← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4318–4357 · переход к 4323.

стр. 4318

حديثٌ خامِسٌ لمحمدِ بن المُنْكدِرِ مالكٌ (١)، عن محمدِ بن المُنكدِرِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ دُعِيَ إلى طعام (٢) فقُرِّبَ إليه خُبزٌ ولحمٌ، فأكلَ منهُ، ثُمَّ توضَّأ، ثُمَّ أُتي بفَضْلِ ذلك الطَّعام، فأكلَ منهُ، ثُمَّ صلَّى ولم يَتَوضَّأ. قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عِندَ جميع الرُّواةِ فيما عَلِمتُ مُرسلًا (٣). ورواهُ عُمرُ بن إبراهيمَ الكُرْديُّ، وخالدُ بن يزيدَ العُمَريُّ، والقُداميُّ (٤)، كلُّهُم، عن مالكٍ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله مُسندًا. وكلُّهُم ضعيفٌ لا يُحتجُّ برِوايتِهِ عن مالكٍ، ولا عن غيرِهِ، لضَعْفِهِم، والصوابُ فيه عن مالكٍ ما في "المُوطَّأ" مُرسلًا، وقد رواهُ ثِقاتٌ عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرٍ مُسندًا، وسَنذكُرُ ما حضَرَنا ذِكرهُ من ذلك في هذا الكِتابِ إن شاءَ الله. وفيه من الفِقهِ: أن لا وُضُوءَ على من أكلَ مِمّا مسَّتهُ النّارُ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: فأكَلَ منهُ، ثُمَّ توضَّأ. فذلك، واللهُ أعلمُ، إنَّما كان لحدَثٍ عِندُهُ، أو للفَضْلِ، فقد كان ﷺ يَتَوضَّأُ في الأغلبِ من أمرِهِ لكلِّ صلاةٍ، ويدُلُّ ذلكَ على ما ذَكَرتُ لك، ما ذُكِرَ في هذا الحديثِ: أنَّهُ أُتي بفَضْلِ ذلكَ الطَّعام، فأكلَ منهُ، ثُمَّ صلَّى ولم يَتَوضَّأ. فلو كان وُضُوؤُهُ من أجْلِ الطَّعام أوَّلًا، لكان قد توضَّأ آخِرًا من بَقيَّةِ ذلكَ الطَّعام، إذِ الحُكمُ فيه واحِدٌ، هذا ما لا يَشُكُّ فيه ذُو لُبٍّ.

стр. 4319

وفيه أيضًا: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يكُن يتَوضَّأُ أحيانًا لكلِّ صلاةٍ. وفيه: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يأكُلُ في اليَوم مرَّتينِ، ورُبَّما أكثرَ. وقد مَضَى القولُ والآثارُ، وما للعُلماءِ في هذا البابِ من التَّنازُع، وما رُوي فيه عن السَّلفِ مُستَوعَبًا، في بابِ زيدِ بن أسْلَمَ من كِتابِنا هذا، فأغْنَى ذلكَ عن إعادتِهِ هاهُنا. وأمّا رِوايةُ من رَوَى هذا الحديث عن محمدِ بن المُنكدِرِ مُسندًا مُتَّصِلًا: فحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمدَ بن عيسى بن الحسنِ الورّاقُ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن هانئ الأثرمُ الوَرّاقُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن يُونُسَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي سلَمةَ، قال: أخبرنا محمدُ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: أُتي النَّبيُّ ﷺ بشيءٍ مِمّا مسَّتِ النّارُ، فأكَلَ وتَوضَّأ وصلَّى، ثُمَّ أكلَ بعد ذلك مِثلَ ذلكَ، فصلَّى ولم يتَوضَّأ (١). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبد الرزاق (٢)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا إبراهيمُ بن الحسنِ الخَثْعميُّ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، قال ابنُ جُرَيْج: أخبرني ابنُ المُنكدِرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: قُرِّبَ لرسُولِ الله ﷺ خُبزٌ ولحمٌ، فأكلَ منهُ، ثُمَّ دَعا بوَضُوءٍ، فتوضَّأ، ثُمَّ صلَّى الظُّهرَ، ثُمَّ دَعا بفَضْلِ طعامِهِ فأكلَ، ثُمَّ قامَ إلى الصَّلاةِ ولم يتَوضَّأ.

стр. 4320

وحَدَّثَنَا عبدُ الله، قال: حَدَّثَنَا محمدٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (١): حَدَّثَنَا موسى أبو (٢) عِمْرانَ الرَّمليُّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عيّاشٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعَيبُ بن أبي حمزةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: كان آخِرَ الأمرينِ من رَسُولِ الله ﷺ تركُ الوُضُوءِ مِمّا غيَّرتِ النّارُ. قال أبو داود: وهذا اختِصارٌ من الحديثِ الأوَّلِ. وحَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعيب، قال (٣): أخبرني عَمرُو بن منصُورٍ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عيّاشٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعَيبٌ، وهُو ابنُ أبي حَمْزةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ قال: سَمِعتُ جابر بن عبدِ الله قال: كان آخِرَ الأمرَينِ من رسُولِ الله ﷺ تركُ الوُضُوءَ مِمّا مسَّتِ (٤) النّارُ. وحَدَّثَنَا (٥) أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بن أبي (٦) أُسامةَ، قال (٧): حَدَّثَنَا العبّاسُ بن الفَضْلِ. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن محمدٍ

стр. 4321

البِرْتيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مَعْمرٍ، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: أخبرنا محمدُ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: دَخَلتُ مع النَّبيِّ ﷺ على امْرَأةٍ من الأنْصارِ، فذَبَحتْ لهُ شاةً فأكلَ، ثُمَّ صلَّى ولم يتوضَّأ. ودَخَلتُ على أبي بكرٍ بعد مَوْتِ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: أينَ شاتُكُمُ الوالِدُ تُطبَخُ لنا؟ فأكلَ، ثُمَّ صلَّى ولم يتَوضَّأ. ودخلتُ على عُمرَ بعد مَوْتِ أبي بكرٍ، فأكلَ خُبزًا ولحمًا، ثُمَّ صلَّى ولم يتَوضَّأ. قال أبو عُمر: قد رَوَى هذا الحديث عن جابرِ بن عبدِ الله، عن النَّبيِّ ﷺ : عبدُ الله بن محمدِ بن عَقِيل (١)، وعَطاءُ بن أبي رَباح (٢)، وغيرُهُما (٣)، وإنَّما ذكَرْنا في هذا البابِ حديث ابن المُنكدِرِ خاضَةً مُسندًا، توصيلَا لمُرسلاتِ مالكٍ، وتبيانًا لصِحَّتِها، وباللّه التَّوفيقُ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يحيى بن عُمر، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن حربٍ الطّائيُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أكلَ لحمًا، فصلَّى ولم يَتَوضَّأ، وأنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ أكلَ كَتِفًا، فصلَّى ولم يتَوضَّأ، وأنَّ عُمرَ بن الخطّابِ أكلَ لحمًا، فصلَّى ولم يتَوضَّأ (٤). قال أبو عُمر: فهذه السُّنّةُ الثّابِتةُ، وعَملُ الخُلفاءِ الرّاشِدينَ، فلا وجهَ عِندي لما خالَفَ ذلكَ من الآثارِ والأقوالِ، واللّه المُستعانُ. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ ويعيشُ بن سَعيدٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بن

стр. 4322

أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن الهيثم أبو (١) الأحْوَصِ، قال: حَدَّثَنَا عَمرُو بن عُثمان بن كثيرِ بن دينارٍ الحِمْصيُّ، قال: حَدَّثَنَا عُقْبةُ بن عَلْقمةَ البَيْرُوتيُّ مُعافِريٌّ، عن الأوزاعيِّ قال: كان مكحول يتَوضَّأُ مِمّا مسَّتِ النّارُ، حتَّى لَقِيَ عطاءَ بن أبي رباح، فأخبَرهُ عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ أبا بكرٍ أكلَ ذِراعًا أو كتِفًا، ثُمَّ صلَّى ولم يتَوضَّأ، فقيل لهُ: أترَكتَ الوُضُوءَ؟ فقال: لأنَّ يَقعَ أبو بكرٍ من السَّماءِ فيتقطَّعَ، أحبُّ إليه من أن يُخالِفَ رسُولَ الله ﷺ (٢). قال أبو عُمر: بعَملِ الخُلفاءِ بعدَ رسُولِ الله ﷺ في هذا البابِ، يُوقَفُ على النّاسِخ والمنسُوخ (٣)، وقد ذكرَ مالكٌ في "المُوطَّأ" عن أبي نُعيم وَهْبِ بن كَيْسان، عن جابرٍ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (٤). وعن ابن المُنكدِرِ، وصَفْوان بن سُلَيم، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ، عن رَبِيعةَ بن عبدِ الله بن الهُدَيرِ، عن عُمرَ بن الخطّاب (٥). وعن ضَمْرةَ بن سَعيدٍ، عن أبانِ بن عُثمانَ، عن عُثمانَ (٦). وعن يحيى بن سَعيدٍ، عن عبدِ الله بن عامرِ بن رَبِيعةَ، عن أبيهِ: أنَّهُم كانوا لا يتَوَضَّؤُونَ مِمّا مسَّتِ النّارُ (٧). وبَلَغهُ عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وعبدِ الله بن عبّاسٍ، مِثلُ ذلك (٨). وقد ذكَرْنا في بابِ زيدِ بن أسلَمَ من كِتابِنا هذا ما يَشْفي النّاظِر ويَكْفي والحمدُ للّه (٩).

стр. 4323

محمدُ بن يحيى بن حَبّان (١) لمالكٍ عنهُ أربعةُ أحاديثَ مُسْندةٌ (٢) صِحاحٌ وهُو محمدُ بن يحيى بن حَبّان بن مُنقِذٍ (٣)، وقد ذكَرْنا جدَّهُ هذا (٤) في الصَّحابة (٥) بما يُغني عن ذِكْرِهِ هاهُنا، ويُكْنَى محمدُ بن يحيى بن حَبّان، أبا عبدِ الله. وكان ثِقةً مأمُونًا، على ما جاءَ به، حُجَّةً فيما نقلَ، سكنَ المدينةَ، وماتَ بها، سنةَ إحْدَى وعِشرينَ ومئةٍ، وهُو ابنُ أربع وسبعينَ سنةً. قال محمدُ بن عُمر الواقِديُّ (٦): كانت لمحمدِ بن يحيى بن حَبّان حَلْقةٌ في مسجِدِ رسُولِ الله ﷺ ، وكان يُفتي. وكان مالكٌ يُثني عليه ويَصِفُهُ بالعِلم والعِبادةِ. قال يحيى بن مَعين (٧): وقد سمِعَ من (٨) ابن عُمرَ.

стр. 4324

حديث أوَّلُ لمحمدِ بن يحيى بن حَبّان مالكٌ (١)، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، وعن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن المُلامَسةِ والمُنابَذة (٢). قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عِندَ جماعةِ رُواتِهِ بهذا الإسنادِ (٣)، وقد رَوَى فيه مُسلمُ بن خالدٍ، عن مالكٍ إسنادًا آخرَ محفُوظًا أيضًا (٤) من حديثِ ابن شِهاب، وإن كان غير معرُوفٍ لمالكٍ. حَدَّثَنَاه (٥) خلفُ بن قاسم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن (٦) الحسنِ بن إسحاق بن عُتبةَ الرّازيُّ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بن عُثمان بن صالح بن صَفْوان السَّهميُّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا مُسلمُ بن خالدٍ الزَّنجيُّ، قال: أخبرنا مالكُ بن أَنَسٍ وزيادٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عامرِ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، أنَّهُ سمِعَ أبا سعيدٍ الخُدريَّ يقولُ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن المُلامَسةِ، والمُنابَذةِ. والمُلامَسةُ: لمسُ الرَّجُلِ

стр. 4325

الثَّوبَ لا ينظُرُ إليه، ولا يُخبَرُ عنهُ، والمُنابَذةُ، أن يطرحَ الرَّجُلُ الثَّوبَ إلى الرَّجُل، قبلَ أن يُقلِّبهُ وينظُرَ إليه. هكذا جاءَ هذا التَّفسيرُ في درج هذا الحديثِ، وقد فسَّرَ مالكٌ في "المُوطَّأ" بمِثلِ ذلك المعنى. وذكَرَ الدّارقُطنيُّ هذا الخبرَ عن أبي العبّاسِ أحمد بن الحسنِ الرّازيِّ، بإسناد مِثلَهُ، إلّا أنَّهُ قال في موضِع "وزيادٌ": "وابنُ زيادٍ". وقال: هُو عبدُ الله بن زيادِ بن سِمْعان المدنيُّ (١)، مترُوكُ الحديثِ. وهذا وهمٌ وغلطٌ وظنٌّ، لا يُغني من الحقِّ شيئًا، وليسَ ذِكرُ ابن زيادٍ في هذا الحديثِ لهُ وجهٌ (٢)، وإنَّما هُو زيادٌ، لا ابنُ زيادٍ، وهُو زيادُ بن سعدٍ الخُراسانيُّ، واللّهُ أعلمُ. وقال مالكٌ (٣) بأثرِ هذا الحديث: والمُلامَسةُ أن يلمِسَ الرَّجُلُ الثَّوبَ، ولا ينشُرهُ، ولا يتبيَّنَ ما فيه، أو يبتاعهُ ليلًا وهُو لا يعلَمُ ما فيه (٤)، قال: والمُنابذةُ أن ينبِذَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ ثوبهُ، وينبِذَ الرَّجُلُ الآخرُ إليه ثوبهُ، على غَيرِ تأمُّلٍ منهُما، ويقولُ كلُّ واحِدٍ منهُما لصاحِبِه: هذا بهذا، فهذا الذي نُهِيَ عنهُ من المُلامَسةِ والمُنابَذةِ. قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ على المعنى الذي فسَّرهُ مالكٌ، دليل على أنَّ بيعَ من باعَ ما لا يقِفُ على عينِهِ، ولا يعرِفُ مَبْلغهُ، من كَيْل، أو وزنٍ، أو ذَرْع (٥)،

стр. 4326

أو عَدَدٍ، أو شِراءِ منِ اشْتَرى ما لا يعرِفُ قَدْرهُ، ولا عَيْنهُ، ولا وقَفَ عليه فتأمَّلهُ، ولا اشْتَراهُ على صِفةٍ، باطِلٌ. وهُو عِندي داخِل تحت جُملةِ ما نَهَى عنهُ رسُول الله ﷺ من بَيْع الغَررِ والمُلامَسةِ. وقد جاءَ نحوُ هذا التَّفسيرِ مرفُوعًا في الحديثِ، من حديثِ أبي سَعِيدٍ الخُدريِّ: أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا المُطَّلبُ بن شُعَيب (١)، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن صالح، قال: حَدَّثَنِي اللَّيثُ، قال: حَدَّثَنِي يونُسُ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني عامرُ بن سعدٍ، أنَّ أبا سَعيدٍ الخُدريَّ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن لُبْسَتينِ، وعن بَيْعَتينِ، نَهَى عن المُلامَسةِ والمُنابذةِ في البَيْع، والمُلامَسةُ: لمسُ الرَّجُل ثوبَ الآخرِ بيدِهِ، باللَّيل والنَّهارِ، ولا يُقلِّبُهُ إلّا بذلكَ، والمُنابَذةُ: أن ينبِذَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُل ثوبهُ، وينبِذَ الآخرُ إليه ثوبَهُ، ويكونُ ذلك بَيْعهُما على غيرِ نَظرٍ ولا تَراض (٢). هكذا روى هذا الحديث يونُسُ، عن ابن شِهاب، عن عامرِ بن سعدٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، حدَّث به عنهُ ابنُ وَهْب (٣) وعنبسةُ (٤)، واللَّيثُ.

стр. 4327

ولم يذكُر بعضُهُم فيه هذا التَّفسيرَ، وقد يُمكِنُ أن يكونَ التَّفسيرُ قولَ اللَّيثِ، أو لابنِ شِهاب، فالله أعلمُ. وروى هذا الحديث مَعْمرٌ (١)، وابنُ عُيينةَ (٢) عن الزُّهريِّ، عن عطاءِ بن يزيد اللَّيثيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ. وليس في حديثهِما التَّفسيرُ الذي في حديثِ اللَّيثِ عن يونُس، وهُو تفسير مُجتَمعٌ عليه، لا تدافُعَ ولا تنازُعَ فيه. والمُلامَسةُ والمُنابَذةُ، بُيُوعٌ كان أهلُ الجاهِليَّةِ يتبايعُونها، وهي ما تقدَّم وَصْفُهُ، فنَهَى رسُولُ الله ﷺ عنها، وهي كلُّها داخِلةٌ تحتَ الغَرَرِ والقِمارِ، فلا يجُوزُ شيءٌ منها بحال. وقد رَوَى هذا الحديث: جعفرُ بن بُرْقانَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ. فأخَطأ في إسناده عِندَ أهل العِلم بالحديثِ، وفسَّرهُ أيضًا تفسيرًا حَسَنًا بمعنى ما تقدَّم. حَدَّثَنَا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا كثيرُ بنُ هشام، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بن بُرْقانَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بَيْعَتينِ: عن المُلامَسَة والمُنابذة، وهي بُيُوعٌ كانوا يَتَبايعُونَ بها في الجاهِليَّةِ. قال كثيرٌ: فقلتُ لجَعْفر: ما المُنابذةُ وما المُلامَسةُ؟ قال: المُنابَذةُ، أن يقولَ الرَّجُلُ

стр. 4328

للرَّجُل: إذا نبذتُهُ إليكَ، فهُو لكَ بكذا وكذا، والمُلامَسةُ أن يُعطِيَ الرَّجُلُ الشَّيءُ، ثُمَّ يَلْمِسهُ المُشتري وهُو مُغطًّى لا يَراهُ (١). قال أبو عُمر: الأصلُ في هذا البابِ كلِّهِ، النَّهيُ عن القِمارِ والمُخاطَرةِ، وذلك الميسِرُ المَنْهيُّ عنهُ، مع نَهْي رسول الله ﷺ عن بَيعْ الغَررِ، وعن بيع الحَصاةِ. ومعنى بيع الحَصاة: أنَّهُم كانوا يقولُونَ، إذا تبايعُوا بيعَ الحصاةِ في أشْياءَ حاضِرةِ العين: أيُّ شيءٍ منها وَقعَتْ عليه حَصاتي هذه، فهُو لكَ بكذا، ثُمَّ يَرْمي الحصاةَ. هذا كلُّهُ كان من بُيُوع أهل الجاهِليَّةِ، فنَهَى رسولُ الله ﷺ عنها. وقال مالكٌ في السّاج المُدرج في جِرابِهِ، والثَّوبِ القُبطيِّ المُدرج: إنَّهُ لا يجُوزُ بيعُهُما حتَّى يُنشُرا، ويُنظَرَ (٢) إلى ما في أجْرَابهِما (٣)، وذلكَ أنَّ بيعهُما من بَيْع الغَررِ، وهُو من المُلامَسة (٤). قال: وفرقٌ بين ذلك وبين بيع البزِّ وغيرِهِ في الأعْدال (٥) على البرنامج الأمرُ المعمُولُ به من عمل الماضين. وعِندَ مالكٍ وأصحابِه: من المُلامَسةِ، البيعُ من الأعْمَي، على اللَّمسِ بيَدِهِ، وبيعُ البَزِّ، وسائرِ السِّلع ليلًا دُونَ صِفةٍ. وقال الشّافِعيُّ في تفسيرِ المُلامَسةِ والمُنابذةِ، نحو قولِ مالكٍ، قال الشَّافِعيُّ: معنى المُلامَسة: أن يأتيهُ بالثَّوبِ مَطْويًّا، فيَلْمِسهُ المُشْتري، أو يأتيهُ به

стр. 4329

في ظُلْمةٍ، فيقول ربُّ الثَّوب: أبيعُكَ هذا، على أنَّهُ إذا وجبَ البيعُ، فنظرتَ إليه، فلا خيارَ لك، والمُنابذةُ: أن يقول: أنبِذُ إليكَ ثوبي هذا، وتنبِذُ إليَّ ثوبكَ، على أنَّ كلَّ واحِدٍ منهُما بالآخرِ، ولا خيارَ إذا عَرَفنا الطُّولَ والعَرْضَ (١). فهذا يدُلُّ من قولهِ، على أنَّ المُلامَسةَ والمُنابَذةَ لو كان فيهِما (٢) خيارُ الرُّؤيةِ والنَّظرِ لَمْ تبطُلْ، واللّه أعلمُ. وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: المُلامَسةُ والمُنابَذةُ بَيْعانِ لأهلِ الجاهِليَّةِ، كان إذا وضعَ يَدهُ على ما ساومَ به، مَلَّكهُ بذلك صاحِبُهُ، وإذا نَبذهُ إليه ملَّكهُ أيضًا ووجَبَ ثَمنهُ عليه، وإن لَمْ تَطِب نفسُهُ، فكان ذلك يَجْري مَجْرَى القِمارِ، لا على جِهةِ التَّبايُعُ (٣). وقال الزُّهريُّ: المُلامَسةُ أنَّ القومَ كانوا يَتَبايعُون السِّلعَ، ولا ينظُرُونَ إليها، ولا يُخبَرُونَ عنها، والمُنابَذةُ: أن يتنابَذَ القومُ السِّلعَ، ولا ينظُرُونَ إليها، ولا يُخبَرُونَ عنها، فهذا من أبوابِ القِمارِ. قال أبو عُمر: في قول الزُّهريِّ هذا إجازَةٌ للبيع على الصِّفةِ، ألا تَرى إلى قوله: ولا يُخبَرُون عنها؟ وقال رَبِيعةُ: المُلامَسةُ والمُنابذةُ من أبوابِ القِمار (٤). قال أبو عُمر: أبطلَ رسُولُ الله ﷺ ما كان عليه أهلُ الجاهِليَّةِ من أخذِ الشيءِ على وَجْهِ القِمارِ، وأباحَهُ بالتَّراضي، وبذلكَ نطقَ القُرآنُ في قولهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].

стр. 4330

وقد نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بُيُوع كثيرةٍ، وإن تَراضَى بها المُتبايِعانِ، كلُّها أو أكثرُها مذكُورةٌ في كِتابِنا هذا، في مَواضِعِها والحمدُ للّه. والحُكمُ في بيع المُلامَسةِ والمُنابذةِ كلِّهِ، وما كان مِثلهُ، إن أُدرِكَ فُسِخَ، وإن فاتَ رُدَّ إلى قيمتِهِ يوم قُبِضَ بالغًا ما بلَغَ. واختلَفَ الفُقهاءُ من هذا البابِ في البيع على البرنامج (١)، وهُو بيعُ ثيابٍ، أو سِلع غيرها على صِفَةٍ موصُوفةٍ، والثِّيابُ حاضِرةٌ لا يُوقَفُ على عَيْنِها لغَيْبَتِها في عدلها، ولا يُنظَرُ إليها. فأجازَ ذلك مالكٌ وأكثرُ أهل المدينةِ، إذا كان فيه الذَّرْعُ والصِّفةُ، فإن وافَقتِ الثِّيابُ الصِّفةَ، لزِمَتْ المُبتاع على ما أحبَّ أو كرِهَ. وهذا عِندَهُ من بابِ بيع الغائبِ على الصِّفةِ لمغيبِ الثِّيابِ والمتاع في الأعدال. وقال أبو حنيفةَ والشّافِعيُّ وجماعةٌ: لا يجوزُ البيع على البَرنامَج البتَّةَ، لأنَّهُ بيعُ عَيْنٍ حاضِرةٍ غيرِ مَرْئيَّةٍ، والوُصُولُ إلى رُؤيتِها مُمكِنٌ، فدخل بيعُها في باب المُلامَسةِ والغَررِ والقِمارِ عِندَهُم. وأمّا مالكٌ، فالصِّفةُ عِندَهُ تقومُ مقامَ المُعايَنةِ. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "لا تصِفُ المرأةُ المرأةَ لزَوْجِها، حتَّى كأنَّهُ يَنْظُرُ إليها" (٢). فأقأَم هُنا الصِّفةَ، مقامَ المُعاينةِ.

стр. 4331

وقال مالكٌ: يجُوزُ بيعُ السِّلع كلِّها، وإن لَمْ يَرَها المُشْتري إذا وَصفها لهُ، ولم يَشْترِطِ النَّقد. قال: فإن لَمْ يَصِفها لَمْ يَجُز، ولا يجُوزُ بيعُ الغائبِ عِندَهُ البتَّةَ، إلّا بالصِّفةِ، أو على رُؤيةٍ تَقدَّمت (١). واختلفُوا أيضًا في بيع الغائبِ على الصِّفةِ، فقال مالكٌ: لا بأسَ ببيع الأعْيانِ الغائبةِ على الصِّفةِ، وإن لَمْ يَرَها البائعُ ولا المُشتري إذا وصفُوها، فإذا جاءَت على الصِّفةِ، لَزِمهُما البيعُ، ولا يكونُ لواحِدٍ منهُما خيارُ الرُّؤيةِ، إلّا أن يَشْترِطهُ، فإنِ اشْتَرطهُ، كان ذلك لهُ (٢). وبقولِ مالكٍ في ذلكَ قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُويَة، وأبو عُبيدٍ، وأبو ثورٍ. وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ: جائزٌ بيعُ الغائبِ على الصِّفةِ، وعلى غيرِ الصِّفةِ، وُصِفَ أو لَمْ يُوصَفْ، وللمُشتري خيارُ الرُّؤيةِ إذا رآهُ (٣). وروى محمدُ بن كثيرٍ، عن الأوْزاعيِّ في بيع الغائبِ على الصِّفة: أنَّهُ جائزٌ ويَلْزمُ البائعَ والمُشْتريَ إذا وافقَ الصِّفةَ، ولا خيارَ في ذلكَ. كقول مالكٍ سواءً، وإن لَمْ يُوافِق الصِّفةَ فلَهُ الخيارُ. إلّا أن الأوْزاعيَّ فيما رَوَى عنهُ محمدُ بن كثيرٍ، يجعلُ المُصيبةَ من المُشْتَري، إذا كان على الصفةِ، وإن لَمْ يَقْبِضهُ المُشْتري، على مذهبِ ابن عُمرَ. واختلَفَ قولُ مالكٍ في هذا الموضِع، فمرَّةً قال: المُصيبةُ من المُشْتَري إذا خرجَ البيعُ على الصفةِ، وأدركَتهُ الصَّفقةُ على ذلكَ حيًّا سالمًا، قَبَضهُ أو لَمْ يَقْبِضهُ (٤). وهُو قولُ ابن عُمرَ، وسُليمان بن يَسارٍ (٥).

стр. 4332

ومرَّةً قال: المُصيبةُ من البائع أبدًا حتَّى يَقْبِضهُ المُبتاعُ (١). وهُو قولُ سعيدِ بن المُسيِّب، وإليه ذهَبَ ابنُ القاسم، جعلَ النَّماءَ، والنّقصانَ، والموتَ في ذلك من البائع أَبدًا (٢)، حتَّى يَقْبِضهُ المُبتاعُ (٣). وتحصيلُ قولِ مالكٍ في هذه المسألةِ في بيع الغائبِ خاصَّةً على الصفةِ، أو على رُؤيةٍ كانت، أنَّ البيعَ إذا انْعقَدَ في ذلكَ، أو في شيءٍ منهُ، فهلكَ المبيعُ بعد الصَّفقةِ، وقبل القَبْضِ، أنَّ مُصيبتهُ من البائع، إلّا أن يكونَ المُشتري قدِ اشترطَ عليه البائعُ أنَّ المُصيبةَ مِنكَ إن أدركَتهُ الصَّفقةُ حيًّا، وهُو أحدُ قولي مالكٍ. وقد كان مالكٌ يقولُ: إنَّ المُصيبةَ من المُبتاع، إلّا أن يُشترطَ أنَّها من البائع، حتَّى يقبِضها مُبتاعُها (٤). والشَّرطُ عِندهُ في ذلك لمنِ اشْتَرطهُ نافِعٌ لازِمٌ. وذكَرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ، عن عبدِ الملكِ بن الماجِشُون: أنَّ بيعَ الصِّفةِ، ما يحدُثُ فيه بعدَ الصَّفقةِ ليسَ فيه عُهدةٌ، وأنَّهُ كبيع البَراءةِ، ومُصيبتُهُ أبدًا قبل القَبْضِ من المُبتاع. ولا يجُوزُ عِندَ مالكٍ النَّقدُ في بيع الغائبِ من العُرُوضِ كلِّها، حَيَوانًا أو غيرهُ، إذا كانت غَيْبتُهُ (٥) بعيدةً، فإذا كانت غيبتُهُ قريبةً، مِثل اليَوم واليومينِ، جازَ النَّقدُ فيه. وقدِ اختلَفَ أصحابُ مالك (٦) عنهُ، واختلَفتْ أقوالُهُم في حدِّ المغيبِ الذي يجُوزُ فيه النَّقدُ في الطَّعام والحَيَوانِ، مِمّا يطُولُ ذِكرُهُ، ولا خِلافَ عنهُم: أنَّ النَّقدَ في العَقارِ المأمُونِ كلِّهِ جائزٌ، إذا لَمْ يَكُن بيعَ خيارٍ.

стр. 4333

وللشّافِعيِّ في بيع الغائبِ ثلاثةُ أقوال، أحَدُها كقولِ مالكٍ، والثّاني كقولِ أبي حَنِيفةَ، والثّالثُ الذي حَكاهُ عنهُ الرَّبيعُ والبُويطيُّ: أنَّهُ لا يجُوزُ بيعُ الأعيانِ الغائبةِ بحال. فلا يجُوزُ عِندَهُ على القول الثّالثِ، وهُو الذي حَكاهُ البُويطيُّ عنهُ، إلّا بيعُ عينٍ مَرْئيَّةٍ قد أحاطَ الباخُ والمُبتاعُ عِلمًا بها، أو بَيع مضمُونٌ في الذِّمَّةِ موصُوفٌ، وهُو السَّلَمُ. وقال المُزنيُّ: الصَّحيحُ من قولِ الشّافِعيّ: أنَّ شِراءَ الغائبِ لا يجُوزُ، وُصِفَ أو لَمْ يُوصَف (١). وذكر أبو القاسم القَزْوينيُّ (٢) القاضي قال: الصَّحيحُ عن الشّافِعيِّ، إجازةُ بيع الغائبِ (٣) على خِيار الرُّؤيةِ (٤)، إذا نظرَ إليه، وافقَ الصِّفةَ، أو لَمْ يُوافِقها. مِثلُ قولِ أبي حنيفةَ والثَّوريِّ سواءً (٥). قال هذا في كُتُبِهِ المِصريَّةِ، وقال بالعِراقِ في بيع الغائبِ، مِثلَ قول مالكٍ، سَواءً: أنَّهُ لا خيارَ لهُ إذا وافقَ الصِّفةَ. حكاهُ عنهُ أبو ثورٍ، وبه قال أبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، في المُشْتَري يَرى الدّار من خارِجِها، ويَرى الثِّياب مطويَّةً من ظُهُورِها، فيَرى مواضِع طيِّها، ثُمَّ يَشْتريها: أنَّهُ لا يكونُ لهُ خيارُ الرُّؤيةِ في شيءٍ من ذلكَ.

стр. 4334

وأمّا هلاكُ المبيع قبلَ القَبْضِ، غائبًا كان أو حاضِرًا، عِندَ الشّافِعيِّ وأبي حَنِيفةَ، فمِن البائع أبدًا. ومن الدَّليل على جَوازِ بيع الغائبِ، مع ما تقدَّمَ في هذا الباب: أنَّ السَّلَفَ كانوا يَتَبايَعُونهُ، ويُجيزُون بيعهُ. فمِن ذلك: أنَّ عُثمانَ، وعبد الرَّحمنِ بن عَوْفٍ تبايَعا فرسًا غائبًا عنهُما (١). وتبايَعَ عُثمانُ أيضًا وطَلْحةُ دارًا لعُثمان بالكُوفةِ، ولم يَعْلمها (٢) عُثمانُ ولا طَلْحةُ، وقَضَى جُبيرُ بن مُطعِم لطَلْحةَ فيها بالخيارِ. وهُو المُبتاعُ (٣). فحَمَلهُ العِراقيُّونَ على خيارِ الرُّؤيةِ، وحَمَلهُ أصحابُ مالكٍ على أنَّهُ كان اشترطَ الخيار، فكأنَّ بيعَ الغائب (٤) إجماعٌ من الصَّحابةِ، إذ لا يُعلَمُ لهؤُلاءِ مُخالِفٌ منهُم. ويدخل (٥) في معنَى المُلامَسةِ والغَررِ، أشياءُ بالاستِدلال يطُولُ ذِكرُها، إن ذكَرْناها خَرَجنا عن شَرْطِنا وعَمّا له قَصَدنا، وباللّه عِصْمتُنا وتوفيقُنا.

стр. 4335

حديثٌ ثانٍ لمحمدِ بن يحيى بن حَبّان مالكٌ (١)، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يخطُبُ أحَدُكُم على خِطْبةِ أخيهِ". قال أبو عُمر: هذا حديث صحيحٌ ثابتٌ عن النَّبيِّ ﷺ ، ورُوي عن أبي هُريرةَ من وُجُوهٍ، وروا أيضًا ابنُ عُمرَ عن النَّبيِّ ﷺ (٢). والمعنى فيه عِندَ أهل العِلم بالحديثِ، أنَّ الخاطِبَ إذا رُكِنَ إليه، وقَرُبَ أمر، ومالتِ النُّفُوسُ بعضُها إلى بعضٍ في ذلك، وذُكِرَ الصَّداقُ ونَحْوُ ذلكَ، لَمْ يَجُز لأحَدٍ حينئذٍ الخِطْبةُ على رجُلٍ قد تناهَتْ حالُهُ، وبلَغَتْ ما وصفنا. والدَّليلُ على ذلكَ، أنَّ رسُول الله ﷺ قد خطَبَ لأُسامةَ بن زيدٍ فاطِمةَ بنت قَيْسٍ، إذ أخْبَرتهُ أنَّ مُعاويةَ وأبا جَهْم خَطَباها (٣). ولم يُنكِر أيضًا خِطْبةَ واحِدٍ منهُما، وخَطَبها على خِطْبتِهِما، إذ لَمْ يَكُن من فاطِمةَ رُكُونٌ ومَيْلٌ، واللّه أعلمُ. وهذا البابُ يَجْري مَجْرَى قولهِ ﷺ : "لا يبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ، ولا يَسُوم (٤) أحدكم (٥) على سَوْم أخيهِ" (٦).

стр. 4336

ألا تَرى أنَّهُ لو تُرِكَ البائعُ مع أوَّل مُساوِم، لأخذَ السِّلعةَ بما شاءَ، ولكان في ذلك ضَررٌ بيِّنٌ داخِلٌ على النّاسِ. وقد فسَّرَ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو عُبيدٍ هذا الحديثَ، بمعنى ما ذَكَرْنا، ومعلُومٌ أنَّ الحالَ التي أجازَ فيها رسُولُ الله ﷺ "الخِطْبةَ لأُسامةَ في الحديثِ المذكُورِ، غيرُ الحالِ التي نَهَى أن يخطُب فيها الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخيهِ، وإذا كان ذلكَ كذلكَ، فالوَجْهُ فيه ما وصفنا، إن شاءَ اللهُ تعالى. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن شاذان، قال: حَدَّثَنَا المُعلَّى بن منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن أبي الزُّبيرِ قال: سألتُ عبد الحميدِ بن عبدِ الله بن أبي عَمرِو بن حَفْصٍ، عن طلاقِ جدِّهِ فاطِمةَ بنت قَيْسٍ، فقال عبدُ الحميد: طلَّقها البتَّة، ثُمَّ خرجَ إلى اليمنِ، وذكر الحديث، وفيه: فانْتَقَلتْ إلى ابن أُمِّ مكتُوم، حتَّى حلَّتْ، فخَطَبها مُعاويةُ بن أبي سُفيانَ، وأبو جَهْم بن حُذَيفةَ، فذَكَرتْ ذلكَ لرسُولِ الله ﷺ ، فقال: "أمّا مُعاويةُ، فغُلامٌ من غِلْمانِ قُرَيشٍ لا يملكُ شيئًا، وأمّا أبو جَهْم بن حُذَيفةَ، فإنِّي أخافُ عَليكِ عَصاهُ، ولكنْ إن شِئتِ دَلَلتُكِ على رَجُل: أُسامةَ بن زيدٍ". قالت: نعَمْ يا رسُولَ الله، فزوَّجها أُسامةَ بن زَيْد (١). ففي هذا الحديثِ أوضحُ الدَّلالةِ على معنَى النَّهي أن يخطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخيهِ، وأنَّ الوَجْهَ فيه ما ذكَرْنا، واللّه أعلمُ. وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ قال: أخبرني مَخْرمةُ بن بُكَيرٍ، عن أبيهِ، عن عُبيدِ الله بن سعْدٍ، عن الحارِثِ بن أبي ذُباب: أنَّ جريرًا البَجَليَّ أمرهُ عُمرُ بن الخطّابِ أن يخطُبَ

стр. 4337

امرَأةً من دَوْسٍ، ثُمَّ أمرهُ مَرْوانُ بن الحَكَم من بعدِ ذلك أن يخطُبها عليه (١)، ثُمَّ أمَرهُ عبدُ الله بن عُمرَ (٢) فدخَلَ عليها فأخْبَرها بهم، الأوَّل فالأَوَّل، ثُمَّ خَطَبها لنَفْسِهِ (٣) معَهُم (٤) فقالت: واللّه ما أدري أَتَلْعبُ، أم أنتَ جادٌّ؟ قال: بل جادٌّ، فنكَحتهُ، وولدت (٥) لهُ وَلَدين (٦). وهذا يُبيِّنُ لك معنى قولهِ ﷺ : "لا يخطُبُ أحدُكُم على خِطبةِ أخيهِ". أنَّهُ كما قال مالكٌ والشّافِعيُّ وجُمهُورُ الفُقهاء: أنَّ ذلك أن تَرْكَن إليه، ويتراضيا ويتَّفِقا على صداقٍ معلُوم، وهي تشترِطُ لنفسِها ونحوُ ذلك مِمّا تُعلَمُ به المُوافقةُ والرُّكُونُ، واللّه أعلمُ. وذكَرَ إسماعيلُ بن (٧) أبي أُوَيسٍ، قال: سُئلَ مالكٌ عن رَجُلٍ خطَبَ امرَأةً ورَكَنْت إليه، واتَّفقا على صَداقٍ مَعرُوفٍ، حتَّى صارَتْ من اللواتي (٨) قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يخطُبِ الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخيهِ". قال: قال مالكٌ: إذا كان هكذا، فمَلَكها رجُلٌ آخَرُ ولم يدخُل بها، فإنَّهُ يُفرَّقُ بينهُما، وإن دخلَ بها، مَضَى النِّكاحُ، وبِئسَ ما صنَعَ، حينَ خطَبَ امرأةً نَهَى رسولُ الله ﷺ أن تُخطَبَ على تلك الحال. قال: وسمِعتُ مالكًا يقولُ: أكرهُ إذا بعثَ الرَّجُلُ رجُلَا يخطُبُ لهُ امرَأةً، أن يخطُبَ الرَّسولُ لنَفسِهِ، وأراها خِيانةً. قال (٩): ولم أسمَعْ أحدًا أرْخَصَ في ذلك (١٠).

стр. 4338

قال أبو عُمر: ذلك (١) عِندِي على أنَّهُ لَمْ يذكُرِ الرَّجُل المُرسِلَ لهُ، ولو ذكَرهُ، وذكَرَ نفسهُ، لَمْ يكُن بذلكَ بأسٌ، على حديثِ عُمر المذكُورِ، واللّه أعلمُ. ولم يختلفِ العُلماءُ في أنَّهُ إذا لَمْ يكُنْ رُكُونٌ ولا رِضًى، أنَّ النِّكاحَ جائزٌ. واختلفُوا إذا وقَعَ النِّكاحُ مع الثّاني، بعد الرُّكُونِ إلى الأوَّل والرِّضى به. فقولُ مالكٍ ما ذكَرْنا، وقد رُوِيَ عنهُ: أنَّهُ يُفسَخُ على كلِّ حال. ورُوي عنهُ: أنَّهُ لا يُفسَخُ أصلًا. وهُو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِهِ. وقولُ الشّافِعيّ: أنَّهُ لا يُفسَخُ. واختُلِفَ عنهُ: هل هُو عاصٍ بفِعلهِ ذلكَ، أم لا؟ وقال داودُ: يُفسَخُ النِّكاحُ على كلِّ حال. وقال ابنُ القاسم: إذا تزوَّجَ الرَّجُلُ المرأةَ، بعدَ أن ركَنَتْ إلى غيرِهِ، فدخَلَ بها، فإنَّهُ يتَحلَّلُ الذي خَطَبها عليه، ويعرِّفُهُ بما صنَعَ، فإن حلَّلهُ، وإلّا فلْيستغفِر (٢) الله من ذلك، وليسَ يَلْزمُهُ طلاقُها، وقد أثِمَ فيما قد فعَلَ (٣). وقال ابنُ وَهْب: إن لَمْ يجعلهُ الأوَّلُ في حِلٍّ مِمّا صنَعَ، فليُطلِّقها، فإن رغِبَ فيها الأوَّلُ وتَزوَّجها، فقد برِئَ (٤) هذا من الإثم، وإن كرِهَ تَزْويجها، فليُراجِعها الذي فارَقَها بنِكاح جديدٍ، وليسَ يُقْضَى عليه بالفِراقِ. وقال ابنُ القاسم: إنَّما معنَى النَّهي - في أن يخطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخيهِ -: في رَجُلينِ صالحَينِ، وأمّا إذا كان الذي خَطَبها أوَّلًا، فرَكَنت إليه، رجُلَ سُوءٍ،

стр. 4339

فإنَّهُ يَنْبغي للوليِّ أن يحُضَّها على تَزْويج الرَّجُل الصّالح، الذي يُعلِّمُها الخيرَ، ويُعينُها عليه. قال أبو عُمر: تَحْصيلُ مَذْهبِ مالكٍ في نِكاح من خطَبَ على خِطْبةِ أخيهِ في الحالِ الذي لا يجُوزُ لهُ أن يخطُبَ فيها، أنَّهُ إن لَمْ يَكُن دخَلَ بها، فُرِّقَ بينهُما، وإن كان دخَلَ مَضَى النِّكاحُ، وبِئسَ ما صنَعَ. وقال الشّافِعيُّ: هي مَعْصيةٌ، وليَسْتغفِرِ الله منها، والنِّكاحُ ثابتٌ، دخَلَ، أو لَمْ يدخُلْ، وهُو مع هذا مكرُوهٌ، لا يَنْبغي لأحدٍ أن يَفْعلهُ. وبِمِثل ما قال الشّافِعيُّ في ذلك (١) يقولُ أبو حنيفةَ وأصحابُهُ وجَماعةٌ، وهُو القياسُ، لأنَّ النِّكاحَ لو كان فاسِدًا مُحرَّمًا، غير مُنعقِدٍ، لم يصِحَّ بالدُّخُول، وعلى أصلِ مالكٍ إنَّما يصِحُّ بالدُّخُول من النِّكاح ما كان فسادُهُ في الصَّداقِ، وأمّا ما كان فسادُهُ في العَقْدِ، فمُحالٌ أن يصِحَّ بالدُّخُول، والنِّكاحُ مُفتقِرٌ إلى صِحَّةِ العَقْدِ، وقد يَنْعقِدُ مع السُّكُوتِ عن الصَّداقِ فافهم. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ في حديثِ أبي هُريرةَ هذا، في النَّهيِ عن (٢) أن يخطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخيهِ ألفاظٌ زائدةٌ، وهي في معنَى ما ذكَرْنا، لا تُخالفُهُ إن شاءَ الله. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن شاذانَ، قال: حَدَّثَنَا المُعلَّى بن منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا المُغيرةُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي الزِّنادِ،

стр. 4340

عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يخطُبِ أحدُكم (١) على خِطبةِ أخيهِ، حتَّى ينكِحَ أو يترُكَ" (٢). وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضّاح، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ دُحيمٌ (٣) الدِّمشقيُّ، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: حَدَّثَنِي أبو كَثيرٍ، أنَّهُ سمِعَ أبا هُريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يَسْتامُ الرَّجُلُ على سَوْم أخيهِ، حتَّى يَشْتري أو يترُك، ولا يخطُبُ على خِطْبةِ أخيهِ، حتَّى ينكِحَ أو يترُكَ" (٤). وقد رُويَتْ أيضًا في حديثِ ابن عُمرَ في ذلك ألفاظٌ، سنذكُرُها في بابِ نافِع، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله.

стр. 4341

حديثٌ ثالثٌ لمحمدِ بن يحيى بن حَبّان مالكٌ (١)، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن صيام يومَينِ: يوم الفِطْرِ، ويوم الأضْحَى. قال أبو عُمر: قد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ ابن شِهاب، عن أبي عُبَيدٍ. وصيامُ هَذينِ اليومينِ، لا خِلافَ بين العُلماء في (٢) أنَّهُ لا يجُوزُ على حالٍ من الأحْوال، لا لمُتطوِّع، ولا لناذِرٍ، ولا لقاضٍ فرضًا، ولا لمُتمتِّع لا يجِدُ هديًا، ولا لأحَدٍ من النّاسِ، كلِّهِم أن يُصومهُما، وهذا إجماعٌ لا تنازُعَ فيه، فارتفَعَ القولُ في ذلك، وهُما يومانِ حرامٌ صيامُهُما، فمَنْ نذَرَ صيامَ واحِدٍ منهُما، فقد نذرَ مَعْصيةً، وثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "من نذَرَ أن يَعْصي الله، فلا يَعْصِهِ" (٣). ولو نذَرَ ناذِرٌ صيامَ يوم بعينِه، أو صيامًا بعَيْنِه (٤)، مِثلَ صيام سَنة بعَيْنِها، وما كان مِثلَ ذلكَ، فوافقَ ذلك يومَ فِطرٍ أو أضحًى، فأجمعُوا أن لا يَصومهُما، واختَلفُوا في قَضائهِما، ففي أحَدِ قوليِ الشّافِعيِّ، وزُفَر بن الهُذيل، وجماعَة: ليسَ عليه قَضاؤُهُما. وهُو قولُ ابن كِنانةَ صاحِبِ مالك (٥). وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ: يَقْضيهُما. وهُو قولُ الحسنِ بن حيٍّ، والأوزاعيِّ، وآخِرُ قولي الشَّافِعيِّ. وقد رُوِيَ عن الأوزاعيّ: أنَّهُ يَقْضيهُما، إلّا أن ينوي أن لا يَقْضيَهُما، ولا يصُومَهُما.

стр. 4342

واختلَفَ قولُ مالكٍ في ذلك على ثلاثةِ أوجُهٍ، أحدُها: أنَّهُ يقضيهُما. والآخرُ: أنَّهُ يَقْضيهُما، إلّا أن يكون نَوَى أن لا يقضيهُما. والثّالثُ: أنَّهُ لا يَقْضيهُما، إلّا أن يكونَ نَوَى أن يصُومهُما. روى الرِّوايةَ الأُولى عنهُ ابنُ وَهْب، والرِّوايتينِ الأُخريين (١) ابنُ القاسم (٢). قال ابنُ وَهْب: قال مالكٌ، فيمَنْ نذَرَ أن يصُومَ ذا الحِجَّة: فإنَّهُ يُفطِرُ يومَ النَّحرِ، ويومينِ بعدَه، ويقضي. وأمّا آخِرُ أيَّام التَّشريقِ، فإنَّهُ يصُومُهُ (٣). وروى ابنُ القاسم عن مالكٍ، فيمن نذرَ صيامَ سنةٍ بعَيْنِها: أنَّهُ يُفطِرُ يومَ الفِطرِ، وأيَّام النَّحرِ، ولا قَضاءَ عليه، إلّا أن يكونَ نَوَى أن يصُومَهُما (٤). قال: ثُمَّ سُئلَ بعد ذلك عمَّن أوجَبَ صيامَ ذي الحِجَّةِ، فقال: يَقْضي أيَّامَ الذَّبح، إلّا أن يكونَ نَوَى أن لا قَضاءَ لها. قال ابنُ القاسم: قولُهُ الأوَّلُ أحبُّ إليَّ: أن لا قضاءَ عليه، إلّا أن يَنْوي أن يَقْضِيهُ، فأمّا آخِرُ أيَّام التَّشريقِ الذي ليسَ فيه ذبْحٌ (٥) فإنَّهُ يصُومُهُ، ولا يَدَعُهُ. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ، فيمَنْ جعَلَ على نفسِهِ صيامَ سنة: أنَّهُ يصُومُ ثلاثةَ عشرَ شهرًا، لمكانِ رمضانَ، ويومينِ لمكانِ الفِطْرِ والأضْحَي، ويصومُ أيَّام التَّشريقِ. وقال: المرأةُ في ذلكَ مِثلُ الرَّجُل، وتَقْضي أيَّامَ الحَيْضِ. ورُوِيَ عنهُ فيمن نذرَ صيامَ الاثْنَينِ والخميسِ، فوافَقَ (٦) ذلكَ الفِطْرَ والأضْحَى: أنَّهُ يُفطِرُ، ولا قضاءَ عليه (٧).

стр. 4343

وهذا خِلافُ الأوَّل، إلّا أنِّي أحسبُ أنَّهُ جعلَ الاثنينِ والخميسَ، كمن نذرَ صيامَ سَنةٍ بعَيْنِها. والجوابُ الأوَّلُ في سَنةٍ بغير عينِها (١). والقياسُ أن لا قَضاءَ في ذلكَ؛ لأنَّ من نذرَ صومَ يوم بعينِهِ أبدًا، لا يخلُو أن يدخُلَ يومُ الفِطْرِ والأضحى في نَذرِهِ، أو لا يدخُلَ، فإن دخلَ في نَذْرِهِ، فلا يَلْزمُهُ، لأنَّ من قصدَ إلى نَذرِ صَوْمِهِ، لم يلزمهُ (٢)، ونَذْرُه (٣) ذلكَ باطِل، وإن لَمْ يدخُل في نَذْرِهِ، فهُو أبعدُ من أن يجِب عليه قَضاؤُهُ. وعلى ما ذكَرْنا، يسقُطُ الاعتِكافُ عمَّن نذرَ يوم الفِطْرِ ويوم النَّحرِ، عِندَ من يقولُ: لا اعتِكافَ إلّا بصوم. وقدِ اختُلِفَ عن مالكٍ في هذه المسألةِ، فرُوِيَ عنهُ: أنَّهُ إنِ اعتكفَ يُجزِئهُ. ورُوي عنهُ: أنَّهُ لا يَعْتكِفه، ولا شيءَ عليه، لأنَّهُ لا اعتِكافَ إلّا بصوم. وهُو الصَّحيحُ على أصلهِ. وقال الشّافِعيُّ (٤): من نذَرَ اعتِكافَ يوم الفِطْرِ أو يوم النَّحرِ، اعتكفَهُ ولم يَصُمْ، وأجزأهُ. وهُو قولُ كلِّ من يَرى الاعتِكافَ جائزًا بغيرِ صَوْم. وقال محمدُ بن الحسن: يَعْتكِفُ يومًا مكانهُ، إذا جعَلَ ذلك على نفسِهِ، ويُكفِّرُ مكانه عن يَمينِهِ، إن أراد يمينًا. وقد مَضَى القولُ في حيام أيّام التَّشريقِ، في بابِ مُرسل ابن شِهاب، من هذا الكِتابِ، والحمدُ للّه.

стр. 4344

حديثٌ رابعٌ لمحمدِ بن يحيى بن حَبّان مالكٌ (١)، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّانَ، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن الصَّلاةِ بعد العَصْرِ حتَّى تغرُبَ الشَّمسُ، وعنِ الصَّلاةِ بعدَ الصُّبح حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ لا يُختلَفُ في ثُبُوتِهِ وصِحَّةِ إسناده، وقد رُوي من وُجُوهٍ كثيرةٍ عن النَّبيِّ ﷺ . وقدِ (٢) اختلفَ العُلماءُ في هذا البابِ اختِلافًا كثيرًا، لاختِلافِ الآثارِ فيه، فقال منهُم قائلُونَ: لا بأسَ بالتَّطوُّع بعد الصُّبح وبعد العَصْرِ، لأنَّ النَّهي إنَّما قُصِدَ به إلى تَرْكِ الصَّلاةِ عِندَ طُلُوع الشَّمسِ، وعِندَ غُرُوبها. واحتجُّوا من الآثارِ، برِوايةِ من روى النَّهي عن الصَّلاةِ في هذه الأوقاتِ. وروى ذلك جماعةٌ من الصَّحابةِ. وقد ذكَرْنا ذلك في بابِ زيدِ بن أسلم، من كِتابِنا هذا عِندَ ذِكرِ حديثِ الصُّنابِحيِّ. واحتجُّوا أيضًا بقولهِ ﷺ : "لا تُصلُّوا بعد العَصْرِ، إلّا أن تُصلُّوا والشَّمسُ مُرْتفِعةٌ" (٣). وبقولهِ ﷺ : "لا تحرَّوا بصَلاتِكُم طُلُوعَ الشَّمسِ ولا غُرُوبها" (٤). وبإجماع المُسلمينَ على الصَّلاةِ على الجنائزِ بعد الصبح، وبعد العَصْرِ، إذا لَمْ يكُن عِندَ الطُّلُوع وعِندَ الغُرُوبِ. قالوا: فالنَّهيُ عن الصَّلاةِ بعد العصرِ والصبح، هذا معناهُ وحقيقتُهُ.

стр. 4345

قالوا: ومخرجُهُ على قَطعْ الذَّريعةِ، لأنَّهُ لو أُبيحتِ الصَّلاةُ بعدَ الصُّبح والعصرِ، لَمْ يُؤمَنِ التَّمادي فيها إلى الأوقاتِ المنهيِّ عنها، وهي حينَ طُلُوع الشَّمسِ وحين (١) غُرُوبها هذا مذهبُ ابن عُمر، وقال به جماعةٌ. ذكر عبدُ الرَّزّاق، قال (٢): أخبرنا ابنُ جُرَيج (٣)، عن نافِع، سمِعَ ابن عُمرَ يقولُ: أمّا أنا فلا أنْهَى أحدًا يُصلِّي من ليلٍ أو نهارٍ، غيرَ أن لا يَتَحرَّى طُلُوعَ الشَّمسِ ولا غُرُوبها، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن ذلك. وروى مالكٌ (٤) عن عبد الله (٥) بن دينارٍ، عن عَبدِ الله بن عُمرَ معناهُ. وهُو قولُ عَطاءٍ، وطاوُوسٍ، وعَمرو بن دينار (٦)، وابنِ جُرَيج. ورُوِيَ عن ابن مسعُودٍ نحوُهُ (٧). قال أبو عُمر: مذهبُ ابن عُمرَ في هذا البابِ، خِلافُ مذهبِ أبيهِ، لأنَّ عُمرَ ﵁ حملَ الحديث في هذا البابِ على العُمُوم، فكان يضرِبُ بالدِّرَّةِ من رآهُ يُصلِّي نافِلةً بعد الصُّبح أو بعدَ العصرِ. وحديثُهُ في ذلكَ، ما رواهُ ابنُ عبّاسٍ قالْ حَدَّثَنِي رِجالٌ مَرْضيُّونَ، منهُم عُمرُ، وأرضاهُمْ عِندي عُمرُ، أنَّ رسُول الله ﷺ قال: "لا صلاةَ بعد الصبح حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ، ولا بعد العصرِ حتَّى تغرُبَ الشَّمسُ". حَدَّثَنَاهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيدٍ، عن شُعبةَ، عن

стр. 4346

قَتادةَ، قال: سمِعتُ أبا العاليةِ، يُحدِّثُ عن ابن عبّاسٍ قال: حَدَّثَنِي ناسٌ، أعجَبُهُم إليَّ عُمرُ: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن الصَّلاةِ بعد العَصْرِ حتَّى تغرُب الشَّمسُ، وعنِ الصَّلاةِ بعدَ الصُّبح حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ (١). ومذهبُ عائشةَ في هذا البابِ، كمذهبِ ابن عُمرَ. حَدَّثَنَا أحمدُ بن فَتْح، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حَدَّثَنَا عَفّانُ بن مُسلم الصَّفّارُ، ومحمدُ بن أبي نُعَيم، قالا: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ (٢) عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: أوهَمَ عُمرُ، إنَّما نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن الصلاةِ أن يُتَحرَّى بها طُلُوعُ الشَّمسِ، أو غُرُوبُها (٣).

стр. 4347

وذكر عبدُ الرَّزّاق (١)، عن هشام بن حسَّانٍ، عن ابن سِيرينَ، قال: تُكْرَهُ الصلاةُ في ثلاثِ ساعاتٍ، وتحرُمُ في ساعتينِ، تُكرَهُ بعد العَصْرِ، وبعد الصُّبح، ونِصفَ النَّهارِ في شِدَّةِ الحرِّ، وتحرُمُ حينَ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّمسِ حتَّى يَسْتوي طُلُوعُها، وحينَ تَصفرُّ حتَّى يَسْتوي غُرُوبُها. قال (٢): وأخبرنا ابنُ جُريج، قال: سمِعتُ أبا سَعْد (٣) الأعْمَي، يُخبِرُ عن رَجُلٍ يُقالُ لهُ: السّائبُ مولى الفارِسيِّينَ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيّ: أنَّهُ رآهُ عُمرُ بن الخَطّابِ، وهُو خَلِيفةٌ، ركَعَ بعد العَصر ركعتينِ، فمَشَى إليه، وضَرَبهُ بالدِّرَّةِ وهُو يُصلِّي، فقال لهُ زيدٌ: يا أميرَ المُؤمِنينَ اضرِبْ، فواللّه لا أدَعُهُما، إنِّي رَأيتُ رسُولَ الله ﷺ يُصلِّيهِما. قال: فقال لهُ عُمرُ: يا زيدُ بن خالدٍ، لولا أنِّي أخْشَى أن يتَّخِذهُما النّاسُ سُلَّمًا إلى الصلاةِ حتَّى اللَّيل، لَمْ أضْرِب فيهِما. وقال آخرُونَ: أمّا الصلاةُ بعد الصُّبح، إذا كانت تطوُّعًا، أو صلاةَ سنَّةٍ، ولم تكُن قَضاءَ فرضٍ، فلا تجُوزُ البتَّةَ؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن الصلاةِ بعد الصُّبح حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ، نهيًا مُطلقًا، ومعنى نَهْيِهِ في ذلك عن غيرِ الفَرْضِ المُعيَّنِ، والذي يجِبُ منهُ على الكِفايةِ، كالصلاةِ على الجنائزِ، بدليل قولهِ ﷺ : "من أدركَ رَكْعةً من الصُّبح، قبلَ أن تَطْلُع الشَّمسُ، فقد أدركَ الصُّبح، ومن أدركَ رَكْعةً من العَصْرِ قبلَ أن تغرُبَ الشَّمسُ، فقد أدركَ العَصْر" (٤). وقد مَضَى القولُ في هذا المعنَى مُجوَّدًا، في بابِ زيدِ بن أسْلَم من كِتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِهِ هاهُنا.

стр. 4348

ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا ابنُ عُمر، فيما أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن الحَسَنِ، قال: حَدَّثَنَا الزُّبيرُ بن بَكّارٍ، قال: حَدَّثَنَا عمِّي مُصْعبُ بن عبدِ الله وإبراهيمُ بن حَمْزةَ، عن جدِّي عبدِ الله بن مُصْعَبٍ، عن قُدامَةَ بن إبراهيمَ بن محمدِ بن حاطِبٍ، قال: ماتَتْ عمَّتي، وقد أوْصَتْ أن يُصلِّي عليها عبدُ الله بن عُمرَ، فجِئتُهُ (١) حينَ صلَّينا الصُّبحَ فأعْلَمتُهُ، فقال: اجْلِسْ، فجَلَستُ حتَّى طَلَعتِ الشَّمسُ وصَفَتْ. قال إبراهيمُ بن حَمْزةَ، في حديثه: وبَلَغتِ الكُثَابَ (٢) الذي في غَرْبيِّ مَسجدِ رسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ قامَ يُصلِّي عليها. قال: فبُلُوغُ الشَّمسِ الكُثَابَ الذي في غربيِّ المسجدِ، عَلَمٌ عِندَ أهل المدينةِ لصَلاةِ السُّبحةِ. قالوا: فهذا ابنُ عُمرَ، وهُو يُبِيحُ الصَّلاةَ بعد العَصْرِ، قد كَرِهها بعد الصُّبح. قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا مذاهِبَ العُلماءِ في وَقْتِ الصَّلاةِ على الجَنائزِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، من حديثِ الصُّنابِحيِّ. قالوا: فالصَّلاةُ بعد العصرِ لا بأسَ بها، ما دامَتِ الشَّمسُ مُرْتَفِعةً بَيْضاءَ، لَمْ تَدنُ للغُرُوب، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قد ثبتَ عنهُ: أنَّهُ كان يُصلِّي النّافِلةَ بعد العَصْرِ، ولم يَرْوِ عنهُ أحدٌ: أنَّهُ صلَّى بعد الصُّبح نافِلةً، ولا تَطوُّعًا، ولا صلاةَ سُنَّةٍ بحال.

стр. 4349

واحتجُّوا بقولٍ عائشةَ: ما تركَ رسُولُ الله ﷺ رَكْعتينِ بعد العَصْرِ في بَيْتي قطُّ (١). وبنَحْوِ ذلكَ من الآثارِ التي أباحَتِ الصَّلاةَ بعد العَصْرِ، ولم يأتِ شيءٌ منها في الصلاةِ بعد الصُّبح. حَدَّثَنَا سعيدُ بن نصِر، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٢). وحَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قالا: حَدَّثَنَا جرير، عن منصُورٍ، عن هِلالِ بن يِساف (٤)، عن وَهْبِ بن الأجْدَع عن عليٍّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يُصلَّى بعد العَصْرِ، إلّا أن تكونَ الشَّمسُ مُرْتفِعةً". زاد إسحاقُ في حديثه: "بَيْضاءَ نقيَّةً". وحَدَّثَنَا سعيدُ بن نصِر، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٥): حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: ما تركَ رسُولُ الله ﷺ رَكْعتينِ بعد العَصْرِ في بَيْتي.

стр. 4350

وروا ابنُ عُيينةَ (١) وجماعةٌ، عن هشام. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن إسحاقَ بن أبي العَنْبسِ قاضي الكُوفةِ، قال: حَدَّثَنَا جَعْفرُ بن عَوْنٍ، قال: حَدَّثَنَا مِسْعرٌ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبي الضحَي، عن مسرُوقٍ، قال: حدَّثتني الصِّدِّيقةُ بنتُ الصِّدِّيقِ حَبِيبةُ حَبيبِ الله المُبرَّأةُ، أنَّهُ كان ﷺ يُصلِّي الرَّكْعَتينِ بعدَ العَصْرِ، فلَمْ أُكذِّبها (٢). حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بن حمّادٍ. وحَدَّثَنَا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن إسحاق، قالا: حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوانةَ، عن المُغيرةِ، عن أُمِّ موسى، قالت: بَعَثتني فاخِتةُ ابْنَةُ قُرَظةَ إلى عائشةَ تسألهُا عن الرَّكعتينِ بعد العَصْرِ، فأتَيتُها وما أُبالي ما قالت بعدَ الذي رأيتُ من عليٍّ، قالت: فسَألتُها (٣)، فقالت: كان رسُولُ الله ﷺ يُصلِّي بعدَ العَصْرِ رَكْعتين (٤).

стр. 4351

وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصْبَغَ حدَّثهُم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيم (١)، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحِدِ بن أيمَنَ، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن عائشةَ: أنَّهُ دخَلَ عليها يَسْألهُا عن الرَّكْعتينِ بعد العَصْرِ، فقالت: والذي هُو ذهَبَ بنفسِهِ، تعني النَّبيَّ ﵇، ما تَرَكهُما حتَّى لَقِيَ الله (٢). ورُوي هذا عن عائشةَ من وُجُوهٍ كثرةٍ، رواهُ الأسودُ (٣) وغيرُهُ عنها. قالوا: والآثارُ قد تَعارَضَتْ في الصَّلاةِ بعد العصرِ، والصَّلاةُ فِعلُ خَيْرٍ، وقد قال الله : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] فلا يجُوزُ أن يُمتَنعَ من فِعْلِ الخَيْرِ إلّا بدليلٍ لا مُعارِضَ لهُ. ومِمَّن رخَّصَ في التَّطوُّع بعد العَصر: عليُّ بن أبي طالبٍ، والزُّبيرُ، وابنُهُ عبدُ الله، وتميمٌ الدّاريُّ، والنُّعمانُ بن بشيرٍ، وأبو أيُّوب الأنصاريُّ، وعائشةُ، وأُمُّ سَلَمةَ أُمّا المُؤمِنين، والأسودُ بن

стр. 4352

يزيدٍ، وعَمرُو بن ميمُونٍ، ومسرُوقٌ، وشُرَيحٌ، وعبدُ الله بن أبي الهُذيل، وأبو بُردةَ، وعبدُ الرَّحمنِ بن الأسودِ، وعبدُ الرَّحمنِ بن البَيْلَمانيِّ (١) والأحْنَفُ بن قَيْسٍ. وهُو قولُ داود بن عليٍّ (٢). وذكر عبدُ الرَّزّاقُ (٣)، عن مَعْمرٍ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيه: أنَّ أبا أيُّوبَ الأنْصاريَّ كان يُصلِّي قبلَ خِلافةِ عُمرَ رَكْعتينِ بعد العَصْرِ، فلمَّا استُخلِفَ عُمرُ تَرَكهُما، فلمّا تُوفِّي عُمرُ رَكَعهُما، فقيل لهُ: ما هذا؟ فقال: إنَّ عُمر كان يضرِبُ الناس عليهما. وقال أحمدُ بن حنبل: لا نَفْعلُهُ، ولا نَعِيبُ من فعلَهُ. وقال آخرُونَ: إنَّما المعنى في نَهْي رسُولِ الله ﷺ عن الصَّلاةِ بعدَ الصبح والعَصْرِ على التَّطوُّع المُبتَدأ والنّافِلةِ، وأمّا الصلَواتُ المفرُوضاتُ، أوِ الصَّلواتُ المسنُوناتُ، أو ما كان رسُولُ الله ﷺ يُواظِبُ عليه من النَّوافِل، فلا. واحتجُّوا بالإجماع في الصَّلاةِ على الجَنائزِ بعد العَصْرِ، وبعد الصُّبح، إذا لَمْ يكُن عِندَ الطُّلُوع، ولا عِندَ الغُرُوبِ. وبقولهِ ﷺ : "من أدركَ رَكْعةً من العَصْرِ قبلَ أن تغرُبَ الشَّمسُ ... " الحديث (٤). وبقوله: "من نَسِيَ صلاةً أو نامَ عنها، فليُصلِّها إذا ذَكَرها" (٥). وبما حَدَّثَنَاهُ سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصْبَغَ،

стр. 4353

قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (١). وحَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٢): حَدَّثَنَا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ. قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن نُميرٍ. قال أبو بكر: قال (٣) حَدَّثَنَا سعيدُ (٤) بن سعيدٍ. وقال عُثمانُ: عن سَعْد بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ، عن قَيْسِ بن عَمرٍو قال: رأى رسُولُ الله ﷺ رَجُلًا يُصلِّي بعد الصُّبح رَكْعتينِ، فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "صلاة الصبح مرَّتينِ؟ " فقال له الرَّجُلُ: إنِّي (٥) لَمْ أكُن صلَّيتُ الرَّكعتينِ قَبْلَها، فصلَّيتُهُما الآن. فسكَتَ رسُولُ الله ﷺ . قال أبو عُمر: رواهُ ابنُ (٦) عُيَينةَ (٧)، عن سَعْد (٨) بن سَعِيدٍ، عن محمدِ بن

стр. 4354

إبراهيمَ، عن قَيْسِ بن عاصِم. فغَلِطَ فيه ابنُ عُيينةَ، وإنَّما هُو قَيْسُ بن عَمرٍو، وقد ذكَرْناهُ في "الصَّحابةِ" (١) ونَسَبنا هناك، وهُو جدُّ سَعْد (٢)، وعبدِ ربِّهِ، ويحيى، بني سعيدٍ الأنصاريِّ. قال أبو داود (٣): وروى هذا الحديث عبدُ ربِّهِ، ويحيى، ابنا سَعيدٍ، مُرْسلًا: أنَّ جدَّهُم صلَّى معَ رسُولِ الله ﷺ . وقال سُفيانُ بن عُيينةَ: كان عَطاءُ بن أبي رَباح يروي هذا الحديث، عن سَعْدِ بن سَعيدٍ. قال أبو عُمر: وقد رواهُ (٤) عُمرُ بن قَيْسٍ، عن سَعْد (٥) بن سعيدٍ، فخالَفَ في إسنادِهِ. حَدَّثَنَاهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن سلّام، قال: حَدَّثَنَا عُمرُ بن قَيْسٍ، عن سَعْدِبن سَعيدٍ (٦)، أخي يحيى بن سَعيدٍ، قال: سمِعتُ حَفْصَ (٧) بن عاصِم بن عُمر، قال: سمِعتُ سُهَيل (٨) بن سعدٍ السّاعِديَّ يقولُ: دخلتُ المسجدَ، ورسُولُ الله ﷺ في الصَّلاةِ، ولم أكُن صلَّيتُ الرَّكعتينِ، فدخَلْتُ مع رسُولِ الله ﷺ في الصَّلاةِ، فصلَّيتُ مَعهُ، وقُمتُ أُصلِّي الرَّكْعَتينِ، فقال: "ألم تَكُن صلَّيتَ معنا؟ "

стр. 4355

قلتُ: بَلَي، ولم أكُن صلَّيتُ الرَّكعتينِ، فصلَّيتُ الآنَ. فسكَتَ، وكان إذا رَضِيَ شيئًا سكَتَ، وذلكَ في صَلاةِ الصُّبح (١). قال أبو عُمر: عُمرُ بن قَيْسٍ هذا هُو المعرُوفُ بسَنْدل، وهُو أخُو حُميدِ بن قيسٍ، وهُو ضعيفٌ لا يُحتجُّ بمِثلهِ (٢). ومن حُجَّةِ القائلينَ بهذا القول، ما ذكَرَهُ عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن مَعْمرٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّ سلَمةَ، قالت: لَمْ أرَ رسُولَ الله ﷺ صلَّى بعد العَصْرِ صلاةً قطُّ، إلّا مرَّةً جاءَهُ ناسٌ بعدَ الظُّهرِ، فشَغَلُوهُ في شيءٍ، فلَمْ يُصلِّ بعدَ الظُّهرِ شيئًا، حتَّى صلَّى العَصْرَ، فلمّا صلَّى العَصْرَ دخلَ بَيْتي، فصلَّى رَكْعتينِ. هذا أصحُّ من حديثِ ابن أبي لبيدٍ، لذكر عائشةَ فيه، واللّه أعلمُ. وإنَّما قُلنا هذا، لِما ثبتَ عن عائشةَ في الرَّكْعتينِ بعد العَصْرِ. وحديثُ ابن أبي لَبيدٍ، حَدَّثَنَاهُ سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا الحُميديُّ قال (٤): حَدَّثَنَا سُفيانُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن أبي لَبيدٍ، وكان من عُبّادِ أهلِ (٥) المدينة: أنَّهُ سمِعَ أبا سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ يقولُ: قَدِمَ مُعاويةُ بن أبي سُفيانَ المدينةَ، فبَيْنما هُو على

стр. 4356

المِنْبرِ، إذ قال: يا كثيرُ بن الصَّلتِ، اذْهَبْ إلى عائشةَ أُمِّ المُؤمِنين، فسَلْها عن صَلاةِ رسُولِ الله ﷺ الرَّكْعتَينِ بعد العَصْرِ. قال أبو سَلَمةَ: فذَهَبتُ مَعهُ، وأرسَلَ عبدُ الله بن عبّاس: عبد الله بن الحارِثِ بن نَوْفلٍ معَنا، فقال: اذْهَبْ فاسْمَعْ ما تقولُ أُمُّ المُؤمِنينَ. قال أبو سَلَمةَ: فجاءَها فسألَها، فقالت: لا عِلْمَ لي، ولكنِ اذْهَبْ إلى أُمِّ سَلَمةَ. فذهَبَ إلي أُمِّ سَلَمةَ (١) فدخَلَ، وسَألَها، فقالت أُمُّ سلمةَ: دخَلَ عليَّ رسُولُ الله ﷺ ذاتَ يوم بعدَ العَصْرِ، فصلَّى عِنْدي رَكْعتينِ لَمْ أكُن أراهُ يُصلِّيهِما، فقلتُ: يا رسُولَ الله، لقَدْ صلَّيتَ صلاةً لَمْ أكُنْ أراكَ تُصلِّيها، فقال: "إنِّي كُنتُ أُصلِّي بعدَ الظُّهرِ رَكْعتينِ، وإنَّهُ قدِمَ عليَّ وفدُ بني تمَيم، فشَغَلُوني عنهُما، فهُما هاتانِ الرَّكْعتانِ". قالوا: ففي قَضاءِ رسُولِ الله ﷺ رَكْعَتي الفَجْرِ بعد الصبح، وقَضائهِ الرَّكعتينِ بعد الظُّهرِ، وهُما من سُنَّتهِ ﷺ شُغِلَ عنهُما، فقَضاهُما بعد العَصْرِ، دليل على أنَّ نَهْيَهُ عن الصَّلاةِ بعد الصبح وبعد العَصْرِ، إنَّما هُو عن غيرِ الصَّلواتِ المسنُوناتِ والمُفْتَرضاتِ؛ لأنَّهُ معلُومٌ أنَّ نَهْيهُ إنَّما يَصِحُّ عن غيرِ ما أباحَهُ، ولا سَبيلَ إلى اسْتِعمالِ الأحاديثِ عنهُ ﷺ ، إلّا بما ذكَرْنا. قال: وفي صلاةِ النّاسِ بكلِّ مِصْرٍ على الجَنائزِ، بعد الصبح والعَصْرِ، دليلٌ على ما ذكَرْتُ. هذا قولُ الشّافِعيِّ وأصحابِهِ في هذا البابِ، وكذلك رَوَى المُزنيُّ عنهُ، فيمَنْ لَمْ يَرْكَع رَكْعتيِ الفَجْرِ، حتَّى صلَّى الصُّبح: أنَّهُ يَرْكعُهُما بإثْرِ صَلاةِ الصُّبح، قبلَ طُلوع الشَّمسِ. وقال البُوَيْطيُّ عنه: يَرْكَعُهما (٢) بعد طُلُوع الشَّمسِ.

стр. 4357

وقد مَضَى ذِكرُ ما للعُلماءِ في الصَّلاةِ على الجَنائزِ، في بابِ زَيْدِ بن أسْلَمَ، عن عَطاءٍ، عن الصُّنابِحيِّ. وقال آخرُونَ: لا يجُوزُ أن يُصلِّي أحدٌ بعد العَصْرِ، ولا بعد الصُّبح شيئًا من الصلواتِ المسنُوناتِ، ولا التَّطوُّع كلِّهِ، المعهُودِ منهُ، وغيرِ المعهُودِ، إلّا أنَّهُ يُصلَّى على الجَنائزِ بعد الصُّبح، وبعدَ العَصْرِ، ما لَمْ يكُنِ الطُّلُوعُ والغُرُوبُ، فإن خُشِيَ عليها التَّغيُّرُ، صلَّى عليها عِندَ الطُّلُوع والغُرُوبِ، وما عَدا ذلك فلا، لنَهْي رسُولِ الله ﷺ عن الصلاةِ بعد الصبح حتَّى تطلُع الشَّمسُ، وبعد العَصْرِ حتَّى تغرُب الشَّمسُ. وهُو نهيٌ صَحِيحٌ ثابتٌ، لا يجِبُ أن يُعارَضَ بمِثلِ الآثارِ التي قَدَّمتُ، وهُو على عُمُومِهِ فيما عَدا الفَرائض، والصلاةَ على الجَنائزِ، لقيام الدَّليل على ذلكَ، مِمّا لا مُعارِضَ لهُ. ومِمَّن قال بهذا القول: مالكُ بن أَنَسٍ وأصحابُهُ. ونحوُ قول مالكٍ في هذا البابِ، مَذْهَبُ أحمدَ بن حَنْبل، وإسحاقَ بن راهُويةَ قال أحمدُ وإسحاقُ: لا يُصلَّى بعد العَصْرِ إلّا صلاةً فائتةً، أو على جِنازةٍ، إلى أن تَطْفُلَ (١) الشَّمسُ للغيبُوبةِ (٢). قال أبو عُمر: رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ النَّهيُ عن الصلاةِ بعد الصُّبح حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ، وبعد العَصْرِ حتَّى تغرُبَ الشَّمسُ. من حديث عُمرَ (٣)، وأبي هُريرةَ (٤)، وأبي
следующие страницы →