← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4633–4672 · переход к 4638.

стр. 4633

وقال آخرُونَ: كلُّ ما مُلِكَ بالشِّراءِ، فلا يجُوزُ بيعُهُ قبلَ القَبْضِ، إلّا العقارَ وحدهُ. وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ، وإليه رجعَ أبوُ يُوسُف (١). وجُملةُ قولِ أصْحابِ أبي حَنِيفةَ: أنَّ المهرَ والجُعْل، وما يُؤخَذُ في الخُلْع، جائزٌ أن يُباعَ ما مُلِكَ من هذه الوُجُوهِ قبلَ القبضِ، والذي لا يُباعُ قبلَ القَبْضِ ما اشْتُري، أوِ استُؤجِرَ به (٢). وقال آخرُونَ: كلُّ ما مُلِكَ بالشِّراءِ أو بعِوَضٍ، من جميع الأشْياءِ كلِّها، عَقارًا كان أو غيرهُ، مأكُولًا كان أو مشرُوبًا، مَكِيلًا كان أو موزُونًا، أو غيرَ مَكِيلٍ ولا موزُونٍ، ولا مأكُولٍ ولا مشرُوبٍ، من كلِّ ما يجري عليه البيعُ، لا يجُوزُ بيعُ شيءٍ منهُ قبلَ القَبْضِ. ومِمَّن قال بهذا: سُفيانُ الثَّوريُّ، وابنُ عُيينةَ، والشّافِعيُّ. وبه قال محمدُ بن الحسنِ. وهُو قولُ عَبدِ الله بن عبّاس، وجابرِ بن عبدِ الله ﵄ (٣). ومن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهَبَ: أنَّ عبد الله بن عبّاس (٤)، وجابر بن عبدِ الله (٥) رَوَيا عن النَّبيِّ ﷺ ، أنهُ قال: "منِ اشْتَرى طعامًا، فلا يبِعهُ حتَّى يَقْبِضهُ". وأفْتَيا جميعًا بأن لا يُباعَ بيعٌ حتَّى يُقبضَ. وقال ابنُ عبّاس: كلُّ شيءٍ عِندي مِثلُ الطَّعام. فدلَّ على أنَّهُما فَهِما عن النَّبيِّ ﷺ المُرادَ والمعنى.

стр. 4634

حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرٌو، قال أخبرني طاوُوسٌ، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ: أمّا الذي نَهَى عنهُ رسولُ الله ﷺ ، فهُو الطَّعامُ أن يُباع حتَّى (٢) يُستوفَى. ورُبَّما قال سفيانُ: حتَّى يُكالَ. وقال ابنُ عبّاسٍ برأيه: ولا أحْسَبُ كلَّ شيءٍ إلّا مِثلَهُ. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن (٣) محمدُ بنُ يُوسُفَ، قال أخبرنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ (٤) بن يحيى البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بن عُيَينةَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: أمّا الذي نَهَى عنهُ رسولُ الله ﷺ أن يُباعَ حتَّى يُقبضَ، فهُو الطَّعامُ. قال ابنُ عبّاسٍ برأيه: وأحْسَبُ كلَّ شيءٍ مِثلَهُ (٥). حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: حدَّثنا هشام الدَّستُوائيُّ، عن يحيى بن

стр. 4635

أبي كثيرٍ، عن يُوسُف بن ماهكَ، أنَّ عبدَ الله بن عِصْمةَ حدَّثهُ، أنَّ حكيم بن حِزام حدَّثهُ، قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، إنِّي أشْتَري بُيُوعًا، فما يحِلُّ لي منها، وما يحرُمُ؟ فقال: "يا ابن أخي، إذا اشْتَريتَ بيعًا، فلا تَبِعهُ حتَّى تَقْبِضهُ" (١). وهذا الإسنادُ، وإن كان فيه مقالٌ (٢)، ففيه لهذا المذهبِ اسْتِظهارٌ. ومن حُجَّةِ من ذهَبَ مذهب الشّافِعيِّ والثَّوريِّ في هذا الباب (٣)، نهيُهُ ﷺ عن رِبح ما لم يُضمَنْ، وبَيعْ ما لم يُضمَنْ (٤). وما لم يَقْبِضهُ المُشتري عندَهُم من جميع الأشياءِ كلِّها، وضاعَ وهلكَ، فمُصيبتُهُ عندَهُم من البائع وضَمانُهُ منهُ. وما كان ضمانُه من البائع، فلا يجُوزُ لمُشتريهِ عندَهُم بيعُهُ قبلَ قَبْضِهِ، بدليل نَهْيهِ ﷺ عن رِبح ما لم يُضمَنْ.

стр. 4636

وبنصِّ قوله: "منِ ابتاعَ طعامًا (١)، فلا يبِعهُ حتَّى يَقْبِضهُ"، واستِدلالًا بالسُّنَّةِ الثّابِتةِ في الطَّعام، بألّا (٢) يُباعُ حتَّى يُقبضَ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا زُهيرُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، قال: حدَّثني عَمرُو بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثني أبي، عن أبيهِ، حتَّى ذكَرَ عبدَ الله بن عَمرٍو، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يحِلُّ بيعٌ وسَلَفٌ، ولا بيعُ ما لم يُضمَنْ، ولا بيعُ ما ليسَ عِندكَ". واحتجُّوا أيضًا بعُمُوم بيع ما ليسَ عِندكَ على ظاهِرهِ. واحتجُّوا أيضًا بحديثِ سَعْد (٤) الطّائيِّ، عن عطيَّةَ العَوْفيِّ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أسلَفَ في شيءٍ، فلا يصرِفهُ (٥) في غيره، أو إلى غيره" (٦). وقالوا: هذا كلُّهُ على العُمُوم في الطَّعام وغيره. وذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ، ومن تابَعهُ في هذا الباب، إلى أنَّ نَهْيهُ ﵇ عن رِبح ما لم يُضمَنْ، إنَّما هُو في الطَّعام وحدَهُ، لأنهُ خُصَّ بالذِّكرِ في هذا (٧)

стр. 4637

الحديثِ وغيره من الأحاديثِ (١). ولا بأسَ عندَهم برِبح ما لم يُضمَنْ، فيما عدا الطَّعام من البُيُوع، والكِراءِ، وغيره. وكذلك حملُوا النَّهي عن بَيعْ ما ليسَ عِندكَ، على الطَّعام وحدَهُ، إلّا ما كان من العِينة (٢). وأصحابُنا على (٣) أُصُولهِم في الذَّرائع، ولتفسيرِ العِينةِ على مذهبِهِم في ذلك (٤) موضِعٌ غيرُ هذا. قالوا: وكلُّ حديثٍ ذُكِر فيه النَّهيُ عن بيع ما ابْتَعتهُ حتَّى تَقبِضهُ، فالمُرادُ به الطَّعامُ، لأنهُ الثّابِتُ في الأحاديثِ الصِّحاح من جِهةِ النَّقل، وتخصيصهُ الطَّعامَ بالذِّكرِ دليلٌ على أنَّ ما عَداهُ وخالَفهُ، فحُكمُهُ بخِلافِ حُكمِهِ، كما أنَّ قولهُ عندَ الجميع: "منِ ابتاعَ طعامًا" تخصيصٌ منهُ للابتياع، دُونَ ما عداهُ من العَرْضِ (٥) وغير. ولكلِّ طائفةٍ في هذا البابِ حُججٌ من جِهةِ النَّظرِ، تركتُ ذِكرها، لأنَّ أكثرها تَشغيبٌ، ومدارُ البابِ على ما ذكَرْنا، وباللّه توفيقُنا (٦). وقال عُثمانُ البتِّيُّ: لا بأسَ أن تبيع كلَّ شيءٍ قبلَ أن تقبِضهُ، كان مكيلًا أو مأكُولًا، أو غير ذلك من جميع الأشياء (٧). قال أبو عُمر: هذا قولٌ مردُودٌ بالسُّنَّةِ، والحُجَّةِ المُجمَعة (٨) على الطَّعام فقط، وأظُنُّهُ لم يبلُغهُ هذا (٩) الحديثُ، ومِثلُ هذا لا يُلتفتُ إليه، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4638

حديثٌ حادي عشر لنافِع، عن ابن عُمَرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنهُ قال: كنّا نبتاعُ الطَّعامَ في زَمَنِ رسولِ الله ﷺ ، فيبَعْثُ علينا من يأمُرُنا بانتِقالهِ من المكانِ الذي ابْتَعناهُ فيه، إلى مكانٍ سِواهُ قبلَ أن نَبِيعَهُ. هكذا رَوَى مالك هذا الحديثَ لم يُختَلَف عليه فيه (٢)، ولم يَقُل: جُزافًا. وروى غيرُهُ عن نافِع، عن ابن عُمرَ، فقال فيه: "كُنّا نبتاعُ الطَّعام جُزافًا" (٣). وقد ذكَرْنا مذهبَ مالكٍ في الفَرْقِ بين الطَّعام المَبيع على الكيل، والطَّعام المَبيع على الجُزافِ، وأنَّ ما بِيعَ عِندهُ وعندَ أكثرِ أصحابِهِ من الطَّعام جُزافًا، فلا بأسَ أن يَبيعهُ مُشْتريهِ قبلَ أن يَقْبِضهُ، وقبلَ أن ينقُلهُ. ومعنى نَقْلهِ في هذا الحديثِ: قَبْضُهُ، ومعنى قبضِهِ عندَ مالكٍ: استيفاؤُهُ، وذلكَ عندَهُ في المَكيلِ والموزُونِ، دُونَ الجُزافِ. وجعلَ مالكٌ ﵀ قولهُ: "حتَّى يَسْتوفيهُ". تفسيرًا لقَوله: "حتَّى يقبِضهُ". والاستيفاءُ عندَهُ وعندَ أصحابِهِ، لا يكونُ إلّا بالكيل أوِ الوزنِ، وذلك عندَهُم فيما يحتاجُ إلى الكَيْل أوِ الوزنِ، مِمّا بيعَ على ذلك.

стр. 4639

قالوا: وهُو المعرُوفُ من كلام العربِ في معنى الاسْتِيفاءِ، بدليلِ قول الله : ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين:٢ - ٣]. وقوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف:٨٨]. و ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥]. قالوا: فما بِيعَ من الطَّعام جُزافًا، لا يُحتاجُ إلى كَيْلهِ، فلم يبقَ فيه إلّا التَّسليمُ، وبالتَّسليم يُسْتوفَى، فأشْبَه العَقارَ والعُرُوض، فلم يَكُن ببيعِهِ بأسٌ قبلَ القَبْضِ، بعُمُوم قول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. هذا جُملةُ ما احتجَّ به أصحابُ مالكٍ، لقولهِ في ذلكَ. وجعل بعضُهُم هذا الحديث من بابِ تلقِّي السِّلع، وقال: إنَّما جاءَ النَّهيُ في ذلكَ، لئَلّا يترابَحُوا فيه بينهُم، فيُغلُو السِّعرُ على أهل السُّوقِ، فلذلكَ قِيلَ لهم: حوِّلُوهُ (١) عن مكانِهِ، وانقُلُوهُ، يعني إلى أهلِ السُّوقِ. وهذا تأويلٌ بعيدٌ فاسِدٌ، لا يَعْضدُهُ أصل، ولا يقومُ عليه دليل، ولا أعلمُ أحدًا تابَعَ مالكًا من جَماعةِ فُقهاءِ الأمصارِ على تَفرِقتِهِ بين ما اشْتُري جُزافًا من الطَّعام، وبين ما اشْتُري منهُ كيلًا، إلّا الأوزاعيَّ، فإنَّهُ قال: منِ اشْتَرى طعامًا جُزافًا فهلكَ قبل القَبْضِ، فهُو من مالِ المُشْتري، وإنِ اشْتراهُ مُكايَلةً، فهُو من مال البائع. وهُو نصُّ قول مالكٍ. وقد قال الأوزاعيُّ: منِ اشْتَرى ثَمَرةً، لم يَجُز لهُ بيعُها قبلَ القبضِ. وهذا تناقُضٌ. وأحسنُ ما يُحتجُّ به لمالكٍ في قولهِ هذا، ما حدَّثناهُ (٢) عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا تميمُ (٣) بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكينٍ. وحدَّثنا

стр. 4640

عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح. قالا جميعًا: حدَّثنا سُحنُونٌ، عن ابن وَهْب، قال: أخبرنا عَمرُو بن الحارِثِ، وغيرُهُ، عن المُنذِرِ بن عُبَيدٍ المدنيِّ (١) عن القاسم بن محمدٍ، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى أن يبيعَ أحدٌ طعامًا اشْتَراهُ بكَيْل، حتَّى يَسْتوفيهُ (٢). قال أبو عُمر: فقولُهُ: "بكَيْلٍ" دليلٌ على أنَّ ما خالَفهُ بخِلافِهِ، واللّه أعلمُ. ولم يُفرِّق سائرُ الفُقهاءِ بين الطَّعام المبيع جُزافًا، والطَّعام المبيع كيلًا، أنَّهُ لا يجُوزُ لمُبتاعِهِ أن يبيعَ شيئًا منهُ قبلَ القبضِ، فقبضُ ما بيعَ كيلًا أو وزنًا، أن يُكالَ على مُبتاعِهِ أو يُوزنَ عليه، وقبضُ ما اشْتُرِيَ جُزافًا، أن ينقُلهُ مُبتاعُهُ، ويُحوِّلهُ من مَوْضِعِهِ، ويَبِينَ به إلى نفسِهِ، فيكونُ ذلك قبضًا لهُ، كسائرِ العُرُوضِ. والمُصيبةُ عندَ جميعِهِم فيه إن هلك قبلَ القَبْضِ من بائعِهِ، ولا يجُوزُ بيعُهُ قبلَ قَبْضِهِ (٣). ومِمَّن قال بهذا: سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والشّافِعيُّ ومَنِ اتَّبعهُ، وأحمدُ بنُ حَنْبل، وإسحاقُ، وداودُ بن عليٍّ، والطَّبريُّ، وأبو عُبيدٍ. ورُوي ذلكَ عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، والحَكَم، وحمّادٍ، والحَسنِ البَصْريِّ. وحُجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهبَ، عُمُومُ نَهْي رسُولِ الله ﷺ ما لم

стр. 4641

يُضمَنْ (١). وقولُهُ لحكيم بن حِزام: "إذا ابتَعْتَ بيعًا، فلا تَبِعهُ حتَّى تَقْبِضهُ" (٢). ولما قدَّمنا ذِكْرهُ في البابِ قبلَ هذا عن ابن عبّاسٍ وجابرٍ، وغيرِهِما، ولأنَّ الصَّحابةَ كانوا يُؤمَرُونَ إذا ابتاعُوا الطَّعام جُزافًا، أن لا يبيعُوهُ حتَّى يَقْبِضُوهُ وينقُلُوهُ من مَوْضِعِهِ. وقد ذكَرَ أمر الجُزافِ في هذا الحديثِ عن نافِع حُفّاظٌ مُتقِنُونَ، ورواهُ أيضًا سالمٌ، عن ابن عُمرَ. قالوا: فلا وجهَ للفَرقِ بين شيءٍ من ذلك. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ القاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ دُحيمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: رأيتُ الذينَ يَشْترُونَ الطَّعام مُجازفةً، يُضرَبُونَ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ أن يَبِيعُوهُ، حتَّى يُؤَوو (٣) إلى رِحالهِم (٤). قال أبو عُمر: أخطأ محمدُ بن كثيرٍ في هذا الحديثِ، فرواهُ عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهريِّ، عن حمزةَ، عن ابن عُمرَ (٥). والحديثُ محفُوظٌ لسالم، عن ابن عُمرَ، ليسَ لحَمْزةَ فيه طريقٌ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ،

стр. 4642

قال: أخبرنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٢): أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، قال: رأيتُ النّاسَ يُضرَبُونَ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ إذا اشْتَروُا الطَّعامَ جُزافًا، أن يَبِيعَهُ المُشترِي، حتَّى يَنْقُلهُ إلى رَحْلهِ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا مُطَّلبٌ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني يونُسُ، عن ابن شِهابٍ قال: أخبرني سالمٌ، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ قال: رَأيتُ النّاسَ في عَهدِ رسُولِ الله ﷺ إذا ابْتاعُوا طَعامًا جُزافًا، يُضرَبُونَ في أن يَبِيعُوهُ مكانهُم، حتَّى يُؤوُوهُ إلى رِحالِهِم (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافِع، عن ابن عُمرَ قال: كانوا يَتَبايعُونَ الطَّعام جُزافًا في السُّوقِ، فيَبيعُونهُ في مكانِهِم، فنَهاهُم رسُولُ الله ﷺ أن يَبِيعُوهُ في مكانِهِ، حتَّى ينقُلُوهُ (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثني يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا

стр. 4643

عُبيدُ الله، قال: أخبرني نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: كانوا يَتَبايعُونَ الطَّعام جُزافًا في أعْلَى السُّوقِ، فنَهاهُمُ النَّبيُّ ﷺ أن يبيعُوهُ حتَّى ينقُلُوهُ (١). قال أبو عُمر: إذا آواهُ إلى رَحْلهِ، ونَقلهُ، فقد قَبضهُ، وإنَّما كانوا يُضرَبُونَ على ذلكَ، لئَلّا يبيعُوهُ قبلَ قبضِهِ. وبيعُ الطَّعام جُزافًا في الصُّبرة، ونحوِها، أمر مُجتمَع على إجازتهِ، وفي السُّنَّةِ الثّابِتةِ في هذا الحديثِ دليل على إجازَةِ ذلك، ولا أعلمُ فيه اختِلافًا، فسقَطَ القولُ فيه، إلّا أنَّ مالكًا لم يُجِز لمَنْ علِمَ مِقدار صُبْرتهِ وكُدْسِهِ كَيْلًا، أن يبيعهُ جُزافًا، حتَّى يُعَرّفَ المُشتري بمَبْلَغِهِ، فإن فعلَ فهُو غاشٌّ، ومُبتاعُ ذلكَ منهُ بالخيارِ إذا علِمَ، كالعيبِ سواء. وهذا مَوْضِعٌ اختلَفَ العُلماءُ فيه، فقال منهُم قائلُونَ: لا يضُر عِلمُهُ بكَيْلهِ، وجائز لهُ بيعُهُ جُزافًا، وإن عَلِمَ كيلَهُ، وكتمَ ذلكَ، على عُمُوم قولِ الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فكلُّ بَيْع حلالٌ على ظاهِرِ هذه الآية، إلّا أن تمنعَ منه سُنَّةٌ، ولم ترِدْ سُنَّةٌ في المنع من هذا، بل قد وَرَدتِ السُّنَّةُ في إجازةِ بيع الطَّعام جُزافًا، ولم يختلفِ العُلماءُ في ذلك، ولم يُفرِّق أكثرُهُم بين العالم بذلكَ والجاهِل. قالوا: فلا وجهَ للفَرقِ (٢) بين من (٣) عَلِمَ كيل طعامِهِ، وبينَ من جَهِلهُ في ذلك.

стр. 4644

قالوا: وإنَّما (١) الغِشُّ في بيع الطَّعام جُزافًا، ألّا يكونَ الموضِعُ الذي هُو عليه مُستويًا، ونحوُ ذلكَ من الغِشِّ المعرُوفِ، فأمّا عِلمُ البائع بمِقدارِ كَيْلهِ، فليسَ بغِشٍّ. وممَّن قال: لا بأسَ أن يبيعَ الإنسانُ طعامًا قد عَلِمَ مِقدارُهُ مُجازفةً، مِمَّن لم يعلم مِقدارُهُ: الشّافِعيُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُهُما (٢)، والثَّوريُّ، والحسنُ بن حيٍّ، وداودُ، وأحمدُ بن حَنْبل، والطَّبريُّ. ورُوِيَ ذلك عن الحَسنِ البصريِّ، على اختِلافٍ عنهُ. ولم يختَلِفْ قولُ مالكٍ في هذه المسألة: أنَّ البائعَ إذا عَلِمَ بكيلِ طعامِهِ، وكتَمَ المُشْتري، كان ذلك عيبًا، وكان المُشتري بالخيارِ، بين التَّمسُّكِ والرَّدِّ (٣). وجميعُ الطَّعام، والإدامُ، في ذلك سواءٌ، وعِلمُ الكَيْل والوزنِ في ذلك سواءٌ، لم يختلف قولُ مالكٍ في شيءٍ من ذلك. واختَلَفَ قولُ مالكٍ في المسألةِ الأُولى من هذا البابِ، فالمشهُورُ عنهُ ما قَدَّمنا ذِكْرهُ، وقد حَكَى أبو بكر بن أبي يحيى الوَقَارُ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: لا بَيْعَ ما اشْتُري من الطَّعام والإدام جُزافًا قبلَ قبضِهِ ونقلهِ، واختارهُ الوَقَارُ، وهُو الصَّحيحُ عِندي في هذه المسألةِ، لثُبُوتِ الخَبرِ بذلك عن النَّبيِّ ﷺ ، وعَمَلِ أصحابِهِ، وعليه جُمهُورُ أهل العِلم. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو

стр. 4645

داود، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن عَوْفٍ الطّائيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن أبي الزِّنادِ، عن عُبَيدِ بن حُنَينٍ، عن ابن عُمرَ، قال: ابْتَعتُ زيتًا في السُّوقِ، فلمّا اسْتَوفيتُهُ، لَقِيني رجُل فأعْطاني به رِبحًا حَسَنًا، فأردتُ أن أضرِبَ على يده، فأخَذَ رجُلٌ من خَلْفي بذِراعي، فالتفتُّ، فإذا أنا بزَيْدِ بن ثابتٍ، فقال: لا تَبِعهُ حيثُ ابْتَعتهُ حتَّى تحُوزهُ إلى رَحْلِكَ، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى أن تُباع السِّلَعُ حيثُما تُبْتاعُ، حتَّى يحُوزها التُّجّارُ إلى رِحالِهِم. عمَّ في هذا الحديثِ السِّلع، فظاهِره حُجَّةٌ لمن جعلَ الطَّعامَ وغيرَهُ سواءً، على ما ذكَرْنا عنهُم في البابِ قبل هذا، ولكنَّهُ يَحْتمِلُ أن يكونَ أراد السِّلِعَ المأكُولةَ والمُؤتدَم بها، لأنَّ على الزَّيتِ خرجَ الخبرُ، وجاءَ في هذا الحديث: فلمّا اشْتريتُهُ، لَقِيني رجُلٌ فأعْطاني به رِبحًا ... الحديثَ. وهذا يحتمِلُ أن يكونَ اشتراهُ جُزافًا بظرفِهِ، فحازَهُ إلى نفسِهِ، كما كان في ذلك الظَّرفِ قبلَ أن يَكِيلهُ أو ينقلهُ. والدَّليلُ على ذلكَ، إجماعُ العُلماءِ على أنَّهُ لوِ اسْتَوفاهُ بالكَيْلِ أوِ الوزنِ، إلى آخِرِهِ، لجازَ لهُ بيعُهُ في مَوْضِعِهِ، وفي إجماعِهِم على ذلكَ ما يُوضِّحُ (٢)، أنَّ قولهُ: فلمّا استوفيتُهُ. على ما ذكَرْنا، أو يكونُ لفظًا غير محفُوظٍ في هذا الحديثِ، واللّه أعلمُ، أو يكونُ زيدُ بن ثابتٍ رآه قد باعَهُ في المَوْضِع (٣) الذي ابْتاعهُ فيه، ولم يَعْلم باسْتِيفائهِ لهُ، فنُقِلَ الحديث من أجلِ ما ذكَرَهُ زيدٌ فيه، عن النَّبيِّ ﷺ .

стр. 4646

ولمّا أجمعُوا على أنَّهُ لو قَبَضهُ، وقدِ ابْتاعهُ جُزافًا، وحازَهُ إلى رَحْلهِ، وبانَ به، وهُما جميعًا في مكانٍ واحِدٍ، أنَّهُ جائزٌ لهُ حِينَئذٍ بيعُهُ، عُلمَ أنَّ العِلَّةَ في انْتِقالهِ من مكانٍ إلى مكانٍ سِواهُ: قَبْضهُ، على ما يعرِفُ النّاسُ من ذلك، وأنَّ الغرضَ منهُ القبضُ، وقلَّما يُمكِنُ قبضُهُ إلّا بانتِقالهِ، والأمرُ في ذلكَ بيِّنٌ لمن فهِمَ ولم يُعانِد. وأمّا مسألةُ المُجازَفةِ، فقد تابَع مالكًا على القولِ بكَراهةِ ما كرِه من ذلك: اللَّيثُ بن سعدٍ. وقد رُوي ذلك عن جماعةٍ من التّابِعين. أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام الخُشنيُّ، قال: قرأتُ على محمُود (١) بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني ابنُ أبي جَميل (٢)، قال: سألتُ مُجاهِدًا، وطاوُوسًا، وعَطاءَ بن أبي رباح، والحسن بن أبي الحَسن (٣) عن الرَّجُل يأتي الطَّعام فيَشْتريهِ في البيتِ من صاحِبِهِ مُجازفةً، لا يَعْلمُ كَيْلَهُ، وربُّ الطَّعام يعلمُ كَيْلهُ. فكَرِهُوهُ كلُّهُم. وقال مالكٌ في الجَوْز: إذا علم صاحِبُهُ عدَدهُ، ولم يعلمهُ المُشْتري، لم يبِعهُ مُجازَفةً. قال: وأمّا القِثّاءُ ونحوه، فلَهُ أن يبيعهُ مُجازَفةً، وإن علمَ البائعُ عدَدهُ، ولم يعلَمهُ المُشْتري، لأنَّ ذلك يَخْتلفُ. وتابَعهُ على ذلكَ اللَّيثُ.

стр. 4647

وقال الأوزاعيُّ: إذا اشْتَرى شيئًا مِمّا يُكالُ ثمَّ حملَهُ إلى بَلدٍ يُوزَنُ فيه، لم يبِعهُ جُزافًا، وإن كان حيثُ حملهُ لا يُكالُ ولا يُوزَنُ، فلا بأسَ (١) بذلك. ولا يجُوزُ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ، بيعُ شيءٍ لهُ بالُ جُزافًا، نحو الرَّقيقِ، والدَّوابِّ، والثِّياب (٢) والمَواشي، والبزِّ، وغيرِ ذلك، مِمّا (٣) لهُ قدر وبالٌ، لأنَّ ذلكَ يدخُلُهُ الخَطَرُ والقِمارُ. وهذا عندَهُم خِلافُ ما يُعدُّ ويُكالُ ويُوزَنُ من الطَّعام والإدام، وغير، لأنَّ ذلكَ تَحْويهِ العينُ، وَيتَقاربُ فيه النَّظرُ بالزِّيادةِ اليَسِيرة، والنُّقصانِ اليسيرِ. وكان إسماعيلُ بن إسحاقَ يحتجُّ لمالكٍ في كَراهيتِهِ لمن عَلِمَ كَيْل طَعامِهِ، أو وَزْنهُ ومِقْدارهُ، أن يبيعهُ مجُازَفةً، مِمَّن لا يعلمُ ذلك، ويكتُمُ عليه فيه، بأن قال: المُجازَفةُ مُفاعلة، وهي مِنِ اثْنينِ، ولا تكونُ من واحِدٍ، فلا يصِحُّ حتَّى يَسْتوي عِلمُ البائع والمُبْتاع فيما يبتاعاهُ (٤) مُجازَفةً. وهذا قولٌ لا يلزمُ، وحجَّةٌ تحتاجُ إلى حُجَّةٍ تَعْضدُها، وليس هذا سبيلُ الاحتِجاج، والذي كرِههُ لهُ مالكٌ، لأنَّهُ داخِلٌ عندَه في بابِ القِمارِ والمُخاطَرةِ والغِشِّ واللّه أعلمُ. ورَوَى العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "من غشَّنا فليسَ مِنّا". أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر (٥)، قال: حدَّثنا أبو

стр. 4648

داود، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٢): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ مرَّ برَجُلٍ يَبِيعُ طعامًا، فسَألهُ: "كيفَ تبيعُ؟ "، فأُوحِيَ إلَيه (٣): أن أدْخِل يدَكَ فيه، فأدخَلَ يَدَهُ فيه، فإذا هُو مبلُولٌ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "من غشَّ، فليسَ مِنّا". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدٌ، قالا: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال (٤): حدَّثنا خالدُ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بِلال، عن سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من غشَّنا فليسَ مِنّا".

стр. 4649

حديثٌ ثاني عَشَر لنافِع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن النَّجْش (٢). هكذا روى هذا الحديث جَماعةُ أصحابِ مالكٍ، عن مالكٍ (٣)، وزادَ فيه القَعْنبيُّ: قال: وأحسبُهُ. قال: وأن تُتَلَقَّى السِّلعُ حتَّى يُهبطَ بها إلى الأسْواقِ. ولم يذكُر غيرُهُ هذه الزِّيادةَ. ورواهُ أبو يعقُوب إسماعيلُ بن محمدٍ قاضي المدائنِ، قال: أخبرنا يحيى بن موسى البَلْخيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن نافِع، قال: حدَّثني مالكُ بن أنسٍ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن التَّحبيرِ. قال: والتَّحبيرُ: أن يمدحَ الرَّجُلُ سِلْعتهُ بما ليس فيها. هكذا قال: التَّحبيرِ، وفسَّرهُ. ولم يُتابَع على هذا اللَّفظِ، وإنَّما المعرُوفُ: النَّجْشُ. وقد مَضَى القولُ فيها، بما للعُلماءِ في ذلك، فيما تقدَّم من كِتابِنا هذا. وأمّا النَّجْشُ، فلا أعلمُ بين أهل العِلم اختِلافًا، في أنَّ مَعْناهُ أن يُعطِيَ الرَّجُلُ الذي قد دسَّهُ البائعُ وأمَرهُ، في السِّلعةِ عَطاءً لا يُريدُ شراءَها به، فوقَ ثَمنِها ليَغْتَرَّ

стр. 4650

المُشْتري، فيَرْغَبَ فيها، أو يَمْدحُها بما ليسَ فيها، فيَغْترَّ المُشتري، حتَّى يزيدَ فيها، أو يفعل ذلك البائعُ (١) بنفسِهِ، ليغُرَّ النّاس في سِلْعتِهِ، وهُو لا يعرِفُ أنهُ ربُّها. هذا معنى النَّجْشِ عندَ أهل العِلم، وإن كان لفظي رُبَّما خالَفَ شيئًا من ألفاظِهِم، فإن كان ذلك، فإنَّهُ غيرُ مُخالفٍ لشيءٍ من مَعانيهِم (٢). وهذا من فِعلِ فاعِلهِ، مَكْرٌ وخِداعٌ، لا يجُوزُ عندَ أحَدٍ من أهل العِلم، لنَهْي رسُولِ الله ﷺ عن النَّجشِ، وقوله: "لا تَناجَشُوا" (٣). وأجمَعُوا أنَّ فاعِلهُ عاصٍ للّه، إذا كان بالنَّهي عالمًا. واختلَفَ الفُقهاءُ في البَيْع على هذا إذا صحَّ، وعُلِمَ به. فقال مالكٌ: لا يجُوزُ النَّجشُ في البيع، فمَنِ اشْتَرى سِلْعةً منجُوشَةً، فهُو بالخيارِ إذا علِمَ، وهُو عيبٌ من العُيُوبِ. قال أبو عُمر: الحُجَّةُ لمالكٍ في قولهِ هذا عِندِي: أنَّ رسولَ الله ﷺ جَعلَ لمُشْتري المُصرّاةِ الخيارَ (٤). إذا علِمَ بعيبِ التَّصريةِ، ولم يَقْضِ بفسادِ البيع، ومعلُومٌ أنَّ التَّصريةَ غشٌّ (٥)، ومكرٌ وخديعةٌ. فكذلك النَّجشُ يصِحُّ فيه البيعُ، ويكونُ المُبتاعُ بالخيارِ من أجلِ ذلكَ قياسًا ونظرًا، واللّه أعلمُ.

стр. 4651

وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ: ذلك مكرُوهٌ، والبيعُ لازِمٌ، ولا خيارَ للمُبتاع في ذلك (١). قال أبو عُمر: لأنَّ هذا ليسَ بعَيْبٍ في نفسِ المبيع، كالمُصرّاةِ المُدلَّسِ بها، وإنَّما هُو كالمَدْح وشِبْهِهِ، وقد كان يجِبُ على المُشْتري التَّحفُّظُ، وأن يَسْتعينَ بمن يُميِّزُ، ونحوُ هذا. وقالت طائفةٌ من أهل الحديثِ وأهل الظّاهِر: البَيْعُ في هذا باطِلٌ مَرْدُودٌ على بائعِه، إذا ثبتَ ذلك عليه (٢). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهيثم أبو الأحْوَصِ، قال: حدَّثنا أبو يعقُوبَ الحُنينيُّ، عن مالكٍ والعُمَريُّ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن النَّجشِ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن السَّرح (٤)، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تناجَشُوا" (٥)

стр. 4652

حديثٌ ثالِثَ عَشَر لنافِع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "المُتبايِعانِ كلُّ واحدٍ منهُما بالخيار (٢)، ما لم يَفْتَرِقا، إلّا بيعَ الخيارِ". لا خِلافَ عن مالكٍ في لفظِ هذا الحديثِ بهذا الإسناد (٣)، ورواهُ أيوبُ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَبي ﷺ : "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقا، أو يقولُ أحدُهُما لصاحبِهِ: اخْتَر". هكذا قال حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ (٤). ورواهُ شُعبةُ وسَعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن أيوبَ، بإسناده، بلفظِ حديثِ مالكٍ ومعناهُ (٥).

стр. 4653

ورواهُ ابنُ عُليَّةَ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، مِثلهُ: "البيِّعانِ بالخيارِ حتَّى يَفْتَرِقا، أو يكونَ بيعَ خيارٍ". قال: ورُبَّما قال نافِعٌ: "أو يقولَ أحدُهُما لصاحِبِه: اخْتَر" (١). ورواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ فقال فيه: "ما لم يتفرَّقا. أو يكونُ خيارٌ" (٢). ولفظُ عبدِ الله بن دينارٍ عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "كلُّ بيِّعينِ فلا بَيْعَ بينهُما حتَّى يَفْتَرِقا". قال: "إلّا بيعَ الخيارِ". ورُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "المُتبايِعانِ بالخيارِ ما لم يَفْتَرِقا". من وُجُوهٍ كثيرةٍ: من حديثِ سَمُرةَ بن جُندُبٍ، وأبي بَرْزةَ الأسْلَميِّ، وعبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ، وأبي هُريرةَ (٣)، وحكيم بن حِزام، وغيرِهِم. وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ هذا الحديث ثابِتٌ عن النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّهُ من أثْبَتِ ما نقَلَ الآحادُ العُدُولُ (٤). واختلفُوا في القولِ به، والعملِ بما دلَّ عليه، فطائفةٌ اسْتَعملتهُ وجَعلتهُ أصلًا من أُصُولِ الدِّينِ في البُيُوع، وطائفةٌ ردَّتهُ، واختلَفَ الذين ردُّوهُ في تأويلِ ما رَدُّوهُ به، وفي الوُجُوهِ التي (٥) بها دَفعُوا (٦) العملَ به.

стр. 4654

فأمّا الذين ردُّوهُ: فمالكٌ (١)، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُما (٢). لا أعلمُ أحَدًا ردَّهُ غير هؤُلاءِ، إلّا شيءٌ رُوِيَ عن إبراهيم النَّخعيِّ (٣). فأمّا مالكٌ، ﵀، فإنَّهُ (٤) قال في "مُوطَّئهِ (٥) "لمّا ذكر هذا الحديث: وليسَ لهذا عندَنا حَدٌّ معرُوفٌ، ولا أمرٌ مَعمُولٌ به. واختلَفَ المُتأخِّرُون من المالكيِّين في تخريج وُجُوهِ قولِ مالكٍ هذا، فقال بعضُهُم: دَفَعهُ مالكٌ ﵀، بإجماع أهلِ المدينةِ على تَركِ العَملِ به، وإجماعُهُم حُجَّةٌ فيما أجْمَعُوا عليه، ومثلُ هذا يصِحُّ فيه العَملُ، لأنَّهُ مِمّا يَقعُ مُتواتِرًا ولا يقعُ نادِرًا فيُجهَل، وإذا (٦) أجمعَ (٧) أهلُ المدينةِ على تَرْكِ العَملِ به، وِراثةً بعضُهُم عن بَعضٍ، فمعلُوم أنَّ هذا تَوْقِيفٌ أقْوَى من خَبرِ الواحدِ، والأقْوَى أوْلَى أن يُتَّبعَ. وقال بعضُهُم: لايصحُّ دعوَى إجماع أهلِ المدينةِ في هَذه المسألةِ، لأنَّ سعيدَ بن المُسيِّبِ وابن شِهاب، وهُما أجلُّ فُقهاءِ أهلِ (٨) المدينةِ، رُوِيَ عنهُما منصُوصًا العَملُ به (٩) (١٠)، ولم يُرو عن أحَدٍ من أهلِ المدينةِ نصًّا تَرْكُ العَملِ به، إلّا عن مالكٍ، ورَبِيعةَ، وقدِ اختُلِف فيه عن ربيعةَ.

стр. 4655

وقد كان ابنُ أبي ذِئبِ، وهُو من فُقهاءِ أهلِ المدينةِ في عَصْرِ مالكٍ، يُنكِرُ على مالكٍ اختيارهُ تركَ العَملِ به، حتَّى جَرَى منهُ لذلكَ في مالكٍ قولٌ خَشِنٌ، حَملهُ عليه الغَضبُ، لم يُسْتَحسَن مِثلُهُ منهُ، فكيفَ يصِحُّ لأحدٍ أنَّ يدَّعي إجماعَ أهلِ المدينةِ في هذه المسألةِ؟ هذا ما لا يصِحُّ القولُ به. وقال هذا القائلُ في معنى قولِ مالكٍ: وليسَ لهذا عندَنا حدٌّ معرُوفٌ، ولا أمرٌ مَعمُولٌ به: إنَّما أرادَ الخيار، لأنَّهُ قال ذلك بإثرِ قولِهِ: "إلّا بيع الخيارِ". وأرادَ مالكٌ بقولِهِ هذا: أي ليسَ عندَنا بالمدينةِ في الخيارِ حدٌّ معرُوفٌ، ولا أمرٌ معمُولٌ به فيه. إنكارًا لقولِ أهلِ العِراقِ وغيرِهِمُ، القائلينَ بأنَّ الخيارَ لا يكونُ في جميع السِّلع إلّا ثلاثةَ أيام، والخيارُ عندَ مالكٍ وأهلِ المدينةِ، يكونُ ثلاثًا وأكثر وأقلَّ، على حَسَبِ اختِلافِ حالِ المبيع، وليسَ الخيارُ عِندهُ في الحَيَوانِ كهُو في الثِّيابِ، ولا هُو في الثِّيابِ كهُو في العَقارِ، وليسَ لشيءٍ من ذلك حدٌّ بالمدينةِ لا يُتجاوزُ، كما زعَمَ المُخالِفُ. قال: فهذا معنى ما أرادَ مالكٌ ﵀، بقولِهِ: وليسَ لهذا عندَنا حدٌّ معرُوفٌ، ولا أمرٌ مَعمُولٌ به. أي: ليسَ للخيارِ واشْتِراطِهِ عندَنا حدٌّ لا يُتجاوَزُ في العَملِ سُنَّةٌّ، كما زعَمَ من خالفنا. قال وأمّا حديثُ: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتَفرَّقا". فإنَّما ردَّهُ اعتِبارًا ونظرًا واختيارًا، مالَ فيه إلى بعضِ أهلِ بَلدِهِ، كما صنعَ في سائرِ مَذْهبِهِ. قال أبو عُمرَ: قد أكثَرَ المُتأخِّرُون من المالكيِّين والحَنفيِّينَ من الاحتِجاج لمذهبِهِما في ردِّ هذا الحديثِ، بما يَطُولُ ذِكرُهُ، وأكثرُهُ تَشْغيبٌ لا يُحصَلُ منهُ على شيءٍ لازِم لا مدفَعَ لهُ. ومِن جُملةِ ذلكَ: أنَّهُم نَزعُوا بالظَّواهِرِ، وليسَ ذلك من أصلِ مَذْهبِهِم، فاحتجُّوا بعُمُوم قولِ الله : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]. قالوا: وهذانِ

стр. 4656

قد تعاقَدا، وفي هذا الحديثِ إبطالُ الوَفاءِ بالعَقدِ، وبِعُمُوم قولِ رسُولِ الله ﷺ : "منِ ابتاعَ طعامًا، فلا يبِعهُ حتَّى يَسْتوفيهُ" (١). قالوا: فقد أطلَقَ بيعهُ إذا اسْتَوفاهُ قبلَ التَّفَرُّق (٢) وبعدهُ. وبأحاديثَ كثيرةٍ مِثلِ هذا، فيها إطلاقُ البيع دُون ذِكْرِ التَّفرُّقِ. وهذه ظواهِرُ وعُمُومٌ، لا يُعترَضُ بمِثلِها على الخُصُوصِ والنُّصُوصِ، وباللّه التَّوفيقُ. واحتجُّوا أيضًا بلَفْظةٍ رواها عَمرُو بن شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يَفْتَرِقا ولا يحِلُّ لهُ أن يُفارِقَ صاحِبهُ، خَشْيةَ أن يَسْتقيلهُ" (٣). قالوا: فهذا يدُلُّ على أنَّهُ قد تَمَّ البيعُ بينهُما قبلَ الافتِراقِ، ولأنَّ الإقالةَ لا تَصِحُّ إلّا فيما قد تَمَّ من البُيُوع. وقالوا: قد يكونُ التَّفرُّقُ بالكلام، كعَقدِ النِّكاح وشْبْهِهِ، وكوُقُوع الطَّلاقِ الذي قد سَمّاهُ الله فِراقًا، والتَّفرُّقُ بالكلام في لِسانِ العربِ مَعرُوفٌ أيضًا، كما هُو بالأبدانِ. واعتلُّوا بقولِ الله : ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠]. وقولِهِ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وبِقولِ رسُولِ الله ﷺ : "تَفْترِقُ أُمَّتي" (٤). لم يُرِد بأبْدانِهِم.

стр. 4657

قالوا: ولمّا كان الاجتِماعُ بالأبدانِ لا يُؤَثِّرُ في البَيْع، كذلك الافتِراقُ بالأبْدانِ (١) لا يُؤَثَرُ في البيع. وقالوا: إنَّما أرادَ بقولِهِ ﷺ : "المُتبايِعانِ بالخيار". المُتساوِمَينِ. قال: ولا يُقالُ لهما: مُتبايِعانِ، إلّا ما داما في حالِ فِعْلِ التَّبايُع، فإذا وجَبَ البيعُ، لم يُسمَّيا مُتبايِعينِ، وإنَّما يُقالُ: كانا (٢) مُتبايِعينِ، مِثلُ ذلكَ المُصلِّي والآكِلُ والشّارِبُ والصّائمُ، فإذا انقَضَى فِعلُهُ ذلك، قيلَ: كان صائمًا وكان آكِلًا، ومُصلِّيًا، وشارِبًا، ولم يُقَلْ: إنَّهُ صائمٌ، أو مُصلٍّ، أو آكِلٌ، أو شارِبٌ، إلّا مجازًا وتقريبًا واتِّساعًا، وهذا لا وجَهَ لهُ في الأحكام. قالوا: فهذا يدُلُّ على أنَّهُ أرادَ بقولِهِ: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يَفْترِقا". و"المُتبايِعانِ بالخيارِ ما لم يتَفرَّقا". المُتساوِمينِ. وعن أبي يوسُف القاضي نصًّا، أنَّهُ قال: هُما المُتساوِمانِ (٣). قال: فإذا قال: بعتُكَ بعشرةٍ، فللمُشتري الخيارُ في القَبُولِ في المجلِسِ قبلَ الافتِراقِ، وللبائع خِيارُ الرُّجُوع في قولِهِ قبلَ قبُولِ المُشْتري. وعن عيسى بن أبان نحوهُ أيضًا (٤). وقال محمدُ بن الحسنِ: معنى قولِهِ في الحديثِ: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يَفْتَرِ قا". أنَّ البائعَ إذا قال: قد بعتُكَ، فلهُ أن يرجِعَ ما لم يَقُلِ المُشْتري: قد قبِلتُ (٥). وهُو قولُ أبي حنيفةَ. وقد رُوي عن أبي حنيفةَ: أنهُ كان يرُدُّ هذا الخَبَر، باعتِبارِهِ إيّاهُ على أُصُولِهِ،

стр. 4658

كسائرِ فِعلِهِ في أخْبارِ الآحادِ، كان يَعْرِضُها على الأُصُولِ المُجتَمع علَيها عندَهُ، ويجتهِدُ في قبُولهِا أو ردِّها، وهذا أصلُهُ في أخبارِ الآحادِ. ورُوي عنهُ أنَّهُ كان يقولُ في ردِّ هذا الحديثِ: أرأيتَ إن كانا في سَفينةٍ، أرأيتَ إن كانا في سِجْنٍ، أو قَيْدٍ كيفَ يَفْترِقانِ؟ إذنْ فلا يصِحُّ بين هؤُلاءِ بيعٌ أبدًا. وهذا مِمّا عِيبَ به أبو حَنِيفةَ، وهُو أكبرُ عُيُوبِهِ وأشدُّ ذنوبِهِ عندَ أهل الحديثِ النّاقِلينَ لمثالِبِه، باعتِراضِهِ الآثارَ الصِّحاح، ورَدِّهِ لها برأيهِ، وأمّا الإرجاءُ المنسُوبُ إليه، فقد كان غيرُهُ فيه أدخَلَ وبه أقْوَلَ، لم يَشْتغِل أهلُ الحديثِ من نقلِ مَثالِبِهِ، ورِوايِةِ سَقَطاتِهِ، بمِثلِ (١) ما اشْتَغلُوا به من مَثالِبِ أبي حَنِيفةَ، والعِلَّةُ في ذلكً ما ذكرتُ لكَ لا غيرَ، وذلكَ ما وجدُوا لهُ من تَرْكِ السُّننِ، وردِّها برأيِهِ، أعْنِي السُّنن المنقُولةَ بأخْبارِ العُدُولِ الآحادِ الثِّقاتِ، واللّه المُستعانُ (٢). وقال مالكٌ: لا خيارَ للمُتبايِعينِ، إذا عقَدا (٣) البيعَ بكلام، وإن لم يَفْترِقا (٤). وذكَرَ ابنُ خُوَيْزمَنْداد، عن مالكٍ في معنى البيّعين بالخيارِ ما لم يَفْتَرِقا، نصُّ ما ذكَرْناهُ عن محمدِ بن الحسنِ وأبي حَنِيفةَ. وكان إبراهيمُ النَّخعيُّ يَرَى البيع جائزًا، وأن لم يَفْترِقا (٥) وقال سُفَيانُ الثَّوريُّ، وسُفَيانُ بن عُيَينةَ، وابنُ أبي ذِئبٍ، واللَّيثُ بن سَعدٍ، وعُبَيدُ (٦) الله بن الحسن العنبريُّ قاضي البصرةِ، وسوّارٌ القاضي، والشّافعيُّ

стр. 4659

وأصحابُهُ، وعبدِ الله بن المُباركِ: إذا عقَدَ المُتبايِعانِ بيعَهُما (١)، فهُما جميعًا بالخيارِ في إتمامِهِ وفَسْخِهِ، ما داما في مجلِسِهِما ولم يَفْترِقا (٢) بأبدانِهِما، والتَّفرُّقُ في ذلكَ، كالتَّفرُّقِ في الصَّرفِ سَواءً (٣). وهُو قولُ أحمد بن حَنْبل، وإسحاق بن راهُوية، وأبي ثَوْرٍ، وأبي عُبيدٍ، وداود بن عليٍّ، والطَّبريِّ. ورُوي ذلك عن: عبدِ (٤) الله بن عُمرَ، وأبي بَرْزةَ الأسْلَميِّ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، وشُرَيح القاضي، والشَّعبيِّ، والحَسَنِ البصريِّ، وعَطاءٍ، وطاوُوس والزُّهريِّ (٥). وابنِ جُريج، ومَعْمرٍ، ومُسلِم بن خالدٍ الزَّنجيِّ، والأوزاعيِّ، ويحيى القطّانِ، وعبدِ الرَّحمنِ بن مهديِّ. وقال الأوزاعيُّ: هُما بالخيارِ ما لم يَفْترِقا، إلّا بُيُوعٌ ثلاثةٌ: بيعُ السُّلطانِ للغَنائم، والشَّرِكةُ في الميراثِ، والشَّرِكةُ في التِّجارةِ، فإذا صافَقهُ في هذه الثَّلاثةِ، فقد وجَبَ البيعُ، وليسا فيه بالخيار (٦). قال: وحدُّ الفُرقةِ، أن يَتَوارى كلُّ واحدٍ منهُما عن صاحِبِهِ. وهُو قولُ أهلِ الشّام. وقال اللَّيثُ: التَّفرُّقُ أن يقومَ أحدُهُما.

стр. 4660

قال أبو عُمرَ: قد أكثَرَ الشّافِعيُّون في بُطلانِ ما اعتلَّ به المالكيُّون والحَنَفيُّونَ في هذه المسألةِ، فمِن جُملةِ ذلك، أنَّهُم قالوا: لا حُجَّةَ فيما نزَعَ به المُخالِفُ من قولِ الله : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ [المائدة:١]، لأنَّ هذا عُمُومٌ، تَعْترِضُهُ ضُرُوبٌ من التَّخصيصِ، وإنَّما (١) يجِبُ أن يُوفِّي به من العُقُودِ، ما كان عَقْدًا صحيحًا في الكِتابِ والسُّنَّةِ، أو في أحَدِهِما، وما لم يَكُن كذلكَ، فليسَ يجِبُ الوَفاءُ به، ألا ترَى أنَّهُما لو عقَدا بيعًا في الطَّعام قبلَ أن يُسْتَوفى، أو عقَدا بيعًا على شيءٍ من الرِّبا، أو على شيءٍ من البُيُوع المنهيِّ عنها المكرُوهةِ التي ورَدَتِ السُّنة بإبطالهِا، هل كان يجِبُ الوَفاءُ بشيءٍ من ذلك؟ قال ﷺ : "كلُّ عَملٍ ليسَ عليه (٢) أمرُنا فهُو رَدٌّ" (٣). و: "لا طاعَةَ إلّا في المعرُوفِ" (٤). وأمّا ما اعتلُّوا به من ظواهِرِ الآثارِ، فغيرُ لازِم، لأنَّ البيعَ لا يتمُّ إلّا بالافْتِراقِ، فلا وجهَ لِما قالُوه. وأمّا اعْتِلالُهُم بقولِهِ ﷺ في حديثِ عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: "ولا يحِلُّ لهُ أن يُفارِقهُ خَشْيةَ أن يَسْتقيله" (٥). فإنَّ هذا معناهُ، إن صحَّ، على النَّدبِ، بدليلِ قولِهِ ﷺ : "من أقالَ مُسلِمًا، أقال الله عَثْرَتهُ" (٦). وبِإجماع المُسلِمينَ

стр. 4661

على أنَّ ذلكَ يحِلُّ لفاعِلِهِ على خلاف ظاهِرِ الحديثِ، وقد كان ابنُ عُمر، وهُو الذي رَوَى حديث "البيِّعانِ (١) بالخيارِ ما لم يَفْترِقا". إذا بايَعَ أحدًا وأحبَّ أن يُنفِذ البيعَ مَشَى قليلًا، ثُمَّ رجَعَ (٢). وفي حديثِ عَمرِو بن شُعيبٍ أيضًا ما يدُلُّ على أنَّهُ لا بيعَ بينهُما، وأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما بالخيارِ على صاحِبِهِ ما لم يَفْترِقا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا أبو صالح. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا قُتَيبةُ بن سَعيدٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، قالا: حدَّثني محمدُ بن عَجْلانَ، عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "المُتبايِعانِ بالخيارِ ما لَمْ يَفْترِقا، إلّا أن تكونَ صَفْقةُ خِيارٍ، ولا يحِلُّ لهُ أن يُفارِقَ صاحِبهُ خَشْيةَ أن يَسْتقيلهُ". وأخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْويُّ (٤)،

стр. 4662

قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سُميِّ، عن (١) أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، قال: قال (٢) رسُولُ الله ﷺ : "من أقالَ نادِمًا في بَيع". أو قال: "بَيْعتِهِ، أقالَهُ الله عَثْرتَه (٣) يومَ القيامةِ" (٤). وروى عبدُ الرَّزّاق (٥)، عن مَعْمرٍ، عن محمدِ (٦) بن واسِع، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ بمثلِهِ (٧) (٨). فهذا يدُلُّ على أنَّ ذلك ندبٌ، وقولُهُ: "لا يحِلُّ" لفظةٌ مُنكرةٌ، فإن صَحَّت فليست على ظاهِرِها، لإجماع المُسلِمين أنَّهُ جائزٌ لهُ أن يُفارِقهُ، ليُنفِذ بيعهُ، ولا يُقيلهُ إلّا أن يشاءَ. وفيما أجمعُوا عليه من ذلك ردٌّ لرِوايةِ من روى: "لا يحِلُّ لهُ أن يُفارِقهُ خَشْيةَ أن يَسْتقيلهُ". فإن لم يكُن وَجْهُ هذا الخَبرِ النَّدب، وإلّا فهُو باطِلٌ بإجماع، وأمّا ما اعتلُّوا به من أنَّ الافتِراقَ قد يَكُونُ بالكلام، وأنَّهُ جائز أن يكونَ أُريدَ بذِكرِ الافتِراقِ في هذا الحديثِ، الافتِراقُ بالكلام، فيُقالُ لهم: خَبِّرونا عن الكلام الذي وقَعَ به الاجتِماعُ وتمَّ به البَيْعُ، أهُو الكلامُ الذي أُريدَ به الافتِراقُ، أم غيرُهُ؟ فإن قالوا:

стр. 4663

هُو غيرُهُ، فقد أحالُوا، وجاؤُوا بما لا يُعقَلُ، لأَنَّهُ ليس ثمَّ كلام غير ذلك، وإن قالوا: هُو ذلك الكلامُ بعينِهِ، قيل لهم: كيف يجُوزُ أن يكونَ الكلامُ الذي به اجتمعا، وتمَّ به بيعُهُما، به افْتَرقا وبه انفسَخَ بيعُهُما، هذا ما لا يُفهَمُ ولا يُعقَلُ، والاجتِماعُ ضِدُّ الافْتِراقِ، فكيفَ يجُوزُ أن يكونَ الكلامُ الذي اجْتَمعا به افْتَرقا به نفسِهِ، هذا عينُ المُحالِ، والفاسِدُ من (١) المقالِ. وأمّا قولُهُم: المُتساوِمانِ، في معنى المُتبايِعينِ. فلا وجهَ لهُ، لأنَّهُ لا تكونُ حينئذٍ في الكلام فائدةٌ، ومَعلُومٌ أنَّ المُتساوِمينِ بالخيارِ، كلُّ واحدٍ منهُما على صاحِبِهِ، ما لم يَقَع الإيجابُ بالبيع والعَقدِ والتَّراضي، فكيف يرِدُ (٢) الخبرُ بما لا يُفيدُ فائدةً، وهذا ما لا يظُنُّهُ ذُو لُبٍّ على رَسُولِ الله ﷺ . وأمّا اعتِلالُهُم بتَسْميةِ الفاعِلِ بفِعلِهِ الدّائم، ما دام يفعلُهُ، كالمُصلِّي والآكِلِ، وشِبهِ ذلك، فيدخُلُ عليهم أنَّ هذا لا يصحُّ إلّا في الأفعالِ المُتعلِّقةِ بواحدٍ، كالصَّوم والصَّلاةِ والأكلِ والشُّربِ وما أشبَهَ ذلك، وأمّا الأفعالُ التي لا تتِمُّ إلّا مِنِ اثْنَينِ، كالمُبايَعةِ والمُقاتَلَةِ والمُبارَزةِ وما أشبَهَ ذلك، فلا يجُوزُ أن يتِمَّ الاسمُ إلّا وهُو موجُودٌ منهُما جميعًا، ويدخُلُ عليهم أيضا أنَّ السّارِق والزّاني وما أشَبَههُما، لا يقعُ عليهما (٣) الاسمُ، إلّا بعد تمام الفِعلِ المُوجِبِ للحدِّ، وما دامَ الاسمُ موجُودًا، فالحدُّ واجِبٌ، إن لم يُقَمْ، حتَّى يُقام. وأمّا قولُهُم: لمّا لم يكُن لاجتِماع الأبْدانِ تأثيرٌ في البَيعْ، فكذلكَ الافْتِراقُ في الأبدانِ لا يُؤَثِّرُ في البَيْع، فيدخُلُ عليهم أنَّ التَّبايُع لِما لم يَكُن فيه بُد من الكلام، ثُمَّ ذُكِرَ عَقِبَهُ التَّفَرّق، عُلِم أنَّهُ أُريدَ به غيرُ الكلام.

стр. 4664

ويدُلُّ على ذلك فِعلُ ابنِ عُمر، الذي رَوَى الحديث، وعلِمَ مَخْرجهُ والمُراد من معناهُ، ومِثلُ هذا قولُ عُمر بن الخطّابِ لطلحةَ بن عُبيدِ الله في الصَّرفِ: لا تُفارِقهُ ولا إلى أن يلِجَ بَيْتهُ (١). وهُو المفهُومُ من لِسانِ العَربِ، والمعرُوفُ من مُرادِها في مخُاطَباتِها (٢) بالافتِراقِ افْتِراقُ الأبدانِ، وغيرُ ذلك مجازٌ وتقريبٌ واتِّساعٌ. وباللّه التَّوفيقُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عُليَّةَ، عن أيوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "البيِّعانِ بالخيارِ حتَّى يَفْترِقا (٣)، أو يكونَ بيعَ خيارٍ". قال: ورُبَّما قال نافِعٌ: "أو يقولُ أحدُهُما: اخْتَرْ" (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال:

стр. 4665

حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ. قالا جميعًا: حدَّثنا يحيى، عن (١) عُبيدِ الله، قال: أخبرني نافِعٌ، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "كلُّ بيِّعينِ أحدُهُما على صاحِبِهِ بالخيارِ ما لم يَتَفرَّقا، أو يكونَ خيارًا" (٢). وقرأتُ على عبدِ الوارثِ أيضًا، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ جُرَيج، قال: أمْلَى عليَّ نافِعٌ، سمِعَ عبد الله بن عُمر يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا تبايَعَ المُتبايِعانِ، فكلُّ واحدٍ منهُما بالخيارِ من بيعِهِ ما لم يَفْتَرِقا، أو يكونُ بيعُهُما عن خيارٍ، فإن كان بيعُهُما عن خيار (٣)، فقد وجَبَ" (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن داودُ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا تبايَعَ الرَّجُلانِ، فكلُّ واحدٍ منهُما بالخيارِ ما لم يَتَفرَّقا

стр. 4666

وكانا جميعًا، أو يُخيِّر أحدُهُما الآخر، فإن خيَّر أحدُهما الآخرَ، فتبايَعا على ذلكَ، فقد وجبَ البيعُ، وإن تَفرَّقا بعد أن تبايَعا ولم يترُكْ واحدٌ منهُما البيعَ، فقد وجبَ البَيْعُ" (١). وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "كلُّ بيِّعَينِ (٢) لا بيعَ بَيْنِهِما حتَّى يَفْتَرِقا، إلّا بيعَ الخِيارِ" (٣). وأمّا حديثُ حكيم بن حِزام، فرَواهُ شعبةُ، عن قَتادةَ، أنَّهُ سَمِعهُ من أبي الخَليلِ، عن عبد (٤) الله بن الحارِثِ، عنهُ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا (٥) أبو

стр. 4667

داود، قال (١): حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ، قال (٢): حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن أبي الخَليلِ، عن عبد (٣) الله بن الحارِثِ، عن حكيم بن حِزام، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يَفْترِقا، فإن صَدَقا وبيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإن كَتَما وكَذَبا مُحِقتِ البَرَكةُ من بَيْعِهِما". وأمّا حديثُ سَمُرةَ: فرواهُ شُعبةُ (٤)، وهشام الدَّستُوائيُّ (٥)، وسعيدُ بن أبي عَرُوبةَ (٦)، وهمّامٌ (٧)، وحمّادُ بن سَلَمةَ، وغيرُهُم، عن قَتادةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتَفرَّقا". وبعضُهُم يزيدُ فيه: "أو يكونُ بَيْعُهُما على خيارٍ". واختلَفَ العُلماءُ في معنى قولِهِ ﷺ في هذا الحديثِ: "إلّا بيعَ الخيارِ". وقولِهِ: "أو يكونُ بيعُهُما على خيارٍ".

стр. 4668

فقال قائلُونَ: هذا الخيارُ المُشْتَرطُ من كلِّ واحدٍ منهُما، على حَسَبِ ما يجُوزُ من ذلك، كالرَّجُلِ يَشْترِطُ الخيار ثلاثةَ أيام، أو نحوها، فإنَّ المُسلِمينَ على شُرُوطِهِم (١). هذا قولُ الشّافِعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وجماعةٍ. وقال آخرُونَ: معنى قولِه: "إلّا بيعَ الخيارِ". وقولِهِ: "إلّا أن يكونَ بيعُهُما عن خِيار". ونحوِ هذا، هُو أن يقول أحدُهُما بعد تمام البيع لصاحِبِهِ: اخْتَر إنفاذ البيع أو فسخهُ، فإنِ اختارَ إمضاءَ البيع، تمَّ البيعُ بينهُما وإن لم يتَفرَّقا (٢). هذا قولُ الثَّوريِّ، واللَّيثِ بن سَعْدٍ، والأوزاعيِّ، وابنِ عُيينةَ، وعُبيدِ الله بن الحسن (٣)، وإسحاق بن راهُوية (٤). ورُوي ذلك أيضًا عن الشّافِعيِّ. وكان أحمدُ بن حَنْبل يقولُ: هُما بالخيارِ أبدًا، قالا هذا القول أو لم يقولاهُ، حتَّى يَفْترِقا بأبْدانِهِما من مَكانِهِما. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّاد، عن جَميلِ بن مُرَّةَ، عن أبي الوَضِيء، قال: غَزَونا غزوةً، فنزلنا مَنْزِلًا، فباعَ صاحِبٌ لنا فرسًا بغُلام، ثُمَّ أقاما بقيَّةَ يومِهِما وليلتِهِما، فلمّا أصْبَحا (٦) من الغَدِ، وحضَرَ الرَّحيلُ (٧)، قامَ إلى فَرسِهِ ليُسْرِجهُ

стр. 4669

فندِمَ، فأتى صاحِبهُ فقال: بيني وبينكَ أبو بَرْزةَ صاحِبُ النَّبيِّ ﷺ ، فأتيا أبا بَرْزةَ في ناحيةِ العَسْكرِ، فقَصّا عليه القِصَّةَ، فقال: أترْضيانِ أن أقْضِي بينكُما بقَضاءِ رسُولِ الله ﷺ : "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يَفْترِقا". قال هشامُ بن حسّان: وحدَّثَ جَميل، أنَّهُ قال: ما أراكُما افتَرَقتُما. قال أبو عُمر: جميلُ بن مُرَّةَ يُكْنَى أبا الوسميِّ (١)، بصريٌّ، ثِقةٌ عندَ أحمد بن حَنْبل وغيرِهِ، رَوَى عنهُ حمّادُ بن زيدٍ، وجماعةٌ. وأبو الوضيء السَّحتنيُّ (٢)، قال أحمدُ بن صالح: تابِعيٌّ، بَصْريٌّ ثِقةٌ، سمِعَ أبا بَرْزةَ، والحسن بن عليٍّ، وغيرهُما، روى عنهُ هشامُ بن حسّان، وجَميلُ بن مُرَّةَ. وقال الطَّحاويُّ (٣): حديثُ أبي بَرْزةَ هذا قال فيه جميلُ بن مُرَّةَ، عن أبي الوَضِيء: باعَ صاحِبٌ لنا فرسًا. وقال فيه: أقَمْنا يومَنا وليلتَنا، فلمّا كان من الغَدِ. وقال هشامُ بن حسّان، عن أبي الوضيء: إنَّهُمُ اخْتَصمُوا إلى أبي بَرْزةَ في جاريةٍ. وفيه: بيات المُشْتري مع البائع، فلمّا أصبحَ قال: لا أرْضاها. وبعضُهُم يقولُ فيه: فنامَ معها. قال أبو جَعْفرٍ: ولا شكَّ إذا كانا قد أقاما بعد تبايُعِهِما يومًا وليلةً، أنَّهُما قد قاما إلى غائطٍ، أو بَوْلٍ، أو صَلاةٍ، وقد قام (٤) إلى إسراج الفرسِ، وقد قامَ معَها في قِصَّةِ الجاريةِ، وهذا عندَ الجميع تَفرُّقٌ. قال: فمعنَى قولِ أبي برزةَ في التَّفرُّقِ هاهُنا: التَّفرُّقُ بالبيع، لأنَّ أحدهُما ادَّعى البيعَ، والآخرَ جَحَد.

стр. 4670

قال أبو عُمرَ: الصَّحيحُ في حديثِ أبي برزةَ هذا (١) عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ (٢) قال: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يَفْتَرِقا (٣) ". وغيرُ ذلك تأويلُ أبي بَرزَةَ، والمُرادُ من الحديثِ قولُ رسُولِ الله ﷺ . وقد جاءَ عن ابنِ عُمرَ في تأويلِهِ غيرُ ما ذهَبَ إليه أبو برزةَ، وابنُ عُمر أفقَهُ من أبي بَرْزةَ، ورِوايتُهُ أصحُّ، وحَدِيثُهُ أثبتُ، وهُو الذي عَوَّل عليه أكثرُ الفُقهاءِ في هذا البابِ. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قِراءةً عليه، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يونُسُ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، قال: قال ابنُ عُمر: كُنّا إذا تَبايعنا، كان كلُّ واحدٍ مِنّا بالخيارِ ما لم يَفْترِقِ المُتبايِعانِ، قال: فتبايعتُ أنا وعُثمانُ مالًا لي بالوادي بمالٍ كثيرٍ. قال: فلمّا بايَعتُهُ، طفِقتُ على عَقِبي القَهْقَرى، خَشْيةَ أن يرُادَّني عُثمانُ البيعَ قبلَ أن أُفارِقهُ (٤). وأمّا قولُهُ في حديثِ مالكٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر المذكُورِ: "إلّا بيعَ الخيارِ". فقد مَضَى ما للعُلماءِ في تأويلِ هذه اللَّفظةِ. واختلفُوا في شَرْطِ الخيارِ ومُدَّتِهِ (٥).

стр. 4671

فقال مالكٌ: يجوزُ شرْطُ الخيارِ شهرًا، أو أكثرَ. هكذا حَكَى ابنُ خُوَيْزمَنْداد عنهُ، وهُو قولُ (١) ابنِ أبي ليلى، وأبي يوسُف، ومحمدِ بن الحسنِ، والأوزاعيِّ، كلُّهُم يقولُ بجَوازِ (٢) اشتِراطِ الخيارِ شهرًا أو أكثرَ، والشَّرطُ لازِمٌ إلى الوقتِ الذي يُشْترَطُ فيه الخيارُ. وهُو قولُ أحمد بن حَنْبل، وأبي ثَوْرٍ، وإسحاق، ولم يُفرِّقُوا بين أجْناسِ المبيعاتِ. وذكر ابنُ القاسم وغيرُهُ، عن مالكٍ قال: يجُوزُ شرطُ الخيارِ في بيع الثَّوبِ اليومَ واليومينِ، وما أشْبَه ذلك (٣)، وما كان أكثر من ذلكَ فلا خيرَ فيه، وفي الجاريةِ يكونُ أبعدَ من ذلك قليلًا، الخمسةُ أيام والجُمُعةُ ونحو ذلك، وفي الدّابَّةِ اليومَ وما أشبههُ، يَرْكبُها ليعرِفَ وَيخْتبِر وَيسْتشيرَ فيها، وما بَعُدَ من أجَلِ الخيارِ فلا خيرَ فيه، ولا فرقَ بين شرْطِ الخيارِ للبائع والمُشتري. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: يجُوزُ الخيارُ اليومَ، واليومينِ، والثَّلاثةَ. قال: وما بَلَغنا فيه وقتٌ، إلّا أنّا نُحِبُّ أن يكونَ ذلك قريبًا إلى ثلاثةِ أيام. قال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُما: يجُوزُ البَيع في كلِّ الأشياءِ بشَرْطِ الخيارِ للبائع والمُشتري ثلاثةَ أيام، إلّا فيما يجِبُ تَعْجيلُهُ في المجلِسِ، نحو الصَّرفِ والسَّلم. وقال أبو حنيفةَ وزُفرٌ والشّافِعيُّ: لا يجُوزُ اشتِراطُ الخيارِ أكثرَ من ثلاثٍ في شيءٍ من الأشياءِ، فإن فُعِلَ، فسَدَ البيعُ. قال الشّافِعيُّ: ولولا الخبرُ، ما جازَتِ الثَّلاثةُ ولا غَيرُها في الخيار.

стр. 4672

وقال ابنُ شُبرُمةَ والثَّوريُّ: لا يجُوزُ اشْتِراطُ الخيارِ للبائع بحال. وقال الثَّوريُّ: إنِ اشترط البائعُ الخيارَ، فالبيعُ فاسِدٌ. قال: ويجُوزُ شرطُ الخيارِ للمُشتري عشرةَ أيام وأكثر. وقال الحسنُ بن حيٍّ: إذا اشْتَرى الرَّجُلُ الشَّيءَ، فقال لهُ البائعُ: اذهَبْ فأنتَ فيه بالخيارِ. فهُو فيه بالخيارِ أبدًا، حتَّى يقولَ: قد رَضِيتُ. وقال: ما أدري ما الثَّلاثُ إذا باعَهُ فقد رَضِيَ، وإن كانت جاريةً بِكْرًا فوَطِئَها، فقد رَضِي. وقال عُبيدُ الله بن الحَسنِ: لا يُعجِبُني طُولُ (١) الخيارِ، وكان يقولُ: للمُشتري الخيارُ ما رَضِيَ البائعُ. ولا يجُوزُ عندَ مالكٍ النَّقدُ في بيع الخيارِ، فإنِ اشتُرِط النَّقدُ في بيع الخِيارِ، فالبيعُ فاسِدٌ (٢). وفي مذهبِ أبي حنيفةَ أيضًا: لا يجِبُ نَقْدُ الثَّمنِ مع بَقاءِ الخيارِ، فإنِ اشتُرِطَ نقدُ الثَّمنِ مع بَقاءِ الخيارِ (٣)، فالشَّرطُ فاسِدٌ، والبيعُ صَحِيحٌ. قال أبو عُمر: أمّا الخبرُ الذي يزعُمُ الشّافِعيُّ أَنَّهُ لولاهُ ما جازَ الشَّرْطُ أصلًا للباع ولا للمُشتري، وإنَّما أجازَهُ ثلاثًا من أجلِهِ، فحديثُ سُفيان بن عُيَينةَ، رواهُ الشّافِعيُّ (٤) والنّاسُ عنهُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ مُنقِذًا
следующие страницы →