← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4598–4637 · переход к 4603.

стр. 4598

وكذلكَ قصبُ السُّكَّرِ، ويكونُ للمُشْتري من القُرطِ أعْلاهُ، وأسفلُهُ، ولا يجُوزُ أن يَشْترِطَ إبقاءَ خِلْفتِهِ برسيمًا (١). وتحصيلُ مذهَبِ مالكٍ، فيمَنْ حبَّسَ حائطًا لهُ بعدَ موتِهِ، أو تصدَّقَ به، أو أوْصَى ثُمَّ ماتَ، وقد أُبِّرت ثمَرَةُ الحائطِ، فإنَّ الثَّمَرَةَ للورَثةِ، لأنَّها كالوِلادةِ، فإن ماتَ قبلَ أن تُؤَبَّر، فالثَّمَرةُ تَبَعٌ للحُبسِ والصَّدَقةِ والوَصيَّةِ. وكذلك الشُّفعةُ فيما قد أُبِّرَ، الثَّمرةُ للمُسْتشفِع منهُ، لأنَّهُ كبيع حادِثٍ، وإن لم تُؤَبَّر، فالثَّمَرةُ للآخِذِ بالشُّفعة. وفي هذه المسائل اختِلافٌ بين أصْحابِ مالكٍ، يَطُولُ اجتِلابُ ذلك. قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا ما للفُقهاءِ في بيع النَّخل المُؤَبَّرِ، وغيرِ المُؤَبَّرِ، واختِلافُهُم في معنَى هذا (٢) الحديثِ، والقولُ به، وتصريفِ وُجُوهِهِ. وأمّا مالُ العَبْدِ، فليسَ اختِلافُهُم فيه، من جِنْسِ اختِلافِهِم في اشْتِراطِ ثَمَرِ (٣) النَّخل يُباعُ أصْلُه، ولكنّا نذكُرُ ما لهم في ذلكَ من القولِ ها هُنا، فهُو أوْلَى المواضِع به في كِتابِنا هذا، لأنَّ نافِعًا جعَلَ الحديث في مالِ العَبْدِ من قولِ عُمرَ، فلذلكَ لا مدخَلَ لهُ في مُسْندِ هذا الباب (٤)، وبالله توفيقُنا (٥). قال مالكٌ ﵀: الأمرُ المُجتَمعُ عليه عندَنا: أنَّ المُبتاعَ إذا اشْتَرطَ مالَ العبدِ، فهُو لهُ، نقدًا كان أو دينًا أو عَرْضًا، يُعلَمُ أو لا يُعلمُ، وإن كان للعَبْدِ

стр. 4599

من المال، أكثرُ مِمّا اشْتُرِيَ به، كان ثمنُهُ نقدًا أو دينًا (١)، وذلكَ أنَّ مالَ العبدِ لا تجِبُ فيه الزَّكاةُ (٢). قال ابنُ القاسم: ويجُوزُ لمُبتاع العبدِ أن يَشْترِطَ مالهُ، وإن كان مجهُولًا، من عَيْنٍ أو عرضٍ، بما شاءَ من ثَمنٍ، نقدًا أو إلى أجل. قال أبو عُمر: هذا ما لا أعلمُ فيه خِلافًا عن مالكٍ وأصحابِه: أنَّهُ يجُوزُ أن يُشْترَى العبدُ ومالُه بدراهِم إلى أجَل، وإن كان مالُهُ دراهِمَ ودنانيرَ، أو عُرُوضًا، وأنَّ مالهُ كلَّهُ تَبعٌ، كاللَّغوِ لا يُعتَبرُ فيه (٣) إذا اشْتُرطَ ما يُعتبرُ به في الصَّفقةِ المُفرَدةِ. وكان الشّافِعيُّ يقولُ ببغدادَ نحوَ قولِ مالكٍ هذا، وذكَرَ الحسنُ بن محمدٍ الزَّعفرانيُّ، عن الشّافِعيِّ، في الكِتابِ البَغْداديِّ، أنَّهُ قال: اشتِراطُ مال العَبْدِ جائزٌ بالخبرِ عن رسُولِ الله ﷺ . وقال: حُكمُهُ حُكمُ طُرُقِ الدّارِ ومسايلِ مائها، فيَجُوزُ البيعُ إذا كان إنَّما قُصِدَ به قَصْدُ البيع للعبدِ خاصَّةً، ويكونُ المالُ تَبعًا في المعنى، ليسَ معناهُ معنَى عَبْدينِ قُصِدَ قَصْدُهُما بالبيع. وهُو قولُ أبي ثورٍ أيضًا. قال الشّافِعيُّ: فإن قيلَ: كيفَ يجُوزُ أن يملِكَ بالعَقْدِ، ما لو قصدَ قَصدَه على الانفِرادِ لم يجُز؟ فقد أجازُوا بيعَ الطُّرُقِ والمَسايل (٤) والآبارِ، وما سمَّينا مع الدّارِ، ولو قَصَدَ قَصْدَها على الانْفِرادِ لم يَجُزْ (٥). وقولُ عُثمان البتِّيِّ مِثلُ ذلكَ أيضًا، قال: إذا باعَ عبدًا، ولهُ مالٌ ألفُ دِرهم، فباعَهُ بألفِ دِرهم، فالبيعُ جائزٌ، إذا كانت رَغْبةُ المُبتاع في العَبْدِ، لا في الدَّراهِم التي لهُ (٦).

стр. 4600

وقال الشّافِعيُّ بمصرَ في كِتابِهِ المِصريِّ، ذكرهُ عنهُ الرَّبيعُ والمُزنيُّ والبُويطيُّ: لا يجُوزُ اشتِراطُ مال العَبْدِ، إذا كان لهُ مالٌ فِضَّةٌ، فاشْتَراهُ بفِضَّةٍ، أو ذَهَبٍ، فاشتراهُ بذَهَبٍ، إلّا أن يكون مالُهُ خِلاف الثَّمنِ، أو يكونَ عُرُوضًا، كما يكونُ في سائرِ البُيُوع، الصَّرفِ وغيرِهِ، والمال والعَبْدُ، كشَيئينِ (١) بِيعا صَفْقةً واحِدةً. وهذا قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ. وبيعُ العَبْدِ ومالهِ، عندهم كمَنْ باع شَيْئين (٢) لا يجُوزُ في ذلكَ، إلّا ما يجُوزُ في سائرِ البُيُوع. ولا يجُوزُ عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه: أن يُباعَ العَبْدُ (٣) بألفِ دِرْهم ولهُ ألفُ دِرهم، حتَّى يكونَ مع الألفِ زيادةٌ, فيكونُ الألفُ بالألفِ، وتكونَ الزِّيادةُ ثمنًا للعَبْدِ (٤) على أصْلهِم في الصَّرفِ، وبيع الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، إذا كان مع أحدِهِما عَرْضٌ. وحجَّةُ من قال هذا القول وذهَبَ هذا المذهَبَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجعَلْ مالَ العبدِ للمُبتاع إلّا بالشَّرطِ، فكان ذلك عندَهُم، كبَيعْ دابَّةٍ ومالٍ غيرها. والعبدُ عندَ الشّافِعيِّ في قولهِ بمِصرَ، وعندَ أبي حنيفةَ وأصْحابِه (٥)، لا (٦) يملكُ شيئًا، ولا يجُوزُ لهُ التَّسرِّي فيما بيَدِهِ، أذِنَ لهُ مولاهُ، أو لم يأذَنْ، لأنَّهُ لا يَصِحُّ لهُ مِلكُ يَمينٍ، ما دام مملُوكًا، لأنَّهُ يَسْتحيلُ أن يكونَ مالكًا مملُوكًا في حال.

стр. 4601

وقال مالكٌ وأصحابُهُ: العبدُ (١) يملكُ مالهُ، كما يملكُ عِصْمةَ نِكاحِهِ، وجائزٌ لهُ التَّسرِّي فيما ملَكَ. وحُجَّتُهُم قولُ رسُولِ الله ﷺ : "من باعَ عبدًا ولهُ مالٌ" (٢). فأضافَ المالَ إليه، وقال الله : ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥] فأضافَ أُجُورهُنَّ إليهنَّ، إضافَةَ تمليكٍ. وهذا كلُّهُ قولُ داودَ أيضًا، وأصْحابِهِ، إلّا أنَّ داودَ يجعلُهُ مالكًا مِلْكًا صحيحًا، ويُوجِبُ عليه زكاةَ الفِطْرِ والزَّكاةَ في مالهِ. ومن الحُجَّةِ لمالكٍ أيضًا: أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ كان يأذنُ لعبيدِهِ في التَّسرِّي فيما بأيديهِم (٣)، ولا مُخالفَ لهُ من الصَّحابةِ، ومُحالٌ أن يَتَسرَّى فيما لا يملكُ، لأنَّ الله لم يُبِح الوَطْءَ إلّا في نِكاح، أو مِلْكِ يمينٍ. وجعل الشّافِعيُّ والعِراقيُّون، ومن قال بقولهِم، إضافَةَ رسُولِ الله ﷺ مالَ العَبْدِ إلى العَبْدِ، كإضافَةِ ثَمرِ النَّخلِ إلى النَّخل، وكإضافةِ بابِ الدّارِ إلى الدّارِ، بدليل قوله: "فمالُهُ للبائع". أي: فمالُهُ للبائع حَقِيقةً. قالوا: والعَرَبُ تقولُ: هذا سَرْجُ الدّابَّةِ، وغَنَمُ الرّاعي. ولا تُوجِبُ هذه الإضافةُ تمليكًا، فكذلكَ إضافةُ مالُ العبدِ إليه عِندهُم. ومن حُجَّتهم (٤) أيضًا، الإجماعُ على أنَّ للسَّيِّدِ انتِزاعَ مالِ عبدِهِ من يَدِهِ، فلو كان مِلْكًا صحيحًا، لم يُنتزع منهُ. وإجماعُهُم على أنَّ مالَهُ لا يُورَثُ عنهُ وأنَّهُ لسيِّدِهِ. والحُجَّةُ لكِلا القولينِ تكثُرُ وتطُولُ، وقد أكثرَ القومُ فيها وطوَّلُوا، وفيما ذكَرْنا ولوَّحنا وأشَرْنا إليه كِفايةٌ.

стр. 4602

ولا يُجيزُ هؤُلاءِ للعَبدِ أن يتَسرَّى، ولا يحِلُّ لهُ عِندهُم وَطْءُ فَرْج، إلّا بنِكاح صَحيح. وقال الحسنُ والشَّعبيُّ: مالُ العبدِ تَبعٌ لهُ أبدًا في البَيع والعِتقِ جميعًا، لا يحتاجُ مُشْتريهِ فيه إلى اشْتِراطٍ. وهذا قولٌ مَرْدُودٌ بالسُّنَّةِ، لا يُعرَّجُ عليه. وقال مالكٌ وابنُ شِهاب وأكثرُ أهل المدينة: إذا أُعتِقَ العبدُ تَبِعهُ مالُهُ، وفي البَيْع لا يَتْبعُهُ مالُهُ، وهُو لبائعِه (١). ورُوِيَ بنحوِ هذا القول في العِتْقِ أيضًا خَبرٌ مرفُوعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ من حديثِ ابن عُمرَ (٢). ولكنَّهُ خطأٌ عندَ أهل العِلم بالنَّقل (٣). ورَوَى أصْبَغُ، عن ابن القاسم، قال: إذا وهَبَ الرَّجُلُ عبدَهُ لرَجُل، أو تصدَّقَ به عليه، فمالُ العبدِ للواهِبِ والمُتصدِّقِ. قال: وإذا أوْصَى بعَبدِهِ لرَجُل، فمالُهُ للمُوصَى لهُ. قال أصبغُ: بل كلُّ ذلك واحِدٌ، وهُو للموهُوبِ لهُ والمُتصدَّقِ عليه، ولا يكونُ المالُ للسَّيِّدِ، إلّا في البيع وحدَهُ، لأنَّ الصَّدَقاتِ تُشبِهُ العِتقَ، لأنَّ ذلكَ (٤) كلَّهِ قُربانٌ.

стр. 4603

ولم يختلف قولُ مالكٍ وأصحابِهِ، في العبدِ يَعتَقُ بأيِّ وَجْهٍ عَتَقَ، أنَّ مالَهُ تَبعٌ لهُ، ليسَ لسيِّدِهِ منهُ شيءٌ، إلّا أن يَنْتزِعهُ منهُ قبلَ ذلكَ، وسَواءٌ كان العِتقُ بَتْلًا (١)، أو إلى أجَل، أو في (٢) وصيَّةٍ، أو عِتقٍ بالحِنثِ، أو بالنَّسبِ، مِمَّن يُعتَقُ على مالكِهِ، أو عتقَ بالمُثلةِ، كلُّ ذلكَ يتبَعُ العبد فيه مالُهُ، وكذلك المُدبَّرُ (٣). واتَّفقَ ابنُ القاسم وابنُ وَهْب، في العَبدِ يُمثِّلُ به مولاهُ، وهُو مَحجُورٌ عليه سفيهٌ: أنَّهُ يُعتَقُ عليه. واختلَفا في مالِ ذلك العبدُ، فقال ابنُ القاسم: لا يَتْبعُهُ مالُهُ. وقال ابنُ وَهْب: يَتْبعُهُ مالُهُ. وبه قال أصبغُ. وقال الشّافِعيُّ بمِصر والكُوفيُّون: إذا عَتَق العَبْدُ، أو بِيعَ، لم يَتْبعهُ مالُهُ، ولا مال لهُ ولا مِلْكَ إلّا مجازًا واتِّساعًا، لا حقيقةً (٤).

стр. 4604

حديثٌ خامِسٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بَيْع الثِّمارِ حتَّى يَبْدُو صَلاحُها، نَهَى البائع والمُشْتَرِيَ. قد مَضَى القولُ في مَعْنى (٢) هذا الحديثِ، في بابِ حُميدٍ الطَّويل، من كِتابِنا هذا. ورواهُ أيُّوبُ، عن نافِع، فزادَ فيه (٣) ألفاظًا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بَيْع النَّخلِ حتَّى تُزْهِيَ، وعنِ السُّنبُل حتَّى يَبْيضَّ، نَهَى البائعَ والمُشترِيَ (٤). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ (٦)، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بَيْع النَّخل حتَّى تَزْهُو، وعنِ السُّنبُل، حتَّى يبيضَّ ويأمَنَ العاهَةُ، نَهَى البائعَ والمُشترِيَ.

стр. 4605

وقد رَوَى حمّادُ بن سلَمَةَ، عن حُميدٍ، عن أنَس، أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بيع العِنَبِ حتَّى يَسْودَّ، وعن بيع الحبِّ حتَّى يَشْتدَّ (١). وقد كان الشّافِعيُّ مرَّةً يقولُ: لا يجُوزُ بيعُ الحبِّ في سُنبُلهِ، وإنَّ اشتدَّ، واسْتَغنى عن الماءِ. ثُمَّ بلَغَهُ هذا الحديثُ، فرجعَ إلى القولِ به، وأجازَ بَيْع الحِنْطةِ زرعًا في سُنبُلهِ، قائمًا على ساقِهِ إذا يبِسَ، واسْتَغنى عن الماءِ، كقولِ سائرِ العُلماءِ، وهُو ما لا خِلافَ فيه عن جَماعةِ فُقهاءِ الأمْصارِ، وأهل الحديثِ. وقد رُوِيَ عن ابن شِهاب: أنَّهُ أجازَ بَيْعهُ فَرِيكًا قبلَ أن يشتدَّ. وخالَفهُ مالكٌ وغيرُهُ، ومالُوا إلى ظاهِرِ الحديث: حتَّى يبيضَّ ويَشْتدَّ، ويستغني عن الماءِ. ومن قول الشّافِعيّ: أنَّ كلَّ ثمَرَةٍ وزَرْع دُونها حائلٌ من قِشْرٍ، أو أكمام، وكانت إذا صارَتْ إلى مالكيها، أخرَجُوها من قِشْرِها وأكمامِها ولم تَفْسُد بإخراجِهِم لها. قال: فالذي أختارُ فيها: أن لا يجُوز بَيْعُها في شَجَرِها، ولا موضُوعةً بالأرضِ للحائلِ دُونها (٢). وحُجَّتُهُ في ذلكَ: الإجماعُ على لحم الشّاةِ المذبُوحةِ غيرِ المسلُوخة، أنَّهُ لا يجُوزُ بيعُهُ حتَّى تُسلَخَ، وتُخرج من الجِلدِ. قال: ولم أجِد أحدًا من أهلِ العِلْم

стр. 4606

يُجيزُ أخذ عُشْر الحِنْطةِ في أكمامِها، ولا عُشْرِ الحُبُوبِ ذَواتِ الأكمام، ولا بيعَها محصُودةً مدرُوسةً في التِّبنِ، غير مُنقّاةٍ. قال أبو عُمر: لم يُجمِعُوا على كراهيةِ بيع الشّاةِ المذبُوحةِ قبل السَّلخ، لأنَّ أبا يُوسُف يُجيزُ بيعها كذلك، ويرى السَّلخ على البائع، وأجاز بيع الطَّعام في سُنبُلهِ، وجعل على البائع تخليصهُ من تِبنِهِ وتمييزهُ (١). والذي حكى الشّافِعيُّ عليه الجُمهُورُ. وذكر ابنُ وَهْبٍ في "مُوطَّئهِ" عن مالك: أنَّهُ سُئل عن الدّاليةِ (٢) تكونُ على ساقٍ واحدة فيَطِيبُ منها العُنقُودُ والعُنقُودانِ. فقال مالكٌ: إذا كان طِيبُهُ مُتتابِعًا فاشيًا، فلا بأسَ بذلكَ. قال: ورُبَّما أزْهَى بعضُ الثَّمرِ واسْتَأخرَ بعضُهُ جِدًّا، فهُو الذي يُكرَهُ. قال: وسُئل مالكٌ عن الرَّجُل يبتاعُ الحائطِ فيه أصْنافٌ من الثَّمرِ، قد طابَ بعضُهُ، وبعضُهُ لم يَطِب، فقال: ما يُعجِبُني. قال: وسُئلَ مالكٌ عن بَيْع الأعْنابِ والفَواكِهِ من الثِّمارِ، فقال: إذا طابَ أوَّلُها وأُمِنَ عليها العاهَةُ، فلا بأس ببيعِها. قال: وسُئلَ عن الحائطِ الذي تُزْهي فيه أربَعُ نَخَلاتٍ أو خمسٌ، وقد تَعجَّل زَهْوُه قبلَ الحَوائطِ، أترى أن تُباع ثَمَرتُهُ؟ قال: نعم لا بأسَ به، وإن تَعجَّلَ قبل الحوائطِ. قال: وسُئلَ عن الحائطِ ليسَ فيه زُهُوٌ، وما حَوْلهُ قد أزْهَى، أتَرَى أن تُباعَ ثَمرُهُ، وليس فيه زُهُوٌ؟ قال: نعم لا أرَى به بأسًا، إذا كان الزَّمنُ

стр. 4607

قد أُمِنَت فيه العاهاتُ، فأزْهَتِ الحَوائطُ حولهُ، وإن لم يُزْهِ هذا، لأنَّ منها ما يتأخَّرُ (١). قال: وسُئلَ عن الرَّجُل يبيعُ الثِّمارَ من النَّخيلِ والأعْنابِ، بعد أن تَطِيبَ، على من سَقيُها؟ فقال: سَقْيُها على البائع. قال: ولولا أنَّ السَّقي على البائع، ما اشتراهُ المُشْتري. قال: وقال مالكٌ بوَضْع الجائحةِ في الثَّمَرةِ إذا كانت من قِبَلِ الماءِ، قليلةً كانت أو كثيرةً، وإن كانت أقلَّ من الثُّلُثِ. قال: وليسَ الماءُ كغيرِهِ، لأنَّ ما جاءَ من قِبَلِ الماءِ، فكأنَّهُ جاءَ من قِبَلِ البائع. وقال الشّافِعيُّ: لو كان لرَجُلٍ حائطٌ آخر فأزْهَى حائطُ جارِهِ إلى جَنْبِهِ وبَدا صَلاحُهُ، حلَّ بيعُهُ، ولم يحِلَّ بيعُ هذا الحائطِ الذي لم يبدُ صَلاحُ أوَّلهِ. قال: وأقلُّ ذلك، أن تُزهي في شَيءٍ منهُ الحُمرةُ والصُّفرةُ (٢)، ويُؤكَلُ شيءٌ منهُ. قال أبو عُمر: قد مَضَى القولُ في هذا البابِ مُستَوعبًا، وفي الجائحةِ فيه، وفي أكْثرِ مَعانيهِ، في بابِ حُميدٍ الطَّويل من كِتابِنا هذا، وجَرَى منهُ ذِكرٌ صالحٌ في بابِ أبي الرِّجالِ منهُ أيضًا، وذكَرْنا منهُ ها هُنا ما لم يَقَع ذِكرُهُ في ذينك البابينِ. وأمّا الآثارُ عن النَّبيِّ ﷺ في هذا البابِ، فمُختلفةُ الألفاظِ، مُتَّفِقةُ المعنَى (٣)، مُتقارِبةُ الحُكم، بعضُها فيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بيع الثِّمارِ حتَّى يَبْدُو صَلاحُها. وفي بعضِها: حتَّى تُطْعِم. وفي بعضِها: حتَّى تُزهِيَ. وفي بعضِها: حتَّى تحمرَّ وتصفرَّ. وفي بعضِها: حتَّى تُشْقِحَ. ومعنى تُشْقِحُ عندَهُم: تحمرُّ أو تَصْفرُّ، ويُؤكَلُ منها. وفي بعضِها: طُلُوعُ الثُّريّا.

стр. 4608

وهي كلُّها آثارٌ ثابتةٌ محفُوظةٌ عن النَّبيِّ ﷺ من حديث: ابن عُمرَ (١)، وأبي هُريرةَ، وجابرٍ، وابنِ عبّاس، وأبي سَعيدٍ الخُدريِّ، وغيرِهِم. ولا خِلافَ بين العُلماء: أنَّ جميعَ الثِّمارِ داخِلٌ في معْنَى ثَمرِ النَّخل، وأنَّهُ إذا بَدا صَلاحُهُ، وطابَ أوَّلُهُ حلَّ بيعُهُ. وإنَّما اخْتَلف مالكٌ والشّافِعيُّ في الحائطِ إذا أزْهَى غيرُهُ قُرْبهُ ولم يُزهِ هُو، هل يحِلُّ بيعُهُ؟ على ما ذكَرْنا عنهُما. وقد رُوِيَ عن مالكٍ مِثلُ قول الشّافِعيِّ، والأوَّلُ عنهُ أشهرُ. وتحصيلُ مذهَبِ مالكٍ في ذلك: أنَّ الزَّمَن إذا جاءَ منهُ ما يُؤمَنُ مَعهُ على الثِّمارِ العاهَةُ، وبَدا صَلاحُ جِنسٍ ونوع منها، جازَ بيعُ ذلك الجِنْسِ والنَّوع، حيثُ كان من تلك البَلْدةِ. وكان يَلْزمُ الشّافِعيِّ أن يقول مِثل قولِ مالكٍ هذا، قِياسًا على قولهِ في الحائطِ إذا تأخَّر إبارُهُ وأُبِّر غيرُهُ، فإنَّهُ راعَى الوقتَ في ذلكَ، دُونَ الحائطِ، وراعى في بيع الثِّمارِ الحائطَ بنفسِهِ. وهُو أمرٌ مُتقارِبٌ، ولكلِّ واحِدٍ منهُما وجهٌ تدُلُّ عليه ألفاظُ الأحاديثِ لمن تَدبَّرها، وذلك واضِحٌ يُغني عن القولِ فيهِ. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا روحٌ، قال: حدَّثنا زكريّا بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، أنَّهُ سمِعَ جابر بن عبدِ الله يقولُ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بَيْع الثِّمارِ حتَّى يبدُو صَلاحُها (٢).

стр. 4609

حدَّثنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ الخَصِيبيُّ (١)، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن محمدِ بن الحسنِ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى البَلْخيُّ بطرسُوسَ (٢) سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ ومِئَتينِ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن الحارِثِ المخزُوميُّ، قال: حدَّثنا شِبلُ بن عبّادٍ المكِّيُّ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، وابنِ عبّاس، وابنِ عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بيع الثِّمارِ، حتَّى يبدُو صَلاحُها (٣). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشعث، قال (٤): حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن خلّادٍ الباهِليُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عن سُليم بن حيّانَ (٥)، عن سَعيدِ بن مينا، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن تُباعَ الثَّمَرةُ حتَّى تُشْقِحَ. قيل: وما تُشْقِحُ؟ قال: تَحْمارُّ وتَصْفارُّ (٦) ويُؤكَلُ منها.

стр. 4610

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا مُسلمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشامٌ الدَّستُوائيُّ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بيع النَّخل حتَّى يُطْعِمَ (١). ويجُوزُ عندَ مالكٍ، وأصْحابِهِ بَيْعُ المُغيَّبِ في الأرضِ (٢)، نحو الفُجْل، والجَزرِ، واللِّفتِ، حينَ يبدُو صلاحُهُ، ويُؤكَلُ منهُ، ويكونُ ما قُلِعَ (٣) منهُ ليس بفسادٍ. وكذلك البُقُولُ، يجُوزُ فيها بَيْعُها إذا بَدا صلاحُها وأُكِلَ منها، وكان ما قُطِعَ (٤) منها ليسَ بفسادٍ. ولا يجُوزُ عِند الشّافِعيِّ بَيْعُ شيءٍ مُغيَّب في الأرْضِ، حتَّى يُقلَعَ ويُنظَرَ إليه. وجائزٌ عندَ أبي حنيفةَ بَيْعُ الفُجْل، والجَزرِ، والبَصل، ونحوِهِ، مُغيَّبًا في الأرضِ، ولهُ الخِيارُ إذا قَلَعهُ ورآهُ. هذا إذا قَلَعهُ البائعُ، فإن خَلَّى بينهُ وبين المُشْتري فقَلَعهُ المُشتري، فلم يَرْضَهُ، فإن كان القَلْعُ لم يَنْقُصهُ، فلهُ الخيارُ، وإن كان نَقَصهُ القَلْعُ بطَلَ خيارُ الرُّؤيةِ. ولا خِلافَ بين العُلماءِ في بَيْع الثِّمارِ والبُقُولِ والزَّرع على القَطْع (٥)، وإن لم يَبْدُ صَلاحُهُ، إذا نُظِرَ إلى المبيع منهُ، وعُرِفَ قَدْرُهُ.

стр. 4611

حديثٌ سادِسٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن المُزابَنَةِ. والمُزابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمرِ بالتَّمرِ كَيْلًا، وبَيْعُ الكَرْم بالزَّبيبِ كَيْلًا. قال أبو عُمر (٢): هكذا روى يحيى، وجُمهُورُ رُواةِ "المُوطَّأ" هذا الحديث عن مالكٍ (٣)، إلّا ابن بُكَيرٍ، فإنَّهُ قال فيه: عن مالكٍ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن المُزابَنَةِ والمُحاقَلَة (٤). فزادَ ذِكر المُحاقلةِ في هذا الحديثِ بهذا الإسنادِ، ثُمَّ ذكَرَ تفسير المُزابَنةِ وحدَها، كما ذكَرَ يحيى وغيرهُ، إلّا أنَّهُ قال: والمُزابنةُ: بَيْعُ الرَّطبِ بالتَّمرِ كيلًا. والمعنى واحِدٌ، لأنَّ الثَّمَرَ هُو ما دامَ رُطبًا في رُؤُوسِ النَّخل (٥)، فإذا يَبِسَ وجُدَّ، فهُو تمرٌ. ورَوَى هذا الحديثَ (٦) أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن رسُولِ الله ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن المُزابَنَةِ. ولم يذكُرِ المُحاقَلَةَ، قال: المُزابَنَةُ: أن يَبِيع الرَّجُلُ ثَمَرتهُ بكَيْل، إن زادَ فلي، وإنَّ نقَصَ فعليَّ (٧).

стр. 4612

وهذا تفسيرٌ جمَعَ (١) معْنَى المُزابَنَةِ كُلَّهُ، وقد مَضَى تفسيرُهُ (٢) في بابِ داود. وروى عُبيد الله (٣) بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بَيْع الثَّمرِ بالتَّمرِ كَيْلًا (٤)، وعن بَيْع العِنَبِ بالزَّبيبِ كيلًا، وعن بَيْع الزَّرع بالحِنْطَةِ كَيْلًا. هكذا رواهُ (٥) أبو داودَ (٦)، عن أبيي بكر بن أبي شيْبةَ، عن ابن أبي زائدةَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ. ورواهُ يحيى القطّانُ، عن عُبيدِ الله، قال: أخبرني نافِعٌ، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن المُزابنةِ. والمُزابَنَةُ: اشْتِراءُ التَّمرِ بالثَّمرِ كيلًا، واشْتِراءُ الحِنْطةِ بالزَّرع كَيْلًا؛ حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، فذكَرهُ (٧). ولا خِلافَ بين العُلماء: أنَّ المُزابَنَةَ ما ذُكِرَ في هذه الأحاديثِ تَفْسيرُهُ عن ابن عُمرَ من قولهِ، أو مرفُوعًا، وأقلُّ ذلكَ أن يكونَ من قولهِ، وهُو راوي الحديثِ، فيُسلَّمُ لهُ، فكيفَ ولا مُخالفَ (٨) في ذلك.

стр. 4613

وكذلك كلُّ ما كان في معْنَى ما جَرَى ذِكرُهُ في هذه الأحاديثِ من الجُزافِ بالكيلِ في الجِنْسِ الواحِدِ المطعُوم، أوِ الرَّطْبِ باليابِسِ من جِنْسِهِ. وكلُّ ما لا يجُوزُ فيه التَّفاضُلُ، لم يجُز بيعُ بعضهِ ببعضٍ جُزافًا بكيل، ولا جُزافًا بجُزافٍ، لعدَم المُماثلةِ المأمُورِ بها في ذلكَ، ولمُواقَعةِ القِمارِ، وهُو الزَّبنُ، على ما تَقدَّم شرحُهُ في بابِ داود بن الحُصَينِ، ألا ترى أنَّ كل ما وردَ الشَّرعُ بأن لا يُباعَ إلّا مِثلًا بمِثْل، إذا بِيعَ منهُ مجهُولٌ بمَجْهُول، أو معلُومٌ بمَجْهُول، أو رَطْبٌ بيابِسٍ، فقد دخَلَ في ذلك التَّفاضُلُ وجَهْلُ المُماثلةُ، وما جُهِلَتْ حَقِيقةُ المُماثلةِ فيه لم يُؤمَنْ فيه التَّفاضُلُ، فدخلَ في ذلك الرِّبا، لأنَّ الحديث وردَ في مِثلِ ذلكَ: "أنَّ من زادَ، أو ازدادَ، فقد أرْبَى" (١). وفي ذلك قِمارٌ وخَطَرٌ أيضًا. وهذا كلُّهُ يَقْتضيهِ معْنَى المُزابَنَةِ، فإن وقَعَ البيعُ في شيءٍ من المُزابَنَةِ، فُسِخ إن أُدرِك قبلَ القَبْضِ وبعدهُ، فإن قُبِضَ وفاتَ، رجَعَ صاحِبُ التَّمر بمكيلةِ تمرِهِ (٢) على صاحِبِ الرُّطبِ، ورجَعَ صاحِبُ الرُّطبِ بقيمةِ رُطَبِهِ على صاحِبِ التَّمرِ يومَ قَبَضَه بالغًا ما بلغَ، وما فاتَ (٣) منهُ قبلَ قَبْضِهِ فمُصيبتُهُ من صاحِبِهِ. وأمّا قولُهُ: "الثَّمَرُ بالتَّمرِ". فإنَّ الرِّوايةَ فيه الكلمةُ الأولى بالثّاءِ المنقُوطةِ بثلاثٍ، مع تحريكِ الميم، وهُو ما في رُؤُوسِ النَّخل رُطبًا، فإذا جُدَّ (٤) ويبِسَ، قيل لهُ: تمرٌ، بالتّاءِ المنقُوطةِ باثنتينِ، مع تسكينِ الميم.

стр. 4614

ويدخُلُ في هذا المعْنَى بيعُ الرَّطبِ باليابِسِ من جِنسِهِ، وبيعُ الجُزافِ بالكيل، وبيعُ ما جُهِلَ من المأكول (١) بمعلُوم أو مجهُول، فقِفْ على هذه الأُصُول، وسيأتي تمهيدُ معْنَى بَيْع الرُّطبِ بالتَّمرِ، وما للعُلماءِ في ذلك من المذاهِبِ في بابِ عبدِ الله بن يزيدَ، عندَ قولهِ ﷺ : "أينقُصُ الرَّطبُ إذا يبِسَ؟ " (٢) إن شاءَ الله. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن فُضَيل (٤)، عن أبيهِ، عن أبي حازِم، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الحِنطةُ بالحِنْطَةِ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلْحُ بالمِلح، يدٌ بيَدٍ، كيلٌ بكَيْل، وزنٌ بوَزنٍ، فمن زادَ شيئًا أوِ اسْتَزادَ، فقد أرْبَى، إلّا ما اختَلَفتْ ألْوانُه (٥) ". قال أبو عُمر: هذا أصلُ هذا البابِ، وهُو يَقْتضي المُماثلةَ في الجِنْسِ الواحدِ، ويحرُمُ الازْدِيادُ فيهِ. وأمّا النَّسيئةُ في بيع الطَّعام بالطَّعام جُمْلةً، فذلكَ غيرُ جائزٍ عندَ جُمهُورِ العُلماءِ، لقولهِ ﵇: "البُرُّ بالبُرِّ رِبًا، إلّا هاء وهاء" (٦). فالجِنسُ الواحِدُ

стр. 4615

من المأكُولاتِ يدخُلُهُ الرِّبا من وَجْهين: الزِّيادةُ والنَّسيئةُ، والجِنْسانِ يَدْخُلُهُما الرِّبا من وَجْه (١) واحِدٍ، وهُو النَّسيئةُ. وقد أوْضَحنا هذا الأصل في مَواضِعَ من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرني يونُسُ بن يزيدَ، عن ابن شِهاب، قال: حدَّثني ابنُ المُسيِّبِ، وأبو سَلَمةَ: أنَّ أبا هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تَبايَعُوا الثَّمَرَ (٢) بالتَّمرِ". قال ابنُ شِهاب: وحدَّثني سالمٌ، عن ابن عُمرَ، عن رسُولِ الله ﷺ مِثلهُ (٣). ورَوَى ابنُ وَهْبٍ أيضًا في "مُوطَّئهِ" قال: أخبرني ابنُ جُرَيج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابر: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بَيعْ الصُّبرةِ من التَّمرِ، لا يُعلَمُ كَيْلُها، بالكَيْلِ المُسمَّى من التَّمر (٤). ورَوَى سعدُ بن أبي وقّاصٍ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن بيع التَّمرِ بالرُّطبِ نَسيئةً، ويدًا بيَد (٥). وهذه الأحاديثُ كلُّها تُفسِّر المُزابَنَةِ ومعناها (٦)، وهي أصْل وسُنَّةٌ مُجتمَعٌ عليها، والحمدُ لله (٧).

стр. 4616

حديثٌ سابعٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بَيْع حَبَلِ الحَبَلة. وكان بيعًا يتبايَعُهُ أهلُ الجاهِليَّةِ، كان الرَّجُلُ يبتاعُ الجزُورَ، إلى أن تُنْتَج النّاقَةُ، ثُمَّ تُنتَجَ التي في بَطْنِها. قد جاءَ تفسيرُ هذا الحديثِ كما تَرى في سياقِهِ، وإن لم يكُن تَفسيرُهُ مرفُوعًا، فهُو من قِبَلِ ابن عُمرَ، وحَسْبُكَ. وبهذا التَّأويل قال مالكٌ والشّافِعيُّ وأصحابُهُما، وهُو الأجَلُ المجهُولُ، ولا خِلافَ بين العُلماء: أنَّ البيعَ إلى مِثلِ هذا من الأجَلِ لا يجُوزُ، وقد جعلَ الله الأهِلَّةَ مَواقيتَ للنّاسِ، ونَهَى رسُولُ الله ﷺ عن البَيْع إلى مِثلِ هذا من الأجَل، وأجمَعَ المُسلمُونَ على ذلكَ، وكَفَى بهذا عِلمًا. وقال آخرُونَ في تأويل هذا الحديث: معناهُ بَيْعُ ولَدِ الجَنينِ الذي في بَطْنِ النّاقَةِ. هذا قولُ أبي عُبيدٍ. قال أبو عُبيد (٢)، عن ابن عُليَّةَ: هُو نِتاجُ النِّتاج، وبهذا التَّأويل قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بنُ راهُوْيَة. وقد فسَّر بعضُ أصحابِ مالكٍ هذا الحديث بمِثلِ ذلك أيضًا. وهُو بَيْعٌ أيضًا مُجتمَعٌ على أنَّهُ لا يجُوزُ ولا يحِلُّ، لأنَّهُ بيعُ غَررٍ ومجهُولٌ، وبيعُ ما لم يُخلَقْ، وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ ذلك لا يجُوزُ في بُيُوع المُسلمينَ. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نهى عن المَجْر (٣). وهُو بيعُ ما في بُطُونِ الإناثِ.

стр. 4617

ونَهَى عن المضامِينِ والمَلاقِيح (١). وأجمعُوا أنَّهُ بيعٌ لا يجُوزُ. قال أبو عُبيد (٢): المضامينُ: ما في البُطُونِ، وهي الأجِنَّةُ، والمَلاقيحُ: ما في أصْلابِ الفُحُول. وهذا تفسيرُ ابن المُسيِّبِ وابنِ شِهابٍ؛ ذكَرَ مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٣) عن ابن شِهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّهُ كان يقولُ: لا رِبا في الحيوانِ، وإنَّما نُهِيَ من الحَيوانِ عن ثلاث: عن المَضامِينِ، والمَلاقِيح، وحَبَلِ الحَبَلةِ، والمضامِينُ: ما في بُطُونِ الإناثِ، والمَلاقيحُ: ما في ظُهُورِ الجِمال. وقال غيرُهُ: المَضامِينُ: ما في أصْلابِ الفُحُول، والمَلاقِيحُ: ما في بُطُونِ الإناثِ. وكذلك قال أبو عُبيدٍ، واحتجَّ بقول الشّاعِر: ملقُوحةٌ في بَطْنِ نابٍ حائل (٤) وذكَرَ المُزنيُّ، عن ابن هشام (٥) شاهِدًا، بأنَّ الملاقِيح، ما في البُطُونِ، لبعضِ الأعراب (٦): منَّيتني مَلاقِحًا في الأبْطُنِ تُنتِجُ ما تَلْقَح (٧) بعدَ أزْمُنِ

стр. 4618

وكيفَ كان، فإنَّ بيعَ هذا كلِّهِ باطِلٌ لا يجُوزُ عندَ جماعةِ عُلماءِ المُسلمينَ، وقد نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بيع المُلامَسَةِ والمُنابذة (١). فكيفَ بمِثلِ هذا من بيع ما لم يُخلَقْ؟ وهذا كلُّهُ يدخُلُهُ المجهُولُ والغَررُ، وأكلُ المال بالباطِل، وفي حُكم الله ورسُولهِ تحريمُ هذا كلِّهِ، فإن وقَعَ شيءٌ من هذا البيع، فُسِخَ إن أُدرِكَ، فإن قبِضَ وفاتَ، رُدَّ إلى قيمتِهِ يومَ قُبِضَ، لا يوم تبايَعا، بالغًا ما بلَغَ، كانتِ القِيمةُ أكثر من الثَّمنِ أو أقلَّ، وإن أُصيبَ قبلَ القَبْضِ، فمُصيبتُهُ من البائع أبدًا. وقد مَضَى تفسيرُ المُلامَسةِ وغيرِها، فيما سَلَف من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

стр. 4619

حديثٌ ثامِنٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن ابن عُمرَ أنَّ رسُول الله ﷺ قال: "لا يَبِعْ بعضُكُم على بَيْع بعضٍ". هكذا روى يحيى هذا الحديث دُونَ زيادةِ شَيءٍ. وتابَعَهُ ابنُ بُكَيرٍ، وابنُ القاسم، وجماعةٌ. ورواهُ قومٌ عن مالكٍ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يَبِعْ بعضُكُم على بَيْع بعضٍ، ولا تلَقَّوُا السِّلعَ حتَّى يُهبَطَ بها الأسْواقُ". وهذه الزِّيادةُ صحيحةٌ لابنِ وَهْب (٢)، والقعنبيِّ (٣)، وعبدِ الله بن يُوسُف (٤)، وسُليمان بن بُردٍ، عن مالكٍ، وليست لغيرِهِم (٥)، وهي صحيحةٌ، وأمّا سائرُ أصحابِ مالكٍ فإنَّما (٦) هذا المعنى، وهذه الزِّيادةُ عندَهُم في حديثِ أبي الزِّناد (٧)، وهي صَحِيحةٌ محفُوظةٌ من حديثِ مالكٍ وغيرِهِ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، في النَّهْي عن تلقِّي السِّلَع، حتَّى يُهبَطَ بها الأسْواقُ.

стр. 4620

قال أبو عُمر: معْنَى قولهِ ﷺ في هذا الحديثِ على بَيْع بعضٍ". و"لا يَبِع أحدُكم (١) على بيع أخيهِ، ولا يَسُمْ على سَوْمِهِ" (٢). عندَ مالكٍ وأصحابِهِ معنًى واحِدٌ كلُّهُ، وهُو أن يَسْتحسِن المُشتري السِّلعةَ ويهواها، ويركَنُ إلى البائع ويميلُ إليه ويتذاكَرانِ الثَّمنَ، ولم يبق إلّا العَقْدُ والرِّضى الذي يتمُّ به البيعُ، فإذا كان البائعُ والمُشْتري على مِثل (٣) هذه الحال، لم يَجُزْ لأحدٍ أن يَعْتَرِضهُ، فيَعْرِض على أحدِهِما ما (٤) يُفسِدُ به ما هُما عليه من التَّبايُع، فإن فعَلَ أحدٌ ذلكَ، فقد أساءَ، وبِئسَما فعَلَ، فإن كان عالمًا بالنَّهي عن ذلكَ، فهُو عاصٍ للّه. ولا أقُولُ: إنَّ من فعَلَ هذا، حرُمَ بيعُهُ الثّاني، ولا أعلمُ أحدًا من أهل العِلم قالهُ، إلّا رِوايةً جاءَت عن مالكٍ بذلكَ. قال: لا يبِع الرَّجُلُ على بَيْع أخيهِ، ولا يخطُبُ على خِطْبةِ أخيهِ، ومن فعلَ ذلكَ فُسِخَ البيعُ ما لم يَفُت، وفُسِخَ النِّكاحُ قبلَ الدُّخُول. وقد أنكَرَ بعضُ (٥) أصْحابِ مالكٍ هذه الرِّوايةَ عن مالكٍ في البيع دُونَ الخِطْبةِ، وقالوا: هُو مكرُوهٌ لا يَنْبغي. وقال الثَّوريُّ، في قول رسُول الله ﷺ : "لا يَبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ". أن يقول: عِندِي ما هُو خيرٌ منهُ.

стр. 4621

وأمّا الشّافِعيُّ، فقولُهُ ﷺ : "لا يَبِعْ بعضُكُم على بَيع بعضٍ". معناهُ عندَهُ أن يبتاع الرَّجُلُ السِّلْعةَ فيَقْبِضُها ولم يَفْترِقا، وهُو مُغْتبِطٌ بها غيرُ نادِم عليها، فيأتيهِ قبلَ الافْتِراقِ من يَعْرِضُ عليه مِثل سلْعتِهِ، أو خيرًا منها، بأقلَّ من ذلك الثَّمنِ، فيَفْسَخَ بيعَ صاحِبِهِ، لأنَّ الخِيارَ قبل التَّفرُّقِ، فيكونُ هذا فسادًا (١). قال أبو عُمر: وأمّا قولُهُ ﷺ "لا يَسُمِ (٢) الرَّجُلُ على سَوم أخيهِ" (٣). فيُشبِهُ أن يكونَ مذهبُ الشّافِعيِّ في تأويلِ هذا اللَّفظِ، كمذهبِ مالكٍ وأصحابِهِ، في قولهِ ﷺ : "لا يَبِعْ أحدُكُم على بَيع أخيهِ، ولا يَسِم على سَوْمِهِ"، واللّه أعلمُ. ولا خِلافَ عن الشّافِعيِّ وأبي حَنِيفةَ، في أنَّ هذا العقدَ صحيحٌ، وإن كُرِهَ لهُ ما فعلَ. وعليه جُمهُورُ العُلماءِ. ولا خِلاف بينهم في كراهيةِ بَيْع الرَّجُل على بيع أخيهِ المُسلم، وسَوْمِهِ على سَوْم أخيهِ المُسلم. ولم أعلم أحدًا منهُم فسَخَ بيع من فعلَ ذلكَ، إلّا ما ذكرتُ لك عن بعضِ أصحابِ مالكِ بن أنسٍ ورواهُ أيضًا عن مالكٍ، وأمّا غيرُهُ، فلا يُفسَخُ البيعُ عندَهُ، لأنَّهُ أمرٌ لم يتِمَّ أوَّلًا، وقد كان لصاحِبِهِ أن لا يُتمَّهُ إن شاءَ. وكذلكَ لا أعلمُ خِلافًا في أنَّ الذِّمِّيَّ لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يبيعَ على بيعِهِ، ولا يسُومَ على سَوْمِهِ، وأنَّهُ والمُسلمُ في ذلك سَواءٌ، إلّا الأوزاعيَّ، فإنَّهُ قال:

стр. 4622

لا بأسَ بدُخُول المُسلم على الذِّمِّيِّ في سَوْمِهِ، لأنَّ رسُول الله ﷺ إنَّما خاطَبَ المُسلمين في أن لا يبيع بعضُهُم على بيع بعضٍ، وخاطَبَ المُسلم أن لا يبيع على بيع أخيهِ المُسلم، فليس الذِّمِّيُّ كذلك (١). وقال سائرُ العُلماء: لا يجُوزُ ذلك، والحُجَّةُ لهم: أنَّهُ كما دخلَ الذِّمِّيُّ في النَّهي عن النَّجْشِ، وفي رِبح ما لم يُضمَنْ ونحوِهِ، كذلك يدخُلُ في هذا. وقد يُقالُ: هذا طريقُ المُسلمينَ، ولا يُمنَعُ ذلك أن يدخُلَ فيه ويسلُكهُ أهلُ الذِّمَّةِ. وقد أجمعُوا على كَراهيةِ سوم الذِّمِّيِّ على الذِّمِّيِّ، فدلَّ على أنَّهُم مُرادُونَ، واللّه أعلمُ (٢). وأمّا تلقِّي السِّلع (٣)، فإنَّ مالكًا قال (٤): أكَرهُ أن يَشْترِيَ أحدٌ من الجَلَبِ في نُواحي المِصْرِ حتَّى يُهبَطَ بها الأسواقَ. فقيلَ لهُ: فإن كان على سِتَّةِ أمْيال، فقال: لا بأسَ به (٥). ذكرهُ ابنُ القاسم عن مالكٍ. وقال ابنُ وَهْب: سَمِعتُ مالكًا، وسُئلَ عن الرَّجُلِ يخرُجُ في الأضْحَى إلى مِثْلِ الإصْطَبل، وهُو نحوٌ من مِيل، يَشْتَرِي ضحايا، وهُو مَوْضِعٌ فيه الغَنَمُ، والنّاسُ يخرُجُونَ إليهم يَشْترُونَ منهُم هُناكَ. فقال مالك: لا يُعجِبُني ذلك، وقد نُهِيَ عن تَلقِّي السِّلع، فلا أرى أن يُشْتَرى شيءٌ منها، حتَّى يُهبَطَ بها إلى الأسواقِ. قال مالكٌ: والضَّحايا أفْضلُ ما احْتِيط فيه، لأنَّهُ نُسُكٌ يُتقرَّبُ به إلى الله تعالَى، فلا أرى ذلك.

стр. 4623

قال: وسمِعتُهُ، وسُئلَ عن الذي يتَلقَّى السِّلعةَ فيَشْتريها، فتُوجَدُ معهُ، أتُرَى أن تُؤخَذ منهُ فتُباعَ للنّاسِ؟ فقال مالكٌ: أرَى أن يُنْهَى عن ذلك، فإن نُهِيَ عن ذلك، ثُمَّ وُجِدَ قد عادَ نُكِّل. قال أبو عُمر: لم نَرَ في هذه الرِّوايةِ لأهلِ الأسْواقِ شيئًا في السِّلْعةِ المُتَلقّاةِ، وتحصيلُ المَذْهبِ عندَ أصحابِه: أنَّهُ لا يجُوزُ تَلقِّي السِّلَع والرُّكبانِ، ومن تَلقّاهُم منهُم سِلْعةً، شَرِكهُ فيها أهلُ سُوقِها إن شاؤُوا وكان فيها (١) واحِدًا منهُم، وسواءٌ كانتِ السِّلعةُ طعامًا، أو بزًّا، أو غيرهُ (٢). وقد رَوَى ابنُ وَهْب أيضًا (٣)، عن مالك: أنَّهُ سُئلَ عن الرَّجُلِ يأتيهِ الطَّعامُ، والبَزُّ، والغَنَمُ، وغيرُ ذلك من السِّلع، فإذا كان مَسِيرةَ اليوم واليومينِ، جاءَهُ خبرُ ذلك وصِفتُهُ، فيُخبِرُ بذلكَ فيقولُ لهُ رجُلٌ: بِعْني ما جاءَكَ، أفتَرَى ذلك جائزًا؟ قال: لا أراهُ جائزًا، وأرَىَ هذا من التَّلقِّي. قيلَ (٤) لهُ: والبَزُّ من هذا؟ قال: نَعَم، البزُّ مِثلُ الطَّعام، ولا يَنْبغي أن يُعملَ في أمرٍ واحِدٍ بأمرينِ مُختلفينِ، وأكرهُ ذلك وأراهُ من تلقِّي السِّلَع. وقال الشّافِعيُّ: يُكرَهُ تلقِّي سِلَع أهل الباديةِ، فمن تَلَقّاهُ (٥) فقد أساءَ، وصاحِبُ السِّلعةِ بالخيارِ إذ قدِمَ بها السُّوق في إنْفاذِ البيع أو رَدِّهِ، وذلكَ أنَّهُم يَتلقَّونهُم فيُخبِرُونهُم بانكِسارِ سِلْعتِهِم وكَسادِ سُوقِها، وهُم أهلُ غِرَّةٍ، فيَبيعُونهُم على ذلك، وهذا ضَرْبٌ من الخديعة (٦).

стр. 4624

حُكي هذا عن الشّافِعيِّ، والزَّعفرانيُّ، والرَّبيعُ، والمُزَنيُّ، وغيرُهُم. وتفسيرُ قول الشّافِعيِّ عندَ أصحابِه: أن يخرُجَ أهلُ الأسْواقِ فيَخْدعُونَ أهل القافِلةِ، ويَشْترُونَ منهُم شِراءً رَخِيصًا، فلهمُ الخيارُ، لأنَّهُم غَرُّوهُم. وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: إذا كان التَّلقِّي في أرْضٍ لا يضُرُّ بأهلها، فلا بأسَ به، وإن (١) كان يَضُرُّ بأهْلِها، فهُو مكرُوهٌ. وقال الأوزاعيُّ: إذا كان النّاسُ من ذلكَ شِباعًا فلا بأسَ به، وإن كانوا مُحتاجينَ فلا يقرَبُونهُ حتَّى يُهبَطَ بها إلى السُّوق (٢). ولم يَجْعل الأوزاعيُّ القاعِدَ على بابِهِ فتمُرُّ به سِلْعةٌ، لم يَقْصِد إليها فيشتريها مُتلقِّيًا، والمُتلقِّي عندَهُ: التّاجِرُ القاصِدُ إلى ذلكَ الخارج إليه. وقال الحَسَنُ بن حيّ: لا يجُوزُ تلقِّي السِّلع، ولا شِراؤُها في الطَّريقِ، حتَّى يُهبَطَ بها إلى السُّوق (٣). وقالت طائفةٌ من المُتأخِّرينَ من أهل الفِقهِ والحديث: لا بأسَ بتَلقِّي السِّلع في أوَّلِ الأسواقِ، ولا يجُوزُ ذلكَ خارِج السُّوقِ، على ظاهِرِ هذا الحديثِ. وقال اللَّيثُ بن سَعْد: أكرَهُ تلقِّي السِّلع في الطَّريقِ، وعلى بابِكَ إذا قَصدتَ إلى ذلك، وأمّا من قَعدَ على بابِهِ، وفي طريقِهِ، فمرَّت به، يُريدُ صاحِبُها السُّوقَ، فاشْتَراها، فليسَ هذا بالتَّلقِّي، وإنَّما التَّلقِّي أن يعمَدَ لذلك (٤) قال: ومن تَعمَّد ذلك وتلقَّى سِلْعَةً فاشْتَراها، ثُمَّ عُلِمَ به، فإن كان بائعُها لم يَذْهب، رُدَّت إليه،

стр. 4625

حتَّى تُباع في السُّوقِ، وإن كان قد فاتَ ارتُجِعت من المُشتري، وبيعَتْ في السُّوقِ، ودُفِعَ إليه ثَمنُها. وقال ابنُ خُوَيْزمَنْداد (١): البيعُ في تلقِّي السِّلع صحيحٌ عندَ الجميع، وإنَّما الخِلافُ في أنَّ المُشْتري لا يفُوزُ بالسِّلْعةِ وشَرِكَهُ فيها أهلُ السُّوقِ ولا خيارَ للبائع، أو في أنَّ البائع بالخيارِ إذا هبطَ السُّوق. قال أبو عُمر: أولَى ما قيلَ به في هذا الباب: أنَّ صاحِبَ السِّلعةِ بالخيارِ، لثُبُوتِهِ عن النَّبيِّ ﷺ . حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن حسّانَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "لا تَلقَّوُا الجَلَبَ، فمن تلقَّى منهُ شيئًا فاشْتَراهُ، فصاحِبُهُ بالخيارِ إذا أتَى السُّوقَ" (٢). وذكرهُ أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ (٣)، عن هشام بن حسّان، بإسناده، مِثلهُ سواءٌ (٤).

стр. 4626

وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا أبو تَوْبةَ الرَّبيعُ بن نافِع، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عَمرو (٢) الرَّقِّيُّ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن تلقِّي الجَلَبِ، فإن تَلقّاهُ مُتلقٍّ فاشْتَراهُ، فصاحِبُ السِّلعةِ بالخيارِ إذا وَرَدتِ السُّوق.

стр. 4627

حديثٌ تاسِعٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ مالك (١)، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ يقال: "لا يخطُبُ أحدُكم على خِطْبةِ أخيهِ". هكذا هُو في "المُوطَّأ" عندَ جميع الرُّواةِ (٢). ورواهُ أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا يَبِعْ أحدُكُم على بَيعْ أخيهِ، ولا يخطُبُ على خِطْبةِ أخيهِ، إلّا أن يأذنَ (٣) لهُ" (٤). ورَوَى صَخْرُ بن جُوَيريةَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ "لا يَخْطُبُ أحدُكُم على خِطْبةِ أخيهِ، إلّا أن يَتْرُكَ، أو يأذَنَ لهُ" (٥). وقد مَضَى القولُ في معْنَى هذا الحديثِ، بما يجِبُ في ذلك مُجوَّدًا، في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبّان، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا. وخِطْبةُ النِّكاح، بالكسرِ، والخُطبةُ في الجُمُعة وما كان مثلها (٦)، بالضَّمِّ.

стр. 4628

حديثٌ عاشِرٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن عبدِ الله بن (٢) عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "مَنِ ابْتاعَ طعامًا، فلا يبِعهُ حتَّى يَسْتوفيَهُ". هذا حديث صحيحُ الإسنادِ، مُجتمَع على القولِ بجُملتِهِ، إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا في بعضِ مَعانيهِ، ونحنُ نذكُرُ ما اجتُمِعَ عليه من ذلك، وما اختُلِفَ فيه هاهُنا إن شاءَ الله تعالى. وقد رُوِيَ عن ابن عُمر هذا الحديثُ من وُجُوهٍ، فأمّا عبدُ الله بنُ دينارٍ، فلفظُهُ عنهُ، عن النَّبيِّ ﷺ منِ ابتاعَ طعامًا، فلا يبِعهُ "حتَّى يَقْبِضَهُ" (٣). وكذلك لفظُ حديثِ ابن عبّاس (٤)، وحَكِيم بن حِزام: "حتَّى يقبِضهُ " عندَ أكثرِ الرُّواةِ. والقَبْضُ والاسْتيفاءُ سَواءٌ، ولا يكونُ ما بيعَ من الطَّعام على الكيلِ والوَزْنِ مقبُوضًا، إلّا كيلًا أو وَزْنًا، وهذا ما لا خِلافَ بين جماعةِ العُلماءِ فيه، فإن وقَعَ البَيْعُ في الطَّعام على الجُزافِ، فقدِ اختُلِفَ في بَيْعِهِ قبلَ قبضِهِ وانتِقالهِ، على ما نذكُره ونُوضِّحُهُ في البابِ الذي يلي هذا الباب، إن شاءَ الله. وظاهِرُ هذا الحديثِ يحظُرُ بَيْعَ (٥) ما وقعَ عليه اسمُ طعام، إذا اشْتُرِيَ حتَّى يُسْتَوفى، واسْتِيفاؤهُ قَبْضُهُ، على حَسَب ما جَرتِ به العادةُ فيه من كَيْل، أو وَزْنٍ، قال الله : ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] وقال: ﴿فَأَوفِ لَنَا الكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَليْنَا﴾ [يوسف: ٨٨]. وقال: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣].

стр. 4629

وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في معْنَى هذا الحديثِ (١)، فإنَّ مالكًا قال: منِ ابْتاعَ طعامًا، أو شيئًا من جميع المأكُولِ والمشرُوب (٢) مِمّا يُدَّخَرُ، ومِمّا لا يُدَّخرُ، ما كان منهُ أصلُ مَعاشٍ، أو لم يكُن، حاشَى الماءَ وحدَهُ، فلا يجُوزُ بَيْعُهُ قبلَ القَبْضِ، لا من البائع ولا من غيره، سواءٌ كان بعَينِهِ أو بغيرِ عينِهِ، إلّا أن يكونَ الطَّعامُ ابتاعهُ جُزافًا صُبْرةً، أو ما أشْبَه ذلك فلا بأسَ ببيعِهِ قبلَ القَبْضِ، لأنَّهُ إذا ابْتِيعَ جُزافًا كان كالعُرُوضِ التي يجُوزُ بيعُها قبلَ القَبْضِ. هذا هُو المشهُورُ من مذهبِ مالكٍ، وبه قال الأوزاعيُّ. والمِلحُ، والكُزْبَرُ، والشُّونيزُ، والتَّوابِلُ، وزرِّيعةُ (٣) الفُجْلِ التي يُؤكَلُ زيتُها، وكلُّ ما يُؤكَلُ، ويُشرَبُ، ويُؤتدَمُ به، فلا يجُوزُ بيعُهُ، ولا بيعُ شيءٍ منهُ قبلَ القَبْضِ، إذا ابتيعَ على الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ، ولم يُبْتع (٤) جُزافًا. هذه جُملةُ مذهبِ مالكٍ المشهُورِ عنهُ في هذا البابِ. قال: وأمّا زرِّيعةُ السَّلقِ، وزَرِّيعةُ الجَزرِ، والكُرّاثِ، والجِرجيرِ، والفُجْل (٥)، والبَصَل، وما أشْبَهَ ذلكَ، فلا بأسَ أن يبيعهُ الذي اشْتَراهُ قبلَ أن يَسْتوفيهُ، لأنَّ هذا ليسَ بطعام، ويجُوزُ فيه التَّفاضُلُ، وليسَ كزرِّيعةِ الفُجْل الذي منهُ الزَّيتُ، لأنَّ هذا طعام (٦).

стр. 4630

وما لا يجُوزُ أن يُباعَ قبلَ القَبْضِ، عندَ مالكٍ، وأصحابِهِ، فلا يجُوزُ أن يُمهَرَ، ولا يُستأجَرَ به، ولا يُؤخَذُ عليه بدَلٌ، وهذا فيما اشْتُري من الطَّعام. وأمّا من كان عندَهُ طعامٌ يَشْتره، ولكنَّهُ أقْرَضهُ، أو نحو ذلكَ، فلا بأسَ ببَيعِهِ قبلَ أن يَسْتوفيهُ، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ يقال: "منِ ابتاعَ طعامًا، فلا يبِعهُ حتَّى يَسْتوفيهُ". ولم يقُل: من كان عندَهُ طعام، أو كان لهُ طعام، فلا يبِعهُ حتَّى يَسْتوفيهُ. ولا خِلافَ عن مالك: أنَّ ما عدا المأكُولِ والمشرُوبِ: من الثِّيابِ، والعُرُوضِ، والعَقارِ، وكلُّ ما يُكالُ ويُوزَنُ، أو لا يُكالُ ولا يُوزَنُ (١)، إذا لم يكُن مأكُولًا ولا مشرُوبًا، من جميع الأشياءِ كلِّها غَيرِ المأكُول والمشرُوبِ، أنَّهُ لا بأسَ لمنِ ابتاعهُ أن يَبِيعهُ قبلَ قبضِهِ واستِيفائهِ (٢). وحُجَّتُهُ فيما ذهَبَ إليه مِمّا وصفنا عنهُ، قولُهُ ﷺ : "منِ ابتاعَ طعامًا، فلا يبِعْهُ حتَّى يَقْبِضهُ، ولا يبِعْهُ حتَّى يَسْتوفيهُ". حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن عبدِ الله بن عُمرَ (٣)، قال: قال رسُولُ الله ﷺ "منِ اشْتَرَى طعامًا، فلا يبِعْهُ حتَّى يَقْبِضَهُ" (٤). ففي هذا الحديثِ خُصُوصُ الطَّعام بالذِّكرِ، فوَجَبَ أن يكونَ ما عَداهُ بخِلافِهِ.

стр. 4631

وفيه: منِ ابتاعَ طعامًا، فوجَبَ أن يكونَ المُقْرَضُ (١)، وغيرُ المُشْتَرى بخِلافِهِ، استِدلالًا ونظرًا. وحديثُ مالكٍ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِئلُهُ في قوله: "منِ ابتاعَ طعامًا، فلا يبِعهُ حتَّى يَسْتوفيهُ". وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال أخبرني عَمرٌو، يعني ابن الحارِثِ، عن المُنذِرِ بن عُبيدٍ المَدَنيِّ، أنَّ القاسم بَن محمدٍ حدَّثهُ، أنَّ عبد الله بن عُمرَ حدَّئهُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى أن يبيعَ أحدٌ طعامًا اشْتَراهُ بكَيْل حتَّى يَسْتوفيهُ. ففي هذا الحديث: "اشْتَراهُ بكيلٍ" على أنَّ الجُزافَ بخِلافِهِ، فهذه حُجَّةُ لمالك مع دليلِ القُرآنِ في قوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْل﴾ [يوسف: ٨٨]. ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:٣]. أنَّ الاسْتِيفاءَ والقَبْضَ، لا يكونُ إلّا بذلكَ. وقال آخرُونَ: كلُّ ما وقَعَ عليه اسمُ طعام، مِمّا يُؤكَلُ أو يُشرَبُ، فلا يجُوزُ أن يُباعَ حتَّى يُقبَضَ، وسَواءٌ اشْتُرِي جُزافًا، أو كيلًا، أو وزنًا، وما سِوَى

стр. 4632

الطَّعام فلا بأسَ ببيعِهِ قبلَ القبضِ. ومِمَّن قال بهذا: أحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ. وحُجَّتُهُما (١) عُمُومُ قولِ رسول الله ﷺ (٢) "منِ ابتاعَ طعامًا" لم يَقُل: جُزافًا، ولا: كَيْلًا، بل قد ثبتَ عنهُ أنَّهُ أمَرَ (٣): منِ ابتاعَ طعامًا جُزافًا، أن لا يبيعهُ حتَّى ينقُلهُ ويَقْبِضهُ، على ما سَنَذكُرُهُ في البابِ بعد هذا إن شاءَ الله تعالى. وضعَّفُوا زيادةَ المُنذِرِ بن عُبَيدٍ، في قوله: "طعامًا بكيل" (٤). وقد ذهَبَ (٥) هذا المذهَبَ بعضُ المالكيِّين، وحكاهُ عن مالكٍ، وهذا اختيارُ أبي بكرٍ الوَقَارِ (٦). وقال آخرُونَ: كلُّ ما بِيعَ على الكيلِ والوزنِ، من جميع الأشياءِ كلِّها، طعامًا كان أو غيرهُ، فلا يُباعُ شيءٌ منهُ قبلَ القَبْضِ، وما ليسَ بمَكيلٍ ولا موزُونٍ، فلا بأسَ ببيعِهِ قبلَ قَبْضِهِ، من جميع الأشياءِ كلِّها. رُوي هذا القولُ عن عُثمانَ بن عفّانَ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، والحسنِ البصريِّ، والحَكَم بن عُتَيبةَ، وحمّادِ بن أبي سُليمانَ (٧). وبه قال إسحاقُ بنُ راهوية، ورُوِيَ مِثلُ ذلك أيضًا عن أحمد بن حَنْبل، والأوَّلُ أصحُّ عنهُ. وحُجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهبَ، أنَّ الطَّعامَ المنصوصَ عليه، أصلُهُ الكيلُ والوزنُ، فكلُّ مكيلٍ أو موزُونٍ، فذلك حُكمُهُ، قياسًا عندَهُم ونظرًا.

стр. 4633

وقال آخرُونَ: كلُّ ما مُلِكَ بالشِّراءِ، فلا يجُوزُ بيعُهُ قبلَ القَبْضِ، إلّا العقارَ وحدهُ. وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ، وإليه رجعَ أبوُ يُوسُف (١). وجُملةُ قولِ أصْحابِ أبي حَنِيفةَ: أنَّ المهرَ والجُعْل، وما يُؤخَذُ في الخُلْع، جائزٌ أن يُباعَ ما مُلِكَ من هذه الوُجُوهِ قبلَ القبضِ، والذي لا يُباعُ قبلَ القَبْضِ ما اشْتُري، أوِ استُؤجِرَ به (٢). وقال آخرُونَ: كلُّ ما مُلِكَ بالشِّراءِ أو بعِوَضٍ، من جميع الأشْياءِ كلِّها، عَقارًا كان أو غيرهُ، مأكُولًا كان أو مشرُوبًا، مَكِيلًا كان أو موزُونًا، أو غيرَ مَكِيلٍ ولا موزُونٍ، ولا مأكُولٍ ولا مشرُوبٍ، من كلِّ ما يجري عليه البيعُ، لا يجُوزُ بيعُ شيءٍ منهُ قبلَ القَبْضِ. ومِمَّن قال بهذا: سُفيانُ الثَّوريُّ، وابنُ عُيينةَ، والشّافِعيُّ. وبه قال محمدُ بن الحسنِ. وهُو قولُ عَبدِ الله بن عبّاس، وجابرِ بن عبدِ الله ﵄ (٣). ومن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهَبَ: أنَّ عبد الله بن عبّاس (٤)، وجابر بن عبدِ الله (٥) رَوَيا عن النَّبيِّ ﷺ ، أنهُ قال: "منِ اشْتَرى طعامًا، فلا يبِعهُ حتَّى يَقْبِضهُ". وأفْتَيا جميعًا بأن لا يُباعَ بيعٌ حتَّى يُقبضَ. وقال ابنُ عبّاس: كلُّ شيءٍ عِندي مِثلُ الطَّعام. فدلَّ على أنَّهُما فَهِما عن النَّبيِّ ﷺ المُرادَ والمعنى.

стр. 4634

حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرٌو، قال أخبرني طاوُوسٌ، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ: أمّا الذي نَهَى عنهُ رسولُ الله ﷺ ، فهُو الطَّعامُ أن يُباع حتَّى (٢) يُستوفَى. ورُبَّما قال سفيانُ: حتَّى يُكالَ. وقال ابنُ عبّاسٍ برأيه: ولا أحْسَبُ كلَّ شيءٍ إلّا مِثلَهُ. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن (٣) محمدُ بنُ يُوسُفَ، قال أخبرنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ (٤) بن يحيى البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بن عُيَينةَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: أمّا الذي نَهَى عنهُ رسولُ الله ﷺ أن يُباعَ حتَّى يُقبضَ، فهُو الطَّعامُ. قال ابنُ عبّاسٍ برأيه: وأحْسَبُ كلَّ شيءٍ مِثلَهُ (٥). حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: حدَّثنا هشام الدَّستُوائيُّ، عن يحيى بن

стр. 4635

أبي كثيرٍ، عن يُوسُف بن ماهكَ، أنَّ عبدَ الله بن عِصْمةَ حدَّثهُ، أنَّ حكيم بن حِزام حدَّثهُ، قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، إنِّي أشْتَري بُيُوعًا، فما يحِلُّ لي منها، وما يحرُمُ؟ فقال: "يا ابن أخي، إذا اشْتَريتَ بيعًا، فلا تَبِعهُ حتَّى تَقْبِضهُ" (١). وهذا الإسنادُ، وإن كان فيه مقالٌ (٢)، ففيه لهذا المذهبِ اسْتِظهارٌ. ومن حُجَّةِ من ذهَبَ مذهب الشّافِعيِّ والثَّوريِّ في هذا الباب (٣)، نهيُهُ ﷺ عن رِبح ما لم يُضمَنْ، وبَيعْ ما لم يُضمَنْ (٤). وما لم يَقْبِضهُ المُشتري عندَهُم من جميع الأشياءِ كلِّها، وضاعَ وهلكَ، فمُصيبتُهُ عندَهُم من البائع وضَمانُهُ منهُ. وما كان ضمانُه من البائع، فلا يجُوزُ لمُشتريهِ عندَهُم بيعُهُ قبلَ قَبْضِهِ، بدليل نَهْيهِ ﷺ عن رِبح ما لم يُضمَنْ.

стр. 4636

وبنصِّ قوله: "منِ ابتاعَ طعامًا (١)، فلا يبِعهُ حتَّى يَقْبِضهُ"، واستِدلالًا بالسُّنَّةِ الثّابِتةِ في الطَّعام، بألّا (٢) يُباعُ حتَّى يُقبضَ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا زُهيرُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، قال: حدَّثني عَمرُو بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثني أبي، عن أبيهِ، حتَّى ذكَرَ عبدَ الله بن عَمرٍو، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يحِلُّ بيعٌ وسَلَفٌ، ولا بيعُ ما لم يُضمَنْ، ولا بيعُ ما ليسَ عِندكَ". واحتجُّوا أيضًا بعُمُوم بيع ما ليسَ عِندكَ على ظاهِرهِ. واحتجُّوا أيضًا بحديثِ سَعْد (٤) الطّائيِّ، عن عطيَّةَ العَوْفيِّ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أسلَفَ في شيءٍ، فلا يصرِفهُ (٥) في غيره، أو إلى غيره" (٦). وقالوا: هذا كلُّهُ على العُمُوم في الطَّعام وغيره. وذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ، ومن تابَعهُ في هذا الباب، إلى أنَّ نَهْيهُ ﵇ عن رِبح ما لم يُضمَنْ، إنَّما هُو في الطَّعام وحدَهُ، لأنهُ خُصَّ بالذِّكرِ في هذا (٧)

стр. 4637

الحديثِ وغيره من الأحاديثِ (١). ولا بأسَ عندَهم برِبح ما لم يُضمَنْ، فيما عدا الطَّعام من البُيُوع، والكِراءِ، وغيره. وكذلك حملُوا النَّهي عن بَيعْ ما ليسَ عِندكَ، على الطَّعام وحدَهُ، إلّا ما كان من العِينة (٢). وأصحابُنا على (٣) أُصُولهِم في الذَّرائع، ولتفسيرِ العِينةِ على مذهبِهِم في ذلك (٤) موضِعٌ غيرُ هذا. قالوا: وكلُّ حديثٍ ذُكِر فيه النَّهيُ عن بيع ما ابْتَعتهُ حتَّى تَقبِضهُ، فالمُرادُ به الطَّعامُ، لأنهُ الثّابِتُ في الأحاديثِ الصِّحاح من جِهةِ النَّقل، وتخصيصهُ الطَّعامَ بالذِّكرِ دليلٌ على أنَّ ما عَداهُ وخالَفهُ، فحُكمُهُ بخِلافِ حُكمِهِ، كما أنَّ قولهُ عندَ الجميع: "منِ ابتاعَ طعامًا" تخصيصٌ منهُ للابتياع، دُونَ ما عداهُ من العَرْضِ (٥) وغير. ولكلِّ طائفةٍ في هذا البابِ حُججٌ من جِهةِ النَّظرِ، تركتُ ذِكرها، لأنَّ أكثرها تَشغيبٌ، ومدارُ البابِ على ما ذكَرْنا، وباللّه توفيقُنا (٦). وقال عُثمانُ البتِّيُّ: لا بأسَ أن تبيع كلَّ شيءٍ قبلَ أن تقبِضهُ، كان مكيلًا أو مأكُولًا، أو غير ذلك من جميع الأشياء (٧). قال أبو عُمر: هذا قولٌ مردُودٌ بالسُّنَّةِ، والحُجَّةِ المُجمَعة (٨) على الطَّعام فقط، وأظُنُّهُ لم يبلُغهُ هذا (٩) الحديثُ، ومِثلُ هذا لا يُلتفتُ إليه، وباللّه التَّوفيقُ.
следующие страницы →