير (٢) بن رَيْسانَ الحِميريِّ اليمانيِّ، يُقالُ: إنَّهُ لم يَنفرِدْ أحدٌ بابنِ عبّاسٍ من أصحابِهِ، غيرُ طاووس، كان لهُ منهُ مجلِسٌ خاصٌّ، وكان يُواظِبُ مَجْلسَهُ مع العامّةِ، وماتَ طاووسُ بمكّةَ قبلَ التَّرويةِ بيوم، سنةَ سِتٍّ ومئةٍ وهُو ابنُ بضع وتِسعينَ سنةً، وصلَّى عليه هشامُ بن عبدِ الملكِ، وهُو خليفةٌ، كان حجَّ في ذلكَ العام. حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ الدِّينوريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يوسُف الهرويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن المُعلَّى الأسديُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن يزيد، يُعرفُ بابنِ أبي طَلْحةَ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بن ربيعةَ، عن ابن شَوْذب، قال: شَهِدتُ جِنازةَ طاووس بمكّةَ سنةَ سِتٍّ ومئةٍ، فسَمِعتُهُم يقولون: يرحمُ الله أبا عبدِ الرَّحمنِ، حَجَّ أربعينَ حَجَّةً (٣).

стр. 4252

حديثٌ سابعٌ لأبي الزُّبيرِ مالكٌ (١)، عن أبي الزُّبير (٢)، عن أبي الطُّفيلِ عامرِ بن واثِلةَ، أنَّ مُعاذَ بن جَبَلٍ أخبرَهُ: أنَّهُم خَرجُوا مع رسُولِ الله ﷺ في غَزْوةِ تبُوكَ، فكان رسُولُ الله ﷺ يجمعُ بين الظُّهرِ والعَصْرِ، والمغرِبِ والعِشاءِ، قال: فأخَّرَ الصَّلاةَ يومًا، ثُمَّ خرَجَ فصلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعًا، ثُمَّ دخلَ، ثُمَّ خرجَ فصلَّى المغرِبَ والعِشاءَ جميعًا، ثمَّ قال: "إنَّكُم ستأتُونَ غدًا إن شاءَ الله عينَ تبُوك، وإنَّكُم لن تأتُوها، حتّى يَضْحَى النَّهارُ، فمن جاءَها منكُم، فلا يَمسَّ من مائها شيئًا، حتّى آتي". قال: فجِئناها وقد سَبَقنا إليها رَجُلانِ، والعينُ تبُضُّ بشيءٍ من ماءٍ، فسَألهُما رسُولُ الله ﷺ : "هل مَسَستُما من مائها شيئًا؟ " فقالا: نعم، فسبَّهُما رسُولُ الله ﷺ وقال لهُما ما شاءَ اللهُ أن يقولَ، ثُمَّ غَرفُوا بأيديهِم من العَيْنِ قليلًا قليلًا، حتّى اجتمَعَ في شيءٍ، ثُمَّ غسَلَ رسُولُ الله ﷺ منهُ وَجْهَهُ ويَدَيهِ، ثُمَّ أعادَهُ فيها، فجَرَتِ العَيْنُ بماءٍ كثيرٍ، فاسْتَقَى النّاسُ، ثُمَّ قال رسُولُ الله ﷺ : "يُوشِكُ يا مُعاذُ إن طالَتْ بكَ حياةٌ، أن تَرى ما هاهُنا قد مُلِئَ جِنانًا". قال أبو عُمر: هذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ، وأبو الطُّفيلِ من كِبارِ التّابِعين وجِلَّتِهِم وعُلَمائهِم، مِمَّن وُلِدَ على عَهدِ رسُول الله ﷺ ، وقد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في الصحابةِ (٣) على شَرْطِنا فيه، فأغْنَى عن ذِكْرِهِ هاهُنا، وقد ذكَرْنا مُعاذَ بنَ جَبَل (٤) هُناك ذِكرًا مُجوَّدًا إن شاءَ الله، وكان أبو الطُّفيل مُحِبًّا في عليٍّ، غيرَ مُتَنقِّصٍ لغيرِهِ من الصَّحابةِ، وجهِلَ أمرَهُ من جعلهُ من الشِّيعةِ الغاليةِ.

стр. 4253

وفي هذا الحديثِ من الفِقه: غزوُ الإمام بنفسِهِ العدُوَّ مع عَسْكرِهِ. وفيه: غزوُ الرُّوم؛ لأنَّ غزوةَ تبُوكَ كانت إلى الرُّوم بأرضِ الشّام، وهي غَزاةٌ لم يلقَ فيها رسُولُ الله ﷺ كيدًا ولا قِتالًا وانصرَفَ، لما قد ذكرهُ أهلُ السِّيرِ، وقد قيل: إنَّ غَزْوَ الرُّوم وسائرِ أهلِ الكِتابِ أفَضَلُ من غيرِهِم. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن سَلّام، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، عن فرج بن فَضالةَ، عن عبدِ الخبيرِ بن محمدِ بن ثابتِ بن قيسِ بن شمّاس، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، قال: جاءَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ يُقالُ لها: أمُّ خلّادٍ، وهي مُنْتقِبةٌ تسألُ عن ابْنِها، وهُو مقتُولٌ، فقال لها بَعضُ أصحابِ رسُولِ الله ﷺ : تسألينَ عن ابنِكِ وأنتِ مُنْتقِبةٌ؟ فقالت: إن أُرْزَأ ابني، فلن أُرْزَأَ حَيائي. فقال رسُولُ الله ﷺ : "ابنُكِ لهُ أجرُ شَهِيدينِ"، قالت: ولمَ ذاكَ يا رسُولَ الله؟ قال: "لأنَّهُ قَتَلهُ أهلُ الكِتابِ". قال أبو عُمر: فلفَضلِ غَزْوِ الرُّوم، واللهُ أعلمُ، غَزاهُم رسُولُ الله ﷺ . قال أبو عُمر: قال أهلُ السِّيرِ: إنَّ غَزْوةَ تبُوكَ إلى الرُّوم كانت في رَجَبٍ، من سنةِ تِسع. وفيه: الجمعُ بين صَلاتي النَّهارِ، وبين صلاتي اللَّيلِ للمُسافِرِ، وإن لم يَجِدَّ به السَّيرُ. وفي قولِهِ في هذا الحديثِ: فأخَّر الصَّلاةَ يومًا، ثُمَّ خرج فصلَّى الظُّهر والعصرَ جميعًا، ثُمَّ دخلَ، ثُمَّ خرجَ فصلَّى المغرِبَ والعشاءَ جميعًا، دليل على أنَّهُ

стр. 4254

جمَعَ بين الصَّلاتينِ وهُو نازِلٌ غيرُ سائرٍ، ماكِثٌ في خِبائهِ وفُسْطاطِهِ، يخرُجُ فيُقيمُ الصَّلاةَ، ثُمَّ ينصرِفُ إلى خِبائهِ، ثُمَّ يخرُجُ فيُقيمُها ويجمعُ بين الصَّلاتينِ من غيرِ أن يجِدَّ به السَّيرُ. وفى هذا الحديثِ أوضحُ الدَّلائلِ، وأقوى الحُجَج، في الرَّدِّ على من قال: لا يجمعُ المُسافِرُ بين الصَّلاتينِ، إلّا إذا جدَّ به السَّيرُ. واختلفَ الفُقهاءُ في ذلكَ (١)، فرَوَى ابنُ القاسم، عن مالكٍ، وهُو رأيُهُ، قال: لا يجمعُ المُسافِرُ في حَجٍّ أو عُمرةٍ إلّا أن يجِدَّ به السَّيرُ، ويخافَ فَواتَ أمرٍ، فيَجْمع في آخِرِ وقتِ الظُّهرِ، وأوَّلِ وقتِ العَصْرِ، وكذلكَ في المغرِبِ والعشاءِ، إلّا أن يَرْتحِل عِندَ الزَّوالِ، فليَجْمعْ حينئذٍ في المرحلةِ بين الظُّهرِ والعصرِ. ولم يذكُر في العِشاءَينِ الجمعَ عِند الرَّحيلِ أوَّل الوقتِ، قال سحنُونٌ: وهُما كالظُّهرِ والعصر (٢). وذكر أبو الفَرَج عن مالكٍ، قال: ومن أرادَ الجمعَ بين الصَّلاتينِ، جمعَ بينهُما إن شاءَ في آخِرِ وقتِ الأُولى منهُما، وإن شاءَ في وقتِ الآخِرةِ منهُما، وإن شاءَ أخَّرَ الأُولى فصَلّاها في آخِرِ وَقْتِها، وصلَّى الثّانيةَ في أوَّلِ وَقْتِها. قال: وذلكَ كجَوازِ الجمع بين الظُّهرِ والعصرِ بعَرَفةَ، وبين المغرِبِ والعِشاءِ بالمُزدلِفةِ. قال أبو الفرج: وأصلُ هذا البابِ الجمعُ بين الظُّهرِ والعَصْرِ بعَرَفةَ، والمغرِبِ والعشاءِ بالمُزدلِفةِ؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ سافَرَ فقَصَرَ وجمع بينهُما كذلك، والجمعُ أيسرُ خطبًا من التَّقصيرِ، فوجَبَ الجمعُ بينهُما في الوقتِ الذي جمَعَ بينهُما فيه رسُولُ الله ﷺ .

стр. 4255

قال سحنُونُ (١): وفي سَماع ابن القاسم (٢): وأحَبُّ ما فيه إليَّ، والذي سمِعتُ من مالكٍ: أن يجمعَ المُسافِرُ في آخِرِ وقتِ الظُّهرِ، وأوَّلِ وقتِ العصرِ، وإن جمَعَ بعد الزَّوال بينَهُما، أجْزأَ ذلكَ عنهُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فَعلهُ. قال ابنُ حبيب: وللمُسافِرِ أن يجمعَ ليَقْطعَ سَفَرَهُ، وإن لم يَخَفْ شيئًا، ولم يُبادِرْهُ. وقال اللَّيثُ بن سعد: لا يجمعُ إلّا من جَدَّ به السَّيرُ. وكان الأوزاعيُّ يقولُ: لا يُجمَعُ بين الصَّلاتينِ إلّا من عُذِر؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا جدَّ به السَّيرُ جمَعَ (٣). وعنِ الثَّوريِّ نحوُ هذا، وعنهُ أيضًا ما يدُلُّ على إجازَةِ جَمْع الصَّلاتينِ في وَقْتِ إحداهُما للمُسافِرِ، وإن لم يجِدَّ به السَّير. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: لا يَجمعُ أحدٌ بين الصَّلاتينِ في سفرٍ، ولا حَضَرٍ، لا صحيحٌ، ولا مريضٌ، في صَحْوٍ ولا في مطرٍ، إلّا أنَّ للمُسافِرِ أن يُؤَخِّرَ الظُّهر إلى آخِرِ وقتِها، ثُمَّ ينزِلَ فيُصلِّيَها في آخِرِ وقتِها، ثُمَّ يَمْكُثَ قليلًا ويُصلِّيَ العصرَ في أوَّلِ وقتِها، وكذلك المريضُ. قالوا: فأمّا أن يُصلِّيَ صلاةً في وقتِ أُخرى فلا، إلّا بعرفةَ والمُزدلِفة لا غيرُ (٤). وحُجَّتُهُم ما رواهُ الأعمشُ، عن عُمارةَ بن عُمَير، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيد، قال: قال عبدُ الله بن مَسْعُودٍ: والذي لا إلهَ غيرُهُ، ما صلَّى رسُولُ الله ﷺ

стр. 4256

صَلاةً قطُّ إلّا لوَقتِها، إلّا صلاتينِ: جمَعَ بين الظُّهرِ والعَصْرِ يومَ عَرَفةَ، وجمَعَ بين المغرِبِ والعِشاءِ بجَمْع (١). قال أبو عُمر: ليسَ في (٢) هذا حُجَّةٌ؛ لأنَّ غيرَ ابن مسعُودٍ حَفِظَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ جمعَ بين الصَّلاتينِ في السَّفرِ، بغيرِ عرَفةَ والمُزدلِفةِ، ومن حفِظَ حُجَّةٌ على من لم يَحْفظْ ولم يَشْهدْ. وقال الشّافِعيُّ وأصحابُهُ: من كان لهُ أن يَقْصُرَ، فلهُ أن يجمعَ بين الصَّلاتينِ في وقتِ إحداهُما، إن شاءَ في وَقْتِ الأُولى، وإن شاءَ في وقتِ الآخِرة (٣). وهُو قولُ عطاءِ بن أبي رباح (٤)، وسالم بن عبدِ الله بن عُمرَ (٥)، وجُمهُورِ عُلماءِ المدينةِ. حدَّثنا أحمدُ بن سعيدِ بن بشرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ ومحمدُ بن أبي دُلَيم، قالا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن ذَكْوان ومحمدُ بن عَمرٍو وإبراهيمُ بن أيُّوب وغيرُ واحِدٍ، قالوا: حدَّثنا ضَمْرةَ (٦)، قال: حدَّثنا سليمانُ بن عبدِ العزيزِ ابنُ أخي رُزَيقِ بن حكيم، قال: مرَّ بنا بأيْلَةَ رَبِيعةُ، وأبو الزِّنادِ،

стр. 4257

ومحمدُ بن المُنكدِرِ، وصَفْوانُ بن سلَيم، في أشْياخ من أهلِ المدينةِ، أرسلَ إليهِمُ الوليدُ بن يزيد ليَسْألهُم عن يمينٍ كان حلفَ بها، قال: فأتيناهُم في مَنْزِلهِم، وقد أخذُوا في الرَّحيلِ، فصلَّوُا الظُّهرَ والعصرَ جميعًا، حينَ زالتِ الشَّمسُ ثم ركِبُوا (١)، ثُمَّ أتينا المَسْجِد، فإذا رُزيقُ بن حَكيم يُصلِّي للنّاسِ الظُّهرَ (٢). وذكرَ الحسنُ بن عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن زبّان (٣) الأيليُّ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن سعدٍ الأيليُّ، عن يُونُس بن يزيد الأيليِّ، قال: مرَّ بنا: القَعْقاعُ بن حَكِيم ومحمدُ بن المُنكدِرِ وزيدُ بن أسْلَمَ وأبو حازِم وأبو الزِّنادِ ورَبِيعةُ بن عبدِ الرَّحمنِ، خارِجين إلى الرَّباطِ، فنَزلُوا، وأتَيْناهُم نُسَلِّمُ (٤) عليهم، فوَجَدناهُم قد شَدُّوا محَامِلَهُم، وسوَّوا وِطاءَهُم، فصلَّوا الظُّهرَ والعصرَ، ثُمَّ ركِبُوا، ومَشَينا مَعهُم إلى خَلْفِ بُستانِ ابن وَهْب، ثُمَّ ودَّعناهُم وانْصَرفنا، وأتينا المسجِدَ ورُزيقُ بن حكيم يُصلِّي للنّاسِ الظُّهرَ. قال أبو محمدٍ الحسنُ بن عليٍّ: قلتُ لعُمر: إلى أيِّ رباطٍ ذهبُوا؟ قال: إلى عَسْقلانَ. قال: وحدَّثنا عُمرُ بن زبّانَ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن يزيدَ، قال: صحِبتُ ابنَ شِهاب إلى مَكّةَ ثمانيَ سِنينَ، فكان يُصلِّي الظُّهرَ والعصَرَ جميعًا، والمغرِبَ والعشاءَ جميعًا. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وإسحاقُ بن راهُويةِ، وداودُ. وقال الشّافِعيُّ وداودُ: ليسَ للمُسافِرِ أن يجمَعَ بين الصَّلاتينِ، ولا يُؤَخِّر صَلاةً عن وَقْتِها، إلّا بنيَّةِ الجَمْع.

стр. 4258

وقال الطَّبريُّ: للمُسافِرِ أن يَجْمعَ بين الظُّهرِ والعَصْرِ، ما بينَ الزَّوالِ، إلى أن تَغِيبَ الشَّمسُ، وبين المغرِبِ والعشاءِ، ما بين مَغيبِ الشَّمسِ، إلى طُلُوع الفجرِ. قال: والجمعُ في المَطرِ كذلك (١). وقال أحمدُ بن حَنْبل: وجهُ الجمع، أن يُؤَخِّر الظُّهرَ حتّى يدخُلَ وقتُ العَصرِ، ثُمَّ ينزِلَ فيَجْمعَ بينَهُما، ويُؤَخِّرَ المغرِبَ حتّى يغيبَ الشَّفقُ، ثمَّ يجمعَ بين المغرِبِ والعِشاءِ. قال: فإن قدَّمَ العصرَ إلى الظُّهرِ، والعشاءَ إلى المغرِبِ، فأرجُو أن لا يكون به بأسٌ. قال إسحاقُ: لا بأسَ بذلك بلا رجاء (٢). قال أبو عُمر: في حديثِ مُعاذٍ المذكُورِ في هذا البابِ، ما يَقْطعُ الالتِباسَ في أنَّ للمُسافِرِ أن يجمعَ بينَ الصَّلاتينِ، وإن لم يجِدَّ به السَّيرُ، وليسَ فيما رُوِيَ من الآثار (٣) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ كان إذا جدَّ به السَّيرُ، جمعَ بين المغرِب والعشاءِ، ما يُعارِضُ حديثَ مُعاذِ بن جبل؛ لأنَّ المُسافِرَ إذا كان لهُ في السُّنَّةَ أن يجمعَ بينَ الصلاتينِ، نازِلًا غيرَ سائرٍ، فالذي يجِدُّ به السَّيرُ أحْرَى بذلك، وليسَ في واحِدٍ من الحديثينِ ما يَعْترِضُ على الثّاني به، وهُما حالانِ، وإنَّما كانا يكونانِ مُتعارِضَيْنِ لو كان في أحَدِهما أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: لا يَجمعُ المُسافِرُ بين الصَّلاتينِ، إلّا أن يجِدَّ به السَّيرُ. وفي الآخرِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ جمعَ بين الصَّلاتينِ في سَفرِهِ إلى تبُوكَ، نازِلًا غيرَ سائرٍ. فأمّا أن يجمعَ، وقد جدَّ به السَّيرُ، ويجمعَ وهُو نازِلٌ لم يجِدَّ به السَّيرُ، فليسَ هذا بمُتعارِضٍ عِندَ أحدٍ لهُ فهمٌ، وبالله التَّوفيقُ. فإنِ احتجَّ مُحتجٌّ بحديثِ فُضَيلِ بن غَزْوانَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ اسْتُصْرِخَ على صفيَّةَ في مَسِيرِهِ من مكّةَ إلى المدينةِ، فأخَّرَ المغرِبَ عن وَقْتِها الذي

стр. 4259

كان يُصَلِّيها فيه كلَّ ليلةٍ، حتّى كادَ الشَّفقُ أن يَغِيبَ، ثُمَّ نزلَ فصلّاها وغابَ الشَّفقُ، وصلَّى العِشاءَ، وأخبرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، كذلك كان يفعلُ إذا جَدَّ به السَّيرُ (١). قيلَ لهُ: قد رَوَى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ اسْتُصرِخَ (٢) على صَفيَّةَ، فسارَ حتّى غابتِ الشَّمسُ، وبَدَتِ النُّجُومُ، وقال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ كان إذا عجِلَ به السَّيرُ في سَفرِهِ، جَمعَ بين هاتينِ الصَّلاتينِ، فسارَ حتّى غابَ الشَّفقُ، ثُمَّ نزلَ فجمَعَ بينهُما (٣). وهذا الإسنادُ أصحُّ (٤)، ومعناهُ على ما ذكَرْنا أوضحُ، ولو صحّا جميعًا، كانا دليلًا على جَوازِ الجمع كيف شاءَ المُسافِرُ من الوَجْهينِ جميعًا. وقد أجمَعَ المُسلمُونَ قديمًا وحديثًا، على أنَّ الجمعَ بين الصَّلاتينِ بعَرَفةَ: الظُّهرِ والعصرِ، في أوَّلِ وقتِ الظُّهرِ، والمغرِبِ والعشاءِ بالمُزدلِفةِ، في وقتِ العشاءِ. وذلك سفرٌ مُجتمعٌ عليه، وعلى ما ذَكَرنا فيه، فكلُّ ما اختُلِفَ فيه من مِثلِهِ، فمردُودٌ إليهِ. روى مالكٌ (٥)، عن ابن شِهاب، أنَّهُ قال: سألتُ سالم بن عبدِ الله: هل يُجمعُ بين الظُّهرِ والعَصْرِ في السَّفرِ؟ فقال: نعم، لا بأسَ بذلك، ألم ترَ إلى صَلاةِ النّاسِ بعَرَفةَ؟

стр. 4260

فهذا سالمٌ قد نزَعَ بما ذكَرْنا، وهُو أصلٌ صحيحٌ لمن أُلْهِمَ رُشْدَهُ ولم تَمِلْ به العَصبيَّةُ إلى المُعاندةِ. ومعلُومٌ أنَّ الجمعَ بين الصَّلاتينِ للمُسافِرِ رُخصةٌ وتَوْسِعةٌ، ولو كان الجمعُ على ما قال ابنُ القاسم والعِراقيُّونَ، من مُراعاةِ آخرِ وقتِ الظُّهرِ وأوَّلِ وقتِ العصرِ، لكان ذلكَ أشدَّ ضيقًا، وأكثر حَرَجًا، من الإتيانِ بكلِّ صلاةٍ في وَقْتِها؛ لأنَّ وقتَ كلِّ صلاةٍ أوسعُ، ومُراعاتهُ أمكنُ، من مُراعاةِ طَرَفي الوَقْتينِ، ومن تدبَّر هذا وجَدهُ، كما وصَفْنا، وبالله توفيقُنا. ولو كان الجمعُ بين الصَّلاتينِ في السَّفرِ، على ما ذهَبَ إليه هؤُلاءِ أيضًا، لجازَ الجمعُ بين العصرِ والمغرِبِ على ذلك المَذْهبِ، وبين العِشاءِ والفجرِ، وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ السُّنَّةَ، إنَّما وردت في الجَمْع بين صلاتي النَّهارِ: الظُّهرِ والعصرِ، وبين صلاتي اللَّيل: المغرِبِ والعشاءِ، للرُّخصةِ في اشْتِراكِ وَقْتيهِما في السَّفرِ، لأنَّهُ عُذرٌ، وكذلك عُذرُ المطرِ، وليسَ ما قالهُ أبو حنيفةَ وأصحابُهُ في كَيْفيَّةِ الجمع جمعًا (١) إذا كانت كلُّ واحِدةٍ من الصَّلاتينِ يُؤتَى بها في وقتِها. وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ في هذا الحديثِ وغيرِهِ، أنَّهُ كان يجمعُ بينَهما (٢) مُسافِرًا في وَقْتِ إحداهُما. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا يزيدُ بن خالدٍ الرَّمليُّ، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بن فَضالةَ

стр. 4261

واللَّيثُ (١) بن سعدٍ، عن هشام بن سَعْدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن أبي الطُّفيلِ، عن مُعاذِ بن جبل: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان في غَزْوةِ تبُوكَ إذا زاغتِ الشَّمسُ قبلَ أن يَرْتحِلَ، جمعَ بين الظُّهرِ والعصرِ، وإن تَرَحَّل (٢) قبلَ أن تَزِيغَ الشَّمسُ، أخَّر الظُّهرَ حتّى ينزِلَ للعَصْرِ، وفي المغرِبِ مثلَ ذلكَ، إن غابتِ الشَّمسُ قبلَ أن يرتحِلَ، جمعَ بين المغرِبِ والعِشاءِ، وإن تَرَحَّلَ (٣) قبلَ أن تَغِيبَ الشَّمسُ، أخَّر المغرِبَ حتّى ينزِلَ للعِشاءِ، ثُمَّ يجمعَ بينَهُما. قال أبو داود: رواهُ ابنُ أبي فُدَيكٍ، عن هشام بن سَعْدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، بإسنادِهِ، هذا على (٤) معنى حَديثِ مالكٍ. قال: ورَوَى هشامُ بن عُروةَ، عن حُسَينِ بن عبدِ الله، عن كُرَيبٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ نحوَ حديثِ المُفضَّلِ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن

стр. 4262

أبي الطُّفَيلِ عامرِ بن واثِلةَ، عن مُعاذِ بن جَبَل: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان في غَزْوةِ تبُوكَ، إذا ارْتَحلَ قبلَ أن تَزِيغَ الشَّمسُ، أخَّر الظُّهرَ حتّى يَجْمَعها إلى العَصْرِ، فيُصَلِّيَهُما جميعًا، وإذا ارْتَحلَ بعد زَيْغ الشَّمسِ، صلَّى الظُّهرَ والعَصْرَ جميعًا، ثُمَّ سارَ، وكذلك إذا ارْتَحلَ قبلَ المغرِبِ، أخَّر المغرِبَ حتّى يُصلِّيَها مع العِشاءِ، وإذا ارْتَحلَ بعد المغرِبِ، عَجَّلَ العِشاءَ فصلّاها مع المغرِبِ. ولمالكٍ ﵀، عن أبي الزُّبيرِ، حديثٌ غريبٌ صحيحٌ، ليسَ في "المُوطَّأ" عِندَ أحدٍ من رُواتِهِ، فيما علِمتُ، والله أعلمُ، وهُو حديثٌ يدخُلُ في هذا البابِ. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى عبدُ الله بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن محمدٍ الجارِيُّ (١)، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الدَّراورديُّ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ غَرَبتْ لهُ الشَّمسُ بمَكّةَ، فجمعَ بينهُما. يعني: المغرِبَ والعِشاءَ بسَرِف (٢). وقال الدّارقُطنيُّ: تابَعهُ على هذا الحديثِ عن مالكٍ، قُدامةُ بن شِهاب. حدَّثناهُ الحسنُ بن إسماعيلَ المحامِليُّ القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن شَبِيب، قال: حدَّثنا قُدامةُ بن شِهاب، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ غَرَبت لهُ الشَّمسُ بمكّةَ، فصلّاها بسَرِفٍ، وذلك تِسعةٌ أميال. وفي هذا الحديثِ أيضًا: تقدُّمُ الإمام إلى أهلِ العَسْكرِ بالنَّهي عمّا يُريدُ، وإن خالَفهُ مُخالِفٌ، كان لهُ مُعاقبتهُ بما يكونُ تأديبًا لمِثلِهِ، وردعًا عن مِثلِ فِعلِهِ، ألا

стр. 4263

تَرى أنَّ رسُولَ الله ﷺ مع حِلْمِهِ وما كان عليه من الخُلُقِ العظيم، كيف سبَّ الرَّجُلينِ، فقال لهُما ما شاءَ اللهُ أن يقولَ، إذ خالفاهُ، وأتيا ما نَهَى عنهُ؟ وفيه: عَلَمٌ عظيمٌ من أعلام نُبُوَّتِهِ، إذ غسَلَ وجهَهُ ويَدَيهِ بقليلِ ماءِ تلك العَيْنِ، ثُمَّ صبَّهُ فيها، فجَرتِ العينُ بماءٍ كثيرٍ عَمَّهُم وفضَلَ عنهُم، وتمادَى إلى الآنِ، ويَتَمادَى إلى قيام السّاعةِ إن شاءَ الله، وهكذا النُّبُوَّةُ. وأمّا السِّحرُ فلا يَبْقَى بعد مُفارقةِ عينِ صاحِبِهِ ألبتَّةَ، وهذا ما لا يَدْفعُهُ مُسلمٌ. وحدَّثني أحمدُ بن محمدٍ وسعيدُ بن نَصرٍ وأحمدُ بن قاسم، قالوا: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: أنا رأيتُ ذلكَ المَوْضِعَ كلَّهُ حَوالَيْ تلكَ العينِ جِنانًا خَضِرةً نَضِرةً. وفيه: إخبارُهُ ﷺ بغَيْبٍ كان بعدهُ، وهذا غيرُ عجِيبٍ منهُ، ولا مجهُولٍ من شأنِهِ ﷺ وعلا (١) ذِكرُهُ. وأمّا قولُهُ في الحديثِ: "والعينُ تبِضُّ بشيءٍ من ماءٍ" فمعناهُ أنَّها كانت تَسيلُ بشيءٍ من ماءٍ ضَعِيفٍ. قال حُميدُ بن ثور (٢): مُنعَّمةٌ لو يُصبِحُ الذَّرُّ ساريًا ... على جِلدِها بضَّت مَدارِجُهُ دما وتقولُ العَرَبُ للموضِع حين يَنْدَى: قد بضَّ، وتقولُ: ماءٌ بَضَّ بقَطْرةٍ. وهذه الرِّوايةُ الصحيحةُ المشهُورةُ في "المُوطَّأ": تَبِضُّ، بالضّادِ المنقوطةِ، ومن رواهُ بالصادِ، وضمِّ الباءِ، فمعناهُ أنَّهُ كان يُضيءُ فيها شيءٌ من الماءِ ويَبْرُقُ، ويُرَى لهُ بَصِيصٌ، أو شيءٌ من بَصِيصٍ، وعلى هذهِ الرّوايةِ الأُولى النّاسُ.

стр. 4264

حديثٌ ثامنٌ لأبي الزُّبَيرِ مالكٌ (١)، عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنَّهُ قال: صلَّى رسُولُ الله ﷺ الظُّهرَ والعصرَ جميعًا، والمغرِبَ والعشاءَ جميعًا، في غيرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ. قال مالكٌ: أرَى ذلك كان في مَطَرٍ. أمّا سعيدُ بن جُبيرٍ، فأحدُ العُلماءِ الفُضَلاءِ من التّابِعين، قَتَلهُ الحجّاجُ صبرًا سنةَ أربَع وتِسعينَ وهُو ابنُ تِسع وأربعينَ سنةً، وهُو مولى لبَني أسدٍ، ولهُ أخبارٌ يطُولُ ذِكرُها، وكان فقيهًا فاضِلًا، شديدًا على السُّلطانِ في تَغييرِ المُنكِرِ. وهذا (٢) حديثٌ صحيحٌ إسنادُهُ ثابتٌ، رواهُ جماعةٌ عن أبي الزُّبيرِ، كما رواهُ مالكٌ، منهُم: حمّادُ بن سَلَمةَ (٣) وغيرُهُ، ولم يتأوَّلُوا فيه المطر. ورواهُ قُرَّةُ بن خالدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، فقال فيه: في سَفْرةٍ سافَرَها إلى تبُوكَ (٤). ذكر أبو داود (٥). وقد تقدَّمَ القولُ في جمع الصَّلاتينِ في السَّفرِ. وأمّا في الحَضَرِ، فأجمَعَ العُلماءُ على أنَّهُ لا يجُوزُ الجَمْعُ بين الصَّلاتينِ في الحَضَرِ لغيرِ عُذرٍ على حالٍ البتَّةَ، إلّا طائفةً شذَّتْ، سنُورِدُ ما إليه ذَهَبت إن شاءَ الله.

стр. 4265

ورَوَينا عن النَّبيِّ ﷺ ، من حديثِ ابن عبّاسٍ أنَّهُ قال: "الجمعُ بين الصَّلاتينِ في الحَضَرِ لغيرِ عُذرٍ، من الكَبائرِ" (١). وهُو حديثٌ ضعيفٌ (٢). واختلفُوا في عُذرِ المَرَضِ والمطَر (٣). فقال مالكٌ وأصحابُهُ: جائزٌ أن يُجمعَ بين المغرِبِ والعِشاءِ ليلةَ المطرِ. قال: ولا يُجمَعُ بين الظُّهرِ والعصرِ في حالِ المطرِ. قال: ويُجمَعُ بين المغرِبِ والعشاءِ، وإن لم يكُن مطرٌ، إذا كان طينًا وظُلْمةً (٤). هذا هُو المشهُورُ من مَذْهبِ مالكٍ في مَساجِدِ الجَماعاتِ في الحَضَرِ، وما يُنتابُ منها من المَواضِع البَعِيدةِ التي في سُلُوكِها مَشقَّةٌ. وقال مرَّةً: يَنْصرِفُونَ مع مَغِيبِ الشَّفَقِ، يُؤَخَّرُ المغرِبُ حتّى يُؤَذَّنَ لها ويُقامُ فتُصلَّى، ثُمَّ يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ في المسجِدِ للعِشاءِ ويُقيمُونها وتُصلَّى، ثُمَّ ينصرِفُونَ مع مَغِيبِ الشَّفقِ. وقال مرَّةً أُخرى: ينصرِفُون وعليهم إسفارٌ (٥). وروى زيادُ بن عبدِ الرَّحمنِ المعرُوفُ بشَبْطُونَ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: لا يُجمَعُ بين الصَّلاتينِ ليلةَ المطرِ في شيءٍ من المَواضِع إلّا بالمدينةِ، لفَضْلِ مَسْجِدِ رسُولِ الله ﷺ ، ولأنَّهُ ليسَ هُناك مَسْجِدٌ غيرُهُ، وهُو يُقصَدُ من بُعد (٦).

стр. 4266

ورُوِيَ عن ابن عُمرَ (١)، وأبانَ بن عُثمانَ، وعُرْوةَ بن الزُّبيرِ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، وأبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، وأبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، ومَرْوانَ، وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ (٢) أنَّهُم كانوا يجمعُونَ بين الصَّلاتينِ ليلةَ المطرِ، وبه قال أحمدُ بن حَنْبل وإسحاقُ بن راهُوْيَة. ورَوَى عبدُ الرَّحمنِ بن مهديٍّ، عن سُليمانَ (٣) بن بلالٍ، عن هشام بن عُروةَ قال: رأيتُ أبانَ بن عُثمانَ يجمعُ بين الصَّلاتينِ في اللَّيلةِ المَطِيرةِ، فيُصلِّيها مَعهُ عُروةُ بن الزُّبيرِ، وسعيدُ بن المُسيِّبِ، وأبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، وأبو بكر بن عبدِ الرَّحمنِ لا يُنكِرُونهُ (٤). وقال عُبيدُ الله بن عُمر: رأيتُ سالمًا والقاسم يُصلِّيانِ معهُم - يعني الأُمراءَ - في اللَّيلةِ المطيرةِ. وروى أبو عَوانةَ، عن عُمرَ بن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ قال: من السُّنّةِ إذا كان يومٌ مَطِيرٌ، أن يُجمعَ بين المغرِبِ والعِشاءِ. قال: وكان يُصلِّي المغرِب، ثُمَّ يمكُثُ هُنيَّةً (٥)، ثُمَّ يُصلِّي العِشاءَ. وقال أبو بكرٍ الأثرمُ (٦): سألتُ أحمدَ بن حَنْبل: أيُجمَعُ بين الصَّلاتينِ في المطر؟ قال: نعم، المَغْرِبِ والعِشاءِ. قلتُ لهُ: بعد مَغِيبِ الشَّفقِ؟ قال: لا، إلّا قبلُ، كما صنَعَ ابنُ عُمرَ.

стр. 4267

وقال الأثرمُ (١): قلتُ لأبي عبدِ الله، يعني أحمدَ بن حَنْبل: يُجمعُ بين الصَّلاتينِ، الظُّهر والعصر في المطرِ؟ قال: ما سمِعتُ، قلتُ لهُ: فالمغرِبِ والعشاءِ؟ قال: نعم. قلتُ لهُ: فسُنّةُ الجمع بين المغرِبِ والعشاءِ عِندكَ مغيبُ الشَّفقِ؟ قال: نعم، وفي السَّفرِ يُؤَخَّرُ حتّى يغيبَ الشَّفقُ. وقال الشّافِعيُّ: يُجمعُ بين الظُّهرِ والعَصر، وبين المغرِبِ والعشاءِ في المطرِ، إذا كان المطرُ قائمًا دائمًا، ولا يُجمَعُ في غيرِ حالِ المطرِ (٢). وبه قال أبو ثَوْرٍ، والطَّبريُّ، لحديثِ ابن عبّاسٍ هذا: أنَّ رسُولَ الله ﷺ جمَعَ بين الظُّهرِ والعصرِ، وبينَ المغرِبِ والعِشاءِ، في غيرِ خَوْفٍ ولا سفرٍ. وتأوَّلُوا ذلكَ في المطرِ (٣). وقال أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ (٤): لا يَجمَعُ أحدٌ بينَ الصَّلاتينِ في المَطَرِ، لا الظُّهرَ والعصرَ، ولا المغرِبَ والعشاءَ. وهُو قولُ اللَّيثِ بن سعدٍ، وأكثرِ أصحابِ داود. ومن حُجَّتِهِم: أنَّ حديثَ ابن عبّاسٍ هذا، ليسَ فيه صِفةُ الجَمْع، ويُمكِنُ أن يكونَ أخَّرَ الظُّهرَ إلى آخِرِ وقتِها، وجمعَ بينها وبين العصرِ في أوَّلِ وَقْتِها، وصنَعَ كذلك بالمغرِبِ والعِشاءِ، وهذا قد يُسمَّى جمعًا. قالوا: ولسنا نُحيلُ أوقاتِ الحَضَرِ، إلّا بيقينٍ. وقالت طائفةٌ: الجَمْعُ بين الصَّلاتينِ مُباحٌ في الحَضَر، وإن لم يكُن مَطرٌ، إذا كان عُذرٌ يَحرُجُ به صاحِبُهُ ويشُقُّ عليه، واحْتَجُّوا بأنَّهُ رُوِيَ عن ابن عبّاسٍ في هذا الخبرِ: في غيرِ خوفٍ ولا مَطَرٍ. وأنَّهُ قيل لهُ: لِمَ فعل ذلك يا ابنَ عبّاسٍ؟ قال: أرادَ أن لا يُحرِجَ أُمَّتَهُ.

стр. 4268

أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: جمَعَ رسُولُ الله ﷺ بينَ الظُّهرِ والعَصْرِ، والمغرِبِ والعِشاءِ بالمدينةِ من غَيْرِ خوفٍ ولا مَطَرٍ. قيل لابنِ عبّاسٍ: ما أرادَ إلى ذلكَ؟ قال: أرادَ أن لا يُحرِجَ أُمَّتَهُ. قال أبو عُمر: هكذا يقولُ الأعمشُ في هذا الحديثِ: عن حَبِيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: من غَيرِ خَوْفٍ ولا مَطَرٍ. وحديثُ مالكٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال فيه: من غَيرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ. وهُو الصَّحيحُ فيه، إن شاءَ الله، والله أعلمُ. وإسنادُ حديثِ مالكٍ عِندَ أهلِ الحديثِ والفِقهِ، أقْوَى وأولى. وكذلك رواهُ جماعةٌ عن أبي الزُّبيرِ، كما رواهُ مالكٌ: من غيرِ خوفٍ ولا سَفَرٍ. منهُم: الثَّوريُّ وغيرُهُ، إلّا أنَّ الثَّوريَّ لم يتأوَّلْ فيه المَطَر، وقال فيه: لئلّا يُحرِجَ أُمَّتهُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُونُسَ الكُدَيْميُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّوريُّ، عن أبي الزُّبيرِ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: جمَعَ رسولُ الله ﷺ بين الظُّهرِ والعَصْرِ بالمدينةِ، من غَيْرِ خوفٍ ولا سَفَرٍ. قال: قلتُ: فلِمَ فعلَ ذلك؟ قال: أن لا يُحرَجَ أحدٌ من أُمَّتِه (٢).

стр. 4269

ورواهُ صالحٌ مولى التَّوأمةِ، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، فقال فيه: من غيرِ خَوْفٍ ولا مَطَر (١). وصالحٌ مولى التَّوأمةِ ضعيفٌ لا يُحتجُّ به (٢)، والله أعلمُ. وكان ابنُ سيرين لا يرى بأسًا أن يُجمَعَ بينَ الصَّلاتينِ، إذا كانتْ (٣) حاجَةٌ، أو شيءٌ، ما لم يتَّخِذْهُ عادةً. وأجمعَ المُسلمُونَ: أنَّهُ ليسَ لمُسافِرٍ، ولا مَرِيضٍ، ولا في حالِ المَطَرِ، أن (٤) يَجمَعُ بين الصُّبح والظُّهرِ، ولا بين العَصْرِ والمغرِبِ، ولا بين العِشاءِ والصُّبح، وإنَّما الجمعُ بين صَلاتي الظُّهرِ والعَصْرِ، وبين صَلاتي المغرِبِ والعِشاءِ، صلاتي النَّهارِ، وصلاتي اللَّيل؛ لأنَّ الصَّلاتينِ منهُما مُشْترِكتانِ في الوقتِ للمُسافِرِ وصاحِبِ العُذرِ، ألا تَرى اشتِراكهُما للحائضِ تطهُرُ، والمُغمَى عليه يُفيقُ، ونحوِهما؟ وأجمعُوا أنَّ الصُّبحَ لا يُجمعُ مع غَيْرِها أبدًا في حالٍ من الأحوالِ. وقال أشْهَبُ، من رأيهِ: لا بأسَ بالجَمْع بين الصَّلاتينِ، كما جاءَ في الحديثِ: من غيرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ. وإن كانتِ الصَّلاةُ في أوَّلِ الوقتِ أفضل. وهذا يحتمِلُ عِندي أن يكونَ على مَذْهبِهِم في الجمع، في تأخيرِ الأُولى، وتقديم الثّانية.

стр. 4270

وقد حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا الخضِرُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سمِعتُ أحمد بن حَنْبل يُسألُ: ما وَجْهُ حديثِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ جمَعَ بين الظُّهرِ والعصرِ، والمغرِب والعشاءِ بالمَدِينةِ؟ فقال: أليسَ قد قال ابنُ عبّاسٍ: لئلّا يُحرِجَ أُمَّتَهُ. إن قدَّم رجُلٌ، أو أخَّر نحوَ هذا. قال أبو بكرٍ: وأخبرنا عبدُ السَّلام بن أبي قَتادةَ، أنَّهُ سمِعَ أبا عبدِ الله يقولُ: هذه عِنْدِي رُخصةٌ للمَريضِ والمُرضِع. قال أبو عُمر: قد يحتملُ أن يكونَ جمعَ بينهُما، بأن صلَّى الأُولَى في آخِرِ وَقْتِها، وصلَّى الثّانيةَ في أوَّلِ وَقْتِها، فكانت رُخصةً في التَّأخيرِ بغيرِ عُذرٍ إلى آخِرِ الوقتِ للسَّعةِ، والله أعلمُ. وقد رَوَينا نحوَ هذا خبرًا، وإن كان في إسنادِهِ نظرٌ. حدَّثنا سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحَيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسَينِ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بن يحيى الأُشنانيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّوريُّ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ جمَعَ بين الظُّهرِ والعصرِ، والمغرِبِ والعَشاءِ بالمدينةِ، من غَيْرِ خَوْفٍ ولا عِلَّةٍ، للرُّخْصة (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا سُلَيمانُ بن حربٍ ومُسدَّدٌ وعَمرُو بن عَوْنٍ، قالوا: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابرِ بن زيدٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: صلَّى بنا

стр. 4271

رسُولُ الله ﷺ بالمَدينةِ ثمانيًا وسبعًا، الظُّهرَ والعَصْرَ، والمغرِبَ والعِشاءَ. ولم يقُل سُليمانُ ومُسدَّدٌ: بنا. قال أبو عُمر: رواهُ ابنُ عُيَينةَ، وهُو أثبتُ النّاسِ في عَمرِو بن دينارٍ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابر بن زَيْد (١)، عن ابن عبّاسٍ مِثلَهُ، وزادَ قال عَمرٌو: قلتُ لأبي الشَّعثاءِ: أظُنُّ أخَّر الظُّهرَ، وعجَّلَ العصرَ، وأخَّرَ المغرِبَ، وعجَّل العِشاءَ؟ قال: وأنا أظُنُّ ذلك (٢). فهَذا على ما ذكَرْنا، ومن رَوَى حديثًا كان أعلمَ بمَخْرِجِهِ، وسنذكُرُ حديثَ ابن عُيينةَ فيما بعدُ إن شاءَ الله. واختلفُوا أيضًا في جَمْع المريضِ بين الظُّهرِ والعَصْرِ، والمغرِبِ والعِشاءِ. فقال مالكٌ: إذا خافَ المريضُ أن يُغلَب على عَقلِهِ، جَمعَ بين الظُّهرِ والعصرِ عِندَ الزَّوالِ، وبين العِشاءَينِ عِندَ الغُرُوبِ. قال: فأمّا إن كان الجمعُ أرفقَ به، لشِدَّةِ مرضٍ، أو بطنٍ، يعني: ولم يَخْشَ أن يُغلَبَ على عقلِهِ، فليَجْمَعْ بينهُما في وسَطِ وقتِ الظُّهرِ، وعِند غيبُوبةِ الشَّفق (٣). قال مالكٌ: والمريضُ أوْلَى بالجمع من المُسافِرِ وغيرِهِ، لشِدَّةِ ذلكَ عليه. قال مالكٌ: وإن جمعَ المريضُ بين الصَّلاتينِ، وليسَ بمُضطرٍّ إلى ذلكَ، أعادَ، ما دامَ في الوقتِ، فإن خرجَ الوقتُ، فلا شيءَ عليه (٤). وقال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُويَةَ: يجمعُ المريضُ بين الصَّلاتينِ (٥).

стр. 4272

وكان الشّافِعيُّ ﵀، لا يَرَى أن يَجمَعَ المريضُ بين الصَّلاتينِ (١). وقال اللَّيثُ: يجمعُ المريضُ والمبطُونُ (٢). وقال أبو حَنِيفةَ (٣): يجمعُ المريضُ بين الصَّلاتينِ كجَمْع المُسافِرِ عِندَهُ، على ما قدَّمنا ذِكرَهُ في (٤) البابِ قبلَ هذا عنهُ: يُصلِّي الظُّهرَ في آخِرِ وقتِها، والعصرَ في أوَّلِ وقتِها. لا يجُوزُ لهُ، ولا للمُسافِرِ عِندهُ وعِندَ أصحابِهِ غيرُ هذا، وأمّا في المطرِ، فلا يُجمَعُ عِندهُم على حال، ومن حُجَّتِهِم: ما حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابرِ بن زيدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: صَلَّينا مع النَّبيِّ ﷺ ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا. قال عمرٌو: قلتُ: يا أبا الشَّعثاءِ، أظُنُّهُ أخَّر الظُّهرَ وعجَّلَ العصرَ (٥)، وأخَّرَ المغرِبَ وعجَّلَ العِشاءَ؟ قال: أنا أظُنُّ ذلكَ (٦). رواهُ قُتَيبةُ بن سعيدٍ، عن ابن عُيينةَ، بإسنادِهِ مِثلهُ، فأقحَمَ (٧) في الحديثِ قولَ أبي الشَّعْثاءِ وعَمرِو بن دينارٍ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 4273

شُعَيب، قال (١): حدَّثنا قُتيبةُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابرِ بن زَيْدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: صَلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ بالمدينةِ ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، أخَّر الظُّهرَ، وعجَّلَ العصرَ، وأخَّرَ المغرِبَ، وعجَّل العِشاءَ. قال أبو عُمر: الصَّحيحُ في حديثِ ابن عُيينةَ هذا، غيرُ ما قال قُتَيبةُ، حينَ جعلَ التَّأخيرَ والتَّعجيلَ في الحديثِ، وإنَّما هُو ظنُّ عَمرٍو وأبي الشَّعثاءِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، قال: أخبرني جابرُ بن زيدٍ، قال: سَمِعتُ ابنَ عبّاسٍ يقولُ: صَلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ بالمدينةِ ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا. قلتُ لهُ: يا أبا الشَّعثاءِ، أظُنُّهُ أخَّرَ الظُّهرَ وعجَّلَ العصرَ، وأخَّرَ المغرِبَ، وعجَّلَ العشاءَ؟ قال: وأنا أظُنُّ ذلك. قال أبو عُمر: هذا جمعٌ مُباحٌ في الحَضَرِ والسَّفرِ، إذا صلَّى الأُولى في آخِرِ وقتِها، وصلَّى الثّانيةَ في أوَّلِ وقتِها؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قد صلَّى به جِبريلُ ﵇، وصلَّى هُو بالنّاسِ في المَدِينةِ، عِندَ سُؤالِ السّائلِ عن وَقْتِ الصَّلاةِ، فصلَّى في آخِرِ وقتِ الصَّلاةِ، بعد أن صلَّى في أوَّلهِ، وقال للسّائلِ: "ما بينَ هَذَينِ وقتٌ" (٣). وعلى هذا تصِحُّ رِوايةُ من رَوَى: لئلّا يُحرِجَ أُمَّتَهُ. ورِوايةُ من رَوى: للرُّخصةِ. وهذا جمعٌ جائزٌ في الحَضَرِ وغَيرِ الحضرِ، وإن كانتِ الصَّلاةُ في أوَّلِ وَقْتِها أفضلَ، وهُو الصَّحيحُ في معنى حديثِ ابن عبّاسٍ لمن (٤) لم يتأوَّلْ فيه المطرَ، وتأوَّلَ ما قال أبو الشَّعثاءِ وعَمرُو بن دينارٍ، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 4274

مالكٌ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ (١) مدنيٌّ، تابِعيٌّ، ثِقةٌ فاضِلٌ، وهُو محمدُ بن المُنكدِرِ بن عبدِ الله بن الهُدَيرِ بن عبدِ العُزَّى، ويُقالُ: الهُديرُ بن مُحرِزِ بن عبدِ العُزَّى بن عامرِ بن الحارِثِ بن حارِثةَ بن سَعْدِ بن تَيْم بن مُرَّةَ القُرَشيُّ التَّيميُّ، يُكْنَى أبا عَبدِ الله، وقيل: يُكْنَى أبا بكرٍ، وأُمُّهُ أُمُّ ولدٍ، وكان من فُضَلاءِ هذهِ الأُمَّةِ وعُبّادِها وفُقَهائها وخيارِها، كان أهلُ المدينةِ يقولونَ: إنَّهُ كان مُجابَ الدَّعوةِ، وكان مُقِلًّا، وكان مع ذلك جَوادًا. تُوفِّي بالمدينةِ سنةَ ثلاثينَ ومئةٍ، أو إحْدَى وثلاثينَ ومئةٍ. وذكر الأُوَيسيُّ عن مالكٍ، قال: كان محمدُ بن المُنكدِرِ سيِّدَ القُرّاءِ، وكان كثيرَ البُكاءِ عِندَ الحديثِ، وكُنتُ إذا وجدتُ من نَفْسي قَسْوةً آتيهِ فأنظُرُ إليه، فأتَّعِظُ به وأنتفِعُ بنفسي أيّامًا، وكان كثيرَ الصلاةِ باللَّيلِ. قال أبو جَعْفرٍ الطَّبَريُّ: كان محمدُ بن المُنكدِرِ ثِقةً كثيرَ الحديثِ، أمينًا على ما رَوَى ونَقَلَ من أثرٍ في الدِّينِ. قال أبو عُمر: لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" من حديثِ رسُولِ الله ﷺ خَمْسةُ أحاديث، منها أربعةٌ مُسْندةٌ، وواحِدٌ مُرسلٌ.

стр. 4275

حديثٌ أوَّلُ لمحمدِ بن المُنكدِرِ مالكٌ (١)، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ أعرابيًّا بايَعَ رسُولَ الله ﷺ على الإسلام، فأصابَ الأعْرابيَّ وَعْكٌ (٢) بالمدينةِ، فأتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسُولَ الله، أقِلْني بَيْعتي، فأبَى، ثُمَّ جاءَهُ، فقال: أقِلْني بَيْعتي، فأبَى، ثُمَّ جاءَهُ، فقال: أقِلْني بَيْعتي، فأبَى، فخرَجَ الأعرابيُّ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما المدينةُ كالكيرِ تَنْفي خَبَثَها، ويَنْصَعُ طيبُها". هكذا رواهُ جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ فيما عَلِمتُ بهذا اللَّفظِ (٣)، إلّا عبدَ الله بن إدريسَ، فإنَّهُ قال فيه عن مالكٍ بإسنادِهِ: "إنَّها طيِّبةٌ تَنْفي الخبَثَ". وقولُهُ في الحديثِ: "طيِّبةٌ" غريبٌ، لم يقُلْهُ فيه غيرُهُ، واللهُ أعلمُ. قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ من العِلم: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُبايعُ النّاس على حُدُودِ الإسلام، ومعنى ذلكَ: أنَّهُ كان يُبايعُهُم على شُرُوطِ الإسلام ومَعالِمِهِ،

стр. 4276

وهذا معرُوفٌ في غيرِ ما حديثٍ، وكان ذلكَ الوقتَ من حُاودِ الإسلام وفَرائضِهِ: البَيْعةُ على هِجْرةِ الأوطانِ، والبَقاءِ معَ النَّبيِّ ﷺ ، ولذلكَ كان قطعُ الله وَلايةَ المُؤمنينَ المُهاجِرينَ مِمَّن لم يُهاجِرْ منهُم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. وقال رسُولُ الله ﷺ : "أنا بريءٌ من كلِّ مُسْلم باقٍ مع مُشْرِك" (١). وكان يَشترِطُ عليهمُ السَّمعَ والطّاعةَ، في العُسرِ واليُسرِ، والمَنْشَطِ والمَكْرهِ، إلى أشياءَ كثيرةٍ كان يَشْترِطُها، قد وردَ في الآثارِ ذِكرُها: كبَيْعة النِّساءِ (٢) وغيرِها. وقد وردَ القُرآن (٣) بنصِّ بَيْعتِهِ للنِّساءِ المهاجِراتِ وسكَتَ عن الرِّجالِ، لدُخُولهِم في المعنى، كدُخُولِ من أُحصنَ من الرِّجالِ، في قولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] ومِثلُ هذا كثيرٌ. وقد ذكرَ جريرٌ: أنَّهُ اشترطَ عليهمُ النُّصحَ لكلِّ مُسْلم (٤). ومعنى هذه المُبايعةِ، واللهُ أعلمُ، الإعلامُ بحُدُودِ الإسلام وشَرائعِهِ وآدابِه. وقال الشّافِعيُّ ﵀: أمّا بيعةُ النِّساءِ، فلم يَشْترِط فيها السَّمعَ والطّاعةَ؛ لأنَّهُنَّ ليسَ عليهنَّ جِهادُ كافِرٍ ولا باغ، وإنَّما كانت بَيْعتُهُنَّ على الإسلام وحُدُودِهِ.

стр. 4277

قال أبو عُمر: قد كانتِ البيعةُ على وُجُوهٍ: منها: أنَّها كانت أوَّلًا على القِتالِ، وعلى أن يَمْنعُوهُ مِمّا يمنعُونَ منهُ أنفُسهُم وأبناءَهُم ونِساءَهُم، وعلى نحوِ ذلك كانت بَيْعةُ العَقَبةِ الثّانيةُ قبلَ الهِجْرةِ. ثُمَّ لمّا هاجَرَ رسُولُ الله ﷺ إلى المدينةِ، بايعَ النّاسَ على الهِجْرةِ، وقال: "أنا بَرِيءٌ من كلِّ مُسْلم مع مُشرِك" (١)، فكان على النّاسِ فرضًا أن يَنْتقِلُوا إلى المدينةِ، إذ لم يكُن للإسلام دارٌ (٢) ذلكَ الوقتَ غيرَها، ويَدَعُوا دارَ الكُفرِ. وعلى هذا، واللهُ أعلمُ، كانت بيعةُ هذا الأعرابيِّ المذكُورِ في هذا الحديثِ على (٣) الإسلام والهِجرةِ، فلمّا لحِقهُ من الوَعْكِ ما لحِقهُ، تَشاءَم بالمدينةِ وخرجَ عنها، مُنصرِفًا إلى وَطنِهِ من أهلِ الكُفرِ، ولم يَكُن مِمَّن رسخَ الإيمانُ في قلبِهِ، ورُبَّما كان من جِنْس الأعرابِ الذين قال الله فيهم: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]. ولمّا فُتِحت مكّةُ، لم يُبايعْ رَسُولُ الله ﷺ أحدًا على الهِجْرةِ، وإنَّما كانتِ البَيْعةُ على الإقامَةِ بدارِ الهِجْرةِ قبلَ أن يفتحَ الله على رسُولِهِ مكّةَ. وكان المعنى في البَيْعةِ على الهِجْرةِ: الإقامةُ بدارِ الهِجْرةِ، وهي المدينةُ، عندَ (٤) رسُولِ الله ﷺ في حَياتِهِ، حتَّى يَصْرِفَهُم فيما يحتاجُ إليه من غَزْوِ الكُفّارِ، وحِفْظِ المدينةِ، وسائرِ ما يُحتاجُ إليه.

стр. 4278

وكان خُرُوجُهُم راجِعينَ إلى دارِ أعرابيَّتِهِم حَرامًا عليهم؛ لأنَّهُم كانوا يكونون بذلك مُرتدِّينَ إلى الأعرابيَّةِ من الهِجْرةِ، ومن فعلَ ذلكَ كان ملعُونًا على لِسانِ رسولِ الله ﷺ . ألا تَرى إلى حديثِ شُعْبةَ (١) والثَّوريِّ (٢)، عن الأعْمَشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن الحارِثِ بن عبدِ الله، عن عبدِ الله بن مَسْعُودٍ، قال: آكِلُ الرِّبا، ومُوكِّلُهُ وكاتِبُهُ وشاهِداهُ إذا عَلِمُوا به، والواشِمةُ والمُسْتوشِمةُ للحُسْنِ، ولاوي الصَّدَقةِ، والمُرتدُّ أعرابيًّا بعد هِجْرتِهِ، ملعُونُونَ على لِسانِ محمدٍ ﷺ يومَ القيامة؟ ورُوي عن عُقبةَ بن عامرٍ الجُهنيِّ، قال: بَلَغني قُدُومُ النَّبيِّ ﷺ المدينةَ وأنا في غُنَيمةٍ لي، فرفَضتُها، ثُمَّ أتيتُهُ فقلتُ: جِئتُ أُبايعُكَ، فقال: "بيعةً أعرابيَّةً، أو بيعةَ هِجْرةٍ؟ " قلتُ: بَيْعةَ هِجْرةٍ. قال: فبايعتُهُ وأقمتُ (٣). قال أبو عُمر: ففي قولِ عُقبةَ في هذا الحديثِ: فبايَعتُهُ وأقمتُ، دليلٌ على أنَّ البَيْعةَ على الهِجرةِ تُوجِبُ الإقامةَ بالمدينةِ، وأنَّ البَيْعةَ الأعرابيَّةَ بخِلافِها (٤)، لا تُوجِبُ الإقامَةَ بالمدينةِ على أهْلِها، ويدُلُّك على ذلك، أنَّ مالكَ بن الحُوَيرِثِ وغيرَهُ من الأعْرابِ بايَعُوا رسُولَ الله ﷺ وأقامُوا عِندهُ أيّامًا، ثُمَّ رَجَعُوا إلى بلادِهِم، وقال

стр. 4279

لهُم رسولُ الله ﷺ : "ارْجِعُوا إلى أهليكُم، فأقيمُوا فيهم، وعَلِّمُوهُم، وصلُّوا كما رأيتُمُوني أُصلِّي" (١). وهذا الأعرابيُّ المذكُورُ في حديثِ مالكٍ، كان واللهُ أعلمُ، مِمَّن بايَعَ رسولَ الله ﷺ على المُقام بدارِ الهِجْرةِ، فمنْ هُنا أبَى رسُولُ الله ﷺ من إقالَةِ بَيْعتِهِ. وفي إباءِ رسولِ الله ﷺ من إقالَةِ البَيْعةِ، دليلٌ على أنَّ من العُقودِ عُقودًا إلى المرءِ عَقدُها، وليسَ لهُ حلُّها ولا نَقْضُها، وذلك أنَّ من عقَدَ عقدًا، يجِبُ عَقْدُهُ، ولا يحِلُّ نَقْضُهُ، لم يجُزْ لهُ أن يَنْقُضَهُ، ولم يحِلَّ لهُ فسخُهُ، وإن كان الأمرُ كان إليه في العقدِ، فليسَ إليه ذلك في النَّقضِ. وليسَ كلُّ ما للإنسانِ عَقدُهُ، لهُ فَسْخُهُ، ولم يَكُنْ لرسُولِ الله ﷺ أن يُقيلَهُ بَيْعَتهُ؛ لأنَّ الهِجْرةَ كانت مُفتَرضةً يومَئذٍ، كما لم يكُنْ لهُ أن يُبيحَ لهُ شيئًا حَظَرتْهُ عليه الشَّريعةُ إذا دخَلَ فيها، ولَزِمتهُ أحكامُها إلّا بوَحي من الله، وأمّا من بَعدَهُ، فليسَ ذلك حُكْمَهُ بوَجْهٍ من الوُجُوهِ، لأنَّ الوَحْيَ بعدَهُ قدِ انْقَطعَ ﷺ . وفي هذا الحديث: بيانُ فَضْلِ المدينةِ، وأنَّها بُقعةٌ مُبارَكةٌ لا يَسْتوطِنُها إلّا المَرْضيُّ من النّاس، وهذا عِنْدي إنَّما كان بالنَّبيِّ ﷺ مُنذُ نَزَلَها، وقد كانت قبلَهُ كسائرِ ديارِ الكُفْرِ، ولمّا تُوفِّي رسُولُ الله ﷺ بَقِيَ فضلُ قبرِهِ ومَسْجِدِهِ، والمدينةُ لا يُنكَرُ فضلُها.

стр. 4280

وأمّا قولُهُ: "تَنْفي خَبَثَها، وينصَعُ طِيبُها"، فمعناهُ أنَّها تَنْفي حُثالةَ النّاس، ولا يَبْقَى فيها إلّا الطَّيِّبُ الذي اختارَهُ الله ، لصُحبةِ نَبيِّهِ ﷺ ، والخَبَثُ: رذالةُ الحَديدِ ووَسَخُهُ الذي لا يثبُتُ عِندَ النّار. وأمّا قولُهُ: "ويَنْصَعُ" فإنَّهُ يعني: يَبْقَى ويثبُتُ ويَظْهرُ، وأصلُ النُّصُوع في الألوان: البَياضُ، يُقالُ: أبيضُ ناصِعٌ، ويَقَقٌ (١)، كما يُقالُ: أحمرُ قانِئٌ، وأسودُ حالِكٌ، وأصفرُ فاقِعٌ، والمُرادُ بهذه الكلماتِ: الثُّبُوتُ والصِّحَّةُ، والنّاصِعُ: الخالِصُ السّالِمُ، قال النّابِغةُ الذُّبيانيُّ (٢): أتاكَ بقولٍ هَلهلِ النَّسجِ كاذِبٍ ... ولم يأتِ بالحقِّ الذي هُو ناصِعُ أي: خالِصٍ سالم من الاختلاف. وأمّا الخَبَثُ، فلا يثبُتُ، وما لا يثبُتُ فليسَ ظُهُورُهُ بظُهُور. وشبَّه رسُولُ الله ﷺ المدينةَ في ذلك الوَقْتِ بالكيرِ والنّارِ، الذي لا يبقى على عَملِهِ إلّا طيِّبُهُ، ويدفعُ الخَبَثَ. وكذلك كانتِ المدينةُ، لا يبقى فيها ولا يثبُتُ إلّا الطَّيِّبُ من النّاسِ، لصُحبتِهِ ﷺ ، وللفَهْم عنهُ، فلمّا ماتَ خرجَ عنها كثير من جِلَّةِ أصحابِهِ، لنَشرِ عِلمِهِ، والتَّبليغ لدينِهِ ﷺ . فإن قِيلَ: إنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ قد خَشِيَ أن يكونَ مِمَّن نَفِتِ المدينةُ، وليسَ ذلكَ في المعنى الذي ذكَرتَ من صُحْبةِ رسُولِ الله ﷺ والأخْذِ عنهُ، بل ذلكَ لفَضْلِ المدينةِ الباقي إلى يوم القيامة؟ قيل لهُ: لا يُنكِرُ فضلَ المدينةِ عالم، ولكنَّ قولَهُ: "تَنْفي خَبَثَها، وينصَعُ طيبُها" ليسَ إلّا على ما قُلنا، بدليلِ خُرُوج الفُضَلاءِ الصحابةِ الطَّيِّبينَ منها إلى الشّام

стр. 4281

والعِراقِ، ولا يجُوزُ أن يُقالَ في واحِدٍ منهُم: إنَّهُم كانوا خُبَثاءَ ﵃. وقد يقولُ العالِمُ القولَ على الإشْفاقِ على نفسِهِ، فلا يكونُ في ذلكَ حُجَّةً على غَيرِهِ. قال أبو عُمر: كان خُرُوجُ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ من المدينةِ، حينَ قال هذا القول، فيما ذكَرَ أهلُ السِّيرِ، في شَهرِ رمضانَ، من سَنةِ ثلاثٍ وتِسعينَ، وذلك أنَّ الحَجّاجَ كتبَ إلى الوليدِ، فيما ذَكرُوا: أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ بالمدينةِ كَهْفٌ للمُنافِقين، فجاوَبهُ الوليدُ: إنِّي أعزِلُهُ، فعَزَلهُ وولَّى عُثمانَ بنَ حيّانَ المُرِّيَّ، وذلكَ في شَهْرِ رمضان المذكُور. فلمّا صارَ عُمرُ بالسُّوَيداءِ قال لمُزاحِم: يا مُزاحِمُ، أتخافُ أن نكونَ مِمَّن نَفتِ المدينةُ (١)؟ وقال ميمُونُ بن مِهْران: ما رَأيتُ ثلاثةً في بَيْتٍ خيرًا من عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، وابنِهِ عبدِ الملكِ، ومولاهُ مُزاحِم (٢). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (٣): حدَّثنا هارُونُ بن مَعْرُوفٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال:

стр. 4282

أخبرني عَمرُو بن الحارِثِ، عن ابن (١) شِهاب، أنَّ عَمرَو بنَ عبدِ الرَّحمنِ بن أُميَّةَ حدَّثهُ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، أنَّ يَعْلَى بنَ أُميَّةَ قال: جِئتُ رسُولَ الله ﷺ بأبي أُميَّةَ يومَ الفتح، فقلتُ: يا رسُولَ الله، بايِعْ أبي على الهِجْرةِ، فقال: "أُبايعُهُ على الجِهادِ وقدِ انْقَطعتِ الهِجْرةُ؟ ". وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (٢): حدَّثنا محمدٌ (٣)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن زكريّا، عن عاصِم، عن أبي عُثمانَ، قال: حدَّثني مُجاشِعُ بن مسعُودٍ، قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ لأُبايعَهُ على الهِجْرةِ، قال: "قد مَضَتِ الهِجْرةُ لأهلِها، ولكنْ على الإسْلام والجِهادِ والخَيْرِ". وذكر البُخاريُّ، قال (٤): حدَّثنا إسحاقُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا يحيى بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن عَطاءِ بن أبي رَباح، قال: زُرتُ عائشةَ معَ عُبيدِ بن عُمَير، فسألتُها عن الهِجْرةِ، فقالت: لا هِجْرةَ اليومَ، كان المُؤمنُ يفِرُّ بدينِهِ إلى الله ، وإلى رسُولِهِ ﷺ ، مخافةَ أن يُفتَنَ عليه، فأمّا اليومَ فقد أظهَرَ الله الإسلام، فالمُؤمنُ يعبُدُ ربَّهُ حيثُ شاءَ، ولكنْ جِهادٌ ونيَّةٌ.

стр. 4283

حديثٌ ثانٍ لمحمدِ بن المُنكدِرِ (١) مالكٌ (٢)، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن أُمَيمةَ بنتِ رُقَيقةَ (٣)، قالت: أتَيتُ رسُولَ الله ﷺ في نِسْوةٍ بايَعْنَهُ (٤) على الإسلام، فقُلنا: يا رسُولَ الله، نُبايعُكَ على أن لا نُشرِكَ بالله شيئًا، ولا نَسْرِقَ، ولا نَزْنيَ، ولا نقتُلَ أولادَنا، ولا نأتيَ ببُهتانٍ نَفْتريهِ بين أيدينا وأرجُلِنا، ولا نَعْصيَكَ في معرُوفٍ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "فيما اسْتَطعتُنَّ وأطقتُنَّ". قالت: فقُلنا: الله ورسُولُهُ أرحمُ بنا من أنفُسِنا، هلُمَّ نُبايعْكَ يا رسُولَ الله، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنِّي لا (٥) أُصافِحُ النِّساءَ، إنَّما قَوْلي لمئةِ امرأةٍ، كقَوْلي لامرأةٍ واحِدة". أو: "مِثلِ قولي لامرأةٍ واحِدةٍ" (٦). قال أبو عُمر: لا خِلافَ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ومَتْنِهِ عِندَ أحدٍ من رُواتِهِ عنهُ فيما عَلِمتُ (٧).

стр. 4284

وهكذا رواهُ الثَّوريُّ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، سمِعَ أُمَيْمةَ بنت رُقَيقةَ، مِثلَ حديثِ مالكٍ هذا، سَواءٌ إلى آخِرِهِ، إلّا أنَّهُ قال بعدَ قولِهِ: "الله أرْحَمُ بنا من أنفُسِنا": قالت: فقُلنا: يا رسُولَ الله، ألا تُصافِحُنا؟ فقال: "إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ". ثُمَّ ذكرهُ سَواءً (١). ورواهُ ابنُ عُيَينةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، مُختصرًا (٢). في هذا الحديثِ من الفِقْهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُبايعُ النّاسَ على الإسلام، وشُرُوطِهِ، وشَرائعِهِ، ومَعالِمِهِ، على حَسَبِ ما ذكَرْنا في البابِ قبلَ هذا، وهذه البَيْعةُ على حَسَبِ ما نصَّ الله في كِتابِهِ، وأنَّهُ لا يُكلِّفُ نفسًا إلّا وُسْعَها، وكلُّ ما كلَّفهُم وافتَرضَ عليهم، ففي وُسْعِهِم وطاقتِهِم ذلك كلُّهُ وأكثرُ منهُ. وأمّا قولُ رسُولِ الله ﷺ في هذا الحديثِ: "فيما اسْتَطعتُنَّ وأطَقْتُنَّ" فإنَّما ذلك مردُودٌ إلى قولِها: "ولا نَعْصيَكَ في معرُوفٍ". فكلُّ معرُوفٍ يأمُرُ به، يَلزَمُهُنَّ إذا أطَقْنَ القيامَ به، وقد ثَبتَ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إذا أمَرْتُكُم بشيءٍ، فخُذُوا منهُ ما اسْتَطعتُم" (٣)، وهذا كلُّهُ داخِل تحتَ قولِهِ : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 4285

وأمّا المعرُوفُ في هذا الحديثِ، فجاءَ بلَفْظِ النَّكِرةِ، فكلُّ ما وقَعَ عليه اسمُ مَعرُوفٍ، لَزِمَهم، وكان ﷺ لا يأمُرُ إلّا بمَعرُوف، وقد قيلَ: إنَّ المعرُوفَ هاهُنا: أنْ لا يَنُحْنَ على موتاهُنَّ، ولا يَخلُوَنَّ رجُلٌ بامرأة، ذكر مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، قال: أخَذَ عليهنَّ أن لا ينُحْنَ، ولا يَخلُونَّ بحديثِ الرِّجالِ، إلّا مع ذي مَحْرم (١). أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاويةَ، قال حدَّثنا: وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصُورٍ، عن سالم، في قولِهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [المتحنة: ١٢] قال: النَّوحُ (٢). قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن يزيدَ مولى الصَّهباءِ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ (٣)، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "النَّوحُ" (٤). قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن زيدِ بن أسلمَ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: لا يَنْشُرْنَ شعرًا، ولا يَخدِشْنَ وَجْهًا، ولا يَدْعُونَ وَيْلًا (٥).

стр. 4286

قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن أبي جَعْفرٍ، عن الرَّبيع، عن أبي العاليةِ، في قولِهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: في كلِّ شيءٍ وافقَ طاعةً. ولم يرَ لنبيِّهِ ﷺ أن يُطاعَ في مَعْصية (١). وقرأتُ على أحمدَ بن عبدِ الله بن محمدٍ، أنَّ أبا محمدٍ الحَسَنَ بن إسماعيلَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بَحْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ بن سالم، قال: حدَّثنا سُنَيدُ بن داود، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، عن أبي جَعْفرٍ، عن أبي العاليةِ، قال: في كلِّ شيءٍ وافقَ طاعةً، فلم يَرْضَ لنبيِّهِ ﷺ أن يُطاعَ في مَعْصية، فكيف بغيرِه! قال سُنَيدٌ: حدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، عن عَطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ اشْتَرطَ عليهنَّ فيما يَمْتحِنُهُنَّ به نياحةَ الجاهِليَّةِ: "أن لا ينُحْنَ بها، ولا يخلُونَّ بالرِّجالِ في البُيُوتِ" (٢). قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: لا يخلُو الرَّجُلُ بالمرأةِ. قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، عن الزُّهريُّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان المُؤمناتُ إذا هاجَرْنَ إلى رسُولِ الله ﷺ يَمْتحِنُهُنَّ بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] ولا، ولا، ولا (٣) ... قالت عائشةُ: فمن أقرَّ من المُؤمناتِ بهذه، فقد أقرَّ بالمِحْنةِ،

стр. 4287

فإذا أقْرَرْنَ بذلك، قال لهُنَّ: "انْطَلِقنَ، فقد بايَعتكُنَّ". قالت عائشةُ: ولا والله ما مَسَّتِ امرأةٌ قَطُّ يَدَهُ، غير أنَّهُ يُبايعُهُنَّ بالكَلام (١). قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، قال: أخْبَرني موسى بن عُقبةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، أنَّهُ سمِعَ أُمَيمةَ بنت رُقَيقةَ تَزْعُمُ أنَّها بايَعْت رسُولَ الله ﷺ ، فاشْتَرطَ عليها ما يَشْتَرطُ على المُؤمناتِ في كِتابِ الله، ثُمَّ قال: "فيما أطَقْتِ يا ابْنةَ (٢) رُقيقةُ" (٣). قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج في قولِهِ: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] قال: كانتِ المرأةُ في الجاهِليَّةِ تَلِدُ الجاريةَ، فتأخُذُ الغُلام فتَجْعلُهُ في مكانِها، وتقولُ لزَوجِها: هُو ولدُكَ (٤). قال: وحدَّثنا سُنيدٌ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن حَفْصةَ بنتِ سِيرينَ، عن أُمِّ عَطيَّةَ، قالت: أخذَ علينا رسُولُ الله ﷺ : ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ومن المعرُوفِ: أن لا ينُحْنَ. قالت: فما (٥) وفَتِ امرأةٌ منهُن، إلّا امرأتينِ: أمَّ سُلَيم، وابنةَ الرَّبيع (٦).
следующие страницы →