← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4563–4602 · переход к 4568.

стр. 4563

قال (١): أخبرنا قُتَيبةُ بن سَعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا الفُضَيلُ (٢) بن عِياضٍ، عن هشام، عن ابن سِيرينَ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "صَلاةُ المغرِبِ وِترُ صَلاةِ النَّهار". أرسَلَهُ أشعَثُ، عن ابن سِيرينَ، عن النَّبيِّ ﷺ " (٣). ووقَفَهُ (٤) مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قولَهُ (٥). ومن حُجَّةِ من أجازَ الوترَ بواحِدةٍ، ليسَ قبلها (٦) شيءٌ: ما رواهُ همّامٌ، عن قَتادةَ، عن عبدِ الله بن شَقيقٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا من أهلِ البادلة سألَ النَّبيَّ ﷺ عن صَلاةِ اللَّيل، فقال بإصْبَعيهِ هكذا: "مَثْنَى مَثْنَى، والوترُ ركعة من آخِرِ اللَّيل" (٧). ورَوَى وَهْبُ بن جريرٍ، عن شُعبَة (٨)، عن أبي التَّيّاح، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الوترُ ركعةٌ من آخِرِ اللَّيل" (٩).

стр. 4564

ورَوى (١) القطّانُ، عن شُعبةَ، عن قَتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الوترُ ركعةٌ من آخِرِ اللَّيل" (٢). وحَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكير، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٣): حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بنُ المُباركِ، قال: حَدَّثَنَا قُرَيشُ بن حيّانَ العِجليُّ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بن وائل، عن الزُّهريِّ، عن عَطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ، عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الوترُ حقٌّ على كلِّ مُسلم، فمن أحبَّ أن يُوتِرَ بخَمْس فليَفْعلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِر بثلاثٍ، فليَفْعَلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِرَ بواحِدةٍ فليَفْعَلْ". وتابعهُ الأوزاعيُّ، حَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبرنا العبّاسُ بن الوَليدِ بن مَزْيَد (٥)، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: حَدَّثَنِي الزُّهريُّ، قال: حَدَّثَنِي

стр. 4565

عَطاءُ بن يزيدَ، عن أبي أيُّوبَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الوترُ حقٌّ، فمن شاءَ أوتَرَ بخَمْسٍ (١)، ومن شاءَ أوتَرَ بثلاثٍ، ومن شاءَ أوتَرَ بواحِدة". ورواهُ (٢) ابنُ عُيَينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عَطاءِ بن يزيدَ، عن أبي أيُّوبَ (٣) موقُوفًا من قولهِ، وزاد: ومن غُلِبَ عليه فليُومِئ إيماءً (٤). وذهَبَ النَّسائيُّ إلى أنَّ الصَّحيح عندَهُ موقُوفٌ، وخرَّجهُ أبو داود مرفُوعًا كما ذكَرْنا عنهُ، وهُو أولى إن شاءَ الله. وقد شُبِّه على قوم من مُتقدِّمي الفُقهاءِ بمِثلِ (٥) هذا الحديثِ وشِبهِه، فقالوا: الوترُ واجِبٌ. وفي حديثِ الأعرابيِّ في حديثِ طَلْحةَ بن عُبيدِ الله، في الخَمْسِ صَلَوات: هل عليَّ غيرُها يا رسُول الله؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا، إلّا أن تطوَّعَ" (٦) دليلٌ على أنْ لا فرضَ إلّا الخَمْسُ، وسنُوضِحُ هذا المعنى بما يجِبُ من القولِ فيه، بعد ذِكرِ الاختِلافِ في ذلكَ، ونُبيِّنُ الصَّحيحَ فيه عندَنا، في بابِ أبي سُهَيل (٧) نافِع، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. وقد حَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا

стр. 4566

أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا محمُودُ بن غَيْلانَ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصِم، عن عليٍّ، قال: ليسَ الوِترُ بحَتْم (٢) مِثل المكتُوبةِ، ولكنَّهُ سُنَّةٌ سنَّها رسُولُ الله ﷺ . ومن حديثِ أبي إسحاقَ أيضًا، عن عاصِم بن ضَمْرَةَ، عن عليٍّ، أنَّ رسُول الله ﷺ قال: "أوْتِرُوا يا أهلَ القُرآنِ، فإنَّ اللهَ وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ" (٣). وفي هذا دليلٌ على أنَّهُ غيرُ واجبٍ، ولو كان واجب، ما خُصَّ به أهلُ القُرآنِ (٤) والذين أوجبُوهُ لم يخُصُّوا بوُجُوبه صاحِبَ القُرآنِ من غيرِهِ، وقد يحتمِلُ أن يكونَ أهلُ القُرآنِ هاهُنا: أهلَ الإسلام، ولكنَّ الظّاهِر غيرُ ذلك. وفي حديثِ طلحةَ، وعُبادةَ بن الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ ﷺ : "خمسُ صَلَواتٍ" (٥) مع قولِ الله : ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ما يُغني عن قولِ كلِّ قائل، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4567

حديثٌ ثانٍ لنافِع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن عبد الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يأتي قُباءً راكبًا وماشيًا. هكذا قال يحيى، عن مالكٍ، عن نافِع. وتابَعهُ القَعْنبيُّ (٢)، وإسحاقُ بن عيسى الطِّباعُ (٣)، وعبدُ الله بن وَهبٍ، وعبدُ الله بن نافِع. ورواهُ جُلُّ رُواةِ "الموطَّأ" (٤) عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ. والحديثُ صحيحٌ لمالكٍ عن نافِع، وعبدِ الله بن دينارٍ، جميعًا عن ابن عُمرَ. على ما رَوَى القعنبيُّ ومن تابَعهُ، فهُو عندَ مالكٍ عنهُما جميعًا، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ كان يأتي قُباءً راكِبًا وماشيًا. والدَّليلُ على أنَّ هذا الحديث لمالكٍ عن نافِع، وأنَّهُ من حديثِ نافِع، كما هُو من حديثِ عبدِ الله بن دينارٍ، أنَّ أيُّوبَ السَّختيانيَّ وعُبيدَ الله بن عُمرَ، رَوَياهُ عن نافِع، عن ابن عُمرَ، إلّا أنَّ أيُّوبَ قال فيه: مَسجد قُباءٍ. ولم يقُل مالكٌ، ولا عُبيدُ الله: مسجِد قُباءٍ (٥)، وإنَّما قالا: قُباءً (٦).

стр. 4568

وقُباءٌ مَوْضِع معرُوفٌ، وهُو مُذكَّرٌ ممدُودٌ، قال عَمرُو بن الوَليدِ بن عُقْبةَ أبو قَطِيفةَ (١): ألا ليتَ شِعْري هل تغيَّرَ بعدَنا ... قُباءٌ وهل زالَ العَقيقُ (٢) وحاضِرُهُ وقال ابنُ الزِّبَعْريِّ (٣): ليتَ أشْياخِي ببَدْرٍ شَهِدُوا ... جَزَعَ الخزرج من وَقْع الأسَلْ (٤) حينَ ألْقَتْ بقُباءٍ رَحْلَها ... واسْتَحرَّ القَتْلُ في عبدِ الأشَلّ (٥) ساعَةً ثُمَّ اسْتَخفُّوا رُقَّصًا ... رقصَ الخيفانِ في سَفْحِ الجَبَلْ الخيفانُ: اسمُ الجَرادِ أبدانًا. واختُلِفَ في معنى هذا الحديثِ، فقيلَ: كان يأتي قُباءً زائرًا للأنصارِ، وهُم بنُو عَمرٍو. وقيل: كان يأتي قُباءً يتَفرَّجُ في حِيطانِها، ويَسْتريحُ عندَهُم. وقيل: كان يأتي قُباءً للصَّلاةِ في مَسجدِها، تبرُّكًا (٦)، لمّا نزلَ فيه: أنَّهُ أُسِّس على التَّقوى. قال أبو عُمر: ليسَ على شيءٍ من هذه الأقاويل دليلٌ لا مدفَعَ لهُ، ومُمكِنٌ أن تكونَ كلُّها، أو بعضُها، واللّه أعلمُ. والأولى في ذلكَ، حملُ الحديثِ مُجملهِ على مُفسَّرِهِ، فيكونُ قولُ من قال: مَسجِدُ قُباءٍ مُفسِّرًا لما أجمَلَ غيرُهُ.

стр. 4569

وقد جاءَت آثارٌ تُصحِّحُ ذلك، والحمدُ لله. وقد قال ﷺ : "لا تُعمَلُ المطِيُّ إلّا إلى ثلاثةِ مساجِدَ، مَسجدي هذا، والمَسجدِ الحرام، ومسجِدِ بيتِ المَقْدِسِ" (١). ولم يذكُر مسجِد قُباءٍ، وجائزٌ أن يكونَ معنَى (٢) إعمالُ المطيِّ إلى الثَّلاثةِ مَساجِد إعمالُ مَشَقَّةٍ وكُلْفةٍ، فلا يلزمُ ذلك في غيرِها والرِّحلَةُ غيرُ إعمالُ المطيِّ، والله أعلمُ. قال أبو عُمر: وأشْبَهُ ما قيلَ في ذلك بأُصُول سُنَّتِهِ ﷺ ، أنَّهُ كان يأتي مَسجد قُباءٍ للصَّلاةِ فيه، واللّهُ أعلمُ، وأكثرُ ما رُوِيَ في ذلك، وأعلى ما قيلَ فيهِ. وقدِ اختُلِفَ (٣) في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقوي، فقيل: مَسجدُ قُباءٍ، وقيل: مسجِدُ النَّبيِّ ﷺ . وقدِ اسْتَدلَّ من قال: إنَّ مَسجدَ قُباءٍ، هُو المسجدُ الذي أُسِّسَ على التَّقوى، يقول من قال من أهلِ العِلم: إنَّ هذه (٤) الآيةَ نَزَلت في أهلِ (٥) قُباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. ذكر وكيعٌ، عن طَلْحةَ بن عَمرٍو، عن (٦) عطاءٍ، قال: أحدث قومٌ من أهل قُباءٍ الوُضُوءَ وضوءَ الاستِنجاءِ، فأنزل الله فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٧).

стр. 4570

ورَوَى أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يأتي مَسجدَ قُباءٍ. حدَّثنا خلفُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عُمرُ بن حَفْصِ بن أبي تمّام، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مرزُوق (١)، قالا: حدَّثنا عارِمٌ أبو النُّعمانِ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، قال: كان عبدُ الله بن عُمرَ يأتي مَسجدَ قُباءٍ في كلِّ سَبْتٍ إذا صَلَّى الغَداةَ، وكان يَكْرَهُ أن يخرُجَ منهُ، حتَّى (٢) يُصلِّي فيه، وقال: كان رسُولُ الله ﷺ يأتيهِ راكِبًا وماشيًا (٣). ففي هذا الحديث: أنَّهُ كان يأتي قُباءً يُصلِّي في مَسجدِها، وهُو أصحُّ ما رُوِيَ في ذلك، وأوضَحُهُ، فعَلَى هذا يكونُ إعمالُ المطيِّ إلى الثَّلاثةِ مَساجِدَ، يعني: الرِّحلةَ، والكُلْفةَ، والمئُونةَ، والمشَقَّةَ، لئلّا تتعارضَ الأحاديثُ. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّ قَصْدَ مسجِدِ قُباءٍ، والصَّلاةَ فيه، يَعدِلُ عُمرَةً. بإسنادٍ فيه لينٌ، من حديثِ أهل المدينةِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثني مُطرِّفٌ، قال: حدَّثني ابنُ أبي المُوالي، عن شَيخ قديم من الأنْصارِ، عن أبي أُمامةَ بن سَهْل (٤) بن حُنَيفٍ، عن سَهْل بن

стр. 4571

حُنَيف (١)، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من تَوضَّأ فأحسَنَ وضوءَهُ، ثُمَّ خرَجَ عامِدًا إلى مَسجدِ قُباءٍ، لا يُخرِجُهُ إلّا الصَّلاةُ فيه، كان بمَنْزِلةِ عُمرَةٍ" (٢). قال أبو عُمر: الشَّيخُ من الأنصارِ المذكُورُ في هذا الإسنادِ، هُو: محمدُ بن سليمان الكِرمانيُّ، سمِعهُ من أبي أُمامةَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي الأسودِ، قال: حدَّثنا حُمَيد (٣) بن الأسْوَدِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ الكِرمانيُّ، قال: سمِعتُ أبا أُمامةَ بن سَهْل بن حُنَيفٍ يقولُ: قال أبي (٤): قال رسُولُ الله ﷺ : "من تَطهَّر في بيتِهِ، ثُمَّ جاءَ مسجِدَ قُباءٍ فصلَّى فيه، فلهُ أجْرُ عُمرَةٍ" (٥). وقد رُوِيَ من حديثِ أُسيدِ بن ظُهير: "صلاةٌ في مسجِدِ قُباءٍ، تعدِلُ عُمرةً" من حديثِ عبدِ الحميدِ بن جَعْفرٍ، عن أبي الأبْرَد (٦) مولى بني خَطْمَةَ، عن أُسيدِ بن ظُهَير (٧).

стр. 4572

ورُوِيَ من حديثِ أهل المدينةِ، وهُو حديثٌ لا تقومُ به حُجَّةٌ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرُمة، سمِعَ عُمرَ بن الخطّابِ يقولُ: الحمدُ لله الذي قرَّبَ مِنّا مسجِدَ قُباءٍ، ولو كان بأُفُقٍ من الآفاقِ، لضرَبْنا إليه أكبادَ الإبِل (١). ورَوَى ابنُ نافِع، عن مالك: أنَّهُ سُئلَ عن إتيانِ قُباء راكِبًا: أحبُّ إليكَ أو ماشيًا، وفي أيِّ يوم يُؤتَى (٢)؟ قال مالكٌ: لا أُبالي في أيِّ يوم جِئتُهُ (٣)، ولا أُبالي مَشَيتُ إليه أو ركِبتُ، وليسَ إتيانُهُ بواجِبٍ، ولا أرى به بأسًا. قال أبو عُمر: وقد جاءَ عن طائفةٍ من العُلماء: أنَّهُم كانوا يستحِبُّون إتيانهُ وقَصْدهُ في كلِّ (٤) سَبْتٍ، للصَّلاةِ فيه، على ما جاءَ في ذلك. قال أبو عُمر: اختُلِفَ في الفِئَةِ الذين بَنَوا مسجِدَ الضِّرارِ بقُباءٍ، وفي الذينَ بَنَوا المسجدَ الذي أُسِّسَ على التَّقوى فيه، إن كان هُو ذلك. فذكَرَ معمرٌ، عن أيُّوبَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ الآيةَ [التوبة: ١٠٧]، قال: هُم حَيٌّ من الأنصارِ يُقالُ لهم: بنُو غَنم (٥). قال: والذين بَنَوا المسجدَ الذي أُسِّسَ على التَّقوَى، بنُو عَمرِو بن عَوْف (٦).

стр. 4573

وقال ابنُ جُرَيج: بنُو عَمرِو بن عَوْفٍ اسْتَأذنُوا النَّبيَّ ﷺ في بُنيانِهِ، فأذِنَ لهم، ففرَغُوا منهُ يومَ الجُمُعةِ، فصَّلَوا فيه يومَ الجُمُعةِ، ويومَ السَّبتِ، ويومَ الأحدِ، وانهارَ يومَ الاثْنَينِ في نارِ جَهنَّمَ (١). قال أبو عُمر: كلامُ ابن جُرَيج لا أدري ما هُو؟ والذي انهارَ في نارِ جهنَّم مسجِدُ المُنافِقينَ، لا يختلفُ العُلماءُ في ذلك، ولستُ أدري أبنُو عَمرِو بن عَوْفٍ، هُم، أم بنُو غَنْم؟ وقولُ سعيدِ بن جُبيرٍ في هذا مُخالفٌ لما قال ابنُ جُريج، وسعيدُ بن جُبيرٍ أجلُّ، ومعلُومٌ أنَّ المسجدَ الذي كان يأتيهِ رَسُولُ الله ﷺ بقُباء، ليسَ بالمسجدِ الذي انهارَ في نارِ جهنَّمَ. وأمّا قولُهُ : ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ فإنَّ أهل التَّفسيرِ قالوا: إنَّهُ كان يُحفَرُ ذلك الموضِعُ الذي انهارَ، فيخرُجُ منهُ دُخانٌ. وقال بعضُهُم: كان الرَّجُلُ يُدخِلُ فيه سَعْفةً من سَعْفِ النَّخل، فيُخرِجُها سوداءَ مُحرَّقةً. ورَوَى عاصِمُ بن أبي النَّجُودِ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، عن ابن مسعُودٍ، أنَّهُ قال: جهنَّمُ في الأرضِ، ثُمَّ تلا: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (٢). قال أبو عُمر: لا يختلفُونَ أنَّ مسجِدَ الضِّرارِ بقُباءٍ، واختلَفُوا في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقوى. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقوى: أنَّهُ مَسجدُهُ ﷺ ، وهُو أثبتُ من جِهَةِ الإِسنادِ عنهُ، من قولِ من قال: إنَّهُ مَسجدُ قُباءٍ، وجائزٌ أن يكونا جميعًا أُسِّسا على تَقْوَى الله، بل معلُومٌ أنَّ ذلكَ كذلك إن شاءَ الله.

стр. 4574

رَوَى أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ (١)، قال: حدَّثنا صالحُ بن حيّانَ (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بُرَيدةَ في قول الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ النور: ٣٦] قال: إنَّما هي أربعةُ مساجِد لم يَبْنِهِنَّ إلّا نبيٌّ: الكَعْبةُ، بناها إبراهيمُ وإسماعيلُ، وبيتُ أريحا ببيتِ المقدِسِ بناهُ داودُ وسُليمانُ، ومَسجدُ المدينةِ، ومَسجدُ قُباءٍ الذي أُسِّسَ على التَّقوى، بناهُما رسُولُ الله ﷺ (٣). حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سَلَمةَ بن المُعلَّى. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبرنا قُتيبةُ بن سَعيدٍ، قال: أخبرنا اللَّيثُ، عن عُمرَ بن أبي أنسٍ، عن ابن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنَّهُ قال: تَمارَى رجُلانِ في المَسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقوى من أوَّل يوم، فقال رجُلٌ: هُو مَسجدُ قُباءٍ، وقال الآخرُ: هُو مَسجدُ رسُولِ الله ﷺ ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "هُو مَسجدي". أخبرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا حَمْزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٥): أخبرني زكَريّا بن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عُمرَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي الزِّنادِ، عن خارِجةَ بن زيدٍ، عن أبيهِ، قال: المسجدُ الذي أُسِّسَ على التَّقوَى، مَسجدُ رسُول الله ﷺ .

стр. 4575

حديثٌ ثالثٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، أنَّ عبد الله بن عُمرَ أذَّنَ بالصَّلاةِ في لَيلةٍ ذاتِ بَرْدٍ وريح، فقال: ألا صَلُّوا في الرِّحال. ثُمَّ قال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يأمُرُ المُؤَذِّنَ إذا كانت ليلةٌ بارِدةٌ (٢) ذاتُ مَطَرٍ، يقولُ: "ألا صلُّوا في الرِّحال". قال أبو عُمر (٣): لم يُختلَفْ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، ولا في لفظِهِ (٤). وقد حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ (٥) العَسْكريُّ، قال: حدَّثنا المُزنيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ (٦)، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافِع، عن ابن عُمر: أنَّهُ أذَّنَ بالصَّلاةِ في ليلةٍ قِرَّةٍ وريح، فقال: ألا صلُّوا في الرِّحال. ثُمَّ قال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يأمُرُ المُؤَذِّنَ إذا كانت ليلةٌ بارِدةٌ ذاتُ مَطَرٍ، يقولُ: "ألا صَلُّوا في الرِّحالِ".

стр. 4576

في هذا الحديثِ من الفِقه: الرُّخصةُ في التَّخلُّفِ عن الجَماعةِ في ليلةِ المطرِ والرِّيح الشَّديدةِ، وقيلَ: إنَّ هذا إنَّما كان في السَّفَرِ. وعلى ذلكَ تدُلُّ تَرْجمةُ مالكٍ للبابِ الذي ذُكِرَ فيه هذا الحديثُ. وقيل: إنَّ ذلكَ كان يومَ جُمُعةٍ. وإذا كان في السَّفرِ، فلا معنَى فيهِ (١) لذِكرِ يوم الجُمُعةِ، وجائزٌ أن يكون (٢) ذلكَ الوَقْتَ كانوا يُصلُّونَ بصلاةِ الإمام في رِحالهم (٣)، وجائزٌ أن تكونَ لهم رُخصةٌ في سَفَرِهِم يتخلَّفُونَ عن الجماعةِ، لشِدَّةِ المؤْنةِ (٤) في السَّفرِ. وفي ذِكرِ الرِّحالِ دليلٌ، على أنَّهُ كان في سَفَرٍ، والله أعلمُ. وقد قيلَ (٥): إنَّ ذلك جائزٌ في الحَضَرِ والسَّفرِ، ولا فرقَ بين الحَضَرِ والسَّفرِ؛ لأنَّ العِلَّةَ المطرُ والأذَىَ، والسَّفرُ والحضرُ في ذلكَ سواءٌ، فيدخُلُ السَّفرُ بالنَّصِّ، والحضرُ بالمعنى، لأنَّ العِلَّةَ فيه المطرُ. وقد رخَّصت جماعةٌ من أهل العِلم، في وَقْتِ المطرِ الشَّديدِ، في التَّخلُّفِ عن الجُمُعةِ، لمن وجبت عليه، فكيفَ بالجماعةِ في غيرِ الجُمُعةِ؟ وقد مَضَى القولُ فيمن ذهَبَ إلى أنَّ الجماعةَ شُهُودُها لمن سمِعَ النِّداءَ فَرِيضةٌ، ومن قال: إنَّ ذلك سُنَّةٌ، وليسَ بفَرْضٍ، فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا، وسيتكرَّرُ القولُ في ذلك في مواضِعَ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله. واستدلَّ قومٌ على أنَّ الكلامَ في الأذانِ جائزٌ بهذا الحديثِ (٦) إذا كان الكلامُ

стр. 4577

مِمّا لا بُدَّ منهُ، وزعَمَ أنَّ قولهُ: "ألا صلُّوا في الرِّحالِ" كان في نفسِ الأذانِ، بإثرِ قوله (١) حيَّ على الفَلاح. واستدلُّوا بما: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبرنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن عَمرِو بن أوسٍ، قال: أخبرنا رَجُلٌ من ثَقيفٍ، أنَّهُ سمِعَ مُناديَ رسُول الله ﷺ ، يعني في لَيلةِ مَطَرٍ في السَّفرِ، يقولُ: حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفَلاح، صلُّوا في رِحالكُم. ففي هذا الحديث: أنَّ ذلكَ كان في السَّفرِ، وأنَّ قولهُ ذلكَ، كان في نفسِ الأذانِ، وأنَّ ذلكَ كان في مَطَرٍ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن أيُّوبَ وعاصِم (٣) الأحْوَلِ وعبدِ الحميدِ صاحِبِ الزِّياديِّ، عن عبدِ الله بن الحارِثِ قال: خَطَبنا ابنُ عبّاسٍ في يوم ذي ريح، فلمّا بلَغَ المُؤَذِّنُ حيَّ على الصَّلاةِ، أمرهُ أن يُنادي: الصَّلاةُ في الرِّحال. قال: فنظَرَ القومُ بعضُهُم إلى بعضٍ، فقال: كأنَّكُم أنْكَرتُمْ هذا، قد فعَلَ هذا من هُو خيرٌ مِنِّي (٤).

стр. 4578

وذكَرَهُ أبو داود (١)، عن مُسدَّدٍ، عن حمّاد (٢)، عن عبدِ الحَميدِ، عن عبدِ الله بن الحارِثِ، عن ابن عبّاسٍ. وزاد فيه: إنَّ الجُمُعةَ عَزْمةٌ، وإنِّي كَرِهتُ أن أُخْرِجَكُم فتَمْشُون في الطِّينِ، والمَطَرِ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: أخبَرنا سُفيانُ بن حَبِيبٍ، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن أبي قِلابَةَ، عن أبي المَلِيح، عن أبيه: شهِدَ النَّبيَّ ﷺ زَمَنَ الحُدَيبيةِ في يوم جُمُعةٍ، فذكَرَ الحديثَ. قال أبو داود (٤): وحدَّثنا ابنُ المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، [قال: حدَّثنا سَعيدٌ] (٥)، عن صاحِبٍ لهُ، عن (٦) أبي المليح: أنَّ ذلك كان يوم جُمُعةٍ.

стр. 4579

ووجدتُ في أصل سماع أبي بخَطِّهِ ﵀: أنَّ محمد بن أحمد بن قاسم بن هِلالٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمان الأعنافيُّ، قال: حدَّثنا نصرُ بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، سمِعَ عَمرو بن أوسٍ، حدَّثهُ رجُلٌ من ثَقيفٍ، سمِعَ مُنادي النَّبيِّ ﷺ في سَفَرٍ في ليلةِ مَطَرٍ يقولُ: حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفَلاح، صلُّوا في رِحالكُم (١). فقد بانَ بهذا الحديث: أنَّ ذلكَ منهُ ﷺ ، إنَّما كان في السَّفرِ، مع المطرِ. وهذه رُخْصةٌ تخُصُّ قَولهُ ﷺ : "هل تَسْمعُ النِّداءَ؟ " قال: نعَمْ، قال: "فلا رُخْصَةَ لكَ" (٢). وفي هذا الحديثِ دليلٌ، على (٣) جَوازِ التَّأخُّرِ في حينِ المَطَرِ الدّائم عن شُهُودِ الجماعةِ والجُمُعةِ، لما في ذلكَ من أذَىَ المطرِ، والله أعلمُ، لهذه الحال. وإذا جازَ للمَطَرِ الدّائم والماء، أن يُصلِّي المُسافِرُ، فيُومِئُ للرُّكُوع (٤) والسُّجُودِ، من أجلِ الماءِ والمَطَرِ والطِّينِ، ولولا المطرُ الدّائمُ، والطِّينُ، لم يجُز ذلك لهُ، كان المُتخلِّفُ (٥) عن شُهُودِ الجُمُعةِ والجَماعةِ، أولى بذلك. وقد ذكَرْنا الحُكمَ في صلاةِ الطِّينِ والمطرِ، وحُكْمَ الجَمْع بين الصَّلاتينِ في المَطَرِ، كلَّ ذلك في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ شيءٍ منهُ ها هُنا. وأمّا الكلامُ في الأذانِ، فإنَّ أهل العِلم اختَلفُوا في إجازَتهِ، وكراهيتِهِ، فقال منهُم قائلُونَ: إذا كان الكَلامُ من (٦) شأنِ الصَّلاةِ، والأذانِ، فلا بأسَ بذلك.

стр. 4580

قالوا (١): كما رُوِيَ عن ابن عبّاس: أنَّهُ أمَرَ مُؤَذِّنهُ في يوم مَطَرٍ أن يقولَ بعدَ قوله: حيَّ على الفَلاح: ألا صلُّوا في الرِّحال (٢). قالوا: فإن تكلَّمَ بما ليسَ من شأنِ الصَّلاةِ، فقد أساءَ، ولا إعادةَ عليه للأذانِ. هذا قولُ طائفةٍ من أهل الحديثِ، وهُو يُشبِهُ مذهَبَ ابن القاسم، ورِوايتُهُ عن مالكٍ فيمَنْ تكلَّمَ في شأنِ الصَّلاةِ وإصْلاحِها: أنَّهُ لا شيءَ عليه. فكذلكَ الأذانُ قياسًا ونظرًا، إلّا أنَّ مالكًا لم يختلف قولُهُ، ومذهَبُهُ في كَراهيتهِ (٣) الكلام في الأذانِ على كلِّ حال. قال أبو عُمر: احتجَّ من أجازَ نحو هذا من الكلام في الأذانِ (٤)، بأن قال: قد ثبتَ التَّثويبُ في الفَجْرِ؛ وهُو قولُ المُؤَذِّن: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم. فكلُّ ما كان حضًّا على الصَّلاةِ، أو من شأنِها، فلا بأسَ بالكلام به في الأذانِ، قياسًا على ذلك، واستِدلالًا بالحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ، وبالله التَّوفيقُ. وكان مالكٌ ﵀، فيما رَوَى عنهُ غيرُ واحِدٍ، يكرهُ الكلام في الأذانِ، وقال: لم أعلم أحدًا يُقتدَى به فعلَ ذلك. وكَرِهَ ردَّ السَّلام في الأذانِ، لئَلّا يشتغِلَ (٥) المُؤَذِّنُ بغيرِ ما هُو فيه من الأذانِ، وكذلك لا يُشمِّتُ عاطِسًا، ولكنَّهُ إن فعلَ شيئًا من ذلك، وتكلَّم (٦) في أذانِهِ بَنَى (٧)، ولا شيءَ عليه.

стр. 4581

ونحوُ هذا كلِّهِ قولُ الشّافِعيّ: يُستحبُّ للإنسانِ أن لا يتكلَّمَ في أذانِهِ، ولا في إقامَتِهِ، فإن تكلَّمَ أجزأهُ (١). وكذلك قال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: لا يتكلَّمُ مُؤَذِّنٌ في الأذانِ، ولا في الإقامةِ، فإن تكلَّمَ مَضَى، ويُجزئهُ. وهُو قولُ الثَّوريِّ وإسحاق. ورُوِيَ عن ابن شِهاب، أنَّهُ قال: إن تكلَّمَ الرَّجُلُ في الأذانِ، وفي الإقامةِ، أعادَهُما (٢). ورُوي عنهُ: أنَّهُ أمَرَ مُؤَذِّنًا تكلَّمَ في أذانِهِ أن يُعيدَ. وليسَ ذلك منهُ بصحيح، والإسنادُ فيه عنهُ ضعيفٌ. وكرِهَ الكلام في الأذانِ النَّخعيُّ، وابنُ سيرينَ، والأوزاعيُّ (٣)، ولم يجِئ عن واحدٍ منهُم: أنَّ عليه إعادةَ الأذانِ، ولا ابتِداءَهُ. ورخَّصت طائفةٌ من العُلماءِ في الكلام في الأذانِ، منهُمُ: الحسنُ، وعُروةُ، وعَطاءٌ، وقَتادةُ (٤). وإليه ذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل. ورُوي ذلكَ عن سُليمانَ بن صُرَدٍ ﵁. وروى الوليدُ بن مَزْيد (٥) عن الأوزاعيّ قال: لا بأسَ أن يرُدَّ السَّلامَ في أذانِهِ، ولا يرُدَّ في إقامتِهِ. قال: وقال الأوزاعيُّ: ما سمِعتُ قطُّ أنَّ مُؤَذِّنًا أعادَ أذانَه (٦). قال أبو عُمر: في (٧) هذا الحديثُ دليلٌ على أنَّ الأذانَ من شأنِ الصَّلاةِ، لا يَدَعُهُ مُسافِرٌ، ولا حاضِرٌ.

стр. 4582

وهذا مَوْضِعٌ اختلَفَ العُلماءُ فيه، مع إجماعِهِم أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُؤَذَّنُ لهُ في حَياتِهِ كلِّها لكلِّ صَلاةٍ، في سَفَرٍ وحَضَرٍ، وأنَّهُ ندَبَ المُسلمينَ إلى ذلك (١) وسَنَّهُ لهم، وكان ﷺ في غَزَواتِهِ كُلِّها (٢) إذا سمِعَ أذانًا، كفَّ وعلِمَ أنَّها دارُ إيمانٍ، وإذا لم يَسْمعهُ أغارَ، وكان يأمُرُ بذلكَ سَراياهُ. وقال الله : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]. وقال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآيةَ [الجمعة: ٩]. وقال ﷺ : "إذا نُودِيَ للصَّلاةِ، أدبَرَ الشَّيطانُ ... " الحديثَ (٣). واختَلَف الفقهاءُ في وُجُوبِ الأذانِ (٤)، فالمشهُورُ من مذهَبِ مالكٍ وأصحابِهِ (٥) أنَّ الأذانَ إنَّما هُو للجَماعاتِ، حيثُ يجتمِعُ النّاسُ للأئمَّةِ، فأمّا ما سِوَى ذلك من أهل الحَضرِ، والسَّفرِ، فالإقامة (٦) تُجزئُهم. واختلَفَ المُتأخِّرُونَ من أصحابِ مالكٍ على قولينِ في وُجُوبِ الأذانِ، فقال بعضُهُم: الأذانُ سُنَّهٌ مُؤَكَّدةٌ واجِبةٌ على الكِفايةِ، وليسَ بفَرْضٍ. وقال بعضُهُم: هُو فرضٌ على الكِفايةِ في المِصرِ خاصَّةً. وقولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِه: أنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ على الكِفايةِ (٧).

стр. 4583

وقال الشّافِعيُّ: لا أُحِبُّ لأحَدٍ أن يُصلِّي في جماعَةٍ ولا وحدَهُ (١)، إلّا بأذانٍ وإقامةٍ. والإقامةُ عندَهُ أوكَدُ. وهُو قولُ الثَّوريِّ. واختلَفَ أصحابُ الشّافِعيِّ، فمنهُم من قال: إنَّهُ (٢) سُنَّةٌ على الكِفايةِ. ومنهُم من قال: هُو فرضٌ على الكِفايةِ. وذكَرَ الطَّبريُّ عن مالكٍ، أنَّهُ قال: إن ترك أهلُ مِصْرٍ الأذانَ عامِدينَ، أعادُوا الصَّلاةَ (٣). وقال عطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والأوزاعيُّ، وداودُ بن عليّ: الأذانُ فَرْضٌ، ولم يقولوا: على الكِفايةِ (٤). وقال الأوزاعيُّ، وعَطاءٌ: من تركَ الإقامةَ، أعادَ الصَّلاةَ (٥). وقال الطَّبريُّ: الأذانُ سُنَّةٌ، وليسَ بواجِبٍ. وقال الشّافِعيُّ: تَرْكُ رسُول الله ﷺ التَّأذين حينَ جمعَ بين الصَّلاتينِ بالمُزْدَلِفة ويوم الخَنْدقِ، دليلٌ على أنَّ التَّأذينَ ليسَ بواجِبٍ فرضًا، ولو لم تَجُزِ (٦) الصَّلاةُ إلّا بأذانٍ، لم يَدَع ذلك، وهُو يُمكِنُهُ. قال: وإذا كان هكذا في الأذانِ، كانتِ الإقامةُ كذلك، لأنَّهُما جميعًا غيرُ الصَّلاةِ. واختُلفُوا (٧) أيضًا في الأذانِ للمُسافِرِ (٨)، فرَوَى ابنُ القاسم، عن مالك: أنَّ الأذانَ إنَّما هُو في المِصْرِ للجَماعاتِ في المَساجِدِ.

стр. 4584

ورَوَى أشْهَبُ، عن مالكٍ قال: إن تركَ الأذانَ مُسافِرٌ عامِدًا، أعادَ الصَّلاةَ (١)، ذكر الطَّبريُّ قال (٢): أخبرني يونُسُ بن عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا أشهبُ، عن مالكٍ فذكرهُ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: أمّا المُسافِرُ فيُصلِّي بأذانٍ وإقامةٍ. قالوا: ويُكرَهُ أن يُصلِّي بغَيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ، وأمّا في المِصْرِ، فيُستحبُّ للرَّجُل إذا صلَّى وحدهُ، أن يُؤَذِّنَ ويُقيم، فإنِ اسْتَجزأ بأذانِ النّاسِ وإقامَتِهِم، أجزأهُ (٣). وقال الثَّوريُّ: لا يَسْتجزِئُ بإقامةِ أهل المصرِ. وقال الأوزاعيُّ: لا تجزِئُ المُسافِرَ، ولا الحاضِرَ صَلاةٌ، إذا تركَ الإقامةَ. وقال داودُ بن عليّ: الأذانُ واجِبٌ على كلِّ مُسافِرٍ في خاصَّتِهِ، والإقامةُ كذلكَ. واحتجَّ بحديثِ مالكِ بن الحُويرِثِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لهُ ولصاحِبِه: "إذا كُنتُما في سَفَركما فأذِّنا وأقيما، وليؤُمَّكُما أحَدُكُما" (٤). وهُو قولُ أهل الظّاهِرِ. ولا أعلمُ أحدًا قال بقَولهِ من فُقهاءِ الأمصارِ، إلّا ما رُوِي عن (٥) أشْهَبُ، عن مالكٍ. وما رُوِيَ عن الأوزاعيِّ، فيمن تركَ الإقامةَ دُونَ الأذانِ. وهُو قولُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ.

стр. 4585

وقال الثَّوريُّ: تُجزِئُكَ الإقامةُ في السَّفرِ عن الأذانِ، وإن شِئتَ أذَّنتَ، وأقمتَ، وتكفيكَ الإقامةُ، وإن صلَّيتَ بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ، أجزأتكَ صلاتُك. وقال الشّافِعيُّ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُما، وهُو قولُ أبي ثَوْرٍ وأحمدَ، وإسحاقَ، والطَّبريّ: إذا تركَ المُسافِرُ الأذانَ عامِدًا، أو ناسيًا، أجزأتهُ صلاتُهُ. وكذلكَ لو تركَ الإقامةَ عِندهُم، لم تكُن عليه إعادةُ صلاتِهِ. وقد أساءَ إن تَرَكها عامِدًا. وهُو تحصيلُ مذهبِ مالكٍ أيضًا. وقد رَوَى أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان في السَّفرِ يُصلِّي بإقامةٍ، إقامةٍ، إلّا الغَداةَ، فإنَّهُ كان يُؤَذِّنُ لها، ويُقِيمُ (١). يعني صلاةَ الصُّبح. قال أبو عُمر: قد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ المسجدَ إذا أذَّنَ فيه واحِدٌ وأقامَ: أنَّهُ يُجزِئُ أذانُهُ وإقامَتُهُ جميع مَنْ في المسجدِ (٢)، وأنَّ من أدركَ الإمامَ، في سَفَرٍ أو حَضَرٍ، وقد دخلَ في صلاتِهِ، أنَّهُ يدخُلُ مَعهُ، ولا يُؤَذِّنُ ولا يُقيمُ. فدلَّ إجماعُهُم في ذلك كلِّهِ، على بُطلانِ قولِ من أوجبَ الأذانَ على كلِّ إنسانٍ في خاصَّةِ نفسِهِ، مُسافِرًا كان، أو غير مُسافِرٍ، ودلَّ على أنَّ الأذانَ والإقامةَ غيرُ واجِبينِ. ومن جِهَةِ القياسِ والنَّظر: ليَسْتا من الصَّلاةِ، فتَفسُدُ الصَّلاةُ بتركِهِما. والذي يصِحُّ عِندي في هذه المسألةِ، أنَّ الأذانَ واجِبٌ فرضًا على الدّارِ، أعني المِصْرَ، أوِ القريةَ، فإذا قامَ فيها قائمٌ واحِدٌ، أو أكثرُ، بالأذانِ، سقطَ فرضُهُ عن سائرِهِم. ومن الفَرْقِ بين دارِ الكُفرِ ودارِ الإسلام، لمن لم يَعْرِفها: الأذانُ الدّالُّ على الدّارِ، وكلُّ قريةٍ أو مِصرٍ لا يُؤَذَّنُ فيه بالصَّلاةِ، فأهلُهُ لله عُصاةٌ، ومن

стр. 4586

صلَّى منهُم فلا إعادةَ عليه، لأنَّ الأذانَ غيرُ الصَّلاةِ، ووُجُوبُهُ على الكِفايةِ، فمن قامَ به سقطَ عن غيرِهِ، كسائرِ الفُرُوضِ الواجِبةِ على الكِفايةِ. وأمّا الأذانُ للمُنفرِدِ، في سَفرٍ، أو حَضَرٍ، فسُنَّةٌ عِندي مسنُونةٌ مندُوبٌ إليها، مأجُورٌ فاعِلُها عليها. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن يونُسَ، قال: حدَّثنا زائدةُ، قال: حدَّثنا السّائبُ بن حُبَيشٍ، عن مَعْدانَ (١) بن أبي طَلْحةَ اليَعْمريِّ، قال: قال لي أبو الدَّرداء: أينَ مسكنُكَ؟ قال: قلتُ: بقَرْيةٍ دُونَ حِمصَ. فقال أبو الدَّرداء: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "ما من ثَلاثةٍ في قَرْيةٍ ولا بَدْوٍ، لا تُقامُ فيهِمُ الصَّلاةُ، إلّا اسْتَحوذَ عليهمُ الشَّيطانُ، فعليكَ بالجماعةِ، فإنَّما يأكُلُ الذِّئبُ القاصِيةَ". قال زائدةُ: يعني الصَّلاةَ في جَماعةٍ. وذكرهُ أبو داود (٢)، عن أحمد بن يونُسَ، بإسنادِهِ. وقال: قال زائدةُ: قال السّائبُ: يعني الجماعةَ، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 4587

حديثٌ رابعٌ لنافِع عن ابن عُمر مالكٌ (١)، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من باعَ (٢) نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فثَمَرُها للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ". قال أبو عُمر: لم يُختَلَف عن نافع (٣) في رَفْع هذا الحديثِ إلى النَّبيِّ ﷺ (٤). واختَلَف نافِعٌ وسالمٌ في رَفع: "من باعَ عَبْدًا ولهُ مالٌ، فمالُهُ (٥) للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ". وهُو أحدُ الأحاديثِ الثَّلاثةِ التي رَفَعها سالمٌ، وخالَفهُ فيها نافِعٌ عن ابن عُمرَ. قال عليُّ ابنُ المدينيّ: والقولُ فيها قولُ سالم. وقد تُوبِعَ سالمٌ على ذلك. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُثمانَ بن ثابتٍ الصَّيدلانيُّ ببغدادَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: خالَفَ سالمًا نافِعٌ في ثلاثةِ أحاديث، رَفَعها سالمٌ، وروى نافِعٌ منها اثْنَينِ عن ابن عُمرَ، عن عُمر، والثّالث عن ابن عُمرَ، عن كعب. أحدُها: "من باعَ عبدًا ولهُ مالٌ ... " الحديث. رواهُ سالمٌ عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ (٦).

стр. 4588

ورواهُ نافِعٌ، عن ابن عُمرَ، عن عُمرَ قولُه. كذلك رواهُ مالكٌ (١)، وعُبيدُ الله بن عُمرَ (٢). ورواهُ أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ (٣)، لم يَتَجاوزهُ. وقد رُوي عن أيُّوبَ (٤)، كما رواهُ مالكٌ سواءٌ. والثّاني: "والنّاسُ كإبِلٍ مئةٍ، لا تكادُ تجِدُ فيها راحِلةً". رواهُ سالمٌ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ (٥). كذلك رَوى الزُّهريُّ هذا الحديث، والذي قبلهُ عن سالم، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ . ورواهُ ابنُ عَجْلانَ وغيرُهُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: قال عُمرُ: النّاسُ كإبِلٍ مئةٍ لا تُوجَدُ فيها راحِلةٌ (٦). والثّالثُ: حديثُ يحيى بن أبي كَثيرٍ، قال: حدَّثني أبو قِلابَةِ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، في قِصَّةِ النّار: أنَّها تخرُجُ فتَحْشُرُ النّاس (٧).

стр. 4589

ورواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن كَعْبٍ، قال: تخرُجُ نارٌ ... الحديث (١). قال أبو عُمر: قد رُوي حديثُ: "من باعَ عبدًا ولهُ مالٌ، فمالُهُ للبائع ... " الحديثَ. عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ . ولا يصِحُّ ذلك عندَ أهل العِلم بالحديثِ، وإنَّما هُو لنافِع، عن ابن عُمرَ، عن عُمرَ، قولُهُ. كذلك رواهُ الحُفّاظُ من أصحابِ نافِع، منهُم: مالكٌ، وعُبيدُ الله بن عُمر. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا بشرُ بن المُفضَّل، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من باعَ نَخْلًا قد أبَّرها، فإنَّ ثَمَرها للذي باعَها، إلّا أن يَشْترِط المُشْتري". قال: وقال عُمرُ: من باعَ عبدًا ولهُ مالٌ، فمالُهُ للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُشْتري (٢). وكذلك رواهُ ابنُ نُمَير، وعَبْدةُ بن سُليمانَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، الحديثينِ، قِصَّةَ النَّخل مرفُوعةً، وقِصَّةَ العَبْدِ من قول عُمرَ (٣).

стр. 4590

حدَّثنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله (١) بن جعفرِ بن الوردِ والحُسينُ بن جعفرٍ، قالا: حدَّثنا يوسُفُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ الحَكَم، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أيُّما امرِئ أبَّرَ نخلًا، ثُمَّ باعَ أصلها، فللذي أبَّرَ ثمَرُ النَّخل، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ" (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ بن عبدِ الرَّزّاق (٤)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٦): حدثنا (٧) سُفيانَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من باعَ عبدًا ولهُ مالٌ، فمالُهُ للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ، ومن باعَ نَخْلًا مؤبَّرًا، فالثَّمَرُ للبائع، إلا أن يَشْترطَ المُبْتاع" (٨).

стр. 4591

وكذلكَ رِوايةُ عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن (١) عُمر، في قِصَّةِ النَّخل، وقِصَّةِ العبدِ جميعًا مرفُوعان (٢). كما روى ذلك سالمٌ سواءٌ، وهُو الصَّوابُ، والله أعلمُ. وقرأتُ على سعيدِ بن نصر، أنَّ قاسمَ بن أصْبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم بن عبدِ الله، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من باعَ نَخْلًا بعدَ أن تُؤَبَّر، فثَمَرها للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ، ومن باعَ عبدًا ولهُ مالٌ، فالمالُ للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ". وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: سُئلَ سعيدٌ عن الرَّجُل يبيعُ النَّخلَ، أوِ المملُوكَ، فأخبرنا عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أيُّما رجُلٌ باعَ نَخْلًا قد أُبِّرتْ، فثَمَرتُها لرَبِّها الأوَّل، إلّا أن يَشترط المُبتاعَ" (٤) (٥). قال أبو عُمر: هكذا يقولُ جماعةُ الحُفّاظِ في حديثِ ابن عُمرَ هذا، في قِصَّةِ النَّخل، وفي قِصةِ العَبْدِ: "يشترِطُ" بلا هاءٍ، لا يقولُون: يشترِطُها، في النَّخل، ولا: يشترِطُهُ، في العبدِ، ومعلُومٌ أنَّ الهاءَ لو وردت في هَذينِ الحديثينِ، لكانت ضميرًا

стр. 4592

في: يَشْترِطُها، عائدًا على ثمَرةِ النَّخل، وفي: يشترِطُهُ، ضميرًا عائدًا على مال العبدِ، فكأنَّهُ قال: إلّا أن يشترِطَ المُبتاعُ شيئًا من ذلك. وفي سُقُوطِ الهاءِ من ذلكَ، دليلٌ على صِحَّةِ ما ذهَبَ إليه أشهبُ، في قوله: جائزٌ لمنِ ابتاعَ نَخْلًا قد أُبِّرت، أن يَشْترِطَ من الثَّمرةِ نِصفها، أو جُزءًا منها، وكذلك في مالِ العَبْدِ، جائزٌ أن يَشْترِط نِصفهُ، أو يَشْترِطَ منهُ ما شاءَ، لأنَّ ما جازَ اشتِراطُ جَميعِهِ، جاز اشتِراطُ بعضِه، وما لم يَدْخُل الرِّبا في جَميعِهِ، فأحرى أن لا يُدْخُلَ في بعضه. هذا قولُ جُمهُورِ الفُقهاءِ في ذلك، وكلٌّ على أصلهِ، على (١) ما سنُوضِّحُهُ إن شاءَ الله. وقال ابنُ القاسم: لا يجُوزُ لمُبتاع النَّخلِ المُؤَبَّرِ، أن يشترِطَ منها جُزءًا، وإنَّما لهُ أن يَشْترِطَ جميعها، أو لا يَشْترِطَ شيئًا منها (٢). وجُملةُ قول مالكٍ، ومذهبُ ابن القاسم فيمَنْ باع حائطًا من أصْلهِ، وفيه ثمَرةٌ لم (٣) تُؤَبَّرُ، فثَمرُهُ للمُشْتَري، وإن لم يَشْترِطهُ، وإن كانتِ الثَّمرةُ قد أُبِّرت، فثَمرُهُ للبائع، إلّا أن يَشْترِطهُ المُبتاعُ، فإن لم يَشْترِطهُ المُبتاعُ، ثُمَّ أرادَ شِراءَ الثَّمرِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِهِ من بَعدِ شِراءِ الأصْلِ بلا ثَمَرِهِ، فجائزٌ لهُ ذلك خاصَّةً، لأنَّهُ كان يجُوزُ لَهُ (٤) شِراؤُها مع الأصْلِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، ولا يجُوزُ ذلك لغيرِهِ (٥).

стр. 4593

وقال ابنُ الموّاز: اختلَفَ قولُ مالكٍ في شِراءِ الثَّمَرةِ بعد شِراءِ الأصول، وقد أُبِّرتِ الثَّمَرةُ، فقال: لا يجُوزُ قرُبَ ذلك أو بعُدَ، وكذلك مال العبدُ. وقد قال فيهما أيضًا (١): إنَّ ذلكَ جائزٌ. قال: والذي أخذَ به ابنُ عبدِ الحَكَم، والمُغيرةُ، وابنُ دينار: أنَّهُ لا يجُوزُ فيهِما، إلّا أن تكونَ مع الأصل (٢)، ومع العَبْدِ، في صَفْقةٍ واحِدةٍ. وقد روى أشْهَبُ عن مالكٍ القولينِ جميعًا. ولا خِلافَ عن مالكٍ، وأصحابِهِ في مشهُورِ المذهب: أنَّ الثَّمَرةَ إذا اشْتَرطها مُشْتري الأصل، أوِ اشْتَراها بعدُ، أنَّها لا حِصَّةَ لها من الثَّمنِ، ولو أُجيحت كلُّها كانت من المُشتري، ولا يكونُ شيءٌ من جائحتِها على البائع. وكذلك كلُّ ما جازَ اسْتِثناؤُهُ في الشِّراءِ، والكِراءِ من الثِّمارِ، لا جائحةَ فيه، وإنَّما تكونُ الجائحةُ فيما بيعَ مُنفرِدًا من الثِّمارِ، دُونَ أصل. هذا تحصيلُ المذهبِ، وكلُّ رَهْنٍ فيه ثَمَرةٌ قد أُبِّرتْ، فهي رَهنٌ عندَ مالكٍ وأصْحابِهِ، مع الرِّقابِ، وإن كانت لم تُؤَبَّر، فهي للرّاهِنِ. وأمّا الشّافِعيُّ ﵀، فقَولُهُ في بَيعْ النَّخلِ بعد الإبارِ وقَبْلهُ، كقولِ مالكٍ سَواءٌ، إلّا أنَّهُ لا يُجيزُ للمُبتاع أن يَشْتري الثَّمَرةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، إذا لم يَشْترِطها في حينِ شِرائهِ النَّخل (٣). ولم يُفرِّق بينهُ، وبين غيرِهِ، لعُمُوم نَهْي رسُول الله ﷺ عن بيع الثَّمَرةِ حتَّى يبدُو صَلاحُها (٤).

стр. 4594

وأمّا أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، فإنَّهُم ردُّوا ظاهِر هذه السُّنَّةِ ودليلَها بتَأويلهِم. وردَّها ابنُ أبي ليلى (١) رَدًّا مُجرَّدًا، جَهْلًا به (٢)، والله أعلمُ، وسَنذكُرُ أقوالهم. وظاهِرُ مذهبِ مالكٍ وأصْحابِه: القولُ بهذا الحديثِ جُملةً، لا (٣) يرُدُّونهُ، وَيسْتعمِلُونهُ فيمَنْ باعَ نَخْلًا قد أُبِّرت، أنَّ ثمَرَها للبائع، إلّا أن يَشْترِطها المُبتاعُ. قالوا: وإذا لم تُؤَبَّرِ الثَّمَرةُ، فقد جَعلَها النَّبيُّ ﷺ للمُبتاع، فإنِ اشْتَرطها البائعُ، لم تجُز، وكأنَّ المُبتاعَ باعَها قبل بُدُوِّ صَلاحِها. ومن باعَ عندَهُم أرضًا فيها زرعٌ لم يَبْدُ صَلاحُهُ، فهُو للبائع، حتَّى يَشْترِطهُ المُبتاعُ. كمأبورِ النَّخل، وما لم يَظْهر من الزَّرع في الأرْضِ، فهُو للمُبتاع بغيرِ شَرْطٍ، كما لم يُؤَبَّر من الثَّمَرِ. ولا بأسَ عندَهم ببيع الأرضِ بزَرْعِها، وهُو أخضرُ، كبيع النَّخْل (٤) بثَمَرِها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، لأنَّ الثَّمرَ والزَّرعَ تَبعٌ لأصِلهِ. وإذا أُبِّر أكثرُ الحائطِ عندَهُم، فهُو للبائع، حتَّى يَشْترِطهُ المُبتاعُ، وإن كان المُؤَبَّرُ أقلَّهُ، فهُو كلُّهُ للمُبتاع. واضْطَربُوا إذا أُبِّر نِصفُهُ، والأظْهَرُ من المذهب: أنَّهُ للمُبتاع، إلّا أن يكونَ النِّصفُ مُفرَّدًا (٥) فيكونُ للبائع حينئذٍ، وإلّا فهُو للمُبتاع. ومنِ ابتاع عندَهُم أرضًا (٦)، ولم يذكُر شَجَرَها، فهي داخِلةٌ في البيع، كبِناءِ الدّارِ، وكذلك في صدَقَتِها، وأمّا الزَّرعُ فهُو للبائع، حتَّى يَشْترِطهُ المُبتاعُ.

стр. 4595

هذا كلُّهُ تحصيلُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِهِ (١). وأمّا الشّافِعيُّ، فأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْل، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: أخبرنا الرَّبيعُ بن سُليمانَ، عن الشّافِعيِّ، قال (٢): في حديثِ النَّبيِّ ﷺ : "من باعَ نَخْلًا بعد أن تُؤَبَّر، فثَمَرُها للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ (٣) المُبتاعُ" فائدتان: إحداهُما (٤) لا تُشكِلُ: لأنَّ الحائطَ إذا بِيعَ وقد أُبِّر نَخْلُهُ، أنَّ الثَّمَرةَ لبائعه (٥)، إلّا أن يَشْترِطها المُبتاعُ، فتكونُ مِمّا وَقَعت عليه صَفْقةُ البيع، ويكونُ لهُ حِصَّةٌ من الثَّمنِ. والثّانيةُ: أنَّ الحائطَ إذا بِيعَ، ولم يؤَبَّر نَخْلُهُ، فثمرُهُ للمُشْتري، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ إذ حدَّ فقال: "إذا أُبِّر فثَمرُهُ للبائع". فقد أخبرَ أنَّ حُكمهُ إذا لم يُؤَبَّر، غيرُ حُكمُهُ إذا أُبِّر (٦) فمن باعَ حائطًا لم يُؤَبَّر، فالثَّمَرةُ للمُشْتري بغيرِ شَرْطٍ استِدلالًا بالسُّنَّةِ. وهُو قولُ اللَّيثِ بن سعدٍ، وداود بن عليٍّ، وأحمد بن حَنْبل والطَّبريِّ. وقال الشّافِعيُّ: وكلُّ حائطٍ فلهُ حُكمُ نفسِهِ، لا حُكم غيرِهِ، فمن باعَ حائطًا لم يُؤَبَّر، فثَمرُهُ للمُشْتري، وإن أُبِّر غيرُهُ، ومن باعَ ثَمَرةً لم يبدُ صلاحُها في حائطٍ بعينِهِ، لم يجُز، وإن بَدا الصَّلاحُ في مِثلها، في غيرِهِ، لأنَّ كلَّ حائطٍ حُكمهُ بنفسِهِ لا بغيرِهِ.

стр. 4596

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والأوزاعيُّ: من باعَ نَخْلًا، فثَمرُها للبائع، إلّا أن يشترِطَ المُبتاعُ، وسواءٌ أُبِّرت، أو لم تُؤَبَّر، هي للبائع أبدًا، إلّا أن يَشْترِطها المُبتاعُ. وقال ابنُ أبي ليلى: الثَّمَرةُ للمُشْتري، اشترطها، أو لم يَشْترِطها، كسعَفِ النَّخل (١). قال أبو عُمر: أمّا الكُوفيُّونَ والأوزاعيُّ، فلا يُفرِّقُونَ بين المُؤَبَّرِ، وغيرِهِ، ويجعلُونَ الثَّمرةَ للبائع، إذا كانت قد ظَهَرت قبلَ البيع. ومن حُجَّتِهِم: أنَّهُ لم يختَلِفْ قولُ من شرطَ التَّأبير إذا (٢) لم تُؤَبَّر حتَّى تناهَتْ وصارَتْ بلَحًا أو بُسرًا، ثُمَّ بيعَ النَّخلُ، أنَّ الثَّمَرةَ لا تدخُلُ فيه. قالوا: فعَلِمنا أنَّ المعْنَى في ذِكرِ التَّأبيرِ، ظُهُورُ الثَّمَرةِ. قال أبو عُمر: الإبارُ عندَ أهل العِلم في النَّخلِ التَّلقيحُ، وهُو أن يُؤخَذَ شيءٌ من طَلْع النَّخل، فيُدخل بين ظَهْراني طَلْع الإناثِ، ومعنى ذلك في سائرِ الثِّمارِ، ظُهُورُ الثَّمَرَةِ من التِّينِ وغيرِهِ، حتَّى تكون الثَّمَرَةُ مرئيَّةً، منظُورًا إليها. والمُعتَبرُ به عندَ مالكٍ، وأصحابِهِ، فيما يُذكَّرُ من الثِّمارِ التَّذكيرُ، وفيما لا يُذكَّرُ، أن يثبُتَ من نوّارِهِ ما يثبُتُ، ويسقُطَ ما يسقُطُ. وحدُّ ذلك في الزَّرع، ظُهُورُهُ من الأرْضِ؛ قالهُ مالكٌ. وقد رُوِيَ عنهُ: أنَّ إبارهُ، أن يتَحبَّب. قال أبو عُمر: لم يختلفِ العُلماءُ: أنَّ الحائطَ إذا انشقَّ طَلْعُ إناثِهِ، فأُخِّر إبارُهُ، وقد أُبِّر غَيرُهُ مِمَّن حالُهُ مِثلُ حاله: أنَّ حُكمهُ، حُكمُ ما أُبِّر، لأنَّهُ قد جاءَ عليه وقتُ الإبارِ، وظَهَرتْ ثمرتُهُ بعد تَغيُّبِها في الجفِّ (٣)، فإن أُبِّر بعضُ الحائطِ، كان ما لم يُؤَبَّر تبعًا لهُ، كما أنَّ الحائطَ إذا بَدا صلاحُهُ، كان سائرُ الحائطِ تبعًا لذلك الصَّلاح، في جَوازِ بيعِهِ.

стр. 4597

وأصلُ الإبار: أن يكونَ في شيءٍ منهُ الإبارُ، فيَقَعُ عليه اسمُ أنَّهُ قد أُبِّر، كما لو بَدا صلاحُ شيءٍ منهُ. وهذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ وغيرِهِ من الفُقهاءِ. قال الشّافِعيُّ (١): والكُرسُفُ إذا بيعَ أصلُهُ، كالنَّخلِ إذا خرَجَ جوزُهُ، ولم يَتَشقَّق فهُو للمُشتري، وإذا انشقَ فهُو للبائع، مِثلُ الطَّلع قبل الإبارِ وبعدهُ. قال: ومن باعَ أرضًا فيها زرعٌ، قد خرجَ من الأرضِ، فالزَّرعُ للبائع، إلّا أن يشترِطهُ المُبتاعُ. قال أبو عُمر: وهُو قولُ مالكٍ وأصحابِهِ: إذا ظهرَ الزَّرعُ واستَقلَّ، فإن لم يَظْهرِ الزَّرعُ، ولم يخرُج، ولم يستقِلَّ، لم يجُز لمُبتاع الأرضِ استِثناؤُهُ. واشتِراطُهُ قولُ الشّافِعيِّ ومالكٍ في ذلك سواءٌ. قال الشّافِعيُّ (٢): فإن لم يَشْترِطِ المُبتاعُ الزَّرعَ، كان للبائع، فإن كان الزَّرعُ مِمّا يبقى لهُ أصُولٌ في الأرضِ تُفسِدُها، فعلى صاحِبِ الزَّرع نزعُها عن رَبِّ الأرضِ، إن شاءَ ربُّ الأرضِ. قال: وهذا إذا باعَهُ أرضًا فيها زَرْعٌ يُحصَدُ مرَّةً واحِدةً. وأمّا القَصبُ، فمن باعَ أرضًا فيها قَصَبٌ قد خرجَ من الأرضِ، فليسَ لهُ منهُ إلّا جَزَّةٌ واحِدةٌ، وليسَ لهُ قلعُهُ من أصْلهِ، لأنَّهُ أصلٌ. قال: وكلُّ ما يُجزُّ مِرارًا من الزَّرع، فمِثلُ القَصَبِ في الأصل والثَّمَرةِ، لا يُخالفُهُ. قال أبو عُمر: أمّا أصحابُ مالكٍ، فإنَّهُم يُجيزُونَ بيعَ القَصبِ، والمَوزِ من عام إلى عام، إذا بَدا صلاحُ أوَّلهِ، وأمّا القُرْطُ (٣) فيُباعُ عندَهُم إذا بَدا صلاحُ أوَّلهِ على آخِرِهِ.

стр. 4598

وكذلكَ قصبُ السُّكَّرِ، ويكونُ للمُشْتري من القُرطِ أعْلاهُ، وأسفلُهُ، ولا يجُوزُ أن يَشْترِطَ إبقاءَ خِلْفتِهِ برسيمًا (١). وتحصيلُ مذهَبِ مالكٍ، فيمَنْ حبَّسَ حائطًا لهُ بعدَ موتِهِ، أو تصدَّقَ به، أو أوْصَى ثُمَّ ماتَ، وقد أُبِّرت ثمَرَةُ الحائطِ، فإنَّ الثَّمَرَةَ للورَثةِ، لأنَّها كالوِلادةِ، فإن ماتَ قبلَ أن تُؤَبَّر، فالثَّمَرةُ تَبَعٌ للحُبسِ والصَّدَقةِ والوَصيَّةِ. وكذلك الشُّفعةُ فيما قد أُبِّرَ، الثَّمرةُ للمُسْتشفِع منهُ، لأنَّهُ كبيع حادِثٍ، وإن لم تُؤَبَّر، فالثَّمَرةُ للآخِذِ بالشُّفعة. وفي هذه المسائل اختِلافٌ بين أصْحابِ مالكٍ، يَطُولُ اجتِلابُ ذلك. قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا ما للفُقهاءِ في بيع النَّخل المُؤَبَّرِ، وغيرِ المُؤَبَّرِ، واختِلافُهُم في معنَى هذا (٢) الحديثِ، والقولُ به، وتصريفِ وُجُوهِهِ. وأمّا مالُ العَبْدِ، فليسَ اختِلافُهُم فيه، من جِنْسِ اختِلافِهِم في اشْتِراطِ ثَمَرِ (٣) النَّخل يُباعُ أصْلُه، ولكنّا نذكُرُ ما لهم في ذلكَ من القولِ ها هُنا، فهُو أوْلَى المواضِع به في كِتابِنا هذا، لأنَّ نافِعًا جعَلَ الحديث في مالِ العَبْدِ من قولِ عُمرَ، فلذلكَ لا مدخَلَ لهُ في مُسْندِ هذا الباب (٤)، وبالله توفيقُنا (٥). قال مالكٌ ﵀: الأمرُ المُجتَمعُ عليه عندَنا: أنَّ المُبتاعَ إذا اشْتَرطَ مالَ العبدِ، فهُو لهُ، نقدًا كان أو دينًا أو عَرْضًا، يُعلَمُ أو لا يُعلمُ، وإن كان للعَبْدِ

стр. 4599

من المال، أكثرُ مِمّا اشْتُرِيَ به، كان ثمنُهُ نقدًا أو دينًا (١)، وذلكَ أنَّ مالَ العبدِ لا تجِبُ فيه الزَّكاةُ (٢). قال ابنُ القاسم: ويجُوزُ لمُبتاع العبدِ أن يَشْترِطَ مالهُ، وإن كان مجهُولًا، من عَيْنٍ أو عرضٍ، بما شاءَ من ثَمنٍ، نقدًا أو إلى أجل. قال أبو عُمر: هذا ما لا أعلمُ فيه خِلافًا عن مالكٍ وأصحابِه: أنَّهُ يجُوزُ أن يُشْترَى العبدُ ومالُه بدراهِم إلى أجَل، وإن كان مالُهُ دراهِمَ ودنانيرَ، أو عُرُوضًا، وأنَّ مالهُ كلَّهُ تَبعٌ، كاللَّغوِ لا يُعتَبرُ فيه (٣) إذا اشْتُرطَ ما يُعتبرُ به في الصَّفقةِ المُفرَدةِ. وكان الشّافِعيُّ يقولُ ببغدادَ نحوَ قولِ مالكٍ هذا، وذكَرَ الحسنُ بن محمدٍ الزَّعفرانيُّ، عن الشّافِعيِّ، في الكِتابِ البَغْداديِّ، أنَّهُ قال: اشتِراطُ مال العَبْدِ جائزٌ بالخبرِ عن رسُولِ الله ﷺ . وقال: حُكمُهُ حُكمُ طُرُقِ الدّارِ ومسايلِ مائها، فيَجُوزُ البيعُ إذا كان إنَّما قُصِدَ به قَصْدُ البيع للعبدِ خاصَّةً، ويكونُ المالُ تَبعًا في المعنى، ليسَ معناهُ معنَى عَبْدينِ قُصِدَ قَصْدُهُما بالبيع. وهُو قولُ أبي ثورٍ أيضًا. قال الشّافِعيُّ: فإن قيلَ: كيفَ يجُوزُ أن يملِكَ بالعَقْدِ، ما لو قصدَ قَصدَه على الانفِرادِ لم يجُز؟ فقد أجازُوا بيعَ الطُّرُقِ والمَسايل (٤) والآبارِ، وما سمَّينا مع الدّارِ، ولو قَصَدَ قَصْدَها على الانْفِرادِ لم يَجُزْ (٥). وقولُ عُثمان البتِّيِّ مِثلُ ذلكَ أيضًا، قال: إذا باعَ عبدًا، ولهُ مالٌ ألفُ دِرهم، فباعَهُ بألفِ دِرهم، فالبيعُ جائزٌ، إذا كانت رَغْبةُ المُبتاع في العَبْدِ، لا في الدَّراهِم التي لهُ (٦).

стр. 4600

وقال الشّافِعيُّ بمصرَ في كِتابِهِ المِصريِّ، ذكرهُ عنهُ الرَّبيعُ والمُزنيُّ والبُويطيُّ: لا يجُوزُ اشتِراطُ مال العَبْدِ، إذا كان لهُ مالٌ فِضَّةٌ، فاشْتَراهُ بفِضَّةٍ، أو ذَهَبٍ، فاشتراهُ بذَهَبٍ، إلّا أن يكون مالُهُ خِلاف الثَّمنِ، أو يكونَ عُرُوضًا، كما يكونُ في سائرِ البُيُوع، الصَّرفِ وغيرِهِ، والمال والعَبْدُ، كشَيئينِ (١) بِيعا صَفْقةً واحِدةً. وهذا قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ. وبيعُ العَبْدِ ومالهِ، عندهم كمَنْ باع شَيْئين (٢) لا يجُوزُ في ذلكَ، إلّا ما يجُوزُ في سائرِ البُيُوع. ولا يجُوزُ عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه: أن يُباعَ العَبْدُ (٣) بألفِ دِرْهم ولهُ ألفُ دِرهم، حتَّى يكونَ مع الألفِ زيادةٌ, فيكونُ الألفُ بالألفِ، وتكونَ الزِّيادةُ ثمنًا للعَبْدِ (٤) على أصْلهِم في الصَّرفِ، وبيع الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، إذا كان مع أحدِهِما عَرْضٌ. وحجَّةُ من قال هذا القول وذهَبَ هذا المذهَبَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجعَلْ مالَ العبدِ للمُبتاع إلّا بالشَّرطِ، فكان ذلك عندَهُم، كبَيعْ دابَّةٍ ومالٍ غيرها. والعبدُ عندَ الشّافِعيِّ في قولهِ بمِصرَ، وعندَ أبي حنيفةَ وأصْحابِه (٥)، لا (٦) يملكُ شيئًا، ولا يجُوزُ لهُ التَّسرِّي فيما بيَدِهِ، أذِنَ لهُ مولاهُ، أو لم يأذَنْ، لأنَّهُ لا يَصِحُّ لهُ مِلكُ يَمينٍ، ما دام مملُوكًا، لأنَّهُ يَسْتحيلُ أن يكونَ مالكًا مملُوكًا في حال.

стр. 4601

وقال مالكٌ وأصحابُهُ: العبدُ (١) يملكُ مالهُ، كما يملكُ عِصْمةَ نِكاحِهِ، وجائزٌ لهُ التَّسرِّي فيما ملَكَ. وحُجَّتُهُم قولُ رسُولِ الله ﷺ : "من باعَ عبدًا ولهُ مالٌ" (٢). فأضافَ المالَ إليه، وقال الله : ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥] فأضافَ أُجُورهُنَّ إليهنَّ، إضافَةَ تمليكٍ. وهذا كلُّهُ قولُ داودَ أيضًا، وأصْحابِهِ، إلّا أنَّ داودَ يجعلُهُ مالكًا مِلْكًا صحيحًا، ويُوجِبُ عليه زكاةَ الفِطْرِ والزَّكاةَ في مالهِ. ومن الحُجَّةِ لمالكٍ أيضًا: أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ كان يأذنُ لعبيدِهِ في التَّسرِّي فيما بأيديهِم (٣)، ولا مُخالفَ لهُ من الصَّحابةِ، ومُحالٌ أن يَتَسرَّى فيما لا يملكُ، لأنَّ الله لم يُبِح الوَطْءَ إلّا في نِكاح، أو مِلْكِ يمينٍ. وجعل الشّافِعيُّ والعِراقيُّون، ومن قال بقولهِم، إضافَةَ رسُولِ الله ﷺ مالَ العَبْدِ إلى العَبْدِ، كإضافَةِ ثَمرِ النَّخلِ إلى النَّخل، وكإضافةِ بابِ الدّارِ إلى الدّارِ، بدليل قوله: "فمالُهُ للبائع". أي: فمالُهُ للبائع حَقِيقةً. قالوا: والعَرَبُ تقولُ: هذا سَرْجُ الدّابَّةِ، وغَنَمُ الرّاعي. ولا تُوجِبُ هذه الإضافةُ تمليكًا، فكذلكَ إضافةُ مالُ العبدِ إليه عِندهُم. ومن حُجَّتهم (٤) أيضًا، الإجماعُ على أنَّ للسَّيِّدِ انتِزاعَ مالِ عبدِهِ من يَدِهِ، فلو كان مِلْكًا صحيحًا، لم يُنتزع منهُ. وإجماعُهُم على أنَّ مالَهُ لا يُورَثُ عنهُ وأنَّهُ لسيِّدِهِ. والحُجَّةُ لكِلا القولينِ تكثُرُ وتطُولُ، وقد أكثرَ القومُ فيها وطوَّلُوا، وفيما ذكَرْنا ولوَّحنا وأشَرْنا إليه كِفايةٌ.

стр. 4602

ولا يُجيزُ هؤُلاءِ للعَبدِ أن يتَسرَّى، ولا يحِلُّ لهُ عِندهُم وَطْءُ فَرْج، إلّا بنِكاح صَحيح. وقال الحسنُ والشَّعبيُّ: مالُ العبدِ تَبعٌ لهُ أبدًا في البَيع والعِتقِ جميعًا، لا يحتاجُ مُشْتريهِ فيه إلى اشْتِراطٍ. وهذا قولٌ مَرْدُودٌ بالسُّنَّةِ، لا يُعرَّجُ عليه. وقال مالكٌ وابنُ شِهاب وأكثرُ أهل المدينة: إذا أُعتِقَ العبدُ تَبِعهُ مالُهُ، وفي البَيْع لا يَتْبعُهُ مالُهُ، وهُو لبائعِه (١). ورُوِيَ بنحوِ هذا القول في العِتْقِ أيضًا خَبرٌ مرفُوعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ من حديثِ ابن عُمرَ (٢). ولكنَّهُ خطأٌ عندَ أهل العِلم بالنَّقل (٣). ورَوَى أصْبَغُ، عن ابن القاسم، قال: إذا وهَبَ الرَّجُلُ عبدَهُ لرَجُل، أو تصدَّقَ به عليه، فمالُ العبدِ للواهِبِ والمُتصدِّقِ. قال: وإذا أوْصَى بعَبدِهِ لرَجُل، فمالُهُ للمُوصَى لهُ. قال أصبغُ: بل كلُّ ذلك واحِدٌ، وهُو للموهُوبِ لهُ والمُتصدَّقِ عليه، ولا يكونُ المالُ للسَّيِّدِ، إلّا في البيع وحدَهُ، لأنَّ الصَّدَقاتِ تُشبِهُ العِتقَ، لأنَّ ذلكَ (٤) كلَّهِ قُربانٌ.
следующие страницы →