← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4388–4427 · переход к 4393.

стр. 4388

سعيدٍ، عن عبدِ الله (١) بن أبي سَلَمةَ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهِ قال: غَدَونا معَ رسُولِ الله ﷺ من مِنًى إلى عَرَفاتٍ، فمِنّا المُلبِّي، ومنّا المُكبِّرُ. أخبرنا خلفُ بن سَعيدٍ، قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ عبد الله بن محمدٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُمَير (٢)، أنَّ عُمرَ بن عَبدِ العزيزِ قال لعَبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ: سَألتَ أباكَ عن اختِلافِ النّاسِ في التَّلْبيةِ؟ فقال: أخْبَرني أبي: أنَّهُ غَدا مع رسُولِ الله ﷺ من مِنًى غَداةَ عرفةَ، حين صلَّى الصُّبح، قال: فلم تكُن لي هِمَّةٌ إلّا أن أرمُقَ الذي أراهُ يصنعُ، فسَمِعتُهُ يُهلِّلُ ويُكبِّرُ، والنّاسُ كنَفتَيْهِ (٣) يُهلِّلُونَ، ويُكبِّرُونَ، ويُلبُّونَ، ورسُولُ الله ﷺ يسمعُ ذلكَ كلَّهُ، فلم أرهُ يَنْهَى عن شيءٍ من ذلك كلِّهِ، ولزِمَ التَّهليل والتَّكبير. وحدَّثنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن يوُنسَ، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَصِ، عن أشْعَثَ، عن أبيهِ وعِلاج، جميعًا عن ابن عُمرَ: أنَّهُ لم يَفْتُر من التَّهليل والتَّكبيرِ حينَ دفَعَ من عَرَفات (٤) حتَّى أتَى المُزْدَلفةَ فأذَّنَ، وأقامَ، وذكَرَ الحديثَ (٥). وذكَرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا

стр. 4389

حمّادُ بن زَيْدٍ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن عَبدِ الله بن أبي سَلَمةَ، عن ابن عُمرَ قال: غَدَونا معَ رسُولِ الله ﷺ من مِنًى إلى عَرَفةَ، فمِنّا المُلبِّي، ومنّا المُكبِّرُ (١). قال إسماعيلُ: وحدَّثنا به عليٌّ، قال: حدَّثنا جَريرُ بن عبدِ الحميدِ، عن يحيى بن سعيدٍ، فذكرهُ. قال إسماعيلُ: وحدَّثثا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ الماجِشُونُ، عن أبيهِ، أنَّ عبدَ الله بن عُمَرَ قال: غَدَونا معَ رسُولِ الله ﷺ إلى عَرَفةَ، فمِنّا المُلبِّي، ومنّا المُكبِّرُ، فلا يُعابُ على المُلبِّي تَلْبيتُهُ، ولا على المُكبِّرِ تَكْبيرُهُ. وكان عبدُ الله بن عُمرَ يُكبِّرُ (٢). قال أبو عُمر: فقال قومٌ من العُلَماءِ بهذه الأحاديثِ: جائزٌ قَطْعُ التَّلبيةِ للحاجِّ، إذا راحَ من مِنًى إلى عَرَفةَ فيُهلِّلُ ويُكبِّرُ، ولا يُلبِّي، واسْتَحبُّوا ذلكَ. قالوا: وإن أخَّرَ قطعَ التَّلبيةِ إلى زَوالِ الشَّمسِ بعَرَفةَ فحَسَنٌ، ليسَ به بأسٌ. وأمّا عبدُ الله بن عُمرَ، فكان يَقْطعُ التَّلبيةَ في رَواحِهِ من مِنًى إلى عَرَفةَ. ورَوَى مالكٌ (٣)، عن نافِع: أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ كان إذا غَدا من مِنًى إلى عرَفةَ، قطَعَ التَّلبيةَ. ورَوَى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يُلبِّي حينَ يغدُو من مِنًى إلى عَرَفةَ. ورَوَى ابنُ عُليَّةَ، عن أيُّوبَ، عن بكرِ بن عبدِ الله المُزنيِّ، عن ابن عُمرَ، قال: إذا أصْبَحتَ غاديًا من مِنًى إلى عَرَفةَ، فأمسِكْ عن التَّلبيةِ، فإنَّما هُو التَّكبيرُ.

стр. 4390

وذكَرَ إسماعيلُ القاضي، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْب، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ حازِم، قال: غَدَونا من مِنًى إلى عَرَفةَ مع نافِع، فكان يُكبِّرُ أحيانًا، ويلبِّي أحيانًا. قال أبو عُمر: كان ابنُ عُمر إذا قدِمَ حاجًّا أو مُعتمِرًا، فرأى الحرَمَ، تركَ التَّلبيةَ حتَّى يطُوفَ بالبيتِ ويَسْعَى بين الصَّفا والمروةِ، ثُمَّ يعُودُ في التَّلبيةِ إلى صَبِيحةِ يوم عَرَفةَ، فإذا غَدا من مِنًى إلى عَرَفةَ قطَعَ التَّلبيةَ، وأخَذَ في التَّهليلِ والتَّكبيرِ. ذكر مالكٌ (١) عن نافِع، أنَّ عبد الله بن عُمرَ كان يَقْطعُ التَّلبيةَ في الحجِّ، إذا انْتَهى إلى (٢) الحَرم، حتَّى يطُوفَ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمروةِ، ثُمَّ يُلبِّي حينَ يغدُو من مِنًى إلى عَرَفةَ، فإذا غَدا تركَ التَّلبيةَ، وكان يترُكُ التَّلبيةَ في العُمرةِ إذا دخلَ الحرمَ. وبما رُوِيَ عن ابن عُمر في هذا البابِ، كان الحسنُ البصريُّ وغيرُهُ يقولُون. ذكَرَ إسماعيلُ القاضي (٣)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن الحَسنِ، في الذي يُهِلُّ بالحجِّ من مَكَّةَ، قال: يُلبِّي حتَّى يغدُو النّاسُ من مِنًى إلى عَرَفات. وحدَّثنا نصرٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعْلَى، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن عَطاءٍ قال: أحْسبُهُ مِثلَ ذلك. قال: وحدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: قال محمدُ بن هِلال: رأيتُ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ يَصِيحُ بالنّاسِ بعدَما صلَّى الصُّبح يومَ عَرَفةَ بمِنًى: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ التَّهليلُ والتَّكبيرُ، وقَدِ انْقَطعتِ التَّلبيةُ.

стр. 4391

قال: وحدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا الفَضلُ بن دُكَينٍ، قال: حدَّثنا مَعْمرُ بن يحيى بن سام، قال: سمِعتُ أبا جَعْفرٍ يقولُ: إذا رُحتَ (١) إلى عَرَفةَ، فاقْطَع التَّلبيةَ، وهلِّل وكبِّر. فهذا كلُّهُ وجهٌ واحِدٌ، وقولٌ واحِدٌ. وكانت جَماعةٌ آخرُونَ لا يقطعُونَ التَّلبيةَ إلّا عِندَ زوالِ الشَّمسِ بعَرَفةَ، رُوِيَ ذلك عن جَماعةٍ من السَّلفِ، وهُو قولُ مالكِ بن أنَسٍ وأصحابِهِ، وأكْثرِ أهل المدينةِ. ذكَرَ إسماعيلُ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن حُميدِ بن كاسِبٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن ابن شِهاب، قال: كانتِ الأئمَّةُ يَقْطعُون التَّلبيةَ إذا زالتِ الشَّمسُ يومَ عَرَفةَ، وسَمَّى ابنُ شِهابٍ أبا بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ، وعائشةَ، وسعيد بن المُسيِّب (٢). قال أبو عُمر: أمّا عُثمانُ وعائشةُ، فقد رُوِيَ عنهُما غيرُ ذلك، وكذلكَ سعيدُ بن المُسيِّبِ، وسَنذكُرُهُ في هذا البابِ، وهُو قَرِيبٌ مِمّا حَكَى عنهُمُ ابنُ شِهابٍ. وأمّا عليُّ بن أبي طالبٍ، فلم يُختَلَف عنهُ في ذلكَ فيما عَلِمتُ. روى مالكٌ (٣) عن جَعْفرِ بن محمدٍ، عن أبيهِ، أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ كان يُلبِّي في الحجِّ، حتَّى إذا زاغتِ الشَّمسُ من يوم عَرَفةَ، قطَعَ التَّلبيةَ. قال مالكٌ: وذلكَ الذي لم يَزَل عليه أهلُ العِلم ببلَدِنا. وكذلكَ أُمُّ سَلَمةَ كانت تَقْطعُ التَّلبيةَ إذا زالَتِ (٤) الشَّمسُ يوم عَرَفةَ. رَوَى ذلك ابنُ أبي فُدَيكٍ، عن موسى بن يَعقُوب الزَّمعيِّ، عن عمَّتِهِ، عنها (٥).

стр. 4392

وقد رُوي عن ابن عُمر مِثلُ ذلك، والرِّوايةُ الأُولى عنهُ أثبتُ. رَوَى عليُّ بنُ المدينيِّ، عن الفَضْل بن العلاءِ، عن ابن خُثَيم، عن يُوسُف بن ماهكٍ قال: حَجَجتُ مع عبدِ الله بن عُمرَ ثلاث حِجَج، فخَرَجنا مَعهُ من مكَّةَ، حتَّى صلَّى بنا الصَّلَواتِ كلَّها بمِنًى، ثُمَّ غَدا إلى عَرَفةَ وغَدَونا مَعهُ، حتَّى أتَى نَمِرةَ، فلمّا زاغتِ الشَّمسُ، أمسَكَ عن التَّلبيةِ. وهُو قولُ السّائبِ بن يزيدَ، وسُليمانَ بن يَسارٍ، وابنِ شِهابٍ. ذكَرَ إسماعيلُ، عن إبراهيمَ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا (١) الدَّراورديُّ، عن ابن أخي ابن شِهاب، عن عَمِّه: أنَّهُ كان يَقْطعُ التَّلبيةَ يومَ عَرَفةَ إذا زالتِ (٢) الشَّمسُ. وفي هذه المسألةِ قولٌ ثالثٌ: وهُو أنَّ التَّلبيةَ لا يَقْطعُها الحاجُّ حتَّى يرُوحَ من عَرَفةَ إلى الموقِفِ، وذلكَ بعد جَمْعهِ بين الظُّهرِ والعَصْرِ في أوَّل وَقْتِ الظُّهرِ. وهذا القولُ قَرِيبٌ من القولِ الذي قبلهُ. رُوي أيضًا عن جَماعةٍ من السَّلفِ، منهُم: عُثمانُ، وعائشةُ، وسَعْدُ بن أبي وقّاصٍ، وسعيدُ بن المُسيِّبِ، وغيرُهُم (٣). ورَوَى الدَّراورديُّ، وابنُ أبي حازِم، عن ابن حَرْمَلةَ: أنَّهُ سألَ سعيد بن المُسيِّب: حتَّى مَتَى أُلبِّي في الحجِّ؟ قال: حتَّى ترُوحَ من عَرفةَ إلى المَوْقِف (٤). والدَّراورديُّ أيضًا، عن عَلْقَمةَ (٥) بن أبي عَلْقَمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ: أنَّها كانت تَنزِلُ عَرفةَ في الحجِّ، وكانت تُهِلُّ في المَنْزِل، ويُهِلُّ من كان معَها، وتُصلِّي

стр. 4393

الصَّلاتينِ كِلْتيهِما: الظُّهرَ والعَصْرَ في مَنْزِلها، ثُمَّ ترُوحُ إلى الموقِفِ، فإذا اسْتَوت على دابَّتِها، قَطَعتِ التَّلبيةَ؛ ذكَرَهُ إسماعيلُ بن إسحاق، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا (١) الدَّراورديُّ. وروى مالكٌ (٢)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّها كانت تَترُكُ التَّلْبيةَ إذا راحت إلى المَوْقِفِ. ومالكٌ (٣)، عن عَلْقمةَ بن أبي عَلْقمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ، مِثلهُ بمعناه. وحمّادُ بن زيد وغيرُه (٤)، عن هشام بن (٥) عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ مِثلهُ. ورَوَى ابنُ وَهْب، وعبدُ الله بن نافِع، والمُغيرةُ بن عبدِ الرَّحمنِ، كلُّهُم عن عبدِ الله بن عُمرَ، عن نافِع: أنَّ عُثمانَ كان يَقْطعُ التَّلبيةَ إذا راحَ إلى الموقِفِ. ورَوَى عليُّ بنُ المدينيِّ، عن يزيدَ بن هارُونَ، عن محمدِ بن عَمرٍو قال: صلَّيتُ معَ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ الصُّبحَ بمِنًى، ثُمَّ غَدا وغَدَونا مَعهُ، فرَأى النّاس مُكبِّرينَ لا يُلبِّي أحدٌ، فأمَرَ صاحِب شُرْطتِهِ عبد الله بن سَعْدٍ، فركِبَ بَغْلةً (٦)، وأمرَهُ أن يطُوفَ في النّاسِ فيُنادي، أيُّها (٧) النّاسُ، إنَّ الأميرَ يأمُرُكُم أن تُلبُّوا، فإنَّما هي التَّلبيةُ، حتَّى ترُوحُوا إلى الموقِفِ. قال أبو عُمر: هذه الرِّوايةُ عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، أصحُّ من التي تَقدَّمت عنهُ في هذا البابِ، من حديثِ ابن أبي أُوَيسٍ.

стр. 4394

ورُوِيَ عن سالم، ومحمدِ بن المُنكدِرِ ما يَدخُلُ في معنى هذا القول. ورَوَى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، قال: كُنّا بعَرَفةَ، فجعَلَ سالمُ بن عبدِ الله يُكبِّرُ، وصلَّى ابنُ المُنكدِرِ الظُّهرَ بعَرَفةَ، فلمّا سلَّمَ، لبَّى ابنُهُ، فحَصَبهُ. وفيها قولٌ رابعٌ: أنَّ المُحرِمَ بالحجِّ، يُلبِّي أبدًا، حتَّى يَرْمي جَمْرةَ العَقَبةِ يوم النَّحر (١). ثَبَتَ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ ، وهُو قولُ عُمرَ، وعبدِ الله بن مسعُودٍ، وعبدِ الله بن عبّاس، وميمُونةَ. وبه قال عَطاءُ بن أبي رَباح، وطاوُوسٌ، وسعيدُ بن جُبيرٍ، وإبراهيمُ النَّخعيُّ (٢). وهُو قولُ جُمهُورِ فُقَهاءِ الأمصارِ، وأهل الحديثِ (٣). ومِمَّن قالَ بذلك منهُم: سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بن حيٍّ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُويةَ، وأبو ثورٍ، وداودُ بنُ عليٍّ، والطَّبريُّ، وأبو عُبَيدٍ. إلّا أنَّ هؤُلاءِ اختلفُوا في شيءٍ من ذلك. فقال الثَّوريُّ، والشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُم، وأبو ثور: يَقْطعُها في أوَّلِ حَصاةٍ يَرْمِيها (٤) من جَمْرةِ العَقَبةِ. وقال أحمدُ وإسحاقُ، وطائفةٌ من أهل النَّظرِ والأثَر: لا يَقْطعُ التَّلبيةَ حتَّى يَرْمي جمرةَ العَقَبةِ بأسْرِها.

стр. 4395

قالوا: وهُو ظاهِرُ الحديث: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَزَل يُلبِّي، حتَّى رَمَى جَمْرةَ العَقَبةِ. ولم يَقُل أحدٌ من رُواةِ هذا (١) الحديث: حتَّى رَمَى بعضها. على أنَّه قال بعضُهُم في حديثِ عائشةَ: ثُمَّ قطَعَ التَّلبيةَ في آخِرِ حَصاةٍ. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن داود، عن ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاس، عن الفَضْلِ بن عبّاس: أنَّهُ كان رِدفَ النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ لبَّى حتَّى رَمَى (٢) جمرةَ العَقَبة (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جُريج، قال: أخبرني عَطاءٌ، عن ابن عبّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أردَفَ الفَضْل من جَمعْ، وأنَّ الفَضْلَ حدَّثهُ، فذكَرَ الحديثَ مِثلَهُ (٤). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٥): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي حَرْملةَ،

стр. 4396

قال: أخبرنا كُريبٌ، عن ابن عبّاس، عن الفَضْلِ بن عبّاس، وكان رِدْفَ النَّبيِّ ﷺ من (١) المُزْدَلفةِ، حتَّى رَمَى حَمْرةَ العَقَبة، قال: لم أزَلْ أسمَعُ رسُولَ الله ﷺ يُلبِّي، حتَّى رَمَى (٢) الجَمْرةِ، جَمْرةَ العَقَبةِ. ورَوَى سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن زَيْدِ (٣) بن أسلَمَ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن ابن عبّاس: سَمِعتُ عُمرَ يُهِلُّ بالمُزْدلفةِ، فقلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ فِيمَ الإهْلالُ؟ قال: وهَلْ قَضَينا نُسُكنا بَعْدُ (٤). ذكرهُ ابنُ المُقرئ عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عبدِ الله بن يزيد المُقرئ، عن جَدِّهِ، عن سُفيانَ. قال أبو عُمر: من اعتبَرَ الآثارَ المرفُوعةَ في هذا البابِ، مِثلَ حديثِ محمدِ بن أبي بكرٍ الثَّقفيِّ، عن أَنَسٍ. وحديثِ ابن (٥) عُمرَ، وحديثِ ابن عبّاس، وغيرِها، استدلَّ على الإباحَةِ في ذلك، ولهذا ما اختلَفَ السَّلفُ فيه هذا الاختِلافَ، ولم يُنكِر بعضُهُم على بعضٍ، ولمّا كان ذلك مُباحًا، استحبَّ كلُّ واحِدٍ منهُم ما ذكَرْنا عنهُ، ومالَ إليه، استِحبابًا لا إيجابًا، والله أعلمُ. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عُثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ، وسعيدُ بن خُمَير (٦)، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح،

стр. 4397

قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ خليل، قال: حدَّثنا عليُّ بن مُسهِرٍ، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن سُلَيمان بن مَيْسرةَ، عن طارِقِ بن شِهابٍ، قال: أفاضَ عبدُ الله من عَرَفاتٍ، وهُو يُلبِّي، فسَمِعهُ رجُلٌ، فقال: من هذا المُلبِّي، وليسَ بحينِ التَّلبيةِ (١)؟ فقيل لهُ: هذا (٢) ابنُ أُمِّ عبدٍ، فاندَسَّ بين النّاسِ وذهَبَ، فذُكِرَ ذلك (٣) لعبدِ الله، فجعَلَ يُلبِّي: لبَّيكَ عددَ التُّراب (٤). أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ ابنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عن إسماعيل بن خالدٍ، قال: حدَّثني وَبَرةُ، قال: سألتُ ابن عُمرَ عن التَّلبيةِ يومَ عَرَفةَ، فقال: التَّكبيرُ أحبُّ إليَّ (٥). وذكَرَ ابنُ وَهْب، عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: يُهِلُّ ما دُونَ عَرَفةَ، ويُكبِّرُ يومَ عَرَفةَ (٦). وذكَرَ حمّادُ بن زَيْدٍ، عن سَلَمةَ بن عَلْقمةَ، عن محمدِ بن سِيرينَ، قال: حَجَجتُ زَمنَ ابن الزُّبيرِ، فسمِعتُهُ يومَ عَرفةَ يقولُ: ألا وإنَّ أفضَلَ الدُّعاءِ اليومَ التَّكبيرُ. وهذا على الأفْضلِ عِندَهُ، والله أعلمُ. ومن حُجَّةِ منِ اختارَ التَّلبيةَ، حتَّى يَرْمِي (٧) جَمْرةِ العَقَبة: أنَّ رسُولَ الله ﷺ

стр. 4398

كذلكَ فعَلَ، وقال: "خُذُوا عنِّي مَناسِككُم" (١). وهُو المُبيِّنُ عن الله مُرادهُ، وهي زيادةٌ في الرِّوايةِ يجِبُ قبُولهُا. ومن جِهَةِ النَّظرِ، أنَّ المُحرِمَ لا يحِلُّ من شَيءٍ من إحرامِهِ، ولا يُلْقي عنهُ شيئًا من تَفَثهِ (٢) حتَّى يَرْمي جَمْرةَ العَقَبةِ، فإذا رَماها، فقد حلَّت لهُ أشياءُ كانت مَحْظُورةً عليه، وذلكَ أوَّلُ إحْلالهِ، فيَنْبغي أن تكونَ تَلْبيتُهُ بالحجِّ، على حَسَبِ ما كانت عليه من حينِ أحرمَ، إلى ذلكَ الوقتِ، والله أعلمُ. ومعنى التَّلبيةِ، إجابةُ إبراهيمَ فيما ذَكرُوا. قال مُجاهِدٌ وغيرُهُ: لمّا أُمِرَ إبراهيمُ ﷺ أن يُؤَذِّنَ في النّاسِ بالحجِّ، قامَ على المَقام، فقال: يا عِبادَ الله أجيبُوا الله. فقالوا: ربَّنا لبَّيكَ، ربَّنا لبَّيكَ، فمن حَجَّ البيتَ، فهُو مِمَّن أجابَ دَعْوتهُ (٣). أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٥): حدَّثنا وكيعٌ، عن ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاس، عن الفضل بن عبّاس: أنَّ رسولَ الله ﷺ لبَّى حتَّى رَمَى جَمْرةَ العَقَبةِ.

стр. 4399

واختلَفَ الفُقهاءُ في قَطْع التَّلبيةِ في العُمرةِ (١): فقال الشّافِعيُّ: يَقْطعُ التَّلبيةَ في العُمْرةِ إذا افتتحَ الطَّوافَ (٢). وقال مالكٌ: لا يَقْطعُ المُحرِمُ التَّلبيةَ في العُمرةِ، إذا أحرمَ من التَّنعيم، حتَّى يَرى البيتَ، وأمّا من أحرمَ من المواقيتِ بعُمْرةٍ، فإنَّهُ يَقْطعُ التَّلبيةَ إذا دخَلَ الحَرَمَ وانتهى إليه. قال: وبَلَغني ذلك عن ابن عُمرَ، وعُروةَ بن الزُّبير (٣). واختلَفَ العُلماءُ في التَّلبيةِ في الطَّوافِ (٤) للحاجِّ: فكان رَبِيعةُ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ يُلبِّي إذا طافَ بالبيتِ، ولا يَرى بذلكَ (٥) بأسًا (٦). وبه قال الشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حنبل: أنَّهُ لا بأس بذلكَ. وكرِهَ (٧) ذلك سالمٌ. وقال ابنُ عُيَينةَ: ما رأيتُ أحَدًا يُقْتدَى به يُلبِّي حولَ البيتِ، إلّا عَطاءَ بن السّائب (٨). وقال إسماعيلُ: لا يَزالُ الرَّجُلُ مُلبِّيًا، حتَّى يبلُغَ الغايةَ التي إليها تكونُ اسْتِجابتُهُ، وهُو المَوْقِفُ بعرفةَ (٩). وقد تقدَّمَ قولُ عليٍّ، وابنِ عُمرَ، واختيارُ مالكٌ لذلكَ، والحمدُ لله.

стр. 4400

محمدُ (١) بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم الأنصاريُّ أُمُّهُ فاطِمةُ بنتُ عُمارةَ بن عَمرِو بن حَزْم (٢)، ويُكْنَى أبا عَبْدِ الملكِ، وكان قاضيًا بالمدينةِ. قال الواقِديُّ: تُوفِّي محمدُ بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم سنةَ اثْنَتينِ وثلاثينَ ومئةٍ، في دولةِ بني العبّاسِ، وهُو ابنُ اثْنَتينِ وسبعينَ سنةً (٣). وتُوفِّي أبوهُ أبو بكرٍ سنةَ عِشرينَ ومئةٍ. وكان أبو بكرٍ أيضًا قاضيًا على المَدينةِ، ثُمَّ صارَ أميرًا عليها لعُمر بن عبدِ العزيزِ. لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" من حديثِ رسُول الله ﷺ حديثٌ واحِدٌ، مَقْطُوعٌ عِندَهُم، ليسَ يتَّصِلُ من وَجْهِهِ هذا، ولكنَّهُ يتَّصلُ مَعناهُ ويستند (٤) من وُجُوهٍ. مالكٌ (٥)، عن محمدِ بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن أبيهِ، عن أبي النَّضرِ السَّلَميِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يمُوتُ لأحَدٍ من المُسلمينَ ثلاثةٌ من الوَلدِ فيَحْتسِبُهُم، إلّا كانوا لهُ جُنَّةً من النّارِ". فقالتِ امرأةٌ عِندَ رسُولِ الله ﷺ : يا رسُولَ الله (٦)، أوِ اثْنانِ؟ قال: "أوِ اثْنانِ". أبو النَّضرِ هذا مجهُولٌ في الصَّحابةِ والتّابِعين. واختَلَفت الرُّواةُ "للمُوطَّأ" فيه، فبعضُهُم يقولُ: عن أبي النَّضرِ السَّلَميِّ. هكذا قال القَعْنبيُّ، وابنُ بُكَيرٍ،

стр. 4401

وغيرُهُما، وبعضُهُم يقولُ: عن ابن (١) النَّضرِ. وهُو الأكثرُ والأشْهَرُ، وكذلك رَوَى يحيى بن يحيى (٢)، وإن كانتِ النُّسخُ أيضًا قدِ اختلَفَتْ عنهُ في ذلكَ. وهُو مجهُولٌ لا يُعرفُ إلّا بهذا الخَبرِ، وقد قيل فيه: عبدُ الله بن النَّضرِ. وقال بعضُهُم فيه: محمدُ بن النَّضرِ. ولا يصِحُّ. وقال بعضُ المُتأخِّرين فيه: إنَّهُ أنَسُ بن مالكِ بن النَّضرِ، نُسِب إلى جدِّهِ. وهذا جهلٌ، لأنَّ أنس بن مالكٍ ليسَ بسَلَميٍّ من بني سَلِمةَ، وإنَّما هُو من بني عديِّ بن النَّجّارِ، وزعَمَ قائلُ هذا: أنَّ أنس بن مالكٍ يُكْنَى أبا النَّضرِ، وهذا مِمّا لا يُسَلَّمُ (٣) ولا يُعرَفُ، وكُنيةُ أنَسَ بن مالك: أبو حَمْزةَ، بإجماع (٤). وأمّا ما في هذا الحديثِ من المَعاني، فقد مَضَى القولُ فيها مُسْتَوعبًا، في بابِ ابن شِهاب، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، والحمدُ لله. والذي لهُ جاءَ هذا الحديثُ، ولهُ أوردَهُ مالكٌ في "مُوطَّئهِ": الاحتِسابُ في المُصيبةِ، والصَّبرُ لها، وأحسنُ ما قيلَ في ذلكَ، قولُ فُضَيلِ بن عياض: الصَّبرُ على المُصيباتِ، أن لا تُبَثَّ.

стр. 4402

محمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، أبو الأسودِ لمالكٍ عنهُ أربعةُ أحاديثَ مُسْنَدةٌ، أحدُها مُرسلٌ وهُو محمدُ (١) بن عبدِ الرَّحمنِ بن نَوْفل بن الأسودِ بن نَوْفل (٢) بن خُوَيلدِ بن أسدٍ، القُرَشيُّ الأسَدِيُّ (٣)، يُكْنَى أبا الأسْوَدِ، يُعرَفُ بيتيم عُرْوةَ، لأنَّهُ كان يتيمًا في حَجرِهِ، سكنَ المدينةَ، ثُمَّ سكنَ مِصرَ في آخِرِ أيّام بني أُميَّةَ، وهُو من جِلَّةِ المُحدِّثين بها، ثِقةٌ حُجَّةٌ فيما نقلَ. قال يحيى بن معين: هُو أحبُّ إليَّ من هشام بن عُروةَ. قال مالك: كان أبو الأسودِ محمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ صاحِب عُزلةٍ، وحَجٍّ، وغزوٍ. قال: وكان النّاسُ أصحابَ عُزلةٍ.

стр. 4403

حديثٌ أوَّلُ لأبي الأسْوَدِ مالكٌ (١)، عن أبي الأسْوَدِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن نَوْفل، أنَّهُ قال: أخْبَرني عُروةُ بن الزُّبير، عن عائشةَ أمِّ المُؤمِنينَ، عن جُدامَةَ (٢) بنتِ وَهْبٍ الأسديَّةِ، أنَّها أخْبَرتها، أنَّها سَمِعت رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لقد هَمَمتُ أن أنْهَى عنَ الغِيْلةِ (٣)، حتَّى ذَكرتُ أنَّ الرُّومَ وفارِسَ يَصْنعُونَ ذلكَ، فلا يَضُرُّ أولادَهُم". قال أبو عُمر: هكذا هُو في "المُوطَّأ" عِندَ جماعة الرُّواةِ (٤)، إلّا أبا عامرٍ العَقَديَّ، فإنَّهُ جَعلهُ: عن عائشةَ، عن النَّبيّ ﷺ . لم يذكُر جُدامَةَ، وكذلكَ رواهُ

стр. 4404

القَعْنبيُّ (١) في سَماعِهِ من مالكٍ، في غيرِ "المُوطَّأ". ورواهُ في "المُوطَّأ" كما رَواهُ سائرُ الرُّواةِ عن عائشةَ، عن جُدامةَ. وهذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ. وفيه رِوايةُ الصّاحِبِ، عن الصّاحِبِ، ورِوايةُ المرءِ، عَمَّن هُو دُونهُ في العِلْم. وجُدامةُ هذه، هي أُمُّ قَيْسٍ بنتُ وَهْبِ بن محِصنٍ، أخي عُكاشةَ بن محِصَنٍ الأسديِّ، وقد ذكَرْناها في كِتابِنا في الصحابةِ (٢) بما فيه كِفايةٌ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ الإمامُ، قال: حدَّثنا خلفُ بن هشام البزّارُ. وحدَّثنا خلفُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدِ بن بكرٍ البالسيُّ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ عبدُ الله بن محمدِ بن ثُفيلٍ النُّفيليُّ الحرّانيُّ (٣)، قالا جميعًا: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن نَوْفل، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، عن جُدامةَ الأسديَّةِ قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "لقَدْ هَمَمتُ أن أنْهَى عن الغِيْلةِ، حتَّى بَلَغني أنَّ الرُّومَ وفارِسَ تفعلُهُ". قال النُّفيليُّ: "فلا يضُرُّهُم". وقال خلفٌ: "فلا يضُرُّ أولادَهُم ذلكَ" (٤). وأمّا الغِيْلةُ، فقد فسَّرها مالكٌ في "مُوطَّئهِ" إثْرَ هذا الحديثِ، ذكرهُ القَعْنبيُّ وغيرُهُ، عن مالكٍ قال: والغِيْلةُ أن يمسَّ الرَّجلُ امرأتهُ وهي تُرضِعُ، حَمَلتْ، أو لم (٥) تحمِلْ.

стр. 4405

قال أبو عُمر: اختلَفَ العُلماءُ وأهلُ اللُّغةِ في معنى الغِيلةِ، فقال منهُم قائلُون: كما قال مالكٌ: معناها أن يَطأ الرَّجُلُ امرَأتهُ وهي تُرضِعُ. وقال الأخفشُ: الغِيلةُ والغيلُ سواءٌ، وهُو أن تَلِدَ المرأةُ، فيَغْشاها زَوْجُها وهي تُرضِعُ فتَحمِلُ، فإذا حَمَلتْ، فسدَ اللَّبنُ على الصَّبيِّ، ويَفسُدُ به جسدُهُ، وتضعُفُ قُوَّتُهُ، حتَّى رُبَّما كان ذلك في عَقلهِ. قال: وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّهُ ليُدرِكُ الفارِسَ فيُدعثِرُهُ (١) عن سَرْجِهِ" (٢). أي: يضعُفُ، فيسقُطُ عن السَّرج. قال الشّاعِرُ: فَوارِسُ لم يُغالُوا في رَضاعٍ ... فتنبُو في أكُفِّهِمُ السُّيُوفُ يُقالُ: قد أغالَ الرَّجُلُ ولدهُ، وأُغِيلَ الصَّبيُّ، وصبيٌّ مُغالٌ ومُغْيَلٌ، إذا وطِئَ أبوهُ أُمَّهُ في (٣) رَضَاعِهِ. قال امرُؤُ القَيْس (٤): فألهيتُها عن ذي تمائمَ مُغْيَلِ وقال أبو كَبير (٥) الهُذليُّ: ومُبرَّأً من كلِّ غُبَّرِ (٦) حَيْضةٍ ... وفسادِ مُرضِعةٍ وداءٍ مُغْيَلِ

стр. 4406

وأمّا الحديثُ الذي ذَكَرهُ الأخفشُ، فهُو حديثُ أسماءَ بنتِ يزيد بن السَّكن (١)؛ ذكرهُ ابنُ أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي غَنيّةَ (٢)، عن محمدِ بن مُهاجِرٍ، عن أبيهِ، عن أسماءَ بنتِ يزيد، قالت: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تقتُلُوا أولادكُم سِرًّا، فإنَّ الغَيْلَ يُدرِكُ الفارِس فيُدعثِرُهُ عن ظَهرِ فَرسِه" (٣). وروَى حمّادُ بن خالدٍ الخيّاطُ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، عن مُهاجِرٍ مولَى أسماءَ بنتِ يزيدَ، قال: سمِعتُ أسماءَ تقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تقتُلُوا أولادَكُم سِرًّا". فذكَرَ نحوهُ، إلّا أنَّهُ قال: "والذي نَفْسي بيدِهِ، إنَّ الغَيْلَ رُبَّما أدركَ الفارِسَ، أو إنَّهُ ليُدرِكُ الفارِسَ فيُدعثِرُهُ" (٤). وقال بعضُ أهل العِلم، وأهل اللُّغة: الغَيْلُ، أن تُرضِعَ المرأةُ وَلَدها وهي حامِلٌ. وقال (٥) بعضُ أهل العلم أيضًا: الغَيْلُ: نفسُه الرَّضاع، وجمعُه: مغايل.

стр. 4407

وقال الأصْمَعيُّ: الغَيْلُ لبنُ الحامِل. ويُقالُ: الغيلُ الماءُ الجاري على وَجْهِ الأرضِ. ويُقالُ: الغَيْلُ نيلُ مِصرَ الذي تبتُ عليه زُرُوعُهُم. وفي هذا الحديثِ إباحَةُ الحديثِ عن الأُمم الماضينَ (١) بما يفعلُونَ. وفيه دليلٌ على أنَّ من نَهيِهِ ﵇ ما يكونُ أدَبًا ورِفقًا وإحسانًا لأُمَّتِهِ، ليسَ من بابِ الدِّيانةِ، ولو نَهَى عن الغِيْلةِ، كان ذلك وَجْه نهيِهِ عنها، واللهُ أعلمُ. وقال ابنُ القاسم وابنُ الماجِشُونِ، وحَكاهُ ابنُ القاسم عن مالكٍ، ولم يَسْمعهُ منهُ، في الرَّجُل يتزوَّجُ المرأةَ وهي تُرضِعُ، فيُصيبُها وهي تُرضِعُ: أنَّ ذلكَ اللَّبن لهُ، وللزَّوج قبلهُ، لأنَّ الماءَ يُغيِّرُ اللَّبن، ويكونُ فيه الغِذاءُ، واحتجَّ بهذا الحديث: "لقَدْ هَمَمتُ أن أنْهَى عن الغِيلَةِ" (٢). قال ابنُ القاسم: وبَلَغني عن مالك: إذا وَلَدتِ المرأةُ من الرَّجُل، فاللَّبنُ منهُ بعدَ الفِصالِ وقَبلهُ، ولو طَلَّقها وتَزوَّجَتْ وحَمَلت من الثّاني، فاللَّبنُ منهُما جَميعًا أبدًا، حتَّى يَتَبيَّن انقِطاعُهُ من الأوَّل. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والشّافِعيُّ: اللَّبنُ من الأوَّلِ في هذه المسألةِ، حتَّى تَضَعَ، فيكونُ من الآخرِ. وهُو قولُ ابن شهاب. وقد رُوِيَ عن الشّافِعيّ: أنَّهُ منهُما حتَّى تَلِدَ (٣) فيكونَ من الثّاني. وقد مَضَى القولُ في لَبنِ الفَحْل، في بابِ ابن شِهاب، عن عُرْوةَ، والحمدُ لله.

стр. 4408

حديثٌ ثانٍ لأبي الأسْوَدِ مالكٌ (١)، عن أبي الأسْوَدِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُرْوةَ بن الزُّبيرِ، أنَّهُ أخبرَهُ، عن عائشةَ أُمِّ المُؤمنينَ قالت: خَرَجنا معَ رسُولِ الله ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَداع، فمِنّا من أهلَّ بعُمرةٍ، ومنّا من أهلَّ بحَجٍّ وعُمرةٍ، ومنّا من أهَلَّ بالحجِّ (٢)، وأهلَّ رسُولُ الله ﷺ بالحجِّ، فأمّا من أهلَّ بعُمرةٍ فحَلَّ، وأمّا من أهَلَّ بالحجِّ، أو جمَعَ الحجَّ والعُمْرةَ، فلم يحِلُّوا، حتَّى كان يومُ النَّحرِ. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ. وقد رَوَى يحيى (٣)، عن مالك (٤)، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن سُليمانَ بن يَسار: أنَّ رسُولَ الله ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَداع، خرجَ إلى الحجِّ، فمِنْ أصْحابِهِ من أهلَّ بحَجٍّ، ومنهُم من جمَعَ الحجَّ والعُمْرةَ، ومنهُم من أهلَّ بعُمْرةٍ، فأمّا من أهلَّ بحَجٍّ، أو جمَعَ الحجَّ والعُمْرةَ، فلم يحِلَّ، وأمّا من كان أهلَّ بعُمْرةٍ فحَلَّ. وهذا الحديثُ المُرْسلُ داخِلٌ في مُسندِ أبي الأسوَدِ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، هذا. وفيه خُرُوجُ النِّساءِ في سَفَرِ الحجِّ مع أزواجِهِنَّ، وهذا ما (٥) لا خِلاف فيه بين العُلماءِ. واختلفُوا في المرأةِ لا يكونُ لها زوجٌ، ولا ذُو مَحْرم منها، هل تخرُجُ إلى الحَجِّ دُونَ ذلك معَ النِّساءِ، أم لا؟ وهل المَحْرمُ من الاسْتِطاعةِ، أم لا؟

стр. 4409

وسنذكُرُ الاختِلافَ في ذلك إن شاءَ الله، في بابِ سعيدِ بن أبي سَعيدٍ المقبُريِّ، من كِتابِنا هذا، عِندَ قولهِ ﷺ : "لا يحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ بالله واليوم الآخِرِ، تُسافِرُ مَسِيرةَ يوم وليلةٍ، إلّا معَ ذي مَحْرم منها". رواهُ مالكٌ (١)، عن سعيدِ (٢) بن أبي سعيدٍ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . وفي هذا الحديثِ أيضًا، أعْني الحديثَ المذكُورَ في هذا البابِ، عن أبي الأسْوَدِ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ: إباحَةُ إفْرادِ الحَجِّ، وإباحَةُ (٣) التَّمتُّع بالعُمْرةِ إلى الحجِّ، وإباحَةُ القِرانِ، وهُو جمعُ الحجِّ مع العُمرةِ. وهذا ما لا خِلافَ بين العُلماءِ فيه، وإنَّما اختَلفُوا في الأفْضَلِ من ذلك، وكذلك اختلفُوا فيما كان رسُولُ الله ﷺ به مُحرِمًا في خاصَّتِهِ في عامِ حَجَّةِ الوَداع. وقد ذكَرْنا ذلك كلَّهُ، وذكَرْنا الآثار المُوجِبةَ لاخْتِلافِهِم فيه، وأوَضْحنا ذلكَ كُلَّهُ بما فيه كِفايةٌ، في بابِ حديثِ ابن شِهاب، عن عُرْوةَ (٤)، من كِتابِنا هذا. وفي بابِ ابن شِهاب، عن محمدِ بن عبد الله بن الحارِثِ بن نَوْفل (٥)، والحمدُ لله. وفيه أنَّ من كان قارِنًا، أو مُفْرِدًا، لا يحِلُّ دُونَ يوم النَّحرِ. وهذا معناهُ بطَوافِ الإفاضَةِ، فهُو الحِلُّ كلُّهُ لمن رَمَى جَمْرةَ العقبةِ قبلَ ذلكَ يوم النَّحرِ ضُحًى، ثُمَّ طافَ الطَّواف المذكُور، وهذا أيضًا لا خِلافَ فيه.

стр. 4410

حديثٌ ثالثٌ لأبي الأسودِ مالكٌ (١)، عن أبي الأسْوَدِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُرْوةَ بن الزُّبير، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أفْرَدَ الحجَّ (٢). وهذا الحديثُ مُستخرجٌ من الحديثِ الذي قَبْلهُ، أخرجهُ مالكٌ ﵀ حُجَّةً لهُ في مَذْهبِهِ، لأنَّهُ يَذْهبُ إلى أنَّ الإفرادَ أفْضَلُ، وأنَّ رسُولَ الله ﷺ كان في حَجِّهِ مُفرِدًا. وقد مَضَى القولُ في هذا، في بابِ ابن شِهاب، عن عُرْوةَ (٣). من كِتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِهِ ها هُنا.

стр. 4411

حديثٌ رابعٌ لأبي الأسودِ مالكٌ (١)، عن أبي الأسْوَدِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُرْوةَ بن الزُّبيرِ، عن زَيْنبَ بنتِ أبي سَلَمةَ، عن أُمِّ سَلَمةَ زوج النَّبيِّ (٢)، أنَّها قالت: شَكَوتُ إلى رسُولِ الله ﷺ أنِّي أشْتَكِي، فقال: "طُوفي من وَراءِ النّاسِ، وأنتِ راكِبةٌ". قالت: فطُفتُ راكبةً بَعِيري (٣)، ورسُولُ الله ﷺ حِينئذٍ يُصلِّي إلى جانِبِ البيتِ، وهُو يقرأُ بالطُّورِ وكتاب مَسْطُور. قال أبو عُمر: هذا ما (٤) لا خِلافَ فيه بينَ أهل العِلْم، كلِّهِم يقولُ: إنَّ من كان لهُ عُذرٌ، أوِ اشْتَكى (٥) مَرضًا، أنَّهُ جائزٌ لهُ الرُّكُوبُ في طَوافِهِ بالبيتِ، وفي سَعْيِهِ بين الصَّفا والمَرْوةِ. واختلفُوا في جَوازِ الطَّوافِ راكِبًا، لمن لم يَكُن لهُ عُذرٌ، أو مرضٌ، على ما ذكَرْنا عنهُم في بابِ جعفرِ بن محمد (٦)، من كِتابِنا هذا، فلا وَجْهَ لإعادَتِهِ ها هُنا. وكلُّهُم يَكْرهُ الطَّواف راكِبًا للصَّحيح الذي لا عُذرَ لهُ، وفي ذلكَ ما يُبيِّنُ أنَّ طَوافَ رسُولِ الله ﷺ راكِبًا في حَجَّتِهِ إن صَحَّ ذلكَ عنهُ، كان لعُذرٍ، واللهُ أعلمُ. وقد أوضَحْنا ذلكَ، ومَضَى القولُ فيه هُناك، وبالله العِصْمةُ والتَّوفيقُ. وفي هذا الحديثِ أيضًا من الفِقه: أنَّ النِّساءَ في الطَّوافِ يَكُنَّ خلفَ الرِّجال، كهيئَةِ الصَّلاةِ. وفيه الجَهرُ بالقِراءةِ في التَّطوُّع بالنَّهارِ.

стр. 4412

وقد قيلَ: إنَّ طوافَ أُمِّ سَلَمةَ كان سَحَرًا، وقد ذكَرْنا الاختِلافَ في رَمْيِها ذلكَ اليوم، وطَوافِها بعدهُ، فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا، في بابِ ابن شِهاب، عن عيسى بن طَلْحةَ (١)، والحمدُ لله. وفيه إباحَةُ دُخُولِ البَعِيرِ المسجد، وذلك والله أعلمُ، لأنَّ بَوْلهُ طاهِرٌ، ولو كان بَوْلُهُ نَجِسًا، لم يكُن ذلك، لأنَّهُ لا يُؤمَنُ منهُ (٢) أن يبُولَ. وقيل: إنَّ رسُولَ الله ﷺ إنَّما صَلَّى إلى جانِبِ البيتِ يومئذٍ، من أجْلِ أنَّ المقامَ كان حينَئذٍ مُلصَقًا بالبيتِ، قبلَ أن ينقُلهُ عُمرُ بن الخطّابِ من ذلكَ المكانِ، إلى المَوْضِع الذي هُو فيه اليومَ من صَحْنِ المسجدِ. قال أبو عُمر: ما أدري ما وَجْهُ هذا القول، لأنَّ جَعْفر بن محمدٍ رَوَى عن أبيهِ، عن جابر: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لمّا طافَ في حَجَّتِهِ، أَتَى المَقامَ، فصلَّى عِندَهُ ركعتينِ، ثُمَّ أَتَى الحَجَرَ فاسْتَلَمهُ، ثُمَّ خرجَ إلى الصَّفا فبَدَأ منها بالسَّعيِ. وقد ذكَرْنا هذا الحديث من طُرُقٍ، في بابِ بَلاغاتِ مالكٍ، من هذا الكِتابِ. والوَجْهُ عِندي في صلاتِهِ إلى جانِبِ البيتِ، لأنَّ البيتَ كلَّهُ قِبْلةٌ، وحَيْثُما صلَّى المُصلِّي منهُ، إذا جَعَلهُ أمامهُ، كان حَسَنًا جائزًا، والله أعلمُ.

стр. 4413

محمدُ بن عُمارةَ الحَزْميُّ الأنصاريُّ لمالكٍ عنهُ حديثٌ واحِدٌ من المُسندِ وهُو محمدُ (١) بن عُمارةَ بن عَمرِو بن حَزْم الأنصاريُّ. مالكٌ (٢)، عن محمدِ بن عُمارةَ، عن محمدِ بن إبراهيم، عن أُمِّ ولدٍ لإبراهيمَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، أنَّها سَألَتْ أُمَّ سَلَمةَ زوجَ النَّبيِّ ﷺ فقالت: إنِّي امرأةٌ أُطِيلُ ذَيْلي، وأمْشِي في المكانِ القَذِرِ، فقالت أُمُّ سَلَمةَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : "يُطهِّرُهُ ما بَعدَهُ". قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عِندَ جماعةِ رُواتِهِ فيما عَلِمتُ (٣)، وقد رَواهُ الحُسينُ بن الوليدِ، عن مالكٍ، فأخَطأ فيه. حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بن رشيقٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال: أخبرنا أحمدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن الوليدِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن محمدِ بن عُمارةَ، عن محمدِ بن إبراهيم بن الحارِثِ، عن

стр. 4414

حُمَيدةَ: أنَّها سَألَت عائشةَ، فقالت: إنِّي امرَأةٌ أُطيلُ ذَيْلي، وأمُرُّ بالمكانِ القَذِرِ، فقالت: سُئلَ رسُولُ الله ﷺ عن ذلكَ، فقال: "يُطهِّرُهُ ما بَعدَهُ". هذا خطأٌ، وإنَّما هُو لأُمِّ سَلَمةَ، لا لعائشةَ، وكذلك رواهُ الحُفّاظُ في "المُوطَّأ" وغيرِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ. ورواهُ إسحاقُ بن سُليمان الرّازيُّ، عن مالكٍ، عن محمدِ بن عُمارةَ، عن محمدِ بن إبراهيمَ، عن أُمِّ ولدٍ لهُودِ بن إبراهيمَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ. وهذا خطأٌ، والصوابُ ما في "المُوطَّأ" واللهُ أعلمُ. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى المُقرئ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن إسحاق بن حَبابةَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العَزيزِ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا خَلَفُ بن هشام البزّارُ سَنةَ سِتٍّ وعِشرينَ ومِئَتينِ، قال: قيلَ لمالكِ بن أنَسٍ، وأنا أسمعُ: أحدَّثكَ محمدُ بن عُمارةَ، عن محمدِ بن إبراهيمَ، عن أُمِّ وَلَدٍ لإبراهيمَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، أنَّها سألَتْ أُمَّ سَلَمةَ زوجَ النَّبيِّ ﷺ فقالت: إنِّي امرَأةٌ أُطِيلُ ذَيْلي، وأمْشِي في القَذَرِ. فقالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "يُطهِّرُهُ ما بَعْدَهُ"؟ قال خَلَفٌ: قال مالكٌ: نعم (١). في هذا الحديث: أنَّ من سُنَّةِ المَرْأةِ في لُبسَتِها أن تُطِيلَ ذَيْلها، فلا تَنْكشِفَ قَدَماها، لأنَّهُنَّ كُنَّ لا يَلْبسن الخُفَّينِ، والله أعلمُ، لأنَّ المرأةَ أخْبَرت بأنَّها تُطيلُ ذَيْلَها، فلم يُنكَرْ ذلكَ عليها. وفي حديثِ مالك (٢)، عن أبي بكر بن نافِع (٣)، عن أبيهِ، عن صَفيَّةَ، عن أُمِّ سَلَمةَ: أنَّ المِقدارَ الذي لا تَزِيدُ عليه في ذلك ذِراعٌ.

стр. 4415

وقد مَضَى القولُ في قَدَم المرأةِ، هل هي عَوْرةٌ أم لا؟ في بابِ ابن شِهابٍ. وجرُّ المرأةِ الحُرَّةِ (١) ذَيْلَها معرُوفٌ مشهُورٌ، قال عبدُ الرَّحمنِ بن حسّان بن ثابتٍ، في أبياتٍ لَهُ (٢): كُتِب القتلُ والقِتالُ علينا ... وعلى الغانياتِ جرُّ الذُّيُولِ (٣) اختلَفَ الفُقهاءُ في طَهارةِ الذَّيل على المَعْنى المذكُورِ في هذا الحديثِ، فقال مالكٌ: مَعناهُ في القَشْبِ اليابِسِ، والقَذَرِ الجافِّ، الذي لا يتَعلَّقُ منهُ بالثَّوبِ شيءٌ، فإذا كان هكذا، كان ما بعدهُ من المَواضِع الطّاهِرةِ حينَئذٍ تَطْهيرًا لهُ (٤). وهذا عِندَهُ على أنّهُ (٥) ليسَ تَطْهيرًا من نَجاسةٍ، لأنَّ النَّجاسةَ عِندَهُ لا يُطهِّرُها إلّا الماءُ، وإنَّما هُو تَنْظيفٌ، لأنَّ القَشْبَ اليابِسَ ليسَ يُنجِّسُ ما مَسَّهُ، ألا تَرى أنَّ المُسلمينَ مُجمِعُونَ على أنَّ ما نَسَفَت الرِّياح (٦) من يابِسِ القَشْبِ، والعَذِراتِ، التي قد صارَتْ غُبارًا على ثِيابِ النّاسِ ووُجُوهِهِم، لا يُراعُونَ ذلك، ولا يأمُرُونَ بغسلهِ، ولا يغسِلُونهُ، لأنَّهُ يابِسٌ، وإنَّما النَّجاسةُ الواجِبُ غسلُها، ما لصقَ منها وتَعلَّقَ بالثَّوبِ، أو بالبَدَن (٧)، فعلى هذا المحمل حملَ مالكٌ، وأصحابُهُ حديث طهارةِ ذيل المرأةِ.

стр. 4416

وأصلُهُم: أنَّ النَّجاسةَ لا يُزيلُها إلّا الماءُ، وهُو قولُ زُفَر بن الهُذيل، والشّافِعيِّ وأصْحابِهِ، وأحمد وغيرِه: أنَّ النَّجاسةَ لا يُطهِّرُها إلّا الماءُ، لأنَّ الله تعالىَ سمّاهُ طهُورًا. ولم يقُل ذلك في غَيرِه (١). قال أبو بكرٍ الأثرمُ: سمِعتُ أبا عَبْدِ الله، يعني أحمدَ بن حنبل، سُئلَ عن حديثِ أُمِّ سَلَمةَ: "يُطهِّرُهُ ما بعدَهُ". قال: ليسَ هذا عِندِي على أنَّهُ أصابَهُ بَوْلٌ، فمَرَّ بعدَهُ على الأرضِ أنَّها تُطهِّرُهُ، ولكنَّهُ يَمَرٌّ بالمكانِ يتقذَّرُهُ فيمُرُّ بمَكانٍ أطيبَ منهُ، فيُطَهِّر هذا ذلكَ، ليس على أنَّهُ يُصيبُهُ شيءٌ (٢). وقال أبو حَنِيفةَ (٣): يُجوزُ غَسْلُ النَّجاسةِ بغيرِ الماءِ، وكلُّ ما زالَ به عَيْنُها، فقد طهَّرها. وهُو قولُ داود، وبه قال جَماعةٌ من التّابِعين. ومن حُجَّتِهِمُ الحديثُ المذكُورُ في هذا البابِ في ذَيْلِ المرأةِ. ومن حُجَّتِهِم أيضًا، ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الله بن محمد (٥) النُّفيليُّ وأحمدُ بن يونُسَ. قالا: حدَّثنا زُهَيرٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عيسى، عن موسى بن عبدِ الله بن يزيدَ، عن امرَأةٍ من بني عبدِ الأشْهَل، قالت: قلتُ: يا رسُولَ الله، إنَّ لنا طَرِيقًا إلى

стр. 4417

المسجدِ مُنْتِنةً، فكيفَ نَفْعلُ إذا مُطِرنا أو تَطَهَّرنا (١)؟ قال: "أليس بعدَها طريقٌ أطْيَبُ منها؟ " قالت: قلتُ: بلى. قال: "فهذه بهذه". وحدَّثنا سَعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا شَرِيكٌ، عن عَبدِ الله بن عيسى، عن موسى بن عبدِ الله بن يَزيدَ، عن امرَأةٍ من بني عَبدِ الأشْهَل: أنَّها سألَتِ النَّبيَّ ﷺ : إنَّ بَيْني وبينَ المَسجدِ طريقًا قَذِرًا، قال: "فبَعْدها طريقٌ أنظَفُ منها؟ " قالت: نعم. قال: "فهذه بهذه". ومن حُجَّتِهِم أيضًا قولُ رسُولِ الله ﷺ : "إذا وَطِئَ أحدُكُم بخُفَّيهِ" أو قال: "بنعليه، في الأذَى، فطهُورُهُما التُّرابُ". أو قال: "التُّرابُ لهما طهُورٌ". وهُو حديثٌ مُضْطرِبُ الإسنادِ لا يثبُتُ، اختُلف في إسْنادِهِ على الأوزاعيِّ، وعلى سَعيدِ بن أبي سَعيدٍ اختِلافًا يُسقِطُ الاحتِجاج به (٣). ومن حُجَّتِهِم أيضًا قولُ عَبدِ الله بن مسعُود: كُنّا معَ رسُولِ الله ﷺ لا نَتوضَّأُ من مَوْطئ (٤). وهذا أيضًا مُحتمِلٌ للتَّأويل، ليسَ فيه حُجَّةٌ، ويَلْزمُ داود على أصْلهِ، أنَّ النَّجاسةَ المُجْتَمع عليها، لا يُحكمُ بزَوالها، ولا بطَهارةِ مَوْضِعِها، إلّا بإجماع،

стр. 4418

ولا إجماعَ في هذه المسألةِ، إلّا بما قالهُ مالكٌ، والشّافِعيُّ، من الماءِ الذي جَعلهُ الله طهُورًا، وخصَّهُ بذلكَ، فهذا وَجْهُ النَّظرِ عِندِي في هذه المسألةِ، وبالله التَّوفيقُ والعِصمَةُ. ومن هذا البابِ أيضًا: الأرضُ تُصيبُها النَّجاسةُ، هل يُتيمَّمُ عليها، أو يُصلَّى إذا ذهَبَ أثرُ النَّجاسةِ، من غيرِ أن تُطهَّر بالماءِ؟ فإنَّ العُلَماءَ اخْتَلفُوا في ذلكَ، فقال مالكٌ والشّافِعيُّ وأصحابُهُما، وهُو قولُ زُفَر: لا يُطهِّرُها إلّا الماءُ، إذا عُلِمَ بنَجاستِها، وهي عِندَهُم محمُولةٌ على الطَّهارةِ، حتَّى تُسْتَيقنَ (١) نجاستُها (٢) فإذا اسْتوقِنَتِ النَّجاسةُ فيها، لن يُطهِّرها إلّا الماءُ، ولا تجُوزُ الصَّلاةُ عليها، ولا التَّيمُّمُ. إلّا أنَّ مالكًا قال: من تَيمَّمَ عليها، أو صلَّى، أعادَ في الوَقْتِ. وقد قال: يُعيدُ أبدًا (٣). وكذلك اختلَفَ أصحابُهُ، فمنهُم من قال: يُعيدُ أبدًا من تَيمَّم على مَوْضِع نجِسٍ. ومنهُم من قال: يُعيدُ في الوقتِ لا غيرَ. هذا (٤) إنَّما هُو في نجاسةٍ لم تَظْهر في التُّرابِ، وفيما لم تُغيِّرهُ النَّجاسةُ، وأمّا من تَيمَّمَ على نَجاسةٍ يراها، أو تَوضَّأ بماءٍ تَغيَّرت أوصافُهُ أو بعضُها بنَجاسةٍ، فإنَّهُ يُعيدُ أبدًا. وكذلكَ عِندَ جُمهُورِ أصحابِ مالك: من تَعمَّدَ الصَّلاةَ بالثَّوبِ النَّجِسِ أبدًا. ولم يختلف قولُ مالكٍ، وأصْحابِهِ فيمَنْ صلَّى بثَوْبٍ نَجِسٍ، أو على مَوْضِع نجِسٍ ساهيًا: أنَّهُ يُعيدُ صَلاتهُ ما دامَ في الوقتِ (٥).

стр. 4419

واختلفُوا فيمَنْ صلَّى عامِدًا على ثَوْبٍ نجِسٍ، فقال ابنُ القاسم: يُعيدُ أبدًا. وقال أشْهَبُ: لا يُعيدُ إلّا في الوقتِ. لأنَّ وُجُوبَ غَسْل النَّجاسةِ عِندَهُم بالسُّنَّةِ، لحديثِ أسماءَ (١). ومِثْلَهِ في غسلِ النَّجاسَةِ، لا (٢) لقولِ الله ﵎: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ليستدرِكَ فضل السُّنَّةِ في الوَقْتِ. واختلف قولُهُم فيمَنْ تيمَّمَ على مَوْضِع نجِسٍ، فقال أكثرُهُم: يُعيدُ في الوَقْتِ، وبعدهُ. لقول الله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] يعني طاهِرًا. وقال بعضهُم: إلّا في الوَقْتِ. وهُو قولُ أشْهَبَ، قياسًا على من صلَّى بثَوبٍ نَجِسٍ، ليَسْتدرِكَ فضلَ السُّنَّةِ في الوَقْتِ، فإذا خرَجَ الوقتُ، لم يَسْتدرِكْ ذلكَ (٣). ألا تَرى أنَّ إعادةَ الصَّلاةِ في جَماعةٍ، سُنَّةٌ لمن صلَّى وحدَهُ، فلو أنَّ رَجُلًا صلَّى وحدَهُ في الوَقْتِ، ثُمَّ وجَدَ جماعةً يُصلُّونَ تلك الصَّلاةَ بعد خُرُوج الوَقْتِ، لم يُؤمَر بالدُّخُول معهُم، ولو كانوا يجمعُونَ في وَقْتِ تلك الصَّلاةِ، وأُقيمَتْ عليه، لأُمِرَ بالدُّخُولِ معهُم، ليَسْتدرِكَ فضلَ السُّنَّةِ في الوَقْتِ، ولا يُومرُ بذلكَ بعد خُرُوج الوَقْتِ. وقال الشّافِعيُّ وزُفَرُ، والطَّبَريُّ، وأحمدُ بن حنبل: يُعيدُ في الوَقْتِ وبَعدهُ، من تيمَّمَ على مَوْضِع نَجِسٍ، أو صلَّى عليه، أو بثَوْبٍ نَجِسٍ.

стр. 4420

وأكثرُ عُلَماءِ التّابِعينَ بالمدينةِ، وغيرِها، لا يرونَ إعادةً على من صلَّى بثَوْبِ نَجِسٍ، في وَقْتٍ ولا غيرِهِ. وقد ذكَرْناهُم في بابِ هشام بن عُرْوةَ (١). وقولُ رَبِيعةَ في ذلكَ، كقولِ مالك: يُعيدُ في الوقتِ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ: إذا يَبِستِ الأرضُ، وذهَبَ منها أثرُ النَّجاسةِ، جازَتِ الصَّلاةُ عليها. وأمّا التَّيمُّمُ، فلا يُتَيمَّمُ عليها ألبتَّةَ. وقال الثَّوريُّ: إذا جَفَّ، فلا بأسَ بالصَّلاةِ عليه. وقال الحسنُ بن حيّ: لا يُصلِّي عليه حتَّى يَغْسِلهُ، وإن صلَّى قبلَ ذلكَ، لم يُجزِهِ. وقال الشّافِعيُّ: إذا بالَ الرَّجُلُ في مَوْضِع من الأرضِ، صُبَّ عليه ذَنُوبٌ من الماءِ، وإن بالَ اثْنانِ لم يُطهِّرهُ إلّا ذنُوبانِ. قال: ولو أشكَلَ عليه الموضِعُ النَّجِسُ من الأرضِ تَيمَّمَ، وليس عليه أن يتَحرَّى. قال أبو عُمر: اختِلافُهُم في قَدْرِ النَّجاسةِ، الذي يجِبُ غَسْلُهُ من الأرضِ، أوِ الثَّوبِ، وفي الخُفِّ يُصيبُهُ الرَّوثُ أوِ البَوْلُ، وفي إعادةِ الصَّلاةِ لمن صَلَّى بثَوبٍ نَجِسٍ، أو على مَوْضِع نَجِسٍ، وفي الثَّوبِ تُصيبُهُ النَّجاسةُ، يخفى مكانُها، يطُولُ ذِكرُهُ، وسَنذكُرُ ذلك في مَواضِعَ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله. ومن حُجَّةِ من رأى أنَّ (٢) الأرْضَ تَطهُرُ إذا يَبِسَتْ: ما حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 4421

صالح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرني يونُسُ، عن ابن شِهاب، قال: حدَّثني حَمْزةُ بن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: قال ابنُ عُمرَ: كُنتُ أبيتُ في المَسجدِ في (١) عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ، وكُنتُ فتًى شابًّا عَزْبًا، وكانتِ الكِلابُ تبُولُ، وتُقبِلُ وتُدبِرُ في المَسجدِ، فلم يكونُوا يرُشّونَ شيئًا من ذلكَ. قال أبو عُمر: رَوَى عُبيدُ الله بن عُمرَ وغيرُهُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ من هذا الحديثِ (٢) مَبِيتهُ في مَسجدِ رسُولِ الله ﷺ ، وهو شابٌّ (٣) ولم يَذكُر إقبالَ الكِلابِ، ولا إدْبارها، وبَوْلها في المسجدِ، ولم يذكُر إلّا مَبِيتهُ خاصَّةً (٤). ومن حُجَّةِ من قال: إنَّ الأرضَ لا يُطهِّرُها إلّا الماءُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بصَبِّ ذنُوبٍ من ماءٍ على بَوْلِ الأعْرابيِّ (٥). ولو طهَّرَها يُبْسُها لتَرَكها، واللّهُ أعلمُ، حتَّى تَيْبسَ. ومِمّا يدُلُّ على أنَّ الثَّوبَ يَنْجُسُ إذا باشَرَ النَّجاسَةَ الرَّطبةَ، أمْرُ رسُولِ الله ﷺ أسماءَ بغَسْلِ دَم المحيضِ من ثَوْبِها (٦). وسيأتي حديثُها في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا، وذلك في بابِ هشام بن عُرْوةَ، ونذكُرُ هُناكَ ما للعُلماءِ في ذلكَ من المَذاهِبِ، والأقْوال، والآثارِ، والاعْتِلال، إن شاءَ الله تعالى.

стр. 4422

محمدُ (١) بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصَعةَ الأنصاريُّ المازِنيُّ مدنيٌّ ثِقةٌ، تُوفِّي سنةَ تِسع وثلاثين ومئةٍ. لمالكٍ عنهُ حديثان. حديثٌ أوَّلُ لمحمدِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصَعةَ مالكٌ (٢)، عن محمدِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ الأنصاريِّ ثُمَّ المازِنيِّ، عن أبيه (٣) عن أبي سَعيدٍ الخُدريّ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "ليسَ فيما دُونَ خَمْسةِ أوسُقٍ مِنَ التَّمرِ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْسِ أواقٍ من الوَرِقِ (٤) صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ من الإبِلِ صَدَقةٌ". قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ عِندَ جَميع الرُّواةِ عن مالكٍ في "المُوطَّأ" (٥). وفي "المُوطَّأ" (٦) أيضًا لمالكٍ عن عَمرِو بن يحيى المازِنيِّ، عن أبيهِ، عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلُهُ سَواءٌ.

стр. 4423

وهذا الإسْنادُ عِندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ أصحُّ من الأوَّل، لأنَّهُ اختُلِفَ على محمدِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ في حديثِهِ، ولم يُختَلَف على عَمرِو بن يحيى بن عُمارةَ. والحديثُ (١) ليحيى بن عُمارةَ، والدِ عَمرِو بن يحيى، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ محفُوظٌ، ولم يروِ هذا الحديث عن النبي ﷺ (٢) أحَدٌ من الصَّحابةِ بإسْنادٍ صحيح، غيرُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ (٣). وحديثُهُ الصَّحيحُ عنهُ، ما رواهُ عَمرو بن (٤) يحيى بن عُمارةَ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ. وأمّا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعْصعةَ، وأبوهُ، وأخُوهُ عبدُ الرَّحمنِ، فليسُوا بالمشاهيرِ، ولم يُخرِّج أبو داود، ولا البُخاريُّ حديث مالكٍ، عن محمدِ بن عبد الله بن (٥) عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ هذا، في الزَّكاةِ، للاختِلافِ عليه فيه، وخرَّجا (٦) حديث عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْري، من رِوايةِ مالكٍ وغيرهِ. ومن اضْطِرابِ هذا الحديثِ (٧)، واختِلافِ إسْنادِه:

стр. 4424

ما أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا محمدُ بن منصورٍ الطُّوسيُّ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ، قال: حدَّثنا أبي، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بن يحيى بن حَبّان ومحمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، وكانا ثِقةً، عن يحيى بن عُمارةَ بن أبي حَسَنٍ وعبّادِ بن تميم، وكانا ثِقةً، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "ليسَ فيما دُونَ خمسِ أواقٍ من الوَرِقِ صدقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْس ذَوْد (٢) من الإبِلِ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْسةِ أوسُق (٣) صَدَقةٌ". وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبرنا هارُونُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا أبو أُسامَةَ، عن

стр. 4425

الوليدِ بن كثيرٍ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، عن يحيى بن عُمارةَ وعبّادِ بن تميم، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لا صَدَقةَ فيما دُونَ خَمْسةِ أوْساق (١) من التَّمرِ، ولا فيما دُونَ خَمْسِ أواقٍ من الوَرِقِ، ولا فيما دُونَ خَمْسٍ من الإبِل". قال أبو عُمر: اتَّفقَ ابنُ (٢) إسحاقَ والوليدُ بن كثيرٍ، على مُخالَفةِ مالكٍ في هذا الحديثِ، فجَعلاهُ: عن محمدٍ هذا، عن يحيى بن عُمارةَ وعبّادِ بن تميم، عن أبي سعيدٍ. وجعلهُ مالكٌ: عن محمدٍ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ. وهُو عِندَ أكثرِ أهل العِلم بالحديثِ وهمٌ من مالكٍ، واللّهُ أعلمُ (٣). وفي هذا الحديثِ مَعانٍ من الفِقهِ جليلةٌ اختلَفَ الفُقهاءُ فيها، وسنَذكُرُها على ما يجِبُ من ذِكْرِها إن شاءَ الله تعالى، في بابِ عَمرِو بن يحيى (٤)، من كِتابِنا هَذا، وباللّه توفيقُنا. ونذكُرُ هُناك أيضًا ما فيه من شرح غريبٍ، أو معنًى مُستغلقٍ، إن شاءَ الله. أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن (٥) أسَدٍ، قال: سَمِعتُ حَمْزةَ بن محمدٍ الحافِظ يقولُ: لا تَصِحُّ هذه السُّنَّةُ عن أحَدٍ من أصحابِ رسُولِ الله ﷺ ، إلّا عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ.

стр. 4426

قال: وقد رَوَى هذا الحديث: محمدُ بن مُسلم الطّائفيُّ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ . ورواهُ مَعْمرٌ، عن سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبي صالح (١)، عن أبي هُريرةَ. وليسا بصحيحينِ. قال أبو عُمر: أمّا حديثُ محمدِ بن مُسلم، فحدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرتيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ موسى بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُسلم الطّائفيُّ، عن عَمرِو بن دينارٍ قال: كان جابرُ بن عبدِ الله يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا صَدَقةَ في شيءٍ من الزَّرع، أوِ النَّخل، أوِ الكرم، حتَّى يكونَ خَمْسةَ أوسُقٍ، ولا (٢) في الرِّقَّةِ، حتَّى تبلُغ مِئَتي دِرْهَم" (٣). انفردَ به محمدُ بن مُسلم من بينِ أصحابِ عَمرِو بن دينارٍ، وما انفردَ به، فليسَ بالقويِّ. وأمّا حديثُ مَعْمرٍ، فذكرَهُ عبدُ الرَّزّاق (٤)، عن مَعْمرٍ.

стр. 4427

حديثٌ ثانٍ لمحمدِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمن بن أبي صعصعةَ مالكٌ (١)، عن محمدِ بن عبدِ الله بن عبد الرحمن (٢) بن أبي صَعْصعةَ، قال: سَمِعتُ أبا الحُبابِ سَعيد بن يَسارٍ، يقولُ: سَمِعتُ أبا هُريرةَ، يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "من يُرِدِ الله به خيرًا، يُصِبْ منهُ". قال أبو عُمر: هذا حديثٌ صحيحٌ، ومعناهُ، والحمدُ للّه واضِحٌ، وذلك أنَّ مَن أرادَ الله به خيرًا، وخيرُ الله في هذا المَوْضِع رحمتُهُ، ابْتَلاهُ بمَرَضٍ في جِسْمِهِ، أو بموتِ (٣) وَلَدٍ يحزَنُ لهُ (٤)، أو بذَهابِ مالٍ يشُقُّ عليه، فيأجُرهُ على ذلكَ كلِّهِ، ويكتُبُ لهُ إذا صبَرَ واحْتَسبَ، بكلِّ شَيءٍ منهُ، حَسَناتٍ يجِدُها في ميزانِهِ لم يَعْمَلها، أو يجِدُها كفّارةً لذُنُوبٍ قد عَمِلها، فذلكَ الخيرُ المُرادُ به في هذا الحديثِ، واللّهُ أعلمُ. رَوَينا عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ من وُجُوهٍ شتَّى: أنَّهُ لمّا نزلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بَكَى وحَزِنَ لذلكَ، وقال: يا رسُولَ الله، أنُجازى بكلِّ ما نَعْملُ؟ فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "يا أبا بكرٍ، ألَسْتَ تَمْرضُ؟ ألَسْتَ تَنْصَبُ؟ ألَسْتَ تُصيبُكَ اللَّأواءُ؟ " قال: بَلَى، قال: "فذلكَ ما تُجزونَ به في الدُّنيا" (٥).
следующие страницы →