← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4528–4567 · переход к 4533.

стр. 4528

وقد ذكَرَ هذا الحديثَ أيضًا سُحنُونٌ، عن ابن وَهْب وابنِ القاسم وعليِّ بن زيادٍ، كلُّهُم عن مالكٍ، عن المِسورِ بن رِفاعةَ القُرَظيِّ، عن الزَّبيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، عن أبيه: أنَّ رِفاعةَ بن سِمْوالٍ طلَّقَ امرأتهُ، وذكر الحديث، وذكر (١) فيه عن هؤُلاءِ الثَّلاثةِ، عن مالكٍ في هذا الإسْناد: عن أبيهِ. والحديثُ صحيحٌ مُسندٌ. والزَّبيرُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، بفتح الزّاي فيهِما جميعًا، كذلك رَوَى يحيى، وابنُ وَهْب، وابنُ القاسم، والقَعْنبيُّ، وغيرُهُم. وقد رُوي عن ابن بُكير: أنَّ الأوَّل مضمُومٌ، ورُوي عنهُ الفتحُ فيهِما كسائرِ الرُّواةِ عن مالكٍ في ذلك، وهُو الصَّحيحُ فيهِما جميعًا الفتح (٢). وهُم زَبِيريُّونَ، بالفتح، في بني قُرَيظةَ مَعرُوفُونَ، وهُم بنُو الزَّبيرِ بن باطا (٣) القُرَظيِّ، قُتِل يوم قُريظةَ، ولهُ يومئذٍ قِصَّةٌ عجيبةٌ محفُوظةٌ (٤). أخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قراءةً مِنِّي عليهما: أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُما، قال: أخبرنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ رِفاعةَ القُرَظيَّ طلَّقَ امرَأتهُ، فنَكَحها عبدُ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، فاعتُرِضَ عنها، فجاءَت رسُولَ الله ﷺ فذَكَرتْ زَوْجَها، فقالت: والذي أكرمَكَ

стр. 4529

بالحقِّ، ما مَعهُ إلّا مِثلُ هذه الهُدْبةِ (١)، قال: "فلا حتَّى تذُوقِي عُسَيلَتهُ، ويذُوق عُسَيْلتَكِ" (٢). هكذا قال: عبدُ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ بالفتح. وحَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا الحُميديُّ، قال (٣): حَدَّثَنَا سُفيانُ، قال: حَدَّثَنَا الزُّهريُّ، قال: أخبر في عُرْوةُ، عن عائشةَ، أنَّهُ سمِعها تقولُ: جاءَتِ امرأةُ رِفاعةَ القُرَظيِّ إلى رسُولِ الله ﷺ فقالت: إنِّي كُنتُ عندَ رِفاعةَ فبَتَّ طلاقي، فتَزوَّجتُ عبدَ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، وإنَّما مَعهُ مِثلُ هُدبةِ الثَّوبِ، فتَبَسَّمَ رسُولُ الله ﷺ فقال: "أَتُريدينَ أن تَرْجِعي إلى رِفاعةَ؟ لا، حتَّى تَذُوقي عُسَيلَتهُ، ويذُوقَ عُسَيْلَتكِ". قال: وأبو بكرٍ عندَ النَّبيِّ ﷺ وخالدُ بن سَعيدٍ بالبابِ، فنادَى فقال: يا أبا بكر، ألا تَسْمعُ إلى ما تَجْهرُ (٤) به هذه عندَ رسُولِ الله ﷺ (٥) (٦)!

стр. 4530

قال أبو عُمر: حديثُ عُروةَ عن عائشةَ في هذا البابِ، من رِوايةِ هشام بن عُرْوةَ وابنِ شِهاب، عن عُروةَ، وإن كان إسنادًا ثابتًا، فإنَّهُ ناقِصٌ، سقَطَ منهُ ذكرُ طَلاق ابن الزَّبيرِ لتَمِيمةَ بنتِ وَهْب. وقد شُبِّه به على قوم، منهُمُ: ابنُ عُليَّةَ، وداودُ، لما فيه من قوله: فاعتُرِضَ عنها، فجاءَت رسُولَ الله ﷺ ، فذكرت زَوْجَها، وقالت: إنَّما معهُ مِثلُ هُدبةِ الثَّوبِ، فظنُّوا أنَّها أتَتْ شاكيةً من زوجها (١)، فلم يسألْهُ عن ذلك، ولا ضرَبَ لهُ أجَلًا، وخلّاها (٢) معهُ. قالوا: فلا يُضرَبُ للعِنِّينِ أجلٌ، ولا يُفرَّقُ بَيْنهُ وبين امرَأتِهِ، وهُو كعَرَضٍ (٣) من الأمراض، فخالَفُوا جُمهُورَ سلَفِ المُسلمينَ من الصَّحابةِ، والتّابِعينَ في تأجيل العِنِّينِ (٤) لما تَوهَّمُوهُ في حديثِ هذا البابِ، وليسَ فيه مَوْضِعُ شُبهةٍ؛ لأنَّ مالكًا وغيرَهُ قد ذكَرُوا طلاقَ عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ للمَرْأةِ، فكيفَ يُضرَبُ أجلٌ لمن قد فارَقَ امرأتهُ، وطلَّقَها قبلَ أن يَمسَّها! حَدَّثَنِي قاسمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بن سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن مَرْزُوقٍ، قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بن ثابتٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعبَةُ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، قال: أخبرني أبي (٥)، قال: سمِعتُ سُليمانَ بن يَسارٍ يُحدِّثُ عن عائشةَ: أنَّ رجُلَا طلَّقَ امرأتهُ ثلاثًا، فتزوَّجها رجُلٌ، فطلَّقها قبلَ أن يَدْخُل بها، فأرادَ الأوَّلُ أن يَتَزوَّجها، فقال النَّبيُّ ﷺ : "لا حتَّى تذوقَ عُسَيلتَهُ".

стр. 4531

فقد بان بهذا الحديث: أنَّهُ طلَّقَها قبلَ أن يَدْخُل بها، وهُو حديثٌ لا مطعَنَ فيه (١) لأحَدٍ في ناقِليهِ، وكذلكَ حديثُ مالكٍ في ذلك، فيه: فاعتُرِضَ عنها، فلم يَسْتطِع أن يَمسَّها ففارَقها. وإذا صحَّتْ مُفارَقتُهُ لها، وطلاقُهُ إيّاها، بَطَلتِ النُّكتةُ التي بها نزَعَ من أبطَلَ تأجيلَ العِنِّينِ من هذا الحديثِ. وقد قَضى بتأجيل العِنِّين: عُمرُ بن الخطّابِ، وعُثمانُ بن عفّان، وعبدُ الله بن مسعُودٍ، والمُغيرةُ بن شعبةَ (٢)، ولا مخُالفَ لهم من الصَّحابةِ، إلّا في شيءٌ يُروَىَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ مُخْتلَفٌ فيه، ذكَرَهُ ابنُ عُيينةَ، عن أبي إسحاقَ، عن هانئ بن هانئ، قال: أَتَتِ امرأةٌ إلى عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، فقالت: هل لكَ في امرَأةٍ لا أيِّم، ولا ذاتِ زَوْج؟ فقال: أينَ زَوْجُها؟ فذَكَر الحديثَ، وفيه: فقال لها عليّ: اصْبِري، فلو شاءَ اللهُ أن يَبْتليَكِ بأشدَّ من ذلكَ، لابْتَلاك (٣). ورواهُ محمدُ بن جابرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عُمارةَ بن عبد (٤)، عن عليٍّ. وليسَ هذا الإسنادُ مع اضطِرابِهِ مِمّا يُحتجُّ به. وذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٥)، عن الحسنِ بن عُمارةَ، عن الحَكَم، عن يحيى بن الجزّار (٦)، عن عليٍّ قال: يُؤَجَّلُ العنِّينُ سنةً، فإن أصابَها، وإلّا فهي أحقُّ بنَفْسِها.

стр. 4532

ورَوَى يزيدُ بن هارُونَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن خالدِ بن كَثيرٍ الهَمْدانيِّ، عن الضَّحّاكِ بن مُزاحِم: أنَّ عليًّا أجَّلَ العِنِّين سَنةً (١). وهذانِ الإسنادانِ إن لم يكونا مِثلَ إسنادِ هانئ وعُمارةَ، لم يكونا أضعَفَ، والأسانيدُ عن سائرِ الصحابةِ ثابتةٌ من قِبل الأئمَّة، وعليها العملُ وفتوَى فُقهاءِ الأمْصارِ مِثلَ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابه (٢)، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وجَماعةِ فُقهاءِ الحِجازِ، والعِراقِ، إلّا طائفةً من المُتأخِّرينَ. ذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، قال: قَضى عُمرُ بن الخطّابِ في الذي لا يَسْتطيعُ النِّساءَ: أن يُؤَجَّل سَنةً. قال معمرٌ: يُؤَجَّلُ سَنةً من يوم تُرافِعُه، كذلك (٤) بَلَغَني. قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ القائلينَ بتأجيلٍ العِنِّينِ من يوم تُرافِعُه، بخِلافِ أَجَل المُؤْلي، وذلك واللّه أعلمُ، لأنَّ المُؤْليَ مُضارٌ قادِر على الفَيءِ ورفع الضَّرر، والعِنِّينُ غيرُ عالم بشكوى زَوْجتِهِ إيّاهُ حتَّى تَشْكُوَهُ، فجُعِلَ لهُ أجَلُ سَنةٍ، لما في السَّنةِ من اختِلافِ الزَّمَنِ، بالحرِّ والبردِ، ليُعالِجَ نَفسَهُ فيها، واللّه أعلمُ. وأصْلُ المسألةِ اتِّباعُ السَّلفِ، وليسَ في حديثِنا في هذا البابِ ما يُوجِبُ للعِنِّينِ حُكمًا، فلذلكَ تَرَكنا اجتلاب (٥) أحكامِهِ. وفيه من الفِقه: إباحَةُ إيقاع الطَّلاقِ البَتَات (٦) طلاقِ الثَّلاثِ ولُزُومُهُ؛ لأنَّ

стр. 4533

رسُولَ الله ﷺ لم يُنكِرْ على رِفاعةَ إيقاعَهُ لهُ، كما أنكَرَ على ابن عُمر طَلاقهُ في الحَيْض (١). وظاهِرُ هذا الحديثِ من رِوايةِ مالكٍ ومن تابَعهُ، في قوله: إنَّ رِفاعةَ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا، أنَّها كانت مُجتمِعاتٍ، فعلى هذا الظّاهِرِ جَرَى قولُنا. وقد يحتمِلُ أن يكونَ طلاقُهُ ذلك آخِرَ ثلاثِ تَطْليقاتٍ، ولكنَّ الظّاهِر لا يخرجُ عنهُ إلّا ببيانٍ. وقد نزَعَ بهذا الحديثِ من أباحَ وُقُوعَ الثَّلاثِ مُجتمِعاتٍ، وجعَلَ وُقُوعَها في الطُّهرِ سُنّةً لازمة (٢). وهذا موضِعُ اختِلافٍ بين الفُقهاءِ قد أوضَحْناهُ في بابِ عبدِ الله بن يزيدَ، وفي بابِ نافِع أيضًا، والحمدُ للّه. وفي قولهِ ﷺ لامرأةِ رِفاعةَ: "أتُريدينَ (٣) أن تَرْجِعي إلى رِفاعةَ؟ " دليلٌ على أنَّ إرادةَ المرأةِ الرُّجُوعَ إلى زَوْجِها، لا يَضُرُّ العاقِدَ عليها، وأنَّها ليست بذلك في معنى التَّحليل المُستحقِّ صاحِبُهُ اللَّعنةَ. وقدِ (٤) اختلَف الفُقهاءُ في هذا المعنى، على ما نذكُرُهُ بعدُ إن شاءَ الله. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا، لا يُحِلُّها لزَوْجِها المُطلِّقِ لها، إلّا طلاقُ زَوْج قد وطِئَها، وأنَّهُ إن لم يَطأْها، وطلَّقها، فلا تحِلُّ لزَوْجِها الأوَل (٥).

стр. 4534

وفي هذا الحديثِ تفسيرٌ لقولِ الله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وهُو يخرَّجُ في التَّفسيرِ المُسندِ، وذلك أنَّ لفظَ النِّكاح في جميع القُرآنِ، إنَّما أُريدَ به العَقْدُ، لا الوَطْءُ، إلّا في قولهِ : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فإنَّهُ أرادَ بلفظِ النِّكاح هاهُنا، العَقْدُ والوطءُ جميعًا، بدليلِ السُّنَّةِ الوارِدةِ في هذا الحديثِ، وذلك قولُهُ ﷺ : "لا تحِلُّ لهُ حتَّى تَذُوقَ العُسَيلةَ". والعُسَيلةُ هاهُنا: الوَطْءُ، لا يختلفُون في ذلك. وفي هذا حُجَّةٌ واضحةٌ لما ذهَبَ إليه مالكٌ في الإيمان: أنَّهُ لا يقعُ التَّحليلُ منها والبِرُّ، إلّا بأكملِ الأشياءِ، وأنَّ التَّحريمَ يَقَعُ بأقلِّ شيءٍ، ألا تَرى أنَّ اللهَ لمّا حرَّمَ على الرَّجُل نِكاحَ حَلِيلةِ ابنِهِ، وامرأةِ أبيهِ، وكان الرَّجُلُ إذا عقَدَ على امرأةٍ نِكاحًا، ولم يَدْخُل بها، ثُمَّ طلَّقها: أنَّها حَرامٌ على ابنِهِ وعلى أبيهِ؟ وكذلك لو كانت لهُ أمَةٌ، فلَمَسها بشَهْوةٍ، أو قبَّلها، حَرُمت على ابنِهِ (١)، وعلى أبيهِ. فهذا يُبيِّنُ لكَ أنَّ التَّحريمَ يَقَعُ ويدخُلُ على المرءِ بأقلِّ شيءٍ، وكذلكَ لو طلَّقَ بعضَ امرأةٍ، طُلِّقت كلُّها. وكذلكَ لو ظاهَرَ من بعضِها، لزِمهُ الظِّهارُ الكامِلُ، ولو عقَدَ على امرأةٍ بعضَ نِكاح، أو على بعضِ امرأةٍ نِكاحًا، لم يصحَّ، وكذلكَ المبتُوتةُ لا يُحِلّها عَقدُ النِّكاح عليها، حتَّى يدخُل بها زَوْجُها (٢)، ويَطأها وطئًا صحيحًا. ولهذا قال مالكٌ في نِكاح المُحلِّل: إنَّهُ يحتاجُ أن يكونَ نِكاح رَغْبةٍ، لا يُقصدُ به التَّحليلُ، ويكونَ وطؤُهُ لها، وطئًا مُباحًا، لا تكونُ صائمَةً، ولا مُحْرِمَةً، ولا في حَيْضتِها، ويكونُ الزَّوجُ بالغًا مُسلمًا (٣).

стр. 4535

وقد يُعتَرضُ على هذا الأصلِ في البِرِّ والحِنْثِ، بأنَّ (١) التَّحريمَ لا يصِحُّ في الرَّبِيبةِ بالعَقْدِ، حتَّى ينضمَّ إلى ذلكَ الدُّخُولُ بالأُمِّ، وهذا إجماعٌ، وإنَّما الخِلافُ في الأُمِّ، ولهذا نَظائرُ. وقال الشّافِعيُّ: إذا أصابَها بنِكاح صَحيح، وغيَّبَ الحَشَفةَ في فَرْجِها، فقد ذاقا (٢) العُسَيلةَ، وسواءٌ في ذلكَ قويُّ النِّكاح وضَعِيفُهُ، وسواءٌ أدخلَهُ بيدِهِ، أو بيدِها، وكان ذلكَ من صبيٍّ، أو مُراهِقٍ، أو مجبُوبٍ بَقِيَ لهُ ما يُغَيِّبُ (٣)، كما يُغيِّبُ غيرُ الخصيِّ (٤). قال: وإن أصابَ الذِّمِّيَّةَ، وقد طلَّقها مُسلمٌ أو زَوْجٌ ذِمِّيٌّ بنِكاح صحيح أحلَّها. قال: ولو أصابَها الزَّوجُ مُحرِمَةً، أو صائمَةً، أحلَّها. وهذا كلُّهُ على ما وصَفَ الشّافِعيُّ، قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، والحسنِ بن حيٍّ، وقولُ بعض أصْحابِ مالكٍ. وانفردَ الحَسَنُ البَصْريُّ بقوله: لا يُحِلُّ المُطلَّقةَ ثلاثًا إلّا وَطْءٌ يكونُ فيه إنْزالٌ (٥). وذلك معنَى ذَوْقِ العُسَيلةِ عِندهُ. ولا يُحِلُّها عندَهُ التِقاءُ الخِتانينِ. ولم يُتابِعْهُ على ذلكَ غيرُهُ. وانفردَ سعيدُ بن المُسيِّب ﵀ من بينِ سائرِ أهل العِلم، بقوله: إنَّ من تزوَّجَ المُطلَّقةَ ثلاثًا، ثُمَّ طلَّقَها قبلَ أن يمسَّها، فقد حلَّت بذلكَ النِّكاح، وهذا العَقْدُ لا غيرُ، لزَوْجِها الأوَّل، على ظاهِرِ قولِ الله : ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].

стр. 4536

قال: فقد نكَحَتْ زَوْجًا يلحقُهُ ولدُها، ويجِبُ المير اثُ بينهُما (١). قال أبو عُمر: أظُنُّهُ، واللّه أعلمُ، لم يبلُغْهُ حديثُ العُسَيلةِ هذا، أو لم يصِحَّ عندَهُ، وأمّا سائرُ العُلماءِ، مُتقدِّميهم ومُتأخِّريهم (٢)، فيما عَلِمتُ، فعَلَى القول بهذا الحديثِ، على ما وصفنا. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكير، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٣): حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: سُئلَ رسُولُ الله ﷺ عن رَجُلٍ طلَّقَ امرأتهُ ثلاثًا، فتَزَوَّجَتْ زوجًا غيرَهُ، فدخَلَ بها، ثُمَّ طلَّقها قبلَ أن يُواقِعَها: أتحِلّ لزَوجِها الأوَّل؟ قال: "لا، حتَّى تذُوقَ عُسَيْلَتهُ ويذُوقَ عُسَيْلتَها". وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو هُريرةَ، عن عائشةَ: حَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حَدَّثَنَا مُسلمُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بن المُختارِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله الدّاناجُ، عن أبي رافِع، عن أبي هُريرةَ، قال: حدَّثتني أُمُّ المُؤمِنينَ، ولا أراها إلّا عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا تحِلُّ للأوَّل، حتَّى يذُوقَ الآخرُ من عُسَيْلَتِها" (٤).

стр. 4537

واختلَفَ العُلماءُ أيضًا في نِكاح المُحلِّل (١)، وهُو من هذا البابِ، فقال مالكٌ: المُحلِّلُ لا يُقيمُ على نِكاحِهِ حتَّى يَسْتقبِلَ (٢) نِكاحًا جديدًا، فإن أصابَها، فلها مَهْرُ مِثلها، ولا تُحِلُّها إصابتُهُ لزَوجِها الأوَّل، وسَواءٌ عَلِما، أو لم يَعْلما، إذا تزوَّجَها ليُحِلَّها، ولا يُقَرُّ على نِكاحِهِ، ويُفسَخُ (٣). وقولُ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، واللَّيثِ، نحوَ (٤) قول مالكٍ. ورُوِيَ عن الثَّوريِّ (٥) في نِكاح الخِيارِ، والمُحلِّل: أنَّ النِّكاحَ جائزٌ، والشَّرطَ باطِلٌ. وهُو قولُ ابن أبي ليلى في ذلك، وفي نِكاح المُتعةِ. ورُوِيَ عن الأوزاعيِّ، أنَّهُ قال في نِكاح المُحلِّل: بئسَما صنع، والنِّكاحُ جائزٌ (٦). وقال أبو حَنِيفةَ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: النِّكاحُ جائزٌ إن (٧) دخَلَ بها، ولهُ (٨) أن يُمْسِكَها إن شاءَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ مرَّة: لا تحِلُّ للأوَّل، إذا تزوَّجها آخر (٩) ليُحِلَّها. ومرَّةً قال (١٠): تحِلُّ لهُ بهذا النِّكاح، إذا جامَعَها وطلَّقها. ولم يختلفُوا أنَّ نِكاحَ هذا الزَّوج صحيحٌ، ولهُ أن يُقيمَ عليه.

стр. 4538

وقال الشّافِعيُّ إذا قال: أتزوَّجُكِ لأُحِلَّكِ، ثُمَّ لا نِكاحَ بَيْننا بعد ذلكَ، فهذا ضربٌ من نِكاح المُتعةِ، وهُو فاسِدٌ لا يُقَرُّ عليه، ويفسَخُ، ولا يَطأُ إن دخَلَ بها، ولو وَطِئَ على هذا، لم يكُن وطؤُهُ تحليلًا (١). فإن تَزوَّجها تزويجًا مُطلقًا، لم يَشْترِط هُو، ولا اشْتُرِط عليه التَّحليلُ، فللشّافِعيِّ في كِتابِهِ القَديم قولانِ في ذلكَ (٢): أحدُهُما مِثلُ قول مالكٍ، والآخرُ مِثلُ قول أبي حنيفةَ، ولم يختلف قولُهُ في كِتابِهِ الجديدِ المِصريّ: أنَّ النِّكاحَ صحيحٌ، إذا لم يَشْترِطْ. وهُو قولُ داود. ورَوَى الحسنُ بن زيادٍ، عن زُفَر (٣) إذا شُرِطَ تَحْليلُها للأوَّل، فالنِّكاحُ جائزٌ، والشَّرطُ باطِلٌ، ويكونانِ مُحصنيَنِ بهذا التَّزويج، مع الجِماع، وتحِلُّ للأوَّل. قال: وهُو قولُ أبي حنيفةَ. وقال أبو يُوسُفَ: النِّكاحُ على هذا الشَّرطِ فاسِدٌ، ولها مَهْرُ المِثل بالدُّخُول، ولا يُحصِنُها هذا، ولا يُحِلّها لزَوْجِها الأوَّل. ولمحمدِ بن الحَسَنِ عن نَفْسِهِ، وعن أصْحابِهِ اضطِرابٌ كثيرٌ في هذا البابِ. وقال الحسنُ، وإبراهيمُ: إذا همَّ أحَدُ الثَّلاثةِ، فسَدَ النِّكاحُ (٤). وقال سالمٌ والقاسمُ (٥): لا بأسَ أن يَتَزوَّجها ليُحِلَّها، إذا لم يَعْلم الزَّوجانِ. قالا: وهُو مأجُورٌ (٦).

стр. 4539

وقال رَبِيعةُ، ويحيى بن سعيد: إن تزوَّجها ليُحِلَّها، فهُو مأجُورٌ. وقال داودُ بن عليّ: لا أُبعِدُ أن يكونَ مُرِيدُ نِكاح المُطلَّقةِ ليُحِلَّها لزَوْجِها مأجُورًا، إذا لم يُظْهِر ذلكَ في اشْتِراطِهِ في حينِ العَقْدِ؛ لأنَّهُ قصَدَ إرفاقَ أخيهِ المُسلم، وإدخالَ السُّرُورِ عليه، إذا كان نادِمًا مَشْغُوفًا، فيكونُ فاعِلُ ذلك مأجُورًا إن شاءَ الله. وقال أبو الزِّناد: إن لم يعلمْ واحِدٌ منهُما، فلا بأسَ بالنِّكاح، وتَرْجِعُ إلى زَوْجِها الأوَل. وقال عَطاءٌ: لا بأسَ أن يُقيمَ المُحلِّلُ على نِكاحِه (١). قال أبو عُمر: رَوَى عليُّ بن أبي طالب (٢)، وعبدُ الله بن مسعُود (٣)، وأبو

стр. 4540

هُريرةَ (١)، وعُقْبَةُ بن عامر (٢)، عن النّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "لعَنَ الله المُحلِّلَ، والمُحلَّلَ لهُ". وقال عُقبةُ في حديثه: "ألا أُخبِرُكُم بالتَّيسِ المُسْتَعارِ؟ هُو المُحلِّلُ". ولفظُ التَّحليل في هذه الأحاديثِ، يحتمِلُ أن يكونَ مع الشَّرطِ، كما قال الشّافِعيُّ، وهُو الأظْهَرُ فيه، لأنَّ إرادةَ المرأةِ إذا لم تَقْدَح" (٣) في العَقْدِ، ولها فيه حظٌّ فالنّاكحُ (٤) كذلك، والمُطلِّقُ أحْرَى أن لا يُراعَي، فلم يبقَ إلّا أن يكونَ معنى الحديثِ: إظهارُ الشَّرطِ، فيكونَ كنِكاح المُتعةِ، ويبطُلَ، هذا هُو الصحيحُ، واللّه أعلمُ، ويحتمِلُ أن يكونَ إذا نَوَى أن يُحِلَّها لزَوْجِها، كان مُحلِّلًا، لقوله: "الأعمالُ بالنِّيَّةِ" (٥).

стр. 4541

وقد رُوِيَ عن عُمرَ بن الخطّابِ في هذا تَغْليظٌ شديدٌ، قولُهُ: لا أوُتَى بمُحلِّلٍ (١) ولا مُحلَّلٍ، إلّا رَجمتُهُما (٢). وقال ابنُ عُمرَ: التَّحليلُ سِفاحٌ (٣). ولا يحتمِلُ قولُ ابنِ (٤) عُمرَ إلّا التَّغليظَ، لأنَّهُ قد صحَّ عنهُ، أنَّهُ وضَعَ الحدَّ عن الواطِئ فَرجًا حرامًا، قد جَهِلَ تحريمَهُ، وعَذَرهُ بالجهالة (٥). فالمُتأوِّلُ أوْلَى بذلكَ، ولا خِلافَ أنَّهُ لا رجمَ عليه. حَدَّثَنِي محمدُ بن عبدِ الله بن حَكَم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن أبي حسّان الأنماطيُّ، قال: حَدَّثَنَا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بن حبيبٍ كاتِبُ الأوزاعيِّ، قال: حَدَّثَنَا الأوْزاعيُّ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الملكِ بن المُغِيرةِ، أنَّ رجُلًا سألَ ابنَ عُمرَ فقال: كيفَ تَرى في التَّحليل؟ فقال عبدُ الله بن عُمرَ: لا أعلمُ في ذلكَ إلّا السِّفاح (٦).

стр. 4542

باب النُّون مالكٌ، عن نافِع مولى ابن عُمرَ (١) (٢) قال أبو عُمر: يُكْنَى نافِعٌ أبا عبدِ الله. قال ابنُ مَعين (٣): كان دَيْلميًّا. وقال غيرُهُ: كان من أهل أبرشهرَ. وقيلَ: كان أصلُهُ من المغرِبِ، أصابَهُ عبدُ الله بن عُمرَ في غزاتِهِ. وكان ثِقةً حافِظًا، ثبتًا فيما نقلَ، وكانت فيه لُكنةٌ، وكان يلحنُ أيضًا مع ذلكَ لحنًا كثيرًا. ذكَرَ مُعاذُ بن مُعاذٍ، عن ابن عَوْنٍ قال: كانت في نافِع لُكنةٌ. وذكر الواقِديُّ قال: حَدَّثَنِي نافِعُ بن أبي نُعيم، وإسماعيلُ بن إبراهيمَ بن عُقبةَ، وأبو مَرْوان عبدُ الملكِ بن عبدِ العزيزِ بن أبي فَرْوةَ، قالوا: كان كِتابُ نافِع الذي سمِعَ من عبدِ الله بن عُمر في صَحِيفةٍ، فكُنّا نقرؤُها عليه، فنقُولُ: يا أبا عبدِ الله، إنّا (٤) قد قَرَأنا عليكَ، فنقُولُ: حَدَّثَنَا نافِعٌ. فيقولُ: نعم (٥). قال: وسمِعتُ نافِع بن أبي نُعَيم يقولُ: من أخبركَ أنَّ أحدًا من أهلِ الدُّنيا قَرَأ عليه نافِعٌ، فلا تُصدِّقهُ، كان ألحنَ من ذلك (٦). قال أبو عُمر: قد رَوَينا عن سُليمانَ بن موسى، قال: رأيتُ نافِعًا مولى ابن عُمرَ يُملَى عليه، ويُكتَبُ بين يديهِ.

стр. 4543

وذكر حمّادُ بن زيدٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، أنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ بعثَ نافِعًا إلى أهل مِصرَ يُعلِّمُهُمُ السُّننَ (١). وكان مالكٌ يقولُ: نشرَ نافِعٌ عن ابن عُمر عِلمًا جمًّا. وقال ابنُ عُيينةَ: أيُّ حديثٍ أوثقُ من حديثِ نافِعٍ! وقال يحيى بن مَعين: أثبتُ أصحابِ نافِع فيه (٢): مالكُ بن أَنَسٍ، هُو عِندي أثبتُ من عُبيدِ الله بن عُمر، وأيُّوب. وقال يحيى بن سعيدٍ القطّانُ: أثبتُ أصحابِ نافِع؛ أيُّوبُ، وعُبيدُ الله، وابنُ جُريج، ومالكٌ. قال: وابنُ جُريج أثبتُ في نافِع من مالكٍ. قال أبو عُمر: هؤُلاءِ الثَّلاثةُ: عُبيدُ الله، ومالكٌ، وأيُّوبُ، أثبتُ النّاسِ في نافِع عندَ النّاسِ، وابنُ جُريج رابِعُهُم، إلّا أنَّ القطّان يُفضِّلُهُ، وليسَ يلحقُ بهؤُلاءِ الثَّلاثةِ في نافِع عندَهُم إذا خالفُوهُ. حَدَّثَنَا خلفُ بن القاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو الميمُونِ، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرعةَ، قال (٣): سمِعتُ سُليمانَ بن حَرْبٍ يقولُ: قال يحيى وعبدُ الرَّحمنِ بن مهديّ: عُبيدُ الله ومالكٌ أثبتُ من أيُّوب في نافِع. ثُمَّ تعجَّب. حَدَّثَنَا خلفُ بن القاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو الميمُونِ، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرعةَ، قال (٤): سمِعتُ أحمد بن حَنْبل يُسالُ: من أثبتُ في نافِع: عُبيدُ الله، أم (٥) مالكٌ، أم (٦) أيُّوبُ؟

стр. 4544

فقدَّم عُبيد الله بن عُمر، وفضَّلهُ بلقاءِ سالم والقاسم (١). قلتُ لهُ: فمالكٌ بعدهُ؟ قال: إنَّ مالكًا أثبتُ. قلتُ: فإذا اختلفَ مالكٌ وأيُّوب؟ فتوقَّف، وقال: ما نَجْترِيءُ على وأيُّوب. ثُمَّ عادَ في ذِكرِ عُبيدِ الله ففَضَّلهُ، وقال: شيخٌ من أهلِ البَلدِ جليلٌ. فقلتُ لهُ: إنَّهُم يُحدِّثُونَ عن شُعبةَ، قال: قدِمتُ المدينةَ بعد موتِ نافِع بسنةٍ، ولمالكٍ يَومَئذٍ حَلْقةٌ. أثبَتَ ذلك؟ قال: نعم. وقال الواقِديُّ: مات نافِعٌ بالمدينةِ سنةَ سبعَ عشْرَةَ ومئةٍ، في خِلافةِ هشام بن عبدِ الملك (٢). وذكَرَ الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن صالح المِصْريُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إدريسَ الشّافِعيُّ، قال: أخبرني عَمِّي محمدُ بن عليِّ بن شافِع (٣)، قال: شهِدتُ القاسم وسالمًا وحَضَرتِ الصَّلاةُ، فقال كلُّ (٤) واحِدٍ منهُما لصاحبِه: تقَدَّمْ أنت أسنُّ، فتَدافَعاها، حتَّى قدَّما نافِعًا. قال: وحَدَّثَنَا بشرُ بن عُمر، قال: سمِعتُ مالكَ بن أَنَسٍ يقولُ: كُنتُ إذا سمِعتُ نافِعًا يُحدِّثُ حديثًا عن ابن عُمرَ، لم أُبالِ ألّا أسمعَهُ من غيم. لمالكٍ عنهُ في "موطَّئه" من حديثِ رسُولِ الله ﷺ ثمانُونَ حديثًا.

стр. 4545

حديثٌ أوَّلُ لنافِع، عن ابن عُمر مالكٌ (١)، عن نافِع وعبدِ الله بن دينار، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رجُلًا سَألَ رسُولَ الله ﷺ عن صَلاةِ اللَّيل، فقال رسُولُ الله ﷺ : "صَلاةُ اللَّيلِ (٢) مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدُكُمُ الصُّبحَ، صَلَّى رَكْعةً واحِدةً تُوتِرُ لهُ ما قد صَلَّى" (٣). لم يختلفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في هذا الحديثِ، وكلُّ من رواهُ عنهُ فيما عَلِمتُ من رُواةِ "المُوطَّأ" وغيرِهِم، هكذا قالوا فيه عنهُ: "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنى" (٤)، إلّا الحُنَينيَّ وحدَهُ، فإنَّهُ رَوَى هذا الحديث عن مالكٍ والعُمريِّ، جميعًا عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "صلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنى مَثْنى". فزادَ فيه ذِكرَ النَّهارِ، وذلكَ خطأٌ عن مالكٍ، لم يُتابِعهُ أحَدٌ عنهُ على ذلك. والحُنينيُّ ضعيفٌ، كثيرُ الوَهَم والخَطأ. والعُمَريُّ هذا، هُو عبدُ الله بن عُمرَ بن حَفْصِ بن عاصِم بن عُمرَ بن الخطّابِ، أخُو عُبيدِ الله بن عُمرَ، ضعيفٌ أيضًا، ليسَ بحُجَّةٍ عندَهُم، لتَخْليطِهِ في حِفْظِهِ. فأمّا أخُوهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، فثِقةٌ، أحدُ الجِلَّةِ من أصحابِ نافِع. ورِوايةُ عُبيدِ الله بن عُمرَ لهذا الحديثِ عن نافِع، كرِوايةِ مالك: "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى". لم يذكُر: النَّهار. وكذلك رِوايةُ أيُّوب السَّختيانيِّ لهُ أيضًا عن نافِع، لم يذكُر: النَّهار.

стр. 4546

وهؤُلاءِ الثلاثة (١) هُمُ الحُجَّةُ في نافِع. فأمّا رِوايةُ عُبيدِ الله؛ فحَدَّثَنَا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالد بن سعد (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن عَمرو (٣) بن منصُورٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن سَنْجرَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عُبيدٍ الطَّنافِسيُّ، عن عُبيدِ الله، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: سألَ رجُلٌ رسُولَ الله ﷺ وهُو على المِنْبرِ عن صَلاةِ اللَّيل، فقال النَّبيُّ ﷺ : "مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدُكُمُ الصبحَ، صلَّى واحِدةً، فأوتَرَتْ لهُ ما قد صَلَّى" (٤). وأمّا رِوايةُ أيُّوب؛ فحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن يزيدَ المُعلِّمُ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بن محمدٍ، عن إسماعيلَ ويزيدَ بن زُريع، جميعًا عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا سألَ رسُولَ الله ﷺ ، فذكر مِثلهُ سَواءً (٥). لم يذكُر: النَّهار. ولا يصِحُّ عن نافِع في هذا الحديثِ غيرُ ذلك. وكذلك عبدُ الله بن دينارٍ، لا (٦) يصِحُّ عنهُ غيرُ ذلك أيضًا، كما قال مالكٌ عنهُ.

стр. 4547

حَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا الحُميديُّ، قال (١): حَدَّثَنَا سُفيانُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن دينارٍ، قال: سمِعتُ ابن عُمرَ يقولُ: سَمِعتُ رَجُلًا يسألُ رسُولَ الله ﷺ وهُو على المِنْبر: كيفَ يُصلِّي أحدُنا باللَّيل؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : "مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيتَ الصُّبحَ، فأوْتِرْ بواحِدةٍ، تُوتِرْ لكَ ما مَضَى من صلاتِكَ". قال سُفيانُ: وهذا أجودُها. قال أبو عُمر: عندَ سُفيان بن عُيينةَ في هذا الحديثِ أسانيدُ، منها: عَمرُو بن دينارٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عُمرَ (٢). وعبدُ الله بن أبي لَبيدٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن ابن عُمرَ (٣). والزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ (٤). وقال في حديثِهِ هذا: عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ أجودُها. وذلك، لأنَّ فيه: سمِعتُ، وحَدَّثَنَا، ولأنَّهُ فيه أعلى من غيرِهِ، واللّه أعلمُ.

стр. 4548

وليس لمالكٍ هذا الحديثُ عن الزُّهريِّ، إلّا من رِوايةِ الوليدِ بن مُسلم خاصَّةً. وقد رَوَى هذا عن ابن عُمر جماعةٌ، منهُم: نافِعٌ، وعبدُ الله بن دينارٍ، وسالم، وطاوُوسٌ، وأبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ومحمدُ بن سيرين، وحَبِيبُ بن أبي ثابتٍ، وحُميدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، وعبدُ الله بن شقِيقٍ، كلُّهُم قال فيه: عن ابن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ : "صَلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى" (١). لم يذكُرُوا النَّهار. ورواهُ عليُّ بن عبدِ الله الأزديُّ البارِقيُّ، عن عبدِ الله بن عُمرَ (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ : "صلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى" (٣). فزادَ فيه ذِكرَ: النَّهارِ. ولم يَقُلهُ أحدٌ عن ابن عُمرَ غيرُهُ، وأنكرُوهُ عليه. واختلَفَ الفُقهاءُ في صلاةِ التَّطوُّع باللَّيل والنَّهارِ (٤): فقال مالكٌ واللَّيثُ بن سَعدٍ، والشّافِعيُّ، وابنُ أبي ليلي، وأبو يُوسُف، ومحمدُ بن الحسن: صَلاةُ اللَّيل والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنى. وهُو قولُ أبي ثورٍ، وأحمد بن حَنْبل (٥). وقال أبو حنيفةَ والثَّوريُّ: صلِّ باللَّيل والنَّهارِ، إن شِئتَ ركعتينِ، وإن شِئتَ أربعًا، أو سِتًّا، أو ثمانيًا. وقال الثَّوريُّ: صلِّ ما شِئتَ بعد أن تقعُدَ في كلِّ رَكْعتينِ. وهُو قولُ الحسنِ بن حيٍّ.

стр. 4549

وقال الأوزاعيُّ: صَلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، وصَلاةُ النَّهارِ أربعًا. وهُو قولُ إبراهيمَ النَّخعيِّ. ذكَرَه (١) ابنُ أبي عَرُوبةَ، عن أبي مَعْشرٍ، عن إبراهيمَ، قال: صَلاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثْنَى، والنَّهارِ أربعُ رَكَعاتٍ، إن شاءَ لا يُسلِّمُ إلّا في أَخِرِهِنَّ (٢). وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: سَمِعتُ أبا عبدِ الله، يعني أحمد بن حَنْبل، يُسألُ عن صَلاةِ اللَّيلِ والنَّهارِ في النّافِلةِ، فقال: أمّا الذي أختارُ، فمَثْنَى مَثْنى، وإن صلَّى أربعًا، فلا بأسَ، وأرجُو أن لا يُضيَّقَ عليه. فذُكِرَ لهُ حديثُ يَعْلى بن عَطاءٍ، عن عليٍّ الأزْدِيِّ، فقال: لو كان ذلك الحديثُ يثبُتُ، ومع هذا حديثُ ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُصلِّي رَكْعتينِ في تَطوُّعِهِ بالنَّهارِ: رَكْعتينِ (٣) قبلَ الظُّهرِ، وركعتينِ بعدها، والفِطْرَ (٤)، والأضْحَي، وإذا دخَلَ المسجدَ صلَّى رَكْعتينِ، فهذا أحبُّ إليَّ، وإن صلَّى أربعًا، فقد رُوِيَ عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يُصلِّي أربعًا بالنَّهار (٥). وقال ابنُ عَوْن: قال لي نافِع: أمّا نحنُ فنُصلِّي بالنَّهارِ أربعًا. قال: فذَكَرتُهُ لمحمدٍ، فقال: لو صلَّى مَثْنَى، كان أجْدَرَ أن يُحفَظ. وحَدَّثَنَا خلفُ بن قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو طالبٍ محمدُ بن زكريّا المَقْدِسيُّ ببيتِ المَقْدِسِ، قال: حَدَّثَنَا أبو محمدٍ مُضرُ بن محمدٍ، قال: سألتُ يحيى بن مَعينٍ عن صَلاةِ اللَّيل والنَّهارِ، فقال: صَلاةُ النَّهارِ أربعٌ، لا يُفصَلُ بينهُنَّ، وصَلاةُ اللَّيل رَكْعتان. فقلتُ لهُ: إنَّ أبا عبدِ الله أحمد بن حَنْبل يقولُ: صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى

стр. 4550

مَثْنى. فقال: بأيِّ حديثٍ؟ فقلتُ: بحديثِ شُعبَةَ، عن يَعْلَى بن عَطاءٍ، عن عليٍّ الأزديِّ، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى" (١). فقال: ومن عليٌّ الأزديُّ حتَّى أقبلَ منهُ هذا، أدعُ يحيى بن سَعيدٍ الأنصاريَّ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يتَطوَّعُ بالنَّهارِ أربعًا، لا يفصِلُ بينهُنَّ، وأَخُذُ بحديثِ عليٍّ الأزديِّ؛ لو كان حديثُ عليٍّ الأزديِّ صحيحًا، لم يُخالفهُ ابنُ عُمر (٢). قال يحيى: وقد كان شُعبةُ يتَّقي (٣) هذا الحديث، ورُبَّما لم يَرْفعهُ. قال أبو عُمر: قولُهُ ﷺ : "صَلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى": خرجَ (٤) على جَوابِ السّائل، كأنهُ قال لهُ: يا رسُولَ الله كيفَ نُصلِّي باللَّيل؛ فقال: مَثْنَى مَثْنَى، ولو قال لهُ: بالنَّهار: جازَ أن يقولَ له (٥) كذلك أيضًا مَثْنَى مَثْنَى، وما خرجَ على جَوابِ السّائل فليسَ فيه دليلٌ على ما عداهُ، وسكتَ عنهُ؛ لأنَّهُ جائز أن يكونَ مِثلهُ، وجائز أن يكونَ بخِلافِهِ. وهذا أصَلٌ عَظِيم من أُصُولِ الفِقهِ، فصَلاةُ النَّهارِ موقُوفة على دَلائلها، فمِن الدَّليلِ على أنَّها وصلاةَ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى جميعًا: أَنَّهُ قد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: "الصلاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشهُّدٌ في كلِّ ركعتَيْنِ"، لم يخُصَّ ليلًا من نهار (٦). حَدَّثَنَاهُ (٧) عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكير، قال: حَدَّثَنَا أبو داود،

стр. 4551

قال (١): حَدَّثَنَا محمدُ بن المُثنَّي، قال: حَدَّثَنَا مُعاذٌ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن عبدِ ربِّهِ بن سَعيد (٢)، عن أنسِ بن أبي أَنَسٍ، عن عبدِ الله بن نافِع، عن عبدِ الله بن الحارِثِ، عن المُطَّلبِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الصَّلاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشهُّدٌ (٣) في كلِّ ركعتَيْنِ"، وذكر الحديث. ورواهُ اللَّيثُ عن عبدِ ربِّهِ، فخالَفَ شُعبَةَ في إسنادِهِ، وقد ذكَرْنا حديث اللَّيثِ في بابِ موسى بن مَيْسرةَ (٤). ودليلٌ آخرُ، وهُو ما رَواهُ عليُّ بن عبدِ الله الأزديُّ البارِقيُّ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "صَلاةُ اللَّيل والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى". فزادَ زيادةً لا تَدْفعُها الأُصُولُ وتعضُدُها فُتيا ابن عُمرَ، الذي رَوَى الحديث، وعلِمَ مخرجهُ، فإنَّهُ كان يُفتي بأنَّ صَلاةَ اللَّيلِ والنَّهار: مَثْنَى مَثْنَى. حَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٥): حَدَّثَنَا وكيعٌ وغُندَرٌ، عن شُعبَةَ، عن

стр. 4552

يعلَى بن عَطاءٍ، عن عليٍّ الأزْدِيِّ، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ، رَكْعتينِ رَكْعتين (١) ". وقال غُندرٌ: مَثْنَى مَثْنَى. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بشّارٍ بُندارٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدٌ وعبدُ الرَّحمنِ، قالا: حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عن يَعْلَى بن عطاءٍ، أنَّهُ سمِعَ عليًّا الأزديَّ، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمرَ يُحدِّثُ، عن النَّبيِّ ﷺ : "صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى يُسلِّمُ في كلِّ ركعتَيْنِ" (٢). وذكر مالكٌ في "المُوطَّأ" (٣) أنَّهُ بَلَغهُ: أنَّ عبد الله بن عُمرَ كان يقولُ: صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى، يُسلِّمُ من كلِّ رَكْعتينِ. فهذه فتيا ابن عُمرَ، وهُو رَوَى عن النَّبيِّ ﷺ : "صَلاةُ اللَّيل مَثْنَى"، وعلِمَ مَخْرجهُ، وفهِمَ مُرادهُ. وحديثُ مالكٍ هذا، وإن كان من بَلاغاتِهِ، فإنَّهُ مُتَّصِلٌ عن ابن عُمرَ، رواهُ ابنُ وَهْب، قال (٤): أخبرني عَمرُو بن الحارِثِ، عن بُكَيرِ (٥) بن عبدِ الله بن الأشجِّ، [عن ابن أبي سلَمَة] (٦)، أنَّ محمد بن عبدِ الرَّحمنِ بن ثَوْبانَ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمرَ يقولُ: صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى. يعني التَّطوُّع.

стр. 4553

ومن الدَّليلِ أيضًا على أنَّ صلاةَ النَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى، كصلاةِ اللَّيل سواءٌ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُصلِّي قبلَ الظُّهرِ رَكْعتينِ، وبعدها رَكْعتينِ، وبعدَ الجُمُعةِ رَكْعتينِ، وبعد المغرِبِ رَكْعتين (١)، ورَكْعتي الفَجْر (٢). وكان إذا قدِمَ من سَفرٍ صَلَّى في المَسجدِ رَكْعتينِ قبلَ أن يدخُل بيتهُ (٣). وصلاةُ: الفِطْرِ، والأضْحَى (٤)، والاسْتِسقاء (٥)، وقال: "إذا دخَلَ أحدُكُمُ المَسجدَ، فليَرْكع رَكْعتين" (٦). ومِثلُ هذا كثيرٌ. ودليلٌ آخرُ: أنَّ العُلماءَ لمّا اختلَفُوا في صَلاةِ النّافِلةِ بالنَّهارِ، وقامَ الدَّليلُ على حُكم صَلاةِ النّافِلةِ باللَّيل، وجبَ ردُّ ما اختلفُوا فيه، إلى ما أجمعُوا عليه، قياسًا. واختلَفَ العُلماءُ القائلُونَ بأنَّ صَلاةَ اللَّيل يُجلَسُ في كلِّ رَكْعتينِ منها، في قول رسُول الله ﷺ : "صلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى": هل يَقْتضي مع الجُلُوسِ تَسْليمًا، أم لا؟ فقال منهُم قائلُونَ: لا يَقْتضي قولُهُ هذا إلّا الجُلُوسَ دُونَ التَّسليم، فمن شاءَ أوتَرَ بثلاثٍ، ومن شاءَ أوتَرَ بخَمْس، ومن شاءَ أوتَرَ بسبع، ومن شاءَ أوتَرَ بتِسع، ومن شاءَ أوتَرَ بإحدى عَشْرةَ ركعةً، لا يُسلِّمُ إلّا في أَخِرِهِنَّ. ورُوِيَ ذلك عن جماعَةٍ من السَّلفِ، من الصَّحابةِ والتّابِعين، وهُو قولُ الثَّوريِّ (٧).

стр. 4554

وكان إسحاقُ بنُ راهويةَ يقولُ: أمّا من أوتَرَ بثلاثٍ، أو خمسٍ، أو سبع، أو تسع، فإن شاءَ سلَّمَ بينهُنَّ، وإن شاءَ لم يُسلِّم إلّا في آخِرِهِنَّ، وأمّا من أوتَرَ بإحدى عَشْرةَ ركعةً فإنَّهُ يُسلِّمُ في كلِّ ركعتَيْنِ، ويُفرِدُ الوِترَ بركعةٍ (١). وحُجَّةُ الثَّوريِّ وأبي حنيفةَ وإسحاقَ، ومن تابَعهُم في هذا البابِ، ما رُوي عن عائشةَ في صلاةِ النَّبيِّ ﷺ باللَّيل، منها: حديثُ سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كانت صَلاتُه باللَّيلِ أربعًا، ثمَّ أربعًا، ثمَّ ثلاثًا. ومنها: حديثُ هشام بن عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ (٢) كان يُصلِّي باللَّيل إحْدَى عَشْرةَ ركعةً، لا يُسلِّمُ إلّا في آخِرِهِنَّ. وألفاظُ الأحاديثِ عن عائشةَ في ذلك مُضطرِبةٌ جِدًّا، وقد ذكَرْناها في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، وسيأتي منها ذِكرٌ في بابِ سَعيدِ بن أبي سعيدٍ، وبابِ هشام بن عُروةَ، إن شاءَ الله. وحديثُ ابن عُمرَ هذا يَقْضي على ما اختُلِفَ فيه من حديثِ عائشةَ في هذا البابِ؛ لأنَّ حديثَ ابن عُمرَ لم يُختلَف فيه: أنَّ صلاةَ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، وإنَّما اختُلِفَ في ذِكرِ صَلاةِ النَّهارِ فيه، وقولُهُ ﷺ : "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى" يَقْتضي التَّسليمَ والجُلُوسَ في كلِّ رَكْعتينِ منها، وهذا هُو الصَّوابُ، إن شاءَ الله، الذي لا يدُلُّ لفظُ مَثْنَى إلّا عليه، ألا تَرى أنَّهُ لا يجُوزُ أن يُقالَ: صلاةُ الظُّهرِ مَثْنَى مَثْنَى، وإن كان يجلسُ في الرَّكعتينِ منها؟ وأجازَ جماعةُ العُلماءِ، أن يكونَ الوِترُ ثلاثَ رَكَعاتٍ، لا زيادةَ، واختلَفُوا هل يُفصَلُ بينَ الرَّكعتينِ والرَّكعةِ بتَسليم أم لا؟

стр. 4555

فقال منهُم قائلُونَ: الوِترُ ثلاثٌ، لا يُفصَلُ بينهُنَّ بتَسْليم، ولا يُسلَّمُ إلّا في آخِرِهِنَّ. رُوي ذلك عن عُمرَ بن الخطّابِ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وابنِ مسعُودٍ، وأُبيِّ بن كَعْبٍ، وزيدِ بن ثابتٍ، وأنسِ بن مالكٍ، وأبي أُمامَةَ، وعُمرَ بن عبدِ العزيز (١). وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والحسنُ بن حيِّ. وقال الثَّوريُّ: أحَبُّ إليَّ أن يُوتِرَ بثلاثٍ، لا يُسلِّمُ إلّا في آخِرِهِنَّ. قال: وإن شِئتَ أوْتَرتَ برَكْعةٍ، وإن شِئتَ بثلاثٍ، وإن شِئتَ (٢) بخَمْسٍ، وإن شِئتَ (٣) بسَبْع، وإن شِئتَ بتِسع، وإن شِئتَ بإحدى عَشْرةَ، لا تُسلِّمُ إلّا في آخِرِهِنَّ (٤). قال: والذي أُجمِعَ عليه من الوِتر: أنَّهُ بثلاثٍ. وقال آخرُونَ: يُفصَلُ بين الشَّفع والوترِ بتَسْليم. رُوي عن ابن عُمرَ (٥) ﵀: أنَّهُ كان يُسلِّمُ بين الرَّكعتينِ والرَّكْعةِ (٦) في الوترِ حتَّى يأمُرَ ببعضِ حاجتِه (٧). ورُوي مِثلُ قول ابن عُمرَ في الفَصْلِ بين الشَّفع والوترِ بالتَّسليم: عن عُثمانَ بن عفّانَ، وعبدِ الله بن عبّاس، وسعدِ بن مالكٍ، وزيدِ بن ثابتٍ (٨)، وأبي موسى

стр. 4556

الأشْعَريِّ، ومُعاويةَ، وعائشةَ، وابنِ الزُّبيرِ. وفعَلَهُ مُعاذٌ القارئ، مع رِجالٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ " (١). وهُو قولُ سَعيدِ بن المُسيِّبِ، وعَطاءِ بن أبي رَباح (٢)، ومالكٍ، والأوزاعيِّ، والشّافِعيِّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثَوْرٍ. وقال الأوزاعيُّ: إن فصلَ فحسنٌ، وإن لم يفصِل فحَسنٌ (٣). وكلُّ هؤُلاءِ يُجيزُونَ الوترَ برَكْعةٍ، غير أنَّ مالكًا، والأوزاعيَّ، والشّافِعيَّ، وأحمدَ، وإسحاقَ يَسْتحِبُّون أن يُصلِّي رَكْعتينِ قبلها، ثُمَّ يُسلِّمَ، ثُمَّ يُوتِرَ بركعةٍ. وكان مالكٌ من بينِهِم يَكْرهُ أن يكونَ الوترُ رَكْعةً واحِدةً مُنفرِدةً، لا يكونُ قبلَها في شيءٌ، وكان يجِبُ على أصْلهِ - في التَّسليمِ (٤) بين الشَّفع والوترِ - ألّا يَكْرهَ الوترَ بركعةٍ منفردة. وقد حَدَّثَنَا خلفُ بن قاسم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حَدَّثَنَا المُفضَّلُ (٥) بن محمدٍ الجَنَديُّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن زيادٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو قُرَّةَ، قال: سألتُ مالكًا عن الرَّجُل ينامُ عن الوترِ (٦) حتَّى يُصبِحَ، فقال لي: إن كان صلَّى من اللَّيلِ شيئًا، فليُوتِر برَكْعةٍ واحِدةٍ، وإن كان لم يُصلِّ في ليلتِهِ تلك شيئًا، فليُوتِر بثلاث: يُصلِّي رَكْعتينِ، ثُمَّ يُسلِّمُ، ثُمَّ يُوتِرُ بواحِدةٍ، لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : "صَلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدُكُمُ الصُّبحَ صلَّى ركعةً واحِدةً، تُوتِرُ لهُ ما قد صَلَّى".

стр. 4557

قال أبو عُمر: وممَّن رُوِيَ عنهُ أيضًا، أنَّهُ أجازَ الوترَ برَكْعةٍ ليس قبلها شيءٌ، كأنَّهُ صلَّى العِشاءَ، ثُمَّ أوترَ برَكْعة: عُثمانُ بن عفّان، وسَعْدُ بن أبي وقّاص (١)، وعبدُ الله بن عُمرَ، وعبدُ الله بن الزُّبيرِ، وأبو موسى الأشعريُّ، وابنُ عبّاس، ومُعاويةُ (٢). وقد رُوِيَ عن ابن عبّاس، أنَّهُ قيل لهُ: أوتَرَ مُعاويةُ برَكْعةٍ، ليسَ قبلها صلاةٌ، فقال: أصابَ. ورُوِيَ عنهُ في ذلكَ أيضًا أنَّهُ قال: أصابَ السُّنَّةَ (٣). وبه قال سعيدُ بن المُسيِّبِ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، وداودُ بن عليٍّ. ورَوَى ابنُ القاسم، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: الوترُ ثلاثٌ، يُسلِّمُ في الرَّكعتينِ. قال: وقال مالكٌ في الإِمام الذي (٤) يُوتِرُ بالنّاسِ في رَمَضانَ، فلا يُسلِّمُ بين الشَّفع والوتر: أرَى أن يُصلَّى خلفَهُ ولا يُخالَف. قال مالكٌ: وكُنتُ مرَّةً أُصلِّي مَعَهُم (٥)، فإذا كان الوِترُ انصرفتُ، ولم أُوْتِر معهُم (٦). وقد ردَّ هذا على مالكٍ بعضُ المُتأخِّرينَ، قال: الوترُ معهُم أفضلُ على كلِّ حال؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الرَّجُلَ إذا قامَ مع الإِمام حتَّى ينصرِفَ، كُتِبَ (٧) لهُ بقيَّةُ ليلتِهِ" (٨).

стр. 4558

وقال الشّافِعيُّ: الذي أختارُ للمُصلِّي أن يُصلِّيَ إحْدَى عَشْرةَ ركعةً، يُوتِرُ منها بواحِدةٍ، فإن صلَّى دُونَ ذلك ركعتَيْنِ، ركعتينِ، وأوترَ بواحِدةٍ، وسلَّم من كلِّ ركعتَيْنِ، وسلَّم بين الرَّكعتَيْنِ وركعةِ الوِترِ فحَسَنٌ، وإن أوترَ بواحِدةٍ ليسَ قبلها شيءٌ، فلا حرجَ. قال: وأحبُّ الوترِ إليَّ: إحْدَى عَشْرةَ ركعةً، يُوتِرُ منها بواحِدةٍ، ويُسلِّمُ في كلِّ ركعتَيْنِ منها، ويفصلُ بين الوترِ وبين ما قبلهُ بسَلام. قال أبو عُمر: قولُهُ ﷺ : "صلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى" يُوجِبُ أن يجلسَ المُصلِّي في كلِّ ركعتينِ منها ويُسلِّم، لا يجُوزُ غيرُ ذلك، لأنَّهُ لا يجُوزُ أن يُقال: صَلاةُ الظُّهرِ مَثْنَى مَثْنَى، ولا صَلاةُ العصرِ مَثْنَى مَثْنَى. وقولُهُ: "فإذا خِفتَ الصُّبحَ، أوتَرْتَ بواحِدةٍ، تُوتِرُ به ما صلَّيتَ". يُوجِبُ أن يكونَ الوترُ واحِدةً مُنفرِدةً، وإذا جازتِ الرَّكعةُ بعد صَلاةٍ جازت دُونها؛ لأنَّها مُنْفصِلة بالسَّلام منها. وقد ذَكْرنا من أجازَ ذلك، وفعلَهُ، من الصحابةِ ﵃ وسائرِ العُلماءِ. وأمّا كَراهيةُ مالكٍ وأصحابِهِ للوترِ بركعةٍ ليس قبلَها في شيءٌ، فلقَولهِ ﷺ في هذا الحديث: "تُوتِرُ لهُ ما قد صلَّى". ومن لم يُصلِّ قبلَ الرَّكعةِ شيئًا، فأيُّ شيءٍ تُوتِرُ لهُ، والوترُ عندَهُم إنَّما يكونُ لصلاةٍ تقدَّمتهُ، ألا تَرى إلى قول ابن عُمر (١) ﵀: صَلاةُ المَغْرِبِ وتْرُ صَلاةِ النَّهار (٢)؟

стр. 4559

وقد رُوِيَ عن ابن مسعُودٍ في هذا المعنى: ما أجزأت رَكْعةٌ قطُّ، سمّاها البُتَيراءَ (١). وأمّا الشّافِعيُّ فقال: لو تنفَّلَ أحدٌ برَكْعةٍ، لم أُعنِّفهُ، ولو دخَلَ المسجد فحيّاهُ برَكْعةٍ، لم أعِبْ عليه ذلك، ورَكْعةٌ أحبُّ إليَّ من أن لا يُصلِّي شيئًا، ولستُ آمرُ أحدًا ابتِداءً أن يُصلِّي رَكْعةً واحِدةً يتنفَّلُ بها في غيرِ الوِترِ، فإن فعَلَ لم (٢) أُعنِّفهُ، لأنَّ جَماعةً من الصَّحابةِ رضي الله عثهُم أوترُوا برَكْعةٍ واحدةٍ ليسَ قبلها شيءٌ، والوترُ نافِلةٌ، فكذلك التَّنفُّلُ (٣). وقال مالكٌ وأصحابُهُ: أقلُّ النّافِلةِ رَكْعتانِ، ولا يتنفَّلُ أحَدٌ برَكْعةٍ، لا في تحيَّةِ المسجدِ ولا في الوترِ أيضًا، حتَّى يكون قبلَ ذلك شَفْعٌ أقلُّهُ رَكْعتانِ. وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ، والثَّوريِّ. أخبرنا (٤) عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ بن الفَرَج، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بن سُليمانَ قبيطة (٥)، قال: حَدَّثَنَا عُثمانُ بن محمدِ (٦) بن ربيعَةَ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الدَّراورديُّ، عن عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سَعيد الخُدْريِّ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن البُتَيراءِ، أن يُصلِّي الرَّجُلُ رَكْعةً واحِدةً، يُوتِرُ بها (٧).

стр. 4560

هُو عُثمانُ بن محمدِ بن ربيعَةَ بن أبي (١) عبدِ الرَّحمنِ. قال العُقيليُّ: الغالبُ على حديثهِ الوَهمُ (٢). واختلَفَ العُلماءُ أيضًا في الوترِ بعد الفَجْرِ، ما لم يُصلَّ الصُّبحُ. فقال منهُم قائلُونَ: إذا انفجرَ الصُّبحُ، فقد خرجَ وقتُ الوترِ، ولا يُصلَّى الوترُ بعد انفِجارِ الصُّبح. رُوِيَ ذلك عن ابن عُمر، وعَطاءٍ، والنَّخعيِّ، وسعيدِ بن جُبير (٣). وبه قال الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ، وأصحابُهُ، وإسحاقُ ابنُ راهوية، إلّا أنَّ أبا حَنِيفةَ كان يقولُ: إذا طلَعَ الفجرُ، فقد خرجَ وقتُ الوترِ، وعليه قَضاؤُهُ؛ لأَنَّهُ واجِبٌ عِنَدهُ. ومن حُجَّةِ من جعَلَ وقتَ الوترِ آخرهُ طُلُوع الفجر: قولُهُ ﷺ في حديثِ ابن عُمر هذا: "فإذا خَشِيتَ الصُّبحَ، فأوْتِرْ بواحِدةٍ". وحُجَّتُهُم أيضًا ما ذكَرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٤) وغيرُهُ، عن ابن جُرَيج، عن سُليمان بن موسى، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ كان يقولُ: من صَلَّى مِنَ (٥) اللَّيلِ فليجعل آخِرَ صَلاتِهِ وترًا، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بذلك، فإذا كان الفجرُ، فقد ذَهَبت صلاةُ اللَّيلِ والوترِ، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "أوْتِرُوا قبلَ الفَجْرِ". وقال آخرُونَ: وقتُ الوترِ ما بينَ صَلاةِ العِشاءِ، إلى أن تُصلَّى الصُّبحُ.

стр. 4561

ومِمَّن أوتَرَ بعد الفَجْر: عُبادةُ (١)، وابنُ عبّاس (٢)، وأبو الدَّرداء (٣)، وحُذَيفةُ (٤)، وابنُ مسعُود (٥)، وعائشةُ (٦)، وقد رُوِيَ ذلك عن ابن عُمرَ (٧) أيضًا. وبه قال مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، كلُّهُم يقولُ: يُوتِرُ ما لم يُصلِّ الصُّبح (٨). واختُلف في هذه المسألةِ عن الأوزاعيِّ وأبي ثورٍ، وكذلك اختُلِفَ فيها عن الشَّعبيِّ، والحسنِ، والنَّخعيِّ (٩). فرُوِي عنهُمُ القولانِ جميعًا. وقال أيُّوبُ السَّخْتيانيُّ، وحُميدٌ: إنَّ أكثرَ وترِنا لَبعْدَ الفَجْرِ. ومن أهلِ العِلم طائفةٌ رأتِ الوِترَ بعد طُلُوع الشَّمسِ، وبعد صَلاةِ الصُّبح. وهُو قولٌ ليسَ عليه العملُ عندَ الفُقهاءِ، إلّا ما ذكَرْنا عن أبي حَنِيفةَ، ومن قال بقَولهِ في إيجابِ الوترِ. وقد أوَضْحنا خَطأهُ في ذلكَ في غيرِ مَوْضِع من كِتابِنا هذا، وباللّه التَّوفيقُ (١٠). حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضّاح، قال: حَدَّثَنَا حامِدُ بن يحيى. وحَدَّثَنَا سَعِيدُ بن نَصْرٍ، وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ،

стр. 4562

قال: حَدَّثَنَا الحُميديُّ (١)، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيَينةَ، قال (٢) حامِدٌ: عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ. وقال الحُميديُّ: سمِعتُ الزُّهريَّ وحَدَّثَنَا (٣) عن سالم، عن أبيهِ. ثمَّ اتَّفقا، قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "صَلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيتَ الصُّبحَ، فأوْتِرْ بواحِدةٍ، ورُبَّما قال: بركعة". حَدَّثَنِي خَلَفُ بن قاسم، قراءةً مِنِّي عليه، أنَّ أبا طالبٍ محمد بن زكرّيا المَقْدِسيَّ، حدَّثهُ ببيتِ المقدِسِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن أحمد بن بُرْدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن المُباركِ الصُّوريُّ (٤)، قال: حَدَّثَنَا مُعاويةُ بن سلّام، قال: حَدَّثَنِي يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: حَدَّثَنِي أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ ونافِغ مولى ابن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "صَلاةُ اللَّيل رَكْعتان رَكْعتان فإذا خِفتَ الصُّبحَ، فأوْتِرْ بواحدةٍ" (٥). ومِمّا يُحتجُّ به أيضًا في أنَّ الرَّكعةَ في الوترِ، لا تكونُ مُنْفرِدةً، لا شيءَ قبلَها: ما أخبرنا به محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعَيب،

стр. 4563

قال (١): أخبرنا قُتَيبةُ بن سَعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا الفُضَيلُ (٢) بن عِياضٍ، عن هشام، عن ابن سِيرينَ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "صَلاةُ المغرِبِ وِترُ صَلاةِ النَّهار". أرسَلَهُ أشعَثُ، عن ابن سِيرينَ، عن النَّبيِّ ﷺ " (٣). ووقَفَهُ (٤) مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قولَهُ (٥). ومن حُجَّةِ من أجازَ الوترَ بواحِدةٍ، ليسَ قبلها (٦) شيءٌ: ما رواهُ همّامٌ، عن قَتادةَ، عن عبدِ الله بن شَقيقٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا من أهلِ البادلة سألَ النَّبيَّ ﷺ عن صَلاةِ اللَّيل، فقال بإصْبَعيهِ هكذا: "مَثْنَى مَثْنَى، والوترُ ركعة من آخِرِ اللَّيل" (٧). ورَوَى وَهْبُ بن جريرٍ، عن شُعبَة (٨)، عن أبي التَّيّاح، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الوترُ ركعةٌ من آخِرِ اللَّيل" (٩).

стр. 4564

ورَوى (١) القطّانُ، عن شُعبةَ، عن قَتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الوترُ ركعةٌ من آخِرِ اللَّيل" (٢). وحَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكير، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٣): حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بنُ المُباركِ، قال: حَدَّثَنَا قُرَيشُ بن حيّانَ العِجليُّ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بن وائل، عن الزُّهريِّ، عن عَطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ، عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الوترُ حقٌّ على كلِّ مُسلم، فمن أحبَّ أن يُوتِرَ بخَمْس فليَفْعلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِر بثلاثٍ، فليَفْعَلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِرَ بواحِدةٍ فليَفْعَلْ". وتابعهُ الأوزاعيُّ، حَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبرنا العبّاسُ بن الوَليدِ بن مَزْيَد (٥)، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: حَدَّثَنِي الزُّهريُّ، قال: حَدَّثَنِي

стр. 4565

عَطاءُ بن يزيدَ، عن أبي أيُّوبَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الوترُ حقٌّ، فمن شاءَ أوتَرَ بخَمْسٍ (١)، ومن شاءَ أوتَرَ بثلاثٍ، ومن شاءَ أوتَرَ بواحِدة". ورواهُ (٢) ابنُ عُيَينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عَطاءِ بن يزيدَ، عن أبي أيُّوبَ (٣) موقُوفًا من قولهِ، وزاد: ومن غُلِبَ عليه فليُومِئ إيماءً (٤). وذهَبَ النَّسائيُّ إلى أنَّ الصَّحيح عندَهُ موقُوفٌ، وخرَّجهُ أبو داود مرفُوعًا كما ذكَرْنا عنهُ، وهُو أولى إن شاءَ الله. وقد شُبِّه على قوم من مُتقدِّمي الفُقهاءِ بمِثلِ (٥) هذا الحديثِ وشِبهِه، فقالوا: الوترُ واجِبٌ. وفي حديثِ الأعرابيِّ في حديثِ طَلْحةَ بن عُبيدِ الله، في الخَمْسِ صَلَوات: هل عليَّ غيرُها يا رسُول الله؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا، إلّا أن تطوَّعَ" (٦) دليلٌ على أنْ لا فرضَ إلّا الخَمْسُ، وسنُوضِحُ هذا المعنى بما يجِبُ من القولِ فيه، بعد ذِكرِ الاختِلافِ في ذلكَ، ونُبيِّنُ الصَّحيحَ فيه عندَنا، في بابِ أبي سُهَيل (٧) نافِع، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. وقد حَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا

стр. 4566

أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا محمُودُ بن غَيْلانَ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصِم، عن عليٍّ، قال: ليسَ الوِترُ بحَتْم (٢) مِثل المكتُوبةِ، ولكنَّهُ سُنَّةٌ سنَّها رسُولُ الله ﷺ . ومن حديثِ أبي إسحاقَ أيضًا، عن عاصِم بن ضَمْرَةَ، عن عليٍّ، أنَّ رسُول الله ﷺ قال: "أوْتِرُوا يا أهلَ القُرآنِ، فإنَّ اللهَ وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ" (٣). وفي هذا دليلٌ على أنَّهُ غيرُ واجبٍ، ولو كان واجب، ما خُصَّ به أهلُ القُرآنِ (٤) والذين أوجبُوهُ لم يخُصُّوا بوُجُوبه صاحِبَ القُرآنِ من غيرِهِ، وقد يحتمِلُ أن يكونَ أهلُ القُرآنِ هاهُنا: أهلَ الإسلام، ولكنَّ الظّاهِر غيرُ ذلك. وفي حديثِ طلحةَ، وعُبادةَ بن الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ ﷺ : "خمسُ صَلَواتٍ" (٥) مع قولِ الله : ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ما يُغني عن قولِ كلِّ قائل، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4567

حديثٌ ثانٍ لنافِع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن عبد الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يأتي قُباءً راكبًا وماشيًا. هكذا قال يحيى، عن مالكٍ، عن نافِع. وتابَعهُ القَعْنبيُّ (٢)، وإسحاقُ بن عيسى الطِّباعُ (٣)، وعبدُ الله بن وَهبٍ، وعبدُ الله بن نافِع. ورواهُ جُلُّ رُواةِ "الموطَّأ" (٤) عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ. والحديثُ صحيحٌ لمالكٍ عن نافِع، وعبدِ الله بن دينارٍ، جميعًا عن ابن عُمرَ. على ما رَوَى القعنبيُّ ومن تابَعهُ، فهُو عندَ مالكٍ عنهُما جميعًا، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ كان يأتي قُباءً راكِبًا وماشيًا. والدَّليلُ على أنَّ هذا الحديث لمالكٍ عن نافِع، وأنَّهُ من حديثِ نافِع، كما هُو من حديثِ عبدِ الله بن دينارٍ، أنَّ أيُّوبَ السَّختيانيَّ وعُبيدَ الله بن عُمرَ، رَوَياهُ عن نافِع، عن ابن عُمرَ، إلّا أنَّ أيُّوبَ قال فيه: مَسجد قُباءٍ. ولم يقُل مالكٌ، ولا عُبيدُ الله: مسجِد قُباءٍ (٥)، وإنَّما قالا: قُباءً (٦).
следующие страницы →