← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4458–4497 · переход к 4463.

стр. 4458

"لا تدخُلُوا على هؤُلاءِ المُعَذَّبينَ (١)، إلّا أن تكونُوا باكينَ، فإن لم تكونُوا باكِينَ، فلا تدخُلُوا عليهم، أن يُصِيبكُم مِثلُ ما أصابَهُم" (٢). قال أبو عُمر: وقد أجازَ الدُّخُولَ عليهم في حالِ البُكاءِ. وحدَّثنا يَعيشُ بن سَعيد (٣) وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ محمدُ بن غالبٍ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن (٤) عبدُ الوهّابِ الرِّياحيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيع، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، وهُو ابنُ القاسم، عن إسماعيلَ، وهُو ابنُ أُميَّةَ، عن بُجَير (٥)، وهُو ابنُ أبي بُجَيرٍ، عن عبدِ الله بن عَمْرو (٦)، قال: كُنّا معَ رسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، فمَرَرنا بقَبرٍ، فقال: "هذا قبرُ أبي رِغال، وهُو امرُؤٌ من ثَمُودَ، وكان مَسْكنُهُ الحَرَمَ، فلمّا أهلكَ الله قومهُ بما أهلَكَهُم به، مَنعهُ لمكانِه (٧) من الحَرَم، فخرَجَ حتَّى إذا بلَغَ هاهُنا، ماتَ فدُفِنَ، ودُفِن مَعهُ غُصنٌ من ذَهَبٍ". فابْتَدرناهُ، فاسْتَخرَجناهُ (٨).

стр. 4459

حديثٌ رابعٌ لأبي الرِّجالِ مالكٌ (١)، عن أبي الرَّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّهُ سَمِعها تقولُ: ابتاعَ رَجُل ثَمَرَ حائطٍ في زَمَنِ رسُولِ الله ﷺ ، فعالجَهُ، وقامَ فيه، حتَّى تبيَّن لهُ النُّقصانُ، فسألَ ربَّ الحائطِ أن يضَعَ لهُ، أو أن يُقِيلهُ، فحَلَفَ أن لا يفعلَ، فذهَبَتْ أُمُّ المُشْترِي إلى رسُولِ الله ﷺ ، فذَكَرتْ ذلكَ لهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "تألَّى أن لا يفعَلَ خَيْرًا". فسمِعَ ذلك ربُّ الحائطِ، فأتَى رسُولَ الله ﷺ فقال: يا رسُولَ الله هُو لَهُ. قال أبو عُمر: لا أعلمُ هذا الحديث بهذا اللَّفظِ، يَنْسَنِدُ عن النَّبيِّ ﷺ من وَجْهٍ مُتَّصِل، إلّا من رِوايةِ سُليمانَ بن بلال، عن يحيى بن سعيدٍ، عن أبي الرِّجال، عن عَمْرةَ عن عائشةَ. وكان مالكٌ يَرْضَى سُليمانَ بن بلالٍ ويُثْني عليه. ذَكَرهُ البُخاريُّ، قال (٢): حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثني أخِي، عن سُليمانَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن أبي الرِّجال محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أُمَّهُ (٣) عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، قالت: سمِعتُ عائشةَ تقولُ: سمِعَ رسُولُ الله ﷺ صوتَ خُصوم بالبابِ عاليةً أصواتُهُما، وإذا أحدُهُما يَسْتوضِعُ الآخرَ، ويَسْترفِقُهُ في شيءٍ، وهُو يقولُ: واللّه لا أفعَلُ، فخرَجَ عليهما رسُولُ الله ﷺ ، فقال: "أينَ المُتألِّي على الله أن لا يفعَلَ المعرُوفَ؟ " فقال: أنا يا رسُولَ الله، فلَهُ (٤) أيُّ ذلكَ أحبَّ. فيه دليلٌ على أن لا جائحةَ يُقامُ بها، ويُحكمُ بإلْزامِها البائع في الثِّمارِ إذا بِيعَت، قلَّتِ الجائحةُ أو كثُرت، لأنَّهُ لم يُذكَر فيه مِقدارُ النُّقصانِ، كثيرًا كان أو

стр. 4460

قليلًا، ولو لَزِمتِ الجائحةُ في شَيءٍ من الثِّمارِ البائعَ بعدَ بيعِهِ، لبيَّن ذلكَ رسُولُ الله ﷺ ، ولبيَّن المِقدارَ. وهذا معنًى اختلَفَ فيه العُلماءُ، وقد ذكَرْنا ما لهم في ذلكَ من الأقوال، وما احتجُّوا به من الآثارِ، في بابِ حُميدٍ الطَّويل، من كِتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِهِ هاهُنا. وفي الحديثِ أيضًا: النَّدبُ إلى حَطِّ ما أُجِيحَ به المُبتاعُ في الثِّمارِ إذا ابتاعَها، نُدِبَ البائع لذلك وحُضَّ عليه، ولم يُلزِمهُ ولا قُضيَ عليه به، ألا تَرى إلى قولهِ ﷺ في هذا الحديث: "تألَّى على الله أن لا يفعَلَ خيرًا". ومن قال بوَضع الجَوائح على المُبتاع في الثِّمارِ، وإلْزامِها البائعَ، احتجَّ بقولِه ﷺ : "أرأيتَ إذا منَعَ الله الثَّمرةَ، ففيمَ يأخُذُ أحدُكُم مالَ أخيهِ؟ " (١). وبحديثهِ أيضًا ﵇: أنَّهُ نَهَى عن بَيع السِّنين، وأمر بوَضْع الجَوائح (٢). وقد مَضى ما للعُلماءِ في هذه الآثارِ من التَّأويل، والتَّخريج، والوُجُوهِ، والمعاني، في بابِ حُميدٍ، على ما ذكَرْنا، وباللّه توفيقُنا. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ معنى حديثِ عَمْرةَ هذا، دُونَ لفظِهِ، من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وهُو حديثٌ صحيحٌ. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن خالدٍ، قال: حدَّثنا تَميم (٣)، قال: حدَّثنا

стр. 4461

عيسى، قال: حدَّثنا سُحنُون (١)، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْب، عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن بُكَيرٍ بن الأشجِّ، عن عِياضِ بن عبدِ الله، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: أُصِيبَ رَجُلٌ في ثِمارٍ ابْتاعَها، وكَثُر دينُهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "تَصدَّقُوا عليه". فتَصَدَّقُوا عليه (٢)، فلم يبلُغ وَفاءَ دينِهِ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "خُذُوا ما وَجَدتُم، وليسَ لَكُم إلّا ذلكَ". وكان أبو عبدِ الرَّحمنِ النَّسائيُّ يقولُ: هذا الحديثُ أصحُّ من حديثِ سُليمانَ بن عتيقٍ، في وضع الجوائح. وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدِ بن إبراهيم الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن زيدٍ الصّاغ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن يحيى. وحدَّثنا سَعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا شَبابةُ. قالا جميعًا: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن بُكَير (٤) بن عبدِ الله بن الأشجِّ، عن عِياضِ بن عبدِ الله بن سَعْدِ بن أبي سَرْح، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: أُصِيبَ رَجُلٌ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ في ثِمارٍ ابْتاعها بدَينٍ، فكَثُر دينُهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "تَصدَّقُوا عليه"، فتصدَّقَ النّاسُ عليه، فلم يَبْلُغ ذلك وَفاءَ دينُهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ لغُرَمائه: "خُذُوا ما وَجْدتُم، وليسَ لكُم إلّا ذلكَ". ليسَ في حديثِ عبدِ العزيزِ بن يحيى: "تصدَّقُوا عليه، فتَصدَّقَ النّاسُ عليه".

стр. 4462

وهذا الحديثُ، وحديثُ عَمْرةَ، يدُلّانِ على أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَقْضِ بوَضع الجائحةِ في قَليلٍ ولا كثيرٍ. والذين قالوا: بوَضْع الجائحة (١)، قالوا: معنَى هذا الحديثِ في قوله: "ليسَ لكُم إلّا ذلكَ". يعني في ذلك الوقتِ حتَّى إلى الميسرةِ، لأنَّهُ كان مُفلسًا، ويحتملُ أن يكون الذي بَقِي عليه، كان دُون الثُّلُثِ، فقال: ليسَ لكُم غيرُ ذلكَ. وخالَفهُم غيرُهُم، فقالوا: لو كان ذلكَ، لبُيِّن في الحديثِ. وهذه دعوى، وقد قال قومٌ: إنَّ معنى الأمْرِ بوَضْع الجَوائح، إنَّما هُو في وَضْع خَراج الأرضِ وكِرائها عمَّن أصابَ زَرْعهُ وثَمرهُ آفةٌ. ومنهُم من قال: إنَّما هذا قبلَ القَبْضِ، فإذا قبضَ المُبتاعُ ما ابتاعَهُ، فلا جائحةَ فيه. ومنهُم من قال: الأمرُ بوَضْع الجوائح، إنَّما كان على النَّدبِ إلى الخَيْرِ، بدليل حديثِ عَمْرةَ هذا، وقولُهُ فيه: "تألَّى ألّا يفعلَ خيرًا"، لا أنَّهُ شيءٌ يجِبُ القَضاءُ به، لأنَّ العُلَماءَ مُجمِعُونَ، على أنَّ من قبضَ ما يبتاع بما يجِبُ به قَبضُهُ من كَيْل، أو وَزْنٍ، أو تسليم، وصارَ في يدِ المُبتاع، كما كان في يدِ البائع، أنَّ المُصِيبةَ والجائحَةَ فيه من المُبتاع. إلّا أنَّ (٢) الثِّمارَ إذا بيعَتْ بعدَ بُدُوِّ صَلاحِها، فإنَّهُمُ اختلفُوا في ذلكَ، فواجِبٌ ردُّ ما اختلَفُوا فيه، إلى ما أجمَعُوا عليه من نَظِيره (٣)، وفي هذه المسألةِ نَظرٌ. وقد ذكَرْنا مذهب مالكٍ، وأهلِ المدينةِ فيها، ومذهَبَ غيرِهِم أيضًا، وحُجَّةَ كلِّ فريقٍ منهُم، في بابِ حُميدٍ الطَّويل، من كِتابِنا هذا، فلا وَجْهَ لإعادةِ ذلكَ هاهُنا، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4463

مالكٌ، عن موسى بن عُقبةَ تابِعيٌّ مدنيٌّ ثِقةٌ وهُو موسى (١) بن عُقبةَ بن أبي عيّاشٍ، يُكْنَى أبا محمدٍ، مولى الزُّبيرِ بن العوّام، كان الزُّبيرُ قد أعتَقَ جدَّهُ أبا عيّاشٍ. هكذا قال الواقِديُّ وغيرُهُ. وقال يحيى بن مَعين (٢): موسى بن عُقبةَ، مولى أُمِّ خالدٍ بنتِ خالدِ بن سَعيدِ بن العاص. وقد ذكَرْنا في بابِ إبراهيمَ بن عُقْبةَ، في صَدْرِ كِتابِنا هذا في نَسبِهِ، ووَلائهِ، ما هُو أكثرُ من هذا. وسمِعَ موسى بن عُقبةَ من أُمِّ خالدٍ بنتِ خالدِ بن سَعيدِ بن العاص، ورأى ابن عُمرَ، وسَهْل بن سعدٍ. قال: حَجَجتُ وابنُ عُمر بمكَّةَ، عامَ حَجَّ نَجْدةُ الحرُوريُّ، ورأيتُ سَهْل بن سعدٍ يتَخَطَّى، حتَّى تَوكَّأ على المِنبرِ، فسارَّ الإمامَ بشيءٍ. وكان موسى بن عُقْبةَ من ساكِني المدينةِ، وبها تُوفِّي سَنةَ إحْدَى وأربعينَ ومئةٍ، قبلَ خُرُوج محمدِ بن عبدِ الله بن حسنٍ، وكان مالكٌ يُثْني على موسى بن عُقبةَ، وكان لموسى عِلْمٌ بالمغازي والسِّير (٣)، وهُو ثِقة فيما نقَلَ من أثَرٍ في الدِّينِ، وكان رَجُلًا صالحًا ﵀. لمالكٍ عنهُ من حديثِ رسُولِ الله ﷺ في "المُوطَّأ" حديثانِ مُسندانِ.

стр. 4464

حديثٌ أوَّلُ لموسى بن عُقبةَ مالكٌ (١)، عن موسى بن عُقبةَ، عن كريبٍ مولى عبدِ الله بن عبّاس، عن أُسامَةَ بن زيدٍ، أنَّهُ سَمِعهُ يقولُ: دفَعَ رسُولُ الله ﷺ من عَرَفةَ، حتَّى إذا كان بالشِّعبِ، نزلَ فبالَ فتَوضَّأ، فلم يُسبغِ الوُضُوءَ، فقلتُ لهُ: الصَّلاةُ يا رسُولَ الله فقال: "الصَّلاةُ أمامكَ". فركِبَ، فلمّا جاءَ المُزْدلفةَ، نزلَ فتوضَّأ فأسبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقيمتِ الصَّلاةُ، فصلَّى المغرِبَ، ثُمَّ أناخَ كلُّ إنسانٍ (٢) بَعِيرهُ في مَنْزِلهِ (٣)، ثُمَّ أُقيمتِ العِشاءَ فصلّاها، ولم يُصلِّ بَيْنهُما شيئًا. قال أبو عُمر: هكذا رواهُ جَماعةُ الحُفّاظِ الأثباتِ من رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ فيما عَلِمتُ (٤)، إلّا أشْهبَ وابن الماجِشُونِ، فإنَّهُما رَوَياهُ عن مالكٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابن عبّاس، عن أُسامَةَ بن زيدٍ؛ ذكَرهُ النَّسائيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم، قال: حدَّثنا أشهبُ (٥). وكذلكَ حدَّث به المُعافى، عن ابن الماجِشُونِ.

стр. 4465

والصَّحيحُ في هذا الحديثِ، طرحُ ابن عبّاسٍ من إسنادِهِ، وإنَّما هُو لكُرَيبٍ، عن أُسامةَ بن زيد (١). وكذلكَ رواهُ يحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ (٢)، وحمّادُ بن زيد (٣)، عن موسى بن عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن أُسامَةَ. مِثل رِوايةِ مالكٍ سَواءً. ولم يُختلَف (٤) فيه على موسى بن عُقبةَ فيما عَلِمتُ. ورَواهُ إبراهيمُ بن عُقبةَ، واختُلِفَ عليه فيه: فَرواهُ سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن إبراهيمَ بن عُقبةَ ومحمدِ بن أبي حَرْملةَ، جميعًا عن كُريبٍ، عن ابن عبّاس، عن أُسامَةَ بن زيدٍ، مثلَهُ بمَعْناه (٥). أدْخَلا بينَ كُريبٍ وبين أُسامَةَ: عبد الله بن عبّاسٍ. ورواهُ حمّادُ بن زَيْدٍ، عن إبراهيمَ بن عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن أُسامَةَ (٦). ورواهُ إسماعيلُ بن جَعْفرٍ، عن محمدِ بن أبي حَرْملةَ، عن كُرَيبٍ، عن أُسامَةَ (٧). لم يذكُرِ ابن عبّاسٍ.

стр. 4466

وكذلكَ رَواهُ ابنُ المُباركِ، عن إبراهيمَ بن عُقْبةَ (١). مِثلَ رِوايةِ حمّادِ بن زَيْدٍ. فدلَّ ذلك كلُّهُ على ضَعْفِ رِواية ابن عُيينةَ، وصِحَّةِ رِواية مالكٍ ومن تابَعهُ، وأن ليسَ لابنِ عبّاسٍ في هذا الحديثِ ذِكر صَحِيح، واللّه أعلمُ. وفي هذا الحديثِ من الفِقه: الوُقُوفُ بعَرَفةَ يومَ عرفةَ، ثُمَّ الدَّفعُ منها بعدَ غُرُوبِ الشَّمسِ، على يَقِينٍ من مَغيبِها ليلةَ النَّحرِ إلى المُزدلفةِ. وهذا ما لا خِلافَ فيه، والوُقُوفُ المعرُوفُ بعَرَفةَ، بعد صَلاةِ الظُّهرِ والعَصْرِ في مَسجِدِ عرفةَ جميعًا، في أوَّلِ وقتِ الظُّهرِ، إلى غُرُوبِ الشَّمسِ. والمسجدُ معرُوفٌ، ومَوْضِعُ الوُقُوفِ بجِبالِ الرَّحمةِ معرُوفٌ، وليسَ المسجدُ موضِع وُقُوفٍ، لأنَّهُ فيما (٢) أحسَبُ من بَطنِ عُرَنةَ، الذي أُمِر الواقِفُ بعَرَفةَ أن يرتفِعَ عنهُ، وهذا كلُّهُ أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، لا موضِعَ للقولِ فيه. وأمّا قولُهُ في هذا الحديث: "نزلَ فبالَ، فتوضَّأ فلم يُسبغِ الوُضُوءَ". فوَجْهُهُ (٣) عِندي، واللّهُ أعلمُ، أنَّهُ اسْتَنجى بالماءِ، أوِ اغتسلَ به من بَوْلهِ، وذلكَ يُسمَّى وُضُوءًا في كلام العَرَبِ، لأنَّهُ من الوَضاءةِ، التي هي النَّظافةُ. ومعنى قوله: "لم يُسْبغِ الوُضُوءَ". أي: لم يُكمِل وُضُوءَ الصَّلاةِ، لم يَتَوضَّأ للصَّلاةِ، والإسباغُ: الإكمالُ، فكأنَّهُ قال: لم يَتَوضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ، ولكنَّهُ تَوضَّأ من البَوْل. هذا وجهُ هذا الحديثِ عِندي، واللّه أعلمُ.

стр. 4467

وقد قيلَ: إنَّهُ تَوضَّأ وُضُوءًا خَفِيفًا، ليسَ بالبالغِ، وُضُوءًا بين وُضُوءَينِ. وهذا ظاهرُه غيرُ الاسْتِنجاءِ، ولكنَّ الأصُولَ المُجتمَع عليها تَدْفعُ وضُوءَين (١) لصَلاةٍ واحِدةٍ، وليسَ هذا اللَّفظُ في حديثِ مالكٍ، ومالكٌ أثبتُ من رَواهُ، فلا وجهَ للاحْتِجاج برِوايةِ غير عليه. وقد قيلَ في ذلك: إنَّهُ تَوضَّأ على بعضِ (٢) أعْضاءِ الوُضُوءِ، فلم (٣) يُكمِل الوُضُوءَ للصلاةِ، على ما رُوِيَ عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان إذا أجْنَبَ ليلًا، وأرادَ النَّومَ، غسَلَ وَجْههُ ويَديهِ إلى المِرْفقينِ، ورُبَّما مسَحَ برأسِهِ، ونامَ، وهُو لم يُكمِلْ وضوءَه للصَّلاة (٤). وهذا عِندي وَجْهٌ ضعيفٌ لا معنى لهُ، ولا يجِبُ أن يُضافَ مِثلُهُ إلى رسُولِ الله ﷺ ، ولعلَّ الذي حَكاهُ عن ابن عُمر لم يَضْبِطهُ (٥). والوُضُوءُ على الجُنُبِ عِندَ النَّوم غيرُ واجِبٍ، وإنَّما هُو نَدْبٌ، لا يرفعُ به حَدَثهُ، وفِعلُهُ سُنَّةٌ وخَيْرٌ. وليسَ من دفَعَ من عَرَفةَ إلى المُزدلفةِ يجِدُ من الفَراغِ ما يتوضَّأُ به وُضُوءًا يَشْتغِلُ به عن النُّهُوضِ إلى المُزْدلفةِ، والنُّهُوضُ إليها من أفضلِ أعمالِ البِرِّ، فكيفَ يشتغِلُ عنها بما لا معنَى لهُ؟ ألا تَرى أنَّهُ لمّا حانَتْ (٦) تلك الصَّلاةُ في مَوْضِعِها، نزلَ فأسبَغَ الوُضُوءَ لها. أي: توضَّأ لها كما يجِبُ.

стр. 4468

فالوُضُوءُ الأوَّلُ عِندِي: الاستِنجاءُ بالماءِ، لأنَّهُ لم يُحفَظ عنهُ قطُّ، أنَّهُ تَوضَّأ لصَلاةٍ واحِدةٍ مرَّتينِ، وإن كان يَتَوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ. وتحمِلُ قولُهُ: الصَّلاةُ. أي: توضَّأ لها، إذ رآهُ اقتصَرَ على الاسْتِنجاءَ، ويحتمِلُ غيرَ ذلكَ، واللّه أعلمُ. وقد رَوَى عبدُ الله بن أبي مُلَيكةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ، قالت: بالَ رسُولُ الله ﷺ ، فاتَّبعهُ عُمرُ بكُوزٍ من ماءٍ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنِّي لم أُومَرْ أن أتوضَّأ كلَّما بُلْتُ، ولو فَعَلتُ، لكانت سُنَّةً" (١). وهذا على ما قُلنا، وباللّه التوفيق. ففي هذا الحديث: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يَسْتنجي بالماءِ، على حَسَبِ ما ذكرنا. ومن بينِ ما يُروَى في استِنجاءِ رسُولِ الله ﷺ بالماءِ، ما رَواهُ سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن مُعاذَةَ (٢)، عن عائشةَ، أنَّها قالت لنِسْوةٍ عِندَها: مُرْنَ أزواجَكُنَّ أن يغسِلُوا عنهُم أثرَ الغائطِ والبَوْل، فإنِّي أسْتَحيهُم، وإنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يَفعلُهُ. ذكرهُ يعقُوبُ بن شَيْبةَ، عن يزيدَ بن هارُون، عن سَعيد (٣). وحدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن

стр. 4469

إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، قال: سَمِعتُ سعيد بن الحُوَيرِثِ يقولُ: سَمِعتُ ابنُ عبّاسٍ يقولُ: كُنَّا عِندَ رسُولِ الله ﷺ ، فخرَجَ من الغائطِ، فأتِيَ بطعام فقيلَ لهُ: ألا تَتَوضَّأُ؟ فقال: "ما أُصلِّي فأتوضَّأ". وهذا يُبيِّنُ أنَّهُ كان ﷺ لا يَتَوضَّأُ وُضُوءَ الصَّلاةِ، إلّا للصَّلاةِ، وأنَّهُ كان لا يتوضَّأُ كلَّما بالَ وُضُوءَ الصَّلاةِ. وفي هذا الحديثِ أيضًا من الفِقه: أنَّ الإمامَ إذا دفَعَ بالحاجِّ، والنّاسُ مَعهُ، لا يُصلُّونَ المغرِبَ في تلك اللَّيلةِ، إلّا معَ العِشاءِ في وَقْتٍ واحِدٍ بالمُزْدلفةِ، وهذا أمرٌ مُجتَمَعٌ عليه لا خِلافَ فيه. واختلَفَ العُلماءُ فيمَنْ لم يدفَعْ مع الإمام لعِلَّةٍ وعُذرٍ، ودفَعَ وحدهُ بعد دَفْع الإمام بالنّاسِ، هل لهُ أن يُصلِّي تلك الصَّلاتينِ في غيرِ (٢) المُزْدلفةِ أم لا (٣)؟ فقال مالكٌ: لا يُصلِّيهِما أحدٌ قبلَ جَمْع، إلّا من عُذرٍ، فإن صلّاهُما من عُذْرٍ، لم يجمَعْ بينهُما حتَّى يَغِيبَ الشَّفقُ. وقال الثَّوريُّ: لا يُصلِّيهِما حتَّى يأتي جَمْعًا، ولهُ السَّعَةُ في ذلكَ إلى نِصفِ اللَّيل، فإن صَلّاهُما دُونَ جَمْع أعادَ. وقال أبو حنيفةَ: إن صلّاهُما قبلَ أن يأتي المُزدلفةَ، فعليه الإعادةُ، وسَواءٌ صلّاهُما قبلَ مَغِيبِ الشَّفقِ، أو بعدَهُ، عليه أن يُعيدهُما، إذا أتَى المُزدلفةَ.

стр. 4470

وحُجَّةُ هؤُلاءِ كلِّهِم، قولُهُ ﷺ في هذا الحديثِ لأُسامةَ: "الصَّلاةُ أمامَكَ". يعني بالمُزدلفةِ. واختُلِفَ عن أبي يُوسُف ومحمدٍ، فرُوِيَ عنهُما مِثلُ قولِ أبي حَنِيفةَ، ورُوِيَ عنهُما: لو صلّاهُما (١) بعَرَفاتٍ، أجْزَأهُ. وعلى مَذْهبِ الشّافِعيّ: لا يَنْبغي أن يُصلِّيهُما قبلَ جَمْع، فإن فعلَ أجْزَأهُ. وبه قال أبو ثورٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ. ورُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، وعُروةَ، وسالم، والقاسم (٢)، وسعيدِ بن جُبَيرٍ. ورُوِيَ عن جابرِ بن عبدِ الله، أنَّهُ قال: لا صَلاةَ إلّا بجَمْع (٣). ولا مُخالَفَ لهُ من الصَّحابةِ فيما عَلِمتُ. قال أبو عُمر: قولُهُ ﷺ في هذا الحديث: "الصَّلاةُ أمامَكَ". يدُلُّ على أنَّهُ لا يَجُوزُ لأحَدٍ أن يُصلِّيهُما إلّا هُناكَ. وقد قال ﷺ : "خُذُوا عنِّي مَناسِككُم" (٤). ولم يُصلِّهِما إلّا بالمُزدلفةِ، فإن كان لهُ عُذرٌ، فعَسَى الله أن يعذُرهُ، وأمّا من لا عُذَرَ لهُ، فواجِبٌ أن لا تُجزِئَهُ صلاتُهُ قبلَ ذلك المَوْضع على ظاهِرِ هذا الحديثِ.

стр. 4471

ومن أجازَ الجَمْعَ بينهُما قبلَ المُزدلفةِ، أو بَعْدها في غيرِها (١) فإنَّهُ ذهَبَ إلى أنَّهُ سَفرٌ، وللمُسافِرِ الجَمْعُ بين الصَّلاتينِ، على ما ذكَرْنا من أحْكامِهِما (٢) وأقْوالهِم في كَيْفيَّةِ الجمع بينهُما للمُسافِرِ، فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا، ولهُ أن لا يجمَعَ بينهُما، لا يختلفُونَ في ذلك للمُسافِرِ بغيرِ عَرَفةَ والمُزدلفةِ. قال مالكٌ: يجمَعُ الرَّجُلُ بين الظُّهرِ والعَصْرِ يومَ عَرَفةَ، إذا فاتَهُ ذلكَ مع الإمام (٣). قال: وكذلكَ المغرِبُ والعشاءُ، يجمعُ أيضًا بَيْنهُما بالمُزْدلفةِ مَتَى فاتَهُ ذلك مع الإمام. قال: وإنِ احتبسَ إنسانٌ دُونَ المُزْدلفةِ، لموضِع عُذرٍ، جمَعَ بينهُما أيضًا قبلَ أن يأتي المُزْدلفةَ، ولا يَجْمعُ بينهُما حتَّى يَغِيب الشَّفقُ (٤). قال أبو حنيفةَ: لا يجمعُ بينهُما إلّا من صَلّاهُما مع الإمام. يعني: صَلاتي عَرَفةَ، وصلاتي المُزْدلفةِ. قال: وأمّا من صلَّى وحدَهُ فلا يُصلِّي كلَّ صَلاةٍ منهُما إلّا لوقتِها. وكذلكَ قال الثَّوريُّ؛ قال: إن صلَّيتَ في رَحْلِكَ، فصلِّ كلَّ صَلاةٍ لوَقْتِها (٥). وقال الشّافِعيُّ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ: جائزٌ أن يجمعَ بينهُما من المُسافِرينَ، من صلَّى مع الإمام، ومن صلَّى وحدَهُ، إذا كان مُسافِرًا (٦).

стр. 4472

وعِلَّتُهُم في ذلكَ: أنَّ رسُول الله ﷺ إنَّما جمَعَ بينهُما من أجلِ السَّفرِ، فلكلِّ مُسافِرٍ الجَمْعُ بينهُما. وكان عبدُ الله بن عُمر يجمعُ بينهُما وحدَهُ (١). وهُو قولُ عَطاء (٢). وقد ذكَرْنا حُكم الجَمْع بين الصَّلاتينِ بالمُزدلفةِ، وحُكمَ الأذانِ بينهُما، والإقامَةِ، ومن أجازَ أن تُناخَ الإبِلُ، وغيرُ ذلك بينهُما، ومن لم يُجِز ذلكَ، وما للعُلماءِ في ذلكَ كلِّهِ من الأقوال، والاعْتِلالِ من جِهةِ الأثرِ، والنَّظرِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سالم، من كِتابِنا هذا، فلذلك لم نذكُرهُ هاهُنا، وبالله توفيقُنا. وفي هذا الحديثِ أيضًا دَلالةٌ واضِحةٌ، على أنَّ الجمَعَ في ذلك توقِيفٌ منهُ ﷺ ، ألا تَرى إلى قولهِ ﷺ لأُسامَةَ (٣) حينَ قال لهُ: الصَّلاةُ يا رسُولَ الله، فقال لهُ: "الصَّلاةُ أمامَكَ". يُريدُ: مَوْضِعُ الصَّلاةِ أمامكَ، وهذا بيِّنٌ لا إشكالَ فيه، وهُو أمرٌ مُجتَمَعٌ عليه. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ من السُّنَّةِ لمن جمَعَ بين الصَّلاتينِ، أن لا يَتَنفَّل بينهُما. روى (٤) سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن ابن (٥) أبي نَجِيح، عن عِكْرِمةَ قال: اتَّخذهُ رسُولُ الله ﷺ مَبالًا (٦)، واتَّخذتُمُوهُ مُصلًّى. يعني الشِّعبَ (٧).

стр. 4473

حديثٌ ثانٍ لموسى بن عُقبةَ مالكٌ (١)، عن موسى بن عُقبةَ، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمرَ (٢)، أنَّهُ سمِعَ أباهُ يقولُ: بَيْداؤُكُم هذه التي تَكْذِبُون على رسُولِ الله ﷺ فيها، ما أهلَّ رسُولُ الله ﷺ إلّا من عِندِ المَسجدِ. يعني: مَسجدَ ذي الحُلَيفةِ. قال أبو عُمر: هكذا روى هذا الحديث جماعةُ الرُّواةِ "للمُوطَّأ" عن مالكٍ ﵀ (٣). وكذلك رواهُ ابنُ عُيَينةَ، كما رواهُ مالكٌ سَواءً بلفظٍ واحِدٍ، وبإسنادِهِ، قال فيه: سمِعتُ موسى، سَمِعَ سالمًا، قال: سمِعتُ ابن عُمرَ، فذكَرَهُ (٤). ورواهُ شُعبَةُ، عن موسى بن عُقبةَ (٥). فخالَفهُما في معناهُ، وسنذكُرُ ذلكَ في هذا البابِ إن شاءَ الله. وأمّا قولُهُ في هذا الحديث: بيداؤُكُم. فإنَّهُ أرادَ (٦) مَوْضِعكَمُ الذي تزعُمُونَ

стр. 4474

أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يُهِلَّ إلّا منهُ. قال ذلك ابنُ عُمرَ، مُنكِرًا لقولِ من قال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ إنَّما أهلَّ في حَجَّتِهِ حينَ أشرفَ على البيَدْاءِ، والبَيْداءُ: الصَّحراءُ، يُريدُ بَيْداءَ ذي الحُليفةِ. وأمّا قولُهُ: ما أهلَّ رسُولُ الله ﷺ . فالإهلالُ في الشَّريعةِ، هُو الإحرامُ بالحجِّ، وهُو التَّلبيةُ بالحجِّ، أوِ العُمرةِ، وهُو قولُ: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، وينوي ما شاءَ من حَجٍّ، أوعُمرةٍ. وأكثرُ الفُقهاءِ يقولُونَ: إنَّ الإحرامَ فَرْضٌ من فَرائضِ الحجِّ، ورُكنٌ من أركانِهِ (١)، إمّا بالقولِ والنِّيَّةِ جميعًا، وإمّا بالنِّيَّةِ، على حَسَبِ اختِلافِهِم في ذلك، مِمّا سَنذكُرُهُ في بابِ نافِع، عِندَ ذِكْرِ حديثِ التَّلبيةِ، في كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. واتَّفقَ مالكُ بن أنسٍ، والشّافِعيُّ، على أنَّ النِّيَّةَ في الإحْرام، تُجزِئُ عن الكلام (٢). وناقَضَ (٣) أبو حَنِيفةَ فقال (٤): إنَّ الإحرامَ عِندَهُ، من شَرْطِه (٥): التَّلبيةِ، ولا يصِحُّ إلّا بالنِّيَّةِ، كما لا يصِحُّ الدُّخُولُ في الصَّلاةِ إلّا بالنِّيَّةِ، والتَّكبيرِ جميعًا (٦). ثُمَّ قال فيمَنْ أُغمِيَ عليه، فأحرمَ عنهُ أصحابُهُ، ولم يُفِق حتَّى فاتهُ (٧) الوُقُوفُ بعرَفةَ: أنَّهُ يُجزئهِ إحرامُ أصْحابِهِ عنهُ (٨). وبه قال الأوزاعيُّ (٩).

стр. 4475

وقال مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ: من عرضَ لهُ هذا، فقد فاتَهُ الحجُّ، ولا ينفعُهُ إحرامُ أصْحابِهِ عنهُ (١). وناقَضَ مالكٌ أيضًا فقال: من أُغمِيَ عليه فلم يُحرِم، فلا حجَّ لهُ، ومن وقفَ بعرَفةَ مُغمًى عليه أجزأهُ (٢). وقال بعضُ أصحابِنا: ليسَ بتَناقُضٍ، لأنَّ الإحرامَ لا يفُوتُ إلّا بفَوْتِ عَرَفةَ، وحَسْبُ المُغمَى عليه أن يُحرِمَ إذا أفاقَ قبلَ عَرَفةَ، فإذا أحرمَ، ثُمَّ أُغمِيَ عليه فوُقِفَ به (٣) مُغمًى عليه، أجزأهُ، من أجل أنَّهُ على إحْرامِهِ. قال أبو عُمر: الذي يدخُلُ عَلينا في هذا، أنَّ الوُقُوفَ بعَرَفةَ فرضٌ، فيَسْتحيلُ أن يتأدَّى من غَيرِ قاصدٍ إلى أدائهِ، كالإحْرام سَواءً، وكسائرِ الفرائضِ لا تسقُطُ إلّا بالقَصدِ إلى أدائها بالنِّيَّةِ والعمل، هذا هُو الصَّحيحُ في هذا البابِ، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ. ووافقَ أبو حنيفةَ مالكًا، فيمَنْ شهِدَ عرفةَ مُغمًى عليه، ولم يُفِقْ (٤) حتَّى انصدَعَ الفجرُ. وخالَفهُما الشّافِعيُّ، فلم يُجِز للمُغمَى عليه وُقُوفَهُ بعَرَفةَ، حتَّى يَصِحَّ ويفيق، عالمًا بذلكَ، قاصِدًا إليه. وبقولِ الشّافِعيِّ قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، وأكثرُ النّاسِ (٥).

стр. 4476

وسَنذكُرُ التَّلبيةَ وحُكْمَها، في بابِ نافِع، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله. وأصلُ الإهلالِ في اللُّغة: رفعُ الصَّوتِ، وكلُّ رافِع صوتَهُ، فهُو مُهِلٌّ، ومنهُ قيلَ للطِّفل إذا سقَطَ من بَطْنِ أُمِّهِ فصاح: قدِ استَهلَّ صارِخًا، والاسْتِهلالُ والإهلالُ سواءٌ، ومنهُ قولُ الله : ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] لأنَّ الذّابح منهُم كان إذا ذبَحَ لآلهةٍ سمّاها، ورفَعَ صوتهُ بذِكرِها، وقال النّابِغةُ (١): أو دُرَّةٍ صَدفيَّةٍ غوّاصُها ... بهِجٌ متى يَرَها يُهِلَّ ويسجُدِ يعني بإهلالهِ، رفعَهُ صوتهُ بالحَمدِ والدُّعاءِ إذا رآها. وقال ابنُ أحمرَ (٢): يُهِلُّ بالفرقَدِ رُكبانُها ... كما يُهِلُّ الرّاكِبُ المُعتمِرُ واختلَفتِ الآثارُ في الموضِع الذي أحرمَ رسُولُ الله ﷺ فيه لحَجَّتِهِ من أقْطارِ ذي الحُليفةِ. ولا خِلافَ أنَّ ميقاتَ أهل المدينةِ ذُو الحُليفةِ. وسنذكُرُ المواقِيتَ، وما للعُلماءِ في حُكمِها، من القولِ (٣) في بابِ نافِع إن شاءَ الله، من كِتابِنا هذا. فقال قومٌ: أحرمَ من مَسجدِ ذي الحُليفةِ، بعد أن صلَّى فيه. وقال آخرُونَ: لم يُحرِم إلّا من بَعدِ أنِ اسْتَوتْ به راحِلتُهُ، بعد خُرُوجِهِ من المسجدِ. وقال آخرُونَ: إنَّما أحرمَ حينَ أظلَّ على البَيْداءِ، وأشرفَ عليها. وقد أوضحَ ابنُ عبّاسٍ المعنى في اختِلافِهِم ﵁.

стр. 4477

فأمّا الآثارُ التي ذُكِرَ فيها: أنَّهُ أهلَّ حينَ أشرَفَ على البَيْداءِ: فأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا النَّضرُ، قال: أخبرنا أشْعَثُ بن عبدِ الملكِ، عن الحَسَنِ، عن أنَسِ بن مالك، أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى الظُّهر بالبَيْداءِ ثُمَّ ركِبَ، وصعِدَ جبلَ البَيْداءِ، وأهلَّ بالحجِّ والعُمْرةِ حينَ صلَّى الظُّهرَ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٣): حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا أشْعَثُ، عن الحَسنِ، عن أنَسِ بن مالك: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى الظُّهرَ، ثُمَّ ركِبَ راحِلتهُ، فلمّا عَلا على البَيْداءِ أهلَّ. وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبغ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ بن عبدِ الوارثِ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن سالم، عن أبيه: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أحرَمَ من البَيْداءِ. ورُبَّما قال: من المسجدِ، حينَ اسْتَوت به راحِلتُهُ (٤). ورِوايةُ شُعبةَ لهذا الحديثِ عن موسى بن عُقبةَ، مُخالفةٌ لرِوايةِ مالكٍ عنهُ، بإسنادٍ واحِدٍ.

стр. 4478

ورَوَى مالكٌ، عن سَعيدٍ المقبُريِّ، عن عُبيدِ بن جُريج، أنَّهُ سمِعَ عبد الله بن عُمرَ يقولُ: لم أرَ رسُولَ الله ﷺ يُهِلُّ، حتَّى تَنْبعِثَ به راحِلتُهُ (١). وابنُ جُرَيج وغيرُهُ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن أنَسٍ، مِثلهُ بمعناهُ (٢). ومحمدُ بن إسحاقَ، عن أبي الزِّنادِ، عن عائشةَ بنتِ سعدٍ، عن أبيها، قال: كان رسُولُ الله ﷺ إذا أخذَ طريقَ الفرْع، أهلَّ إذا اسْتَقلَّت به راحِلتُهُ، وإذا أخذَ طريقَ أُحُدٍ، أهلَّ إذا أشرَفَ على البَيْداء (٣). ففي هذه الآثارِ كلِّها: الإهلالُ بالبيداءِ، وهي مُخالفةٌ لحديثِ مالكٍ في هذا البابِ. وقد ذكَرَ هذه الآثار كلَّها أبو داود، وهي آثارٌ ثابتةٌ، صِحاحٌ من جِهَةِ النَّقل، وحديثُ ابن عبّاسٍ يُفسِّرُ ما أوهَمَ الاختِلافُ منها، والحمد لله. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبدِ الرَّزّاقِ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشْعَث، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن منصورٍ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ بن سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني

стр. 4479

خُصَيفُ بن عبدِ الرَّحمنِ الجَزَريُّ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ قال: قلتُ لعَبدِ الله بن عبّاس: يا أبا عبّاس، عَجِبتُ لاختِلافِ أصْحابِ رسُولِ الله ﷺ ، في إهْلالِ رسُولِ الله ﷺ حينَ أوجَبَ. فقال: إنِّي لأعلَمُ النّاسِ بذلكَ، خرَجَ رسُولُ الله ﷺ حاجًّا، فلمّا صلَّى بمَسجدِهِ بذِي الحُليفةِ رَكْعتَيْه (١) أوجَبَ (٢) في مَجْلسِهِ، فأهَلَّ بالحجِّ حينَ فرَغَ من الرَّكْعتينِ، فسمِعَ ذلكَ منهُ أقْوامٌ، فحفِظَ عنهُ، ثُمَّ ركِبَ، فلمّا استقلَّت به ناقتُهُ أهلَّ، وأدركَ ذلك منهُ أقوامٌ، وذلكَ أنَّ النّاس كانوا يأتُونَ أرْسالًا، فسمِعُوهُ حينَ اسْتقلَّت به راحلته (٣) يُهِلُّ (٤)، فقالوا: إنَّما أهلَّ حينَ اسْتَقلَّت به ناقتُهُ، ثُمَّ مَضَى رسُولُ الله ﷺ ، فلمّا وقَفَ على شرفِ البَيْداءِ أهلَّ (٥)، وأدركَ ذلكَ منهُ أقوامٌ، فقالوا: إنَّما أهلَّ حينَ عَلا على شَرَفِ البَيْداءِ. فمن أخذ بقولِ عبدِ الله بن عبّاسٍ أهلَّ في مُصلّاهُ إذا فرَغَ من رَكْعتيهِ. قال أبو عُمر: فقد بانَ بهذا الحديثِ معنَى اختِلافِ الآثارِ في هذا البابِ، وفيه تهذيبٌ لها، وتلخيصٌ وتفسيرٌ لما كان ظاهِرُهُ الاختِلافُ منها، والأمرُ في هذا البابِ (٦) واسِعٌ عِندَ جميع العُلماءِ، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 4480

مالكٌ، عن موسى بن مَيْسرةَ حديثانِ مُتَّصِلانِ (١) وكان موسى (٢) بن مَيْسرةَ من فُضلاءِ أهل المدينةِ. وكان مالكٌ يُثني عليه، ويَصِفُهُ بالفَضل. وتُوفِّي موسى بن مَيْسرةَ سنةَ ثلاثٍ وثلاثين ومئةٍ، ويُكْنَى موسى بن مَيْسرةَ: أبا عُروة. حديثٌ أوَّلُ لموسى بن مَيْسرةَ مالكٌ (٣)، عن موسى بن مَيْسرةَ، عن سَعيدِ بن أبي هِنْدٍ، عن أبي موسى الأشْعَريِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من لعِبَ بالنَّردِ، فقَدْ عَصَى الله ورَسُولهُ". قال أبو عُمر: لم يختلِفِ الرُّواةُ "للمُوطَّأ" في إسنادِ هذا الحديثِ عن مالكٍ (٤)، ورواهُ إسحاقُ بن سُليمانَ الرّازيُّ، عن مالكٍ بإسنادِهِ، فقال: "من لَعِبَ بالنَّردَشِيرِ" (٥). ذكَرَهُ الدّارقُطنيُّ. وقد رُوِيَ فيه حديثٌ مُنكرٌ عن مالكٍ، عن نافِع، عن ابن (٦) عُمرَ، قال:

стр. 4481

قال رسُولُ الله ﷺ : "من لعِبَ بالشَّطرَنْج، فقد عَصَى الله ورسُولهُ". وهذا إسنادٌ عن مالكٍ مُظلمٌ، وهُو حديثٌ موضُوعٌ باطِلٌ. وأمّا حديثُ "المُوطَّأ" حديثُ أبي موسى هذا، فحديثٌ صحيحٌ، وليسَ يأتي إلّا من طريقِ سَعيدِ بن أبي هِندٍ، عن أبي موسى الأشْعَريِّ. وسعيدٌ هذا من ثِقاتِ التّابِعينَ، مولًى لفَزارةَ، وابنُهُ عبدُ الله بن سعيدِ بن أبي هِندٍ مُحدِّثٌ ثِقةٌ (١). ورَواهُ اللَّيثُ بن سعدٍ، عن ابن الهادِ، عن موسى بن مَيْسرةَ، عن عبدِ الله بن سَعيدٍ، عن سعيدِ بن أبي هِندٍ، عن أبي موسى، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ وذُكِرَ عِندَهُ النَّردُ، فقال: "عَصَى الله ورسُولهُ، عَصَى الله ورسُولهُ، من ضربَ بكِعابِها يَلْعبُ بها". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن إسحاق النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن يحيى، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، فذكرهُ بإسنادِه (٢). ورواهُ ابنُ وَهْبٍ قال: أخبرني أُسامةُ بن زَيْدٍ، أنَّ سعيدَ بن أبي هِندٍ حدَّثهُ، عن أبي موسى الأشعريِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من لعِبَ بالنَّردِ، فقد عَصَى الله ورسُولهُ" (٣).

стр. 4482

قَرأتُهُ على عبدِ الرَّحمنِ بن يحيى، أنَّ عليَّ بن محمدٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني أُسامَةُ بن زيدٍ، فذَكَرهُ (١). ثُمَّ ذكَرَ حديث مالك: عن مالكٍ والضَّحّاكِ بن عُثمانَ، عن موسى بن مَيْسرةَ، عن سعيدِ بن أبي هِندٍ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ مثلهُ. ورَوَى هذا الحديث حمّادُ بن زَيْدٍ، عن أيُّوبَ (٢)، عن نافِع، عن سَعِيدِ بن أبي هِندٍ، أنَّ أبا موسى قال: من لعِبَ بالنَّردِ، فقد عَصَى الله ورَسُولهُ (٣). يوقفه على أبي موسى، والذين رَفعُوهُ ثِقاتٌ يجِبُ قبُولُ زيادتِهِم، وفي قولِ أبي موسى: فقَدْ عَصَى الله ورسُولهُ. ما يدُلُّ على رَفْعِهِ. ورواهُ ابنُ المُباركِ، قال: أخبرنا أُسامَةُ بن زيدٍ، يعني اللَّيثيَّ، قال: حدَّثني سَعِيدُ بن أبي هِندٍ، عن أبي مُرَّةَ مولى عَقيلٍ فيما أعلمُ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من لعِبَ بالنَّردِ، فقد عَصَى الله ورَسُولهُ" (٤). وذكَرهُ أحمدُ بن حَنْبل (٥)، عن عبدِ الرَّزّاقِ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بن سَعيدِ بن أبي هِنْدٍ، عن أبيهِ، عن رَجُل، عن أبي موسى الأشعريِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من لَعِبَ بالكِعابِ، فقد عَصَى الله ورسُولهُ". وهذا الحديثُ يُحرِّمُ اللَّعِب بالنَّردِ جُملةً واحِدةً، لم يَسْتثنِ وقتًا من

стр. 4483

وقتٍ (١)، ولا حالًا من حال، فسَواءٌ شغَلَ النَّردُ عن الصَّلاةِ أو لم يَشْغَل، أو ألْهَى عن ذلك ومِثلهِ، أو لم يفعَلْ شيئًا من ذلكَ، على ظاهِرِ هذا الحديثِ. والنَّردُ قِطَعٌ مُلوَّنةٌ تكونُ من خَشبِ البَقْس (٢)، ومن عَظْم الفيل، ومن غيرِ ذلك. وهُو الذي يُعرَفُ بالطَّبل، ويعرفُ بالكِعابِ، ويعرفُ أيضًا بالأرُنِّ، ويعرِفُ أيضًا بالنَّردَشِيرِ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيانَ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثدٍ، عن سُليمانَ بن بُرَيدةَ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من لَعِبَ بالنَّردَشيرِ، فكأنَّما غمَسَ يَدهُ في لحم خِنْزير". وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الله بن نُمَيرٍ وأبو أُسامَةَ، عن سُفيانَ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثدٍ، عن سُليمانَ بن بُرَيدةَ، عن أبيهِ، رَفَعهُ قال: "من لعِبَ بالنَّردَشيرِ، فكأنَّما غمَسَ يَدَهُ في لحم خِنْزيرٍ ودَمِهِ". وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ قال: حدَّثني مالكُ بن أنَس (٥)، وعبدُ الله بن عُمر، ويونُسُ بن

стр. 4484

يزيدَ، وغيرُهُم، أنَّ نافِعًا حدَّثهُم: أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ كان إذا وجَدَ أحدًا يَلْعبُ بالنَّردِ، ضَرَبهُ وكسَّرها. زاد يونُسُ وغيرُهُ: وأمرَ بها فأُحْرِقَتْ بالنّارِ. قال: وحدَّثني سُليمانُ بن بِلال، عن يحيى بن سَعيدٍ، قال: دخَلَ عبدُ الله بن عُمرَ دارهُ، فإذا أُناسٌ يلعبُونَ فيها بالنَّردِ. قال: فصاحَ ابنُ عُمرَ، وقال: ما لدارِي يُلعَبُ فيها بالأرُنِّ! قال: وكانتِ النَّردُ تُدعَى في الجاهِليّة (١) بالأرُنِّ (٢). قال: وحدَّثنا جريرُ بن حازِم، عن الحَسن (٣) بن عُمارةَ، عن عليِّ بن الأقْمَر (٤) عن مَسرُوقِ بن الأجْدَع، قال: قال ابنُ مسعُود: إيّاكُم وهذه الكِعابِ المَوْشُوماتِ اللّاتي يُزجَرْنَ (٥)، فإنَّهنَّ من المَيْسِرِ. قال ابنُ وَهْب: وسمِعتُ مالك بن أنَسٍ يَكْرهُ ما يُلعَبُ به من الطَّبْل، والأربعَةَ عَشَرَ (٦). قال: وحدَّثني عبدُ الله بن عُمرَ، عن عبد الله بن دينار (٧) أنَّ عبد الله بن عُمر مرَّ بغِلْمانٍ يلعبُونَ بالكُجَّةِ، وهي حُفرٌ فيها حَصًى يلعبُونَ بها، قال: فسَدَّها ابنُ عُمرَ، ونَهاهُم عنها (٨).

стр. 4485

قال: وحدَّثني يونُسُ، عن ابن شِهاب، أنَّ أبا موسى الأشْعَريَّ قال: لا يَلعَبُ الشَّطَرنجَ إلّا خاطئٌ (١). وذكَرَ أبو زيدٍ عُمرُ بن شبَّةَ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى وإبراهيمُ بن المُنذِرِ، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن عِمْرانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جَعْفرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن المِسْوَرِ (٣) بن مَخْرمةَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَوْنٍ الأزديُّ، قال: سمِعتُ عُثمانَ بن أبي (٤) سُليمانَ يقولُ: أوَّلُ من قدِمَ بالنَّردِ إلى مَكَّةَ أبو قَيْسِ بن عبدِ مَنافِ بن زُهرةَ، فوَضَعَها بفِناءِ الكَعْبةِ، فلعِبَ بها، وعلَّمَها (٥). وذكر عُمرُ بن شبَّةَ (٦) في كِتابِهِ في "سِيَرِ عُثمان"، قال: حدَّثنا بشرُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلال، عن الجُعَيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن موسى بن أبي سهْل، عن زُيَيدِ بن الصَّلتِ، أنَّهُ سمِعَ عُثمان، وهُو على المِنْبرِ يقولُ: أيُّها النّاسُ، إيّاكُم والمَيْسِرَ، يُريدُ النَّرد، فإنَّهُ ذُكِرَ لي أنَّها في بُيُوتِ أُناسٍ مِنكُمْ، فمن كانت في بَيْتِهِ فليُخرِجها، وليَكْسِرها. ثُمَّ قال وهُو على المِنبرِ مرَّةً أُخرى: أيُّها النّاسُ إنِّي قد كلَّمتُكُم في هذه النَّردِ، فلم أرَكَمْ أخرجتُمُوها، ولقد هَممتُ بحُزم الحَطَبِ، ثُمَّ أُرسِلُ إلى الذين هي في بُيُوتِهِم فأُحرِقُها عليهم (٧).

стр. 4486

وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني مالكُ بن أنس (١)، عن عَلْقمةَ بن أبي عَلْقمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ زَوْج النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ بَلَغها: أنَّ أهلَ بَيْتٍ في دارِها عِندَهُم نَرْدٌ، فأرسلت إليهم لئنْ لم تُخرِجُوها، لأُخْرِجنَّكُم من دارِي. وأنْكَرَتْ ذلكَ عليهم. قال أبو عُمر: اختلَفَ العُلماءُ في اللَّعِبِ بالنَّردِ والشَّطرَنْج (٢). فكَرِه ذلكَ مالكٌ، على ما ذكَرْنا عنهُ، ولم يختلف أصحابُهُ في كَراهةِ اللَّعِبِ بها (٣). وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ كراهيةَ اللَّعِبِ بالنَّردِ، والشَّطرَنج عن ابن عُمرَ، وعائشةَ، وأبي موسى الأشعريِّ، والقاسم بن محمدٍ، وسَعيدِ بن المُسيِّبِ، وتُبيع (٤). وأكثرُهُم فيما تدُلُّ ألفاظُ الآثارِ عنهُم، إنَّما كَرِهُوا المُقامَرةَ بها. وقال الشّافِعيُّ: أكرَهُ اللَّعِب بالنَّردِ للخَبرِ، واللّاعِبُ بالشَّطرَنْج والحمام بغيرِ قِمارٍ، وإن كَرِهناهُ أيضًا، أخَفُّ حالًا (٥). وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ (٦): يُكرَهُ اللَّعِبُ بالشَّطرَنْج والنَّردِ، والأربعةَ عَشَر، وكلُّ اللَّهوِ. فإن لم يَظْهَر من اللّاعِبِ بها كبِيرةٌ، وكانت محَاسِنُهُ أكثرَ من مُساوِئهِ، قُبِلَتْ شهادتهُ عِندهُم. وقولُ مالكٍ وأصحابِهِ مِثلُ ذلك، إلّا أنَّ مَذْهبهُم في شَهادتِه: أنَّهُ لا تجُوزُ شَهادةُ اللّاعِبِ بالنَّردِ، ولا شَهادةُ المُدمِنِ على لَعِبِ الشَّطرَنْج.

стр. 4487

وقال بعضُهُم: النَّردُ والشَّطرَنجُ سواءٌ، لا يُكرَهُ إلّا الإدمانُ عليهما. وقال بعضهُم: الشَّطرَنجُ شرٌّ من النَّردِ، فلا تجُوزُ شَهادةُ اللّاعِبِ بها، وإنْ لم يَكُن مُدمِنًا. ومِمَّن قال ذلك: اللَّيثُ بن سعدٍ، ذكَرَهُ ابنُ وَهْبٍ عنهُ، قال: اللَّعِبُ بالشَّطرَنْج لا خيرَ فيه، وهي شرٌّ من النَّردِ (١). وقال ابنُ شِهاب: هي من الباطِل، ولا أُحِبُّها. ذكَرَهُ ابنُ وَهْب، عن يحيى بن أيُّوبَ، عن عُقَيل، عنهُ (٢). وأمّا الشّافِعيُّ فلا تَسْقُطُ عِندَ أصْحابِهِ في مذهبِهِ شَهادةُ اللّاعِبِ بالنَّردِ، ولا بالشَّطرَنْج، إذا كان عدلًا في جَميع أحوالهِ، لم يَظْهر منهُ سَفَهٌ، ولا رِيبةٌ، ولا كبيرةٌ، إلّا أن يلعَبَ بها قِمارًا، فإنْ لعِبَ بها قِمارًا أو كان بذلكَ معرُوفًا، سَقَطت عدالتُهُ، وسفهَ نفسَهُ، لأكلِهِ المالَ بالباطِل. ولم يختلفِ العُلماءُ: أنَّ القِمارَ من المَيْسِرِ المُحرَّم، وجُمهور أهل العِلْم (٣) على كَراهةِ اللَّعِبِ بالنَّردِ على كلِّ حال، قِمارًا أو غيرَ قِمارٍ، للخبرِ الوارِدِ فيها، وما أعلَمُ أحدًا أرخَصَ في اللَّعِبِ بها، إلّا ما جاءَ عن عَبدِ الله بن مُغفَّل، وعِكْرِمةَ، والشَّعبيِّ، وسَعيدِ بن المُسيِّبِ. ورَوَى شعبةُ (٤) عن يزيدَ بن أبي خالدٍ، قال: دَخَلتُ على عبدِ الله بن المُغفَّل، وهُو يُلاعِبُ امرَأتهُ الخُضَيراءَ بالقِصاب (٥). يعني: النَّردشيرِ.

стр. 4488

ورُوِيَ عن عِكْرِمةَ، والشَّعبيّ: أنَّهُما كانا يَلْعبانِ بالنَّردِ. وذكَرَ ابنُ قُتيبةَ (١)، عن إسحاقَ ابن راهُوية، عن النَّضرِ بن شُمَيل، عن شُعبةَ، عن عبدِ ربِّهِ قال: سَمِعتُ سعيدَ بن المُسيِّبِ، وسُئلَ عن اللَّعِبِ بالنَّردِ، فقال: إذا لم يكُن قِمارًا، فلا بأس به (٢). قال إسحاقُ: إذا لَعِبهُ على غيرِ معنى القِمارِ، يُريدُ به التَّعليم، والمُكايَدةَ، فهُو مكرُوهٌ، ولا يبلُغُ ذلكَ إسقاطَ شَهادتِهِ. قال أبو عُمر: ثبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن اللَّعِبِ بالنَّردِ. وأخبَرَ (٣) أنَّ فاعِلَ ذلك عاصٍ لله ورَسُولهِ، فلا معنَى لما خالَفَ ذلك، وكلُّ من خالَفَ السُّنَّةَ، فمحجُوجٌ بها، والحقُّ في اتِّباعِها، والضَّلالُ فيما خالَفَها، إلّا أنَّهُ يَحْتمِلُ اللَّعِبُ بالنَّردِ المنهيِّ عنهُ، أن يكونَ (٤) على وَجْهِ القِمارِ، وحَمْلُ ذلك على العُمُوم، قِمارًا وغيرَ (٥) قِمارٍ، أوْلَى وأحْوَطُ إن شاءَ الله. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا وَكِيعٌ، عن الفَضْلِ بن دَلهم، قال: كان الحسنُ يقولُ: النَّردُ مَيْسِرُ العَجَم (٦). وأمّا الشَّطرنجُ، فاختِلافُ أهل العِلم في اللَّعِبِ بها، على غيرِ اخْتِلافِهِم في اللَّعِبِ بالنَّردِ، لأنَّ كثيرًا منهُم أجازَ اللَّعِب بالشَّطرَنْج على غيرِ قِمارٍ.

стр. 4489

وممن رُوَيتِ الرُّخصةُ عنهُ في اللَّعِبِ بالشَّطرَنْج، ما لم يكُن قِمارًا: سعيدُ بن المُسيِّبِ، وسعيدُ بن جُبيرٍ، ومحمدُ بن سيرين، ومحمدُ بن المُنكدِرِ، وعُروةُ بن الزُّبيرِ، وابنُهُ هشامٌ، وسُليمانُ بن يَسارٍ، وأبو وائل، والشَّعبيُّ، والحسنُ البصريُّ، وعليُّ بن الحُسين (١) بن عليٍّ، وجعفرُ بن محمدٍ، وابنُ شِهاب، ورَبيعةُ، وعَطاءٌ، كلُّ هؤُلاءِ يُجيزُ اللَّعِبَ بها على غَيرِ قِمار (٢). وقد رُوِيَ عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ في الشَّطرَنْج: أنَّها مَيْسِرٌ (٣). وهذا محمُولٌ عِندَنا على القِمارِ، لئلّا تتعارَضِ الرِّواياتُ (٤) عنهُ. ولا يختلِفُ العُلماءُ في أنَّ المُقامَرةَ عليها، وأكلَ الخَطَر (٥) بها لا يحِلُّ، وإنَّهُ من المَيْسِرِ المُحرَّم، وفاعِلُ ذلك، المشهُورُ به، سَفِيهٌ لا تجُوزُ شهادتُهُ. ورَوَى الوليدُ بن مُسلم قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، عن أبي هُريرةَ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "من قال لصاحبِه: تعالَ أقامِرُكَ، فلْيتصَدَّقْ" (٦).

стр. 4490

قال الوليدُ: سَمِعتُ الأوزاعيَّ يقولُ: إذا تقامَرا بمالَينِ، فهُو حَرامٌ عليهم (١) فليتَصَدَّقا به، فإن كان في قِمارِهِما عِتقُ مملُوكٍ، نفَذَ (٢) ذلك. حدَّثنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بن رَشِيقٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا الصَّلتُ بن مَسْعُودٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زَيْدٍ، عن هشام، عن محمدِ بن سِيرينَ: أنَّهُ لم يَكُن يَرى بأسًا بلَعِبِ الشَّطرَنْج، إذا لم يكُن قِمارًا. أخبرنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن هارُونَ الجَوْهَريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ رِشْدينٍ، قال: حدَّثنا ابنُ بُكيرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ لِهيعةَ، عن عُقَيل، عن ابن شِهابٍ قال: لا بأسَ بلعِبِ الشَّطرَنج، ما لم يكُن فيه قِمارٌ. ورَوَى وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن لَيْثٍ، عن مُجاهِد، وطاووسٍ، وعَطاءٍ، قالوا: كلُّ شيءٍ من القِمارِ، فهُو من المَيْسِرِ، حتَّى لعِبُ الصِّبيانِ بالجَوْز (٣). ووكيعٌ، عن سُفيانَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، مِثلهُ. وتحصيلُ مَذْهبِ مالكٍ، وجُمهُورِ الفُقهاءِ، في الشَّطرَنْج: أنَّ من لم يُقامِرْ بها، ولعِبَ معَ أهلهِ في بَيْتِهِ مُستتِرًا به، مرَّةً في الشَّهرِ، أوِ العام، لا يُطَّلَعُ عليه، ولا يُعلَمُ به: أنَّهُ معفُوٌ عنهُ، غيرُ مُحرَّم عليه، ولا مَكْرُوه لهُ، وأنَّهُ إن تخلَّعَ به، واستهترَ (٤) فيه، سَقَطَتْ مُرُوءَتُهُ وعَدالتُهُ، ورُدَّت شَهادتُهُ. وهذا يدُلُّكَ على أنَّهُ ليسَ بمُحرَّم لنَفسِهِ، وعَيْنِه، لأنَّهُ لو كان كذلكَ، لاسْتَوى قليلُهُ وكثيرُهُ في تَحْريمهِ، وليس بمُضطَرٍّ إليه، ولا مِمّا لا (٥) ينفَكُّ عنهُ، فيُعفَى عن اليسيرِ منهُ.

стр. 4491

حديثٌ ثانٍ لموسى بن مَيْسرةَ مالكٌ (١)، عن موسى بن مَيْسَرةَ، عن أبي مُرَّةَ مولَى عَقِيل بن أبي طالبٍ، أنَّ أمَّ هانئ بنتَ أبي طالبٍ أخْبَرتهُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى عامَ الفَتْح ثَماني رَكَعاتٍ، مُلتحِفًا في ثوبٍ واحِدٍ. قال أبو عُمر: أبو مُرَّةَ هذا، قيلَ: اسمُهُ يزيدُ، ويُقالُ: هُو مولى أمِّ هانئ، والصَّحيحُ أنَّهُ مولى عَقيلِ بن أبي طالبٍ، كما قال مالكٌ، عن أبي النَّضر (٢) وموسى بن ميسرةَ، وأمّا أمُّ هانئ فقد ذكرناها في الصَّحابة (٣) بما يُغني عن ذِكرِها هاهُنا. وذكَرَ بعضُ من ذهَبَ مذهب العِراقيِّينَ، في أنَّ صلاةَ النَّهارِ جائزٌ أن تكونَ أربعًا، وسِتًّا، وثمانيًا، وأكثرَ، لا يُسلَّمُ إلّا في آخِرِهِنَّ، أنَّ حديثَ أمِّ هانئ هذا، في صلاتِهِ ﵇ صَلاةَ الضُّحَى يَشْهدُ لهُ، لأنَّهُ ليسَ فيه أنَّ رسُولَ الله ﷺ سلَّمَ في شيءٍ منها، إلّا في آخِرِها. قال أبو عُمر: وليسَ لهُ فيما ذكَرَ من ذلك حُجَّةٌ، لأنَّهُ حديثٌ مُجملٌ، يُفسِّرُهُ غيرُهُ. وقد رَوَى عليٌّ الأزديُّ البارِقيُّ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى" (٤). وبه كان يُفتي ابنُ عُمر. ذكر مالكٌ (٥) أنَّهُ بلغهُ، أنَّ عبدَ الله بن عُمر كان يقولُ: صَلاةُ اللَّيل والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى.

стр. 4492

و"مَثْنَى ومَثْنَى". يَقْتضي الجُلُوسَ، والسَّلام في كلِّ ركعتينِ. ومِمّا يدُلُّ على أنَّ صَلاةَ النَّهارِ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، كصلاةِ اللَّيل سَواءٌ قولُهُ ﷺ : "إذا دخَلَ أحدُكُمُ المَسجدَ، فليُصلِّ رَكْعتينِ" (١). وأنَّهُ ﷺ كان يُصلِّي قبلَ الظُّهرِ رَكْعتينِ، وبعدَهُ ركعتينِ، وقبلَ الفَجْرِ رَكْعتين (٢). وأنَّهُ كان إذا قدِمَ من سَفرٍ صلَّى رَكْعتين (٣). وعلى هذا القولِ جَماعةُ فُقهاءِ الحِجازِ، وإليه ذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، واحتجَّ بنَحوِ ما ذكَرْنا. وكان يحيى بن مَعينٍ يُخالفُ أحمد في حديثِ عليٍّ الأزديِّ، ويُضعِّفُهُ، ولا يحتجُّ به، ويَذْهبُ مذهَبَ الكُوفيِّين في هذه المسألةِ، ويقولُ: إنَّ نافِعًا، وعبدَ الله بن دينارٍ، وجَماعةً، رووا هذا الحديث عن ابن عُمرَ (٤). لم يذكُرُوا فيه: "والنَّهارِ". قال أبو عُمر: مذهبُ أحمدَ معَ أنَّهُ مذهبُ الحِجازيِّين أوْلَى، لأنَّ ابن عُمرَ رَوَى هذا الحديث، وفهِمَ مَخْرجهُ، وكان يقولُ بأنَّ صلاةَ اللَّيل والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنى. ولم يَكُنِ ابنُ عُمر ليُخالفَ رسُولَ الله ﷺ لو فهِمَ عنه (٥) أنَّ صَلاةَ النَّهارِ بخِلافِ صَلاةِ اللَّيلِ في ذلكَ، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 4493

وقد رَوَى اللَّيثُ، عن عبدِ رَبِّه (١) بن سَعيدٍ، عن عِمْران بن أبي (٢) أنسٍ، عن عبدِ الله بن نافِع بن العَمْياءِ، عن رَبِيعةَ بن الحارِثِ، عن الفَضْلِ بن عبّاس، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "الصلاةُ مَثْنَى مَثْنَى" (٣). لم يخُصَّ ليلًا من نهارٍ، ولكنَّهُ إسنادٌ مُضطرِبٌ ضعيفٌ لا يُحتجُّ بمِثلهِ، رواهُ شُعبةُ على خِلافِ ما رواهُ اللَّيثُ، وقد ذكَرْناهُ في بابِ نافِع، والحمدُ لله (٤). ورَوَى ابنُ وَهْب، عن عِياضٍ، عن مَخْرمَةَ بن سُليمانَ، عن كُرَيبٍ مولى (٥) ابن عبّاس، عن أمِّ هانئ هذا الحديث، عن رسُولِ الله ﷺ في صَلاةِ الضُّحى الثماني رَكعات: أنَّهُ كان يُسلِّمُ في كلِّ اثْنَتينِ منها. وهذا إسنادٌ قد احتجَّ به أحمدُ بن حَنْبل. قال أبو بكرٍ الأثرمُ: قيلَ لأبي عبدِ الله، يعني أحمد (٦) بن حنبل: أليسَ قد رُوِيَ أنَّ رسُولَ الله (٧) ﷺ صلَّى قبلَ الظُّهرِ أربعًا؟ فقال: وقد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى الضُّحَى ثماني رَكَعاتٍ، أفَتُراهُ لم يُسلِّم منها؟ ثمَّ (٨) قال أبو عبدِ الله: هذا حديثُ أمِّ هانئ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى الضُّحى ثَماني رَكَعاتٍ. حديثٌ يَثْبُت (٩).

стр. 4494

قال أبو بكر: رُوِيَ حديثُ أمِّ هانئ من وُجُوهٍ لم يُذكر فيها التَّسليم، ثُمَّ وَجَدتُهُ مُفسَّرًا على ما تأوَّلهُ أبو عبدِ الله. حدَّثنا عليُّ بن أحمد بن القاسم الباهِليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرني عِياضٌ، يعني ابن عبدِ الله الفِهريَّ، عن مَخْرمَةَ بن سُليمانَ، عن كُريبٍ مولى (١) ابن عبّاس، عن أمِّ هانئ بنتِ أبي طالب: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صَلَّى (٢) الضُّحَى ثماني رَكعاتٍ، سلَّمَ من كلِّ رَكْعتين (٣). وهذا يدُلُّ على أنَّ قولهُ ﷺ : "مَثْنَى مَثْنَى". خرجَ على جوابِ السّائل عن صلاةِ اللَّيل، فقيلَ لهُ: مَثْنَى مَثْنَى، ولو سألَ عن صلاةِ النَّهارِ، احتملَ أن يُقال لهُ كذلك أيضًا. ويدُلُّ أيضًا على أنَّ زيادةَ عليٍّ الأزديِّ، عن ابن عُمرَ غيرُ (٤) مدفُوعَة (٥)، وحَسْبُك بفتوى ابن عُمر الذي روى الحديثَ، ومن رَوَى شيئًا، مُسَلَّمٌ لهُ في تأويلهِ، لأنَّهُ شهِدَ مَخْرجهُ وفحواهُ.

стр. 4495

وأمّا صَلاةُ الضُّحى، واختِلافُ الآثارِ فيها، وما للعُلماءِ في ذلك كلِّهِ، فقد تَقصَّيناهُ في بابِ ابن شِهابٍ عن عُرْوةَ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: أخبرنا شُعبَةُ، عن يَعْلى بن عَطاءٍ، عن عليِّ بن عبدِ الله البارِقيِّ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "صلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى" (١). قال أبو عُمر: رَوَى سالمٌ، ونافِعٌ، وعبدُ الله بن دينارٍ، وأبو سَلَمةَ، وطاووسٌ، وعبدُ الله بن شَقِيق (٢)، ومحمدُ بن سيرينَ، كلّهُم عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنى مَثْنَى" (٣). لم يذكُرُوا النَّهار. ورَوَى يحيى بن سَعيدٍ الأنصاريُّ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يَتَطوَّعُ بالنَّهارِ أربعًا، لا يَفصِلُ بينهُنَّ. وقد ذكَرْناهُ في بابِ نافِع. وهذا خِلافُ ما ذكَرَ مالكٌ: أنَّهُ بَلَغهُ عنهُ. ومالكٌ لا يَرْوي إلّا عن ثِقةٍ، وبلاغاتُهُ إذا تُفُقِّدت لم تُوجَد إلّا صِحاحًا، فحصَلَ ابنُ عُمر مُختلفًا عنهُ في فِعلِه، وفي حديثِهِ المرفُوع، إلّا أنَّ من (٤) حملَ المرفُوع من حديثِهِ، الذي فيه الحُجَّةُ، على أنَّهُ

стр. 4496

خرجَ على جوابِ السّائل، بدليلِ رِوايةِ علي (١) الأزديِّ عنهُ، كان مذهبًا، وعليه أكثرُ فُقهاءِ الحِجازِ، وأكثرُ أهلِ الحديثِ، وبالله التَّوفيقُ (٢).

стр. 4497

مالكٌ، عن موسى بن أبي تَميم حديثٌ واحِدٌ صحيحٌ وموسى (١) هذا مدنيٌّ ثِقةٌ، روى عنهُ مالكٌ، وغيرُهُ. مالكٌ (٢)، عن موسى بن أبي تميم، عن أبي الحُبابِ سَعيدِ بن يَسارٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الدِّينارُ بالدِّينارِ، والدِّرهمُ بالدِّرهم، لا فضلَ بَيْنهُما". قد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، وما كان مِثلُهُ، في بابِ حُمَيدِ بن قَيْسٍ من كِتابِنا هذا. ولا خِلافَ بين فُقَهاءِ الأمْصارِ، وأهلِ العِلم بالآثارِ، في القولِ به، فلا يجُوزُ عِندَ جميعِهِم: بَيْعُ دِرهم بدِرهمينِ، ولا دينارٍ بدينارينِ، يدًا بيدٍ. وعلى ذلك جميعُ السَّلفِ، إلّا عبدَ الله بن عبّاس، فإنَّهُ كان يُجيزُ بيعَ الدِّرهم بالدِّرْهمينِ، والدِّينارِ بالدِّينارينِ يدًا بيَدٍ، ويقولُ: حدَّثني أُسامةُ بن زيدٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّما الرِّبا في النَّسِيئة" (٣). وهذا الحديثُ وَضَعَهُ أُسامَةُ، أو ابنُ عبّاس (٤) غير مَوْضِعِهِ؛ لأنَّهُ حديثٌ خرَجَ عِندَ جَماعةِ العُلَماءِ على الذَّهَبِ بالفِضَّةِ، وعلى جِنْسينِ مُختَلِفينِ من الطَّعام، فهذا هُو الذي لا رِبا فيه إلّا في النَّسيئَةِ، والشَّواهِدُ في هذا تَكْثُرُ جِدًّا، منها:
следующие страницы →