← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 468–507 · переход к 473.

стр. 468

قال أبو داود: وحدَّثنا مالكُ بنُ عبدِ الواحدِ المِسْمَعيُّ، قال: حدَّثنا مُعْتَمرٌ، قال: قَرأتُ على الفُضَيْل، عن أبي حَرِيز (١)، أنَّ عامِرًا أخبَره، أنَّ النعمانَ بنَ بَشِير، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ الخمرَ مِن العصِير، والزبيب، والتمر، والحِنْطَة، والشَّعير، والذُّرَة، وإنِّي أنْهاكم عن كلِّ مُسْكِر" (٢). حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مروان (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنُ سليمانَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٤): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو حيّانَ التَّيْميُّ، قال: حدَّثنا الشعبيُّ، عن ابنِ عمرَ، قال: سمِعتُ عمرَ يَخطُبُ على مِنبرِ المدينة، قال: يا أيُّها الناسُ، ألا إنّه قد نزَلَ تحريمُ الخَمرِ يومَ نزَل، وهي من خمسة؛ من العنب، والتمر، والعسل، والحِنْطَة، والشَّعير. والخمرُ: ما خامَرَ العقل.

стр. 469

وهذا أبيَنُ ما يكونُ في معنى الخمر، يخطُبُ به عمرُ بالمدينةِ على المنبَرِ بمحضَرِ جماعةِ الصحابة، وهم أهلُ اللسان، ولم يَفهَموا من الخمرِ إلّا المعنَى الذي ذكَرْنا، وباللَّه توفيقُنا. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ مروان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرٍو، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل (١) وجدِّي أحمدُ بنُ منيع، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ إدريس، قال: سمِعتُ المختارَ بنَ فُلْفُل، قال: قال أنسٌ: الخمرُ من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذُّرَة، فما خَمَّرْتَ من ذلك فهو الخمر. أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد (٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا حَجّاجٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سلَمة، عن عليِّ بن زيد، عن صفوانَ بنِ مُحْرِز، قال: سمِعتُ أبا موسى الأشعريَّ يخطُبُ فقال: خمرُ المدينةِ من البُسْرِ والتمر، وخمرُ أهلِ فارسَ من العنب، وخمرُ أهلِ اليَمَن البِتْعُ؛ وهو من العَسَل، وخمرُ الحَبَشِ السُّكُرْكَةُ؛ من الذُّرَة (٣).

стр. 470

وثَبتَ عن النبيِّ ﵇ أنّه قال: "كلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حَرام". وقوله: "كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فهو حَرامٌ، وما أسْكَرَ كثيرُه فقَليلُه حَرام" (١). وأصَحُّ شيءٍ في ذلك وأثبَتُه، وأشَدُّه استِقامَةً في الإسناد، حديثُ مالكٍ (٢) وغيرِه، عن ابن شِهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سُئِل عن البِتعْ، فقال: "كُلُّ شرابٍ أسكَرَ فهو حرامٌ". والبِتع: شَرابُ العَسَل، لا خِلافَ في ذلك، فدَلَّ على أنَّ الخمرَ المُحَرَّمةَ قد تكونُ من غيرِ العِنَب، وحديثُ ابنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ في ذلك صحيحٌ ثابت: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ الأُمويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ النَّسَويُّ، قال (٣): حدَّثنا سُوَيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ المبارَك، عن حمادِ بنِ زيد، عن أيوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كلُّ مسكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ". أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التّمّار، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ ومحمدُ بنُ عيسى في آخَرِين،

стр. 471

قالوا: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، ومَن مات وهو يَشْرَبُ الخمرَ في الدنيا، لم يشرَبْها في الآخرة". حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ مروان (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ سليمانَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٢): حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، قال: أخبرني موسى بنُ عقبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ مُسكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ". حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرَّحمن القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيب، قال (٣): حدَّثنا الحُسينُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ، وكلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ". قال الحُسينُ بنُ منصور: قال أحمدُ بنُ حنبل: هذا حديثٌ صحيحٌ.

стр. 472

قال أبو عُمر: هكذا روَى هذا الحديثَ أبو حازم بنُ دينار (١)، ولَيثٌ (٢)، وأبو مَعْشَر (٣)، وإبراهيمُ الصّائِغُ (٤)، والأجْلَحُ (٥)، وعبدُ الواحدِ بنُ قَيْس (٦)، وأبو الزِّناد (٧)، ومحمدُ بنُ عَجْلان (٨)، وعبيدُ اللَّه بنُ عمرَ العُمَريُّ (٩)، كلُّهم عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ مرفوعًا، كما رواه أيوبُ السَّخْتيانيُّ وموسى بنُ عُقْبة (١٠).

стр. 473

وكان عُبيدُ اللَّه بنُ عمرَ ربّما وَقَفه، وربما رَفَعَهُ وكان يقولُ أحيانًا: لا أعْلَمُه إلّا عن النبيِّ ﷺ (١). ورواه مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمرَ موقوفًا (٢). والحديثُ ثابتٌ مرفوعٌ، لا يَضُرُّع تَقْصيرُ مَن قصَّرَ في رَفْعِه؛ لرفع الحُفّاظِ الأثباتِ له، ولاجتماع الجماعة من رواةِ نافع على رَفْعِه، منهم أيوبُ، وموسى، وسائرُ مَن ذكَرْنا. وممّا يدُلُّ على صِحَّة رَفْعِه روايةُ محمدِ بنِ عَمْرٍو له، عن أبي سَلَمَة، عن ابنِ عُمَر، عن النبيِّ ﷺ مرفوعًا (٣)، وكذلك رواه زيدُ بنُ أسلم (٤)، وعبدُ اللَّه بنُ دينار (٥)، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا، وكذلك رواه جماعةٌ عن سالم، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا. فكيف يَحِلُّ لأحَدٍ أن يتأوَّلَ في الأنبِذَةِ المسكِرَةِ أنَّها حَلالٌ، والنبيُّ ﵇

стр. 474

قد بيَّن أنَّ كلَّ مُسكِرٍ خمرٌ، وكلَّ خمرٍ حرامٌ؟ نعوذُ باللَّه من الخِذلان، ومن سُلوكِ سبيلِ الضلال. وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمد (١)، قال: أخبرنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ الأشعث، قال (٢): حدَّثنا قُتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، يعني ابنَ جعفر، عن داودَ بنِ بكرِ بنِ (٣) أبي الفُرات، عن محمدِ بنِ المنكَدِر، عن جابر، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما أسْكَرَ كثيرُه فقَليلُه حرامٌ". وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (٤)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا محمدُ بنُ رافِع النَّيْسابوريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عمرَ

стр. 475

الصَّنْعانيُّ، قال: سمِعتُ النعمانَ، يعني ابنَ المُنذر (١) الصَّنْعانيَّ، يقول: عن طاووس، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "كلُّ مُخَمَّرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ". وذكَر تمامَ الحديث. وهذه كلُّها نُصوصٌ في موضِع الخلافِ لمَن أراد اللَّهُ في المُسْكِرِ أن يَهدِيَه ويشرَحَ صَدْرَه. والآثارُ في تحريم ما أسْكَرَ كثيرُه كثيرةٌ جدًّا يطُولُ الكتابُ بذكْرِها، وقد ذكَرها جماعةٌ من العلماء؛ منهم ابنُ المباركِ وغيرُه، وقال أحمدُ بنُ شُعَيب في "كتابه": إنَّ أوَّلَ مَن أحَلَّ المُسْكِرَ من الأنبذةِ إبراهيمُ النَّخَعيُّ. وهذه زَلَّةٌ من عالم، وقد حُذِّرْنا من زَلَّةِ العالم، ولا حُجَّةَ في قولِ أحدٍ مع السُّنة. وقد زَعَمَت طائفةٌ أنَّ أبا جعفرٍ الطحاويَّ، وكان إمامَ أهلِ زمانِه، ذهَب إلى إباحةِ الشُّربِ من المُسْكِرِ ما لم يُسْكِرْ (٢)، وهذا لو صَحَّ عنه، لم يُحتَجَّ به

стр. 476

على مَن ذكَرْنا قولَهم من الأئمة المتَّبعينَ في تحريم المسكِرِ ما ثبتَ من السُّنة، وأنا أذكُرُ ما حَكاه الطحاويُّ لِيَبِينَ لك أنَّ الأمرَ ليس كما ظَنُّوا: قال أبو جعفر في كتابه الكبير في "الاختلاف" (١): اتَّفقَتِ الأمةُ أنَّ عَصيرَ العِنَب إذا اشْتَدَّ وغلَى، وقذَفَ بالزَّبَدِ، فهو خَمْرٌ، ومُسْتَحِلُّه كافِرٌ، واختَلَفوا في نَقيع التمر إذا غلَى وأسْكَرَ. قال: فهذا يدُلُّ على أنَّ حديثَ يحيى بنِ أبي كثير، عن أبي كثير، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﵇، أنّه قال: "الخمرُ من هاتينِ الشجرتَيْن؛ النخلةِ والعِنبة" (٢). غيرُ مَعمُولٍ به عندَهم؛ لأنّهم لو قَبِلوا الحديثَ لأكفَروا مُسْتَحِلَّ نقيع التمر، فثَبَت أنّه لم يدخُلْ في الخمرِ المحَرَّمةِ غيرُ عصيرِ العِنَب الذي قد اشتَدَّ وبلَغ أنْ يُسْكِرَ. قال: ثم لا تَخْلُو الخمرُ من أن يكونَ التحريمُ مُعلَّقًا بها فقط، غيرَ مَقِيسٍ عليها غيرُها أو يجبُ القياسُ عليها، فوجَدْناهم جميعًا قد قاسُوا عليها نقيعَ التمرِ إذا غلَى وأسْكَرَ كثيرُه، وكذلك نَقيعُ الزَّبيب. قال: فوَجَبَ قياسًا على ذلك أن يُحرَّمَ كلُّ ما أسكَرَ من الأشْرِبة. قال (٣): وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "كلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ"، واستُغْنِيَ عن ذِكْرِ سندِه؛ لقَبولِ الجميع له، وإنّما الخلافُ بينَهم في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: أراد به ما يقَعُ السُّكْرُ عندَه، كما لا يُسَمَّى قاتِلًا إلّا مع وُجودِ القتل. وقال آخرون: أراد به جِنْسَ ما يُسْكِرُ.

стр. 477

قال: وقد روَى أبو عَوْنٍ الثَّقفيُّ، عن عبدِ اللَّه بنِ شَدّاد، عن ابنِ عبّاس، قال: حُرِّمَتِ الخمرُ بعينِها؛ القليلُ منها والكثيرُ، والسُّكْرُ من كلِّ شَراب (١). قال: ففي هذا الحديثِ أنَّ غيرَ الخمر (٢) لم يُحَرَّمْ عَيْنُه كما حُرِّمتِ الخمرُ بعينِها. هذا آخِرُ قولِه، وفيما مضَى كفاية، والحمدُ للَّه. أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مروان (٣)، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ سُليمان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٤): حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ ومحمدُ بنُ أبي عَدِيٍّ، جميعًا عن حُميد، عن أنس، قال: كنتُ في بيتِ أبي طلحةَ وعندَه أُبيُّ بنُ كعب، وأبو عُبيدةَ بنُ الجراح، وسُهَيْلُ ابنُ بَيْضاء،

стр. 478

وأنا أسْقِيهم شَرابًا، حتى إذا أخَذ فيهم، إذا رجلٌ من المسلمين يُنادي: ألا إنَّ الخمرَ قد حُرِّمت. فواللَّه ما انتَظَروا حتى يَعْلَمُوا أو يسألوا عن ذلك. قال: فقالوا: يا أنسُ، أَكْفِئْ ما في إنائِك. قال: فكَفَأْتُه. قال: فما عادُوا فيها حتى لَقُوا اللَّه، وشَرابُهم يومئذٍ خَليطُ البُسْرِ والتَّمر. قال أبو عُمر: هذا يُبيِّنُ لك أنَّ الفَضِيخَ المذكورَ في حديثِ إسحاق (١)، عن أنس، أنّه خَليطُ البُسْرِ والتمر، وهذا على نحوِ ما فسَّرَه أهلُ اللغة، واللَّهُ أعلم. وقد روَى هذا الحديثَ عن أنسٍ جماعةٌ يطولُ ذكرُهم، منهم: سليمانُ التَّيميُّ (٢)، وقتادةُ (٣)، وعبدُ العزيز بنُ صُهَيْب (٤)، والمختارُ بنُ فُلْفُل (٥)، وثابت البُنانيُّ (٦)، وأبو التَّيّاح (٧)، وأبو بكر بنُ أنس (٨)، وخالدُ بنُ الفِزْر (٩)، لم يَذكُرْ واحدٌ

стр. 479

منهم كَسْرَ الجِرار، إلّا إسحاقَ بنَ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ وحدَه، وإنّما في حديثهم أنّه أكفَأها، ولا بأسَ بالاستِمْتاع بظُرُوفِ الخمرِ بعدَ تَطْهِيرِها وغسلِها بالماءِ وتَنْظيفِها، إلّا أنَّ الزِّقاقَ التي قد بالَغَتْها الخمرُ وداخَلَتْها، إنْ عُرِف أنَّ الغَسْلَ لا يَبلُغُ منها مَبْلَغَ التَّطْهِيرِ لها، لم يُنتَفَعْ بشيءٍ منها. وفي هذا الحديثِ أيضًا قَبولُ خبرِ الواحدِ؛ لأنَّهم قَبِلوا خبرَ المُخبِر لهم، وهو رجلٌ من المسلمين، ولا شكَّ أنَّهم قد عَرَفوه، ولذلك قَبِلُوا خبرَه، وعَمِلُوا به، وأراقُوا شرابَهم، وقد كان مِلْكًا لهم قبلَ التحريم. وفيه أنَّ المحَرَّمَ لا يَحِلُّ مِلْكُه، وأنَّ الخمرَ لا يستقِرُّ عليها مِلكُ مسلم بحال. وفيه أنَّها كانت مباحةً مَعفُوًّا عنها حتى نزلَ تَحرِيمُها، قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ ﵀: كان الناسُ على أمرِ جاهِليَّتِهم حتى يُؤمَروا أو يُنْهَوا (١). وقد كانتِ الشَّدَّةُ والإسكارُ موجودَينِ في الخمرِ قبلَ تَحرِيمِها، ولم يكنْ ذلك بمُوجِبٍ لتَحرِيمِها؛ لأنَّ العِلَّة في التحريم ما يَقرَعُ السمعَ من الكتابِ والسُّنة، وإنّما كانتِ الشِّدَّةُ وَصْفًا من أوصافِ الخمر، فلمّا ورَد الشرعُ بتحريم المُسْكِر، صار الإسكارُ والشِّدَّةُ فيها عَلَمًا للتحريم، بدَليلِ الاعتبارِ في ذلك. وهذا مَوضِعٌ تَنازعَ فيه مَن نَفَى القِياسَ ومَن أثْبتَه، والكلامُ فيه يطُولُ.

стр. 480

وفي هذا الحديثِ أيضًا: ما كان القومُ عليه من البِدارِ إلى الطاعة، والانتهاءِ عمّا نُهوا عنه. وفيه حُجَّةٌ لمَن قال: إنَّ الخمرَ لا تُخَلَّلُ؛ لأنّه لو جاز تَخليلُها والانتِفاعُ بها، لكان في إراقَتِها إضاعَةُ المال، وقد نُهيَ عن إضاعَةِ المال (١)، ولا يقولُ أحَدٌ فيمَن أراقَ خمرًا لمسلم: إنّه أتْلَف له مالًا. وقد أراقَ عثمانُ بنُ أبي العاص خمرًا ليتيم، وأُرِيقَتْ بينَ يَدَيْ رسولِ اللَّه ﷺ (٢). ومن حديثِ أنس، أنَّ أبا طَلْحَةَ سألَ النبيَّ ﷺ عن أيتام وَرِثوا خمرًا، يَجعَلُه خَلًّا؟ فكَرِهه (٣). وروَى مجالدُ بنُ سعيد، عن أبي الودَّاكِ جبرِ بنِ نَوف، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: كان عندي خمر لأيتام، فلمّا نزَل تحريمُ الخمرِ أمرَنا رسولُ اللَّه ﷺ أن نُهَريقَها (٤). وروَى سفيانُ الثوريُّ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي هُبَيرَة (٥)، واسمُه يحيى بنُ عَبّاد،

стр. 481

عن أنسِ بنِ مالك، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ في حَجْرِه يتيمٌ، وكان عندَه خمرٌ له حينَ حرِّمَتِ الخمرُ، فقال: يا رسولَ اللَّه، نَصْنَعُها خَلًّا؟ قال: "لا" (١). وسنَذكُرُ آثارَ هذا البابِ بأسانيدِها في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن ابنِ وَعْلةَ مِن هذا الكتاب (٢). فبهذا احْتَجَّ مَن كَرِه تَخْليلَ الخمرِ ولم يُبحْ أكْلَها إذا تخلَّلَتْ. وقالوا: لو جاز تَخْليلُها لم يأمُرْ رسولُ اللَّه ﵇ بإراقَتِها، وقد استُؤذِنَ في تَخْليلِها فقال: "لا"، ونَهى عن ذلك؛ ذهَبَ إلى هذا طائفةٌ من العلماءِ من أهلِ الحديثِ والرَّأي (٣)، وإليه مالَ سُحْنُونُ بنُ سعيد (٤). وقال آخرون: لا بأسَ بتَخليلِ الخمر، ولا بأسَ بأكلِ ما تخلَّلَ منها بمُعالجةِ آدَميٍّ وبغيرِ معالَجَتِه على كلِّ حال. وهو قولُ الثوريِّ، والأوزاعيِّ، والليثِ بنِ سعد، والكوفيِّين (٥). ومن حُجَّةِ هؤلاء إجماعُ العلماءِ على أنَّ العصيرَ من العِنَبِ قبلَ أن يُسْكِرَ حلالٌ، فإذا صار مُسْكِرًا حَرُم؛ لعِلَّةِ ما حدَث فيه من الشِّدَّةِ والإسكار، فإذا زال ذلك عادَتِ الإباحَةُ، وزال التحريمُ، وسواءٌ تَخَلَّلَتْ من ذاتِها، أو تخَلَّلَتْ بمعالجةِ آدَميٍّ، لا فرقَ بينَ شيءٍ من ذلك إذا ذهَبَ منها حالُ الإسْكار.

стр. 482

وأجاز أبو حنيفةَ وأصحابُه مع تَخْلِيلِها أن يُصنَعَ من الخمرِ المُرَبَّى (١) وغيرُه، وبأيِّ وَجْهٍ أُفْسِدَتْ وزالَتْ علَّةُ السُّكْرِ منها طابَتْ عندَهم، وطَهُرَتْ (٢). وأمّا غيرُهم ممَّن ذكَرْنا عنهم إجازةَ تَخْلِيلِ الخمر، فإنَّهم لا يُجيزون منها غيرَ الخلِّ على أصْلِها. ولم يَختلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابِه أنَّ الخمرَ إذا تخلَّلَتْ بذاتِها، أنَّ أكْلَ ذلكَ الخَلِّ حَلالٌ. واختَلَف قولُه في تَخْلِيلِها؛ فكَرِهه مرَّة، وأجازَه أُخْرَى، والأشْهَرُ عنه كَراهِيةُ ذلك. وتَحْصيلُ مَذْهَبِه أنّه لا يَنْبَغي لمسلم أنْ يُمْسِكَ خَمْرًا ولا مُسْكِرًا ليَتَخَلَّلَ، ولا يَنبَغي لأحَدٍ أنْ يُخَلِّلَها، فإنْ فَعَل أكَلَها، وكُرِهَ له فِعْلُ ذلك (٣). وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخَطّاب، وقَبِيصَةَ، وابنِ شِهاب، ورَبِيعَة (٤)، كراهِيَةُ تَخْلِيلِ الخمرِ، وإجازَةُ أكْلِها إذا تخَلَّلَتْ بذاتِها. وهو أحَدُ قولي الشافعيّ، وهو تَحْصِيلُ مَذْهَبِه عندَ أكثرِ أصحابِه، وعلى هذا أكثرُ العلماء؛ لأنّه يَجتَمِعُ على هذا القولِ مَذْهَبُ مَن أجاز تَخْلِيلَها بكُلِّ وَجْه، ومَذْهَبُ مَن أباحَها إذا تخَلَّلَتْ من ذاتِها (٥).

стр. 483

وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ جوازُ تَخْليلِ الخمرِ من وجهٍ فيه لِينٌ، والصحيحُ عنه إجازَةُ أكْلِها إذا صارَتْ خلًّا. ذكَر ابنُ أبي شيبة (١)، عن وَكِيع، عن عبدِ اللَّه بنِ نافع، عن أبيه، عن ابنِ عمر، أنّه كان لا يَرى بأسًا أن يأكُلَ مما كان خمرًا فصار خَلًّا. قال (٢): وأخبَرنا حُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمن (٣)، عن أبيه، عن مُسَرْبِلٍ العَبْديِّ، عن أُمِّه، قالت: سألتُ عائشةَ عن خَلِّ الخمر، قالت: لا بأسَ به، هو إدامٌ. ورُوِيَ عن عليٍّ ﵁ أنّه كان يَصْطَبغُ في خَلِّ خمر (٤). وهذا يَحتملُ أن يكونَ أراد خَلَّ عِنَب.

стр. 484

وذكَر ابنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا أزْهَرُ، عن ابنِ عون، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، أنّه كان يَكْرَهُ أن يقول: خَلُّ خمر. وكان يقول: خَلُّ عِنَب. وكان يَصْطَبغُ فيه. وقال رسولُ اللَّه ﷺ : "نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ" (٢). وهذا على عُمُومِه. قال أبو عُمر: وأعْدَلُ شيءٍ في هذا البابِ ما رُوِيَ عن عمرَ رضيَ عنه فيه: أخبرنا عبدُ الوارث (٣)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني ابنُ أبي ذِئْب، عن ابنِ شهاب، عن القاسم بنِ محمد، عن أسلمَ مولَى عمرَ بنِ الخطاب، عن عمرَ بنِ الخطاب، أنّه قال: لا يُؤكَلُ خَلٌّ من خمرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يَبْدَأ اللَّهُ إفسادَها، فعندَ ذلك يَطِيبُ الخَلُّ. قال: ولا بأسَ على امرئ أن يَبتاعَ خَلًّا وَجَدَه مع أهلِ الكتاب، ما لم يَعلمْ أنهم تَعَمَّدوا إفسادَها بعدَما عادَتْ خمرًا (٤).

стр. 485

قال ابنُ وَهْب: وأخبرني يونُسُ، عن ابنِ شِهاب، أنّه كان يقول: لا خيرَ في خَلٍّ من خمرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يكونَ اللَّهُ يُفْسِدُها، عندَ ذلك يَطيبُ الخَلُّ (١).

стр. 486

قال ابنُ وَضّاح: ورأيتُ سُحْنُونًا يذهَبُ إلى أنَّ الخمرَ إذا خُلِّلَتْ لم يُؤكَلْ خَلُّها، تُعُمِّدَ ذلك أو لم يُتعَمَّدْ. قال أبو عُمر: ليس في النهي عن تَخْليلِها والأمرِ بإراقتِها ما يَمنعُ من أكْلِها إذا تخَلَّلَتْ من ذاتِها؛ لأنّه يَحتَمِلُ أن يكونَ ذلك كان عندَ نُزولِ تَحريمِها، لئلّا يُستَدامَ حَبْسُها، لقُرْبِ العَهْدِ بشُرْبِها، إرادَةَ قَطْع العادَة، ولم يُسْألْ عن خمرٍ تَخَلَّلَتْ فنَهَى عنها. وقال محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الحكم: كان مالكُ بنُ أنس يقول بقولِ عمرَ بنِ الخطاب: لا يُؤكَلُ خَلٌّ من خمرٍ أُفسِدَتْ، حتى يكونَ اللَّهُ هو الذي بَدَأ إفسادَها. قال محمدٌ: وبه أقولُ. قال: ثم رَجع مالِكٌ، فقال: إنْ فَعَل ذلك جاز أكْلُها، على تَكَرُّهٍ منه. قال: وقولُ عمرَ أحَبُّ إليَّ (١). قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا قولَ مَن زَعَم أنَّ العِلَّةَ في تحريمِها الشدَّةُ، فإذا زالَتْ حَلَّتْ، ولكلِّ قولٍ وَجْهٌ يطُولُ شَرْحُه والاحتِجاجُ له، وقد زِدْنا هذه المسألةَ بَسْطًا وبَيانًا، وذكَرْنا الآثارَ في ذلك (٢)، في بابِ زيدِ بنِ أسْلَم (٣)، عن ابنِ وَعْلَة، والحمدُ للَّه (٤).

стр. 487

حديثٌ خامسٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ جدَّتَه مُليكةَ دعَتْ رسولَ اللَّه ﷺ لطعام، فأكَل منه، ثم قال رسولُ اللَّه ﷺ : "قُومُوا فلأُصَلِّ (٢) لكم". قال أنسر: فقمْتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طُولِ ما لُبسَ، فنضَحتُه بالماء (٣)، فقام عليه رسولُ اللَّه ﷺ ، وصففْتُ أنا واليتيمُ وراءَه، والعجوزُ من ورائِنا، فصلَّى لنا ركعتَينِ ثم انصرَف. هكذا رواه جماعةُ رُواةِ "الموطأ" (٤)، وزادَ فيه إبراهيمُ بنُ طَهْمان، وعبدُ اللَّه بنُ

стр. 488

عونٍ الخرّاز (١)، وموسى بنُ أعْيَنَ: فأكَل منه، وأكَلْتُ معه، ثم دعا بوَضوءٍ فتوضَّأ، ثم قال: "قمْ فتوضَّأْ، ومُرِ العجوزَ فتتوضأ، ومُرْ هذا اليتيمَ فلْيتوضَّأْ، ولأصلِّ لكم". قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديث: إنَّ جدَّتَه مُليكة؛ مالكٌ يقوله، والضَّميرُ الذي في "جدَّتِه" هو عائدٌ على إسحاق، وهي جدَّةُ إسحاقَ أُمُّ أبيه عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، وهي أُمُّ سُلَيم بنتُ مِلحانَ زوجُ أبي طلحةَ الأنصاريِّ، وهي أُمُّ أنسِ بنِ مالك، كانت تحتَ أبيه مالكِ بنِ النَّضر، فولَدتْ له أنسَ بنَ مالك، والبراءَ بنَ مالك، ثم خلَف عليها أبو طلحة، وقد ذكَرنا قصَّتَها في كتابِ النساءِ من كتابِنا في "الصحابة" (٢). وذكَر عبدُ الرَّزاق (٣) هذا الحديثَ، عن مالك، عن إسحاق، عن أنس، أنَّ جدَّتَه مُليكةَ -يعني جدَّةَ إسحاقَ- دعَتِ النبيَّ ﷺ لطعام صنَعَتْه. وساقَ الحديثَ بمعنَى ما في "الموطأ". وفي هذا الحديثِ إجابةُ الدَّعوةِ إلى الطعام في غيرِ الوَليمة، وسيأتي القولُ والآثارُ في ذلك في الحديثِ الذي بعدَ هذا (٤) إن شاء اللَّه.

стр. 489

وفيه أنَّ المرأةَ المُتجالَّةَ (١) والمرأةَ الصّالحة، إذا دعَتْ إلى طعام أُجيبتْ، هذا إن صحَّ أنّها لم تكنْ بذاتِ مَحْرَم من رسولِ اللَّه ﷺ . وفي قولِ اللَّه : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] كفايةٌ. وفيه من الفقهِ أيضًا: أنَّ مَنْ حلَف ألّا يَلبَسَ ثوبًا ولم تكنْ له نيّةٌ، ولا كان لكلامِه بِساطٌ يُعلمُ به مُرادُه، ولم يَقصِدْ إلى اللِّباسِ المعهود، فإنّه يَحنثُ بما يُتوطَّأُ ويُبسَطُ من الثياب؛ لأنَّ ذلك يُسمَّى لِباسًا، ألا ترَى إلى قوله: فقمْتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طُولِ ما لُبسَ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنِ يحيى (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣): حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: أخبرنا الفُضيلُ بنُ عياض، عن هشام، عن ابنِ سيرينَ قال: قلتُ لعَبِيدة: افتراشُ الحريرِ كلُبْسِه؟ قال: نعم (٤). وأمّا نَضْحُ الحصير، فإنَّ إسماعيلَ بنَ إسحاقَ وغيرَه من أصحابِنا كانوا يقولون: إنَّ ذلك إنما كان لتَلْيينِ الحصيرِ لا لنجاسةٍ فيه، واللَّهُ أعلم. وقال بعضُ أصحابِنا: إنَّ النَّضْحَ طُهر لما شُكَّ فيه؛ لتَطْييبِ النَّفس عليه.

стр. 490

قال أبو عُمر: الأصلُ في ثَوبِ المسلم، وفي أرضِه، وفي جسمِه، الطَّهارةُ حتى يُستَيقَنَ بالنَّجاسة، فإذا تُيقِّنتْ وجَب غَسلُها، وكذلك الماءُ أصلُه أنّه محمولٌ على الطهارةِ حتى يُستَيقَنَ حُلولُ النَّجاسةِ فيه، ومعلومٌ أنَّ النَّجاسةَ لا يُطهِّرُها النَّضْحُ، وإنّما يُطهِّرُها الغَسل، وهذا يدلُّكَ على أنَّ الحصيرَ لم يُنضَحْ لنجاسة، وقد يُسمَّى الغَسلُ في بعض كلام العربِ نَضْحًا، ومنه الحديث: "إنِّي لأعلمُ أرضًا يقال لها: عُمان، يَنضَحُ البحرُ بناحيتِها" (١)، الحديثَ. فإنْ كان الحصيرُ نَجِسًا فإنّما أُريدَ بذكرِ النَّضح الغَسلُ، واللَّهُ أعلم.

стр. 491

ومَنْ قال من أصحابنا: إنَّ النَّضحَ طهارةٌ لما شُكَّ فيه فإنّما أخذَه من فعلِ عمرَ بنِ الخطاب ﵁ حينَ احتلَم في ثوبِه، فقال: أغسِلُ منه ما رأيتُ، وأنضَحُ ما لم أرَه (١). ومن قال من أصحابنا: إنَّ النَّضحَ لا معنَى له، فهو قولٌ يَشهَدُ له النَّظرُ والأصولُ بالصِّحَّة، ورُوِيَ عن جماعةٍ من السَّلفِ في الثَّوبِ النَّجِسِ أنّهم قالوا: لا يَزيدُه النَّضحُ إلّا شرًّا (٢)، وهو قولٌ صحيحٌ. ومَن ذهَب بحديثِ عمرَ إلى قَطع الوَسْوسةِ وحَزازاتِ النَّفس، في نَضحِه من ثوبِه ما لم يرَ فيه شيئًا من النَّجاسة، كان وجْهًا حسَنًا صحيحًا إن شاء اللَّه. قال الأخفشُ: كلُّ ما وقَع عليك من الماءِ مُفرَّقًا فهو نَضْحٌ، ويكونُ النَّضحُ باليدِ وبالفم أيضًا. قال: وأمّا النَّضخُ بالخاءِ المنقوطة: فكلُّ ماءٍ أتى كثيرًا مُنهمِرًا، ومنه قولُ اللَّه : ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]. أي: مُنهَمِرتانِ بالماءِ الكثير. وفي هذا الحديثِ أيضًا حُجَّةٌ على أبي حنيفة؛ لأنه يقول: إذا كانوا ثلاثةً وأرادُوا أن يُصلُّوا جماعةً قام إمامُهم وسَطَهم ولم يتقدّمْهم. واحتجَّ بحديثِ ابنِ مسعود (٣). وفي هذا الحديث: وصَففْتُ أنا واليتيمُ من ورائِه، والعجوزُ من ورائِنا. وقد رُوِيَ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: صلَّى رسولُ اللَّه ﷺ بي وبجبّارِ بنِ

стр. 492

صخرٍ فأقامَنا خَلفَه (١). وإنْ كان في إسنادِ حديثِ جابرٍ هذا مَن لا تقومُ به حُجَّةٌ، فحديثُ أنس (٢) من أثبَتِ شيء، وعليه عوَّل البخاريُّ وأبو داودَ في هذا الباب. حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيم بن سعيد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مطرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان (٣)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن عمِّه أنسِ بنِ مالكٍ، قال: صلَّيتُ أنا ويتيمٌ كان عندَنا خلفَ رسولِ اللَّه ﷺ ، وأمُّ سُلَيم أمُّ أنسِ بنِ مالكٍ من ورائِنا (٤). وفيما أجاز لنا عبيدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ جعفرٍ السَّقَطيُّ، وأخبرناه بعضُ أصحابِنا عنه، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الصَّفّارُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ بنِ يزيدَ العبْديُّ، قال (٥): حدَّثنا عبادُ بنُ العوّام، عن

стр. 493

هارونَ بنِ عنترةَ الشَّيبانيِّ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ الأسودِ بنِ يزيد، عن أبيه وعلقمة، أنّهما صلَّيا مع ابن مسعودٍ في بيتِه، أحدُهما عن يمينِه، والآخَرُ عن شمالِه، فلمّا انصرَف قال: هكذا صلَّيْتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ . وهذا الحديثُ لا يَصحَّ رفعُه، والصحيحُ عندَهم فيه التَّوقيفُ على ابنِ مسعودٍ أنّه كذلك صلَّى بعلقمةَ والأسود (١)، وحديثُ أنسٍ أثبتُ عندَ أهلِ العلم بالنَّقل، واللَّهُ أعلم. وأمّا إذا كان الإمامُ وآخر، فإنّما يقومُ عن يمينِه، وهذا مجتمَعٌ عليه.

стр. 494

أخبرنا عبيدُ اللَّه (١) فيما كتَب بإجازته إليَّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ الصَّفّار، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفة، قال (٢): حدَّثنا هشيمُ بنُ بَشير، عن أبي بشر، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباس، قال: بِتُّ ليلةً عندَ خالتي ميمونةَ بنتِ الحارث. قال: فقام النبيُّ ﷺ يُصلِّي من الليل. قال: فقُمتُ عن يسارِه أُصلِّي بصلاتِه، فأخَذ بذؤابةٍ كانت لي -أو برأسي- فأقامني عن يمينِه. وسنذكُرُ هذا الحديثَ من روايةِ مالكٍ في باب مَخرمةَ بنِ سُليمانَ (٣) إن شاء اللَّه. وفيه أيضًا حُجَّةٌ على مَن أبطَل صلاةَ المصلِّي خلفَ الصَّفِّ وحدَه، وكان أحمدُ بنُ حنبل، والحُمَيديُّ، وأبو ثور، يذهَبون إلى الفَرْقِ بينَ المرأةِ والرجلِ في المصلِّي خلفَ الصفِّ، فكانوا يرونَ الإعادةَ على مَن صلَّى خلفَ الصفِّ وحدَه من الرجال، بحديثِ وابصةَ بنِ مَعْبد، عن النبيِّ ﷺ بذلك (٤). ولا يرَون على

стр. 495

المرأةِ إذا صلَّتْ خلفَ الصفِّ شيئًا لهذا الحديث. قالوا: وسُنَّةُ المرأةِ أنْ تقومَ خلفَ الرِّجال لا تقومُ معهم. قالوا: فليس في حديثِ أنسٍ هذا حُجَّةٌ لمن أجازَ الصلاةَ للرَّجل خلفَ الصفِّ وحدَه. قال أبو عُمر: في هذا البابِ حديثٌ موضوعٌ وضَعه إسماعيلُ بنُ يحيى بن عبيدِ اللَّه (١) التَّيميُّ، عن المسعوديِّ (٢)، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "المرأةُ وحدَها صفٌّ" (٣). وهذا لا يُعرفُ إلّا بإسماعيلَ هذا. وقد استدلَّ الشافعيُّ على جوازِ صلاةِ الرجلِ خلفَ الصفّ وحدَه بحديثِ أنسٍ هذا، وأردَفه بحديثِ أبي بكرةَ حينَ ركَع خلفَ الصفِّ وحدَه، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "زادَك اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ" (٤)، ولم يَأمُرْه بإعادةِ الصلاة. قال: وقولُه لأبي بكرة: "ولا تَعُدْ"؛ يعني: لا تَعُدْ أنْ تتأخَّرَ عن الصلاةِ حتى تَفوتَك.

стр. 496

قال: وإذا جازَ الرُّكوعُ للرَّجلِ خلفَ الصفوف وحدَه، وأجزَأ ذلك عنه، فكذلك سائرُ صلاتِه؛ لأنَّ الرُّكوعَ رُكنٌ من أركانِها، فإذا جازَ للمصلِّي أنْ يركعَ خلفَ الصفوف، كان له أنْ يَسجُدَ وأنْ يُتمَّ صلاتَه، واللَّهُ أعلم (١). وقد احتجَّ جماعةٌ من أصحابِنا بما احتجَّ به الشافعيُّ في هذه المسألة. والذي عليه جمهورُ الفقهاء؛ كمالك، والشافعيّ، والثَّوريّ، وأبي حنيفة (٢)، فيمن اتَّبعَهم وسلَك سبيلَهم، إجازةُ صلاةِ المنفردِ خلفَ الصفِّ وحدَه، وحديثُ وابصةَ مُضطرِبُ الإسنادِ لا يُثبِتُه جماعةٌ من أهلِ الحديث (٣). وفي هذا الحديثِ أيضًا ما يدلُّ على أنَّ الصَّبيَّ إذا عقَل الصلاةَ حضَرها مع الجماعة ودخَل معهم في الصَّفِّ إذا كان يُؤمَنُ منه اللَّعبُ والأذَى، وكان ممّن يَفهَمُ حدودَ الصلاةِ ويَعقِلُها، وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطاب أنّه كان إذا أبصَر صبيًّا في الصَّفِّ أخرَجه. وعن زِرِّ بنِ حُبيش، وأبي وائل (٤)، بمثلِ ذلك. وهذا يَحتمِلُ أن يكون أنه لم يكن (٥) يُؤْمَنُ لَعِبُه ولهوُه، أو يكونَ كرِهَ له التَّقدُّمَ في الصَّفِّ ومنع الشيوخِ من مَوضعِه ذلك، والأصلُ ما ذكَرنا؛ لحديثِ هذا الباب، واللَّهُ أعلم. وقد كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يذهبُ إلى كراهةِ ذلك، قال الأثرم: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يكرَهُ أنْ يقومَ مع النّاسِ في المسجدِ خلفَ الإمام إلّا مَن قد احتلَم،

стр. 497

أو أنبَت، أو بلَغ خمسَ عشْرةَ سنة. فقلتُ له: ابنُ اثنتيْ عشْرةَ سنةً أو نحوَها؟ قال: ما أدري. قلتُ له: فكأنَّكَ تكرَهُ ما دونَ هذا (١) السِّنِّ؟ قال: ما أدري. فذكرْتُ له حديثَ أنسٍ واليتيم، فقال: ذاك في التَّطوُّع (٢). وإذا كان رجلانِ وامرأةٌ، قام الرجلُ عن يمينِ الإمام وقامتِ المرأةُ خلفَهما. وهذا لا خلافَ فيه. وبهذا احتجَّ أحمدُ بنُ حنبل في أنَّ المرأةَ سُنَّتُها أنْ تقومَ خلفَ الرِّجال، لا تكونُ معهم في الصَّفِّ، ودفَع ما احتجَّ به الشافعيُّ من حديثِ أنسِ المذكورِ في هذا الباب (٣). حدَّثني أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ أبا عليٍّ الحسنَ بنَ سلمةَ بنِ مُعلَّى حدَّثهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٤): حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى القطّانُ، عن شعبة، عن عبدِ اللَّه بنِ المختار، عن موسى بنِ أنس، عن أنس، قال: صلَّى بيَ النبيُّ ﷺ وبامرأةٍ من أهلي، فأقامني عن يمينِه والمرأةَ خلفَنا. وفي هذا الحديثِ صلاةُ الضُّحَى، ولذلك ساقَه مالكٌ ﵀، وسيأتي القولُ في صلاةِ الضُّحَى في بابِ ابنِ شهاب إن شاءَ اللَّه (٥).

стр. 498

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أنسِ بنِ سيرينَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كان رجلٌ ضخم لا يَستطيعُ أن يُصلِّيَ مع النبيِّ ﷺ ، فقال: إنِّي لا أستطيعُ أنْ أصلِّيَ معك، فلو أتيْتَ منزِلي فصلَّيْتَ فأقْتَدِيَ بك؟ فصنَع الرجلُ طعامًا، ثم دَعا بالنبيِّ ﷺ ، ونضَح حَصِيرًا لهم، فصَلَّى النبيُّ ﷺ في ركعتين. فقال رجلٌ من آلِ الجارودِ لأنس: أكان رسولُ اللَّه ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ فقال: ما رأيتُه صَلّاها إلّا يومَئذٍ (٢). روَى ابنُ عيينة، عن الثوريِّ، عن لَيْث، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَب، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَصفُّ الرِّجال، ثم الصِّبْيانَ خَلْفَ الرِّجال، ثم النِّساءَ خَلْفَ الصِّبْيانِ في الصلاة (٣).

стр. 499

حديثٌ سادسٌ لإسحاقَ عن أَنَسٍ، مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، أنَّه سمِع أَنسَ بنَ مالكٍ يقول: إن خيّاطًا دعا رسولَ اللَّه ﷺ لطعام صنَعه. قال أنسٌ: فذهَبتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ إلى ذلك الطعام، فقرَّب إليه خُبزًا من شعير، ومَرَقًا فيه دُبّاء. قال أنسٌ: فرأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يَتَتَبَّع (٢) الدُّبّاءَ من حولِ القَصْعَة، فلم أزَلْ أُحِبُّ الدُّبّاءَ بعدَ ذلك اليوم. هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" عندَ جميع رُواتِه فيما علِمتُ (٣)، بهذا الإسناد، وزادَ بعضُهم فيه ذِكرَ القَديد، وسنذكُرُه في هذا الباب إن شاء اللَّه. أدخَل مالكٌ ﵀ هذا الحديثَ في بابِ الوليمةِ للعُرْس، ويُشبِهُ (٤) أنْ يكونَ وصَل إليه من ذلك عِلمٌ وقد رُوِيَ عنه نحوُ هذا، وليس في ظاهرِ الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّها وليمةُ عُرس. وإجابةُ الدَّعوةِ عندي واجبةٌ إذا كان طعامُ الدَّاعي مُباحًا أكْلُه، ولم يكنْ هناك شيءٌ من المعاصي وجوبَ سُنّةٍ؛ لا ينبغي لأحدٍ تركُها في وليمةِ العُرسِ وغيرِها، وإتيانُ طعام وليمةِ العُرسِ عندي أوكَدُ؛ لقولِ أبي هريرة: ومَن لم يأتِ الدَّعوةَ

стр. 500

فقد عصَى اللَّهَ ورسولَه (١). على أنَّه يَحتملُ، واللَّهُ أعلم: مَن لم يرَ إتيانَ الدَّعوةِ فقد عصَى اللَّهَ ورسولَه. وهذا أحسنُ وجهٍ حُمِل عليه هذا الحديثُ إن شاء اللَّه. وقد اختَلَف العلماءُ فيما تجبُ الإجابةُ إليه من الدَّعوات؛ فذهَب مالكٌ والثَّوريُّ إلى أنَّ إجابةَ الوليمةِ واجبٌ دونَ غيرِها، وخالَفهم في ذلك غيرُهم، وسنذكُرُ اختلافَهم في ذلك في بابِ ابنِ شهاب (٢)، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عندَ قولِه: "شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمةِ؛ يُدعَى لها الأغنياءُ، ويُتركُ المساكينُ، ومن لم يأتِ الدَّعوةَ فقد عصَى اللَّهَ ورسولَه"، إن شاء اللَّه. والصَّحيحُ عندَنا ما ذكَرنا، أنَّ إجابةَ الدَّعوةِ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ مندوبٌ إليها؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لو أُهدِيَ إليَّ كُراعٌ لقَبِلتُ، ولو دُعِيتُ إلى ذراع لأجَبتُ"؛ رواه شُعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ (٣).

стр. 501

وقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أجِيبوا الدَّعوةَ إذا دُعِيتم"؛ رواه أيوبُ السَّختيانيُّ، وموسى بنُ عُقبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ ﷺ (١). وروَى عُبيدُ اللَّه بنُ عمر (٢)، ومالكُ بنُ أنس (٣)، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا دُعِيَ أحدُكم إلى وليمة فليأتِها". زادَ عُبيدُ اللَّه في حديثِه: "فإن كان مُفطِرًا فلْيَطعَمْ، وإن كان صائمًا فليَدْعُ". قال: وكان ابنُ عمرَ إذا دُعِيَ أجابَ؛ فإن كان صائمًا برَّك، وإن كان مُفطرًا أكَل. فإن قيل: ليس في حديثِ أيوبَ وموسى بنِ عُقبةَ حُجَّةٌ؛ لأنَّ لفظَ حديثِهما مُجمَل، وقد فُسِّر بحديثِ مالكٍ وعبيدِ اللَّه، فكأنَّه قال: أجِيبوا الدَّعوةَ إلى الوليمةِ إذا دُعيتُم. قيل له: قد رواه معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمر، فقال فيه: "عُرسًا كان أو غيرَه".

стр. 502

ذكَره عبدُ الرَّزّاق (١)، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا دعا أحدُكم أخاه فليُجِبْه، عُرسًا كان أو غيرَه". وذكَره أبو داود (٢)، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ بإسنادِه مثلَه، وقال: "عُرْسًا كان أو دعوةً". قال أبو داود (٣): وكذلك رواه الزُّبيديُّ (٤)، عن نافع، مثلَ حديثِ معمر، عن أيوبَ، ومعناه سواءً. وهذا قاطعٌ لموضع الخلاف. وروَى الأعمشُ، عن شَقيق، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعود، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أجيبوا الدَّاعي، ولا ترُدُّوا الهَديّةَ، ولا تَضْرِبوا (٥) المسلمين" (٦). وقد ذهَب أهلُ الظَّاهرِ إلى إيجابِ إتيانِ كلِّ دعوةٍ وُجوبَ فرضٍ بظاهرِ هذه الأحاديث (٧)، وحمَلها سائرُ أهلِ العلم على النَّدبِ للتّآلُفِ والتَّحابّ. وقد احتجَّ بعضُ مَن لا يرَى إتيانَ الدَّعوةِ إذا لم تكنْ عُرسًا، بقولِ عُثمانَ بنِ أبي العاص: ما كُنّا نُدْعَى إلى الختانِ ولا نأتِيه (٨). وهذا لا حُجَّةَ فيه.

стр. 503

وقال بعضُهم: إنّما يجبُ إتيانُ طعام القادم من سَفَر، وطعام الختان، وطعام الوليمة. والحجَّةُ قائمةٌ بما قدَّمنا من الآثارِ الصِّحاح التي نقَلها الأئمةُ مُتَّصلةً إلى النبيِّ ﷺ ، وهي على عُمومِها لا تَخُصُّ دعوةً من دعوة. أخبَرني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الفضلِ البغداديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي (٢) المثنَّى، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ عون، قال: حدَّثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ أبو إسحاق، عن أشعثَ بنِ أبي الشعثاء، عن معاويةَ بنِ سُويدِ بنِ مقرِّن، عن البراءِ بنِ عازب، قال: أمَرنا رسولُ اللَّه ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع، أمَرنا بعيادةِ المريض، واتِّباع الجنائز، وإفشاءِ السلام، وإجابةِ الدَّاعي، وتَشمِيتِ العاطِس، ونَصرِ المظلوم، وإبرارِ القَسَم، ونهانا عن الشُّرْب في الفضَّة؛ فإنّه مَن شرِب فيها في الدُّنيا لم يشرَبْ فيها في الآخرة، وعن التختُّم بالذَّهب، وعن رُكوبِ المياثر (٣)، وعن لِباسِ القَسِّيِّ (٤)، والحرير، والدِّيباج، والإستَبْرَق (٥).

стр. 504

قال البراءُ: أمَرنا رسولُ اللَّه ﷺ بسَبع. فذكَر منها إجابةَ الدَّاعي، وذكَر معها أشياءَ؛ منها ما هو فرضٌ على الكِفاية، ومنها ما هو واجبٌ وُجوبَ سُنّة، فكذلك إجابةُ الدَّعوة، واللَّهَ نسألُه العِصمة. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو معمر (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن ابنِ سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ (٢) قال: "إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعام فليُجِبْ؛ فإن كان مُفطِرًا فليأكُلْ، وإن كان صائمًا فليُصَلِّ". يقول: فلْيَدْعُ (٣). قال أبو عُمر: قد جاءَ في هذا الحديثِ مع صِحَّةِ إسنادِه: "إلى طعام". لم يَخُصَّ طعامًا من طعام. وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مسرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنُ نمير، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جريج، عن أبي الزُّبير، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ :

стр. 505

"إذا دُعِيَ أحدُكم فليُجِبْ؛ فإن شاء أكَل، وإن شاء ترَك" (١). وهذا أيضًا على عمومِه. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن أيوب، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أجِيبوا الدَّعوةَ إذا دُعِيتم" (٣). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق (٤)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمد، عن موسى بنِ عُقبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أجِيبوا الدَّعوةَ إذا دُعِيتم لها" (٥). وهذا أيضًا على عُمومِه سُنَّةٌ مسنونةٌ، وباللَّه التوفيق.

стр. 506

قال أبو عمر (١): زادَ القَعنبيُّ (٢) وابنُ بُكير (٣) في حديثِ مالكٍ هذا، عن إسحاق، عن أنس، ذِكرَ القَديد، فقالا: لطعام (٤) فيه دُبّاءٌ وقديدٌ. وتابَعهما على ذلك قومٌ؛ منهم أبو نُعيم، إلّا أنّه اختصَر ألفاظًا من هذا الحديث. أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٥): حدَّثنا أبو نعيم الفضلُ بنُ دكين، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ أُتِي بمَرَقٍ فيه دُبّاءٌ وقديدٌ، فرأيتُه يَتَّبَّعُ الدُّبّاءَ يأكُلُه. وفي هذا الحديث أيضًا إباحةُ إجَالةِ اليَدِ في الصَّحْفة، وهذا عندَ أهلِ العلم على وجهين: أحدُهما: أنَّ ذلك لا يحسُنُ ولا يجمُلُ إلّا بالرَّئيسِ ورَبِّ البيتِ. والآخر: أنَّ المَرَقَ والإدامَ وسائرَ الطَّعام إذا كان فيه نوعانِ أو أنواعٌ فلا بأسَ أن تَجُولَ اليدُ فيه؛ للتَّخيُّرِ مما وُضِع في المائدةِ والصَّحْفَةِ من صُنوفِ الطّعام، لأنّه لذلك قدِمَ، ليأكُلَ كلَّ ما أراد. وهذا كلُّه مأخوذٌ من هذا الحديث.

стр. 507

أَلَا ترَى أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ جالَت يدُه في الصَّحفَةِ يتَّبَّعُ الدُّبّاء؟ فكذلك الرُّؤساء، ولمّا كان في الصَّحفَةِ نوعان، وهما اللَّحمُ والدُّبّاء، حَسُن بالآكلِ أن تَجُولَ يدُه فيما اشتهَى من ذلك، بدليلِ هذا الحديث، ولا يجوزُ ذلك على غيرِ هذين الوجهين؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ لعمرَ بنِ أبي سلَمة: "سمِّ اللَّهَ، وكُلْ بيمينِكَ، وكُلْ مما يلِيكَ" (١). وإنّما أمَره أن يأكُلَ مما يليه؛ لأنَّ الطَّعامَ كان كلُّه نوعًا واحدًا، واللَّهُ أعلم. كذلك فسَّره أهلُ العلم. وفيه أيضًا ما كان القومُ عليه من شَظَفِ العيشِ في أكلِ الشَّعيرِ وما أشبَهَه، وما كانوا عليه من المُواساةِ وإطعام الطعام مع ما كانوا فيه من هذه الحال، وقد رُوِيَ أنَّهم كانوا يُكثِّرون طعامَهم بالدُّبّاء. ذكر الحميديُّ (٢)، عن سفيانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالد، عن حكيم بنِ جابرٍ الأحْمَسيِّ، عن أبيه، قال: دخَلتُ على النبيِّ ﷺ ، فرأيتُ عندَه الدُّبّاءَ فقلتُ: ما هذا؟ فقال: "نُكَثِّرُ به طعامَنا". ومن صريح الإيمانِ حُبُّ ما كان رسولُ اللَّه ﷺ يُحبُّه، واتِّباعُ ما كان رسولُ اللَّه ﷺ يَفعَلُه، ﷺ ؛ أَلَا ترَى إلى قولِ أنس: فلم أزَلْ أُحبُّ الدُّبّاءَ بعدَ ذلك اليوم.
следующие страницы →