← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4423–4462 · переход к 4428.

стр. 4423

وهذا الإسْنادُ عِندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ أصحُّ من الأوَّل، لأنَّهُ اختُلِفَ على محمدِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ في حديثِهِ، ولم يُختَلَف على عَمرِو بن يحيى بن عُمارةَ. والحديثُ (١) ليحيى بن عُمارةَ، والدِ عَمرِو بن يحيى، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ محفُوظٌ، ولم يروِ هذا الحديث عن النبي ﷺ (٢) أحَدٌ من الصَّحابةِ بإسْنادٍ صحيح، غيرُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ (٣). وحديثُهُ الصَّحيحُ عنهُ، ما رواهُ عَمرو بن (٤) يحيى بن عُمارةَ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ. وأمّا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعْصعةَ، وأبوهُ، وأخُوهُ عبدُ الرَّحمنِ، فليسُوا بالمشاهيرِ، ولم يُخرِّج أبو داود، ولا البُخاريُّ حديث مالكٍ، عن محمدِ بن عبد الله بن (٥) عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ هذا، في الزَّكاةِ، للاختِلافِ عليه فيه، وخرَّجا (٦) حديث عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْري، من رِوايةِ مالكٍ وغيرهِ. ومن اضْطِرابِ هذا الحديثِ (٧)، واختِلافِ إسْنادِه:

стр. 4424

ما أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا محمدُ بن منصورٍ الطُّوسيُّ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ، قال: حدَّثنا أبي، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بن يحيى بن حَبّان ومحمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، وكانا ثِقةً، عن يحيى بن عُمارةَ بن أبي حَسَنٍ وعبّادِ بن تميم، وكانا ثِقةً، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "ليسَ فيما دُونَ خمسِ أواقٍ من الوَرِقِ صدقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْس ذَوْد (٢) من الإبِلِ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْسةِ أوسُق (٣) صَدَقةٌ". وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبرنا هارُونُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا أبو أُسامَةَ، عن

стр. 4425

الوليدِ بن كثيرٍ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، عن يحيى بن عُمارةَ وعبّادِ بن تميم، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لا صَدَقةَ فيما دُونَ خَمْسةِ أوْساق (١) من التَّمرِ، ولا فيما دُونَ خَمْسِ أواقٍ من الوَرِقِ، ولا فيما دُونَ خَمْسٍ من الإبِل". قال أبو عُمر: اتَّفقَ ابنُ (٢) إسحاقَ والوليدُ بن كثيرٍ، على مُخالَفةِ مالكٍ في هذا الحديثِ، فجَعلاهُ: عن محمدٍ هذا، عن يحيى بن عُمارةَ وعبّادِ بن تميم، عن أبي سعيدٍ. وجعلهُ مالكٌ: عن محمدٍ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ. وهُو عِندَ أكثرِ أهل العِلم بالحديثِ وهمٌ من مالكٍ، واللّهُ أعلمُ (٣). وفي هذا الحديثِ مَعانٍ من الفِقهِ جليلةٌ اختلَفَ الفُقهاءُ فيها، وسنَذكُرُها على ما يجِبُ من ذِكْرِها إن شاءَ الله تعالى، في بابِ عَمرِو بن يحيى (٤)، من كِتابِنا هَذا، وباللّه توفيقُنا. ونذكُرُ هُناك أيضًا ما فيه من شرح غريبٍ، أو معنًى مُستغلقٍ، إن شاءَ الله. أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن (٥) أسَدٍ، قال: سَمِعتُ حَمْزةَ بن محمدٍ الحافِظ يقولُ: لا تَصِحُّ هذه السُّنَّةُ عن أحَدٍ من أصحابِ رسُولِ الله ﷺ ، إلّا عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ.

стр. 4426

قال: وقد رَوَى هذا الحديث: محمدُ بن مُسلم الطّائفيُّ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ . ورواهُ مَعْمرٌ، عن سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبي صالح (١)، عن أبي هُريرةَ. وليسا بصحيحينِ. قال أبو عُمر: أمّا حديثُ محمدِ بن مُسلم، فحدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرتيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ موسى بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُسلم الطّائفيُّ، عن عَمرِو بن دينارٍ قال: كان جابرُ بن عبدِ الله يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا صَدَقةَ في شيءٍ من الزَّرع، أوِ النَّخل، أوِ الكرم، حتَّى يكونَ خَمْسةَ أوسُقٍ، ولا (٢) في الرِّقَّةِ، حتَّى تبلُغ مِئَتي دِرْهَم" (٣). انفردَ به محمدُ بن مُسلم من بينِ أصحابِ عَمرِو بن دينارٍ، وما انفردَ به، فليسَ بالقويِّ. وأمّا حديثُ مَعْمرٍ، فذكرَهُ عبدُ الرَّزّاق (٤)، عن مَعْمرٍ.

стр. 4427

حديثٌ ثانٍ لمحمدِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمن بن أبي صعصعةَ مالكٌ (١)، عن محمدِ بن عبدِ الله بن عبد الرحمن (٢) بن أبي صَعْصعةَ، قال: سَمِعتُ أبا الحُبابِ سَعيد بن يَسارٍ، يقولُ: سَمِعتُ أبا هُريرةَ، يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "من يُرِدِ الله به خيرًا، يُصِبْ منهُ". قال أبو عُمر: هذا حديثٌ صحيحٌ، ومعناهُ، والحمدُ للّه واضِحٌ، وذلك أنَّ مَن أرادَ الله به خيرًا، وخيرُ الله في هذا المَوْضِع رحمتُهُ، ابْتَلاهُ بمَرَضٍ في جِسْمِهِ، أو بموتِ (٣) وَلَدٍ يحزَنُ لهُ (٤)، أو بذَهابِ مالٍ يشُقُّ عليه، فيأجُرهُ على ذلكَ كلِّهِ، ويكتُبُ لهُ إذا صبَرَ واحْتَسبَ، بكلِّ شَيءٍ منهُ، حَسَناتٍ يجِدُها في ميزانِهِ لم يَعْمَلها، أو يجِدُها كفّارةً لذُنُوبٍ قد عَمِلها، فذلكَ الخيرُ المُرادُ به في هذا الحديثِ، واللّهُ أعلمُ. رَوَينا عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ من وُجُوهٍ شتَّى: أنَّهُ لمّا نزلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بَكَى وحَزِنَ لذلكَ، وقال: يا رسُولَ الله، أنُجازى بكلِّ ما نَعْملُ؟ فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "يا أبا بكرٍ، ألَسْتَ تَمْرضُ؟ ألَسْتَ تَنْصَبُ؟ ألَسْتَ تُصيبُكَ اللَّأواءُ؟ " قال: بَلَى، قال: "فذلكَ ما تُجزونَ به في الدُّنيا" (٥).

стр. 4428

وروينا من حديثِ مُعاويةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إذا أرادَ الله بعَبْدٍ خيرًا، صرَفَ المُصيبةَ عن نفسِهِ إلى مالهِ ليَأجُرهُ". فسُبحانَ المُتفضِّل المُنعِم، لا شريكَ لهُ. والآثارُ في هذا المعنى كَثِيرةٌ جِدًّا، لا وجهَ لاجْتِلابِها، ومن طلَبَ العِلمَ للّه، فالقليلُ يَكْفيه، ومن طَلبهُ (١) للنّاسِ، فحوائجُ النّاسِ كثيرةٌ.

стр. 4429

محمدُ (١) بن عبدِ الرَّحمن، أبو الرِّجال، يُكْنَى أبا عبدِ الرَّحمن وإنَّما قيلَ لهُ أبو الرِّجال، وغلبَ ذلك عليه، لولَدِهِ، كانوا عَشْرةً، رِجالًا، ذُكُورًا، فكُنِيَ أبا الرِّجال. وهُو محمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن حارِثةَ بن النُّعمانِ الأنصاريُّ، من بني مالكِ بن النَّجّارِ، وقد ذكَرْنا حارِثةَ بن النُّعمانِ في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٢) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهُنا. وأُمُّ محمدٍ هذا، عَمْرةُ بنتُ عبدِ الرَّحمنِ بن سَعْدِ بن زُرارةَ بن عُدُسِ بن عُبيدِ بن ثَعْلبةَ بن غَنْم بن مالكِ بن النَّجّارِ، أنصاريَّةٌ أيضًا، تابِعيَّةٌ ثِقةٌ، وابنُها أبو الرِّجال هذا مدَّنيٌّ ثِقةٌ، روى عنهُ: مالكٌ، وابنُ عُيينةَ، ومحمدُ بن إسحاق، وغيرُهُم. ورَوَى عنه يحيى بن سَعيدٍ الأنصاريُّ. ولأبي الرِّجال ابنٌ مُحدِّثٌ أيضًا، يُسمَّى حارِثةَ بن أبي الرِّجال. وهُو ضَعِيفٌ فيما نقَلَ عن أبيهِ، وعن غَيرهِ (٣)، وأمّا أبو الرِّجال فثِقةٌ. لمالكٍ عنهُ في المُوطَّأ أربعةُ أحاديث مراسِل، كلُّها تتَّصِلُ من وُجُوهٍ.

стр. 4430

حديثٌ أوَّلُ عن أبي الرِّجالِ مالكٌ (١)، عن أبي الرِّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمن: أنَّها أخْبَرتهُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يُمنَعُ نَقْعُ بئرٍ". قال أبو عُمر: زاد بعضُهُم عن مالكٍ في هذا الحديثِ، بهذا الإسناد: يَعْني فَضْلَ مائها. وهُو تفسير لم يُختلَفُ في جُملتِهِ، واختُلِفَ في تفسيرِهِ. ولا أعلمُ أحدًا من رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، أسند عنهُ هذا الحديث، وهُو مُرسلٌ عِندَ جميعِهِم فيما عَلِمتُ هكذا (٢). وذكَرهُ الدّارقُطنيُّ (٣) عن ابن (٤) صاعِدٍ، عن أبي عليٍّ الجَرْميِّ، عن أبي صالح كاتِبِ اللَّيثِ، عن اللَّيثِ بن سَعْدٍ، عن سَعيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ الجُمَحيِّ، عن مالكِ بن أنَسٍ، عن أبي الرِّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن حارِثةَ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى أن يُمنَعَ نَقْعُ بئرٍ. وهذا الإسنادُ، وإن كان غريبًا عن مالكٍ، فقد رواهُ أبو قُرَّةَ موسى بن طارِقٍ، عن مالك (٥). أيضًا كذلكَ، إلّا أنَّهُ في "المُوطَّأ" مُرسلٌ عِندَ جميع رُواتِهِ، واللّه أعلمُ.

стр. 4431

وقد أسْنَدهُ عن أبي الرِّجال: محمدُ بن إسحاقَ، وغيرُهُ (١). أخبرنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرو (٢). وحدَّثنا عُبيدُ بن محمد (٣)، ومحمدُ بن عبدِ الملكِ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ، قالا جميعًا (٤): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن سَنْجرٍ الجُرجانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يُمنَعَ نَقْعُ بئرٍ. يعني فضلَ مائها. هكذا جاءَ هذا التَّفسيرُ في نَسقِ الحديثِ مُسندًا، وهُو كما جاءَ فيه، لا خِلافَ في ذلكَ بين العُلماءِ فيما عَلِمتُ، على ما قال ابنُ وَهْبٍ وغيرُهُ. وفيما أذِنَ لنا أبو الحسنِ محمدُ بن أحمد بن العبّاسِ الإخْمِيميُّ أن نَرْويهُ عنهُ، وأجازَ لنا ذلك، وأخبرنا به بعضُ أصحابِنا عنهُ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ محمدُ بن موسى بن أبي مالكٍ المعافِريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي داود البُرُلُّسيُّ (٥)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن

стр. 4432

عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يُمنَعَ نَقْعُ الماءِ يعني فَضْلَ الماء (١). أخبرنا عبدُ العزيزِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ. وحدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عُثمانَ. قالا: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يَنْهَى أن يُمنَعَ نَقْعُ بئرٍ. يعني فضلَ الماء (٢). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا خارِجةُ بن عَبدِ الله بن سُليمانَ، عن أبي الرِّجال، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ زَوْج النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ نَهَى أن يُمنَعَ نَقْعُ ماءِ بئر (٣). قال أبو عُمر: كان ابنُ عُيينةَ يقولُ، في قولِ رسُول الله ﷺ : "لا يُمنَعُ نقعُ بئرٍ": هُو أن لا يُمنَعَ الماءُ قبلَ أن يُسْتَقَى (٤).

стр. 4433

وقال ابن وَهْب: تَفْسيرُ قوله: "لا يُمنَعُ نَقْعُ بئرٍ": هُو ما يَبْقَي (١) فيها من الماءِ، بعدَ مَنْفعةِ صاحِبِها. قال أبو عُمر: وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن بيع فَضْلِ الماءِ من (٢) وُجُوهٍ أيضًا صِحاح. والمعنى فيها كلِّها مُتقارِبٌ. فمِن ذلكَ، حديثُ أبي الزِّنادِ، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بَيع فَضلِ الماءِ، يُمنعُ به الكَلأُ (٣). ومنها حديثُ جابر: حدثنا سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا وكيعٌ، عن ابن (٥) جُريج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ قال: نهى رسُولُ الله ﷺ عن بيع فضل الماءِ. ومنها حديثُ داودَ العَطّارِ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن أبي المِنْهال، عن إياسِ بن عَبد، أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بيع فَضل الماءِ. هكذا قال داودُ العطّارُ. وخالَفهُ سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمرٍو بإسنادِهِ، فقال: "عن بَيْع الماءِ". حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٦): حدَّثنا يحيى بن عبدِ الحَميدِ، قال: حدَّثنا داودُ العَطّارُ،

стр. 4434

قال: حدَّثنا عَمرٌو، عن أبي المِنْهال (١)، عن إياسِ بن عَبد (٢)، أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بَيْع فَضْلِ الماء (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٤): حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمرٍو، أخبرهُ أبو المِنْهال، أنَّ إياسَ بن عَبْدٍ قال لرجُل: لا تَبِع الماءَ، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بَيْع الماء. وأخبرنا خلَفُ (٥) بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ (٦) العسكريُّ، قال: أخبرنا الرَّبيعُ بن سُليمانَ، قال: أخبرنا الشّافِعيُّ، قال: أخبرنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن أبي المِنْهال، عن إياسِ بن عَبْدٍ، أنَّهُ

стр. 4435

قال: لا تَبِيعُوا الماءَ، فإنِّي سَمِعتُ (١) رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بَيعْ الماءِ. قال سفيانُ: لا يَدْرِي عَمرٌو أيَّ ماءٍ هُو (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (٣): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زيادٍ، عن الأعْمَش: سمِعتُ أبا صالح، يقولُ: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "ثلاثةٌ لا يَنْظُرُ الله إليهم يومَ القيامةِ، ولا يُزكِّيهِم، ولهم عَذاب أليمٌ: رَجُلٌ كان لهُ فضلُ ماءٍ، فمَنَعهُ من (٤) ابن السَّبيلَ ... " وذكَرَ الحديثَ. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مَسْعُودٍ الزَّنْبريُّ (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزنيُّ. قالا جميعًا: أخبرنا الشّافِعيُّ، بمعنًى واحِدٍ، قال: مَعْنَى حديثِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن بيع الماءِ، وعن بيع فَضل الماءِ، وأنَّهُ نَهَى عن منع فضلِ الماءِ، هُو واللّهُ أعلمُ، أن يُباع الماءُ في المَواضِع التي جَعَلهُ الله فيها، وذلكَ أن يأتيَ

стр. 4436

الرَّجُلُ الرَّجُلَ لهُ البِئرُ، أوِ العينُ، أوِ النَّهرُ ليَشْربَ من مائهِ ذلكَ، وليَسْقي دابَّتهُ، وما أشْبَه هذا، فيمنعُهُ ذلكَ، فهذا هُو المنهيُّ عنهُ، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ". وأمّا قولُ رسُولُ الله ﷺ : "لا يُمنَعُ فَضْلُ الماءِ (١)، ليُمنَعَ به الكَلأُ". فمعنى ذلكَ، أن يأتي الرَّجُلُ بدابَّتِهِ، وماشيتِهِ إلى الرَّجُل لهُ البِئرُ، وفيها فَضْلٌ عن سَقْيِ ماشيتِهِ، فيَمْنعُهُ صاحِبُ البِئرِ السَّقيَ، يُريدُ بيعَ فَضْل مائهِ منهُ، فذلكَ الذي نُهيَ عنهُ من بَيْع فضل الماءِ، وعليه أن يمنَحَ غيرَهُ فَضْلَ مائهِ ليَسْقي ماشيتهُ، لأنَّ صاحِبَ الماشيةِ إذا مُنِعَ أن يَسْقي ماشيتهُ، لم يَقْدِر على المُقام ببلدٍ لا يَسْقي فيه ماشِيَتهُ، فيكونُ بَيْعه الماءَ الذي يملِكُ، منعًا للكلأ الذي لا يَمْلِكُ. ودلَّتِ السُّنَّةُ، على أنَّ مالكَ الماءِ، أحقُّ بالتَّقدُّم في السَّقيِ من غيرِهِ، لأنَّهُ إنَّما (٢) أُمِرَ بأن لا يَمنَعَ الفَضْلَ، والفضلُ، هُو الفضلُ عن الكَفافِ والكِفايةِ. ودلَّتِ السُّنَّةُ، على أنَّ المنعَ الذي ورَدَ في فَضْلِ الماءِ، هُو مَنع شِفاهِ النّاسِ، والمَواشيَ، أن يشربُوا فَضْلًا عن حاجةِ صاحِبِ المِلكِ من الماءِ، وأن ليسَ لصاحِبِ الماءِ مَنْعُهُم. وأحاديثُ رسُول الله ﷺ في ذلكَ مُتَّفِقةٌ تُفسِّرُها السُّنَّةُ المُجتَمعُ عليها، وإن كانتِ الأحاديثُ بألفاظٍ شَتَّى. قال: وإذا كان هذا في ماءِ البِئرِ، كان فيما هُو أكَثرُ من ماءِ البِئرِ أوْلَى أن لا يُمنَعَ من الشَّفَةِ.

стр. 4437

قال: ولو أنَّ رَجُلًا أرادَ من رجُلٍ لهُ بئرٌ، فضلَ مائهِ في تلك البِئرِ، ليَسْقِي بذلكَ زَرْعهُ، لم يكُن ذلك له، وكان لمالكِ البِئرِ مَنْعُهُ من ذلكَ، لأنَّ رسولَ الله ﷺ إنَّما أباحَهُ في الشِّفاهِ، التي يُخافُ في منع الماءِ منها التَّلفُ عَليها، ولا تلَفَ على الأرضِ، لأنَّها ليست برُوح، فليسَ لصاحِبِها أن يَسْقي، إلّا بإذنِ ربِّ الماءِ. قال: وإذا حمَلَ الرَّجُلُ الماءَ على ظَهْرِهِ، فلا بأسَ أن يَبْيعهُ من غيِر، لأنَّهُ مالكٌ لما حملَ منهُ، وإنَّما يبيعُ تَصرُّفهُ بحَمْلهِ. قال: وكذلكَ لو جاءَ رجُلٌ على شَفيرِ بئرٍ، فلم يستطِع أن ينزعَ بنَفْسِهِ، لم يكُن بأسٌ أن يُعطِي رجُلًا أجرًا، وينزعَ لهُ، لأنَّ نَزْعهُ الماءَ (١) إنَّما هُو إجارةٌ ليست عليه. هذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ. وأمّا جُملةُ قولُ مالكٍ وأصحابِهِ في هذا البابِ فذلكَ: أنَّ كلَّ من حفَرَ في أرضِهِ، أو دارِهِ بئرًا، فلهُ بيعُها، وبيعُ مائها كلِّهِ، ويبيعُ فضلِ مائها (٢) ولهُ مَنعُ المارَّةِ من مائها، إلّا بثمنٍ. إلّا قومًا لا ثمَنَ معهُم، وإن تُرِكُوا إلى أن يرِدُوا ماءً غيرَهُ هَلَكُوا، فإنَّهُم لا يُمنَعُونَ، ولهم جِهادُهُ إن مَنَعهُم ذلك (٣). وأمّا ما حُفِرَ (٤) من الآبارِ في غيرِ مِلكٍ مُتَعَيَّن (٥) لماشيةٍ أو شَفَةٍ، وما حُفِرَ في الصَّحاري، كمَواجِل (٦) المغرِبِ، وأنطابُلُس (٧)، وأشباهِ ذلكَ، فلا يُمنَعُ أحدٌ

стр. 4438

فضلَها، وإن مَنعُوهُ حلَّ لهم قِتالهم، فإن لم يَقْدِرِ المُسافِرُونَ على دَفْعِهِم، حتَّى ماتُوا عَطَشًا فموتاهُم (١) على عَواقِل المانِعينَ، والكفّارةُ عن كلِّ نَفْسٍ على كلِّ حالٍّ (٢) من أهلِ الماءِ (٣) المانِعينَ، مع وجيع الأدَبِ. وكرِهَ مالكٌ بيعَ فَضْل ماءِ مِثل هذه الآبارِ، من غيرِ تحريم. قال: ولا بأسَ ببيع فضلِ ماءِ الزَّرع، من بِئرٍ، أو عينٍ، وبيع رِقابِهِما. قال: ولا يُباعُ أصلُ بئرِ الماشيةِ، ولا ماؤُها، ولا فَضْلُهُ. يعني الآبار التي تُحفرُ في الفَلاةِ للماشيةِ والشِّفاهِ، قال: وأهلُها أحقُّ بريِّهِم، ثُمَّ النّاسُ سَواءٌ في فَضْلها، إلّا المارَّةَ والشَّفةَ، أوِ الدَّوابَّ، فإنَّهُم لا يُمنَعُونَ. قال أبو عُمر: أمّا البِئرُ تنهارُ للرَّجُل، ولهُ عليها زرعٌ، أو نحوُهُ من النَّباتِ الذي يَهْلكُ بعدَم الماءِ الذي اعْتادهُ، ولا بُدَّ لهُ منهُ، وإلى جَنْبِهِ بئرٌ لجارهِ يُمكِنُهُ أن يَسْقي منها زَرْعهُ، فقد قال مالكٌ وأصحابُهُ: إنَّ صاحِبَ تلك البِئرِ يُجبَرُ على أن يَسْقي جارُهُ بفَضْلِ مائهِ زَرْعهُ الذي يخافُ هَلاكهُ، إذا لم يَكُن على صاحِبِ الماءِ فيه ضَررٌ بيِّنٌ. وعلى هذا المعنى، تأوَّلَ مالكٌ قولهُ ﷺ : "لا يُمنَعُ نَقْعُ بئرٍ". يعني: بئرَ الزَّرع. واختلَفَ أصحابُهُ، هل يكونُ ذلكَ بثمَنٍ، أو بغيرِ ثمنٍ؟ فقال بعضُهُم: يُجبَرُ ويُعطَى الثَّمن. وقال بعضُهُم: يُجبَرُ ولا ثمَنَ لَهُ. وجَعلُوهُ كالشِّفاهِ من الآدَميِّينَ والمَواشِي. فتدَبَّرَ ما أوردتُهُ عن الشّافِعيِّ، ومالكٍ، تقِفْ على المعنى الذي اخْتَلفا فيه من ذلكَ.

стр. 4439

وقول أبي (١) حَنِيفةَ وأصحابُهُ في هذا البابِ، كقَولِ الشّافِعيِّ سَواءً، وقالوا: لكلِّ من لهُ بئرٌ في أرْضِهِ المنعُ من الدُّخُولِ إليها، إلّا أن يكونَ للشِّفاهِ والحَيَوانِ، إذا لم يَكُن لهم ماءٌ يَسْقيهِم. قالوا: وليس عليه سَقْيُ زَرْع جارِهِ. وقال (٢) سُفيانُ الثَّوريُّ: إنَّما جاءَ الحديثُ في مَنعْ الماءِ لشِفاهِ الحَيَوانِ، وأمّا الأرضُونَ، فليسَ يجِبُ ذلك على الجارِ في فضلِ مائهِ. وذكَرَ ابنُ حَبِيب (٣)، قال: ومِمّا يدخُلُ أيضًا في معنى "لا يُمنَعُ نقعُ بئرٍ". و"لا يُمنَعُ رهو (٤) بئرٍ". البِئرُ تكونُ بين الشَّرِيكينِ يَسْقي منها هذا يومًا، وهذا يومًا وأقلَّ، وأكثَرَ، فيَسْقي أحدُهُما يومهُ، فيروي نَخْلهُ، أو زَرْعهُ في بعضِ يومِهِ، ويستغني عن السَّقيِ في بَقيَّةِ اليوم، أو يَسْتغني في يومِهِ كلِّهِ عن السَّقي، فيُريدُ صاحِبُهُ أن يَسْقي في يَومِهِ ذلك، فإنَّ ذلك لهُ، وليسَ لصاحِبِ اليوم أَن يَمْنعهُ من ذلكَ، لأنَّهُ ليسَ لهُ منعُهُ مِمّا لا يَنْفعُهُ حبسُهُ، ولا يضُرُّهُ تركُهُ. قال أبو عُمر: قولُ ابنُ حبيبٍ هذا حَسن، ولكنَّهُ ليسَ على أصلِ مالكٍ، وقد قال ﷺ : "لا يحِلُّ مالُ امرِئٍ مُسلم، إلّا عن طِيبِ نَفْسٍ منهُ" (٥). وقد مَضَى القولُ في هذا المعنى، وما للعُلماءِ فيه من التَّنازُع، في بابِ ابن شِهاب، عن الأعْرَج، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للّه.

стр. 4440

قال ابنُ حبيب: ومن ذلكَ أيضًا: أن تكونَ البِئرُ لأحَدِ الرَّجُلينِ في حائطِهِ، فيحتاجُ جارُهُ، وهُو لا شرِكةَ لهُ في البِئرِ، إلى أن يَسْقي حائطهُ بفَضْلِ مائها، فذلكَ ليسَ لهُ، إلّا أن تكونَ بئرُهُ تَهوَّرت، فيكونَ لهُ أن يَسْقي بفضلِ ماءِ جارِهِ، إلى أن يُصلِحَ بئرهُ، ويُقضَى لهُ بذلك، ويدخُلُ حينَئذٍ في تأويلِ الحديث: لا يُمنَعُ نقعُ بِئْرٍ. قال: وليسَ للَّذي تَهوَّرتْ بئرُهُ أن يُؤَخِّر إصلاحَ بئرِهِ، ولا يُتركُ والتَّأخير، وذلكَ في الزَّرع الذي يخافُ عليه الهلاك إن مُنِعَ السَّقيُ، إلى أن يُصلِحَ البِئرَ. قال: فأمّا أن يُحدِثَ على البِئرِ عَملًا، من غَرْسٍ أو زَرْع ليَسْقيهُ بفَضْلِ ماءِ جارِهِ، إلى أن يُصلِحَ بئرَهُ، فليسَ ذلك لهُ. قال: وهكذا فسَّرهُ لي مُطرِّفٌ وابنُ الماجِشُونِ عن مالكٍ، وفسَّرهُ لي أيضًا ابنُ عبدِ الحَكَم وأصْبَغُ بن الفَرج، وأخبرني أنَّ ذلكَ قولُ ابن وَهْب، وابنِ القاسم، وأشْهَب، ورِوايتُهُم عن مالكٍ. واختلفُوا أيضًا في التَّفاضُلِ في الماءِ، فقال مالكٌ: لا بأسَ ببَيعْ الماءِ بالماءِ مُتفاضِلًا، وإلى أجَل. وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ، وأبي يُوسُفَ (١). وقال محمدُ بن الحسن: هُو مِمّا يُكالُ، ويوزَنُ، فعَلَى هذا القول، لا يجُوزُ عِندَهُ فيه التَّفاضُلُ، ولا النَّساء، وذلكَ عِندَهُ فيه رِبًا، لأنَّ عِلَّتهُ في الرِّبا: الكَيْلُ والوَزْنُ. وقال الشّافِعيُّ: لا يجُوزُ بيعُ الماءِ مُتفاضِلًا، ولا يجُوزُ فيه الأجَلُ. وعِلَّتُهُ في الرِّبا أن يكونَ مأكُولًا جِنسًا. وقد مَضى القولُ في أُصُولهِم، في عِللِ (٢) الرِّبا، في غيرِ موضِع من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا.

стр. 4441

حديثٌ ثانٍ لأبي الرِّجال مالكٌ (١)، عن أبي الرِّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن حارِثةَ بن النُّعمانِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمن: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بيع الثِّمارِ حتَّى تَنْجُو من العاهَةِ. قال أبو عُمر: لا خِلافَ عن مالكٍ فيما عَلِمتُ في إرسالِ هذا الحديثِ (٢). وقد رُوي مُسندًا من هذا الوَجْهِ وغَيرِهِ. حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا خارِجةُ بن عبدِ الله بن سُليمانَ بن زيدِ بن ثابتٍ، عن أبي الرِّجال، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بَيْع الثَّمَرِ حتَّى يَنْجُو من العاهَة (٣). حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْل، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن مُنيرٍ، قال: حدَّثنا هشام بنُ يونُس، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن عُثمانَ بن عبدِ الله بن سُراقةَ، عن عبدِ الله بن

стр. 4442

عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بيع الثِّمارِ حتَّى تَنْجُو من العاهَةِ. قال ابنُ سُراقةَ: فسألتُ عبد الله بن عُمرَ: متَّى ذلك؟ قال: طُلُوع الثُّريّا (١). وقد رَوَى أبو سعيدٍ الخُدريُّ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَ هذا اللَّفظ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بيع الثِّمارِ حتَّى تَذْهبَ عاهَتُها. من حديثِ ابن أبي ليلَى، عن عَطيَّةَ، عن أبي سَعيد (٢). ورُوي عن النَّبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ كثيرِةٍ، كلُّها صِحاحٌ ثابتةٌ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بيع الثِّمارِ حتَّى يبدُو صلاحُها؛ حتَّى تُزْهِي، وحتّى تَحْمرَّ، وحتّى تُطْعِمَ (٣)، وحتّى تخرُج من العاهَةِ. ألفاظٌ كلُّها محفُوظةٌ، ومعناها واحِدٌ (٤). والمعنَى فيها أن تَنْجُو من العاهَةِ، وهي الجائحةُ في الأغْلَبِ، لأنَّ (٥) الثِّمارَ إذا بَدا صلاحُها نَجَتْ من العاهَةِ جُملةً واحِدةً، ولكنَّها إذا بَدا طيبُها، كان أقرَبَ إلى سَلامتِها، وقلَّما يكونُ سُقُوطُ ما يَسْقُطُ منها إلّا قبلَ ذلك. ثُمَّ ما اعْتَراها من جائحَةٍ من السَّماءِ أو غيرِها، فقد مَضى القولُ في ذلك كلِّهِ، واختِلافُ العُلَماءِ فيه، في بابِ حُميدٍ الطَّويل، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادَتهِ هاهُنا.

стр. 4443

وقد رَوَى وُهَيبُ (١) بن خالدٍ، عن عِسْلِ بن سُفيانَ، عن عَطاءٍ، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ ﷺ : "إذا طَلَعتِ الثُّريّا صَباحًا، رُفِعتِ العاهَةُ عن أهلِ البَلدِ". وقد ذكَرْنا هذا الخَبَر، ومَضَى القولُ فيه، في بابِ حُمَيدٍ الطَّويل، والحمدُ للّه. وطُلُوعُ الثُّريّا صباحًا، لاثْنَتي عَشْرةَ ليلةً تمضي من شَهْرِ أيّار، وهُو شهرُ مايُه. وفي هذا الحديثِ، مع قولهِ ﷺ في حديثِ حُميدٍ، عن أنَس: "أرأيتَ إن منَعَ الله الثَّمرةَ، فبِمَ يأخُذُ أحدُكُم مالَ أخيهِ؟ " (٢). دليلٌ واضِح على جَوازِ بيع الثِّمارِ كلِّها، قبل بُدُوِّ صَلاحِها على القَطْع في وَقْتها (٣)، لأنَّها إذا قُطِعت في الوَقْتِ، أُمِنت فيها العاهَةُ، ولم يَمْنع الله المُشتري شيئًا أرادَهُ. ومن هذا: جَوازُ بيع القَصِيل (٤) وشِبْهِهِ على القَطْع، وهذا أمر لم يُختَلَف فيه. قال مالكٌ: لا يجُوزُ بيعُ الثِّمارِ قبل بُدُوِّ صَلاحِها، إلّا على القَطْع (٥). وكذلكَ القَصِيلُ. وهُو قولُ ابن أبي ليلَى، والثَّوريِّ، والأوْزاعيِّ، واللَّيثِ، والشّافِعيِّ (٦). قال مالكٌ والشّافِعيُّ: فإذا اشْتَرَى الثَّمرةَ بعد بُدُوِّ صَلاحِها، فسَواءٌ شَرَطَ (٧) تَبْقيتها، أو لم يَشْترِط، البَيْعُ صحيحٌ.

стр. 4444

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: يجُوزُ بيعُ الثِّمارِ قبل بُدُوِّ صلاحِها، وبغير بُدُوِّ الصَّلاح (١)، إذا لم يَشْترِطِ التَّبقيةَ، ولا القطعَ (٢)، ولكن باعَها وسكتَ، فإنِ اشْتَرطَ تَبْقيتها، بطَلَ (٣) العَقْدُ، سَواءٌ باعَها قبل بُدُوِّ الصَّلاح، أو بعدهُ. وقال محمدُ بن الحَسَن: إذا تَناهى عِظَمُهُ، بشَرْط (٤) تَرْكه، جازَ اسْتِحسانًا. قال أبو عُمر: جعلَ أبو حنيفةَ قَولهُ ﷺ : "حتَّى تَنْجُو من العاهَةِ". ردًّا لقَوله: "حتَّى يبدُو صَلاحُها". فقال ما ذكَرْنا، واحتجَّ أيضًا بالنَّهيِ عن بَيعْ الغَررِ، وجعَلَ مالكٌ وجُمهُورُ الفُقهاءِ ذلكَ كلَّهُ معنًى واحِدًا، وحَملُوهُ على الأغْلَبِ في أنَّها تَسْلمُ حِينَئذٍ في الأغْلَبِ (٥)، واللّه أعلمُ. والحُجَّةُ لمالكٍ والشّافِعيِّ، ومن قال بقولِهما، عُمُومُ قول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٦)﴾ [البقرة: ٢٧٥] مع قولِ رسُولِ الله ﷺ : "حتَّى يَبْدُو صلاحُها". و"حتَّى" غايةٌ، ويَقْتضي هذا القولُ أَنَّه (٧) إذا بَدا صلاحُها، جازَ بيعُها جَوازًا مُطلقًا، سواءٌ شرطَ التَّبقيةَ، أو لم يشترِط، واللّه أعلمُ. وقد سُئلَ عُثمانُ البتِّيُّ عن بيع الثَّمَرِ قبل أن يُزْهِي، فقال: لولا ما قالَ النّاسُ فيه، ما رأيتُ به بأسًا.

стр. 4445

حديثٌ ثالثٌ لأبي الرِّجالِ مالكٌ (١)، عن أبي الرِّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّهُ سَمِعها تقولُ: لعَنَ رسُول الله ﷺ المُخْتِفي، والمُختفيةَ. يعني: نَبّاشي (٢) القُبُورِ. قال أبو عُمر: هذا التَّفسيرُ في هذا الحديثِ، هُو من قولِ مالكٍ، ولا أعلمُ أحدًا خالَفهُ في ذلكَ، وأصلُ الكَلِمةِ الظُّهُورُ والكَشْفُ، لأنَّ النَّبّاش يَكْشِفُ الميِّتَ عن ثيابِهِ، ويُظهِر، ويَقْلَعُها عنهُ، ومن هذا قولُ الله في السّاعة: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]، على قِراءةِ من قَرَأ بفَتح الهمزةِ. قال أبو عُبَيدةَ (٣): يُقالُ: خَفَيتُ خُبْزَتي: إذا (٤) أخرجتُها من النّار، وأنشدَ لامرِئ القَيْسِ بن عابِسٍ الكِنْديّ (٥): فإن تَكْتُمُوا الدّاءَ لا نَخْفِهِ ... وإن تَبْعثُوا الحربَ لا نقعُدِ قال: وقال امرُؤ القيسِ بن حُجْر (٦): خَفاهُنَّ من أنْفاقِهِنَّ كأنَّما ... خَفاهُنَّ ودْقٌ من عَشِيٍّ مُجلَّبِ وقال الأصمَعيُّ: مُجلَّبٌ بالجيم، يعني صوتَ الرَّعد.

стр. 4446

قال أبو عُبيدةَ: والغالبُ على هذا النَّحوِ، أن يكونَ: خَفَيتُ، بغيرِ ألفٍ، وقد يكونُ أيضًا بالألفِ، بمعنًى واحِدٍ أخفِيها (١): أُظهرها، ويكونُ من الأضْدادِ، ويُقالُ: خَفَيتُ الشَّيءَ، أظهرتُهُ، وأخْفَيتُهُ سَتَرتُهُ. ومِمَّن قَرَأ: "أخْفِيها" بفتح الهمزة: سعيدُ بن جُبَيرٍ، لم يُختلف عنهُ، ومُجاهِدٌ على اختِلافٍ عنهُ (٢). وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مُسندًا من حديثِ مالكٍ، وغيرِهِ، رواهُ عن مالك: يحيى الوُحاظيُّ، وغيرُ. حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا الميمُونُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي داود البُرُلُّسيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن صالح الوُحاظيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الرِّجال، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ قالت: لعَنَ رسُولُ الله ﷺ المُخْتَفي والمُخْتَفيةَ (٣). رِوايةُ الوُحاظيِّ مَشْهُور عنهُ في توصيلِ هذا الحديثِ، وكذلك رواهُ عبدُ الله بن عبدِ الوهّابِ، عن مالكٍ. حدَّثناهُ خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا هشامُ بن إسحاق، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ القلانِسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ الوهّابِ، قال: سمِعتُ مالك بن أنسٍ، قيلَ لهُ: حدَّثكَ أبو الرِّجالِ

стр. 4447

محمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لعَنَ المُخْتَفِي والمُخْتَفيةَ. قال أبو عُمر: لا أعلمُ اختِلافًا بينَ أهل العِلم: أنَّ المقصُودَ باللَّعنِ في هذا الحديثِ، هُو النَّبّاشُ الذي يحفُرُ على الميِّتِ فينبِشُهُ، ويُخرِجُهُ، ويُجرِّدُهُ من ثيابِهِ ويأخُذُها، وأمّا من فعلَ ذلك بوَليِّهِ من الموتَى لعُذرٍ ما، ووَجْهٍ غيرُ الوَجْهِ الذي ذكَرْنا، فلا بأسَ بذلك. وقد أخرجَ جابرُ بن عبدِ الله أباهُ من قَبرهِ الذي دُفِنَ فيه، ودَفَنهُ في غيرِ ذلكَ المَوضِع، وفعلَ ذلك مُعاويةُ بشُهداءِ أُحُدٍ، حين أرادَ أن يُجري العَيْن، وذلكَ بمَحْضرٍ جَماعة (١) من الصَّحابةِ، ولم يَبْلُغني أنَّ أحدًا أنكَرهُ يومئذٍ. واختلَفَ الفُقهاءُ في النَّبّاش (٢): هل عليه القَطْعُ إذا بلَغَ ما نَزَعهُ (٣) من الميِّتِ من الثِّيابِ، ما يَجِبُ (٤) فيه القَطْعُ أم لا؟ فقال الكُوفيُّونَ: لا قطعَ عليه، لأنَّ القبرَ ليسَ بحِرزٍ، ولأنَّ الميِّتَ لا يملكُ (٥). وقال مالكٌ: عليه القطعُ، لأنَّ القبرَ كالبيت (٦). وحدَّثني عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ بُندار، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: سَمِعتُ مالكًا يقولُ: القَبْرُ حِرزُ للميِّتِ، كما أنَّ البيتَ حِرزٌ للحَيِّ.

стр. 4448

قال أبو عُمر: وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ ، من حديثِ أبي ذرّ: أنَّهُ سمَّى القَبْرَ بيتًا في حديثٍ ذكَرَهُ (١). وقال اللهُ : ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]. وقدِ احتَجَّ (٢) ابنُ القاسم في قطع النَّبّاشِ بهذه الآيةِ. وأمّا نَبْشُ الموتَى وإخراجُهُم لمعنًى غَيرِ هذا المعنى؛ فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (٣): حدَّثنا خالدُ بن خِداشٍ، قال: حدَّثنا غسّانُ بن مُضَرَ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن يزيدَ، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: دَعاني أبي، وقد حَضَر قِتالُ أُحُدٍ، فقال لي: يا جابرُ لا أُراني إلّا أوَّل مَقتُولٍ يُقتَلُ غدًا من أصْحابِ رسولِ الله ﷺ ، وإنِّي لن أدعً أحدًا أعزَّ عَليَّ (٤) مِنكَ غيرَ نَفْسِ رسُولِ الله ﷺ ، وإنَّ لكَ أخَواتٍ، فاسْتَوصِ بهِنَّ خيرًا، وإنَّ عَليَّ دينًا فاقْضِ عنِّي. فكان أوَّلَ قَتِيلٍ من أصْحابِ النَّبيِّ ﷺ . قال: فدَفنتُهُ هُو وآخَرُ في قَبْرٍ واحِدٍ، فكان في نَفْسي منهُ شيءٌ، فاسْتَخرجتُهُ بعدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، كيومَ دَفَنتُهُ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ بُنْدار (٥)، قال: حدَّثني سَعيدُ بن عامرٍ،

стр. 4449

قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن ابن (١) أبي نَجِيح، عن عَطاءٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: دُفِنَ مع أبي رَجُلٌ في القَبْرِ، فلم تَطِبْ نَفْسي حتَّى حَوَّلتُهُ (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا بُندارٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن أبي مَسْلمةَ، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرِ بن عبدِ الله، أنَّ أباهُ قال له: إنِّي مُعَرِّضُ نَفْسي للقَتْل، ولا أُراني إلّا مَقتُولًا، وإنِّي لا أدعُ أحَدًا (٣) بعدَ رسُولِ الله ﷺ أحبَّ إليَّ مِنك. وأوصاهُ ببناتِهِ، ودَيْنٍ عليه، فقُتِلَ يوم أُحُدٍ، فدُفِنُوا بأُحُدٍ، قال: فلَمْ تَطِب أنْفسُنا (٤) فاسْتَخرجناهُم بعدَ سِتَّةِ، أو سَبْعةِ أشهُرٍ، فوَجَدْناهُم لم يتغيَّرُوا، غيرَ أنَّ طرَفَ أُذُنِ أحَدِهِم تَغَيَّر (٥). وأخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف. وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ. قالا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، سمِعَ جابرًا يقولُ: لمّا أرادَ مُعاويةُ أن يُجرِيَ العينَ التي في أسفلِ أُحُدٍ، عِندَ قُبُورِ الشُّهداءِ الذين بالمدينةِ، أمَرَ مُناديًا يُنادِي (٦): من كان لهُ ميِّت فليأتِهِ فليُخرِجهُ. قال جابرٌ: فذَهَبتُ إلى أبي، فأخْرَجناهُم رِطابًا يَتَثنَّونَ.

стр. 4450

قال أبو سَعيد: لا أُنكرُ بعدَ هذا مُنكرًا أبدًا. قال: فأصابَتِ المِسْحاةُ إصبَعَ رجُلٍ منهُم، فقَطَرَ الدَّمُ (١). قال أبو عُمر: وقد روينا: أنَّ طَلْحةَ بن عُبيدِ الله رآهُ بعد قَتْلهِ، ودَفْنِهِ مولًى لهُ في النَّوم، فشَكا إليه: أنَّ الماءَ يُؤذِيهِ، فنبَشهُ، وأخرجَهُ من جَنبِ ساقيةٍ كان دُفِنَ إليها، ووجدَ جَنْبهُ قَدِ اخضرَّ، فدَفَنهُ في غيرِ ذلكَ الموضِع. وقد ذكَرْنا هذا الخبر في كِتابِ الصَّحابةِ (٢) في بابِ طلحةَ على وجهِهِ، والحمدُ للّه. وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الرِّجال، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، موقُوفًا من قولها: كَسْرُ عَظم المُؤمِنِ ميِّتًا، ككسرِهِ وهُو حيٌّ. وأكثرُ الرُّواة للموطأ (٣) يقولُون فيه: عن مالك: أنَّهُ بَلَغهُ، أنَّ عائشةَ كانت تقولُ: كَسْرُ عظم المؤمن ميِّتًا، ككَسْرِهِ وهُو حَيٌّ. تعني في الإثْم (٤). وهُو حديثٌ يدخُلُ في هذا البابِ، من جِهَةِ المعنى، ومن جِهَةِ الإسنادِ أيضًا، ولا أعلمُ أحدًا رَفَعهُ عن مالكٍ. وقد رُوِيَ مرفُوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ مُسندًا من حديثِ عائشةَ، من رِوايةِ عَمْرةَ وغيرِها، فرأيتُ ذِكرهُ هاهُنا، لأنَّ أصلهُ من رِوايةِ مالكٍ، وهُو من هذا البابِ أيضًا، لأنَّهُ يَدُلُّ على كَراهةِ حَفْرِ قُبُورِ المؤمنين (٥).

стр. 4451

حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو أسامَةَ، عن سَعْدِ (١) بن سعيدٍ، قال: سمِعتُ عَمْرةَ، تقولُ: سَمِعتُ عائشةَ، تَقُولُ: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "كَسْرُ عَظْم المُؤمِنِ ميِّتًا، ككَسرِهِ حَيًّا" (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبةَ، عن محمدِ (٣) بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: قالت عَمرةُ: أعْطِني قِطْعةً من أرضِكَ أُدفَنْ فيها، فإنَّ عائشةَ قالت: كَسْرُ عَظْم الميِّتِ، ككَسْرِهِ، وهُو حيٌّ. قال محمدٌ: وكان مولًى بالمدينةِ يُحدِّثُ عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسَينِ (٥) الكُوفيُّ، قال: حدَّثنا أبو (٦) حُذيفةُ، قال: حدَّثنا زُهَير، يعني ابن محمدٍ،

стр. 4452

عن إسماعيلَ بن أبي حَكِيم، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "كسرُ عَظْم المُؤمِنِ ميِّتًا، ككَسرِهِ حيًّا" (١). قال أبو عُمر: هذا كلامٌ عامٌّ، يُرادُ به الخُصُوصُ، لإجْماعِهِم على أنَّ كسرَ عظم الميِّتِ، لا ديةَ فيه ولا قَوَدَ، فعَلِمنا أنَّ المعنى ككسرِهِ حيًّا في الإثم، لا في القَوَدِ، ولا الدِّيةِ، لإجماع العُلماءِ على ما ذكَرتُ لك. وفي لَعنِ رسُول الله ﷺ النَّبَّاشِ، دليلٌ على أنَّ كلَّ من أتَى المُحرَّماتِ، وارتكَبَ الكبائر المَحْظُوراتِ في أذَى المُسلمين، وظُلمِهِم، جائزٌ لعنُهُ، واللّه أعلمُ. وقد تَكلَّمنا على هذا المعنى، في غيرِ هذا الموضِع، وقد لعَنَ رسُولُ الله ﷺ آكِلَ الرِّبا، ومُوكِلهُ (٢). والواصِلةَ والمُسْتَوصِلَةَ (٣). والخمرَ وشارِبَها ... الحديث (٤). وكثيرًا مِمَّن يطُولُ الكِتابُ بذِكْرِهِم. وتفرَّدَ حَبيبٌ، عن مالكٍ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، عن خالدِ بن عبدِ الله بن حَرْملةَ، عن الحارِثِ بن خُفافِ بن إيماء (٥)، قال: ركَعَ رسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ رفَعَ رأسهُ، فقال: "غِفار غَفرَ الله لها، وأسلَمُ سالمَها الله، وعُصَيَّةُ عَصَتِ الله ورَسُولهُ،

стр. 4453

اللَّهُمَّ الْعَنْ بني لِحْيان، ورِعْلًا (١)، وذَكْوانَ". قال خُفافٌ: فجعلَ لعنُ الكَفَرةِ (٢) من أجلِ ذلكَ. قال الدّارقُطنيُّ: تَفرَّدَ به حبيبٌ، عن مالكٍ، وهُو صحيحٌ عن محمدِ بن عَمرٍو. وفي قول من قال في هذا الحديث: "كَسْرُ عظم المُؤمِنِ" دليلٌ على أنَّ غيرَ المُؤمِنِ بخِلافِهِ، واللّه أعلمُ. وقدِ اختلَفَ الفُقهاءُ في نَبْشِ قُبُورِ المُشرِكينَ (٣) طَلَبًا للمال، فقال مالكٌ: أكرهُهُ، وليسَ بحرام. وقال أبو حنيفةَ، والشّافِعيُّ: لا بأسَ بنبشِ قُبُورِ المُشرِكينَ طَلبًا للمال. وقال الأوزاعيُّ: لا يُفْعَلُ، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمّا مرَّ بالحِجْرِ، سَجَّى ثوبهُ على رأسِهِ، واسْتَحَثَّ راحِلتِهِ، ثُمَّ قال: "لا تَدخُلُوا بُيُوتَ الذين ظَلَمُوا، إلّا أن تَدْخُلُوها، وأنتُم باكُونَ، مخافةَ أن يُصيبكُم مِثلُ ما أصابَهُم". قال الأوْزاعيُّ: فقد نَهَى أن يَدْخلُوها عليهم وهي بيوتُهم، فكيفَ يَدْخلُونَ قُبورَهُم (٤). قال أبو عُمر: هذا حديثٌ يَرْويهِ ابنُ شِهابٍ مُرْسلًا (٥)، ورواهُ مالكٌ (٦)، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ . من حديثِ القَعْنبيِّ (٧).

стр. 4454

ورُوِىَ من غيرِ هذا الوجهِ أيضًا: أنَّهُ لمّا أتَى ذلك الوادي، أمرَ النّاس فأسرَعُوا، وقال: "هذا وادٍ ملعُونٌ" (١). ورُوي عنهُ أنَّهُ: أمرَ بالعَجِينِ فطُرِحَ (٢). وقد رَوَى محمدُ بن إسحاق، عن إسماعيلَ بن أُميةَ، عن بُجَيرِ بن أبي (٣) بُجَير (٤)، قال: سمِعتُ عبد الله بن عَمرٍو (٥) يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ حينَ خَرَجنا إلى الطّائفِ، فمَرَرنا بقَبرٍ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "هذا قبرُ أبي رِغال، وهُو أبو ثَقِيف (٦)، وكان من ثمُودَ، وكان بهذا الحَرَم يدفعُ عنهُ، فلمّا خرجَ أصابتهُ النِّقمةُ بهذا المكانِ، ودُفِنَ فيه، وآيةُ ذلكَ: أنَّهُ دُفِنَ مَعهُ غُصنٌ من ذَهَبٍ، إن أنتُم نبَشتُم عنهُ، أصَبْتُمُوهُ مَعهُ، فابْتَدرهُ النّاسُ فاسْتَخرجُوا مَعهُ الغُصنَ" (٧). وفي هذا الحديثِ إباحةُ نبشِ قُبُورِ المُشرِكينَ لأخذِ المال؛ حدَّثناه عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الجبّارِ العُطارديُّ (٨)، قال: حدَّثنا يونُسُ بن بُكيرٍ.

стр. 4455

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ. فذكرهُ بإسنادِهِ. قال أبو عُمر: أبو رِغالٍ هذا هو الذي يَرْجُمُ قبرهُ أبدًا كلُّ من مرَّ به، واختُلِفَ في قِصَّتِهِ، فقيلَ: إنَّهُ كان من ثمُودَ، واستَحقَّ من العقوبة مثلَ (١) ما اسْتَحقَّت ثمُودُ، فصرَفَ الله عنهُ ذلكَ، لكَونِهِ في الحَرم، فلمّا خرجَ منهُ، أخَذَتهُ الصَّيْحةُ فماتَ، فدُفِنَ هُناكَ. وقيل: إنَّهُ كان وجَّههُ صالحٌ النَّبيُّ ﵇ على صَدَقاتِ (٢) الأموالِ (٣) فخالَفَ أمرهُ، وأساءَ السِّيرةَ، فوثَبَ عليه ثقيفٌ، وهُو قَسيُّ بن مُنبِّهٍ، فقَتَلهُ، وإنَّما فعَلَ ذلكَ به (٤) لسُوءِ سيرتهِ في أهلِ الحرم، فقال غَيْلانُ بن سَلَمةَ الثَّقفيُّ، وذكَرَ قَسْوةَ أبيه (٥) على أبي رِغال: نحنُ قسيٌّ وقسيٌّ أبونا (٦) وقال أُميَّةُ بن أبي الصَّلت (٧): نَفَوا عن أرضِهِم عَدْنانَ طُرًّا ... وكانوا للقبائلِ قاهِرينا وهُم قَتلُوا الرَّئيسَ أبا رِغالٍ ... بنَخْلةَ إذ يسُوقُ بها الوَضِينا

стр. 4456

وقال عَمرُو بن درّاك (١) العبديُّ، يذكُرُ فُجُورَ أبي رِغالٍ وخُبثهُ، فقال (٢): وإنِّي إن قَطَعتُ حِبالَ قيسٍ ... وحالَفتُ المُزُون (٣) على تمَيمِ لأعظَمُ فَجْرَةً من أبي رِغالٍ ... وأجْوَرُ في الحُكُومةِ من سَدُومِ (٤) وقال مِسكينٌ الدّارِميُّ (٥): وأرجُمُ قَبْرهُ في كلِّ عامٍ ... كرَجْم النّاسِ قبرَ أبي رِغالِ وقد رُويَ، عن أنسٍ، قال: كان مَوْضِعُ مسجِدِ رسُولِ الله ﷺ قُبُورَ المُشرِكينَ، وكان فيه حَرْثٌ (٦) ونخلٌ. فأمرَ رسُولُ الله ﷺ بقُبُورِ المُشرِكينَ فنُبِشت، وبالنَّخلِ فقُطِع، وبالحرثِ فسُوِّي. حدَّثناه (٧) أحمدُ بن قاسم، بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ،

стр. 4457

قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن الفَضْل، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن (١) أبي التَّيّاح، عن أنَس (٢). وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر (٣)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمَةَ وعبدُ الوارثِ بن سعيدٍ، عن أبي التَّيّاح، عن أنَسٍ، فذكَرَهُ. وذكَرَهُ أيضًا أبو داود (٥)، عن مُسدَّدٍ، عن عبدِ الوارثِ، عن أبي التَّيّاح، عن أنس (٦). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ أحمد بن محمد (٧)، حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ. وقرأتُ عليه أيضًا، أنَّ بكر بن العَلاءِ، حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن موسى الشّاميُّ. قالا جميعًا: حدَّثنا القَعْنبيُّ، عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لأصْحابِ الحِجْر:

стр. 4458

"لا تدخُلُوا على هؤُلاءِ المُعَذَّبينَ (١)، إلّا أن تكونُوا باكينَ، فإن لم تكونُوا باكِينَ، فلا تدخُلُوا عليهم، أن يُصِيبكُم مِثلُ ما أصابَهُم" (٢). قال أبو عُمر: وقد أجازَ الدُّخُولَ عليهم في حالِ البُكاءِ. وحدَّثنا يَعيشُ بن سَعيد (٣) وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ محمدُ بن غالبٍ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن (٤) عبدُ الوهّابِ الرِّياحيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيع، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، وهُو ابنُ القاسم، عن إسماعيلَ، وهُو ابنُ أُميَّةَ، عن بُجَير (٥)، وهُو ابنُ أبي بُجَيرٍ، عن عبدِ الله بن عَمْرو (٦)، قال: كُنّا معَ رسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، فمَرَرنا بقَبرٍ، فقال: "هذا قبرُ أبي رِغال، وهُو امرُؤٌ من ثَمُودَ، وكان مَسْكنُهُ الحَرَمَ، فلمّا أهلكَ الله قومهُ بما أهلَكَهُم به، مَنعهُ لمكانِه (٧) من الحَرَم، فخرَجَ حتَّى إذا بلَغَ هاهُنا، ماتَ فدُفِنَ، ودُفِن مَعهُ غُصنٌ من ذَهَبٍ". فابْتَدرناهُ، فاسْتَخرَجناهُ (٨).

стр. 4459

حديثٌ رابعٌ لأبي الرِّجالِ مالكٌ (١)، عن أبي الرَّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّهُ سَمِعها تقولُ: ابتاعَ رَجُل ثَمَرَ حائطٍ في زَمَنِ رسُولِ الله ﷺ ، فعالجَهُ، وقامَ فيه، حتَّى تبيَّن لهُ النُّقصانُ، فسألَ ربَّ الحائطِ أن يضَعَ لهُ، أو أن يُقِيلهُ، فحَلَفَ أن لا يفعلَ، فذهَبَتْ أُمُّ المُشْترِي إلى رسُولِ الله ﷺ ، فذَكَرتْ ذلكَ لهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "تألَّى أن لا يفعَلَ خَيْرًا". فسمِعَ ذلك ربُّ الحائطِ، فأتَى رسُولَ الله ﷺ فقال: يا رسُولَ الله هُو لَهُ. قال أبو عُمر: لا أعلمُ هذا الحديث بهذا اللَّفظِ، يَنْسَنِدُ عن النَّبيِّ ﷺ من وَجْهٍ مُتَّصِل، إلّا من رِوايةِ سُليمانَ بن بلال، عن يحيى بن سعيدٍ، عن أبي الرِّجال، عن عَمْرةَ عن عائشةَ. وكان مالكٌ يَرْضَى سُليمانَ بن بلالٍ ويُثْني عليه. ذَكَرهُ البُخاريُّ، قال (٢): حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثني أخِي، عن سُليمانَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن أبي الرِّجال محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أُمَّهُ (٣) عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، قالت: سمِعتُ عائشةَ تقولُ: سمِعَ رسُولُ الله ﷺ صوتَ خُصوم بالبابِ عاليةً أصواتُهُما، وإذا أحدُهُما يَسْتوضِعُ الآخرَ، ويَسْترفِقُهُ في شيءٍ، وهُو يقولُ: واللّه لا أفعَلُ، فخرَجَ عليهما رسُولُ الله ﷺ ، فقال: "أينَ المُتألِّي على الله أن لا يفعَلَ المعرُوفَ؟ " فقال: أنا يا رسُولَ الله، فلَهُ (٤) أيُّ ذلكَ أحبَّ. فيه دليلٌ على أن لا جائحةَ يُقامُ بها، ويُحكمُ بإلْزامِها البائع في الثِّمارِ إذا بِيعَت، قلَّتِ الجائحةُ أو كثُرت، لأنَّهُ لم يُذكَر فيه مِقدارُ النُّقصانِ، كثيرًا كان أو

стр. 4460

قليلًا، ولو لَزِمتِ الجائحةُ في شَيءٍ من الثِّمارِ البائعَ بعدَ بيعِهِ، لبيَّن ذلكَ رسُولُ الله ﷺ ، ولبيَّن المِقدارَ. وهذا معنًى اختلَفَ فيه العُلماءُ، وقد ذكَرْنا ما لهم في ذلكَ من الأقوال، وما احتجُّوا به من الآثارِ، في بابِ حُميدٍ الطَّويل، من كِتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِهِ هاهُنا. وفي الحديثِ أيضًا: النَّدبُ إلى حَطِّ ما أُجِيحَ به المُبتاعُ في الثِّمارِ إذا ابتاعَها، نُدِبَ البائع لذلك وحُضَّ عليه، ولم يُلزِمهُ ولا قُضيَ عليه به، ألا تَرى إلى قولهِ ﷺ في هذا الحديث: "تألَّى على الله أن لا يفعَلَ خيرًا". ومن قال بوَضع الجَوائح على المُبتاع في الثِّمارِ، وإلْزامِها البائعَ، احتجَّ بقولِه ﷺ : "أرأيتَ إذا منَعَ الله الثَّمرةَ، ففيمَ يأخُذُ أحدُكُم مالَ أخيهِ؟ " (١). وبحديثهِ أيضًا ﵇: أنَّهُ نَهَى عن بَيع السِّنين، وأمر بوَضْع الجَوائح (٢). وقد مَضى ما للعُلماءِ في هذه الآثارِ من التَّأويل، والتَّخريج، والوُجُوهِ، والمعاني، في بابِ حُميدٍ، على ما ذكَرْنا، وباللّه توفيقُنا. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ معنى حديثِ عَمْرةَ هذا، دُونَ لفظِهِ، من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وهُو حديثٌ صحيحٌ. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن خالدٍ، قال: حدَّثنا تَميم (٣)، قال: حدَّثنا

стр. 4461

عيسى، قال: حدَّثنا سُحنُون (١)، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْب، عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن بُكَيرٍ بن الأشجِّ، عن عِياضِ بن عبدِ الله، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: أُصِيبَ رَجُلٌ في ثِمارٍ ابْتاعَها، وكَثُر دينُهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "تَصدَّقُوا عليه". فتَصَدَّقُوا عليه (٢)، فلم يبلُغ وَفاءَ دينِهِ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "خُذُوا ما وَجَدتُم، وليسَ لَكُم إلّا ذلكَ". وكان أبو عبدِ الرَّحمنِ النَّسائيُّ يقولُ: هذا الحديثُ أصحُّ من حديثِ سُليمانَ بن عتيقٍ، في وضع الجوائح. وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدِ بن إبراهيم الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن زيدٍ الصّاغ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن يحيى. وحدَّثنا سَعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا شَبابةُ. قالا جميعًا: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن بُكَير (٤) بن عبدِ الله بن الأشجِّ، عن عِياضِ بن عبدِ الله بن سَعْدِ بن أبي سَرْح، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: أُصِيبَ رَجُلٌ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ في ثِمارٍ ابْتاعها بدَينٍ، فكَثُر دينُهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "تَصدَّقُوا عليه"، فتصدَّقَ النّاسُ عليه، فلم يَبْلُغ ذلك وَفاءَ دينُهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ لغُرَمائه: "خُذُوا ما وَجْدتُم، وليسَ لكُم إلّا ذلكَ". ليسَ في حديثِ عبدِ العزيزِ بن يحيى: "تصدَّقُوا عليه، فتَصدَّقَ النّاسُ عليه".

стр. 4462

وهذا الحديثُ، وحديثُ عَمْرةَ، يدُلّانِ على أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَقْضِ بوَضع الجائحةِ في قَليلٍ ولا كثيرٍ. والذين قالوا: بوَضْع الجائحة (١)، قالوا: معنَى هذا الحديثِ في قوله: "ليسَ لكُم إلّا ذلكَ". يعني في ذلك الوقتِ حتَّى إلى الميسرةِ، لأنَّهُ كان مُفلسًا، ويحتملُ أن يكون الذي بَقِي عليه، كان دُون الثُّلُثِ، فقال: ليسَ لكُم غيرُ ذلكَ. وخالَفهُم غيرُهُم، فقالوا: لو كان ذلكَ، لبُيِّن في الحديثِ. وهذه دعوى، وقد قال قومٌ: إنَّ معنى الأمْرِ بوَضْع الجَوائح، إنَّما هُو في وَضْع خَراج الأرضِ وكِرائها عمَّن أصابَ زَرْعهُ وثَمرهُ آفةٌ. ومنهُم من قال: إنَّما هذا قبلَ القَبْضِ، فإذا قبضَ المُبتاعُ ما ابتاعَهُ، فلا جائحةَ فيه. ومنهُم من قال: الأمرُ بوَضْع الجوائح، إنَّما كان على النَّدبِ إلى الخَيْرِ، بدليل حديثِ عَمْرةَ هذا، وقولُهُ فيه: "تألَّى ألّا يفعلَ خيرًا"، لا أنَّهُ شيءٌ يجِبُ القَضاءُ به، لأنَّ العُلَماءَ مُجمِعُونَ، على أنَّ من قبضَ ما يبتاع بما يجِبُ به قَبضُهُ من كَيْل، أو وَزْنٍ، أو تسليم، وصارَ في يدِ المُبتاع، كما كان في يدِ البائع، أنَّ المُصِيبةَ والجائحَةَ فيه من المُبتاع. إلّا أنَّ (٢) الثِّمارَ إذا بيعَتْ بعدَ بُدُوِّ صَلاحِها، فإنَّهُمُ اختلفُوا في ذلكَ، فواجِبٌ ردُّ ما اختلَفُوا فيه، إلى ما أجمَعُوا عليه من نَظِيره (٣)، وفي هذه المسألةِ نَظرٌ. وقد ذكَرْنا مذهب مالكٍ، وأهلِ المدينةِ فيها، ومذهَبَ غيرِهِم أيضًا، وحُجَّةَ كلِّ فريقٍ منهُم، في بابِ حُميدٍ الطَّويل، من كِتابِنا هذا، فلا وَجْهَ لإعادةِ ذلكَ هاهُنا، وباللّه التَّوفيقُ.
следующие страницы →