← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4283–4322 · переход к 4288.

стр. 4283

حديثٌ ثانٍ لمحمدِ بن المُنكدِرِ (١) مالكٌ (٢)، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن أُمَيمةَ بنتِ رُقَيقةَ (٣)، قالت: أتَيتُ رسُولَ الله ﷺ في نِسْوةٍ بايَعْنَهُ (٤) على الإسلام، فقُلنا: يا رسُولَ الله، نُبايعُكَ على أن لا نُشرِكَ بالله شيئًا، ولا نَسْرِقَ، ولا نَزْنيَ، ولا نقتُلَ أولادَنا، ولا نأتيَ ببُهتانٍ نَفْتريهِ بين أيدينا وأرجُلِنا، ولا نَعْصيَكَ في معرُوفٍ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "فيما اسْتَطعتُنَّ وأطقتُنَّ". قالت: فقُلنا: الله ورسُولُهُ أرحمُ بنا من أنفُسِنا، هلُمَّ نُبايعْكَ يا رسُولَ الله، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنِّي لا (٥) أُصافِحُ النِّساءَ، إنَّما قَوْلي لمئةِ امرأةٍ، كقَوْلي لامرأةٍ واحِدة". أو: "مِثلِ قولي لامرأةٍ واحِدةٍ" (٦). قال أبو عُمر: لا خِلافَ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ومَتْنِهِ عِندَ أحدٍ من رُواتِهِ عنهُ فيما عَلِمتُ (٧).

стр. 4284

وهكذا رواهُ الثَّوريُّ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، سمِعَ أُمَيْمةَ بنت رُقَيقةَ، مِثلَ حديثِ مالكٍ هذا، سَواءٌ إلى آخِرِهِ، إلّا أنَّهُ قال بعدَ قولِهِ: "الله أرْحَمُ بنا من أنفُسِنا": قالت: فقُلنا: يا رسُولَ الله، ألا تُصافِحُنا؟ فقال: "إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ". ثُمَّ ذكرهُ سَواءً (١). ورواهُ ابنُ عُيَينةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، مُختصرًا (٢). في هذا الحديثِ من الفِقْهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُبايعُ النّاسَ على الإسلام، وشُرُوطِهِ، وشَرائعِهِ، ومَعالِمِهِ، على حَسَبِ ما ذكَرْنا في البابِ قبلَ هذا، وهذه البَيْعةُ على حَسَبِ ما نصَّ الله في كِتابِهِ، وأنَّهُ لا يُكلِّفُ نفسًا إلّا وُسْعَها، وكلُّ ما كلَّفهُم وافتَرضَ عليهم، ففي وُسْعِهِم وطاقتِهِم ذلك كلُّهُ وأكثرُ منهُ. وأمّا قولُ رسُولِ الله ﷺ في هذا الحديثِ: "فيما اسْتَطعتُنَّ وأطَقْتُنَّ" فإنَّما ذلك مردُودٌ إلى قولِها: "ولا نَعْصيَكَ في معرُوفٍ". فكلُّ معرُوفٍ يأمُرُ به، يَلزَمُهُنَّ إذا أطَقْنَ القيامَ به، وقد ثَبتَ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إذا أمَرْتُكُم بشيءٍ، فخُذُوا منهُ ما اسْتَطعتُم" (٣)، وهذا كلُّهُ داخِل تحتَ قولِهِ : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 4285

وأمّا المعرُوفُ في هذا الحديثِ، فجاءَ بلَفْظِ النَّكِرةِ، فكلُّ ما وقَعَ عليه اسمُ مَعرُوفٍ، لَزِمَهم، وكان ﷺ لا يأمُرُ إلّا بمَعرُوف، وقد قيلَ: إنَّ المعرُوفَ هاهُنا: أنْ لا يَنُحْنَ على موتاهُنَّ، ولا يَخلُوَنَّ رجُلٌ بامرأة، ذكر مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، قال: أخَذَ عليهنَّ أن لا ينُحْنَ، ولا يَخلُونَّ بحديثِ الرِّجالِ، إلّا مع ذي مَحْرم (١). أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاويةَ، قال حدَّثنا: وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصُورٍ، عن سالم، في قولِهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [المتحنة: ١٢] قال: النَّوحُ (٢). قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن يزيدَ مولى الصَّهباءِ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ (٣)، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "النَّوحُ" (٤). قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن زيدِ بن أسلمَ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: لا يَنْشُرْنَ شعرًا، ولا يَخدِشْنَ وَجْهًا، ولا يَدْعُونَ وَيْلًا (٥).

стр. 4286

قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن أبي جَعْفرٍ، عن الرَّبيع، عن أبي العاليةِ، في قولِهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: في كلِّ شيءٍ وافقَ طاعةً. ولم يرَ لنبيِّهِ ﷺ أن يُطاعَ في مَعْصية (١). وقرأتُ على أحمدَ بن عبدِ الله بن محمدٍ، أنَّ أبا محمدٍ الحَسَنَ بن إسماعيلَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بَحْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ بن سالم، قال: حدَّثنا سُنَيدُ بن داود، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، عن أبي جَعْفرٍ، عن أبي العاليةِ، قال: في كلِّ شيءٍ وافقَ طاعةً، فلم يَرْضَ لنبيِّهِ ﷺ أن يُطاعَ في مَعْصية، فكيف بغيرِه! قال سُنَيدٌ: حدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، عن عَطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ اشْتَرطَ عليهنَّ فيما يَمْتحِنُهُنَّ به نياحةَ الجاهِليَّةِ: "أن لا ينُحْنَ بها، ولا يخلُونَّ بالرِّجالِ في البُيُوتِ" (٢). قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: لا يخلُو الرَّجُلُ بالمرأةِ. قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، عن الزُّهريُّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان المُؤمناتُ إذا هاجَرْنَ إلى رسُولِ الله ﷺ يَمْتحِنُهُنَّ بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] ولا، ولا، ولا (٣) ... قالت عائشةُ: فمن أقرَّ من المُؤمناتِ بهذه، فقد أقرَّ بالمِحْنةِ،

стр. 4287

فإذا أقْرَرْنَ بذلك، قال لهُنَّ: "انْطَلِقنَ، فقد بايَعتكُنَّ". قالت عائشةُ: ولا والله ما مَسَّتِ امرأةٌ قَطُّ يَدَهُ، غير أنَّهُ يُبايعُهُنَّ بالكَلام (١). قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، قال: أخْبَرني موسى بن عُقبةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، أنَّهُ سمِعَ أُمَيمةَ بنت رُقَيقةَ تَزْعُمُ أنَّها بايَعْت رسُولَ الله ﷺ ، فاشْتَرطَ عليها ما يَشْتَرطُ على المُؤمناتِ في كِتابِ الله، ثُمَّ قال: "فيما أطَقْتِ يا ابْنةَ (٢) رُقيقةُ" (٣). قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج في قولِهِ: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] قال: كانتِ المرأةُ في الجاهِليَّةِ تَلِدُ الجاريةَ، فتأخُذُ الغُلام فتَجْعلُهُ في مكانِها، وتقولُ لزَوجِها: هُو ولدُكَ (٤). قال: وحدَّثنا سُنيدٌ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن حَفْصةَ بنتِ سِيرينَ، عن أُمِّ عَطيَّةَ، قالت: أخذَ علينا رسُولُ الله ﷺ : ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ومن المعرُوفِ: أن لا ينُحْنَ. قالت: فما (٥) وفَتِ امرأةٌ منهُن، إلّا امرأتينِ: أمَّ سُلَيم، وابنةَ الرَّبيع (٦).

стр. 4288

قال (١): وحدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا يُونُسُ، عن الحَسَنِ، قال: كان فيما أُخِذَ عليهنَّ: أن لا يَتَحدَّثْنَ معَ الرِّجالِ، إلّا أن يكونَ مَحْرمًا، فإنَّ الرَّجُلَ قد تُلاطِفُهُ المرأةُ في الكلام، فيُمني في فَخِذِه (٢). حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن عاصِم، عن حَفْصةَ، عن أُمِّ عطيَّةَ، قالت: لمّا نَزَلت: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] قالت: كانت منهُ النِّياحةُ، فقلتُ (٤): يا رسُولَ الله، إلّا آلَ فُلانٍ، فإنَّهُم كانوا أسْعَدُوني (٥) في الجاهِليَّةِ، فلا بُدَّ أن أُسْعِدَهُم، فقال: "إلّا آلَ فُلانٍ". أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحَسَنِ بن عبدِ الجبّارِ الصُّوفيُّ، سنةَ اثنتينِ وثلاثِ مئةٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعِينٍ، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى بن عُمارةَ، عن عبدِ العزيزِ بن صُهيبٍ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "ثلاثةٌ لن يَزَلْنَ في أُمَّتي: التَّفاخُرُ في الأحْسابِ، والنِّياحةُ، والأنْواءُ" (٦).

стр. 4289

زكريّا بن يحيى هذا ثِقةٌ، روى عنهُ أيضًا مُسلمُ بن إبراهيم، وعبدُ الأعلى بن حمّادٍ، وعَمرُو بن عليٍّ. وأخبرنا عُبيدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسَى بن مِسْكين، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرَ، قال: حدَّثنا أسْباطٌ، عن هشام، عن حَفْصةَ، عن أُمِّ عَطيَّةَ، قالت: بايَعْنا رسُولَ الله ﷺ على أن لا ننُوحَ، فما وفَى منّا إلّا خمسٌ. سمّاهُنَّ هشامٌ، منهُنَّ: أُمُّ سُليم (١). قال أبو عُمر: وفي حَديثِنا المذكُورِ في هذا البابِ، حديثِ مالكٍ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن أُميمةَ، عن النَّبيِّ ﷺ في قولِهِ: "إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ" دليلٌ على أنَّهُ لا يجُوزُ لرَجُلٍ أن يُباشِرَ امرأةً لا تحِلُّ لهُ، ولا يَمسَّها بيدِهِ، ولا يُصافِحَها، وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "لا يخلُوَنَّ رجُلٌ بامْرأةٍ، فإنَّ الشَّيطانَ ثالِثُهُما" (٢). وفي قولِهِ: ﷺ : "إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ" دليلٌ على أنَّهُ كان يُصافِحُ الرِّجالَ عِندَ البيعةِ وغَيْرِها ﷺ ، ولو كان لا يَرَى المُصافحةَ، لقال: إنِّي لا أُصافِحُ أحدًا، ألا

стр. 4290

تَرى إلى الحديثِ المرويِّ عن عُثمان ﵀، أنَّهُ قال: ما تَغنَّيتُ (١)، ولا تمنَّيتُ (٢)، ولا مسَسْتُ ذَكَري بيميني، مُنذُ بايَعتُ بها (٣) رسُولَ الله ﷺ (٤)؟ وقد ذكَرْنا دُخُولَ المُصافحةِ في المُبايَعةِ، عِندَ ذِكر (٥) حديثِ البَيْعةِ، في بابِ عبدِ الله بن دينارٍ من هذا الكِتابِ، وذكَرْنا هُناكَ من الآثارِ في ذلك ما يَكْفي. وقد أخبَرنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح بن عُمر المُقرِئُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعْفرِ بن محمدٍ المُنادي، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا قَبِيصةُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن ابن جُرَيْج، عن عَطاءٍ، قال: كان النَّبيُّ ﷺ لا يُصافِحُ النِّساءَ. قال: وحدَّثنا (٦) سُفيانُ، عن منصُور (٧)، عن إبراهيمَ، قال: كان النَّبيُّ ﷺ يُصافِحُ النِّساءَ وعلى يدِهِ ثوبٌ (٨). قال: وحدَّثنا سُفيانُ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن قَيْسِ بن أبي حازم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا بايَعَ لا يُصافِحُ (٩) النِّساءَ إلّا وعلى يدِهِ ثوبٌ (١٠).

стр. 4291

وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عيسى بن يُونُسَ، عن المِقدام بن ثابتٍ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ، عن أسماءَ بنتِ يزيدَ، قالت: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ أنا وابنةُ عَمٍّ لي لنُبايعَه (١)، فقال: "إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ" (٢). وحدَّثنا سَلَمةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ الحافِظُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ بن محمدٍ الباهِليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ الصَّمدِ بن أبي خِداش (٣)، قال: حدَّثنا عيسى بن يُونُس، عن مِقدام بن ثابتٍ أبي المِقْدام، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ، عن أسماءَ بنتِ يزيدَ، قالت: أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ أنا وابنةُ عمٍّ لي نُبايعُهُ، فقال: "إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ" (٤). قال أبو الحسنِ عليُّ بن عُمر: مِقدامُ بن ثابتٍ - أخُو عَمرو (٥) بن ثابتٍ، وأبوهُما ثابتُ بن هُرمُز، يُكْنَى أبا المِقدام - حدَّثَ عن سعيدِ بن المُسيِّبِ وغيرِهِ، روى عنهُ الحَكَمُ بن عُتَيبةَ، وشُعبةُ، والثَّوريُّ، وغيرُهُم، ولهُ (٦) أخٌ يُكْنَى أبا عُبيدةَ،

стр. 4292

يُحدِّثُ عن أبي بُرْدةَ بن أبي موسى، رَوى عنهُ ابنُ أخيهِ عَمرو (١) بن ثابتٍ. ومِقدامُ بن ثابتٍ هذا غريبُ الحديثِ، يُحدِّثُ عن شَهْرِ بن حوشبٍ، وأبي هارُون العبديِّ، ولم يروِ عنهُ هذا الحديثَ غيرُ عيسى بن يُونُس. وقد رَوَى ابنُ وَهْب (٢)، وإبراهيمُ بن طَهْمانَ (٣)، وسعيدُ بن داود الزَّنْبريُّ (٤)، جميعًا عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ في بَيْعةِ النِّساءِ، قالت: ما مَسَّ رسُولُ الله ﷺ بيَدِهِ يدَ امرأةٍ قطُّ، إلّا أن يأخُذَ عليها، فإذا أخَذَ عليها، فأعْطَتهُ، قال: "اذْهَبي فقد بايَعتُكِ". وهذا ليس في "المُوطَّأ" عِندَ أحدٍ من رُواتِهِ، فيما علِمتُ. وقد رَوَى يحيى بنُ مَعينٍ، عن مَعْنِ بن عيسى، عن مالكٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: لم يُصافِحْ رسُولُ الله ﷺ امْرَأةً قطُّ (٥). حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ بن المُفسِّرِ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعينٍ، فذكرهُ. وهذا حديثٌ لا أعلمُ أحدًا حَدَّثَ به غيرَ ابن معينٍ، وقد وهِمَ في إسنادِهِ وغلِطَ، ذكرهُ النَّسائيُّ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، قال: حدَّثنا يحيى بن معينٍ، فذكرهُ. والصَّوابُ في الحَديثِ، ما في "مُوطَّأ" مالكٍ، عن ابن المُنكدِرِ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا

стр. 4293

أبو داود، قال (١): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا أبو خالدٍ وابنُ نُمَيرٍ، عن الأجْلَح، عن أبي إسحاقَ، عن البَراءِ، أنَّهُ (٣) قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "ما من مُسلمينِ يَلْتقيانِ فيَتَصافحانِ، إلّا غُفِرَ لهُما قبلَ أن يَفْترِقا". وروى أبو الحَكَم العَنَزيُّ، عن البَراءِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا التَقَى المُسْلمانِ فتَصافحا، وحمِدا اللهَ، واسْتَغفراهُ، غُفِرَ لهُما" (٤). وحمّادُ بن سَلَمةَ، عن حُمَيد (٥)، عن أنَسٍ، قال: لمّا جاءَ أهلُ اليَمَنِ، قال رسُولُ الله ﷺ : "قد جاءَكُم أهلُ اليَمنِ". وهُم أوَّلُ من جاءَ بالمُصافَحة (٦). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا يعقوبُ بن كَعْبٍ، قال: حدَّثنا مُبشِّرُ بن إسماعيلَ، عن حسّانَ بن

стр. 4294

نُوح، عن عبدِ الله بن بُسرٍ، قال: تَرونَ يَدِي هذه؟ صافَحتُ بها رسُولَ الله ﷺ ، وذكر الحديثَ (١). ومُبايَعةُ الرِّجالِ كانت كمُبايعةِ النِّساءِ، على ما في حديثِ عُبادةَ. ذكرهُ البُخاريُّ، قال (٢): حدَّثنا أبو اليمانِ، قال: حدَّثنا شُعَيبٌ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني أبو إدريسَ (٣) عائذُ الله بن عبدِ الله، أنَّ عُبادَةَ بنَ الصّامِتِ، وكان قد شهِدَ بدرًا،

стр. 4295

وهُو أحدُ النُّقباءِ، قال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ قال وحَوْلَهُ عِصابةٌ من أصْحابِهِ: "بايعُوني على أنْ لا تُشرِكُوا بالله شَيئًا، ولا تَسْرِقوا، ولا تزنُوا، ولا تقتُلُوا أولادَكُم، ولا تأتُوا ببُهتانٍ تَفْترُونهُ بين أيديكُم وأرْجُلِكُم، ولا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ، فمن وَفَى منكُم، فأجرُهُ على الله، ومن أصابَ من ذلكَ شيئًا، فعُوقِبَ (١) به، فهُو كفّارةٌ لهُ، ومن أصابَ من ذلكَ شيئًا، ثُمَّ سَتَرهُ الله عليه، فهُو إلى الله، إن شاءَ عَفا عنهُ، وإن شاءَ عاقَبهُ". فبايعْناهُ على ذلكَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم (٢)، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن عبدِ الرَّحمنِ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاش (٣)، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عبدِ الله بن الزُّبيرِ وعبدِ الله بن جعفرٍ: أنَّهُما بايَعا رسُولَ الله ﷺ وهُما ابنا سَبعْ سِنينَ، فلمّا رآهُما رسُولُ الله ﷺ تَبسَّمَ وبسَطَ يَدَهُ، فبايعَهُما (٤). حدَّثنا سَعِيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن ابن شِهاب، أنَّ عُروةَ حدَّثهُ، أنَّ عائشةَ حدَّثتهُ عن بَيْعةِ النِّساءِ، قالت: ما مَسَّ رسُولُ الله ﷺ يدَ امرَأةٍ قطُّ، إلّا أن يأخُذَ عليها، فإذا أخذَ عليها فأعْطَتهُ، قال: "اذْهَبي فقد بايعتُكِ" (٥). وسيأتي في حديثِ عبدِ الله بن دينارٍ، في البَيْعةِ ما فيه زيادةُ بيانٍ وكِفايةٌ إن شاءَ الله تعالى.

стр. 4296

حديثٌ ثالِثٌ لمحمدِ بن المُنكدِرِ مالكٌ (١)، عن محمدِ بن المُنكدِرِ وعن (٢) سالم أبي النَّضرِ مولَى عُمرَ بن عُبيد الله، عن عامرِ بن سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ، عن أبيهِ، أنَّهُ سَمِعهُ يَسألُ أُسامَةَ بن زيدٍ: ما سمِعتَ من رسُولِ الله ﷺ في الطّاعُونِ؟ فقال أُسامةُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "الطّاعُونُ رِجزٌ (٣) أُرسِلَ على طائفةٍ من بَني إسرائيلَ، أو على من كان قَبْلَكُم، فإذا سَمِعتُم به بأرضٍ، فلا تدخُلُوا عليه، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها، فلا تخرُجُوا فِرارًا منهُ". قال مالكٌ: قال أبو النَّضرِ: لا يُخرِجُكُم إلّا فِرارٌ (٤) منهُ. قال أبو عُمر: هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: عامرُ بن سعدٍ، عن أبيهِ، أنَّهُ سَمِعهُ يَسْألُ أُسامةَ. وتابَعهُ على ذلك من رُواةِ "المُوطَّأ" جماعةٌ، منهُم: مُطرِّفٌ، وأبو مُصعَب (٥) ويحيى بن يحيى النَّيسابُوريُّ (٦)، ولا وجْهَ لذِكرِ أبيهِ في ذلك؛ لأنَّ الحديثَ إنَّما هُو لِعامرِ بن سعدٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، سَمِعهُ منهُ، وكذلك رواهُ مَعْنُ بن عيسى، وابنُ بُكَيرٍ، ومحمدُ بن الحَسَن (٧)، وجماعةٌ سِواهُم عن مالكٍ، ولم يقولوا: عن أبيهِ. وقد جوَّدهُ القَعْنبيُّ، فرَوَى عن مالكٍ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن عامرِ بن سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ، إذ (٨) أخبَرهُ، أنَّ أُسامةَ بن زيدٍ

стр. 4297

أخبرهُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الطّاعُونُ رِجزٌ" (١). وذكَرَ الحديثَ لعامرٍ، عن أُسامةَ، لم يَقُل فيه: عن أبيه (٢). ولا ذكَرَ أبا النَّضرِ، مع محمدِ بن المُنكدِرِ، وسائرُ رُواةِ "المُوطَّأ" يَجمَعُونَ فيه عن مالكٍ: أبا النَّضرِ ومحمدَ بنَ المُنكدِر، جميعًا كما روى يحيى. وقد رَوَى قومٌ هذا الحديثَ عن عامرِ بن سَعْدٍ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، وهُو عِندي وهمٌ لا يصِحُّ (٣)، واللهُ أعلمُ، مِمَّن رواهُ كذلك. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زيادٍ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عامرِ بن سَعْدٍ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ ذكَرَ الطّاعُون، فقال: "وَجَعٌ أُرسِلَ على من كان قَبْلَكُم ... " الحديث (٤). وهذا مِمّا حدَّثَ به مَعْمرٌ بالعِراقِ، وأهلُ الحديثِ يقولون: إنَّ ما حدَّثَ به مَعْمرٌ بالعِراقِ من حِفظِهِ لم يُقِمْهُ، وأخطأ في كثيرٍ منهُ. والدَّليلُ على أنَّ هذا مِمّا أخطأ فيه، واللهُ أعلمُ، ما حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي العَقَب (٥)، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ، قال: حدَّثنا أبو اليَمانِ (٦)، قال:

стр. 4298

حدَّثنا شُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ، عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثنا عامرُ بن سَعْدٍ، أنَّهُ سمِعَ أُسامةَ بن زيدٍ، وهُو يُحدِّثُ سَعْدَ بنَ أبي وقّاص، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ذكَرَ هذا (١) الوَجَع. وساق الحديث بمعناهُ (٢). وهذا هُو الصحيحُ فيه لعامرٍ عن أُسامةَ، لا عن أبيهِ، والله أعلمُ. وقد رواهُ يزيدُ بن الهادِ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن عامرِ بن سعدٍ، عن أُسامةَ، لا عن سَعْدٍ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُثمان الصَّيدلانيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي حازِم (٣)، عن يزيد بن عبدِ الله بن الهادِ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن عامرِ بن سَعْدٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، عن رسُولِ الله ﷺ ، أنَّهُ ذُكِرَ الطّاعُونُ عِندهُ، فقال: "إنَّهُ رِجسٌ، أو رِجزٌ، عُذِّبت به أُمَّةٌ من الأُمم، وقد بَقِيتْ منهُ بَقايا، فإذا سَمِعتُم به بأرض، فلا تدخُلُوا عليه، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتُم فيه، فلا تَفِرُّوا منهُ". فقال محمدُ بن المُنكدِرِ: فحدَّثتُ هذا الحديث عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، فقال: هكذا حدَّثنيه عامرُ بن سَعْد (٤). وقد رواهُ عبدُ الحميدِ بن جَعْفرٍ، عن داود بن عامرِ بن سعدٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا وقَعَ الطّاعُونُ بأرضٍ وأنتُم بها، فلا تخرُجُوا منها، وإذا كان بغيرِها ولَسْتُم بها، فلا تدخُلُوها" (٥).

стр. 4299

وهذا الإسنادُ ليسَ بحُجَّةٍ، لمُخالفةِ الحُفّاظِ لداود بن عامرٍ في ذلك، ومِمَّن خالَفهُ فيه: ابنُ شِهاب، ومحمدُ بن المُنكدِرِ، وعَمرُو بن دينارٍ، وهؤُلاءِ لا نظيرَ لهُم في الحِفْظِ والإتقانِ، وليسَ داودُ بن عامرٍ مِمَّن يَلْحَقُ بهم. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمرٍو، سمِعَ عامر بن سعدٍ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى سَعْدٍ، فسألهُ عن الطّاعُونِ، فقال أُسامةُ: أنا أُخبِرُكَ: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إذا هَجَمَ الطّاعُونُ وأنتُم بأرْضٍ، فلا تخرُجُوا فِرارًا منهُ، وإذا سَمِعتُم به بأرض، فلا تدخُلُوها". فإن قيلَ: قد رواهُ أبو حُذيفةَ، عن الثَّوريِّ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن عامرِ بن سعدٍ، عن سعدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؟ قيلَ لهُ: نعم، وهُو عِندَنا من حديثِ عليِّ بن عبدِ العزيزِ، عن أبي حُذيفةَ موسى بن مسعُودٍ كذلك، ولكنَّهُ خطأٌ، وكان أبو حُذَيفةَ كثيرَ الوَهْم والخطأ في حديثِهِ عن الثَّوريِّ. وقد ذكرهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٢)، عن عبدِ الله بن نُميرٍ، عن سُفيان الثَّوريِّ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن عامرِ بن سعدٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ هذا الطّاعُونَ رِجزٌ سُلِّطَ على من كان قبلكُمُ ... " الحديث. وهذا يشهدُ لما قُلناهُ من خطأ أبي حُذيفةَ. فإن قيلَ: إنَّ أسَدَ بن موسى حدَّثَ بهذا الحديثِ عن ابن لهيعةَ، عن الأعرج، عن أشْعَث بن إسحاق بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، أنَّ سعدًا كان إذا جاءَهُ أُسامةُ بن

стр. 4300

زيدٍ لم يَقْرَبهُما أحدٌ، فجاءَ عامرُ بن سعدٍ فقعَدَ إليهِما، فقال أُسامةُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا سَمِعتُم بالطّاعُونِ بأرضٍ، فلا تَدْخلُوها، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها، فلا تخرُجُوا منها فِرارًا". فقال سعدٌ لأُسامةَ: أنتَ سمِعتَ هذا؟ قال: نعم. مرَّتينِ، فقال سعدٌ: وأنا قد سَمِعتُهُ منه (١). قيل: هذا حديثٌ لا يَحْتَجُّ به من ميّزَ أقلَّ شيءٍ من طُرُقِ الأحاديثِ؛ لأنَّهُ خبرٌ مُنقطِعٌ ضعيفٌ، وابنُ لَهيعة أكثرُ أهلِ العِلم لا يَقْبلُونَ (٢) شيئًا من حديثِهِ، ومنهُم من يقبلُ منهُ ما حدَّثَ به قبل احتِراقِ كُتُبِه، ولم يسمع منهُ فيما ذَكرُوا قبلَ احتِراقِ كُتُبِهِ، إلّا ابنُ المُباركِ، وابنُ وَهْبٍ بعضَ (٣) سماعِهِ. وأمّا أسدٌ ومِثلُهُ، فإنَّما سمِعُوا منهُ بعد احتِراقِ كُتُبِهِ، وكان يُملي من حِفظِهِ فيُخطئُ ويُخلِّطُ، وليسَ بحُجَّةٍ عِندَ جميعِهِم، وحديثُهُ هذا أيضًا مع ضَعْفِهِ مُنقطِعٌ، وأحاديثُ الحُفّاظِ الثِّقاتِ بخِلافِهِ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرِ بن الوردِ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، قال: سمِعتُ عامر (٤) بن سعدِ بن أبي وقّاص، قال: جاءَ رجُلٌ إلى سعدٍ فسألهُ عن الطّاعُونِ وعِندَهُ أُسامةُ بن زيدٍ، فقال أُسامةُ: أنا أُخبِرُكَ، سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ هذا الطّاعُونَ رِجزٌ، أو عَذابٌ أُرسِلَ على من كان قَبْلكُم، أو على طائفةٍ من بَني إسرائيلَ، فإذا وقَعَ بأرضٍ، فلا تدخُلُوها، وإذا وقَعَ وأنتُم بها، فلا تخرُجُوا منها فِرارًا".

стр. 4301

ورِوايةُ أسدٍ لهذا الحديثِ عن ابن عُيينةَ، بخِلافِ رِوايتِهِ لهُ عن ابن لَهيعة، دليلٌ على ضَبْطِ أسدٍ. فإن قيلَ: إنَّ أبا خالدٍ الأحمرَ رَوَى [عن سَلِيم بن حيّان] (١)، عن عِكْرِمةَ بن خالدٍ المخزُوميِّ، عن يحيى بن سعد (٢)، عن أبيهِ (٣) سَعْدٍ، أنَّهُ سمِعَ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "الطّاعُونُ رِجزٌ أُصيبَ به من كان قَبْلكُمُ ... " الحديثَ (٤). وفيه سماعُ سَعْدٍ لهُ من النَّبيِّ ﷺ . قيل: وهذا أيضًا حديثٌ ضعيفُ الإسنادِ، ترُدُّهُ أحاديثُ الحُفّاظِ؛ لأنَّ سعدًا لو كان عِندَهُ فيه سماعٌ من النَّبيِّ ﵇، ما احتاجَ أن يسألَ أُسامةَ بن زيدٍ عن ذلك، وفي حديثِ مالكٍ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن عامرِ بن سعدٍ، أنَّهُ سمِعَ أباهُ يسألُ أُسامةَ بن زيدٍ: ما سمِعتَ من رسُولِ الله ﷺ في الطّاعُونِ؟ وفي حديثِ ابن عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن عامرِ بن سعدٍ، أنَّهُ سمِع أُسامةَ بن زيدٍ يقولُ لأبيهِ سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ في حديثِ الطّاعُونِ: أنا أُخبِرُكَ (٥) بذلك. فإن قيلَ: إنَّ وكيعَ بن الجرّاح رَوَى عن سُفيانَ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ،

стр. 4302

عن إبراهيم بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن أبيهِ وأُسامةَ بن زيدٍ وحُذيفةَ، قالوا: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ هذا الطّاعُونَ رِجزٌ ... " الحديث (١). قيلَ لقائل ذلك: هذا إسنادٌ آخرُ غيرُ إسنادِ عامرِ بن سعدٍ، وهذا الإسنادُ أيضًا الصَّحيحُ فيه: أنَّ الحديثَ لإبراهيمَ بن سعدٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ وحدهُ، كذلك رَوَى شُعبةُ، وأبو إسحاقَ الشَّيبانيُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ. وكذلك رواهُ جماعةٌ عن الثَّوريِّ، وقدِ اضْطَربَ فيه وكيعٌ، فمرَّةً رواهُ هكذا، ومرّةً جَعلهُ عن إبراهيمَ بن سعدٍ، عن أبيهِ وأُسامةَ وخُزَيمةَ (٢) بن ثابتٍ، مكانَ حُذيفةَ، وأصحابُ الثَّوريِّ يُخالِفُونهُ في ذلك، فسقَطَ الاحتِجاجُ برِوايتِهِ فيه. وأمّا حديثُ شُعبَةَ، فحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: حدَّثنا شُعتةُ، قال: حدَّثنا حبيبُ بن أبي ثابتٍ، قال: سَمِعتُ إبراهيمَ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ يقولُ: سَمِعتُ أُسامةَ بن زيدٍ يُحدِّثُ سعدًا، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إذا سَمِعتُمْ به بأرضٍ، فلا تدخُلُوها، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها، فلا تخرُجُوا منها". قال حبيبٌ: قلتُ لإبراهيمَ بن سعدٍ: أنتَ سمِعتَ أُسامةَ يُحدِّثُ سعدًا وهُو جالِسٌ لا يُنكِرُهُ؟ قال: نعم (٣).

стр. 4303

أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عَوْنٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن عبدِ الله، عن أبي إسحاقَ الشَّيبانيِّ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن إبراهيمَ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن أُسامةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ هذا الوَجَع رِجزٌ ... " وذكر الحديثَ (١). هذا ما يجيءُ على مَذْهبِ أهلِ الحديثِ في تهذيبِ إسنادِ هذا الخَبرِ، على أنَّهُ قد يُمكِنُ أن يكونَ سعدٌ قد سَمِعَ ما سمِعَ أُسامةُ منهُ، ولكنَّ الحُكْمَ ما ذكَرْنا، والله أعلمُ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديث: "الطّاعُون رِجزٌ"، فالطّاعُونُ معلُومٌ، وقد مَضَى في تفسيرِ معناهُ في بابِ ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن عامرِ بن رَبِيعةَ، ما فيه كِفايةٌ، ومَضَت هُناك أخبارٌ في الطّاعُونِ حِسانٌ، لا مَعْنى لذِكرِ شيءٍ منها مُعادًا هاهُنا. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عيسى بن (٢) دَلُّوية (٣) المعرُوفُ بزاغاث (٤)، قال: حدَّثنا فَرْوةُ بن أبي المغراء (٥)، قال: حدَّثنا عليُّ بن مُسْهِر (٦)، عن يوسُف بن (٧) مَيْمُونٍ، عن عَطاءِ بن أبي رَباح،

стр. 4304

عن ابن عُمرَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "فناءُ أُمَّتي بالطَّعنِ والطّاعُونِ". قلتُ: الطَّعنُ قد عَرَفناهُ، فما الطّاعُونُ؟ قال: "غُدَّةٌ كغُدَّةِ البَعِيرِ، تخرُجُ في المراقِّ (١) والآباطِ، من ماتَ منهُ، مات شَهِيدًا". وذكر تمامَ الخبر (٢). وأمّا الرِّجزُ، فالعذابُ، لا يختلِفُ في ذلكَ أهلُ العِلم باللِّسانِ، من ذلك قولُهُ: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٥] وهُو كثيرٌ. وقد يكونُ الرِّجسُ والرِّجزُ سواءً. والرِّجْسُ: النَّجاسةُ، والرُّجزُ: أيضًا عِبادَةُ الأوثانِ، دليلُ ذلك قولُهُ : ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. ولا وجهَ لذِكرِ الرِّجزِ في هذا الحديثِ، إلّا العذاب، وكلُّ ما ابتُلي به الإنسانُ من الأوْجاع والمِحَنِ بالسَّيفِ (٣) وغيرِ ذلك، فهُو من العذاب، وقد قيل في: ﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [السجدة: ٢١]: يومُ بدرٍ. وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر: ٣]، هذا كلُّهُ وما أشْبَههُ من العذابِ، والله أعلمُ. وأمّا قولُهُ: "أُرسِلَ على بَني إسرائيلَ، أو على من كان قبلكُم"، فالشَّكُّ من المُحدِّثِ، هل قال رسُولُ الله ﷺ : "علي بني إسرائيلَ" أو قال: "أُرسِلَ على من قبلكُم"؟ والمعنى، واللهُ أعلمُ: أنَّ الطّاعُونَ - أوَّل ما نزلَ في الأرضِ - فعلى طائفةٍ من بَني إسرائيلَ قَبلَنا.

стр. 4305

وأمّا نَهْيُهُ عن القُدُوم عليه، وعنِ الفِرارِ منهُ، فلئلّا يلُومَ أحدُهُم بعد ذلكَ نفسهُ إن مرِضَ منهُ فماتَ، أو يقول غيرُهُ: لو لم يَقْدَم عليه أو فرَّ منهُ لنَجا، ونحو هذا، فيلُومُونَ أنفُسهُم، فيما لا لومَ عليهم فيه؛ لأنَّ الباقيَ والنّاهِضَ لا يتَجاوزُ أحدٌ منهُم أجلهُ، ولا يَسْتأخِرُ عنهُ. وقد جاءَ النَّهيُ عن اللَّوة (١) مُطْلقًا، يعني قَوْلهُم: لو كان كذا، لم يَكُن كذا. ويُقالُ: إنَّهُ ما فرَّ أحدٌ من الطّاعُونِ، فنَجا. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجر، قال: حدَّثنا عارِمٌ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي الفُراتِ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن بُرَيدةَ، عن يحيى بن يَعْمَر، عن عائشةَ، حدَّثتهُ أنَّها سألت رسُولَ الله ﷺ عن الطّاعُونِ، فأخْبَرها نبيُّ الله ﷺ : "أنَّهُ كان عذابًا يبعَثهُ الله على من يَشاءُ، فجَعَلهُ الله رَحْمةً للمُؤمنينَ، فلَيْسَ من عَبْدٍ يَقعُ الطّاعُونُ بأرْضٍ، فيثبُتُ ولا يخرُجُ، ويعلَمُ أنَّهُ لن يُصيبهُ إلّا ما كتبَ الله لهُ، إلّا كان لهُ مِثلُ أجرِ شَهيدٍ" (٢). وقد ذكَرْنا أخبارًا في بابِ ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن عامرٍ، في الفِرارِ عن الطّاعُونِ، لا وَجْهَ لتكريرِها هاهُنا. وفيه عِندي، واللهُ أعلمُ: النَّهيُ عن رُكُوبِ الغَرَرِ، والمُخاطَرةِ بالنَّفسِ والمُهجة؛ لأنَّ الأغْلَبَ في الظّاهِرِ، أنَّ الأرضَ الوبيئَةَ، لا يكادُ يسلمُ صاحِبُها

стр. 4306

من الوَباءِ فيها إذا نَزَل بها (١)، فنُهُوا عن هذا الظّاهِرِ، إذِ الآجالُ والآلامُ مستُورةٌ عنهُم. ومن هذا البابِ أيضًا قولُهُ: "لا يحِلُّ المُمْرضُ على المُصحِّ" (٢). ثُمَّ قال: عِندَ حَقِيقةِ الأمْرِ: "فمَنْ أعْدَى الأوَّلَ؟ " (٣). وأمّا قولُ أبي النَّضرِ في هذا الحديثِ: "لا يُخرِجُكُم إلّا فِرارًا منهُ". وكذا قال يحيى وغيرُهُ عن مالكٍ، عن (٤) أبي النَّضْر: "إلا فرارًا" أو "فرارٌ". قال أبو عُمر: كذا هو عندَ بعضِ شيوخنا، وعند بعضهم: "إلا فرارٌ منه"، وهو أصوبُ، وسيأتي القولُ رواية أبي النَّضرِ إن شاءَ الله تعالى.

стр. 4307

حديثٌ رابعٌ لمحمدِ بن المُنكدِرِ مالكٌ (١)، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن سَعيدِ بن جُبَيرٍ، عن رَجُلٍ عِندَهُ رضًا، أنَّهُ أخْبَرهُ، أنَّ عائشةَ أُمَّ المُؤمنينَ أخبرتهُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "ما منِ امْرِئٍ تَكُونُ لهُ صَلاةٌ بليلٍ، يَغْلِبُهُ عليها نومٌ، إلّا كتَبَ الله لهُ أجرَ صَلاتِهِ، وكان نومُهُ عليه صَدَقةً". قال أبو عُمر: هكذا رَوَى هذا الحديث جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ فيما علِمتُ (٢). والرَّجُلُ الرَّضا عِندَ سَعيدِ بن جُبَيرٍ، قيل: إنَّهُ الأسودُ بن يزيدَ، والله أعلمُ. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمان بن أبي داود - قال (٤): كان يُقالُ لهُ: بُومةُ، ليسَ به بأُسٌّ، وأبوهُ ليسَ بثِقةٍ ولا مأمُونٍ - قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ الرّازيُّ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن الأسودِ بن يزيدَ،

стр. 4308

عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "من فاتَتهُ صلاةٌ صلّاها من اللَّيلِ، فنامَ عنها، كان ذلكَ صَدَقةً تصدَّق الله عليه، وكتبَ لهُ أجْرَ صَلاتِهِ". وأمّا سعيدُ بن جُبيرٍ، فهُو مولًى لبني والِبةَ، من بني أسَدٍ، يُكْنَى أبا عَبدِ الله، كان شديدَ السُّمرةِ، وكتبَ لعبدِ الله بن عُتبةَ بن مَسْعُودٍ، ثُمَّ كتبَ لأبي بُرْدةَ، وهُو على القَضاءِ، وقد كان الحجّاجُ ولّاهُ قَضاءَ الكُوفةِ، فضَجَّ أهلُ الكُوفةِ وقالوا: لا يَصْلُحُ للقَضاءِ مولًى، ولا يَصلُحُ إلّا رجُلٌ عربيٌّ، فاسْتَقضَى الحجّاجُ حِينَئذٍ أبا بُرْدةَ، وأمرَهُ أن لا يقطَعَ أمرًا دُونَ سعيدِ بن جُبيرٍ، وكان أبو بُردةَ على القَضاءِ وبيتِ المالِ، وكان سعيدٌ يكتُبُ لهُ، ثُمَّ خرجَ مع ابن الأشْعَثِ، وكان يقولُ: والله ما خَرَجتُ على الحجّاج حتَّى كفَرَ، فلمّا انهزَمَ أصحابُ ابن الأشْعَثِ بديرِ الجماجِم، هربَ سعيدُ بن جُبَيرٍ إلى مكّةَ، فأخَذَهُ خالدُ بن عبدِ الله القَسْريُّ، وكان واليًا للوليدِ على مَكَّةَ، فبعَثَ به إلى الحجّاج فقَتَلهُ، وذلكَ في سنةِ أربع وتِسعينَ، وهُو ابنُ ثَمانٍ وأربعينَ سنةً، وماتَ الحجّاجُ بَعدهُ بيسيرٍ، قيل: شهرٍ، وقيل: شَهْرين، وقيل: سِتَّةِ أشهُرٍ، ولم يقتُل بَعدَهُ، فيما قال ضمرةُ، أحدًا. وأمّا الأسودُ بن يزيد النَّخعيُّ، فيُكْنَى أبا عبدِ الرَّحمنِ، بابنِهِ عبدِ الرَّحمنِ، مات سنةَ خمسٍ وسبعينَ، وكان فاضِلًا عابِدًا مجُتهِدًا، حجَّ من بينِ حجَّةٍ وعُمرةٍ سِتِّينَ، وقيل: ثمانينَ. وروى سُفيانُ، عن أبي إسحاقَ، قال: قالت عائشةُ أُمُّ المُؤمنينَ: ما بالعِراقِ أحدٌ أعجَبَ إليَّ من الأسود (١).

стр. 4309

وقد جاءَ عن أبي الدَّرداءِ مرفُوعًا وموقوفًا مِثلُ حديثِ عائشةَ هذا. رَوَى حبيبُ بن أبي ثابتٍ، عن عَبْدةَ بن أبي لُبابةَ، عن سُوَيدِ بن غَفَلةَ، عن أبي الدَّرداءِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من أتَى فِراشهُ وهُو يَنْوي أن يقومَ يُصلِّي من اللَّيلِ، فغَلَبتهُ عينُهُ حتَّى يُصبِحَ، كَتَبَ الله لهُ ما نَوَى، وكان نومُهُ صَدَقةً عليه من ربِّهِ" (١). وذَكَرَ البزّارُ، قال (٢): حدَّثنا حُميدُ بن الرَّبيع، قال: حدَّثنا حُسَينُ بن عليٍّ،

стр. 4310

قال: حدَّثنا زائدةُ، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ (١)، عن عَبْدةَ بن أبي لُبابةَ، عن سُوَيدِ بن غَفَلةَ، عن أبي الدَّرداءِ، يبلُغُ به النَّبيَّ ﵇، قال: "من أتَى فِراشَهُ وهُو يَنْوي أن يقومَ يُصلِّي من اللَّيلِ، فغَلَبتهُ عَيْنُهُ حتَّى يُصبِحَ، كتبَ الله لهُ ما نَوَى، وكان نومُهُ صَدَقةً". رواه (٢) الثَّوريُّ (٣)، وابنُ عُيَينةَ (٤)، عن عَبْدةَ بن أبي لُبابةُ، عن سُويدِ بن غَفَلةَ، عن أبي ذرٍّ وأبي الدَّرداءِ، جميعًا موقوفًا. وفي هذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ المرءَ يُجازَى على ما نَوَى من الخيرِ، وإن لم يَعْملْهُ، كما لو أنَّهُ عَمِلهُ، وأنَّ النِّيَّةَ يُعطَى عليها، كالذي يُعطَى على العَملِ، إذا حِيلَ بينهُ وبينَ ذلك العملِ وكانت نيَّتُهُ أن يَعْملَهُ ولم تَنْصرِف نيَّتُهُ عنه (٥) حتَّى غُلِبَ عليه بنَوم أو نِسيانٍ أو غيرِ ذلك من وُجُوهِ الموانِعِ، فإذا كان ذلك، كُتِبَ لهُ أجرُ ذلك العملِ وإن لم يَعْملهُ، فَضْلًا من الله ورحمةً، جازَى على العَملِ، ثُمَّ على النِّيَّةِ إن حالَ دُون العَملِ حائلٌ. وفي مِثلِ هذا الحديثِ - واللهُ أعلمُ - جاءَ الحديثُ: "نيَّةُ المُؤمنِ، خيرٌ من عَملِهِ" (٦).

стр. 4311

حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو طالبٍ العبّاسُ بن أحمدَ بن سعيدِ بن مُقاتِلِ بن صالح مولى عبدِ الله بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ بن موسى بن جعفرِ بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ عليِّ بن حُسينٍ، عن أبيهِ، عن عليِّ بن أبي طالب، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "نيَّةُ المُؤمنِ خَيْرٌ من عَملِهِ، ونيَّةُ الفاجِرِ شَرٌّ من عَملِهِ، وكلٌّ يَعْملُ على نيَّتِه". ومعنى هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ، أنَّ النِّيَّةَ بغَيرِ عَملٍ، خيرٌ من العَمل بلا نيَّةٍ، وتفسيرُ ذلكَ، أنَّ العملَ بلا نيَّةٍ، لا يُرفَعُ ولا يُصعَدُ، فالنِّيَّةُ بغَيرِ عملٍ، خيرٌ من العَملِ بغيرِ نيَّةٍ؛ لأنَّ النِّيَّة تنفعُ بلا عَملٍ، والعملُ بلا نيَّةٍ، لا مَنْفعةَ فيه. ويحتملُ أن يكونَ المعنى فيه: نيَّةَ المُؤمنِ في الأعمالِ الصالحِةِ، أكثرُ مِمّا يَقْوَى عليه منها، ونيَّةَ الفاجِرِ في الأعمالِ السَّيِّئَةِ، أكثرُ مِمّا يَعْملُهُ منها، ولو أنَّهُ يعملُ ما نَوَى من (١) الشَّرِّ، أهلَكَ الحرثَ، والنَّسلَ، ونحوَ هذا، والله أعلمُ. ويدُلُّ هذا الحديثُ، على أنَّ المُؤمنَ قد يقعُ منهُ عَملٌ بغيرِ نيَّةٍ، فيكونُ لغوًا، وهُو مع ذلك مُؤمنٌ. ويدُلُّ أيضًا على أنَّ المُؤمنَ قد يَنْوي من الأعْمالِ ما لا يُعانُ عليه، وأنَّ الفاجِرَ قد يَنْوي من الأعمالِ ما يُعصَمُ عنهُ، ولا يصِلُ إليهِ. وقد رَوَى أبو هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ما يُعارِضُ ظاهِرُهُ هذا الحديثَ، وليسَ بمُعارِضٍ لهُ إذا حُمِل على ما وَصَفنا، والله أعلمُ. حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثنا أبو (٢) كُريب، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن هشام بن حسّان،

стр. 4312

عن ابن سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ همَّ بحَسَنةٍ فلم يَعْمَلْها، كُتِبت لهُ حَسَنةً، ومن همَّ بحَسَنةٍ فعَمِلها، كُتِبت لهُ عَشْرًا، إلى سبع مئةٍ، ومن همَّ بسيِّئةٍ فلم يَعْملها لم تُكتَبْ عليه، فإن عَمِلها كُتِبتْ" (١). حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ الدِّيْنَوَرِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن ذَكْوانَ، عن أبي رَجاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ هَمَّ بحَسَنةٍ فلم يَعْملها، كُتِبت لهُ حَسَنةً واحِدةً، وإن عَمِلها كُتِبت لهُ عَشْرًا، وإن هَمَّ بسيِّئةٍ فلم يَعْملها كُتِبت لهُ حَسَنةً". قال: قلتُ: أنتَ سمِعتَ ابن عبّاسٍ يقولُ: "إذا لم يَعْمَلها، كُتِبتْ لهُ حَسَنةً؟ " قال: نَعَم (٢). قال أبو عُمر: حديثُ ابن عبّاسٍ مُخالِفٌ لحديثِ أبي هُريرةَ في هذا الموضِع، ويحتملُ أن يكونَ ذلك فيمَنْ همَّ بسيِّئَةٍ، فتَرَكها خوفَ الله، فقد رُوِيَ عن ابن عبّاسٍ ومُجاهِدٍ وإبراهيمَ، في قولِ الله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، هُو الرَّجُلُ يَهُمُّ بالمعصيةِ، ثُمَّ يترُكُها لخوفِ المقام بينَ يَدَي الله (٣).

стр. 4313

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ البزّارُ، قال: حدَّثنا محبُوبُ بن موسى، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن حُميدٍ الطَّويلِ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: لمّا انصرفَ رسُولُ الله ﷺ من غَزْوةِ تبُوكَ حينَ دَنا من المدينةِ قال: "إنَّ بالمدينةِ أقوامًا، ما سِرتُم مَسِيرًا، ولا قَطَعتُم واديًا، إلّا كانوا معكُم"، قالوا: وهُم بالمدينةِ؟ قال: "نعم، حَبَسهُمُ العُذرُ" (١). هذا أبينُ شيءٍ فيما قُلنا؛ لأنَّ هؤُلاءِ لمّا نَووُا الجِهادَ وأرادُوهُ، وحَبَسهُمُ العُذرُ، كانوا في الأجرِ كمَنْ قطَعَ الأوديةَ والشِّعاب، مُجاهِدًا بنَفسِهِ، وهذا أشبَهُ الأشْياءِ (٢) بالذي غَلَبهُ (٣) النَّومُ، فمَنَعهُ من صلاةٍ كان قد عزَمَ عليها، ونَوَى القيامَ إليها. وهذا الحديثُ لم يسمعهُ حُميدٌ من أنسٍ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن حُميدٍ، عن موسى بن أنَسٍ، عن أبيهِ أنَسِ بن مالكٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لقد تَركتُم بالمدينةِ أقْوامًا ما سِرتُم

стр. 4314

مَسِيرًا، ولا أنفقتُم من نَفَقةٍ، ولا قَطَعتُم من وادٍ، إلّا وهُمْ معكُم". قالوا: يا رسُولَ الله، وكيفَ يكونُونَ معنا وهُم بالمدينةِ؟ قال: "حَبَسهُمُ العُذرُ". وقال الله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكر، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ. قالا جميعًا: أخْبَرنا العوّامُ بن حَوْشبٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحمنِ السَّكْسَكيُّ أبو إسماعيلَ، أنَّهُ سمِعَ أبا بُرْدةَ بن أَبي موسى، سمِعَ أبا موسى يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ غير مرَّةٍ ولا مرَّتينِ: "من كان لهُ عملٌ يَعْملُهُ، فشَغَلهُ عنهُ مرضٌ، أو سَفرٌ، فإنَّهُ يُكتَبُ لهُ كصالح ما كان يعملُ وهُو صحيحٌ مُقيمٌ" (١). دخلَ حديثُ بعضِهِما في بعضٍ. وقد مَضَى في بابِ زيدِ بن أسلمَ، قولُهُ ﷺ في المريضِ: "إنَّهُ يُكتَبُ لهُ أجرُ ما كان يعملُهُ في صِحَّتِهِ، ما دامَ في وثاقِ مَرضِهِ". وذكر سُنَيدٌ قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عاصِم، عن (٢) أبي رَزِين (٣)، عن ابن عبّاسٍ في قولِهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] قال: إلى أرذلِ العُمُرِ. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦]. قال: إذا كبِرَ ولم يُطِقِ العملَ، كُتِبَ لهُ ما كان يَعْملُ (٤).

стр. 4315

قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ، بمِثلِهِ، قال: إذا كبِرَ ولم يُطِقِ العملَ، كُتِبَ لهُ ما كان يعملُ في قوَّتِه (١). قال: وحدَّثنا، حمّادٌ، عن داودَ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ في هذه الآيةِ، قال: إذا كبِرَ وعجَزَ، يُجرَى عليه أجرُ ما كان يعملُ في شَبِيبتِهِ غير ممنُون (٢). فهذا يُوضِّحُ (٣) أيضًا ما قُلنا. وقد يَدْخُلُ مِمّا في "المُوطَّأ" في هذا البابِ، حديثُ مالك (٤)، عن داود بن الحُصَينِ، عن الأعرج، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدٍ القارِيِّ (٥)، عن عُمرَ، قال: من فاتهُ حِزبُهُ من اللَّيلِ، فقَرَأهُ حينَ تزُولُ الشَّمسُ، إلى صَلاةِ الظُّهرِ، فإنَّهُ لم يَفُتْهُ. وهذا وإن كان فيه عَملٌ، فمَعلُومٌ أنَّ صَلاةَ اللَّيلِ والقيامَ بالأسْحارِ (٦) أفضلُ من النّافِلةِ بالنَّهارِ. فعلى هذا المعنى يَدْخُلُ في هذا الحديث، ومِثلُهُ، قولُ رسُولِ الله ﷺ : "من جَهَّزَ غازيًا، كان لهُ مِثلُ أجْرِهِ" (٧).

стр. 4316

وهذا المعنى قد تَقصَّيناهُ أيضًا، عِندَ قولِهِ ﵇: "فإنَّهُ في صَلاةٍ، ما كان مُنتظِرًا للصَّلاةِ" (١). وأتينا هُناكَ من البَيانِ فيه بما (٢) لا معنى لتكريرِهِ هاهُنا. وأمّا حديثُ مالكٍ، عن داود، عن الأعْرَج، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدٍ القاريِّ (٣)، عن عُمرَ، فإنَّ قولهُ فيه: فقَرَأهُ حينَ تزُولُ الشَّمسُ، إلى صَلاةِ الظُّهرِ، وهمٌ عِندي، والله أعلمُ، ولا أدري أمنْ داود جاءَ، أم من غيرِهِ؟ لأنَّ المحفُوظَ فيه: عن عُمرَ، من حديثِ ابن شِهاب: من نامَ عن حِزْبِه، أو عن شيءٍ من حِزْبِه، فقَرَأهُ ما بينَ صَلاةِ الفَجْرِ وصلاةِ الظُّهرِ، كُتِبَ لهُ كأنَّما قَرأهُ. وقدِ اختُلِفَ في إسنادِهِ ورَفْعِهِ، عن ابن شِهاب. فرَوَى يُونُسُ بن يزيدَ، عن ابن شِهاب، عن السّائبِ بن يزيدَ وعُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدٍ القاريِّ (٤)، عن عُمر بن الخطّابِ، عن النَّبيِّ ﵇ قال: "من نامَ عن حِزْبِهِ، أو عن (٥) شيءٍ من حِزْبِهِ، فقرأهُ ما بينَ صَلاةِ الفجرِ وصلاةِ الظُّهرِ، كُتِب لهُ (٦) كأنَّما قَرَأهُ من اللَّيل" (٧). هكَذا رواهُ ابنُ وَهْب، وأبو صَفْوانَ، عن يُونُسَ، عن الزُّهريِّ، بإسنادِهِ مرفوعًا.

стр. 4317

واسمُ أبي صَفْوانَ: عبدُ الله بن سعيدٍ، مكِّيٌّ ثِقةٌ، روى عنهُ الحُمَيديُّ، وكِبارُ النّاسِ. ورواهُ مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ القارِيِّ (١)، عن عُمر بن الخطّابِ. موقوفًا عليه، قولُهُ (٢). وقد ذكر الدّارقُطنيُّ هذا الحديث في "غرائبِ حديثِ مالكٍ" فقال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن الحسنِ بن محمدِ المُقرِئُ النَّقاشُ، من أصلِ كِتابِهِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن طاهرِ بن حَرْملةَ بن يحيى، قال: حدَّثنا جَدِّي حَرْملةُ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرنا مالكُ بن أنَسٍ، عن ابن شِهاب، عن السّائبِ بن يزيدَ وعُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ القارِيِّ (٣)، عن عُمرَ بن الخطّابِ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من نامَ عن حِزْبِه، أو عن شيءٍ منهُ، فقَرَأهُ ما بينَ صلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ الظُّهرِ، كُتِبَ لهُ كأنَّما قَرأهُ من اللَّيل". قال أبو الحسنِ: لم يُكْتَب هذا الحديث (٤) من حَديثِ مالكٍ، إلّا من هذا الوَجْهِ، وهُو غريبٌ عن مالكٍ، ومحفُوظٌ من حَديثِ يُونُسَ وعُقَيل (٥)، عن الزُّهريِّ. قال: وأحمدُ بن طاهرٍ ليسَ بالقويِّ. قال أبو عُمر: وهذا الوَقْتُ فيه من السَّعةِ ما ينُوبُ عن صَلاةِ اللَّيلِ، فيتَفضَّلُ الله برحمتِه على منِ استدركَ من ذلك ما فاتَهُ. وليسَ من زَوالِ الشَّمسِ إلى صَلاةِ الظُّهرِ ما يَسْتدرِكُ فيه كلُّ أحَدٍ حِزبهُ، وهذا بيِّنٌ، والله أعلمُ.

стр. 4318

حديثٌ خامِسٌ لمحمدِ بن المُنْكدِرِ مالكٌ (١)، عن محمدِ بن المُنكدِرِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ دُعِيَ إلى طعام (٢) فقُرِّبَ إليه خُبزٌ ولحمٌ، فأكلَ منهُ، ثُمَّ توضَّأ، ثُمَّ أُتي بفَضْلِ ذلك الطَّعام، فأكلَ منهُ، ثُمَّ صلَّى ولم يَتَوضَّأ. قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عِندَ جميع الرُّواةِ فيما عَلِمتُ مُرسلًا (٣). ورواهُ عُمرُ بن إبراهيمَ الكُرْديُّ، وخالدُ بن يزيدَ العُمَريُّ، والقُداميُّ (٤)، كلُّهُم، عن مالكٍ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله مُسندًا. وكلُّهُم ضعيفٌ لا يُحتجُّ برِوايتِهِ عن مالكٍ، ولا عن غيرِهِ، لضَعْفِهِم، والصوابُ فيه عن مالكٍ ما في "المُوطَّأ" مُرسلًا، وقد رواهُ ثِقاتٌ عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرٍ مُسندًا، وسَنذكُرُ ما حضَرَنا ذِكرهُ من ذلك في هذا الكِتابِ إن شاءَ الله. وفيه من الفِقهِ: أن لا وُضُوءَ على من أكلَ مِمّا مسَّتهُ النّارُ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: فأكَلَ منهُ، ثُمَّ توضَّأ. فذلك، واللهُ أعلمُ، إنَّما كان لحدَثٍ عِندُهُ، أو للفَضْلِ، فقد كان ﷺ يَتَوضَّأُ في الأغلبِ من أمرِهِ لكلِّ صلاةٍ، ويدُلُّ ذلكَ على ما ذَكَرتُ لك، ما ذُكِرَ في هذا الحديثِ: أنَّهُ أُتي بفَضْلِ ذلكَ الطَّعام، فأكلَ منهُ، ثُمَّ صلَّى ولم يَتَوضَّأ. فلو كان وُضُوؤُهُ من أجْلِ الطَّعام أوَّلًا، لكان قد توضَّأ آخِرًا من بَقيَّةِ ذلكَ الطَّعام، إذِ الحُكمُ فيه واحِدٌ، هذا ما لا يَشُكُّ فيه ذُو لُبٍّ.

стр. 4319

وفيه أيضًا: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يكُن يتَوضَّأُ أحيانًا لكلِّ صلاةٍ. وفيه: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يأكُلُ في اليَوم مرَّتينِ، ورُبَّما أكثرَ. وقد مَضَى القولُ والآثارُ، وما للعُلماءِ في هذا البابِ من التَّنازُع، وما رُوي فيه عن السَّلفِ مُستَوعَبًا، في بابِ زيدِ بن أسْلَمَ من كِتابِنا هذا، فأغْنَى ذلكَ عن إعادتِهِ هاهُنا. وأمّا رِوايةُ من رَوَى هذا الحديث عن محمدِ بن المُنكدِرِ مُسندًا مُتَّصِلًا: فحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمدَ بن عيسى بن الحسنِ الورّاقُ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن هانئ الأثرمُ الوَرّاقُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن يُونُسَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي سلَمةَ، قال: أخبرنا محمدُ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: أُتي النَّبيُّ ﷺ بشيءٍ مِمّا مسَّتِ النّارُ، فأكَلَ وتَوضَّأ وصلَّى، ثُمَّ أكلَ بعد ذلك مِثلَ ذلكَ، فصلَّى ولم يتَوضَّأ (١). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبد الرزاق (٢)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا إبراهيمُ بن الحسنِ الخَثْعميُّ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، قال ابنُ جُرَيْج: أخبرني ابنُ المُنكدِرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: قُرِّبَ لرسُولِ الله ﷺ خُبزٌ ولحمٌ، فأكلَ منهُ، ثُمَّ دَعا بوَضُوءٍ، فتوضَّأ، ثُمَّ صلَّى الظُّهرَ، ثُمَّ دَعا بفَضْلِ طعامِهِ فأكلَ، ثُمَّ قامَ إلى الصَّلاةِ ولم يتَوضَّأ.

стр. 4320

وحَدَّثَنَا عبدُ الله، قال: حَدَّثَنَا محمدٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (١): حَدَّثَنَا موسى أبو (٢) عِمْرانَ الرَّمليُّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عيّاشٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعَيبُ بن أبي حمزةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: كان آخِرَ الأمرينِ من رَسُولِ الله ﷺ تركُ الوُضُوءِ مِمّا غيَّرتِ النّارُ. قال أبو داود: وهذا اختِصارٌ من الحديثِ الأوَّلِ. وحَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعيب، قال (٣): أخبرني عَمرُو بن منصُورٍ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عيّاشٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعَيبٌ، وهُو ابنُ أبي حَمْزةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ قال: سَمِعتُ جابر بن عبدِ الله قال: كان آخِرَ الأمرَينِ من رسُولِ الله ﷺ تركُ الوُضُوءَ مِمّا مسَّتِ (٤) النّارُ. وحَدَّثَنَا (٥) أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بن أبي (٦) أُسامةَ، قال (٧): حَدَّثَنَا العبّاسُ بن الفَضْلِ. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن محمدٍ

стр. 4321

البِرْتيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مَعْمرٍ، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: أخبرنا محمدُ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: دَخَلتُ مع النَّبيِّ ﷺ على امْرَأةٍ من الأنْصارِ، فذَبَحتْ لهُ شاةً فأكلَ، ثُمَّ صلَّى ولم يتوضَّأ. ودَخَلتُ على أبي بكرٍ بعد مَوْتِ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: أينَ شاتُكُمُ الوالِدُ تُطبَخُ لنا؟ فأكلَ، ثُمَّ صلَّى ولم يتَوضَّأ. ودخلتُ على عُمرَ بعد مَوْتِ أبي بكرٍ، فأكلَ خُبزًا ولحمًا، ثُمَّ صلَّى ولم يتَوضَّأ. قال أبو عُمر: قد رَوَى هذا الحديث عن جابرِ بن عبدِ الله، عن النَّبيِّ ﷺ : عبدُ الله بن محمدِ بن عَقِيل (١)، وعَطاءُ بن أبي رَباح (٢)، وغيرُهُما (٣)، وإنَّما ذكَرْنا في هذا البابِ حديث ابن المُنكدِرِ خاضَةً مُسندًا، توصيلَا لمُرسلاتِ مالكٍ، وتبيانًا لصِحَّتِها، وباللّه التَّوفيقُ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يحيى بن عُمر، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن حربٍ الطّائيُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أكلَ لحمًا، فصلَّى ولم يَتَوضَّأ، وأنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ أكلَ كَتِفًا، فصلَّى ولم يتَوضَّأ، وأنَّ عُمرَ بن الخطّابِ أكلَ لحمًا، فصلَّى ولم يتَوضَّأ (٤). قال أبو عُمر: فهذه السُّنّةُ الثّابِتةُ، وعَملُ الخُلفاءِ الرّاشِدينَ، فلا وجهَ عِندي لما خالَفَ ذلكَ من الآثارِ والأقوالِ، واللّه المُستعانُ. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ ويعيشُ بن سَعيدٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بن

стр. 4322

أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن الهيثم أبو (١) الأحْوَصِ، قال: حَدَّثَنَا عَمرُو بن عُثمان بن كثيرِ بن دينارٍ الحِمْصيُّ، قال: حَدَّثَنَا عُقْبةُ بن عَلْقمةَ البَيْرُوتيُّ مُعافِريٌّ، عن الأوزاعيِّ قال: كان مكحول يتَوضَّأُ مِمّا مسَّتِ النّارُ، حتَّى لَقِيَ عطاءَ بن أبي رباح، فأخبَرهُ عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ أبا بكرٍ أكلَ ذِراعًا أو كتِفًا، ثُمَّ صلَّى ولم يتَوضَّأ، فقيل لهُ: أترَكتَ الوُضُوءَ؟ فقال: لأنَّ يَقعَ أبو بكرٍ من السَّماءِ فيتقطَّعَ، أحبُّ إليه من أن يُخالِفَ رسُولَ الله ﷺ (٢). قال أبو عُمر: بعَملِ الخُلفاءِ بعدَ رسُولِ الله ﷺ في هذا البابِ، يُوقَفُ على النّاسِخ والمنسُوخ (٣)، وقد ذكرَ مالكٌ في "المُوطَّأ" عن أبي نُعيم وَهْبِ بن كَيْسان، عن جابرٍ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (٤). وعن ابن المُنكدِرِ، وصَفْوان بن سُلَيم، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ، عن رَبِيعةَ بن عبدِ الله بن الهُدَيرِ، عن عُمرَ بن الخطّاب (٥). وعن ضَمْرةَ بن سَعيدٍ، عن أبانِ بن عُثمانَ، عن عُثمانَ (٦). وعن يحيى بن سَعيدٍ، عن عبدِ الله بن عامرِ بن رَبِيعةَ، عن أبيهِ: أنَّهُم كانوا لا يتَوَضَّؤُونَ مِمّا مسَّتِ النّارُ (٧). وبَلَغهُ عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وعبدِ الله بن عبّاسٍ، مِثلُ ذلك (٨). وقد ذكَرْنا في بابِ زيدِ بن أسلَمَ من كِتابِنا هذا ما يَشْفي النّاظِر ويَكْفي والحمدُ للّه (٩).
следующие страницы →