← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4668–4707 · переход к 4673.

стр. 4668

فقال قائلُونَ: هذا الخيارُ المُشْتَرطُ من كلِّ واحدٍ منهُما، على حَسَبِ ما يجُوزُ من ذلك، كالرَّجُلِ يَشْترِطُ الخيار ثلاثةَ أيام، أو نحوها، فإنَّ المُسلِمينَ على شُرُوطِهِم (١). هذا قولُ الشّافِعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وجماعةٍ. وقال آخرُونَ: معنى قولِه: "إلّا بيعَ الخيارِ". وقولِهِ: "إلّا أن يكونَ بيعُهُما عن خِيار". ونحوِ هذا، هُو أن يقول أحدُهُما بعد تمام البيع لصاحِبِهِ: اخْتَر إنفاذ البيع أو فسخهُ، فإنِ اختارَ إمضاءَ البيع، تمَّ البيعُ بينهُما وإن لم يتَفرَّقا (٢). هذا قولُ الثَّوريِّ، واللَّيثِ بن سَعْدٍ، والأوزاعيِّ، وابنِ عُيينةَ، وعُبيدِ الله بن الحسن (٣)، وإسحاق بن راهُوية (٤). ورُوي ذلك أيضًا عن الشّافِعيِّ. وكان أحمدُ بن حَنْبل يقولُ: هُما بالخيارِ أبدًا، قالا هذا القول أو لم يقولاهُ، حتَّى يَفْترِقا بأبْدانِهِما من مَكانِهِما. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّاد، عن جَميلِ بن مُرَّةَ، عن أبي الوَضِيء، قال: غَزَونا غزوةً، فنزلنا مَنْزِلًا، فباعَ صاحِبٌ لنا فرسًا بغُلام، ثُمَّ أقاما بقيَّةَ يومِهِما وليلتِهِما، فلمّا أصْبَحا (٦) من الغَدِ، وحضَرَ الرَّحيلُ (٧)، قامَ إلى فَرسِهِ ليُسْرِجهُ

стр. 4669

فندِمَ، فأتى صاحِبهُ فقال: بيني وبينكَ أبو بَرْزةَ صاحِبُ النَّبيِّ ﷺ ، فأتيا أبا بَرْزةَ في ناحيةِ العَسْكرِ، فقَصّا عليه القِصَّةَ، فقال: أترْضيانِ أن أقْضِي بينكُما بقَضاءِ رسُولِ الله ﷺ : "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يَفْترِقا". قال هشامُ بن حسّان: وحدَّثَ جَميل، أنَّهُ قال: ما أراكُما افتَرَقتُما. قال أبو عُمر: جميلُ بن مُرَّةَ يُكْنَى أبا الوسميِّ (١)، بصريٌّ، ثِقةٌ عندَ أحمد بن حَنْبل وغيرِهِ، رَوَى عنهُ حمّادُ بن زيدٍ، وجماعةٌ. وأبو الوضيء السَّحتنيُّ (٢)، قال أحمدُ بن صالح: تابِعيٌّ، بَصْريٌّ ثِقةٌ، سمِعَ أبا بَرْزةَ، والحسن بن عليٍّ، وغيرهُما، روى عنهُ هشامُ بن حسّان، وجَميلُ بن مُرَّةَ. وقال الطَّحاويُّ (٣): حديثُ أبي بَرْزةَ هذا قال فيه جميلُ بن مُرَّةَ، عن أبي الوَضِيء: باعَ صاحِبٌ لنا فرسًا. وقال فيه: أقَمْنا يومَنا وليلتَنا، فلمّا كان من الغَدِ. وقال هشامُ بن حسّان، عن أبي الوضيء: إنَّهُمُ اخْتَصمُوا إلى أبي بَرْزةَ في جاريةٍ. وفيه: بيات المُشْتري مع البائع، فلمّا أصبحَ قال: لا أرْضاها. وبعضُهُم يقولُ فيه: فنامَ معها. قال أبو جَعْفرٍ: ولا شكَّ إذا كانا قد أقاما بعد تبايُعِهِما يومًا وليلةً، أنَّهُما قد قاما إلى غائطٍ، أو بَوْلٍ، أو صَلاةٍ، وقد قام (٤) إلى إسراج الفرسِ، وقد قامَ معَها في قِصَّةِ الجاريةِ، وهذا عندَ الجميع تَفرُّقٌ. قال: فمعنَى قولِ أبي برزةَ في التَّفرُّقِ هاهُنا: التَّفرُّقُ بالبيع، لأنَّ أحدهُما ادَّعى البيعَ، والآخرَ جَحَد.

стр. 4670

قال أبو عُمرَ: الصَّحيحُ في حديثِ أبي برزةَ هذا (١) عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ (٢) قال: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يَفْتَرِقا (٣) ". وغيرُ ذلك تأويلُ أبي بَرزَةَ، والمُرادُ من الحديثِ قولُ رسُولِ الله ﷺ . وقد جاءَ عن ابنِ عُمرَ في تأويلِهِ غيرُ ما ذهَبَ إليه أبو برزةَ، وابنُ عُمر أفقَهُ من أبي بَرْزةَ، ورِوايتُهُ أصحُّ، وحَدِيثُهُ أثبتُ، وهُو الذي عَوَّل عليه أكثرُ الفُقهاءِ في هذا البابِ. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قِراءةً عليه، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يونُسُ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، قال: قال ابنُ عُمر: كُنّا إذا تَبايعنا، كان كلُّ واحدٍ مِنّا بالخيارِ ما لم يَفْترِقِ المُتبايِعانِ، قال: فتبايعتُ أنا وعُثمانُ مالًا لي بالوادي بمالٍ كثيرٍ. قال: فلمّا بايَعتُهُ، طفِقتُ على عَقِبي القَهْقَرى، خَشْيةَ أن يرُادَّني عُثمانُ البيعَ قبلَ أن أُفارِقهُ (٤). وأمّا قولُهُ في حديثِ مالكٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر المذكُورِ: "إلّا بيعَ الخيارِ". فقد مَضَى ما للعُلماءِ في تأويلِ هذه اللَّفظةِ. واختلفُوا في شَرْطِ الخيارِ ومُدَّتِهِ (٥).

стр. 4671

فقال مالكٌ: يجوزُ شرْطُ الخيارِ شهرًا، أو أكثرَ. هكذا حَكَى ابنُ خُوَيْزمَنْداد عنهُ، وهُو قولُ (١) ابنِ أبي ليلى، وأبي يوسُف، ومحمدِ بن الحسنِ، والأوزاعيِّ، كلُّهُم يقولُ بجَوازِ (٢) اشتِراطِ الخيارِ شهرًا أو أكثرَ، والشَّرطُ لازِمٌ إلى الوقتِ الذي يُشْترَطُ فيه الخيارُ. وهُو قولُ أحمد بن حَنْبل، وأبي ثَوْرٍ، وإسحاق، ولم يُفرِّقُوا بين أجْناسِ المبيعاتِ. وذكر ابنُ القاسم وغيرُهُ، عن مالكٍ قال: يجُوزُ شرطُ الخيارِ في بيع الثَّوبِ اليومَ واليومينِ، وما أشْبَه ذلك (٣)، وما كان أكثر من ذلكَ فلا خيرَ فيه، وفي الجاريةِ يكونُ أبعدَ من ذلك قليلًا، الخمسةُ أيام والجُمُعةُ ونحو ذلك، وفي الدّابَّةِ اليومَ وما أشبههُ، يَرْكبُها ليعرِفَ وَيخْتبِر وَيسْتشيرَ فيها، وما بَعُدَ من أجَلِ الخيارِ فلا خيرَ فيه، ولا فرقَ بين شرْطِ الخيارِ للبائع والمُشتري. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: يجُوزُ الخيارُ اليومَ، واليومينِ، والثَّلاثةَ. قال: وما بَلَغنا فيه وقتٌ، إلّا أنّا نُحِبُّ أن يكونَ ذلك قريبًا إلى ثلاثةِ أيام. قال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُما: يجُوزُ البَيع في كلِّ الأشياءِ بشَرْطِ الخيارِ للبائع والمُشتري ثلاثةَ أيام، إلّا فيما يجِبُ تَعْجيلُهُ في المجلِسِ، نحو الصَّرفِ والسَّلم. وقال أبو حنيفةَ وزُفرٌ والشّافِعيُّ: لا يجُوزُ اشتِراطُ الخيارِ أكثرَ من ثلاثٍ في شيءٍ من الأشياءِ، فإن فُعِلَ، فسَدَ البيعُ. قال الشّافِعيُّ: ولولا الخبرُ، ما جازَتِ الثَّلاثةُ ولا غَيرُها في الخيار.

стр. 4672

وقال ابنُ شُبرُمةَ والثَّوريُّ: لا يجُوزُ اشْتِراطُ الخيارِ للبائع بحال. وقال الثَّوريُّ: إنِ اشترط البائعُ الخيارَ، فالبيعُ فاسِدٌ. قال: ويجُوزُ شرطُ الخيارِ للمُشتري عشرةَ أيام وأكثر. وقال الحسنُ بن حيٍّ: إذا اشْتَرى الرَّجُلُ الشَّيءَ، فقال لهُ البائعُ: اذهَبْ فأنتَ فيه بالخيارِ. فهُو فيه بالخيارِ أبدًا، حتَّى يقولَ: قد رَضِيتُ. وقال: ما أدري ما الثَّلاثُ إذا باعَهُ فقد رَضِيَ، وإن كانت جاريةً بِكْرًا فوَطِئَها، فقد رَضِي. وقال عُبيدُ الله بن الحَسنِ: لا يُعجِبُني طُولُ (١) الخيارِ، وكان يقولُ: للمُشتري الخيارُ ما رَضِيَ البائعُ. ولا يجُوزُ عندَ مالكٍ النَّقدُ في بيع الخيارِ، فإنِ اشتُرِط النَّقدُ في بيع الخِيارِ، فالبيعُ فاسِدٌ (٢). وفي مذهبِ أبي حنيفةَ أيضًا: لا يجِبُ نَقْدُ الثَّمنِ مع بَقاءِ الخيارِ، فإنِ اشتُرِطَ نقدُ الثَّمنِ مع بَقاءِ الخيارِ (٣)، فالشَّرطُ فاسِدٌ، والبيعُ صَحِيحٌ. قال أبو عُمر: أمّا الخبرُ الذي يزعُمُ الشّافِعيُّ أَنَّهُ لولاهُ ما جازَ الشَّرْطُ أصلًا للباع ولا للمُشتري، وإنَّما أجازَهُ ثلاثًا من أجلِهِ، فحديثُ سُفيان بن عُيَينةَ، رواهُ الشّافِعيُّ (٤) والنّاسُ عنهُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ مُنقِذًا

стр. 4673

شُجَّ في رأسِهِ مأمُومةً (١) في الجاهِليَّةِ، فخبَلَتْ (٢) لِسانهُ، فكان يُخْدَعُ (٣) في البَيْع، فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "بِعْ وقُل: لا خِلابةَ، ثُمَّ أنتَ بالخِيارِ، ثلاثًا من بيعِكَ". وحديثُ أيُّوبَ وهشام بن حسّان، عن محمدِ بن سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "منِ ابتاعَ مُصرّاةً، فهُو بالخيارِ ثلاثةَ أيام" (٤). ورَوَى عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٥). وسنذكُرُ المُصرّاةَ، والحُكم فيها، وما للعُلماءِ في ذلك، في بابِ أبي الزِّنادِ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. وجماعةُ الفُقهاءِ بالحِجازِ والعِراقِ يقولُونَ: إنَّ مُدَّةَ الخِيارِ إذا انْقَضت قبلَ أن يفسَخَ من لهُ الخيارُ البيعَ، تمَّ البيعُ ولزِمَ. وبه قال المُتأخِّرُونَ من الفُقهاءِ أيضًا: أبو ثَوْرٍ، وغيرُهُ. إلّا أنَّ مالكًا قال: إذا اشترطَ المُشْتري (٦) الخيار لنَفسِهِ ثلاثًا، فأتَى به بعد مغيبِ الشَّمسِ من آخِرِ أيام الخيارِ، أو من الغَدِ أو قُربَ ذلك، فلَهُ أن يرُدَّ،

стр. 4674

وإن تباعَدَ ذلك لم يرُدَّ. وهُو رأيُ ابنِ القاسم، قال: وقال مالكٌ: إنِ اشترطَ أنَّهُ إن غابَتِ الشَّمسُ من آخِرِ أيام الخيارِ، فلم يأتِ بالثَّوبِ، لزِمَ البيعُ، فلا خيرَ في هذا البيع (١). وهذا مِمّا انفرد به أيضًا ﵀. وحُجَّةُ من أجازَ الخِيار واشْتراطَهُ اكثَرَ من ثلاثٍ، قولُهُ ﷺ : "المُسلِمُونَ على شُرُوطِهِم" (٢). قال أبو عُمرَ: ومِن هذا البابِ أيضًا اختِلافُهُم في لفظِ الإيجابِ والقبُولِ، فقال مالكٌ: إذا قال: بعني سِلعتكَ بعَشْرةٍ، فقالط له: قد بعتُكَ، صحَّ البَيْعُ، ولا يحتاجُ الأوَّلُ أن يَقُولَ: قد قبِلتُ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ في البُيُوع، إلّا أنَّهُ قال في النِّكاح: إذا قال لهُ: قد زوَّجتُكَ، وقال: قد قبِلتُ. لم يصِحَّ حتَّى يقولَ المُتزوِّجُ: زوِّجني ابنتكَ، ويقول الآخرُ: قد زوَّجتُكَها، ويقول المُتزوِّجُ: قد قبِلتُ نِكاحَها (٣). وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: إذا قال: بِعْني سِلعتكَ بكذا، وقال الآخرُ: قد بعتُكَ. لم يصِحَّ، إلّا أن يقول الأوَّلُ: قد قبِلتُ. وهُو قولُ ابنِ القاسم. وذكَرَ الطَّحاويُّ (٤) عن أبي حنيفةَ وأصحابِهِ، إذا قال: زوِّجني. فقال: قد

стр. 4675

زوَّجتُكها. كان تزويجًا، ولا يحتاجُ إلى قبُولِ الزَّوج (١) بعد ذلك. قال: فرَّقُوا بين البيع والنِّكاح. وحَكَى عن الشّافِعيِّ (٢): أنَّ قولهُ في البُيُوع أيضًا، مِثلُ قولِهِ في النِّكاح، ولم يختلِف قولُهُ في النِّكاح. وقال الحسنُ بن حيٍّ (٣): إذا قال: أبيعُكَ هذا الثَّوب بثَمَنٍ ذَكَرهُ، فقال المُشتري: قد قبِلتُ. فالبائعُ بالخيارِ إن شاءَ ألزمهُ، وإن شاءَ لم يُلزِمهُ. وعن مالكٍ في هذا البابِ مسألةٌ يُخالِفُ فيها جماعةَ الفُقهاءِ، فيما ذكَرَ الطَّحاويُّ؛ قال مالكٌ، فيما ذكَرَ ابنُ القاسم عنهُ: إذا قال: بكَمْ سلعتُكَ؟ فيقولُ: مئةُ دينارٍ، فيقولُ الرَّجُلُ: قد (٤) أخذتُها، فيقولُ: لا أبيعُكَ، وقد كان أوْقَفها للبَيع، فإنَّهُ يحلِفُ بالله ما ساوَمهُ على الإيجابِ في البَيْع، ولا على الإركان (٥)، وأنه ما ساوَمَهُ إلا (٦) وهُو يُريدُ غير الرُّكُونِ، فإن حلَفَ، كان القولُ قولهُ، وإن لم يحلِفْ، لَزِمهُ. قال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٧): ما ذكَرَ ابنُ القاسم عن مالكٍ، بأنَّهُ يُصدَّقُ، أنَّهُ لم يُرِد به عقدَ بيع في الخِطابِ الذي ظاهِرُهُ البيعُ، فإنّا لم نعلم أحدًا من أهلِ العِلم قالَهُ غيرُهُ.

стр. 4676

وجائزٌ الخِيارُ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ إلى غيرِ مُدَّةٍ معلُومةٍ (١)، إذا جعلَ الخِيارَ بغيرِ مُدَّةٍ معلُومةٍ، ويجعلُ السُّلطانُ لهُ في ذلكَ من الخيارِ ما يَكُونُ في مِثلِ تلكَ السِّلعةِ. وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: إذا جُعِلَ الخيارُ بغيرِ مُدَّةٍ معلُومةٍ (٢)، فسَدَ البيعُ، كالأجلِ الفاسِدِ سَواءً، فإن أجازَهُ في الثَّلاثِ، جازَ عندَ أبي حنيفةَ، وإن لم يُجِزهُ حتَّى مَضتِ الثَّلاثُ، لم يكُن لهُ أن يُجيز (٣). وقال أبو يوسُف ومحمدٌ: لهُ أن يختارَ بعدَ الثَّلاثِ. وقياسُ قولِ الشّافِعيِّ عِندي في هذه المسألةِ، أن يكونَ البيعُ فاسِدًا، ولا يجُوزُ وإن أجازَهُ في الثَّلاثِ. وقالت طائفةٌ، منهُمُ الحسنُ بن حيٍّ وغيرُهُ: جائزٌ اشتِراطُ الخيارِ بغَيرِ مُدَّةٍ، ويكونُ الخيارُ أبدًا. وقال الطَّبريُّ: إذا لم يَضْرِب للخيارِ وقتًا معلُومًا، كان البيعُ صحيحًا، والثَّمنُ حالًّا، وكان لهُ الخيارُ في الوَقتِ، إن شاءَ أمْضَى، وإن شاءَ ردَّ. وعندَ مالكٍ والشّافِعيِّ وعُبيدِ الله بن الحسنِ: يُورَّثُ الخيارُ، ويقومُ ورَثةُ الذي لهُ الخيارُ مَقامهُ، إن مات في أيام الخيارِ. وقال الثَّوريُّ وأبو حنيفةَ: يبطُلُ الخيارُ بمَوتِ من لهُ الخيارُ، ويتِمُّ البيعُ. وعندَ مالكٍ واللَّيثِ بن سَعْدٍ والأوزاعيِّ: هلاكُ المبيع في أيامِ الخيارِ من

стр. 4677

البائع منهُ مُصيبتةٌ، والمُشْتري أمينٌ. وهُو قولُ ابنِ أبي ليلى: إذا كان الخيارُ للبائع خاصَّةً. وقال الثَّوريُّ: إذا كان الخيارُ للمُشْتري، فعليه الثَّمنُ. وقال أبو حَنِيفةَ: إن كان الخيارُ للبائع، فالمُشتري ضامِنٌ للقيمةِ، وإن كان الخيارُ للمُشْتري فعليه الثَّمنُ، وقد تمَّ البيعُ، على كلِّ حالٍ بالهلاكِ. وحَكَى الرَّبيعُ مِثل ذلك عن الشّافِعيِّ. وقال الشّافِعيُّ، فيما حَكَى المُزَنيُّ (١) عنهُ: لأيّهِما كان الخيارُ، فالمُشتري ضامِنٌ للقيمةِ إذا هلكَ في يَد بعدَ قَبضهِ لهُ. وهذا كلُّهُ على أقوالهم (٢) في هَلاكِ المَبيع بعدَ القَبْضِ عندَ المُشْتري، على ما تقدَّمَ (٣) عنهُم ذِكرُه في البابِ قبلَ هذا. فهذه أُمَّهاتُ مَسائلِ الخيارِ وأُصُولِهِ، وأمّا الفُرُوعُ في ذلكَ فلا تَكادُ تُحصىَ، وليس في مِثلِ كِتابِنا تُتقَصَّى.

стр. 4678

حديثٌ رابع عشر لنافِع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمر: أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعَثَ سريَّةً قِبلَ نَجْدٍ، فيها عبدُ الله بن عُمرَ، فغَنِمُوا إبِلًا كثيرةً (٢)، وكانت سُهمانُهُمُ اثنيْ عَشَر بَعِيرًا، أو أحَدَ عشَرَ بعيرًا، ونُفِّلُوا بَعِيرًا بعيرًا. هكذا رواهُ يحيى، عن مالكٍ، على الشكِّ في: أحدَ عشَرَ بعيرًا، أوِ اثْنَي عشَرَ بعيرًا. وتابَعهُ على ذلك جماعةُ رُواةِ "المُوطَّأ" منهُم: القَعْنبيُّ (٣)، وابنُ القاسم، وابنُ وَهْب (٤)، وابنُ بُكيرٍ، ومُطرِّفٌ وغيرُهُم، إلّا الوليد بن مُسلِمٌ، فإنَّهُ رواهُ عن مالكٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، وقال فيه: فكانت سُهمانُهُمُ اثْنَيْ عشَرَ بعيرًا، ونُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا (٥). دُون شَكٍّ. وأظُنُّهُ حَمَلهُ على رِوايةِ شُعَيبِ بن أبي حَمْزةَ لهذا الحديثِ، فإنَّهُ عندَ الوليدِ، عن شُعيبٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر: اثْنَيْ عشَرَ بعيرًا (٦). بلا شَكٍّ. فحمَلَ حديث مالكٍ على ذلك، وهُو غلطٌ منهُ، والله أعلمُ. وأمّا أصحابُ نافِع، فمِنهُم (٧) أيُّوبُ (٨)، وعُبيدُ (٩) الله، واللَّيث وغيرُهُم، فإنَّهُم قالوا: اثْنَي عشَرَ بعيرًا. بغيرِ شكٍّ، لم يشُكَّ واحدٌ منهُم في ذلكَ غير مالكٍ وحدَهُ.

стр. 4679

وذكَرَ أبو داود (١) حديث مالكٍ، عن القَعْنبيِّ، عن مالكٍ. فجمَعهُ مع حديثِ اللَّيثِ، ذكرهُ عن يزيد بن مَوْهَبٍ، عن اللَّيثِ. وعن القَعْنبيِّ، عن مالكٍ واللَّيثُ، جميعًا عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: اثْنَي عشَرَ بعيرًا. دُون شكٍّ (٢). وهذا أيضًا مِمّا حُمِلَ فيه حديثُ مالكٍ على حديثٍ اللَّيثِ، لأنَّ القَعْنبيَّ رواهُ في "المُوطَّأ" عن مالكٍ، على الشَّكِّ في اثْنَيْ عشَرَ بَعِيرًا، أو أحَدَ عشَرَ بعيرًا. كما رواهُ يحيى، وغيرُهُ، فلا أدري أمِنَ القَعْنبيِّ جاءَ هذا حينَ خَلَطَ حديثَ اللَّيثِ بحديثِ مالكٍ، أم من أبي داود؟ حدَّثنا خلفُ بن سعيدِ بن أحمد وعبدُ الله بن محمدِ بن يوسُف، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِمٌ، قال: كان مالكُ بن أنسٍ حدثنا عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، عن بَعْثةِ (٣) رسُولِ الله ﷺ إيّاهُم في سَريَّةٍ قِبَلَ نَجْدٍ، قال ابنُ عُمر: فغَنِمنا غنائم كَثِيرةً، فكانت سُهامُاننا من الجيشِ (٤) اثْنَيْ عشَرَ بعيرًا، اثْنَيْ عشَرَ بعيرًا، ونُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا (٥). وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّان الأنماطيُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِمٌ، قال: حدَّثنا شُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ، أنَّهُ سمِعَ نافِعًا، يُحدِّثُ عن

стр. 4680

ابنِ عُمرَ، قال: بعَثَ رسُولُ الله ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ أربعةَ آلافٍ. قال عبدُ الله: فاتَّبعتُ تلكَ السَّريَّةَ، فكُنتُ فيمَنْ خرَجَ فيها، فبَلَغتْ سُهمانُ الجَيْشِ اثْنَيْ عشَرَ بعيرًا، ونُفِّلَ (١) أهلُ السَّريَّةِ بَعيرًا، بَعيرًا (٢). قال الوليدُ بن مُسلِمٌ: وحدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: بَلَغت سُهمان السَّريَّةِ اثْنَيْ عشَرَ بعيرًا، ونُفِّلنا بَعِيرًا بَعِيرًا، فلم يُغيِّرهُ رسُولُ الله ﷺ . وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن نَجْدةَ، قال حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِمٌ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا موسى بن عبدِ الرَّحمنِ الأنطاكيُّ، قال: حدَّثنا مُبشِّرٌ (٤). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عوفٍ الطّائيِّ، قال: حدَّثنا الحكمُ بن نافِع؛ كلُّهُم عن شُعَيبِ بن أبي حمزةَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: بَعَثنا رسُولُ الله ﷺ في جَيْشٍ قِبَلَ نجدٍ، وانْبَعثت سريَّةٌ من الجَيشِ، فكان سُهمانُ الجَيْشِ اثْنَيْ عشَرَ بعيرًا، اثْنَي عشَرَ بعيرًا، ونُفِّلَ (٥) أهلُ السَّريَّةِ بعيرًا بعيرًا، فكانت سُهمانُهُم ثلاثةَ عشَرَ بَعيرًا.

стр. 4681

قال أبو داود (١): وحدَّثنا الوليدُ بن عُتبةَ الدِّمشقيُّ، قال: قال الوليدُ، يعني ابن مُسلِمٌ: حدَّثتُ ابن المُباركِ بهذا الحديثِ، وقلتُ: وكذا حدَّثنا ابنُ أبي فَرْوةَ، عن نافِع. فقال: لا يَعدِلُ من سمَّيتَ بمالكٍ. كذا أو نحوهُ. قال أبو عُمرَ: إنَّما قال ابنُ المُباركِ هذا القولَ، لأنَّ شُعَيبَ بن أبي حمزةَ، خالَفَ مالكًا في معنى هذا الحديثِ، لأنَّ مالكًا جعَلَ الاثنَيْ عشَرَ بعيرًا من سُهمانِ السَّريَّةِ، وذكرَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعَثَها، وأنَّ القِسْمةَ والنَّفلَ كان كلُّ ذلك لها، لا يَشْرَكُها فيه جَيْشٌ ولا غيرُهُ. وجعَلَ شُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ السَّريَّةَ مُنْبعِثةً من جَيْشٍ، وأنَّ قِسْمةَ ما غَنِمُوا كان بين أهلِ العَسْكرِ وأهل السَّريَّة (٢)، وأنَّ أهل السَّريَّةِ فُضِّلُوا على الجَيْشِ ببعيرٍ بعيرٍ، لموضِع شَخَصِهِم (٣) ونَصبِهِم. وهذا حُكمٌ آخرُ عندَ جماعةِ الفُقهاءِ. إلّا أنَّهُم لا يختلِفُونَ أنَّ كلَّ ما أصابَتهُ السَّريَّةُ، شَرِكهُم فيه أهلُ الجَيْشِ، وكذلكَ ما صارَ لأهلِ العَسْكرِ، شَرِكهُم فيه أهلُ السَّريَّةِ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُم رِدْءٌ لصاحِبِهِ، إلّا ما كان من النَّفلِ الجائزِ لأهْلِ العَسْكرِ وللسَّرايا، على حَسَبِ ما نُبيِّنُ في هذا البابِ إن شاءَ الله. وحديثُ اللَّيثِ ومالكٍ وعُبيدِ الله بن عُمر وأيُّوب، عن نافِع، يدُلُّ على أنَّ الاثنَيْ عشَرَ بعيرًا، كان سُهمان السَّريَّةِ، وأنَّهُم هُمُ الذين نُفِّلُوا مع ذلكَ بعيرًا بعيرًا. إلّا أنَّ في حديثِ اللَّيثِ دليلًا على أنَّ الأمير نفَّلهم، لِقولِهِ: فلم يُغيِّر ذلكَ رسُولُ الله ﷺ . وفي حديثِ عُبيدِ الله بن عُمرَ: فنفَّلَنا رسُولُ الله ﷺ بَعِيرًا بعيرًا.

стр. 4682

وقد يَحتمِلُ أن يكونَ قولُهُ: نفَّلَنا. بمعنى: أجازَ ذلك لنا. وذكر محمدُ بن إسحاقَ في هذا الحديثِ، أنَّ الأميرَ نفَّلَهم قبلَ القَسْم، وأنَّ رسُولَ الله ﷺ قسَمَ ذلك بينهُم، فأصابهُمُ اثنَيْ عشَرَ بعيرًا لكلِّ واحدٍ منهُم، سِوَى البَعِيرِ الذي نُفِّلُوهُ قبلُ، وهذا نَفَلٌ من رأسِ الغَنِيمةِ. وهُو خِلافُ قولِ مالكٍ. فأمّا رِوايةُ اللَّيثِ، فأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال حدَّثنا عليُّ بن عاصِم، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعَثَ سريَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فيها عبدُ الله بن عُمر، وأنَّ سُهمانهُم بَلَغتِ اثنَيْ عشَرَ بعيرًا، ونُفِّلُوا سِوَى ذلك بَعيرًا بعيرًا، فلم يُغيِّرهُ رسُولُ الله ﷺ (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا القَعْنبيُّ ويزيدُ بن مَوْهبٍ، قالا: حدَّثنا اللَّيثُ. قال أبو داود: وحدَّثنا القَعْنبيُّ، عن مالكٍ، المعنَى، عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمر: أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعثَ سَريَّةً فيها عبدُ الله بن عُمرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فغَنِمُوا إبِلًا كثيرةً، فكانت سُهمانُهُمُ اثنَيْ عشَرَ بعيرًا، ونُفِّلُوا بَعيرًا بعيرًا. زاد ابنُ مَوْهَبٍ: فلم يُغيِّرهُ رسُولُ الله ﷺ . وأمّا رِوايةُ أيُّوب، فأخبَرَنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعَثَ سريَّةً، وكُنتُ فيهم، فبلَغَ سُهمانُنا اثنَيْ عشَرَ بعيرًا، ونُفِّلنا بَعيرًا بعيرًا.

стр. 4683

وأمّا رِوايةُ عُبيدِ الله بن عُمرَ، فأخبَرَنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (١). وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ. قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدٍ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن حَمْدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي (٢)، قالا جميعًا: حدَّثنا يحيى، وهُو ابنُ سعيدٍ القطّانُ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، قال: أخبرني نافِعٌ، عن ابنِ عُمرَ، قال: بعَثَنا رسُولُ الله ﷺ في سريَّةٍ، فبلَغَتْ سُهمانُنا اثنَيْ عشَرَ بعيرًا، ونَفَّلَنا رسُولُ الله ﷺ بعيرًا بعيرًا. قال أبو داود (٣): وكذا رواهُ بُردُ بن سِنانٍ، عن نافِع، كما قال عُبيدُ الله: ونَفَّلَنا رسُولُ الله ﷺ بعيرًا بعيرًا (٤). وقال أيُّوبُ: نُفِّلنا. ولم يذكُرِ النَّبيَّ ﷺ . قال أبو عُمرَ: قد مَضَى القولُ في هذا وقد رَويناهُ (٥) من حَديثِ إسماعيلَ بن أُميَّةَ، عن نافِع، كما قال عُبيدُ الله، إلّا أنَّهُ لفظٌ اختُلِفَ فيه على إسماعيل أيضًا (٦)، فرَواهُ أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن إسماعيلَ بن أُميَّةَ وعُبيدِ الله بن عُمرَ، جميعًا، عن نافِع (٧)، عن ابنِ عُمرَ، بلفظٍ واحدٍ: ونَفَّلَنا رسُولُ الله ﷺ .

стр. 4684

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا أبو صالح محبُوبُ بن موسى الفرّاءُ، قال: حدَّثنا أبو إسحاق الفَزاريُّ، عن إسماعيل بن أُميَّةَ وعُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: بعَثَنا رسُولُ الله ﷺ في سَريَّةٍ، فبَلَغت سُهمانُنا اثنَيْ عشَرَ بعيرًا، ونَفَّلنا رسُولُ الله ﷺ بعيرًا بعيرًا (١). وحدَّثنا يَعِيشُ بن سعيدٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُسلِمٌ الطّائفيُّ (٢)، عن إسماعيلَ بن أُميَّةَ، قال: قال نافِعٌ: قال عبدُ الله بن عُمرَ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ ، بعَثَ سريَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فيهم عبدُ الله بن عُمرَ، فحدَّث عبدُ الله بن عُمرَ: أنَّ سُهمانهُم كانتِ اثنَيْ عشَرَ بعيرًا اثنَيْ عشَرَ بعيرًا، ونُفِّلُوا سِوَى ذلك بعيرًا بعيرًا (٣). وأبو إسحاقَ مع فَضْلِهِ، وأبو حُذيفةَ، يُخطِئانِ كثيرًا في الحديثِ. فأمّا محمدُ بن إسحاقَ فأوضَحَ هذا المعنى، إلّا أنَّهُ جعَلَ القاسم لهذه القِسْمةِ، رسُولَ الله ﷺ بعدَ تَنْفيلِ أميرِهِم إيّاهُمُ البَعِيرَ. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا يَعْلَى بن عُبيدٍ الطَّنافِسيُّ، قال حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: بعَثَنا رسُولُ الله ﷺ في سَريَّةٍ، فأصَبْنا نَعَمًا كثيرةً، فنُفِّلْنا بَعِيرًا بعيرًا، فلمّا قَدِمنا، أعْطانا رسُولُ الله ﷺ سُهماننا، فأصابَ كلُّ واحدٍ

стр. 4685

مِنّا اثنَيْ عشَرَ بَعِيرًا، سِوَى البَعِيرِ الذي نُفِّلَ، فما عابَ رسُولُ الله ﷺ ما صَنَعنا، ولا على الذي أعْطانا (١). وأخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا هنّادُ بن السَّريِّ، قال: حدَّثنا عَبْدةُ بن سُليمان، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: بعَثَ رسُولُ الله ﷺ سريَّةً إلى نَجْدٍ، فخرَجتُ معَها، فأصَبْنا نَعَمًا كثيرةً، فنَفَّلنا أميرُنا بعيرًا بعيرًا، لكلِّ إنسانٍ. قال: ثُمَّ قَدِمنا على رسُولِ الله ﷺ ، فقَسَمَ بَيْننا غَنِيمَتَنا، فأصابَ كُلُّ إنسانٍ مِنّا اثنَيْ عشَرَ بعيرًا بعدَ الخُمسِ، وما حاسَبَنا رسُولُ الله ﷺ بالذي أعْطانا صاحِبُنا، ولا عابَ عليه ما صنَعَ، فكان لكلِّ واحدٍ مِنّا ثَلاثةَ عشَرَ بعيرًا بنَفْلِهِ. قال أبو عُمرَ: ظاهِرُ هذه الرِّواياتِ كلِّها عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَة أنَّ سُهمانهُم وقِسمَتَهُم ونَفْلَهُم كان من أميرِهِم، وأنَّهُ نفَّلهم بعد القِسْمةِ، وهذا يُوجِبُ أن يكونَ النَّفلُ من الخُمسِ، على هذا يتَّفِقُ ظاهِرُ معنى هذا (٣) الحديثِ في رِوايةِ مالكٍ، واللَّيثِ، وشُعَيبِ بن أبي حَمْزةَ، وإسماعيلَ بن أُميَّةَ، وعُبيدِ الله بن عُمر، وأيُّوبَ السَّخْتيانيِّ. وخالَفهُم محمدُ بن إسحاقَ، فجعَلَ النَّفل من رأسِ الغَنِيمةِ، ثُمَّ جعَلَ القِسمةَ بعدُ، وقولُ هؤُلاءِ أولَى من قولِ محمدِ بن إسحاقَ، لأنَّهُم جماعةٌ حُفّاظٍ. واتَّفقَ هؤُلاءِ كلُّهُم على أنَّ الذي حصَلَ في السُّهمانِ لأهلِ السَّريَّةِ سِوَى البَعيرِ الذي نُفِّلُوا، اثْنا عشَرَ بعيرًا، لم يَشُكَّ في ذلك أحدٌ من الرُّواةِ عن نافِع، غير مالكٍ وحدَهُ.

стр. 4686

وكذلك اتَّفقُوا كلُّهُم عن نافِع في هذا الحديثِ، على أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعَثَ السَّريَّةَ، وأنَّ سُهمان أهلِ السَّريَّةِ، هي السُّهمانُ المذكُورةُ في هذا الحديثِ، وأنَّهُم نُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا مع ذلك. حاشا شُعَيبِ بن أبي حمزةَ وحدَهُ، فإنَّهُ انفردَ بأن قال: بعَثَ رسُولُ الله ﷺ جَيْشًا قِبَلَ نَجْدٍ، فانْبَعثت منهُ هذه السَّريَّةُ. فجعَلَ السَّريَّةَ خارِجةً من العسكرِ، وليس ذلك في حديثِ غير، وإنَّما قال غيرُهُ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ بعَثَ سريَّةً. وبيَّن الوليدُ بن مُسلِم هذا المعنى عن شُعَيبٍ، فقال في حديثهِ هذا: بعَثَ رسُولُ الله ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ أربعةَ آلافٍ، فانْبَعثت منهُ هذه السَّريَّةُ. وقال شُعيبٌ أيضًا: إنَّ سُهمان ذلكَ الجيشِ كان اثنَيْ عشَرَ بعيرًا، اثني عشَر بعيرًا، ونُفِّلَ أهلُ السَّريَّةَ خاصَّةً بعيرًا بعيرًا. وهذا لم يقُلهُ غيرُهُ، وإن كان المعنى فيه صحيحًا، لأنَّهُ (١) لا يختلِفُ العُلماءُ أنَّ السَّريَّةَ إذا خَرَجت (٢) من العَسْكرِ فغَنِمت، أنَّ أهل العَسْكرِ شُركاؤُهُم فيها، إلّا أنَّ هذه مَسْألةٌ وحُكمٌ لم يذكُرهُ في هذا الحديثِ غيرُ شُعَيبِ بن أبي حمزةَ، عن نافِع، إلى ما انفردَ به شُعيبٌ أيضًا، من أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعَثَ جيشًا، فانْبَعثَتْ منهُ تلكَ السَّريَّةُ. ولم يذكُرِ الإذنَ لها، ولهذا، والله أعلمُ قال ابنُ المُباركِ للوليدِ بن مُسلِم: إنَّ شُعيبًا هذا ومن ذُكِرَ مَعهُ، يعني ابن أبي (٣) فَرْوةَ (٤)، لا يُعدَلُ بمالكِ بن أنَس. وصدقَ ابنُ المُباركِ. قال أبو عُمرَ: فهذا تمهيدُ نَقْلِ هذا الحديثِ، وتهذيبُ إسنادِهِ وألفاظِهِ.

стр. 4687

وأمّا مَعانيهِ، فإنَّ فيه من الفِقهِ: إرسالَ (١) السَّرايا إلى أرضِ العدُوِّ، وذلك عندَ أهلِ العِلْم مردُودٌ إلى إذْنِ الإمام واجْتِهادِهِ، على قَدْرِ ما يعلمُ من قُوَّةِ العَدُوِّ وضعفِهِ. وفيه: أنَّ ما يَحصُلُ عليه المُسلِمُون ويُفيدُونَهُ من أموالِ العدُوِّ، يُسمَّى غَنِيمةً، وفي هذا ومِثلِهِ قال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٤١]. وفيه: أنَّ ما غَنِمهُ المُسلِمُونَ من أموالِ المُشْرِكينَ يُقْسَمُ بينهُم بعدَ إخراج خُمُسِهِ سُهمانًا، وما حصَلَ من ذلك بأيديهِم، فهُو مالٌ من أموالِهم، من أطْيَبِ كسبِهِم، إذا سلِمَ من الغُلُولِ، وأُخرِجَ خُمُسِه (٢). وفي قولِ الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ دليلٌ على أنَّ أربعةَ أخْماسِ الغَنائم لأهْلِها الغانِمين لها، والمُوجِفينَ (٣) عليها بالخيلِ (٤) والرِّكاب والرَّجْلِ، لأنَّ الله لمّا أضافَ الغَنِيمةَ إليهم بقولِهِ: ﴿غَنِمْتُمْ﴾، وأخبَرَ أنَّ الخُمسَ خارِجٌ عنهُم لمن سَمَّى في الآيةِ، علِمَ العُلماءُ استِدلالًا ونَظَرًا صحيحًا، أنَّ الأربعةَ الأخْماسِ المسكُوتِ عنها لهم، وأنَّها (٥) مقسُومةٌ بينهُم، وهذا ما لا خِلافَ فيه، ألا ترَى إلى قولِ الله : ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فلمّا جعَلَ الأبوَينِ الوارثينِ، وأخبَرَ أنَّ للأُمِّ الثُّلُث، اسْتَغْنى عن أن يقول: وللأبِ الثُّلُثانِ.

стр. 4688

وفيه: أنَّ للإمام، وللأميرِ على الجَيْشِ، أن يُنفِّلَ من الغَنائم ما شاءَ، على قَدْرِ اجتِهادِهِ. وفي رِوايةِ مالكٍ وغيرِهِ مِمَّن تابَعهُ على هذا الحديثِ، ما يدُلُّ على أنَّ النَّفلَ لم يكُن من رأسِ الغَنِيمةِ، وإنَّما كان من الخُمُسِ. وفي رِوايةِ محمدِ بن إسحاقَ، ما يدُلُّ على أنَّ ذلك كان من رأسِ الغَنيمةِ، ومالك (١) أثبت وأحفظ وقد تابعه حُفّاظ أئمة الحديث، والقلب يسكن إلى روايتهم. وهذا موضِعٌ اختَلَف فيه العُلماءُ، وتنازَعُوا قديمًا وحديثًا (٢). والنَّفلُ يكونُ على ثلاثةِ أوجُهٍ: أحَدُها أن يُريد الإمامُ تَفْضيلَ بعضِ الجيشِ، لشيءٍ يَراهُ من غَنائهِ (٣) وبأسِهِ وبلائهِ، أو لمكرُوهٍ تَحمَّلهُ دُونَ سائرِ الجَيْشِ، فيُنَفِّلهُ من الخُمُسِ، لا من رأسِ الغَنيمةِ، أويجعلُ لهُ سَلَب قتيلِهِ. وسيأتي القولُ في سَلَبِ القتيلِ، في بابِ يحيى بن سعيدٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. والوَجْهُ الآخرُ: أنَّ الإمامَ إذا بعَثَ سريَّةً من العَسْكرِ، فأرادَ أن يُنَفِّلها مِمّا غَنِمَت دُونَ أهلِ العَسْكرِ، فحقُّهُ أن يُخمِّس ما غَنِمت، ثُمَّ يُعطي السَّريَّةَ مِمّا بَقِي بعد الخُمُسِ ما شاءَ، رُبعًا، أو ثُلُثًا، ولا يزيدُ على الثُّلُثِ، لأنَّهُ أقْصىَ ما رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَفَّلهُ، ويَقْسِمَ الباقي بين جَميع أهلِ العَسْكرِ، وبين السَّريَّةِ على السَّويَّةِ، للفارِسِ ثلاثةُ أسهُم، وللرّاجِلِ سَهْمٌ واحدٌ.

стр. 4689

والوجهُ الثّالثُ: أن يُحرَّضَ الإمامُ، أو أميرُ الجَيْشِ أهل العَسْكرِ على القِتالِ قَبْل لقاءِ العدُوِّ، ويُنفِّل جميعهُم مِمّا يصيرُ بأيديهِم، ويفتحهُ الله عليهم: الرُّبُع، أوِ الثلُثَ قبلَ القَسْم، تحريضًا منهُ على القِتالِ. وهذا الوجهُ كان مالكٌ يَكْرهُهُ ولا يراهُ. وكان يقولُ: قِتالُهُم على هذا الوجهِ، إنَّما يكونُ للدُّنيا (١). وكان يكرَهُ ذلك ولا يُجيزُهُ، وأجازَهُ جماعةٌ من أهلِ العِلم. وأمّا اختِلافُهُم في هذا البابِ، فإنَّ جُملةَ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ: أن لا نفلَ إلّا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمةِ، ولا نفلَ إلّا من الخُمُسِ، والنَّفلُ عندَهُم أن يقولَ الإمامُ: من قتَلَ قتيلًا فلَهُ سلَبُهُ. قال مالكٌ: ولم يقُلها رسُولُ الله ﷺ إلّا بعدَ أن بَرَدَ القِتالُ. وكرِهَ مالكٌ أن يُقاتِلَ أحدٌ على أنَّ لهُ كذا (٢). ومِن الحُجَّةِ لمالكٍ في ذلك، ما رَواهُ عليُّ بنُ المدينيِّ، وابنُ أبي شيبةَ، عن زيدِ بن الحُبابِ، عن رَجاءِ بن أبي سَلَمةَ، قال: سمِعتُ عَمرو بن شُعيبٍ يُحدِّثُ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، قال: لا نفلَ بعدَ رسُولِ الله ﷺ ، يَرُدُّ قويُّ المُسلِمينَ على ضعيفهِم. قال رجاءٌ (٣): سَمِعْتُ سُليمان بن موسى الدِّمشقيَّ، وهُو معنا جالِسٌ يقولُ: سَمِعتُ مكحُولًا يقولُ، عن زيادِ (٤) بن جاريةَ، عن حَبيبِ بن مَسْلَمةَ (٥):

стр. 4690

أنَّ رسُولَ الله ﷺ نفَّل في البَداءةِ الرُّبُع، وحينَ قفَلَ الثُّلُث. فقال عَمرُو بن شُعيب: تُراني أحدِّثُكَ عن أبي، عن جدِّي، وتُحدِّثُني عن مَكْحُول (١). ففي حديثِ عَمرِو بن شُعَيبٍ هذا: أن لا نفلَ، ليرُدَّ قَويُّ المُسلِمينَ على ضعيفِهِم. وهُو حُجَّةٌ لمالكٍ، وأمّا السَّلَبُ بعدَ أن يبرُد القِتالُ، فمَخصوصٌ (٢) ومعمُولٌ به، لما فيه من حَديثِ أبي قَتادةَ (٣) وغيم، والله أعلمُ. ورأى مالكٌ ﵀ تَنْفيلَ السَّلَبِ من الخُمُسِ (٤)، لأنَّ الخُمُسَ مردُودٌ قِسْمتُهُ عندَهُ إلى اجتِهادِ الإمام، وأهلُهُ غيرُ مُعيَّنين، ولم يَرَ النَّفلَ من رأسِ الغَنِيمةِ، لأنَّ أهلها مُعيَّنُونَ، وهُمُ الموجِفُونَ. وقال الشّافِعيُّ: جائزٌ للإمام أن يُنَفِّلَ قبلَ إحْرازِ الغَنيمةِ وبَعْدها، على وَجْهِ الاجتِهاد (٥). قال الشّافِعيُّ: وليسَ في النَّفلِ حَدٌّ. قال: وقد رَوَى بعضُ الشّاميِّينَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نفَّلَ في البَداءةِ والرَّجْعةِ الثُّلُث في واحدةٍ، والرُّبُع في الأُخْرَى. وقال: في رِوايةِ ابنِ عُمرَ ما يدُلُّ على أنَّهُ نفَّلَ نِصفَ السُّدُسِ. قال: فهذا يدُلُّ على أنَّهُ ليسَ للنَّفلِ حَدٌّ لا يَتَجاوزُهُ الإمامُ، وأكثرُ مَغازي رسُولِ الله ﷺ لم يَكُن فيها إنفالٌ، قال: فيَنْبغي أن يكونَ ذلكَ على الاجتِهادِ من الإمام غير محدُود (٦).

стр. 4691

قال الشّافِعيُّ (١): وحديثُ ابنِ عُمرَ يدُلُّ على أنَّهُم أُعطُوا في سُهمانِهِم ما يجِبُ لهم مِمّا أصابُوا، ثُمَّ نُفِّلُوا بَعِيرًا بعيرًا، والنَّفلُ هُو شيءٌ زيدُوهُ غيرُ الذي كان لهم. قال (٢): وقولُ سعيدِ بن المُسيِّبِ: كان النّاسُ يُعطَونَ النَّفل من الخُمُس (٣). كما قال، وذلك من خُمُسِ الخُمُسِ، سَهمُ النَّبيِّ ﷺ . قال: وأمّا السَّلَبُ فيَخرُجُ من رأسِ الغَنيمةِ قبلَ أن يُخمَّسَ. وكان أبو عُبيدٍ القاسمُ بن سلّام يقولُ في حديثِ ابنِ عُمر هذا: النَّفلُ الذي ذكرَهُ بعد السِّهام، ليسَ لهُ وجهٌ، إلّا أن يكون من الخُمُس (٤). وقال غيرُهُ: النَّفلُ الذي في خَبرِ ابنِ عُمر، إنَّما هُو تَنْفيلُ السَّرايا، كان النَّبيُّ ﷺ يُنَفِّلُ في البَداءةِ الثُّلُث والرُّبُع، الذي كان يُنفِّلُ في القُفُولِ. قال أبو عُمرَ: هذا يُخرَّجُ على رِوايةِ محمدِ بن إسحاقَ نصًّا، دُونَ غيرِهِ، من رُواةِ نافِع، وقد يُخرَّجُ تأويلًا من رِوايةِ شُعَيب، والحديثُ الذي ذكَرَ هذا القائلُ، قد زعَمَ عليُّ بنُ المدينيِّ، أنَّ الصَّحيح فيه: أنَّهُ نفَّلَ في البداءةِ الرُّبُع، وفي القَفْلةِ الثُّلُثُ. وضعَّفَ رِوايةَ من رَوَى في هذا الحديثِ عن مَكْحُول، عن زيادِ بن جاريةَ، عن حَبيبِ بن مَسْلمةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نفَّلَ الثُّلُث في بَدَأتِه (٥).

стр. 4692

وقال أبو ثَوْرٍ، وذكَرَ نفلَ النَّبيِّ ﷺ في البَداءةِ والرُّجُوع، وحديثُ ابنِ عُمرَ هذا، ثُمَّ قال: وإنَّما النَّفلُ قبلَ الخُمُس (١). وقال الأوزاعيُّ وأحمدُ بن حَنْبل: جائزٌ للإمام أن يُنفِّلَ في البَداءةِ الرُّبُع بعدَ الخمُسَ، وفي الرَّجعةِ الثُّلثُ بعدَ الخُمُسِ. وهُو قولُ الحَسنِ البصريِّ (٢)، وجَماعةٍ. وقال النَّخعيُّ: كان الإمامُ يُنفِّلُ السَّريَّةَ (٣) الثُّلُث والرُّبُع، يُضَرِّيهِم (٤)، أو قال: يُحرِّضُهُم بذلكَ على القِتال (٥). وقال مَكْحُولٌ والأوزاعيُّ: لا يُنفِّلُ بأكثرَ من الثُّلثِ. وهُو قولُ الجُمهُورِ من العُلماءِ: لا نفلَ أكثرُ من الثُّلثِ. وقال الأوزاعيُّ: فإن زادَهُم على ذلك فلْيَفِ لهم به، ويجعل ذلك من الخُمُس. وقال الثَّوريُّ في أميرٍ أغارَ، فقال: من أخذَ شيئًا، فهُو لهُ. هو (٦) كما قال، ولا بأسَ أن يقول الإمامُ: من جاءَ برأسٍ، فلهُ كذا، ومن جاءَ بأسيرٍ (٧) فلهُ كذا، يُضَرِّيهِم. قال الحسنُ البصريُّ ﵀: ما نفَّل الإمامُ، فهُو جائزٌ (٨). ورُوِيَ عن عُمرَ بن الخطّابِ، أنَّهُ قالَ لجريرِ بن عبدِ الله البَجَليِّ لمّا قدِمَ

стр. 4693

عليه في قَومِهِ، وهُو يُريدُ الشّام: هل لكَ أن تأتي الكُوفةَ، ولكَ الثُّلُثُ بعد الخُمُسِ من كلِّ أرْضٍ وشيء (١). وقال جماعةُ فُقهاءِ الشّام، منهُم: رجاءُ بن حَيْوةَ، وعُبادةُ بن نُسَيٍّ، وعديُّ بن عديٍّ، ومكحُولٌ، والقاسمُ بن عبدِ الرَّحمنِ، ويزيدُ بن أبي مالكٍ، ويحيى بن جابرٍ، والأوزاعيُّ، قالوا: الخُمُسُ من جُملةِ الغَييمةِ، والنَّفلُ من بعدِ الخُمُسِ، ثُمَّ الغَنِيمةُ بين أهلِ العَسْكرِ بعد ذلك (٢). وهُو قولُ إسحاق بن راهوية، وأحمد بن حَنْبل، وأبي عُبيدٍ. قال أبو عُبَيدٍ: والنّاسُ اليومَ على أن لا نَفْلَ من جُملةِ الغَنِيمةِ حتَّى تُخمَّس. وقال إبراهيمُ النَّخعيُّ وطائفةٌ: إن شاءَ الإمامُ نفَّلهم قبلَ الخُمُسِ، وإن شاءَ بعد الخُمُس (٣). وكان سعيدُ بن المُسيِّبِ يقولُ: لا تكونُ الأنفالُ إلّا في الخُمُسِ. وقد رُوِيَ عنهُ: أنَّ ذلك في خُمُسِ الخُمُس (٤). وقال مالكٌ عنهُ (٥): إنَّ النَّفل من الخُمُس (٦). وقال محمدُ بن جريرٍ: لا نفلَ إلّا بعدَ إخراج الخُمُسِ منهُ، على حديثِ حبيبِ بن مَسْلمةَ (٧).

стр. 4694

قال: وكلُّ ما وقعَ عليه اسمُ غنيمةٍ خُمسَ إلّا السَّلَب، فإنَّهُ خرجَ بما يجِبُ التَّسليمُ لهُ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ. واحتجُّوا أيضًا مع حديثِ ابنِ مَسْلمةَ، بحديثِ مَعْنِ بن يزيد السُّلميِّ، قال: سمِعتُ رسُول الله ﷺ يقولُ: "لا نَفْلَ إلّا بعدَ الخُمُسِ" (١). قال محمدُ بن جريرٍ: ولا نفلَ بعد إحرازِ الغَنيمةِ، إلّا من سَهْم النَّبيِّ ﵇، لأنَّهُ مُحالٌ أن يُنفَّلَ من أموالِ المُوجِفينَ، أو من سَهْم ذي القُربَى واليَتامى والمساكينِ وابنِ السَّبيلِ. قال: وإنَّما النَّفلُ قبلَ الغَنيمةِ، وذلك أن يَرَى الإمامُ من المُسلِمين ضعفًا، ومِن المُشرِكينَ نشاطًا، وهُو مُحاصِرٌ حِصنًا، فيُحرِّضُ من مَعهُ على عدُوِّهِم، فيقولُ: من طلَعَ إلى الحِصْنِ، أو هَدَمَ هذا السُّور، أو دخلَ هذا النَّقْب، أو فعلَ كذا، فلهُ كذا وكذا. على ما كان من قولِهِ ﷺ يوم بدرٍ وغير بدرٍ، إغراءً منهُ بالعدُوِّ. وقال: والسَّلَبُ غيرُ النَّفلِ. قال أبو عُمرَ: سيأتي القولُ في السَّلَبِ وحُكْمِهِ، وهل يُخمَّسُ أم لا؟ في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا، عندَ ذِكرِ حديثِ أبي قَتادةَ (٢) في ذلكَ، في بابِ يحيى بن سَعيدٍ، إن شاءَ الله. واختلَفَ العُلماءُ أيضًا في النَّفلِ في أوَّلِ مَغْنم، وفي النَّفلِ في العَيْنِ من الذَّهَبِ والفِضَّة (٣)، فذهَبَ الشّاميُّون إلى أن لا نفلَ في أوَّلِ مَغْنم. رُوي ذلك عن رَجاءِ بن حَيْوةَ، وعُبادةَ بن نُسيٍّ، وعديِّ بن عديٍّ الكِنْديٍّ، ومَكْحُولٍ،

стр. 4695

وسُليمان بن موسى، ويزيد بن يزيد بن جابرٍ، ويحيى بن جابرٍ، والقاسم بن (١) عبدِ الرَّحمنِ، ويزيد بن أبي مالكٍ، والمُتوكِّلِ بن اللَّيثِ، وأبي عُيَينةَ المُحارِبيِّ (٢). وقال الأوزاعيُّ: السُّنَّةُ عندَنا: أن لا نفلَ في ذهَبٍ، ولا فِضَّةٍ، ولا لُؤلُؤٍ، ولا في أوَّلِ غَنيمةٍ (٣) ولا في سَلَبٍ، ولا في يوم هَزِيمةٍ، ولا في وَقْتِ فتح. ومِمَّن قال: لا نفلَ في العينِ المعلُومةِ، الذَّهَبُ والفِضَّةُ: سُليمانُ بن موسى والأوزاعيُّ، وسعيدُ بن عبدِ العزيزِ، وعبدُ الرَّحمنِ بن يزيد بن جابر (٤). وقال سليمانُ بن موسى: لا نفلَ في أوَّلِ شيءٍ يُصابُ من المَغْنم. وأنكرَ أحمدُ بن حَنْبل هذا، وقال: النَّفلُ يكونُ من كلِّ شيءٍ. وبه قال إسحاقُ. قال أبو عُمرَ: لا فرقَ عندَ جماعةِ فُقهاءِ الأمصارِ، وأهلِ النَّظرِ والأثَرِ بينَ أوَّلِ مغنم وغير، وجائزٌ للإمام أن يُنفِّلَ من العينِ وغيرِها، على قدرِ اجتِهادِهِ، ولا حُجَّةَ لمن جعلَ ذلك في أوَّلِ مَغْنم، أو نَفاهُ عن أوَّلِ مَغْنم، إلّا التَّحكُّم، وليسَ قولُهُ في ذلك بشيءٍ. وأمّا قولُهُ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٤١] فجعلَ الخُمُس لمن سمَّى فيها، وجعلَ الأربعةَ أخماسٍ للمُوجِفينَ، فإنَّ العُلماءَ وإنِ اختلفُوا في تفصيلِ معاني هذه الآيةِ، وقَسْم الخُمُسِ فيها، وحُكم الأنفالِ، على حسَبِ ما ذكَرْنا، فإنَّهُم لم يختلِفُوا في أنَّ الآيةَ ليست على ظاهِرِها، وأنَّها يدخُلُها الخُصُوصُ، فمِمّا خَصُّوها به بإجماع، أن قالوا: سَلَبُ المقتُولِ لقاتِلِهِ، إذا نادَى الإمامُ بذلك. ومنهُم من يجعلُ السَّلَب للقاتِلِ على كلِّ حالٍ، نادَى الإمامُ

стр. 4696

به أو لم يُنادِ، لا يَشْرَكُهُ فيه غيرُهُ من المُوجِفينَ، ولا يُخَمَّسُ (١) السَّلبُ عندَ أكثرِهِم، وسَنُبيِّنُ ذلكَ ووُجُوههُ في بابِ يحيى بن سَعيدٍ، إن شاءَ الله. ومعلُومٌ أنَّ السَّلَبَ من الغَنِيمةِ، فدلَّ ما ذكَرْنا عنهُم، أَنَّهُ مخصُوصٌ عندَهُم من جُملةِ ما غَنِمُوا. ومن ذلك أيضًا النَّفلُ، قد أجمعُوا أنَّ الآيةَ مخصُوصةٌ بما فعلَ رسُولُ ﷺ من الأنفالِ في غَزَواتِهِ، إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا، فقال قائلُون: الأنفالُ من الخُمُسِ، لأنَّ المُوجِفينَ قدِ اسْتَحقُّوا الأربعةَ أخماسٍ. وهذا قولُ مالكٍ وغيرِه (٢). قالوا: لا يكونُ النَّفلُ من رأسِ الغَنِيمةِ، ولا قبلَ القِتالِ، لأنَّهُ قِتالٌ على الدُّنيا. قالوا: وإذا كان من رأسِ الغَنيمةِ، كان من مالِ المُوجِفينَ وأهلِ الخُمُسِ جميعًا. وقال آخرُونَ: لا يكونُ النَّفلُ إلّا من خُمُسِ الخُمُسِ، سَهْمِ النَّبيِّ ﵇، وهذا مذهبُ الشّافِعيِّ (٣) وجماعةٍ، ذَهبُوا إلى أنَّ الخُمُس مَقْسُومٌ على خَمْسةِ أسهُم، أحدُها خُمُسُ النَّبيِّ ﷺ . وقال آخرُونَ: لا نفلَ إلّا من رأسِ الغَنِيمةِ قبلَ أن تُحرَز الغَنيمةُ، فإذا أُحْرِزتِ اسْتَحقَّها أهلُها المُوجِفُونَ وأهلُ الخُمُسِ، وهُو قولُ الكُوفيِّين وجَماعةٍ قد ذكَرْناهُم. وقال آخرُونَ: النَّفلُ جائزٌ قبلَ إحْرازِ الغَنِيمةِ وبَعْدها، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد فعَلَ ذلك كلَّهُ، وأجازَهُ (٤) لمن فَعلهُ، وثبتَ ذلك عنهُ.

стр. 4697

وممَّن قال بهذا: الأوزاعيُّ، والشّافِعيُّ (١)، وجماعةٌ من الشّاميِّين والعِراقيِّينَ. ومِن ذلك أيضًا: الأرضُ، واختِلافُهُم فيها، وفي قِسْمتِها، وتَوْقيفِها. وقد ذكَرْنا ذلك في بابِ ابنِ شِهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا. وهذا كلُّهُ مِنِ اختِلافِهِم فيما ذكَرْنا، إجماعٌ منهُم على أنَّ الآيةَ مخصُوصةٌ، فيها ضَميرُ الأنفالِ، وأنَّها مردُودةٌ إلى الإمام على اجتِهاد، فإن شاءَ نفَّلَ قبلُ، وإن شاءَ بعدُ على قَدرِ ما يَراهُ من الاجتِهادِ للمُسلِمين. والسَّلبُ من النَّفلِ، عندَ جميعِهِم، كما قال ابنُ عبّاس (٢). قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١]. وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ النَّفلَ يجتهِدُ فيه الإمامُ على حسَبِ ما ثبَتَ من أفعالِ النَّبيِّ ﷺ في ذلك، والله أعلمُ. رَوَى الثَّوريُّ وعبدُ الله (٣) بن جعفرِ بن نجيح وجماعةٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِت بن عبدِ الله بن عيّاشِ بن أبي رَبيعةَ، عن سُليمان بن موسى الأشْدَقِ، عن مَكْحُولٍ، عن أبي سلّام الباهِليِّ، عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ صاحِبِ النَّبيِّ ﷺ ، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ قال: خرجَ رسُولُ الله ﷺ إلى بَدْرٍ، فلقِيَ العدُوَّ، فلمّا هَزَمهُمُ الله، اتَّبَعتهُم (٤) طائفةٌ من المُسلِمينَ تُقاتِلُهُم، وأحْدَقت طائفةٌ برسُولِ الله ﷺ ،

стр. 4698

واستَولَتْ طائفةٌ على العَسْكرِ والنَّهبِ، فلمّا نَفَى اللهُ العدُوَّ، ورجَعَ الذين طلبُوهُم، قالوا: لنا النَّفلُ، نحنُ طلَبْنا العدُوَّ، وبِنا نفاهُمُ الله وهَزمهُم. وقال الذين أحْدَقُوا برسُولِ الله ﷺ : ما أنتُم بأحقَّ مِنّا، بل هُو لنا، نحنُ أحْدَقنا برسُولِ الله ﷺ ، لا ينالُ العدُوُّ منهُ غِرَّةً. وقال آخرونَ اسْتَولوا على العَسْكرِ والنَّهبِ: والله ما أنتُم بأحقَّ به مِنّا، بل هُو لنا، نحنُ أخذناهُ واسْتَولينا عليه. فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]، فقَسَمهُ رسُولُ الله ﷺ بينهُم (١). قال أبو عُمرَ: لا يختلِفُ العُلماءُ، أنَّ بعدَ هذا نزلَت: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٤١] فأحكَمَ الله أمْرَ الغَنِيمةَ، وبيَّنَ رسُولُ الله ﷺ المُرادَ بما نصَّ به في السَّلَبِ وغيرِهِ، وإنَّما جاءَ اختِلافُ العُلماءِ في هذا البابِ على حَسَبِ ما روَوْا فيه، والله أعلمُ. وأمّا حديثُ ابنِ عُمرَ المذكُورُ في هذا البابِ، فلا يحتمِلُ تأويلًا، ولا لهُ إلّا وجهٌ واحدٌ، وذلك أنَّهُم نُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا بعد سُهمانِهِم، فدلَّ على أنَّ ذلك من غيرِ سُهمانُهُم، ولا موضِعَ لغيرِ السُّهمانِ إلّا الخُمُسُ، على رِوايةِ أكثرِ أصحابِ نافِع لهذا الحديثِ، لا على رِوايةِ ابن إسحاقَ. ومِمّا احتجَّ به من رأى النَّفل من الخُمُسِ، لا من رأسِ الغَنيمةِ، حديثُ مُعاويةَ مع عُبادةَ بن الصّامِتِ، وذلك أنَّ مُعاويةَ لمّا غَزا عام المضيقِ (٢) فغنِمَ،

стр. 4699

أرسلَ إلى عُبادةَ بن الصّامِتِ ببِرْذَونٍ (١) من المَغنم، فردَّهُ عُبادةُ: فقال لهُ مُعاويةُ: ما أنتَ وذلك (٢)؟ قال عُبادةُ: إنَّك لم تكُن مَعَنا في غَزْوةِ كذا وكذا، إذ جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسُولَ الله أعْطِني عِقالًا، فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "لا طاقَةَ لك بعِقالٍ من نارٍ، ولكِن إذا خمَّسنا فتعالَ أُعطِكَ" (٣). قالوا: فهذا نصٌ على أنَّ النَّفلَ لا يكونُ من رأسِ الغَنِيمةِ. وقال غيرُهُم: يحتمِلُ أن يكونَ من سِهام المُوجِفينَ، ويحتمِلُ أن يكونَ من الخُمُسِ، يكونُ من أحدِهِما، وأيِّهِما كان فمعلُومٌ أهلُهُ، وإذا جازَ أن يكونَ من الخُمُسِ، والخُمُسُ لأهلِهِ، جازَ أن يكونَ من سِهام المُوجِفينَ، وإن لم يكُن من (٤) رأسِ الغَنيمةِ. واحتجُّوا أيضًا بحديثِ محمدِ بن سيرين: أنَّ أنسَ بن مالكٍ كان مع عُبيدِ الله بن أبي بَكْرةَ في غَزاةٍ، فأصابُوا سَبْيًا (٥)، فأرادَ عُبيدُ الله أن يُعطِيَ أنسًا من السَّبيِ (٦) قبلَ أن يُقسَمَ، قال أنسٌ: لا، ولكِنِ اقْسِم، ثُمَّ أعْطِني من الخُمُسِ. فقال عُبيدُ الله: لا، إلّا من جَميع الغَنائم. فأبَى أنسٌ أن يقبَلَ، وأبى عُبيدُ الله أن يُعطِيهُ من الخُمُس (٧).

стр. 4700

وهذا عن (١) أنسٍ بحَضْرةِ جُلَّةٍ من العُلماءِ، ورُبَّما كان هُناكَ غيرُهُ من الصَّحابةِ، ولم يُرْوَ عن واحدٍ منهُم نَكيرٌ لذلك، فهذا الاختِلافُ قَدِيم في هذا البابِ، وبالله التَّوفيقُ، وحَسْبُك بقولِ سعيدِ بن المُسيِّبِ: كان النّاسُ يُعطَوْنَ النَّفل من الخُمُس (٢). وأمّا حديثُ حَبِيبِ بن مَسْلمةَ الذي احتجَّ به من جعَلَ النَّفل من غيرِ الخُمُسِ، وجعَلهُ من رأسِ الغَنِيمةِ قبلَ إحرازِها. فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، عن العَلاءِ، عن مَكْحُولٍ، عن زيادِ بن جاريةَ، عن حَبِيبِ بن مَسْلمةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ نفَّلَ الرُّبُع بعدَ الخُمُسِ في البَدَأةِ، ونفَّلَ الثُّلُث بعدَ الخُمُسِ في الرَّجعَة (٣). ففي هذا الحديثِ: أنَّ النَّفلَ كان من غيرِ الخُمُسِ، والله أعلمُ. قال أبو عُمرَ: كان أعدَلُ الأقاويلِ عِندِي، والله أعلمُ، في هذا البابِ، أن يكونَ النَّفلُ من خُمُسِ الخُمُسِ، سَهْم النَّبيِّ ﷺ ، لولا أنَّ في حديثِ ابنِ عُمرَ هذا، ما يدُلُّ على أنَّهُ لم يكُن ذلكَ من خُمُسِ الخُمُسِ، وذلكَ أن تُنزَّلَ تلكَ السَّريَّةُ على أنَّهُم كانوا عَشْرةً مِثالًا، ومعلُومٌ أنَّكَ إذا عرفتَ ما للعشرةِ، عرفتَ ما للمئةِ،

стр. 4701

وما للألفِ، وأزيَدَ، فمِثالُ ذلك، أن تكونَ السَّريَّةُ عشرةً، أصابُوا في غَنيمتِهِم مئةً وخمسينَ بعيرًا، خرج منها خُمُسُها ثلاثُونَ بعيرًا، وصارَ لهم مئةٌ وعِشرُونَ، قُسِّمت على عَشْرةٍ، وجبَ لكلِّ واحدٍ اثْنا عشَرَ، اثنا عشَرَ بعيرًا، ثُمَّ أُعطِيَ القومُ من الخُمُسِ بعيرًا بعيرًا، فهذا على مذهَبِ من قال: النَّفلُ من جُملةِ الخُمُسِ، لأنَّ خُمُس الثلاثين لا يكونُ فيه عشرَةُ أبعِرةٍ. وقد يحتجُّ من قال: إنَّ ذلك يحتمِلُ أن يكونَ من خُمُسِ الخُمُسِ، بأن يقولَ: جائزٌ أن يكونَ هُناك ثيابٌ ومَتاعٌ غير الإبِلِ، فأعطِيَ من لم يبلُغهُ البَعِيرُ قيمةَ البَعيرِ من غيرِ ذلك من العُرُوضِ. ومِن حُجَّةِ الشّافِعيِّ ومن قال بقولِهِ: إنَّ النَّفلَ لا يكونُ إلّا من خُمُسِ الخُمُسِ، سهم النَّبيِّ ﷺ ما ذكرهُ أبو عبدِ الله المروزيُّ ﵀، قال (١): حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن جريرٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: سمِعتُ محمد بن إسحاقَ يقولُ: حدَّثني الزُّهريُّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن جُبيرِ بن مُطْعِم قال: لمّا قسَمَ النَّبيُّ ﷺ سَهْمَ ذي القُرْبَى بينَ بني هاشِم وبني المُطَّلِبِ، أتَيتُهُ أنا وعُثمانُ، فقُلنا: يا رسُولَ الله، هؤُلاءِ بنُو هاشِم لا يُنكَرُ فضلُهُم لما وضعكَ الله منهُم، أفرأيتَ بني المُطَّلِبِ أعْطَيتهُم ومَنَعتنا، ونحنُ وهُم مِنكَ بمَنْزِلة؟ فقال: "إنَّ بَني المُطَّلِبِ لم يُفارِقُوني في جاهِليَّةٍ ولا إسلام، وإنَّما بنُو هاشِم وبنُو المُطَّلِبِ شيءٌ واحدٌ". وشبَّكَ رسُولُ الله ﷺ بين أصابِعِهِ. قال: فقسَمَ رسُولُ الله ﷺ بينهُم خُمُس الخُمُسِ.

стр. 4702

وكان مالكٌ ﵀ لا يَرَى قِسمةَ الخُمُسِ أخماسًا، وقال: الخُمُسُ من الغَنيمةِ، حُكمُهُ حُكمُ الفيءِ، الذي لم يُوجَف عليه بخيلٍ ولا رِكِابٍ، مِمّا أفاءَ الله على المُسلِمين (١). قال: ويُجعلُ الخُمُسُ والفيءُ جميعًا في بيتِ المالِ. قال: ويُعطى أقرِباءُ رسُولِ الله ﷺ على ما يَرَى الإمامُ ويجتهِدُ في ذلك، فإن تكافَأ أهلُ البُلدانِ في الحاجَةِ، بُدِئَ بالذينِ فيهمُ المالُ، وإن كان بعضُ البُلدانِ أشدَّ حاجةً، نُقِلَ إليهم أكثرُ المالِ. وكان مالكٌ يرى التَّفضيل في العَطاءِ على قدرِ الحاجةِ، ولا يُخْرَجُ عندَهُ مالٌ من بلدٍ إلى غيرِهِ، حتَّى يُعطَى أهلُهُ ما يُغنيهِم على وجهِ النَّظرِ والاجتِهادِ. قال: ويجُوزُ أن يُجيزَ الوالي على وجهِ الدَّينِ، أو لأمرٍ يَراهُ، قدِ استحقَّ به الجائزةَ. قال: والفيءُ حلالٌ للأغنياء (٢). وقال الشّافِعيُّ: يُقْسَمُ الخُمُسُ على خمسةِ أسهُم (٣). وهُو قولُ الثَّوريِّ وجماعةٍ، قالوا: سهمُ النَّبيِّ ﷺ من الخُمُسِ، خُمُسُ الخُمُسِ، وما بَقِي للطَّبقاتِ الذين سمّاهُمُ الله، وسَهْمُ ذي القُربى عندَهُم باقٍ لقَرابةِ رسُولِ الله ﷺ . وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ (٤): يُقسَمُ الخُمُسُ على ثلاثةِ أسْهُم: للفُقراءِ، والمساكينِ، وابنِ السَّبيلِ، وأسْقَطُوا سهمَ النَّبيِّ ﷺ ، وسهمَ ذي القُربى بعدَهُ. وزعمُوا أنَّ سهمَ ذي القُربى كان لإدخالِ السُّرُورِ على النَّبيِّ ﷺ في حَياتِهِ وقَرابَتِهِ، لأنَّهُ مُضمَّنٌ فيه، فلمّا ماتَ ارتفَعَ سهمُهُ، وسهمُ قَرابتِهِ. واحتجُّوا باتِّفاقِ الخُلفاءِ الرّاشِدين الأربعةِ، على مَنْع قَرابةِ رسُولِ الله ﷺ .

стр. 4703

كذا ذكرُوا، قالوا: وما كانوا مع فَضْلِهِم وتُقاهُم، ليَمْنعُوا أحدًا حَظًّا وجَبَ لهُ، فكيفَ وقد قاتَلُوا العربَ فيما وجَبَ للمساكينِ من الزِّكَواتِ، إلى أشياءَ من فضائلِهِم وقيامِهِم بالحقِّ لا يُحصى، فكيفَ يمنعُونَ ذوي القُربَى؟ قال أبو عُمرَ: أمّا ما ذَكرُوا من فَضْلِهِم وقيامِهِم بالحقِّ، فصِدقٌ، وأمّا منعُهُم سهمَ ذي القُربَى، فباطِلٌ، وقد بيَّنّا ذلك في حديثِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، من هذا الكِتابِ. وقال محمدُ بن جَرير (١): يُقسَمُ الخُمُسُ على أربعةِ أسهُم، لأنَّ سهمَ النَّبيِّ ﷺ مردُودٌ على من سمِّيَ مَعهُ في الآيةِ، قياسًا على ما أجمَعُوا عليه، فيمَنْ عُدِمَ من أهلِ سُهمانِ الصَّدقة (٢). قال أبو عُمرَ: للكلام في قَسْم الخُمُسِ، وإيرادِ ما للعُلماءِ في ذلك من الأقْوالِ، مَوْضِعٌ غيرُ هذا، والقولُ فيه يطُولُ، وإنَّما ذكَرْنا منهُ هاهُنا طرفًا دالًّا على حُكم الخُمُسِ، وحُكم خُمُسِ الخُمُسِ، لِما جَرَى في الحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ، من أنَّ النَّفلَ فيه كان من خُمُسِ الخُمُسِ، أو من جُملةِ الخُمُسِ، أو من رأسِ الغَنيمةِ، على ما ذكَرْنا (٣) مِنِ اختِلافِهِم في ذلك، فبيَّنّا وجه الخُمُسِ وخُمُسهُ، وسَنذكُرُ أحكامَهُ، وما للعُلماءِ في ذلكَ من الأقوالِ، ووُجُوهِ الاحتِجاج في ذلك، والاعتِلالِ في بابِ (٤) عبد ربِّهِ (٥) بن سعيدٍ، إن شاءَ الله.

стр. 4704

حديثُ خامِس عشَرَ لنافِع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن الشِّغارِ. هكذا رواهُ جُملةُ أصحابِ مالك (٢)، وقال فيه ابنُ وَهْب، عن مالك (٣)، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ : نَهَى عن نِكاح الشِّغار (٤). وكلُّهُم ذكَرَ عن مالكٍ في تفسيرِ الشِّغارِ: أنَّهُ الرَّجُلُ يُزوِّجُ ابنتهُ، أو وَليَّتهُ من رجُلٍ، على أن يُزوِّجَ ذلك الرَّجُلُ منهُ ابنتهُ أيضًا، أو وليَّتهُ، ويكونُ بُضعُ كلِّ واحدةٍ منهُما، صَداقًا للأُخرى، دُون صداقٍ. وهذا ما لا خِلافَ بينِ العُلماءِ فيه، أَنَّهُ الشِّغارُ المَنْهيُّ عنهُ في هذا الحديثِ. وللشِّغارِ في اللُّغةِ معنًى لا مدخَلَ لهُ هاهُنا، وذلكَ أَنَّهُ مأخُوذٌ عندَهُم من: شغَرَ الكلبُ، إذا رفعَ رِجلهُ للبولِ، وذلكَ زعمُوا لا يكونُ منهُ إلّا بعدَ مُفارقةِ

стр. 4705

حالِ الصِّغَرِ، إلى حالٍ يُمكِنُ فيها طَلبُ الوُثُوبِ على الأُنثَى للنَّسلِ، وهُو عِندُهُم للكَلبِ إذا فعَلَهُ، علامةُ بُلُوغِهِ إلى حالِ الاحْتِلام من الرِّجالِ، ولا يرفَعُ رِجلهُ للبَوْلِ، إلّا وهُو قد بلغَ ذلك المبلغ، يُقالُ منهُ: شغَرَ الكلبُ يشغَرُ شغرًا، إذا رفعَ رِجلهُ فبالَ، أو لم يُبُل، ويُقالُ: شغَرتُ بالمرأةِ أشْغَرُها شغرًا، إذا رفعتَ رِجْلَيها للنِّكاح، فهذا معنى الشِّغارِ في اللُّغةِ. وأمّا معناهُ في الشَّريعةِ، فأن يُنكِحَ الرَّجُلُ رجُلًا وليَّتهُ، على أن يُنكِحهُ الآخرُ وليَّتهُ بلا صَداقٍ بينهُما، على ما قالهُ مالكٌ وجماعةُ الفُقهاءِ، وكذلك ذكَرهُ الخليلُ في كِتابِهِ (١) أيضًا. وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ نِكاح الشِّغارِ مَكْرُوهٌ لا يجُوزُ، واختلفُوا فيه إذا وقَعَ، هل يصِحُّ بمَهرِ المِثلِ أم لا. فقال مالكٌ: لا يصِحُّ النِّكاحُ في الشِّغارِ، دخَلَ بها أو لم يدخُل، ويُفسَخُ أبدًا. وكذلكَ لو قال: أُزوِّجُكَ ابنتي، على أن تُزوِّجني ابنتكَ بمئةِ دينارٍ، ولا خيرَ في ذلك (٢). قال ابنُ القاسم: لا يُفسَخُ النِّكاحُ في هذا إن دخَلَ، ويثبُتُ بمَهْرِ المِثلِ، ويُفسَخُ في الأوَّلِ، دخَلَ أو لم يدخُل، على ما قال مالكٌ (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤): إذا لم يُسمِّ لواحدةٍ منهُما مَهْرًا، وشرَطَ أن يُزوِّجهُ ابنَتهُ، على أن يُزوِّجهُ الآخَرُ ابنتَهُ، وهُو يَلي أمرَها، على أنَّ صداقَ كلِّ واحدةٍ منهُما، بُضْعُ الأُخرى، ولم يُسمِّ صَداقًا، فهذا الشِّغارُ، ولا يصِحُّ ويُفسَخُ. قال: ولو سُمِّي

стр. 4706

لإحداهُما، أو لهما صَداقًا، فالنِّكاحُ ثابِتٌ بمَهرِ المِثلِ، والمَهرُ فاسِدٌ، ولكلِّ واحدةٍ منهُما مَهرُ مِثلِها، إن كان دخلَ بها، ويصفُ مَهرِ مِثلِها، إن كان طلاقُها قبل الدُّخُولِ. وقال أبو حَنيفةَ: إذا قالَ: أُزوِّجُكَ ابنتي، أو أُختي، على أن تُزوِّجني ابنتكَ، فتكونُ كلُّ واحدةٍ منهُما مهرَ الأُخرى، فهُو الشِّغارُ، ويصِحُّ النِّكاحُ بمَهرِ المِثل (١). وهُو قولُ اللَّيثِ بن سعدٍ، وبه قال الطَّبريُّ. قال أبو عُمرَ: حُجَّةُ من قال هذا القولَ: أنَّ الشَّريعةَ قد نهَتْ عن صَداقِ الخَمْرِ، والخِنزيرِ، والغَررِ، والمجهُولِ، والنِّكاحُ في ذلك كلِّهِ يَصِحُّ بمهرِ المِثْلِ، والأصلُ عندَهُم: أنَّ التَّزويج مُضمَّنٌ بنَفسِهِ، لا ببدَلِه (٢)، وليسَ بمُفتقِرٍ في العَقْدِ إلى الصَّداقِ، لأنَّ القُرآن قد ورَدَ بجوازِ العَقْدِ في النِّكاح، دُون صَداق، بقولِهِ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] يُريدُ ما لم تمسُّوهُنَّ، وما لم تَفرِضُوا لهنَّ فَرِيضةً، يعني صداقًا، فسمّاهُ نِكاحًا، وجعلَ فيه الطَّلاق، ولم يكُن فيه ذِكرُ صَدَاقٍ. وحُجَّةُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، ومن أبطَلَ نِكاح الشِّغارِ، لأنَّهُ نِكاحٌ طابَقَ النَّهْيَ ففسَدَ، امتِثالًا لنَهْيِهِ ﷺ ، لقولِهِ : ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال ﷺ : "كلُّ عَملٍ ليسَ عليه أمرُنا، فهُو رَدٌّ" (٣). يعني مردُودًا.

стр. 4707

حديثٌ سادِس عشَر لنافِع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ، حمَلَ على فَرَسٍ في سَبيلِ الله، فوجَدَهُ يُباعُ، فأرادَ أن يبتاعَهُ، فسألَ ردُولَ الله ﷺ عن ذلكَ، فقال: "لا تَبْتعهُ، ولا تَعُد في صَدَقتِكَ". هكذا روى مالكٌ هذا الحديثَ عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ عُمر. فهُو في رِوايتِهِ من مُسندِ ابنِ عُمرَ؛ كذلك هُو عندَ جُمهُورِ رُواةِ "المُوطَّأ" (٢) إلّا مَعْنَ بن عيسَى، فإنَّهُ رواهُ عن مالكٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، عن عُمرَ: أنَّهُ حمَلَ على فَرَسٍ، فذكَرَ الحديث (٣)، جعلَهُ من مُسندِ عُمرَ، وكذلك رواهُ ابنُ نُميرٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ (٤). بمِثلِ رِوايةِ مَعْنٍ. ورواهُ القَطّانُ (٥)، وعليُّ بن عاصِم، عن عُبيدِ الله، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ عُمرَ. كما في "المُوطَّآتِ". وكذلك رواهُ الزُّهريُّ (٦)، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ،
следующие страницы →