← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4353–4392 · переход к 4358.

стр. 4353

قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (١). وحَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٢): حَدَّثَنَا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ. قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن نُميرٍ. قال أبو بكر: قال (٣) حَدَّثَنَا سعيدُ (٤) بن سعيدٍ. وقال عُثمانُ: عن سَعْد بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ، عن قَيْسِ بن عَمرٍو قال: رأى رسُولُ الله ﷺ رَجُلًا يُصلِّي بعد الصُّبح رَكْعتينِ، فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "صلاة الصبح مرَّتينِ؟ " فقال له الرَّجُلُ: إنِّي (٥) لَمْ أكُن صلَّيتُ الرَّكعتينِ قَبْلَها، فصلَّيتُهُما الآن. فسكَتَ رسُولُ الله ﷺ . قال أبو عُمر: رواهُ ابنُ (٦) عُيَينةَ (٧)، عن سَعْد (٨) بن سَعِيدٍ، عن محمدِ بن

стр. 4354

إبراهيمَ، عن قَيْسِ بن عاصِم. فغَلِطَ فيه ابنُ عُيينةَ، وإنَّما هُو قَيْسُ بن عَمرٍو، وقد ذكَرْناهُ في "الصَّحابةِ" (١) ونَسَبنا هناك، وهُو جدُّ سَعْد (٢)، وعبدِ ربِّهِ، ويحيى، بني سعيدٍ الأنصاريِّ. قال أبو داود (٣): وروى هذا الحديث عبدُ ربِّهِ، ويحيى، ابنا سَعيدٍ، مُرْسلًا: أنَّ جدَّهُم صلَّى معَ رسُولِ الله ﷺ . وقال سُفيانُ بن عُيينةَ: كان عَطاءُ بن أبي رَباح يروي هذا الحديث، عن سَعْدِ بن سَعيدٍ. قال أبو عُمر: وقد رواهُ (٤) عُمرُ بن قَيْسٍ، عن سَعْد (٥) بن سعيدٍ، فخالَفَ في إسنادِهِ. حَدَّثَنَاهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن سلّام، قال: حَدَّثَنَا عُمرُ بن قَيْسٍ، عن سَعْدِبن سَعيدٍ (٦)، أخي يحيى بن سَعيدٍ، قال: سمِعتُ حَفْصَ (٧) بن عاصِم بن عُمر، قال: سمِعتُ سُهَيل (٨) بن سعدٍ السّاعِديَّ يقولُ: دخلتُ المسجدَ، ورسُولُ الله ﷺ في الصَّلاةِ، ولم أكُن صلَّيتُ الرَّكعتينِ، فدخَلْتُ مع رسُولِ الله ﷺ في الصَّلاةِ، فصلَّيتُ مَعهُ، وقُمتُ أُصلِّي الرَّكْعَتينِ، فقال: "ألم تَكُن صلَّيتَ معنا؟ "

стр. 4355

قلتُ: بَلَي، ولم أكُن صلَّيتُ الرَّكعتينِ، فصلَّيتُ الآنَ. فسكَتَ، وكان إذا رَضِيَ شيئًا سكَتَ، وذلكَ في صَلاةِ الصُّبح (١). قال أبو عُمر: عُمرُ بن قَيْسٍ هذا هُو المعرُوفُ بسَنْدل، وهُو أخُو حُميدِ بن قيسٍ، وهُو ضعيفٌ لا يُحتجُّ بمِثلهِ (٢). ومن حُجَّةِ القائلينَ بهذا القول، ما ذكَرَهُ عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن مَعْمرٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّ سلَمةَ، قالت: لَمْ أرَ رسُولَ الله ﷺ صلَّى بعد العَصْرِ صلاةً قطُّ، إلّا مرَّةً جاءَهُ ناسٌ بعدَ الظُّهرِ، فشَغَلُوهُ في شيءٍ، فلَمْ يُصلِّ بعدَ الظُّهرِ شيئًا، حتَّى صلَّى العَصْرَ، فلمّا صلَّى العَصْرَ دخلَ بَيْتي، فصلَّى رَكْعتينِ. هذا أصحُّ من حديثِ ابن أبي لبيدٍ، لذكر عائشةَ فيه، واللّه أعلمُ. وإنَّما قُلنا هذا، لِما ثبتَ عن عائشةَ في الرَّكْعتينِ بعد العَصْرِ. وحديثُ ابن أبي لَبيدٍ، حَدَّثَنَاهُ سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا الحُميديُّ قال (٤): حَدَّثَنَا سُفيانُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن أبي لَبيدٍ، وكان من عُبّادِ أهلِ (٥) المدينة: أنَّهُ سمِعَ أبا سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ يقولُ: قَدِمَ مُعاويةُ بن أبي سُفيانَ المدينةَ، فبَيْنما هُو على

стр. 4356

المِنْبرِ، إذ قال: يا كثيرُ بن الصَّلتِ، اذْهَبْ إلى عائشةَ أُمِّ المُؤمِنين، فسَلْها عن صَلاةِ رسُولِ الله ﷺ الرَّكْعتَينِ بعد العَصْرِ. قال أبو سَلَمةَ: فذَهَبتُ مَعهُ، وأرسَلَ عبدُ الله بن عبّاس: عبد الله بن الحارِثِ بن نَوْفلٍ معَنا، فقال: اذْهَبْ فاسْمَعْ ما تقولُ أُمُّ المُؤمِنينَ. قال أبو سَلَمةَ: فجاءَها فسألَها، فقالت: لا عِلْمَ لي، ولكنِ اذْهَبْ إلى أُمِّ سَلَمةَ. فذهَبَ إلي أُمِّ سَلَمةَ (١) فدخَلَ، وسَألَها، فقالت أُمُّ سلمةَ: دخَلَ عليَّ رسُولُ الله ﷺ ذاتَ يوم بعدَ العَصْرِ، فصلَّى عِنْدي رَكْعتينِ لَمْ أكُن أراهُ يُصلِّيهِما، فقلتُ: يا رسُولَ الله، لقَدْ صلَّيتَ صلاةً لَمْ أكُنْ أراكَ تُصلِّيها، فقال: "إنِّي كُنتُ أُصلِّي بعدَ الظُّهرِ رَكْعتينِ، وإنَّهُ قدِمَ عليَّ وفدُ بني تمَيم، فشَغَلُوني عنهُما، فهُما هاتانِ الرَّكْعتانِ". قالوا: ففي قَضاءِ رسُولِ الله ﷺ رَكْعَتي الفَجْرِ بعد الصبح، وقَضائهِ الرَّكعتينِ بعد الظُّهرِ، وهُما من سُنَّتهِ ﷺ شُغِلَ عنهُما، فقَضاهُما بعد العَصْرِ، دليل على أنَّ نَهْيَهُ عن الصَّلاةِ بعد الصبح وبعد العَصْرِ، إنَّما هُو عن غيرِ الصَّلواتِ المسنُوناتِ والمُفْتَرضاتِ؛ لأنَّهُ معلُومٌ أنَّ نَهْيهُ إنَّما يَصِحُّ عن غيرِ ما أباحَهُ، ولا سَبيلَ إلى اسْتِعمالِ الأحاديثِ عنهُ ﷺ ، إلّا بما ذكَرْنا. قال: وفي صلاةِ النّاسِ بكلِّ مِصْرٍ على الجَنائزِ، بعد الصبح والعَصْرِ، دليلٌ على ما ذكَرْتُ. هذا قولُ الشّافِعيِّ وأصحابِهِ في هذا البابِ، وكذلك رَوَى المُزنيُّ عنهُ، فيمَنْ لَمْ يَرْكَع رَكْعتيِ الفَجْرِ، حتَّى صلَّى الصُّبح: أنَّهُ يَرْكعُهُما بإثْرِ صَلاةِ الصُّبح، قبلَ طُلوع الشَّمسِ. وقال البُوَيْطيُّ عنه: يَرْكَعُهما (٢) بعد طُلُوع الشَّمسِ.

стр. 4357

وقد مَضَى ذِكرُ ما للعُلماءِ في الصَّلاةِ على الجَنائزِ، في بابِ زَيْدِ بن أسْلَمَ، عن عَطاءٍ، عن الصُّنابِحيِّ. وقال آخرُونَ: لا يجُوزُ أن يُصلِّي أحدٌ بعد العَصْرِ، ولا بعد الصُّبح شيئًا من الصلواتِ المسنُوناتِ، ولا التَّطوُّع كلِّهِ، المعهُودِ منهُ، وغيرِ المعهُودِ، إلّا أنَّهُ يُصلَّى على الجَنائزِ بعد الصُّبح، وبعدَ العَصْرِ، ما لَمْ يكُنِ الطُّلُوعُ والغُرُوبُ، فإن خُشِيَ عليها التَّغيُّرُ، صلَّى عليها عِندَ الطُّلُوع والغُرُوبِ، وما عَدا ذلك فلا، لنَهْي رسُولِ الله ﷺ عن الصلاةِ بعد الصبح حتَّى تطلُع الشَّمسُ، وبعد العَصْرِ حتَّى تغرُب الشَّمسُ. وهُو نهيٌ صَحِيحٌ ثابتٌ، لا يجِبُ أن يُعارَضَ بمِثلِ الآثارِ التي قَدَّمتُ، وهُو على عُمُومِهِ فيما عَدا الفَرائض، والصلاةَ على الجَنائزِ، لقيام الدَّليل على ذلكَ، مِمّا لا مُعارِضَ لهُ. ومِمَّن قال بهذا القول: مالكُ بن أَنَسٍ وأصحابُهُ. ونحوُ قول مالكٍ في هذا البابِ، مَذْهَبُ أحمدَ بن حَنْبل، وإسحاقَ بن راهُويةَ قال أحمدُ وإسحاقُ: لا يُصلَّى بعد العَصْرِ إلّا صلاةً فائتةً، أو على جِنازةٍ، إلى أن تَطْفُلَ (١) الشَّمسُ للغيبُوبةِ (٢). قال أبو عُمر: رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ النَّهيُ عن الصلاةِ بعد الصُّبح حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ، وبعد العَصْرِ حتَّى تغرُبَ الشَّمسُ. من حديث عُمرَ (٣)، وأبي هُريرةَ (٤)، وأبي

стр. 4358

سعيدٍ الخُدريِّ (١)، وسعدِ بن أبي وقّاص (٢)، ومُعاذِ بن عَفْراءَ (٣)، وغيرِهِم. وهي أحاديثُ صِحاحٌ لا مَدْفعَ فيها، وإنَّما اختلَفَ العُلماءُ في تأويلها، وخُصُوصِها وعُمُومِها، لا غيرُ. والقولُ بعُمُوم هذه الأخبارِ الصِّحاح، على حَسَبِ ما ذهَبَ إليه مالكٌ، أوْلَى ما قيلَ في هذا البابِ، وهُو مذهَبُ عُمرَ بن الخطّابِ، وأبي سَعيدٍ الخُدريِّ، وأبي هُريرةَ، وسَعْدٍ، ومُعاذِ بن عَفْراءَ، وابنِ عبّاس، وحسبُكَ بضربِ عُمرَ على ذلكَ بالدِّرَّةِ، لأنَّهُ لا يَسْتجيزُ ذلكَ من أصحابِهِ، إلّا بصحَّةِ ذلك عِندهُ. رَوَى الزُّهريُّ عن السّائبِ بن يزيد: أنَّ عُمرَ ضرَبَ المُنكدِر في الصَّلاةِ بعدَ العَصر (٤). وروى الثَّوريُّ، عن عاصِم، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، قال: رأيتُ عُمرَ يَضرِبُ النّاسَ على الصلاةِ بعد العَصْر (٥). ورَوَى عبدُ الملك (٦) بن عُمَيرٍ، عن أبي غاديةَ، عن عُمر (٧) مِثلهُ (٨).

стр. 4359

وذكر عبدُ الرَّزّاق (١) عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني عامرُ بن مُصعَبٍ، أنَّ طاوُوسًا أخبرَهُ، أنَّهُ سألَ ابن عبّاسٍ عن رَكْعتينِ بعد العَصْرِ، فنَهاهُ عنهُما. قال: فقلتُ: لا أدَعُهُما، فقال ابنُ عبّاس: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ... ﴾ إلى ﴿مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فهذا ابنُ عبّاس، مع سَعَةِ عِلْمِهِ، قد حَمَل (٢) النَّهي الذي رَواهُ في ذلكَ على عُمُومِهِ. وقال آخرُونَ: لا يُصلَّى بعدَ الصُّبح إلى أن تَطْلُع الشَّمسُ وتَرْتفِعَ، ولا بعدَ العَصْرِ إلى أن تَغيبَ الشَّمسُ، ولا عِندَ اسْتِواءِ الشَّمسِ، صلاةُ فَرِيضةٍ نامَ عنها صاحِبُها، أو نَسِيها، ولا صَلاةُ تطوُّع، ولا صَلاةٌ من الصَّلواتِ على حال، لعُمُوم نَهْي رسُولِ الله ﷺ عن الصَّلاةِ في هذه الأوْقاتِ. وممَّن قال ذلكَ أبو حنيفةَ وأصحابُهُ. قال أبو عُمر: قد مَضَى القولُ في بابِ زيدِ بن أسلَمَ عمَّن (٣) قال هذا القولَ. وفي قولهِ ﷺ "من نامَ عن الصَّلاةِ، أو نَسِيها، فليُصلِّها إذا ذَكَرها" (٤). وفي قولهِ ﵇: "من أدرَكَ رَكْعةً من الصُّبح قبلَ أن تطلُع الشَّمسُ، فقد أدْرَكَ الصُّبحَ، ومن أدْرَكَ رَكْعةً من العَصْرِ قبلَ أن تغرُبَ الشَّمسُ، فقد أدركَ العَصْرَ" (٥). دليلٌ على أنَّ نَهْيهُ عن الصَّلاةِ بعد الصُّبح، والعَصِر، ليسَ على الفَرائضِ الفوائتِ (٦)، واللّه أعلمُ. ومَنْ تدبَّر ما أوْرَدنا في ذلك البابِ، اكتفى، وباللّه التَّوفيقُ والهُدى. وقال أبو ثَوْر: لا يُصلِّي أحَدٌ تطوُّعًا بعد الفَجْرِ إلى أن تطلُع الشَّمسُ، ولا

стр. 4360

إذا قامَتِ الشَّمسُ، إلى أن تزُولَ الشَّمسُ، ولا بعدَ العَصْرِ حتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ، إلّا صَلاةً فائتةً، أو على جِنازَةٍ، أو على إثرِ تَطَوّفٍ (١)، أو صَلاةً لبعضِ الآياتِ، أو ما يَلْزمُ من الصَّلوات (٢). قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المَذْهبَ، حديثُ عَمرِو بن عَبَسةَ (٣)، وحديثُ كعبِ بن مُرَّةَ، وحديثُ الصُّنابِحيِّ، عن النَّبيِّ ﵇، بمِثلِ هذا المَعْنَى. ويخُصُّها ببعضِ ما ذكَرْنا من الآثارِ، وقد ذكَرْنا حديث عَمرِو بن عَبَسةَ، وما كان مِثْلَهُ في بابِ حديث زيدِ بن أسلَمَ من كِتابِنا هذا، في حديثِ الصُّنابِحيِّ، فأغْنَى عن ذِكْرِ هاهُنا. ومِمّا يخُصُّ به أيضًا هذه الآثار، وما كان مِثْلَها على مَذْهبِ أبي ثورٍ، ومن قالَ بقَوله، قولُهُ ﷺ : "يا بني عَبْدِ مَنافٍ، لا تَمْنعُوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ وصَلَّي، أيَّ ساعةٍ شاءَ". حَدَّثَنَاهُ محمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبرنا محمدُ بن منصُورٍ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ، قال: سمِعتُ من أبي (٥) الزُّبيرِ، قال: سمِعتُ عبد الله بن

стр. 4361

باباه (١) يُحدِّثُ عن جُبيرِ بن مُطعِم، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يا بني عَبْدِ مَنافٍ، لا تمنعُوا أحَدًا طافَ بهذا البيتِ، وصلَّى أي ساعَةٍ شاءَ، من ليلٍ أو نَهارٍ". وذكر الشّافِعيُّ، عن عبدِ الله بن المُؤَمَّل، عن حُميدٍ مولَى عَفْراءَ، عن قَيْسِ بن سَعدٍ، عن مُجاهِدٍ، عن أبي ذرّ: أنَّهُ أخذَ بحَلْقةِ بابِ الكعبةِ فقال: أَتَعْرِفُونني؟ من عَرَفني، فأنا الذي عَرَفني، ومن لَمْ يَعْرِفني فأنا أبو ذرٍّ صاحِبُ رسُول الله ﷺ ، سَمِعَتْ أُذُناي رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لا صَلاةَ بعد الصُّبح حتَّى تطلُع الشَّمسُ، ولا بعد العَصْرِ حتَّى تغرُب الشَّمسُ، إلّا بمَكَّةَ، إلّا بمَكَّةَ، إلّا بمكَّةَ" (٢). وهذا حديثٌ، وإن لَمْ يَكُن بالقويِّ، لضَعْفِ حُميدٍ مولى عَفْراءَ، ولأنَّ مُجاهِدًا لَمْ يَسْمع من أبي ذرٍّ (٣)، ففي حديثِ جُبَيرِ بن مُطعِم ما يُقوِّيهِ، مع قولِ جُمهُورِ عُلماءِ المُسلمين به؛ وذلكَ أنَّ ابن عبّاس، وابن عُمرَ، وابن الزُّبيرِ، والحَسَنَ، والحُسينَ، وعَطاءً، وطاوُوسًا، ومُجاهِدًا، والقاسمَ بن محمدٍ، وعُرْوةَ بن الزُّبيرِ، كانوا يطُوفُونَ بعد العَصْرِ، وبعضُهُم بعد الصُّبح أيضًا، ويُصلُّونَ بإثْرِ فَراغِهِم من طَوافِهِم رَكْعتينِ في ذلك الوَقْت (٤).

стр. 4362

وبه قال الشَّافِعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ (١)، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ بن عليٍّ. وقال مالكُ بن أنس: من طافَ بالبيتِ بعد العَصْرِ، أخَّر رَكْعتيِ الطَّوافِ حتَّى تَغرُب الشَّمسُ. وكذلك من طافَ بعد الصُّبح، لَمْ يَرْكعهُما حتَّى تطلُع الشَّمسُ وتَرْتفِع (٢). وقال أبو حنيفةَ: يَرْكعُهُما، إلّا عِندَ غُرُوبِ الشَّمسِ وطُلُوعِها واسْتِوائها. وبعضُ أصْحابِ مالكٍ يَرى الرُّكُوع للطَّوافِ بعد الصُّبح، ولا يراهُ بعدَ العصرِ. وهذا لا وَجْهَ لهُ في النَّظرِ، لأنَّ الفرقَ بين ذلكَ لا دليلَ عليه من خَبَرٍ ثابتٍ، ولا قياسٍ صَحيح، واللّه أعلمُ. وحُكمُ سُجُودِ التِّلاوةِ بعد الصُّبح، والعَصرِ، كحُكم الصَّلاةِ عِندَ العُلماءِ على أُصُولهِمُ التي ذكَرْنا، وباللّه توفيقُنا. قال أبو عُمر: روى الوليدُ بن مُسلم (٣) عن مالكٍ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن لُبْسَتينِ، اشْتِمالِ الصَّمّاء (٤)، والاحْتِباءِ في ثوبٍ واحِدٍ، كاشِفًا عن فَرْجِه (٥). وهذا حديثٌ غريبٌ من حديثِ مالكٍ، لَمْ يَروِهِ عنهُ بهذا الإسْنادِ إلّا الوليدُ بن مُسلم، فيما عَلِمتُ، واللّه أعلمُ.

стр. 4363

مالكٌ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ بن وقّاصٍ اللَّيثيِّ حديثانِ، أحدُهُما موقُوفٌ، يُسنَدُ من غيرِ رِوايةِ مالكٍ وهُو محمدُ (١) بن عَمرِو بن عَلْقمةَ بن وقّاصٍ اللَّيثيُّ، من أنفُسِهِم، يُكْنَى أبا عَبدِ الله، وكان من ساكِني المَدِينةِ، وبها كانت وفاتُهُ، في سَنةِ أربع وأربعينَ ومئةٍ، في خِلافةِ أبي جَعْفرٍ. وكان ثقةً (٢) كثيرَ الحديثِ، روى عنهُ مالكٌ، وابنُ عُيَينةَ، والثَّوريُّ، وشُعبة (٣) وجَماعة من الأئمّة، إلّا أنَّهُ يُخالفُ في أحاديث، فإذا خالَفهُ في أبي سَلَمةَ: الزُّهريُّ، أو يحيى بن أبي (٤) كثيرٍ، فالقولُ قولُهُما عن أبي سَملَمةَ عِندَ أهل العِلْم بالحديثِ. وقال يحيى بن مَعين (٥): محمدُ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، أعْلَى من سُهَيل بن أبي صالح. وقال يحيى القطّانُ (٦): محمدُ بن عَمرٍو أحبُّ إليَّ من ابن حَرْملةَ. وقال يحيى بن مَعينٍ أيضًا (٧): محمدُ بن عَجْلانَ أوثقُ من محمدِ بن عَمرٍو. قال: ولم يكونُوا يكتُبُونَ حديث محمدِ بن عَمرٍو، حتَّى اشْتَهاها أصحابُ الإسْنادِ، فكَتبُوها.

стр. 4364

قال أبو عُمر: محمدُ بن عَمرٍو ثِقةٌ مُحدِّث، روى عنهُ الأئمَّةُ، ووثَّقُوهُ ولا مَقالَ فيه، إلّا ما ذكَرْنا: أنَّهُ يُخالفُ في أحاديث، وأنَّهُ لا يَجْري مَجْرَى الزُّهريِّ، وشبهِهِ، وقد (١) كان شُعبَةُ مع تَعسُّفِهِ وانْتِقاد الرِّجال، يُثْني عليه. ذكر العُقَيليُّ (٢) قال: حَدَّثَنِي محمدُ بن سعْدٍ الشّاشيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن موسى الواسِطيُّ، قال: سمِعتُ يزيد بن هارُون يقولُ: قال شُعبةُ: محمدُ بن عَمرٍو أحبُّ إليَّ من يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ في الحديثِ. قال أبو عُمر: حسبُكَ بهذا، ويحيى بن سعيدٍ أحَدُ الأئمَّةِ الجلَّةِ. وقد رَوَى ابنُ أبي مريمَ، عن خالهِ موسى بن سلَمةَ، قال: أتَيْتُ عبد الله بن يزيدَ بن هُرمُزَ، فسألتُهُ أن يُحدِّثني، فقال: ليسَ ذلكَ عِندي، ولكنْ إن أردتَ الحديثَ، فعليكَ بمحمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ. وقال أبو مُسهِر: سَمِعتُ مالك بن أَنَسٍ يقولُ: أكثرَ محمدُ بن عَمرٍو. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن زُهَر، قال (٣): سَمِعتُ يحيى بن مَعينٍ يقولُ: محمدُ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ ثِقةٌ. قال أبو عُمر: لَمْ يُخرِّج مالكٌ عن محمدِ بن عَمرِو بن علقمةَ في "مُوطَّئهِ" حُكمًا، واسْتَغنَى عنهُ في الأحْكام بالزُّهريِّ ومِثْلهِ، ولم يَكُن عِندَهُ إلّا في عِدادِ الشُّيُوخ الثِّقاتِ. وإنَّما ذَكَر عنهُ في "مُوطَّئهِ" من المُسندِ حديثًا واحِدًا وهو:

стр. 4365

مالكٌ (١)، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، عن أبيهِ، عن بِلالِ بن الحارِثِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكَلِمةِ من رِضْوانِ الله، ما كان يظُنُّ أن تبلُغَ ما بَلَغت، يَكتُبُ الله لهُ بها رِضْوانهُ إلى يوم يَلْقاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ ليَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ من سَخِطِ الله، ما كان يظُنُّ أن تبلُغَ ما بَلَغت، يَكتُبُ الله لهُ بها سَخَطهُ إلى يوم يَلْقاهُ". قال أبو عُمر: هكذا رَوَى هذا الحديثَ جَماعةُ الرُّواةِ "للمُوطَّأ" (٢). وغيرُ مالكٍ يقولُ في هذا الحديث: عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، عن بِلالِ بن الحارِثِ. فهُو في رِوايةِ مالكٍ غيرُ مُتَّصِل، وفي رِوايةِ من قال: عن أبيهِ، عن جَدِّهِ. مُتَّصِلٌ مُسندٌ. وقد تابَعَ مالكًا على مِثلِ رِوايتِهِ عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبيه: اللَّيثُ بن سَعْد (٣)، وابنُ لهيعةَ (٤). روَياهُ عن ابن عَجْلانَ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبيهِ، عن بِلالِ بن الحارِثِ. لَمْ يقولا (٥): عن جدِّهِ.

стр. 4366

ورَواهُ: الدَّراوَرْديُّ (١)، وسُفيانُ بن عُيَينةَ (٢)، ومُعاذُ بن مُعاذ (٣)، وأبو مُعاويةَ الضَّريرُ (٤)، وسعيدُ بن عامر (٥)، ويزيدُ بن هارُونَ (٦)، ومحمدُ بن بِشْر (٧)، وعبدُ الرَّحمنِ المُحارِبيُّ (٨)، ومحمدٌ (٩) ويعلى (١٠) ابنا عُبَيدٍ: عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عن بِلالِ بن الحارِثِ. وتابَعهُم حَيْوَةُ (١١) بن شُرَيح، عن ابن عَجْلانَ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبيهِ، عن جدِّه (١٢).

стр. 4367

وتابَعهُم أيضًا شيخٌ يُكْنَى أبا سُفيانَ عبد الرَّحمنِ بن عَبدِ ربِّهِ اليَشْكُريَّ، عن مالكٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبيهِ، عن جَدِّه (١). ورواهُ الثَّوريُّ (٢)، وموسى بن عُقبَةَ (٣)، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن جدِّهِ عَلْقمةَ بن وقّاصٍ. ولم يقولا: عن أبيهِ. وقال حمّادُ بن سلمةَ: عن محمدِ بن عَمرٍو، عن محمدِ بن إبراهيم، عن عَلْقمةَ بن وقّاص (٤). والقولُ عِندِي فيه، واللّه أعلمُ، قولُ من قال: عن أبيهِ، عن جدِّهِ. وإليه مال الدّارقُطنيُّ ﵀. حَدَّثَنَا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بِشْرٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيهِ عَلْقمةَ بن وقّاصٍ، قال: مرَّ به رَجُلٌ لهُ شَرَفٌ، فقال لهُ عَلْقمةُ: إنَّ لكَ رَحِمًا، وإنَّ لكَ لحَقًا، وإنِّي رأيتُكَ تدخُلُ على هؤُلاءِ الأُمَراءِ، وتَكَلَّمُ عِندَهُم بما شاءَ الله أن تَكلَّم، وإنِّي سَمِعتُ بِلالَ بن الحارِثِ صاحِبَ رسُول الله ﷺ يقولُ: قال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ الرَّجُلَ ليتكَلَّمُ بالكَلِمةِ من رِضْوانِ الله، ما يظُنُّ أن تبلُغَ ما بَلَغَتْ، فيَكتُبُ الله لهُ بها رِضْوانهُ إلى يوم يلقاهُ، وإنَّ أحدَكُم ليَتكلَّمُ بالكَلِمةِ من سَخَطِ الله، ما يظُنُّ أن تبلُغَ ما بلغَتْ، فيكتُبُ الله عليه بها سَخَطَهُ إلى يوم يَلْقاهُ". قال علقمةُ: فانظُر،

стр. 4368

وَيْحكَ ماذا تقولُ، وماذا تَكلَّمُ، فرُبَّ كلام قد مَنَعني أن أتكَلَّمَ به، ما سَمِعتُ من بِلالِ بن الحارِث (١). قال أبو عُمر: لا أعلمُ خِلافًا في قولهِ ﷺ في هذا الحديث: "إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكَلِمةِ". أنَّها الكَلِمةُ عِندَ السُّلطانِ الجائرِ الظّالم ليُرْضيهُ بها، فيما يُسخِطُ الله ، ويزيِّنَ لهُ باطِلَا يُريدُهُ، من إراقَةِ دم، أو ظُلم مُسلم، ونحوِ ذلك مِمّا يَنْحطُّ به في حَبْلِ هواهُ، فيَبْعُدُ من الله، ويَنالُ سَخَطهُ، وكذلكَ الكَلِمةُ التي يُرْضِي بها الله عِندَ السُّلطانِ ليَصْرِفهُ عن هَواهُ، ويَكُفَّهُ عن مَعْصيةٍ يُريدُها، يبلُغُ بها أيضًا من الله رِضوانًا لا يحتسبهُ، واللّه أعلمُ. وهكذا فسَّرهُ ابنُ عُيَينةَ وغيرُهُ، وذلكَ بيِّنٌ في هذه الرِّوايةِ وغيرِها. وجدتُ في سَماع أبي بخَطِّهِ، أنَّ محمد بن أحمد بن قاسم بن هِلالٍ حدَّثهُم، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بن مَرزُوقٍ، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بن موسى، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ عن بِلالِ بن الحارِثِ قال: إنَّكُم تدخُلُونَ على هؤُلاءِ الأُمَراءِ، وقد سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكَلِمةِ من رِضوانِ الله، لا يظُنُّ أن تبلُغَ ما بَلَغتْ، فيكتُبُ الله لهُ بها رِضْوانهُ إلى يوم يَلْقاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكلِمةِ من سَخَطِ الله، ما يظُنُّ أن تبلُغَ ما بَلَغت، فيكتُبُ الله لهُ بها سَخَطهُ إلى يوم يلقاهُ (٢) " (٣).

стр. 4369

وبه عن أسَدٍ، قال: حَدَّثَنَا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن محمدِ بن إبراهيم التَّيميِّ، عن عَلْقمةَ بن وقّاصٍ، قال: كان عَلْقمةُ يدخُلُ على الأُمراءِ، ثُمَّ جلَسَ عنهُم، فقيلَ لهُ ما يُجلسُكَ عنهُم؟ قال: حَدَّثَنِي بلالُ بن الحارِثِ، قال: سمِعتُ رسُول الله ﷺ يقولُ: "إنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلِمةِ من رِضْوانِ الله ما يظُنُّ أن تبلُغَ ما بَلَغت، فيَكتُبُ الله لهُ بها رِضْوانهُ إلى يوم يَلْقاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكلِمةِ من سَخطِ الله ما (١) يظُنُّ أن تبلُغ ما بلغت، فيكتُبُ الله لهُ بها سخطهُ إلى يوم يَلْقاهُ" (٢). هكذا قال حمّادُ بن سَلَمةَ في هذا الحديث: عن محمدِ بن عَمرٍو، عن محمدِ بن إبراهيمَ التَّيميِّ. وهُو عِندِي وهمٌ، واللّه أعلمُ، والصَّحيحُ ما قالت الجماعةُ: عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبيهِ. حَدَّثَنَا أحمدُ بن فَتْح بن عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يحيى بن الحُسينِ، قال: حَدَّثَنَا عُبيدُ الله بن محمدٍ العَيْشيُّ، قال: حَدَّثَنَا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن أبي غالبٍ، عن أبي أُمامَةَ: أنَّ رجُلًا سألَ رسُول الله ﷺ عِندَ الجَمْرة: أيُّ الجِهادِ أفضلُ؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "أفضلُ الجِهادِ من قال كلِمةَ حقٍّ عِندَ ذي سُلْطانٍ جائر" (٣).

стр. 4370

حدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن قاسم، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بن مخلدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن هشام بن يحيى الغسّانيُّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عُروةُ بن رُوَيم اللَّخميُّ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: قال رَسُولُ الله ﷺ : "من كان وُصْلَةً لأخيهِ (١) المُسْلم إلى ذي سُلطانٍ في مَبْلغِ برٍّ، أو قال كلِمةً معناها، أو إقالَةِ عَثْرة أعانَهُ الله على جَوازِ الصِّراطِ يومَ القِيامةِ، عِندَ دَحْضِ الأقْدام" (٢). وبه عن بَقِيِّ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى أبو موسى، قال: حدَّثنا سَهْلُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا المُختارُ بن نافِع، عن أبي حيّانَ، عن أبيهِ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "رحِمَ الله عُمرَ، تَرَكهُ الحقُّ ليسَ لهُ صَدِيقٌ" (٣). حدَّثنا أحمدُ بن سَعيدِ بن بِشْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَبدِ الله بن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا صالحُ بن عُبَيدٍ، قال: سَمِعتُ ابن مهديٍّ يقولُ: عن حمّادِ بن زَيْدٍ، قال ابنُ عَوْن: كان الرَّجُلُ يَفِرُّ بما عِندَهُ من الأُمَراءِ جَهْدَهُ، فإذا أُخِذَ لم يَجِدْ بُدًّا (٤).

стр. 4371

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سَعيدٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يَمْنعنَّ أحَدَكُم مَخافةُ النّاسِ أن يتَكَلَّم بالحقِّ إذا عَلِمهُ" (١). وأخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَرْوانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ أبو (٢) محمدِ بن يحيى القُلْزُميُّ (٣)، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ حاتِمُ بن الحسنِ الشّاشيُّ بمَكَّةَ، قال: حدَّثنا أبو حامد (٤) أحمدُ بن زُرْعةَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن رُشَيدٍ، قال: حدَّثنا أبو مُقاتِل، عن أبي حَنِيفةَ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاس، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أكرمُ الشُّهداءِ يومَ القِيامةِ حَمْزةُ بن عبدِ المُطَّلبِ، ثُمَّ رجُلٌ قامَ إلى إمام جائرٍ، فأمَرهُ ونَهاهُ، فقَتَلهُ" (٥). ورُوِيَ من حديثِ إبراهيمَ الصّائغِ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ مِثلُهُ، قال: قال

стр. 4372

رسُولُ الله ﷺ : "سيِّدُ الشُّهداءِ حَمْزةُ، ورجُلٌ قامَ إلى إمام جائرٍ، فأمَرهُ أو نهاهُ، فقَتَلهُ (١). ورَوَى ابنُ أبي نُعْم (٢)، قال: سمِعتُ عبد الله بن عُمر يقولُ: وفدُ الشَّيطانِ قومٌ يأتُونَ هؤُلاءِ الأُمَراءَ، فيمشُونَ إلَيهم بالنَّميمةِ والكَذِبِ، فيُعطَوْنَ على ذلك العَطايا، ويُجازَونَ بالجَوائز (٣). قرأتُ على قاسم بن محمدٍ، أنَّ خالد بن سَعْد (٤) حَدَّثهُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل الصّائغُ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن الوليدِ الوصّافيُّ (٥) قال: قلتُ لعَطاء: أخٌ لي (٦) صاحِبُ سُلطانٍ، يكتُبُ ما يدخُلُ ويخرُجُ، أمينٌ على ذلكَ، إن تركَ قَلَمهُ، صارَ عليه دينٌ، وإن أخَذَ بقَلمِهِ، كان لهُ غِنًى ولعِيالهِ. قال: الرَّأسُ من؟ قلتُ: خالدُ بن عبدِ الله. قال: أوَ ما تَقْرأُ هذه الآيةَ: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]. صاحِبُ القَلَم عونٌ لهم، ومن أقلُّ من صاحِبِ قَلَم عونٌ لهم! ليَرْم بقَلَمِهِ، فإنَّ الله آتيهِ بغِنًى، أو رِزق.

стр. 4373

ورَوَينا عن رَجاءِ (١) بن حَيْوةَ، قال: كُنتُ، واقِفًا ببابِ سُلَيمانَ بن عبدِ الملكِ، فأتاني آتٍ لم أرَهُ قبلُ ولا بَعْدُ، فقال: يا رَجاءُ: إنَّكَ قد بُلِيتَ بهذا، أو بُلِيَ (٢) بكَ، وفي دُنُوِّكَ منهُ فَسادُ دينِكَ، يا رَجاءُ، فعليكَ بالمعرُوفِ، وعونِ الضَّعيفِ، يا رَجاءُ، إنَّهُ من رفَعَ حاجةً لضَعيفٍ إلى سُلطانٍ، لا يَقدِرُ على رَفْعِها، ثبَّتَ الله قَدَمهُ على الصِّراطِ يومَ تزِلُّ فيه الأقْدامُ (٣). وهذا فيه حديثٌ مرفُوعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، حدَّثناهُ أبو القاسم خَلَفُ بن القاسم بن سَهْل، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن صالح بن عُمَر المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن سُلَيمان أبو بكرٍ الخُراسانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح المِصريُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن حسّانٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن رَباح الذِّماريُّ، قال: حدَّثني عَمِّي نِمْرانُ بن عُتْبةَ (٤) الذِّماريُّ، عن أُمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدَّرداءِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من رفَعَ حاجَةَ ضَعيفٍ إلى سُلْطانٍ لا يَسْتطيعُ رَفْعها إليه، ثبَّتَ الله قَدَميهِ، أو قال: قدَمَهُ، على الصِّراطِ" (٥). حدَّثنا خلفُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٦): أخبرنا

стр. 4374

مَعْمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن (١) عُمارةَ بن عَبْد (٢)، عن حُذَيفةَ، قال: إيّاكُم ومَواقِفَ الفِتَنِ. قيل: وما مَواقِفُ الفِتَنِ يا أبا عبدِ الله؟ قال: أبوابُ الأُمَراءِ، يدخُلُ أحَدُكُم على الأميرِ، فيُصدِّقُهُ بالكَذِبِ، ويقولُ لهُ ما ليسَ فيه. قال (٣): وأخبرنا مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، أنَّ ابن مَسْعُودٍ قال: إنَّ عَلَى أبواب السُّلطانِ فِتنًا كمَبارِكِ الإبِل، والذي نَفْسي بيدِهِ لا تُصيبُونَ من دُنياهُم شَيئًا، إلَّا أصابُوا من دِينِكُم مِثْلهُ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بن رَشِيقٍ. وحدَّثنا أحمدُ بن فتح، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ. قالا: حدَّثنا عليُّ بن سَعِيد (٤) بن بَشِير (٥) الرّازيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن خَلَف العَنْبريُّ، قال: حدَّثنا سُليمان بن حرب (٦)، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عبدِ الله بن العَيْزارِ، قال: كان مُطرِّفُ بن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ يقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ من أن أقُول شيئًا من الحقِّ أُريدُ به سِواكَ، وأعُوذُ بكَ من ضُرٍّ ينزِلُ بي يَضْطرُّني إلى مَعْصيتِكَ، وأعُوذُ بكَ أن تُزيِّنَ لي شيئًا من شَأني يُشينُني عِندكَ، وأعُوذُ بكَ أن يكونَ غيري أسعدَ بما أعْطَيتني مِنِّي، وأعُوذُ بكَ أن أكُونَ عِبرةً للنّاسِ (٧).

стр. 4375

حديثٌ ثانٍ لمحمدِ بن عَمرٍو مالكٌ (١)، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، عن مَليح بن عبدِ الله السَّعديِّ، عن أبي هُريرةَ، أنَّهُ قال: الذي يَرْفعُ رأسهُ، ويخفِضُهُ قبلَ الإمام، فإنَّما ناصيتُهُ بيَدِ شَيْطانٍ. قال أبو عُمر: هكذا رواهُ مالكٌ موقُوفًا، لم يُختَلَفْ عليه فيهِ (٢). ورواهُ الدَّراورديُّ، عن محمدِ بن عَمرٍو بن عَلْقمة (٣) عن مَليح، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﵇ مرفُوعًا (٤). ولا يصحُّ إلّا موقُوفًا بهذا الإسنادِ، والله أعلمُ. ورواهُ حفصُ بن عُمر العَدَنيُّ، عن مالكٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ (٥)، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مثلَهُ (٦) سواءً (٧). ولم يُتابَع عليه عن مالكٍ. وأمّا حديثُ محمدِ بن زيادٍ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أما يَخْشَى الذي يَرْفعُ رأسهُ قبلَ الإمام، أن يُحوِّلَ الله رأسَهُ رأسَ حِمارٍ". فحديثٌ

стр. 4376

صحيحٌ مرفُوعٌ، رواهُ: شُعبةُ (١) وحمّادُ بن زيد (٢) وحمّادُ بن سلمةَ (٣) ويونُسُ بن عُبيد (٤)، عن محمدِ بن زيادٍ (٥). فالقولُ (٦) فيه، كالقولِ في حديثِ محمدِ بن عَمرٍو، ولا خِلافَ في معناهُما عِندَ الفُقَهاءِ. وأمّا أهلُ الظّاهِرِ، فيجِبُ على أُصُولِهم إيجابُ الإعادةِ على من فعَلَ ذلكَ، لأنَّهُ فعلَ ما نُهِيَ عنهُ، وكلُّ عَمل عِندَهُم يُطابقُهُ (٧) النَّهيِ يَفْسدُ (٨). وحُجَّتُهُم عِندِي في هذه المسألةِ، قولُهُ ﷺ : "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا ركَعَ فارْكَعُوا، وإذا رفَعَ فارْفَعُوا (٩) " (١٠).

стр. 4377

مالكٌ، عن محمدِ بن عَمرِو بن حَلْحلةَ الدِّيليِّ (١) حديثانِ حديثٌ أوَّلُ لمحمدِ بن عَمرِو بن حَلْحلةَ مالكٌ (٢)، عن محمدِ بن عَمرِو بن حَلْحلةَ الدِّيليِّ، عن مَعْبدِ (٣) بن كَعْبِ بن مالكٍ، عن أبي قَتادةَ بن رِبْعيٍّ، أنَّهُ كان يُحدِّثُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ مُرَّ عليه (٤) بجِنازةٍ، فقال: "مُسْتريحٌ، ومُسْتَراحٌ منهُ". فقالوا: يا رسُولَ الله ما المُسْتريحُ، والمُسْتَراحُ منهُ؟ قال: "العبدُ المُؤمِنُ يَسْتريحُ من نَصَبِ الدُّنيا وأذاها إلى رَحْمةِ الله، والعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتريحُ منهُ العِبادُ، والبِلادُ، والشَّجرُ، والدَّوابُّ". قال أبو عُمر: هكذا هُو في جميع "المُوطَّآتِ" بهذا الإسنادِ، ولا خِلافَ فيه عن مالكٍ (٥).

стр. 4378

وأخطأ فيه على مالكٍ سُويدُ بن سعيدٍ، فرواهُ عن محمدِ بن عَمرِو بن حَلْحلةَ، عن مَعْبدِ بن كعبٍ، عن أبيهِ. وليسَ بشيءٍ (١). ورواهُ وَهْبُ بن كَيْسانَ، عن محمدِ بن عَمرِو بن مَليح الدِّيليِّ قال: كُنّا في جِنازةِ رَجُلٍ من جُهَينةَ، ومعنا مَعْبدُ بن كعبٍ السُّلميُّ، قال مَعبدُ بن كعب: سَمِعتُ أبا قَتادةَ يقولُ: مُرَّ على النَّبيِّ ﷺ بجِنازةٍ. فذكر الحديث سَواءً إلى آخِرِه (٢)؛ ذكرهُ (٣) ابنُ أبيَ شْيبةَ، عن عُبيدِ الله بن موسى، عن إبراهيمَ بن إسْماعيلَ بن أبي حَبِيبةَ، عن وَهْبِ بن كَيْسان. ورواهُ محمدُ بن إسحاقَ، عن مَعْبدِ بن كَعْبٍ. فلا أدري سمِعهُ منهُ أم لا؟ حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ (٥)،

стр. 4379

عن محمدِ بن إسحاقَ، عن مَعْبدِ بن كَعْبٍ، عن أبي قَتادةَ. وحدَّثنا عُبَيدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسَى بن مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن مَعْبدِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن أبي قَتادةَ الأنصاريِّ قال: بَيْنا نحنُ معَ رسُولِ الله ﷺ جُلُوسًا، أتاهُ آتٍ، فقال: يا رسُولَ الله ماتَ فُلانُ بن فُلانٍ، فقال: "عبد الله، دُعِيَ فأجابَ، مُستريحٌ ومُستراحٌ منهُ". فقُلنا: يا رسُولَ الله مُستريحٌ من ماذا (١)؟ قال: "عبدُ الله الرَّجُلُ المُؤمِنُ اسْتَراحَ من الدُّنيا، ونَصَبِها، وهُمُومِها، وأحْزانِها، وأفْضَى إلى رَحْمةِ الله". قُلنا: ومُسْتَراحٌ منهُ ماذا؟ قال: "الرَّجُلُ السُّوءُ". في حديثِ ابن أبي شَيْبةَ: قال (٢): "الرَّجُلُ السُّوءُ يَسْتريحُ منهُ العِبادُ، والبِلادُ، والشَّجرُ، والدَّوابُّ" (٣). وهذا حديثٌ ليسَ فيه معنًى يُشْكِلُ، والحمدُ لله.

стр. 4380

حديثٌ ثانٍ لمحمدِ بن عَمرِو بن حَلْحلةَ مالكٌ (١)، عن محمدِ بن عَمرِو بن حَلْحلةَ، عن محمدِ بن عِمْران الأنصاريِّ، عن أبيهِ، أنَّهُ قالَ: عدلَ إليَّ عبدُ الله بن عُمرَ، وأنا نازِلٌ تحت سَرْحةٍ بطريقِ مَكَّةَ، فقال: ما أنزلكَ تحتَ هذه السَّرحةِ؟ فقلتُ: أردتُ ظِلَّها، فقال: هَلْ غيرُ ذلك؟ قلتُ: لا، ما أنْزَلَني إلّا ذلكَ، فقال ابنُ عُمر: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا كُنتَ بين الأخْشَبينِ من مِنًى، ونفَخَ بيَدِهِ نحو المشرِقِ، فإنَّ هُنالك واديًا يُقالُ لهُ: السُّرَرُ (٢)، به سَرْحَةٌ (٣) سُرَّ تحتها سَبْعُونَ نبيًّا". قال أبو عُمر: لا أعرِفُ محمد بن عِمْرانَ هذا إلّا بهذا الحديثِ، وإن لم يَكُن أبوهُ عِمْران بن حيّانَ (٤) الأنصاريَّ، أو عِمْرانَ بن سوادةَ، فلا أدْرِي من هُو؟ وحديثُهُ هذا مَدَنيٌّ، وحسبُك بذِكْرِ مالكٍ لهُ في كِتابِه (٥). وأمّا قولُهُ: وأنا نازِلٌ تحتَ سَرْحَةٍ. فالسَّرْحَةُ: الشَّجَرةُ، قال الخليلُ (٦): السَّرحُ: الشَّجرُ الطِّوالُ، الذي لهُ شُعَبٌ وظِلٌّ، واحِدتُها سَرْحةٌ. قال حُميدُ بن ثَوْر (٧). أبى اللهُ إلّا أنَّ سَرْحةَ مالكٍ ... على كلِّ أفْنانِ العِضاهِ ترُوقُ

стр. 4381

وقد ذَكَرهُ أبو ذُؤَيبٍ الهُذليُّ (١) في شِعْرِهِ، فقال: ألِكْنِي إليها (٢)، وخيرُ الرَّسولِ ... أعلمُهُم بنَواحي الخَبَرِ بآيةِ ما وَقَفتْ والرِّكابُ ... بين الحَجُونِ (٣) وبين السِّررِ فقال تَبرَّرتَ في حَجِّنا (٤) ... وما كُنتَ فينا جَدِيرًا (٥) ببرِّ قال الأصْمَعيُّ: السِّررُ على أربعةِ أميالٍ من مكَّةَ، عن يَمينِ الجَبَل، كان عبدُ الصَّمدِ بن عليٍّ قد بَنَى عليه مسجِدًا (٦). وأمّا قولُهُ: ونَفَخَ (٧) بيدِهِ، فالنَّفخُ ها هُنا، الإشارةُ بيَدِهِ، كأنَّهُ يقولُ: رَمَى بيدِهِ نحو المشرِقِ، أي: مدَّها وأشارَ بها، والسِّررُ، اسمُ الوادي، والأخْشَبان: الجَبَلانِ. قال ابنُ وَهْب: في قوله: "إذا كُنتَ بين الأخْشَبينِ من مِنًى". قال: يعني الجَبَلينِ اللَّذينِ تحت العَقَبةِ بمِنًى، فوقَ المسجدِ. قال أبو عُمر: الأخاشِبُ، الجِبالُ، أنشد ابنُ هشام (٨)، لأبي قيسِ (٩) بن الأسْلَتِ. فقُومُوا فصلُوا ربَّكُم وتمسَّحُوا ... بأرْكانِ هذا البيتِ بين الأخاشِبِ

стр. 4382

ويُقالُ: إنَّ الأخاشِبَ اسمٌ لجبالِ مَكَّةَ، ومنًى خاصَّةً (١). قال إسماعيلُ بن يَسارٍ النَّسائيُّ (٢): ولعَمْرُ من حُبِسَ الهديُ لهُ ... بالأخْشَبينِ صَبِيحةَ النَّحرِ وقال العامريُّ في بَيْعةِ ابن الزُّبير: نبايِعُ (٣) بين الأخْشَبين وإنَّما ... يَدُ الله بين الأخْشَبينِ نبايعُ وأمّا قولُهُ: "سُرَّ تحتها سَبْعُونَ نبيًّا". ففيه قولان: أحدُهُما: أنَّهُم بُشِّرُوا تحتها بما سرَّهُم، واحِدًا بعد واحِدٍ، أو مُجتمِعينَ، أو نُبِّئُوا تحتها، فسُرُّوا، من السُّرُورِ. والقولُ الآخرُ: أنَّها قُطِعت تحتها سُرَرُهُم، يعني وُلدُوا تحتها، يُقالُ: قد سُرَّ الطِّفلُ، إذا قُطِعت سُرَّتُهُ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على التَّبرُّكِ بمَواضِع الأنبياءِ والصّالحينَ، ومَقاماتِهِم ومَساكنِهِم، وإلى هذا قصَدَ عبدُ الله بن عُمر بحديثهِ هذا، واللّه أعلمُ. وليسَ في هذا الحديثِ حُكمٌ من الأحْكام. وفيه الحديثُ عن بني إسرائيل، والخَبرُ عن الماضين، وإباحَةُ الخوضِ في أخْبارِهِم، والتَّحدُّثِ بها.

стр. 4383

مالكٌ، عن محمدِ بن أبي أُمامَةَ حديثٌ واحِدٌ وهُو محمدُ (١) بن أبي أُمامَةَ بن سَهْل بن حُنَيفِ بن واهب (٢) الأنصاريُّ، وُلد أبوهُ أبو أُمامَةَ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ، سمّاهُ رسُولُ الله ﷺ أسْعَدَ، باسِم جدِّهِ أبي أُمِّهِ أبي أُمامَةَ أسْعَد بن زُرارةَ الأنصاريِّ، وكان أحد النُّقباءِ، وأبوهُ سَهْل بن حُنيفٍ، جدُّ محمدٍ هذا من كِبارِ الصَّحابةِ أيضًا. وقد ذكَرْنا أبا أُمامةَ بن سَهْل (٣)، وأباهُ سَهْل بن حُنيف (٤)، وذكَرْنا أبا أُمامَةَ أسعد بن زُرارةَ (٥) جدَّ أبي أُمامةَ بن سَهْلٍ لأُمِّهِ، أبي أمِّه (٦) كلُّ هؤُلاءِ في كِتابِنا في الصَّحابةِ، وذكرنا هُناك من أخبارِهِم ما يُوقَفُ به على مَواضِعِهِم، ومَنازِلهِم، وأحْوالهِم. ومحمدُ بن أبي أُمامةَ هذا من ثِقاتِ شُيُوخ أهل المدينةِ، روى عنهُ مالكٌ وغيرُهُ.

стр. 4384

مالكٌ (١)، عن محمدِ بن أبي أُمامَةَ بن سَهْل بن حُنَيفٍ، أنَّهُ سمِعَ أباهُ يقولُ: اغتسَلَ أبي سَهْلُ بن حُنَيفٍ بالخرّارِ، فنزَعَ جُبَّةً كانت عليه، وعامرُ بن رَبِيعةَ ينظُرُ، قال: وكان سَهْلٌ رَجُلًا أبيضَ حسَنَ الجِلْدِ، قال: فقال لهُ عامرُ بن ربيعةَ: ما رَأيتُ كاليوم، ولا جِلدَ عَذْراءَ. قال: فوُعِكَ سَهْلٌ مكانهُ، واشتَدَّ وَعكُهُ، فأتِيَ رسُولُ الله ﷺ فأُخبِرَ أنَّ سهلًا وُعِكَ، وأنَّهُ غيرُ رائح معكَ يا رسُولَ الله، فأتاهُ رسُولُ الله ﷺ فأخبَرهُ سهلٌ بالذي كان من شأنِ (٢) عامرٍ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "علامَ يقتُلُ أحدُكُم أخاهُ؟ ألا برَّكتَ! إنَّ العَيْنَ حقٌّ، توضَّأ لَهُ". فتوضَّأ عامرٌ، فراحَ سهلٌ معَ رسُولِ الله ﷺ ليسَ به بأسٌ. قال أبو عُمرَ: في هذا الحديث أنَّ العينَ حقٌّ. وفيه: أنَّ العينَ إنَّما تكونُ مع الإعْجابِ، ورُبَّما مع الحَسَدِ. وفيه: أنَّ الرَّجُلَ الصّالح قد يكونُ عائنًا، وأنَّ هذا ليسَ من بابِ الصَّلاح، ولا من بابِ الفِسْقِ في شيءٍ. وفيه: أنَّ العائنَ لا يُنْفى، كما زعَمَ بعضُ النّاسِ. وفيه: أنَّ التَّبريكَ لا تضُرُّ مَعهُ عينُ العائنِ. والتَّبريكُ، قولُ القائل: اللَّهُمَّ بارِك فيه، ونحوُ هذا، وقد قيلَ: إنَّ التَّبريكَ، أن يقولَ: تباركَ الله أحسنُ الخالقينَ، اللَّهُمَّ بارِكْ فيه. وفيه: جَوازُ الاغتِسالِ بالعَراءِ. والخرّارُ، مَوْضِعٌ بالمدينةِ، وقيل: وادٍ من أوْدِيتِها.

стр. 4385

وفيه: دليلٌ على أنَّ العائنَ يُجبَرُ على الاغتِسالِ للعين. وفيه: أنَّ النُّشْرَةَ (١) وشِبْهَها لا بأسَ بها، وقد يُنتَفعُ بها. وقد ذكَرْنا ما في هذا الحديثِ من المعاني مُسْتَوعبةً، وذكَرْنا حُكم الاغْتِسال، وهيئَتهُ، وما قيلَ (٢) في ذلك كلِّهِ مُهذَّبًا، في بابِ ابن شِهاب، عن أبي أُمامَةَ بن سَهْل، من كِتابِنا هذا فأغْنَى عن الإعادةِ ها هُنا. ومِمّا يدُلُّك على أنَّ صاحِبَ العَيْنِ، إذا أعجَبهُ شيءٌ، كان منهُ بقَدَرِ الله ما قَضاهُ، وأنَّ العينَ رُبَّما قتَلتْ، كما قال ﷺ : "علامَ يقتُلُ أحدُكُم أخاهُ؟ ". ما روينا (٣) عن الأصْمَعيِّ، أنَّهُ قال: أنا (٤) رأيتُ رجُلًا عَيُونًا (٥) سمِعَ بَقَرةً تُحلَبُ، فأعجَبهُ صوتُ شَخْبِها (٦)، فقال: أيَّتُهُنَّ هذه؟ فقالوا: الفُلانيَّةُ، لبَقَرةٍ أُخرى، يُوَرُّونَ عنها، فهَلَكتا جميعًا: المُوَرَّى بها، والمُوَرَّى عنها (٧). قال الأصْمَعيُّ: وسَمِعتُهُ يقولُ: إذا رأيتُ الشَّيءَ يُعجِبُني، وجَدتُ حَرارةً تخرُجُ من عَيْني. قال الأصمعيُّ: وكان عِندَنا رجُلانِ يعينانِ النّاس، فمرَّ أحدُهُما بحَوْضٍ من حِجارةٍ، فقال: تالله ما رأيتُ كاليوم قطُّ، فتَطايرَ الحوضُ فِرْقتينِ، فأخذَهُ

стр. 4386

أهلُهُ فضبَّبُوهُ (١) بالحديدِ، فمرَّ عليه ثانيةً، فقال: وأبيكَ لقلَّ ما ضَررتَ (٢) أهلكَ فيكَ. فتَطايرَ أربع فِرَقٍ. قال: وأمّا الآخرُ، فإنَّه سمِعَ (٣) صوتَ بَوْلٍ من وراءِ حائطٍ، فقال: إنَّهُ ليِّنُ الشَّخْب (٤)، فقالوا: إنَّهُ فُلانٌ ابنُكَ. فقال: وانقِطاعُ ظَهْراهُ. قالوا: إنَّهُ لا بأسَ عليه. قال: لا يبُولُ واللّه بَعْدها أبدًا. قال: فما بالَ بَعْدَها (٥) حتَّى ماتَ. ويُقالُ: من هذا: عِنتُ فلانًا أعينُهُ، إذا أصَبتهُ بعينٍ، ورجُل مَعينٌ، ومَعْيُونٌ، إذا أُصِيبَ بالعَينِ. قال عبّاسُ بن مِرداس (٦): قد كان قومُك يحسبُونكَ سيِّدًا ... وإخالُ أنَّك سيِّدٌ معيُونُ

стр. 4387

مالكٌ، عن محمدِ بن أبي بكرٍ الثَّقفيِّ حديثٌ واحِدٌ وهُو محمدُ (١) بن أبي بكر بن عَوْفِ بن رَبَاح الثَّقفيُّ، مدنيٌّ تابِعيٌّ ثِقةٌ، رَوَى عنهُ مالكُ بن أَنَسٍ، وغيرُهُ. مالكٌ (٢)، عن محمدِ بن أبي بكرٍ الثَّقفيِّ، أنَّهُ سألَ أنسَ بن مالكٍ، وهُما غاديانِ من مِنًى إلى عَرفةَ: كيفَ كُنتُم تصنعُونَ في هذا اليوم معَ رسُولِ الله ﷺ ؟ قال: كان يُهِلُّ المُهِلُّ مِنّا، فلا يُنكَرُ عليه، ويُكبِّرُ المُكبِّرُ مِنّا فلا يُنكَرُ عليه. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ صحيحٌ. وفيه أنَّ الحاجَّ جائزٌ لهُ قَطْعُ التَّلبيةِ قبل الوُقُوفِ بعَرَفةَ، وقبلَ رَمْيِ جَمْرةِ العَقَبةِ، وهُو مَوْضِعٌ اختلَفَ فيه السَّلفُ، والخَلَفُ فروى أنَسُ بن مالكٍ ما ذكَرْنا، وعَنِ ابن عُمر مِثلُهُ مرفُوعًا، وهُو فِعلُ ابن عُمرَ، وقولُهُ في ذلك. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الله بن نُمَيرٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن

стр. 4388

سعيدٍ، عن عبدِ الله (١) بن أبي سَلَمةَ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهِ قال: غَدَونا معَ رسُولِ الله ﷺ من مِنًى إلى عَرَفاتٍ، فمِنّا المُلبِّي، ومنّا المُكبِّرُ. أخبرنا خلفُ بن سَعيدٍ، قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ عبد الله بن محمدٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُمَير (٢)، أنَّ عُمرَ بن عَبدِ العزيزِ قال لعَبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ: سَألتَ أباكَ عن اختِلافِ النّاسِ في التَّلْبيةِ؟ فقال: أخْبَرني أبي: أنَّهُ غَدا مع رسُولِ الله ﷺ من مِنًى غَداةَ عرفةَ، حين صلَّى الصُّبح، قال: فلم تكُن لي هِمَّةٌ إلّا أن أرمُقَ الذي أراهُ يصنعُ، فسَمِعتُهُ يُهلِّلُ ويُكبِّرُ، والنّاسُ كنَفتَيْهِ (٣) يُهلِّلُونَ، ويُكبِّرُونَ، ويُلبُّونَ، ورسُولُ الله ﷺ يسمعُ ذلكَ كلَّهُ، فلم أرهُ يَنْهَى عن شيءٍ من ذلك كلِّهِ، ولزِمَ التَّهليل والتَّكبير. وحدَّثنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن يوُنسَ، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَصِ، عن أشْعَثَ، عن أبيهِ وعِلاج، جميعًا عن ابن عُمرَ: أنَّهُ لم يَفْتُر من التَّهليل والتَّكبيرِ حينَ دفَعَ من عَرَفات (٤) حتَّى أتَى المُزْدَلفةَ فأذَّنَ، وأقامَ، وذكَرَ الحديثَ (٥). وذكَرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا

стр. 4389

حمّادُ بن زَيْدٍ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن عَبدِ الله بن أبي سَلَمةَ، عن ابن عُمرَ قال: غَدَونا معَ رسُولِ الله ﷺ من مِنًى إلى عَرَفةَ، فمِنّا المُلبِّي، ومنّا المُكبِّرُ (١). قال إسماعيلُ: وحدَّثنا به عليٌّ، قال: حدَّثنا جَريرُ بن عبدِ الحميدِ، عن يحيى بن سعيدٍ، فذكرهُ. قال إسماعيلُ: وحدَّثثا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ الماجِشُونُ، عن أبيهِ، أنَّ عبدَ الله بن عُمَرَ قال: غَدَونا معَ رسُولِ الله ﷺ إلى عَرَفةَ، فمِنّا المُلبِّي، ومنّا المُكبِّرُ، فلا يُعابُ على المُلبِّي تَلْبيتُهُ، ولا على المُكبِّرِ تَكْبيرُهُ. وكان عبدُ الله بن عُمرَ يُكبِّرُ (٢). قال أبو عُمر: فقال قومٌ من العُلَماءِ بهذه الأحاديثِ: جائزٌ قَطْعُ التَّلبيةِ للحاجِّ، إذا راحَ من مِنًى إلى عَرَفةَ فيُهلِّلُ ويُكبِّرُ، ولا يُلبِّي، واسْتَحبُّوا ذلكَ. قالوا: وإن أخَّرَ قطعَ التَّلبيةِ إلى زَوالِ الشَّمسِ بعَرَفةَ فحَسَنٌ، ليسَ به بأسٌ. وأمّا عبدُ الله بن عُمرَ، فكان يَقْطعُ التَّلبيةَ في رَواحِهِ من مِنًى إلى عَرَفةَ. ورَوَى مالكٌ (٣)، عن نافِع: أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ كان إذا غَدا من مِنًى إلى عرَفةَ، قطَعَ التَّلبيةَ. ورَوَى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يُلبِّي حينَ يغدُو من مِنًى إلى عَرَفةَ. ورَوَى ابنُ عُليَّةَ، عن أيُّوبَ، عن بكرِ بن عبدِ الله المُزنيِّ، عن ابن عُمرَ، قال: إذا أصْبَحتَ غاديًا من مِنًى إلى عَرَفةَ، فأمسِكْ عن التَّلبيةِ، فإنَّما هُو التَّكبيرُ.

стр. 4390

وذكَرَ إسماعيلُ القاضي، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْب، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ حازِم، قال: غَدَونا من مِنًى إلى عَرَفةَ مع نافِع، فكان يُكبِّرُ أحيانًا، ويلبِّي أحيانًا. قال أبو عُمر: كان ابنُ عُمر إذا قدِمَ حاجًّا أو مُعتمِرًا، فرأى الحرَمَ، تركَ التَّلبيةَ حتَّى يطُوفَ بالبيتِ ويَسْعَى بين الصَّفا والمروةِ، ثُمَّ يعُودُ في التَّلبيةِ إلى صَبِيحةِ يوم عَرَفةَ، فإذا غَدا من مِنًى إلى عَرَفةَ قطَعَ التَّلبيةَ، وأخَذَ في التَّهليلِ والتَّكبيرِ. ذكر مالكٌ (١) عن نافِع، أنَّ عبد الله بن عُمرَ كان يَقْطعُ التَّلبيةَ في الحجِّ، إذا انْتَهى إلى (٢) الحَرم، حتَّى يطُوفَ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمروةِ، ثُمَّ يُلبِّي حينَ يغدُو من مِنًى إلى عَرَفةَ، فإذا غَدا تركَ التَّلبيةَ، وكان يترُكُ التَّلبيةَ في العُمرةِ إذا دخلَ الحرمَ. وبما رُوِيَ عن ابن عُمر في هذا البابِ، كان الحسنُ البصريُّ وغيرُهُ يقولُون. ذكَرَ إسماعيلُ القاضي (٣)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن الحَسنِ، في الذي يُهِلُّ بالحجِّ من مَكَّةَ، قال: يُلبِّي حتَّى يغدُو النّاسُ من مِنًى إلى عَرَفات. وحدَّثنا نصرٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعْلَى، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن عَطاءٍ قال: أحْسبُهُ مِثلَ ذلك. قال: وحدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: قال محمدُ بن هِلال: رأيتُ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ يَصِيحُ بالنّاسِ بعدَما صلَّى الصُّبح يومَ عَرَفةَ بمِنًى: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ التَّهليلُ والتَّكبيرُ، وقَدِ انْقَطعتِ التَّلبيةُ.

стр. 4391

قال: وحدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا الفَضلُ بن دُكَينٍ، قال: حدَّثنا مَعْمرُ بن يحيى بن سام، قال: سمِعتُ أبا جَعْفرٍ يقولُ: إذا رُحتَ (١) إلى عَرَفةَ، فاقْطَع التَّلبيةَ، وهلِّل وكبِّر. فهذا كلُّهُ وجهٌ واحِدٌ، وقولٌ واحِدٌ. وكانت جَماعةٌ آخرُونَ لا يقطعُونَ التَّلبيةَ إلّا عِندَ زوالِ الشَّمسِ بعَرَفةَ، رُوِيَ ذلك عن جَماعةٍ من السَّلفِ، وهُو قولُ مالكِ بن أنَسٍ وأصحابِهِ، وأكْثرِ أهل المدينةِ. ذكَرَ إسماعيلُ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن حُميدِ بن كاسِبٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن ابن شِهاب، قال: كانتِ الأئمَّةُ يَقْطعُون التَّلبيةَ إذا زالتِ الشَّمسُ يومَ عَرَفةَ، وسَمَّى ابنُ شِهابٍ أبا بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ، وعائشةَ، وسعيد بن المُسيِّب (٢). قال أبو عُمر: أمّا عُثمانُ وعائشةُ، فقد رُوِيَ عنهُما غيرُ ذلك، وكذلكَ سعيدُ بن المُسيِّبِ، وسَنذكُرُهُ في هذا البابِ، وهُو قَرِيبٌ مِمّا حَكَى عنهُمُ ابنُ شِهابٍ. وأمّا عليُّ بن أبي طالبٍ، فلم يُختَلَف عنهُ في ذلكَ فيما عَلِمتُ. روى مالكٌ (٣) عن جَعْفرِ بن محمدٍ، عن أبيهِ، أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ كان يُلبِّي في الحجِّ، حتَّى إذا زاغتِ الشَّمسُ من يوم عَرَفةَ، قطَعَ التَّلبيةَ. قال مالكٌ: وذلكَ الذي لم يَزَل عليه أهلُ العِلم ببلَدِنا. وكذلكَ أُمُّ سَلَمةَ كانت تَقْطعُ التَّلبيةَ إذا زالَتِ (٤) الشَّمسُ يوم عَرَفةَ. رَوَى ذلك ابنُ أبي فُدَيكٍ، عن موسى بن يَعقُوب الزَّمعيِّ، عن عمَّتِهِ، عنها (٥).

стр. 4392

وقد رُوي عن ابن عُمر مِثلُ ذلك، والرِّوايةُ الأُولى عنهُ أثبتُ. رَوَى عليُّ بنُ المدينيِّ، عن الفَضْل بن العلاءِ، عن ابن خُثَيم، عن يُوسُف بن ماهكٍ قال: حَجَجتُ مع عبدِ الله بن عُمرَ ثلاث حِجَج، فخَرَجنا مَعهُ من مكَّةَ، حتَّى صلَّى بنا الصَّلَواتِ كلَّها بمِنًى، ثُمَّ غَدا إلى عَرَفةَ وغَدَونا مَعهُ، حتَّى أتَى نَمِرةَ، فلمّا زاغتِ الشَّمسُ، أمسَكَ عن التَّلبيةِ. وهُو قولُ السّائبِ بن يزيدَ، وسُليمانَ بن يَسارٍ، وابنِ شِهابٍ. ذكَرَ إسماعيلُ، عن إبراهيمَ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا (١) الدَّراورديُّ، عن ابن أخي ابن شِهاب، عن عَمِّه: أنَّهُ كان يَقْطعُ التَّلبيةَ يومَ عَرَفةَ إذا زالتِ (٢) الشَّمسُ. وفي هذه المسألةِ قولٌ ثالثٌ: وهُو أنَّ التَّلبيةَ لا يَقْطعُها الحاجُّ حتَّى يرُوحَ من عَرَفةَ إلى الموقِفِ، وذلكَ بعد جَمْعهِ بين الظُّهرِ والعَصْرِ في أوَّل وَقْتِ الظُّهرِ. وهذا القولُ قَرِيبٌ من القولِ الذي قبلهُ. رُوي أيضًا عن جَماعةٍ من السَّلفِ، منهُم: عُثمانُ، وعائشةُ، وسَعْدُ بن أبي وقّاصٍ، وسعيدُ بن المُسيِّبِ، وغيرُهُم (٣). ورَوَى الدَّراورديُّ، وابنُ أبي حازِم، عن ابن حَرْمَلةَ: أنَّهُ سألَ سعيد بن المُسيِّب: حتَّى مَتَى أُلبِّي في الحجِّ؟ قال: حتَّى ترُوحَ من عَرفةَ إلى المَوْقِف (٤). والدَّراورديُّ أيضًا، عن عَلْقَمةَ (٥) بن أبي عَلْقَمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ: أنَّها كانت تَنزِلُ عَرفةَ في الحجِّ، وكانت تُهِلُّ في المَنْزِل، ويُهِلُّ من كان معَها، وتُصلِّي
следующие страницы →