← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4493–4532 · переход к 4498.

стр. 4493

وقد رَوَى اللَّيثُ، عن عبدِ رَبِّه (١) بن سَعيدٍ، عن عِمْران بن أبي (٢) أنسٍ، عن عبدِ الله بن نافِع بن العَمْياءِ، عن رَبِيعةَ بن الحارِثِ، عن الفَضْلِ بن عبّاس، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "الصلاةُ مَثْنَى مَثْنَى" (٣). لم يخُصَّ ليلًا من نهارٍ، ولكنَّهُ إسنادٌ مُضطرِبٌ ضعيفٌ لا يُحتجُّ بمِثلهِ، رواهُ شُعبةُ على خِلافِ ما رواهُ اللَّيثُ، وقد ذكَرْناهُ في بابِ نافِع، والحمدُ لله (٤). ورَوَى ابنُ وَهْب، عن عِياضٍ، عن مَخْرمَةَ بن سُليمانَ، عن كُرَيبٍ مولى (٥) ابن عبّاس، عن أمِّ هانئ هذا الحديث، عن رسُولِ الله ﷺ في صَلاةِ الضُّحى الثماني رَكعات: أنَّهُ كان يُسلِّمُ في كلِّ اثْنَتينِ منها. وهذا إسنادٌ قد احتجَّ به أحمدُ بن حَنْبل. قال أبو بكرٍ الأثرمُ: قيلَ لأبي عبدِ الله، يعني أحمد (٦) بن حنبل: أليسَ قد رُوِيَ أنَّ رسُولَ الله (٧) ﷺ صلَّى قبلَ الظُّهرِ أربعًا؟ فقال: وقد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى الضُّحَى ثماني رَكَعاتٍ، أفَتُراهُ لم يُسلِّم منها؟ ثمَّ (٨) قال أبو عبدِ الله: هذا حديثُ أمِّ هانئ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى الضُّحى ثَماني رَكَعاتٍ. حديثٌ يَثْبُت (٩).

стр. 4494

قال أبو بكر: رُوِيَ حديثُ أمِّ هانئ من وُجُوهٍ لم يُذكر فيها التَّسليم، ثُمَّ وَجَدتُهُ مُفسَّرًا على ما تأوَّلهُ أبو عبدِ الله. حدَّثنا عليُّ بن أحمد بن القاسم الباهِليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرني عِياضٌ، يعني ابن عبدِ الله الفِهريَّ، عن مَخْرمَةَ بن سُليمانَ، عن كُريبٍ مولى (١) ابن عبّاس، عن أمِّ هانئ بنتِ أبي طالب: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صَلَّى (٢) الضُّحَى ثماني رَكعاتٍ، سلَّمَ من كلِّ رَكْعتين (٣). وهذا يدُلُّ على أنَّ قولهُ ﷺ : "مَثْنَى مَثْنَى". خرجَ على جوابِ السّائل عن صلاةِ اللَّيل، فقيلَ لهُ: مَثْنَى مَثْنَى، ولو سألَ عن صلاةِ النَّهارِ، احتملَ أن يُقال لهُ كذلك أيضًا. ويدُلُّ أيضًا على أنَّ زيادةَ عليٍّ الأزديِّ، عن ابن عُمرَ غيرُ (٤) مدفُوعَة (٥)، وحَسْبُك بفتوى ابن عُمر الذي روى الحديثَ، ومن رَوَى شيئًا، مُسَلَّمٌ لهُ في تأويلهِ، لأنَّهُ شهِدَ مَخْرجهُ وفحواهُ.

стр. 4495

وأمّا صَلاةُ الضُّحى، واختِلافُ الآثارِ فيها، وما للعُلماءِ في ذلك كلِّهِ، فقد تَقصَّيناهُ في بابِ ابن شِهابٍ عن عُرْوةَ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: أخبرنا شُعبَةُ، عن يَعْلى بن عَطاءٍ، عن عليِّ بن عبدِ الله البارِقيِّ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "صلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى" (١). قال أبو عُمر: رَوَى سالمٌ، ونافِعٌ، وعبدُ الله بن دينارٍ، وأبو سَلَمةَ، وطاووسٌ، وعبدُ الله بن شَقِيق (٢)، ومحمدُ بن سيرينَ، كلّهُم عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنى مَثْنَى" (٣). لم يذكُرُوا النَّهار. ورَوَى يحيى بن سَعيدٍ الأنصاريُّ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يَتَطوَّعُ بالنَّهارِ أربعًا، لا يَفصِلُ بينهُنَّ. وقد ذكَرْناهُ في بابِ نافِع. وهذا خِلافُ ما ذكَرَ مالكٌ: أنَّهُ بَلَغهُ عنهُ. ومالكٌ لا يَرْوي إلّا عن ثِقةٍ، وبلاغاتُهُ إذا تُفُقِّدت لم تُوجَد إلّا صِحاحًا، فحصَلَ ابنُ عُمر مُختلفًا عنهُ في فِعلِه، وفي حديثِهِ المرفُوع، إلّا أنَّ من (٤) حملَ المرفُوع من حديثِهِ، الذي فيه الحُجَّةُ، على أنَّهُ

стр. 4496

خرجَ على جوابِ السّائل، بدليلِ رِوايةِ علي (١) الأزديِّ عنهُ، كان مذهبًا، وعليه أكثرُ فُقهاءِ الحِجازِ، وأكثرُ أهلِ الحديثِ، وبالله التَّوفيقُ (٢).

стр. 4497

مالكٌ، عن موسى بن أبي تَميم حديثٌ واحِدٌ صحيحٌ وموسى (١) هذا مدنيٌّ ثِقةٌ، روى عنهُ مالكٌ، وغيرُهُ. مالكٌ (٢)، عن موسى بن أبي تميم، عن أبي الحُبابِ سَعيدِ بن يَسارٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الدِّينارُ بالدِّينارِ، والدِّرهمُ بالدِّرهم، لا فضلَ بَيْنهُما". قد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، وما كان مِثلُهُ، في بابِ حُمَيدِ بن قَيْسٍ من كِتابِنا هذا. ولا خِلافَ بين فُقَهاءِ الأمْصارِ، وأهلِ العِلم بالآثارِ، في القولِ به، فلا يجُوزُ عِندَ جميعِهِم: بَيْعُ دِرهم بدِرهمينِ، ولا دينارٍ بدينارينِ، يدًا بيدٍ. وعلى ذلك جميعُ السَّلفِ، إلّا عبدَ الله بن عبّاس، فإنَّهُ كان يُجيزُ بيعَ الدِّرهم بالدِّرْهمينِ، والدِّينارِ بالدِّينارينِ يدًا بيَدٍ، ويقولُ: حدَّثني أُسامةُ بن زيدٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّما الرِّبا في النَّسِيئة" (٣). وهذا الحديثُ وَضَعَهُ أُسامَةُ، أو ابنُ عبّاس (٤) غير مَوْضِعِهِ؛ لأنَّهُ حديثٌ خرَجَ عِندَ جَماعةِ العُلَماءِ على الذَّهَبِ بالفِضَّةِ، وعلى جِنْسينِ مُختَلِفينِ من الطَّعام، فهذا هُو الذي لا رِبا فيه إلّا في النَّسيئَةِ، والشَّواهِدُ في هذا تَكْثُرُ جِدًّا، منها:

стр. 4498

حديثُ مالك (١)، عن نافِع، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا تبَيِعُوا الذَّهب بالذَّهبِ، إلّا مِثلًا بمِثل، ولا تُشِفُّوا (٢) بعضَها على بعضٍ، ولا تَبِيعُوا الورِقَ بالوَرِق، إلّا مِثلًا بمِثل، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ". ومنها: حديثُ عُبادةَ بن الصّامِتِ، وقد ذكَرْنا كثيرًا من طُرقهِ في بابِ زيدِ بن أسلم، قال عُبادةُ: سمِعتُ رسُول الله ﷺ يقولُ: "الذَّهبُ بالذَّهبِ، مِثلًا بمِثل، والفِضَّةُ بالفِضةِ، مِثلًا بمِثل، منِ ازدادَ فقد أرْبَى" (٣). وحديثُ أبي هُريرةَ (٤) في هذا البابِ وغَيرِهِ. والأحاديثُ كثيرةٌ في ذلكَ جِدًّا عن النَّبيِّ ﷺ ، وعن جماعةِ أصْحابِهِ، إلّا ابن عبّاس، منهُم: أبو بكر (٥) وعُمرُ (٦) وعُثمانُ (٧) وعليٌّ (٨) وابنُ مسعُودٍ، وزيدُ بن ثا بتٍ، وأبو الدَّرْداء (٩) وأبو هُريرةَ، وغيرُهُم يطُولُ ذِكرُهُم.

стр. 4499

وليسَ في خِلافِ السُّنَّةِ عُذرٌ لأحَدٍ، لأنَّهُ جَهِلها، ومن جَهِلها مردُودٌ إليها ومحجُوجٌ بها، على أنَّهُ قد رُوِيَ عن ابن عبّاس، أنَّهُ رجعَ عن قوله (١) ذلك في الصَّرفِ، لَمَّا حدَّثهُ أبو سعيدٍ الخُدريُّ، عن النَّبيِّ ﷺ بخِلافِ قولهِ. ورواهُ مَعْمرٌ وابنُ عُيينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن أبي صالح، عن أبي سَعيدٍ وابنِ عبّاس (٢) (٣). ورَوَى الثَّوريُّ، عن أبي هاشِم الواسِطيِّ، عن زيادٍ، قال: كُنتُ مع ابن عبّاسٍ في الطّائفِ، فرجَعَ عن الصَّرفِ قبلَ أن يمُوتَ بسبعينَ يومًا (٤). وقد مَضَى في بابِ زيدِ بن أسلَمَ أحاديثُ في هذا البابِ، والحمدُ لله، فلا وجهَ لإعادةِ القولِ فيه هاهُنا، ومن تأمَّلهُ في بابِ حُمَيدٍ، كفاهُ إن شاءَ الله تعالى.

стр. 4500

مالكٌ، عن مُسلم بن أبي مَرْيَمَ (١) وهُو مدنيٌّ ثِقةٌ روى عنهُ مالكٌ، وابنُ عُيَينةَ، ووُهَيبُ بن خالدٍ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ. وكان مالكٌ يُثني عليه، ويقولُ: كان رَجُلًا صالحًا (٢)، وكان يهابُ أن يرفَعَ الأحاديثَ (٣). لمالكٍ عنهُ من حديثِ النَّبيِّ ﷺ في "المُوطَّأ" ثلاثةُ أحاديث، أحدُها لم يَختلفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في رَفْعِهِ، والاثْنانِ جُمهُورُ رُواتِهِ على توقيفِهِما: يحيى بن يحيى وغيرُهُ، ورفَعَ ابنُ وَهْبٍ أحدهُما، ورفَعَ ابنُ نافِع الآخر، وهُما مرفُوعانِ من غيرِ رِوايةِ مالكٍ من وُجُوهٍ صِحاح كلُّها.

стр. 4501

حديثٌ أوَّلُ لمُسلم بن أبي مَرْيمَ مالكٌ (١)، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن عليِّ بن عبدِ الرَّحمن (٢) المُعاويِّ، أنَّهُ قال: رآني عبدُ الله بن عُمرَ وأنا أعْبَثُ بالحَصْباءِ في الصَّلاةِ، فلمّا انْصَرفتُ نَهاني، وقال: اصنَعْ كما كان رسُولُ الله ﷺ يَصْنعُ. فقلتُ: وكيفَ كان رَسُولُ الله ﷺ (٣) يصنعُ؟ قال: كان إذا جلَسَ في الصَّلاةِ، وضَعَ كفَّهُ (٤) اليُمْنَى، على فَخِذِهِ اليُمْنَى، وقبَضَ أصابِعهُ كلَّها، وأشارَ بإصبَعِهِ التي تَلي الإبهامَ، ووضَعَ كفَّهُ اليُسْرَى، على فَخِذِهِ اليُسْرَى. وقال: هكذا كان يفعلُ. قال أبو عُمر: عليٌّ المُعاويُّ، منسُوبٌ إلى بني مُعاويةَ، فَخِذٍ من الأنصارِ. وفي هذا الحديثِ من الفِقه: أنَّهُ لا يجُوزُ العَبَثُ في الصَّلاةِ بالحَصْباءِ. وهُو أمرٌ مُجتمعٌ عليه، وكذلكَ غيرُ الحَصْباء (٥)، لا يجُوزُ العَبَثُ في الصَّلاةِ بالحصباءِ، ولا بغيرِها، وأنَّ ذلكَ على أيِّ وَجْهٍ كان إذا كثُرَ وطالَ، وشغَلَ عن الصَّلاةِ، أفسدَ الصَّلاةَ، وإنَّما لم يأمُرِ ابنُ عُمر عَليًّا هذا بالإعادةِ، والله أعلمُ، لأنَّهُ كان ذلك منهُ يسيرًا. وقد جاءَ في حديثِ أبي ذرّ: أنَّهُ كرِهَ مَسْحَ الحَصْباءِ في الصَّلاةِ، إلّا مرَّةً واحِدةً (٦). كَراهيةَ العمَلِ في الصلاةِ، فكيفَ العَبَثُ بها في الصَّلاةِ.

стр. 4502

وقد رَوَى الزُّهريُّ، عن أبي الأحْوَصِ، شيخ من أهلِ المدينةِ، عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، مِثْلُه بمَعْناه (١). ورُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ مِثلُ ذلك أيضًا، من حديثِ مُعَيقيب (٢)، وحُذيفةَ بن اليَمان (٣). وقد مَضَى القولُ فيما يجُوزُ من العمَل، وما لا يجُوزُ منهُ في الصَّلاةِ، في بابِ زَيْدِ بن أسلَمَ من كِتابِنا هذا. وفي هذا الحديثِ أيضًا: دليلٌ على أنَّ على اليَدَينِ عَملًا في الصَّلاةِ تَشْتغِلانِ به فيها، وذلكَ ما وصفَ ابنُ عُمر في الجُلُوسِ، وهيئَتِهِ. وأمّا القيامُ، فالسُّنَّةُ أن يضَعَ كفَّهُ اليُمْنَى على كُوعِهِ. وقد قيلَ: إنَّ المقصِدَ في وَضْع كَفِّهِ (٤) اليُمْنَى على كُوعِهِ الأيْسَرِ، تَسْكينُ يَدَيهِ، لأنَّ إرسالهما لا يُؤمَنُ معَهُ العَبَثُ بهما، وذلك أيضًا سُنَّةٌ. وقد قال ابنُ عُمرَ: اليَدانِ تَسْجُدانِ، كما يَسْجُدُ الوَجْهُ (٥). فكان يُخرجُ يَدَيهِ في البَرْدِ، فيُباشرُ بهما، ما يُباشرُ بوَجْهِهِ في سجُودِهِ، فكأنَّ ابن عُمرَ قال لهُ: أشْغِلْ يدَيْكَ (٦) بما في السُّنَّةِ من العمَلِ بهما (٧) في الصَّلاةِ (٨)، ولا تَعْبَث بهما.

стр. 4503

وسيأتي القولُ في وضع اليُمنى على اليُسْرَى في قيام الصَّلاةِ، في بابِ عبدِ الكَريم إن شاءَ الله. وما جاءَ في هذا الحديثِ من صِفَةِ الجُلُوسِ، ورُتبةِ اليَدَينِ، على ما وصفَ ابنُ عُمرَ ﵀، هُو قولُ مالكٍ، وسائرِ الفُقهاءِ، وعليه العملُ. وفيه الإشارةُ بالسَّبّاحَةِ والسَّبّابةِ، وكِلاهُما اسمٌ للإصْبَع التي تِلي الإبهامَ. ورُوي مِثلُ ذلكَ عن النَّبيِّ ﷺ ، من حديثِ عامرِ بن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، ومن حديثِ مالكِ بن نُمَيرٍ الخُزاعيِّ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ . حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن ابن عَجْلانَ، عن عامرِ بن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن أبيهِ، قال: كان رسُولُ الله ﷺ إذا جلَسَ يدعُو، وضَعَ (٢) يدَهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، ويدهُ اليُسْرَى على فَخِذِهِ اليُسْرَى، وأشارَ بإصبعِهِ السَّبّابةِ، ووضَعَ إبهامهُ على إصْبعِهِ الوُسْطَى، ويُلقِمُ كفَّهُ اليُسْرَى رُكْبَتَهُ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبرنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرَّحيم البزّازُ (٤)، قال: حدَّثنا عفّانُ،

стр. 4504

قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زياد (١)، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن حَكِيم، قال: حدَّثنا عامرُ بن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن أبيهِ، قال: كان رسُولُ الله ﷺ إذا قعَدَ في الصَّلاةِ، جعَلَ قَدَمهُ اليُسْرَى، تحتَ فَخِذِهِ وساقِهِ، وفرَشَ (٢) قدمَه اليُمنى، ووضَعَ يدَهُ اليُسْرَى على رُكبتِهِ اليُسْرَى، ووضَعَ يَدَهُ اليُمنى على فَخِذِهِ اليُمنى، وأشارَ بإصْبَعِهِ. ورواهُ ابنُ جُريج، عن زيادِ بن سَعْدٍ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن عامرٍ، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُشيرُ بإصْبَعِهِ، ولا يُحرِّكُها (٣). ورواهُ رَوْحُ بن القاسم، عن ابن عَجْلانَ (٤) بإسنادِهِ، وقال فيه: ووضَعَ يدَهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمنى، وقال بإصْبَعِهِ هكذا، لم يمُدَّها، ولم يَعْقُفها (٥). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٦): حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا عِصامُ بن قُدامةَ (٧)، قال: حدَّثنا مالكُ بن نُمَيرٍ الخُزاعيُّ، من أهل البَصْرةِ، أنَّ أباهُ حدَّثهُ، أنَّهُ رأى رسُولَ الله ﷺ

стр. 4505

قاعِدًا في الصَّلاةِ، واضِعًا ذِراعهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، رافِعًا إصْبَعهُ السَّبّابةَ، قد حَناها شيئًا، وهُو يدعُو. ورواهُ جماعةٌ عن عِصام بن قُدامَةَ (١). قال أبو عُمر: لم نَذْكُر في هذا البابِ (٢) إلّا وضَعَ اليَدَينِ على الرُّكْبَتينِ في الجُلُوسِ، وَهيئَتها في ذلكَ، والإشارةَ بالإصْبَع لا غيرُ. وسنذكُرُ هَيْئةَ (٣) الجُلُوسِ في الصَّلاةِ، ومن قال: يَنْصِبُ اليُمْنَى، ويَثْني اليُسْرَى، ويُفضِي بوَرِكِهِ إلى الأرضِ، ومن قال غيرَ ذلك، ونذكُرُ الآثار، وما للعُلماءِ في ذلكَ من الأقوال، في بابِ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، قال: أخبرني عليُّ بن عبدِ الرَّحمنِ المُعاويُّ، قال: صلَّيتُ إلى جَنْبِ ابن عُمرَ، فقلَّبتُ الحَصباءَ، فلمّا انصرفَ، ومرَّةً قال: فرَغَ من صلاتِهِ، قال: لا تَقْلبِ الحَصْباءَ، فإنَّ تَقْليبَ الحَصْباء من الشَّيطانِ، وافْعَلْ كما رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يفعلُ (٤). قلتُ: وكيفَ رأيتَ رسُولَ الله ﷺ يَفْعلُ؟ فوَضَعَ يدهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمنى، وضَمَّ أصابِعَهُ الثَّلاثةَ، ونصبَ السَّبّابةَ، ووضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى على فَخِذِهِ اليُسرى، وبَسَطها. قال سُفيانُ: وكان يحيى بن سَعيدٍ قد حدَّثنا عنهُ أوَّلًا، ثُمَّ لَقِيتُهُ فسمِعتُهُ منهُ، وزادَني فيه مُسلمٌ، وقال: هي مُدْيَةُ الشَّيطانِ، لا يَسْهُو أحدُكُم ما دامَ يُشيرُ بإصْبَعِهِ، ويقولُ هكذا (٥).

стр. 4506

حديثٌ ثانٍ لمُسلم بن أبي مَرْيمَ مالكٌ (١)، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح السَّمّانِ، عن أبي هُريرةَ، أنَّهُ قال: تُعرَضُ أعمالُ النّاسِ كلَّ (٢) جُمُعةٍ مرَّتينِ، يومَ الاثنينِ، ويوم الخميسِ، فيُغفَرُ لكلِّ عَبْدٍ مُؤمِنٍ، إلّا عبدًا كانت بَيْنهُ وبينَ أخيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: اترُكُوا هَذَينِ حتَّى يَفِيئا، أوِ ارْكُوا (٣) هذينِ حتَّى (٤) يفيئا (٥). قال أبو عُمر: هكذا رَوَى يحيى بن يحيى هذا الحديثَ موقُوفًا على أبي هُريرةَ، وتابَعهُ عامَّةُ رُواةِ "المُوطَّأ" وجُمهُورُهُم على ذلكَ (٦)، ورواهُ ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، مرفُوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ بإسنادِهِ هذا، وذكَرْناهُ في كِتابِنا على شَرْطِنا أن نذكُرَ فيه كلَّ ما يُمكِنُ إضافتُهُ إلى النَّبيِّ ﷺ من قولهِ. ومعلُومٌ أنَّ هذا ومِثلهُ، لا يجُوزُ أن يكونَ رأيًا من أبي هُريرةَ، وإنَّما هُو تَوْقيفٌ، لا يشُكُّ في ذلك أحد لهُ أقلُّ فَهْم، وأدنى مَنْزِلةٍ من العِلْم، لأنَّ مِثلَ هذا لا يُدرَكُ بالرَّأيِ، فكيفَ وقد رواهُ ابنُ وَهْب، وهُو من أجلِّ أصحابِ مالكٍ، عن مالكٍ مرفُوعًا، ورُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ مرفُوعًا من وُجُوهٍ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قِراءَةً مِنِّي عليه، قال: أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ ومحمدُ بن محمدِ بن أبي دُلَيم وأحمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحيم ومحمدُ بن يحيى بن عبدِ العزيزِ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن عُمرَ،

стр. 4507

قال: حدَّثنا الحارِثُ بن مِسْكينٍ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال (١): حدَّثنا مالكٌ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح السَّمّانِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "تُعرَضُ أعمالُ النّاسِ ... ". فذَكَرهُ حرفًا بحَرْفٍ. قال أحمدُ بن خالد: وحدَّثناهُ ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ، عن ابن وَهْب، عن مالكٍ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح السَّمّانِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، فذكرَهُ (٢). وأخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن خالدٍ، قال: حدَّثنا تميمُ بن محمد (٣)، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا سُحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، فذكرهُ بإسنادِهِ مِثلَهُ مرفُوعًا. وحدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن زكريّا، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن جَعْفرٍ الوَكِيعيُّ (٤)، قال: حدَّثنا عَمرُو بن سوّاد (٥). قال (٦): وحدَّثنا خَلَف، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن أحمد، قال: حدَّثنا مكحُولٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن وَهْب، قال: حدَّثنا عَمِّي عبدُ الله بن وَهْب، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح السَّمّانِ، عن أبي هُريرةَ، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "تُعرَضُ أعمالُ النّاسِ في كلِّ جُمُعةٍ مرَّتينِ، يومَ الاثْنَينِ، ويومَ الخَمِيسِ، فيُغفَرُ لكلِّ مُؤمِنٍ، إلّا عَبْدًا كانت بَيْنهُ وبينَ أخيهِ

стр. 4508

شَحْناءُ، فيُقالُ (١): اترُكُوا هَذَينِ حتَّى يَفِيئا" (٢). وهكذا رواهُ أحمدُ بن صالح، ويونُسُ بن عبدِ الأعْلَى (٣)، وسُليمانُ بن داودَ (٤)، كلُّهُم عن ابن وَهْب، مِثلهُ مُسْندًا. وقد رَوَى معنى هذا الحديثِ مرفُوعًا عن النَّبيِّ ﷺ مالكٌ (٥) وغيرُهُ، عن سُهَيل (٦) بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . وأمّا قولُهُ في هذا الحديث: "شحناءُ" فالشَّحناءُ، العداوةُ. وأمّا قولُهُ: "اركُوا (٧) هذينِ حتَّى يفيئا". فمعناهُ، أخِّرُوا هَذينِ حتَّى يَرْجِعا، ويَنْصرِفا إلى الصُّحبةِ، على ما كانا عليه، تقولُ العربُ: أخِّر هذا، وأرْج هذا، وأركِ هذا، كلُّ ذلك بمعنًى واحِد، أي: اترُكهُ، قال ذلك الأصْمَعيُّ، وغيرُهُ (٨). وقولُهُ: "حتَّى يَفِيئا" أي: يَرْجِعا ويَتَراجعان، والفيءُ في لسانِ العَرب: الرُّجُوعُ، يُقالُ: فاءَ الظِلُّ، أي: رجَعَ، وفاءَ الرَّجُلُ، أي: رجَعَ، ومِثلُهُ قولُ الله : ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي: فإن رجعُوا إلى ما كانوا عليه من وَطْءِ أزواجِهِم، وحنَّثُوا أنفُسهُم، وقال جلَّ وعزَّ: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] أي: تُراجِع أمرَ الله، وتَرْجِعَ إلى أمْرِ الله.

стр. 4509

حديثٌ ثالثٌ لمُسلم بن أبي مَرْيمَ مالكٌ (١)، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح السَّمّان، عن أبي هُريرةَ، أنَّهُ قال: نِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ، لا يدخُلْنَ الجنّةَ، ولا يجِدنَ ريحَها، وريحُها يُوجَدُ من مَسيرةِ (٢) خمسِ مئةِ سَنةٍ. قال أبو عمر (٣): هكذا رَوَى هذا الحديث يحيى موقُوفًا، من قول أبي هُريرةَ، وكذلك هُو في "المُوطَّأ" عِندَ جماعة (٤) رُواتِه (٥)، إلّا ابن نافِع، فإنَّهُ رَواهُ عن مالكٍ بإسْنادِهِ هذا، مرفُوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ . ومعلُومٌ أنَّ هذا لا يُمكِنُ أن يكونَ من رأي أبي هُريرةَ، لأنَّ مِثلَ هذا لا يُدرَكُ بالرَّأي، ومُحالٌ أن يقولَ أبو هُريرةَ من رأيه: لا يَدْخُلنَ الجنّةَ، ويُوجَدُ رِيحُ الجنَّةِ من مَسيرةِ كذا. ومِثلُ هذا لا يُسَلَّم (٦) رأيًا، وإنَّما يكونُ تَوْقيفًا، مِمَّن لا يُدفعُ عن عِلْم الغَيْبِ ﷺ . وقد رُوِيَ عن ابن بُكيرٍ، عن مالكٍ مُسندًا، وفي "المُوطَّأ" عن مالكٍ لابنِ بُكيرٍ غيرُ ذلك. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الله بن بُكيرٍ، قال: حدَّثنا

стр. 4510

مالكُ بن أنسٍ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "نِساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ، لا يَدْخُلنَ الجنّةَ، ولا يجِدْنَ ريحَها، وريحُها يُوجَدُ من مَسيرةِ خمسِ مئةِ سَنة" (١). هذا الإسنادُ (٢) لا مطعَنَ فيه عن ابن بُكَيرٍ، وكذلك رواهُ (٣) ابن نافِع. حدَّثنا خلفُ بن القاسم وعليُّ بن إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بن رَشِيقٍ، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن محمدٍ البَصْريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح المِصريُّ، قال: قَرأتُ على عبدِ الله بن نافِع، عن مالكٍ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح السَّمّانِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، فذكَرَهُ (٤). وقد رُوِيَ هذا المعنَى مُسندًا عن أبي هُريرةَ من وُجُوهٍ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن الخَضرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥): حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن سُهَيل، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "صِنفانِ من أهْلِ النّار، قومٌ معَهُم سياطٌ كأذنابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بها، ونِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كأسْنِمةِ البُخْتِ المائلةِ، لا يَدْخُلنَ الجنّةَ، ولا

стр. 4511

يجِدْنَ ريحَها، وإنَّ ريحَها ليُوجَدُ من مَسِيرةِ كذا، وكذا" (١). وأمّا معنَى قوله: "كاسياتٌ عارياتٌ" فإنَّهُ أرادَ اللَّواتي يَلْبسنَ من الثِّيابِ الشَّيءَ الخَفِيفَ، الذي يصِفُ ولا يستُرُ، فهُنَّ كاسياتٌ بالاسْم، عارياتٌ في الحَقِيقةِ، مائلاتٌ عن الحقِّ، مُميلاتٌ لأزواجِهِنَّ عنهُ. وأمّا قولُهُ: "لا يَدْخُلنَ الجنّةَ". فهذا عِندي محمُولٌ على المشيئَةِ، وأنَّ هذا جَزاؤُهُنَّ، فإن عَفا الله عنهُنَّ، فهُو أهلُ العَفْوِ والمغفِرةِ، ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. حدَّثنا سَعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن نُمَيرٍ، عن يحيى بن سَعِيدٍ، عن محمدِ بن شِهاب، عن امرأةٍ من قُرَيش: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرَجَ ذاتَ ليلةٍ، فنَظَرَ إلى أُفُقِ السَّماءِ، فقال: "ماذا فُتِحَ من الخَزائنِ؟ وماذا وقَعَ من الفِتَنِ؟ رُبَّ كاسِيةٍ في الدُّنيا، عاريةٌ يوم القِيامةِ، أيْقِظُوا صَواحِبَ الحُجَرِ" (٢). قولُهُ: "ماذا فُتِحَ (٣) من الخَزائنِ؟ " يعني اللَّيلةَ، يُريدُ ما يُفتَحُ على أُمَّتِهِ

стр. 4512

من كُنُوزِ كِسْرَى وقَيْصر، وغيرِهِما من الأُمم، وما تَلْقَى أُمَّتُهُ من الفِتَنِ بعدَهُ، من قتلِ بعضِهِم بعضًا، إلى خُرُوج الدَّجّال، والله أعلمُ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ المُبارَكِ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن هِندٍ بنتِ الحارِثِ، عن أمِّ سَلَمةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَيقَظَ ليلةً، فقال: "سُبحانَ الله، ماذا أنزَلَ الله اللَّيلةَ (١) من الفِتْنةِ؟ ماذا فتَحَ الله (٢) من الخَزائنِ؟ من يُوقِظ صواحِبَ الحُجُراتِ؟ يا رُبَّ (٣) كاسيةٍ في الدُّنيا، عاريةٍ يوم القِيامَة" (٤).

стр. 4513

مالكٌ، عن مَخْرمةَ بن سُليمان حديثٌ واحِدٌ وهُو مَخْرَمةُ (١) بن سُليمانَ الوالبيُّ، قُتِلَ يومَ قُديدٍ، سنةَ ثلاثينَ ومئةٍ، وهُو ابنُ سبعينَ سنةً، وكان ثِقةً، رَوَى (٢) عنهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ. مالك (٣)، عن مَخْرمةَ بن سُليمانَ، عن كُريبٍ مولى ابن عبّاس: أنَّ عبدَ الله بن عبّاسٍ أخبرهُ: أنَّهُ باتَ ليلةً عِندَ مَيْمُونةَ زوج النَّبيِّ ﷺ ، وهي خالتُهُ، قال: فاضْطَجعتُ في عُرضِ الوِسادةِ، واضْطَجعَ رسُولُ الله ﷺ في طُولها، فنامَ رسُولُ الله ﷺ حتَّى إذا انتصَفَ اللَّيلُ، أو قبلَهُ بقليل، أو بعدَهُ بقليل، اسْتَيقظَ رسُولُ الله ﷺ ، فجلَسَ يمسحُ النَّومَ عن وجهِهِ بيدِهِ، ثُمَّ قَرَأ العشرَ الآياتِ الخواتِمَ، من سُورةِ آل عِمرانَ، ثُمَّ قام إلى شَنٍّ مُعَلَّق (٤) فتَوضَّأ منها فأحسَنَ وُضُوءَهُ (٥)، ثُمَّ قامَ يُصلِّي. قال ابنُ عبّاس: فقُمتُ فصَنَعتُ مِثل ما صنَعَ، ثُمَّ ذهَبتُ فقُمتُ إلى جَنْبِهِ، فوضَعَ رسُولُ الله ﷺ يدَهُ اليُمْنَى على رأسي، وأخذَ بأُذُني اليُمْنَى يَفْتِلُها، فصلَّى رَكْعتينِ، ثُمَّ رَكْعتينِ، ثُمَّ رَكْعتينِ، ثُمَّ رَكْعتينِ، ثُمَّ رَكْعتينِ، ثُمَّ رَكْعتينِ، ثُمَّ أوتَرَ، ثُمَّ اضْطَجعَ حتَّى أتاهُ المُؤَذِّنُ، فصَلَّى رَكْعتينِ خَفِيفتينِ، ثُمَّ خرجَ فصلَّى الصُّبحَ.

стр. 4514

قال أبو عُمر: لم يُختَلَف عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث ومَتْنِهِ (١). وقد رَوَى هذا الحديث عن مَخْرمةَ غيرُ واحِدٍ، ورواهُ عن كُريبٍ جَماعةٌ، ورواهُ عن ابن عبّاسٍ أيضًا جماعةٌ، وفي ألفاظِ الأحاديثِ عنهُم من طُرُقِهِم اختِلافٌ كثيرٌ. وفي هذا الحديثِ من الفِقه: جَوازُ مَبِيتِ الغُلام عِندَ ذي رَحِمِهِ المحرم منهُ، وهذا ما لا خِلافَ فيهِ. وفيه: مُراعاةُ التَّحرِّي في الألْفاظِ والمعاني. والوِسادةُ هُنا، الفِراشُ وشبهُهُ، وكان ابن عبّاسٍ (٢)، والله أعلمُ، مُضطجِعًا عِندَ رِجْلي رسُولِ الله ﷺ ، أو رأسِهِ. وفيه: قِراءَةُ القُرآنِ على غيرِ وُضُوءٍ، لأنَّهُ نامَ النَّومَ الكثيرَ، الذي لا يُختَلفُ في مِثلهِ، ثُمَّ اسْتَيقظَ فقَرأ قبلَ أن يتوضَّأ، ثُمَّ توضَّأ بعدُ وصلَّى.

стр. 4515

ومن هذا المعنى، والله أعلمُ، أخذَ عُمرُ قولهُ، للَّذي قال: أتقْرأُ وأنتَ على غيرِ وُضُوءٍ؟ فقال لهُ عُمرُ: من (١) أفتاكَ بهذا، أمُسَيلمةُ (٢)؟ وكان الرَّجُلُ، فيما زَعَمُوا، من بني حَنِيفةَ، قد صَحِبَ مُسَيلمةَ الحَنَفيَّ الكذّاب، ثُمَّ هَداهُ الله للإسلام بَعْدُ، وأظُنُّهُ كان يُتَّهمُ بأنَّهُ قاتِلُ زيدِ بن الخطّابِ، أخي عُمرَ. وقُتِلَ زيدُ بن الخطّاب (٣) باليَمامةِ شَهِيدًا، وقد ذكَرْنا خبَرهُ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٤). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٥): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: أخبرنا أبو هِلال، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بُرَيدةَ، قال: أحدَثَ عُمرُ بن الخطّابِ بَوْلًا أو غائطًا، فذكَرَ الله، أو تَلا آياتٍ من كِتابِ الله، فقال لهُ أبو مَرْيمَ الحنفيُّ: يا أميرَ المُؤمِنينَ تَقْرأُ القُرآنَ وقد أحْدَثتَ؟ فقال لهُ عُمرُ: إنَّهُ ليسَ بدينِ ابن عمِّك مُسَيلمةَ. أو قال: من علَّمكَ هذا، مُسيلمةُ؟ وذكَرَ مالكٌ (٦)، عن أيُّوبَ السَّخْتيانيِّ، عن ابن سِيرينَ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ كان في قوم، وهُو يَقْرأُ، فقامَ لحاجتِهِ، ثُمَّ رجَعَ وهُو يَقْرأُ، فقال لهُ رجُلٌ: لم تَتَوضَّأ يا أميرَ المُؤمِنينَ، وأنتَ تَقْرأُ. فقال عُمرُ: من أفتاكَ بهذا، مُسَيلمةُ؟ وفيه: ما كان عليه رسُولُ الله ﷺ من التَّواضُع، والنَّوم كيفَ أمْكَنهُ. وأمّا قولُهُ: "قامَ إلى شنٍّ مُعلَّقٍ". فالشَّنُّ، القِربةُ الخَلَقُ، والإداوةُ الخَلَقُ،

стр. 4516

يُقالُ لكُلٍّ واحِدٍ منهُما (١): شنَّةٌ، وشنٌّ، وجمعُها شِنانٌ، ومنهُ الحديثُ: "قَرِّسُوا (٢) لهُ الماءُ في الشِّنانِ" (٣). يعني الأداوَى والقِرابِ. وفيه قيامُهُ باللَّيلِ بالقُرآنِ في الصَّلاةِ ﷺ . وقيامُ اللَّيل سُنَّةٌ مَسْنُونةٌ، لا يَنْبغي تَرْكُها، فطُوبَى لمن يُسِّر لها، وأُعِينَ عليها، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ قد عَمِلَ بها، وندَبَ إليها. وروى (٤) عَوْفُ بن أبي جميلةَ الأعرابيُّ، عن زُرارةَ بن أوْفَى، عن عبدِ الله بن سَلَام، قال: لمّا قدِمَ رسُولُ الله ﷺ المدينةَ، انجفَلَ إليه النّاسُ، فكُنتُ فيمَنْ خرَجَ ينظُرُ إليه، فلمّا تَبيَّنتُ وَجْههُ، عَلِمتُ أنَّهُ ليسَ بوَجْهِ كذّابٍ، فكان أوَّلُ ما سَمِعتُهُ يقولُ: "أيُّها النّاسُ، أفْشُوا السَّلامَ، وأطعِمُوا الطَّعامَ، وصِلُوا الأرْحامَ، وصلُّوا باللَّيل (٥) والنّاسُ نيامٌ، تدخُلُوا الجنّةَ بسلام" (٦). وقد رُوِيَ عن بعضِ التّابِعينَ: أنَّ قيامَ اللَّيل فَرْضٌ، ولو كقَدْرِ حَلْبِ شاةٍ. وهُو قولٌ مترُوكٌ، والعُلماءُ على خِلافِهِ، والذي عليهِ العُلماءُ من الصَّحابةِ والتّابِعينِ، وفُقهاءِ المُسلمينَ: أنَّ ذلك فَضِيلةٌ، لا فَرِيضةً، ولو كان قيامُ اللَّيل فَرْضًا، لكان مِقدارًا مُؤَقَّتًا معلُومًا، كسائرِ الفَرائضِ.

стр. 4517

وقد رَوَى قَتادةُ، عن زُرارةَ بن أوْفَى، عن سَعْدِ (١) بن هشام، عن عائشةَ، أنَّهُ قال لها: حَدِّثيني عن قِيام اللَّيل، فقالت: ألَسْتَ تقرأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، قال: فقلتُ: بلى، قالت: فإنَّ أوَّلَ هذه السُّورةِ نزلت، فقامَ أصْحابُ رسُولِ الله ﷺ حتَّى انْتَفخَت أقدامُهُم، وحُبِسَ خاتِمتُها في السَّماءِ اثْنَيّ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ أُنزِل آخِرُها، فصارَ قيامُ اللَّيل تَطوُّعًا بعد فَرِيضة (٢). وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): حدَّثنا قتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أفضَلُ الصِّيام بعدَ شَهرِ رمضانَ شَهْرُ الله المُحرَّمُ، وأفْضَلُ الصَّلاةِ بعدَ الفَرِيضةِ، صَلاةُ اللَّيلُ". ورواهُ شُعبَةُ، عن أبي بِشْرٍ، عن حُميدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مُرسلًا (٤).

стр. 4518

وفيه رَدٌّ على من لم يُجِز للمُصلِّي أن يؤُمَّ أحدًا، إلّا أن يَنْوي الإمامَةَ مع الإحْرام، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم ينوِ إمامَةَ ابن عبّاس، وقد قامَ إلى جَنْبِهِ فأتمَّ به، وسلكَ رسُولُ الله ﷺ فيه سُنّةَ الإمامةِ، إذ نَقَلهُ عن شِمالهِ إلى يَمينِه. وفي هذه المسألةِ أقْوالٌ: أحَدُها هذا، وقد ذكَرْنا فَسادهُ. وقال آخرُونَ: أمّا المُؤَذِّنُ والإمامُ إذا أذَّنَ، فدَعا النّاس إلى الصلاةِ، ثُمَّ انتظرَ فلَمْ يأتِهِ أحَدٌ فتَقَدَّم وحدهُ، وصلَّى، فدخَلَ رجُلٌ، فجائزٌ لهُ أن يدخُلَ مَعهُ في صلاتِهِ، ويكونَ إمامَهُ، لأنَّهُ قد دَعا النّاس إلى الصَّلاةِ، ونَوَى الإمامةَ. وقال آخرُونَ: جائزٌ لكلِّ منِ افتَتَحَ الصَّلاةَ وحدَهُ، أن يكونَ إمامًا لمنِ ائتَمَّ به في تلك الصَّلاةِ، لأنَّهُ فِعلُ خَيْرٍ لم يَمْنع الله منهُ، ولا رسُولُهُ، ولا اتَّفقَ الجميعُ على المنع منهُ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديث: "فصلَّى رَكْعتينِ، ثُمَّ رَكْعتينِ ... " الحديثَ. فإنَّ ذلكَ محمُولٌ عِندَنا، على أنَّهُ كان يَجْلسُ في كلِّ اثْنَتينِ، ويُسلِّمُ منهُما، بدليل قولهِ ﷺ : "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنى مَثْنَى (١) " (٢). ومُحالٌ أن يأمُرَ بما لا يفعلُ ﷺ ، وقد رُوِيَ في هذا الخبر: أنَّهُ كان يُسلِّمُ من كلِّ اثْنَتينِ من صَلاتِهِ تلك. ورُوي عنهُ غيرُ ذلك. وقولُهُ ﷺ : "صَلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى". يقضي على كلِّ ما اختُلِفَ فيه من ذلك. وأمّا قولُهُ ﷺ في هذا الحديث: "ثُمَّ أوتَرَ، ثُمَّ اضطَجعَ، حتَّى أتاهُ المُؤَذِّنُ، فصَلَّى رَكْعتينِ خَفِيفتينِ". فإنَّ الآثارَ اختَلَفت في اضْطِجاعِهِ المذكُورِ في هذا الحديثِ،

стр. 4519

فرُوِيَ أنَّ ذلكَ كان بعدَ وِترِهِ، قبلَ (١) رَكْعتَي الفَجْرِ. ورُوي أنَّ ذلك كان بعدَ رُكُوعِهِ رَكْعتي الفَجْرِ. ورِوايةُ مالكٍ لذلكَ في هذا الحديثِ، كرِوايتِهِ لذلكَ أيضًا في حديثهِ عن ابن شهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ. وقد مَضَى القولُ في ذلكَ، وفي الاضْطِجاع، ومن عدَّهُ سُنّةً، ومن أبَى ذلكَ (٢)، وما رُوِيَ فيه من الآثارِ، في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، من كِتابِنا هذا، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ، أعْني قولَ ابن عبّاس: ثُمَّ قُمْتُ إلى جَنْبِهِ، يعني رسُولَ الله ﷺ ، فوضَعَ يدهُ اليُمْنَى على رأسي، وأخذ بأُذُني اليُمْنَى يَفْتِلُها. فمعناهُ أنَّهُ قامَ عن يَسارِهِ، فأخَذهُ رسُولُ الله ﷺ فجَعلهُ عن يَمينِهِ. وهذا المعنى لم يُقِمهُ مالكٌ في حديثهِ هذا، وقد ذكَرَهُ أكثرُ الرُّواةِ لهذا الحديثِ عن كُريبٍ، من حديثِ مخرَمَةَ وغيرِهِ، وذكَرهُ جماعةٌ عن ابن عبّاسٍ أيضًا في هذا الحديثِ، وهي سُنَّةٌ مسنُونةٌ مُجتمَعٌ عليها، لأنَّ الإمامَ إذا قامَ مَعهُ أحدٌ (٣)، لم يَقُم إلّا عن يَمينِهِ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى بن عُمر (٤) قال: حدَّثنا عليُّ بن حَرْبٍ الطّائيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن كُريبٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: بِتُّ عِندَ خالَتي مَيْمُونةَ، فقامَ رسُولُ الله ﷺ

стр. 4520

من اللَّيلِ فتَوضَّأ من شَنٍّ مُعلَّقٍ، فذكَرَ وُضُوءًا خَفِيفًا يُخفِّفُهُ (١)، ثُمَّ قامَ يُصلِّي، فقُمتُ، وتوضَّأتُ، وجِئتُ فقُمتُ عن يَسارِهِ، فحوَّلني فجَعَلني عن يَمينِه، فصلَّى ما شاءَ الله، ثُمَّ اضْطَجعَ، حتَّى جاءَهُ المُنادي، فقامَ إلى الصَّلاة (٢). وقد رَوَى هذا الحديث: اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن سعيدِ بن أبي (٣) هِلال، عن مَخْرمَةَ بن سُليمانَ، فذكر ذلك. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكرِ بن عبدِ الرَّزّاقِ، قال: حَدَّثَنَا سُليمانُ بن الأشْعَث، قال (٤): حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ بن شُعَيبِ بن اللَّيثِ، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن جَدِّي، عن خالدِ بن يزيدَ، عن سَعِيدِ بن أبي هِلال، عن مَخْرمَةَ بن سُليمانَ. وحَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٥): حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم، عن شُعَيبٍ، قال: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ، عن (٦) ابن أبي هِلال، عن مَخْرمَةَ بن سُليمانَ،

стр. 4521

أنَّ كُريبًا مولى ابن عبّاسٍ أخبَرهُ، قال: سألتُ ابن عبّاسٍ قلتُ: كيفَ كانت صَلاةُ رسولِ الله ﷺ باللَّيل؟ قال: بتُّ عِندَهُ ليلةً، وهُو عِندَ ميمُونةَ، فاضْطَجعَ رسُولُ الله ﷺ ومَيْمُونةُ على وِسادةٍ من أدم مَحْشُوَّة ليفًا، فنامَ حتَّى إذا ذهَبَ ثُلُثُ اللَّيل، أو نِصفُهُ، اسْتَيقظَ، فقامَ إلى شنِّ فيه ماءٌ، فتَوضَّأ، وتوضَّأتُ مَعهُ، ثُمَّ قامَ، فقُمتُ إلى جَنْبِهِ، على يَسارِهِ فجَعَلني على يَمينِهِ، ووضَعَ يدهُ على رأسي، فجعلَ يَمْسحُ أُذُني، كأنَّهُ يُوقِظُني، فصَلَّى رَكْعتينِ خَفِيفتينِ، قلتُ: قَرَأ فيهِما بأُمِّ القُرآنِ في كلِّ ركعةٍ، ثُمَّ سلَّمَ، ثُمَّ صلَّى إحْدَى عَشْرةَ ركعةً بالوِترِ، ثُمَّ نامَ حتَّى اسْتَثقلَ، فرأيتُهُ ينفُخُ. ولم يذكُر أبو داود: حتَّى اسْتَثقلَ فرأيتُهُ ينفُخُ. ثمَّ اتَّفقا. فأتاهُ بلالٌ، فقال: الصَّلاةَ يا رسولَ الله، فقامَ فصلَّى رَكْعتينِ، ثُمَّ صلَّى للنّاسِ. زاد ابنُ عبدِ الحَكَم: ولم يتوضَّأ. وليسَ ذلك في حديثِ عبدِ الملكِ بن شُعيبٍ. وفي حديثِ ابن عبدِ الحكم أيضًا: أنَّ رسولَ الله ﷺ في كان يَقْرأُ في بعضِ حُجَرِهِ، يَسْمَعُ قِراءَتهُ من كان خَلْفهُ. وليسَ ذلكَ في حديثِ عبدِ الملكِ بن شُعَيبٍ، فيما ذكَرَ (١) أبو داود. قال أبو عُمر: أكثرُ ما رُوِيَ عنهُ، من رُكُوعِهِ في صَلاتِهِ باللَّيل ﷺ ، ما رُوِيَ في هذا الخَبرِ عن ابن عبّاس، من حديثِ كُريبٍ هذا، وما كان مِثلُهُ، وليسَ في عَدَدِ الرَّكعاتِ من صَلاةِ اللَّيل حَدٌّ محدُودٌ عِندَ أحدٍ من أهلِ العِلْم لا يُتَعدَّي، وإنَّما الصَّلاةُ خير موضُوع، وفِعلُ برٍّ، وقُرْبةٌ، فمن شاءَ اسْتكثرَ، ومن شاءَ اسْتَقلَّ، واللّه يُوفِّقُ ويُعينُ من يَشاءُ برحمَتِهِ، لا شَرِيكَ لهُ (٢).

стр. 4522

حَدَّثَنَا خلفُ بن القاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن الخَصِيبِ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن هاشِم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن حَنْبل، قال (١): حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أيُّوبُ، عن عبدِ الله بن سَعيدِ بن جُبَيرٍ، عن أبيهِ، عن ابن عبّاس، أنَّهُ قال: بِتُّ عِندَ خالتي مَيْمُونةَ، فقامَ رَسُولُ الله ﷺ يُصلِّي من اللَّيل، وقُمتُ أُصلِّي مَعهُ، فقُمتُ عن شِمالهِ، فقال هكذا، وأخَذَ برأسِي فأقامَني عن يَمينِهِ. وحَدَّثَنَا خلَفُ بن القاسم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن محمدِ بن رِشْدينَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن صالح، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزّاق، قال (٢): حَدَّثَنَا سُفيانُ الثَّوريُّ، عن سَلَمةَ بن كُهَيل، عن كُرَيبٍ، عن ابن عبّاس، قال: بِتُّ عِندَ رسُولِ الله ﷺ ، فنامَ، ثُمَّ قامَ فقَضَى حاجتهُ، ثُمَّ أخَذَكفًّا من ماءٍ، فمَسحَ به وَجْههُ وكفَّيهِ، ثُمَّ قامَ. قال أحمدُ بن صالح: رَوَى هذا الحديث عن كُريبٍ نَحْوٌ من ثَمانيةٍ، لم يقولُوا ما قالهُ سَلَمةُ بن كُهيل. قال أبو عُمر: أفسدَهُ سَلَمةُ بن كُهيل، وقلبَ معناهُ. وقد رَوَى هذا الحديث عن كُريبٍ حبيبُ بن أبي ثابتٍ، فذكَرَ أنَّ اضْطِجاعهُ كان قبل رَكْعتي الفجرِ، كما حَكَى مالكٌ. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيم بن سَعيدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): أخبرنا محمدُ بن إسماعيلَ بن

стр. 4523

سمُرةَ، أحمسيٌّ كُوفيٌّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ فُضَيل، عن الأعْمَشِ، عن حبيبٍ، عن كُريبٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: بَعَثَني أبي إلى النَّبيِّ ﷺ في إبِلٍ أعْطاهُ إيّاها من إبِلِ الصَّدقةِ، فلمّا أتاهُ، وكانت ليلةَ ميمُونةَ، وكانت مَيْمُونةُ خالةَ ابن عبّاس، فأتى المسجدَ، فصلَّى العِشاءَ، ثُمَّ جاءَ فطرَحَ ثوبهُ، ثم دخلَ (١) مع امرأتِهِ في ثيابِها، فأخذتُ ثوبَهُ، فجَعَلتُ أطويهِ تحتي، ثُمَّ اضْطَجعتُ عليه، ثُمَّ قلتُ: لا أنامُ اللَّيلةَ، حتَّى أنظُرَ إلى (٢) ما يصنعُ رسُولُ الله ﷺ ، فنامَ حتَّى نفَخَ، حتَّى ذهَبَ من اللَّيل ما شاءَ الله أن يذهَبَ، ثُمَّ قامَ فخرَجَ فبالَ، ثُمَّ أتى سِقاءً (٣) مُوكًى، فحلَّ وِكاءَهُ، ثُمَّ صبَّ على يَدَيْه (٤) من الماءِ، ثُمَّ وطِئَ على فَم السِّقاءِ، فجعلَ يغسِلُ يَدَيهِ، ثُمَّ توضَّأ حتَّى فرغَ، وأردتُ أن أقومَ فأصُبَّ عليه، فخِفتُ (٥) أن يدَعَ اللَّيلةَ من أجلي، ثُمَّ قام يُصلِّي، فقُمتُ ففعَلتُ مِثل الذي فعَلَ، ثُمَّ أتيتُهُ فقُمتُ عن يَسارِهِ، فتَناولني بيدِهِ، فأقامَني عن يَمينِه، وصلَّى ثلاثَ عَشْرةَ رَكْعةً، ثُمَّ اضْطَجعَ، حتَّى جاءَه (٦) بلالٌ فأذَّنَ بالصَّلاةِ، فقامَ فصلَّى رَكْعتينِ قبلَ الفَجْر. وذكر أبو داود (٧) هذا الحديث عن عُثمانَ بن أبي شَيْبةَ، عن محمدِ بن فُضَيل،

стр. 4524

عن حُصينٍ، عن حَبِيبِ بن أبي ثابتٍ. وعن محمدِ بن عيسى، عن هُشَيم (١)، عن حُصَينٍ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن محمدِ بن عليِّ بن عبدِ الله بن عبّاس، عن أبيهِ، عن ابن عبّاسٍ. فساقَ الحديث في صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ باللَّيل، بخِلافِ ما تَقدَّمَ من رُتبةِ الألفاظِ، ومعانيها، وفي آخِرِها دُعاءٌ كثيرٌ. ولم يذكُر أبو داود حديث ابن فُضَيل، عن الأعْمَشِ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن كُريبٍ، عن ابن عبّاسٍ. وفي هذا الحديثِ عن ابن عبّاسٍ اختِلافٌ في ألفاظِهِ كثيرٌ، يُوجِبُ أحكامًا كثيرةً، لو نحنُ تَقصَّيناها لخرَجْنا عمّا قَصَدنا لهُ في كِتابِنا هذا، وإنَّما شرَطْنا (٢) أن نتكلَّمَ على ألفاظِ حديثِ مالكٍ، ونقصِدُ إلى ما يُوجِبُ فيها الحُكم والغَرَض، وما من أجْلِهِ جاءَ الحديثُ في الأغْلَبِ، أو إلى (٣) مَعانٍ منهُ بَيِّنةٍ، ليسَ فيها تكلُّفُ، وادِّعاءُ ما لا يثبُتُ، وباللّه التَّوفيقُ. وقد رَوَى الدَّراورديُّ هذا الحديث عن عَبدِ المَجيد (٤)، عن يحيى بن عَبّادٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عبّاس (٥). بألفاظٍ خِلافِ مذهبِ أهِل المدينةِ، وذكَرَ فيه أنَّهُ أوتَرَ بخَمْسٍ، لم يجلِسْ بينهُنَّ.

стр. 4525

ورَواهُ الحكمُ بن عُتَيبةَ، عن سَعِيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عبّاسٍ. ولم يذكُر ذلك، ورِوايتُهُ أولى. حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكير، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (١): حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثنَّي، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي عديٍّ، عن شُعبَةَ، عن الحكم بن عُتَيبةَ (٢) عن سَعِيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: بِتُّ في بَيْتِ خالتي مَيْمُونةَ بنتِ الحارِثِ، فصلَّى رسُولُ الله ﷺ في العِشاءَ، ثُمَّ جاءَ فصلَّى أربعًا، ثُمَّ نامَ، ثُمَّ قامَ فصلَّى (٣)، فقُمتُ عن يَسارِهِ، فأدارني فأقامَنِي (٤) عن يَمينِه، فصلَّى خمسًا، ثُمَّ نامَ، حتَّى سَمِعتُ غَطِيطهُ أو خَطِيطهُ (٥)، ثُمَّ قامَ فصلَّى رَكْعتينِ، ثُمَّ خرجَ فصلَّى الغَداةَ.

стр. 4526

مالكٌ، عن المِسْوَرِ (١) بن رِفاعةَ بن أبي مالكٍ القُرَظيِّ حديثٌ واحِد وتُوفِّي المِسْورُ بن رِفاعةَ هذا سنةَ ثَمانٍ وثلاثينَ ومئةٍ. مالكٌ (٢)، عن المِسورِ بن رِفاعةَ القُرَظيِّ، عن الزَّبيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبير: أنَّ رِفاعةَ بن سِمْوالٍ طلَّقَ امرأتَهُ تميمةَ بنتَ وَهْب، في عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ثلَاثًا، فنكَحَتْ عبدَ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، فاعتُرِضَ (٣) عنها، فلم يَسْتطِع أن يَمَسَّها ففارَقَها، فأرادَ رِفاعةُ أن يَنْكِحَها، وهُو زوجُها الأوَّلُ الذي كان طلَّقها، فذَكرَ ذلكَ لرسُولِ الله ﷺ ، فنَهاهُ عن تزوُّجِها (٤)، وقال: "لا تحِلُّ لكَ حتَّى تذُوقَ العُسَيلَةَ". قال أبو عُمر: هكذا رَوَى يحيى هذا الحديثَ عن مالكٍ، عن المِسْوَرِ، عن الزَّبيرِ. وهُو مُرسلٌ في رِوايتِه، وتابَعهُ على ذلك أكثرُ الرُّواةِ (٥) إلّا ابنَ وَهْبٍ فإنَّهُ قال فيه: عن مالكٍ، عن المِسْوَرِ، عن الزَّبيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ. فزادَ في الإسناد: "عن أبيهِ" فوصَلَ الحديث، وابنُ وَهْبٍ من أجَلِّ من رَوَى عن مالكٍ هذا الشَّأنَ، وأثبَتِهم فيه. وعبدُ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ هُو الذي كان تزوَّجَ تميمةَ هذه، واعترَضَ عنها، فالحديثُ مُسندٌ، مُتَّصِلٌ، صحيحٌ. وقد رُوِيَ معناهُ عن النَّبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ شتَّى ثابتةٍ أيضًا كلُّها.

стр. 4527

وقد تابَعَ ابنَ وَهْبٍ على توصيلِ هذا الحديثِ وإسنادِه: إبراهيمُ بن طَهْمانَ، وعُبيدُ الله (١) بن عبدِ المَجيدِ الحنفيُّ، قالوا فيه: عن الزَّبيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، عن أبيه (٢). ذكَرَ حديثَ ابنِ طَهمان النَّسائيُّ في "مُسنَدِ (٣) حديثِ مالكٍ"، وذكَرهُ ابنُ الجَارُودِ. أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ (٤) عبدُ الله، قال: حَدَّثَنَا تميمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بن مِسكينٍ. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضّاح. قالا جميعًا: حَدَّثَنَا سُحنُونٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْب (٥)، قال: أخبرني مالكٌ، عن المِسْوَرِ بن رِفاعَةَ القُرَظيِّ، عن الزَّبيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، عن أبيه: أنَّ رِفاعَةَ بن سِمْوالٍ طلَّقَ امرأتهُ تميمةَ بنتَ وَهْبٍ على عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ثلاثًا، فنَكَحها (٦) عبد الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، فاعترَضَ عنها، فلم يَسْتطِع أن يَمسَّها، فطلَّقها، ولم يَمسَّها فأرادَ رِفاعةُ أن يَنْكِحَها، وهُو زوجُها الذي كان طلَّقها. قال عبدُ الرَّحمن: فذَكَرَ (٧) ذلكَ لرسُولِ الله ﷺ ، فنهاهُ عن تَزْويجِها، وقال: "لا تحِلُّ لكَ، حتَّى تذُوقَ العُسَيْلةَ".

стр. 4528

وقد ذكَرَ هذا الحديثَ أيضًا سُحنُونٌ، عن ابن وَهْب وابنِ القاسم وعليِّ بن زيادٍ، كلُّهُم عن مالكٍ، عن المِسورِ بن رِفاعةَ القُرَظيِّ، عن الزَّبيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، عن أبيه: أنَّ رِفاعةَ بن سِمْوالٍ طلَّقَ امرأتهُ، وذكر الحديث، وذكر (١) فيه عن هؤُلاءِ الثَّلاثةِ، عن مالكٍ في هذا الإسْناد: عن أبيهِ. والحديثُ صحيحٌ مُسندٌ. والزَّبيرُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، بفتح الزّاي فيهِما جميعًا، كذلك رَوَى يحيى، وابنُ وَهْب، وابنُ القاسم، والقَعْنبيُّ، وغيرُهُم. وقد رُوي عن ابن بُكير: أنَّ الأوَّل مضمُومٌ، ورُوي عنهُ الفتحُ فيهِما كسائرِ الرُّواةِ عن مالكٍ في ذلك، وهُو الصَّحيحُ فيهِما جميعًا الفتح (٢). وهُم زَبِيريُّونَ، بالفتح، في بني قُرَيظةَ مَعرُوفُونَ، وهُم بنُو الزَّبيرِ بن باطا (٣) القُرَظيِّ، قُتِل يوم قُريظةَ، ولهُ يومئذٍ قِصَّةٌ عجيبةٌ محفُوظةٌ (٤). أخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قراءةً مِنِّي عليهما: أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُما، قال: أخبرنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ رِفاعةَ القُرَظيَّ طلَّقَ امرَأتهُ، فنَكَحها عبدُ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، فاعتُرِضَ عنها، فجاءَت رسُولَ الله ﷺ فذَكَرتْ زَوْجَها، فقالت: والذي أكرمَكَ

стр. 4529

بالحقِّ، ما مَعهُ إلّا مِثلُ هذه الهُدْبةِ (١)، قال: "فلا حتَّى تذُوقِي عُسَيلَتهُ، ويذُوق عُسَيْلتَكِ" (٢). هكذا قال: عبدُ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ بالفتح. وحَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا الحُميديُّ، قال (٣): حَدَّثَنَا سُفيانُ، قال: حَدَّثَنَا الزُّهريُّ، قال: أخبر في عُرْوةُ، عن عائشةَ، أنَّهُ سمِعها تقولُ: جاءَتِ امرأةُ رِفاعةَ القُرَظيِّ إلى رسُولِ الله ﷺ فقالت: إنِّي كُنتُ عندَ رِفاعةَ فبَتَّ طلاقي، فتَزوَّجتُ عبدَ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، وإنَّما مَعهُ مِثلُ هُدبةِ الثَّوبِ، فتَبَسَّمَ رسُولُ الله ﷺ فقال: "أَتُريدينَ أن تَرْجِعي إلى رِفاعةَ؟ لا، حتَّى تَذُوقي عُسَيلَتهُ، ويذُوقَ عُسَيْلَتكِ". قال: وأبو بكرٍ عندَ النَّبيِّ ﷺ وخالدُ بن سَعيدٍ بالبابِ، فنادَى فقال: يا أبا بكر، ألا تَسْمعُ إلى ما تَجْهرُ (٤) به هذه عندَ رسُولِ الله ﷺ (٥) (٦)!

стр. 4530

قال أبو عُمر: حديثُ عُروةَ عن عائشةَ في هذا البابِ، من رِوايةِ هشام بن عُرْوةَ وابنِ شِهاب، عن عُروةَ، وإن كان إسنادًا ثابتًا، فإنَّهُ ناقِصٌ، سقَطَ منهُ ذكرُ طَلاق ابن الزَّبيرِ لتَمِيمةَ بنتِ وَهْب. وقد شُبِّه به على قوم، منهُمُ: ابنُ عُليَّةَ، وداودُ، لما فيه من قوله: فاعتُرِضَ عنها، فجاءَت رسُولَ الله ﷺ ، فذكرت زَوْجَها، وقالت: إنَّما معهُ مِثلُ هُدبةِ الثَّوبِ، فظنُّوا أنَّها أتَتْ شاكيةً من زوجها (١)، فلم يسألْهُ عن ذلك، ولا ضرَبَ لهُ أجَلًا، وخلّاها (٢) معهُ. قالوا: فلا يُضرَبُ للعِنِّينِ أجلٌ، ولا يُفرَّقُ بَيْنهُ وبين امرَأتِهِ، وهُو كعَرَضٍ (٣) من الأمراض، فخالَفُوا جُمهُورَ سلَفِ المُسلمينَ من الصَّحابةِ، والتّابِعينَ في تأجيل العِنِّينِ (٤) لما تَوهَّمُوهُ في حديثِ هذا البابِ، وليسَ فيه مَوْضِعُ شُبهةٍ؛ لأنَّ مالكًا وغيرَهُ قد ذكَرُوا طلاقَ عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ للمَرْأةِ، فكيفَ يُضرَبُ أجلٌ لمن قد فارَقَ امرأتهُ، وطلَّقَها قبلَ أن يَمسَّها! حَدَّثَنِي قاسمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بن سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن مَرْزُوقٍ، قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بن ثابتٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعبَةُ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، قال: أخبرني أبي (٥)، قال: سمِعتُ سُليمانَ بن يَسارٍ يُحدِّثُ عن عائشةَ: أنَّ رجُلَا طلَّقَ امرأتهُ ثلاثًا، فتزوَّجها رجُلٌ، فطلَّقها قبلَ أن يَدْخُل بها، فأرادَ الأوَّلُ أن يَتَزوَّجها، فقال النَّبيُّ ﷺ : "لا حتَّى تذوقَ عُسَيلتَهُ".

стр. 4531

فقد بان بهذا الحديث: أنَّهُ طلَّقَها قبلَ أن يَدْخُل بها، وهُو حديثٌ لا مطعَنَ فيه (١) لأحَدٍ في ناقِليهِ، وكذلكَ حديثُ مالكٍ في ذلك، فيه: فاعتُرِضَ عنها، فلم يَسْتطِع أن يَمسَّها ففارَقها. وإذا صحَّتْ مُفارَقتُهُ لها، وطلاقُهُ إيّاها، بَطَلتِ النُّكتةُ التي بها نزَعَ من أبطَلَ تأجيلَ العِنِّينِ من هذا الحديثِ. وقد قَضى بتأجيل العِنِّين: عُمرُ بن الخطّابِ، وعُثمانُ بن عفّان، وعبدُ الله بن مسعُودٍ، والمُغيرةُ بن شعبةَ (٢)، ولا مخُالفَ لهم من الصَّحابةِ، إلّا في شيءٌ يُروَىَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ مُخْتلَفٌ فيه، ذكَرَهُ ابنُ عُيينةَ، عن أبي إسحاقَ، عن هانئ بن هانئ، قال: أَتَتِ امرأةٌ إلى عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، فقالت: هل لكَ في امرَأةٍ لا أيِّم، ولا ذاتِ زَوْج؟ فقال: أينَ زَوْجُها؟ فذَكَر الحديثَ، وفيه: فقال لها عليّ: اصْبِري، فلو شاءَ اللهُ أن يَبْتليَكِ بأشدَّ من ذلكَ، لابْتَلاك (٣). ورواهُ محمدُ بن جابرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عُمارةَ بن عبد (٤)، عن عليٍّ. وليسَ هذا الإسنادُ مع اضطِرابِهِ مِمّا يُحتجُّ به. وذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٥)، عن الحسنِ بن عُمارةَ، عن الحَكَم، عن يحيى بن الجزّار (٦)، عن عليٍّ قال: يُؤَجَّلُ العنِّينُ سنةً، فإن أصابَها، وإلّا فهي أحقُّ بنَفْسِها.

стр. 4532

ورَوَى يزيدُ بن هارُونَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن خالدِ بن كَثيرٍ الهَمْدانيِّ، عن الضَّحّاكِ بن مُزاحِم: أنَّ عليًّا أجَّلَ العِنِّين سَنةً (١). وهذانِ الإسنادانِ إن لم يكونا مِثلَ إسنادِ هانئ وعُمارةَ، لم يكونا أضعَفَ، والأسانيدُ عن سائرِ الصحابةِ ثابتةٌ من قِبل الأئمَّة، وعليها العملُ وفتوَى فُقهاءِ الأمْصارِ مِثلَ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابه (٢)، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وجَماعةِ فُقهاءِ الحِجازِ، والعِراقِ، إلّا طائفةً من المُتأخِّرينَ. ذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، قال: قَضى عُمرُ بن الخطّابِ في الذي لا يَسْتطيعُ النِّساءَ: أن يُؤَجَّل سَنةً. قال معمرٌ: يُؤَجَّلُ سَنةً من يوم تُرافِعُه، كذلك (٤) بَلَغَني. قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ القائلينَ بتأجيلٍ العِنِّينِ من يوم تُرافِعُه، بخِلافِ أَجَل المُؤْلي، وذلك واللّه أعلمُ، لأنَّ المُؤْليَ مُضارٌ قادِر على الفَيءِ ورفع الضَّرر، والعِنِّينُ غيرُ عالم بشكوى زَوْجتِهِ إيّاهُ حتَّى تَشْكُوَهُ، فجُعِلَ لهُ أجَلُ سَنةٍ، لما في السَّنةِ من اختِلافِ الزَّمَنِ، بالحرِّ والبردِ، ليُعالِجَ نَفسَهُ فيها، واللّه أعلمُ. وأصْلُ المسألةِ اتِّباعُ السَّلفِ، وليسَ في حديثِنا في هذا البابِ ما يُوجِبُ للعِنِّينِ حُكمًا، فلذلكَ تَرَكنا اجتلاب (٥) أحكامِهِ. وفيه من الفِقه: إباحَةُ إيقاع الطَّلاقِ البَتَات (٦) طلاقِ الثَّلاثِ ولُزُومُهُ؛ لأنَّ
следующие страницы →