← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4703–4742 · переход к 4708.

стр. 4703

كذا ذكرُوا، قالوا: وما كانوا مع فَضْلِهِم وتُقاهُم، ليَمْنعُوا أحدًا حَظًّا وجَبَ لهُ، فكيفَ وقد قاتَلُوا العربَ فيما وجَبَ للمساكينِ من الزِّكَواتِ، إلى أشياءَ من فضائلِهِم وقيامِهِم بالحقِّ لا يُحصى، فكيفَ يمنعُونَ ذوي القُربَى؟ قال أبو عُمرَ: أمّا ما ذَكرُوا من فَضْلِهِم وقيامِهِم بالحقِّ، فصِدقٌ، وأمّا منعُهُم سهمَ ذي القُربَى، فباطِلٌ، وقد بيَّنّا ذلك في حديثِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، من هذا الكِتابِ. وقال محمدُ بن جَرير (١): يُقسَمُ الخُمُسُ على أربعةِ أسهُم، لأنَّ سهمَ النَّبيِّ ﷺ مردُودٌ على من سمِّيَ مَعهُ في الآيةِ، قياسًا على ما أجمَعُوا عليه، فيمَنْ عُدِمَ من أهلِ سُهمانِ الصَّدقة (٢). قال أبو عُمرَ: للكلام في قَسْم الخُمُسِ، وإيرادِ ما للعُلماءِ في ذلك من الأقْوالِ، مَوْضِعٌ غيرُ هذا، والقولُ فيه يطُولُ، وإنَّما ذكَرْنا منهُ هاهُنا طرفًا دالًّا على حُكم الخُمُسِ، وحُكم خُمُسِ الخُمُسِ، لِما جَرَى في الحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ، من أنَّ النَّفلَ فيه كان من خُمُسِ الخُمُسِ، أو من جُملةِ الخُمُسِ، أو من رأسِ الغَنيمةِ، على ما ذكَرْنا (٣) مِنِ اختِلافِهِم في ذلك، فبيَّنّا وجه الخُمُسِ وخُمُسهُ، وسَنذكُرُ أحكامَهُ، وما للعُلماءِ في ذلكَ من الأقوالِ، ووُجُوهِ الاحتِجاج في ذلك، والاعتِلالِ في بابِ (٤) عبد ربِّهِ (٥) بن سعيدٍ، إن شاءَ الله.

стр. 4704

حديثُ خامِس عشَرَ لنافِع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن الشِّغارِ. هكذا رواهُ جُملةُ أصحابِ مالك (٢)، وقال فيه ابنُ وَهْب، عن مالك (٣)، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ : نَهَى عن نِكاح الشِّغار (٤). وكلُّهُم ذكَرَ عن مالكٍ في تفسيرِ الشِّغارِ: أنَّهُ الرَّجُلُ يُزوِّجُ ابنتهُ، أو وَليَّتهُ من رجُلٍ، على أن يُزوِّجَ ذلك الرَّجُلُ منهُ ابنتهُ أيضًا، أو وليَّتهُ، ويكونُ بُضعُ كلِّ واحدةٍ منهُما، صَداقًا للأُخرى، دُون صداقٍ. وهذا ما لا خِلافَ بينِ العُلماءِ فيه، أَنَّهُ الشِّغارُ المَنْهيُّ عنهُ في هذا الحديثِ. وللشِّغارِ في اللُّغةِ معنًى لا مدخَلَ لهُ هاهُنا، وذلكَ أَنَّهُ مأخُوذٌ عندَهُم من: شغَرَ الكلبُ، إذا رفعَ رِجلهُ للبولِ، وذلكَ زعمُوا لا يكونُ منهُ إلّا بعدَ مُفارقةِ

стр. 4705

حالِ الصِّغَرِ، إلى حالٍ يُمكِنُ فيها طَلبُ الوُثُوبِ على الأُنثَى للنَّسلِ، وهُو عِندُهُم للكَلبِ إذا فعَلَهُ، علامةُ بُلُوغِهِ إلى حالِ الاحْتِلام من الرِّجالِ، ولا يرفَعُ رِجلهُ للبَوْلِ، إلّا وهُو قد بلغَ ذلك المبلغ، يُقالُ منهُ: شغَرَ الكلبُ يشغَرُ شغرًا، إذا رفعَ رِجلهُ فبالَ، أو لم يُبُل، ويُقالُ: شغَرتُ بالمرأةِ أشْغَرُها شغرًا، إذا رفعتَ رِجْلَيها للنِّكاح، فهذا معنى الشِّغارِ في اللُّغةِ. وأمّا معناهُ في الشَّريعةِ، فأن يُنكِحَ الرَّجُلُ رجُلًا وليَّتهُ، على أن يُنكِحهُ الآخرُ وليَّتهُ بلا صَداقٍ بينهُما، على ما قالهُ مالكٌ وجماعةُ الفُقهاءِ، وكذلك ذكَرهُ الخليلُ في كِتابِهِ (١) أيضًا. وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ نِكاح الشِّغارِ مَكْرُوهٌ لا يجُوزُ، واختلفُوا فيه إذا وقَعَ، هل يصِحُّ بمَهرِ المِثلِ أم لا. فقال مالكٌ: لا يصِحُّ النِّكاحُ في الشِّغارِ، دخَلَ بها أو لم يدخُل، ويُفسَخُ أبدًا. وكذلكَ لو قال: أُزوِّجُكَ ابنتي، على أن تُزوِّجني ابنتكَ بمئةِ دينارٍ، ولا خيرَ في ذلك (٢). قال ابنُ القاسم: لا يُفسَخُ النِّكاحُ في هذا إن دخَلَ، ويثبُتُ بمَهْرِ المِثلِ، ويُفسَخُ في الأوَّلِ، دخَلَ أو لم يدخُل، على ما قال مالكٌ (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤): إذا لم يُسمِّ لواحدةٍ منهُما مَهْرًا، وشرَطَ أن يُزوِّجهُ ابنَتهُ، على أن يُزوِّجهُ الآخَرُ ابنتَهُ، وهُو يَلي أمرَها، على أنَّ صداقَ كلِّ واحدةٍ منهُما، بُضْعُ الأُخرى، ولم يُسمِّ صَداقًا، فهذا الشِّغارُ، ولا يصِحُّ ويُفسَخُ. قال: ولو سُمِّي

стр. 4706

لإحداهُما، أو لهما صَداقًا، فالنِّكاحُ ثابِتٌ بمَهرِ المِثلِ، والمَهرُ فاسِدٌ، ولكلِّ واحدةٍ منهُما مَهرُ مِثلِها، إن كان دخلَ بها، ويصفُ مَهرِ مِثلِها، إن كان طلاقُها قبل الدُّخُولِ. وقال أبو حَنيفةَ: إذا قالَ: أُزوِّجُكَ ابنتي، أو أُختي، على أن تُزوِّجني ابنتكَ، فتكونُ كلُّ واحدةٍ منهُما مهرَ الأُخرى، فهُو الشِّغارُ، ويصِحُّ النِّكاحُ بمَهرِ المِثل (١). وهُو قولُ اللَّيثِ بن سعدٍ، وبه قال الطَّبريُّ. قال أبو عُمرَ: حُجَّةُ من قال هذا القولَ: أنَّ الشَّريعةَ قد نهَتْ عن صَداقِ الخَمْرِ، والخِنزيرِ، والغَررِ، والمجهُولِ، والنِّكاحُ في ذلك كلِّهِ يَصِحُّ بمهرِ المِثْلِ، والأصلُ عندَهُم: أنَّ التَّزويج مُضمَّنٌ بنَفسِهِ، لا ببدَلِه (٢)، وليسَ بمُفتقِرٍ في العَقْدِ إلى الصَّداقِ، لأنَّ القُرآن قد ورَدَ بجوازِ العَقْدِ في النِّكاح، دُون صَداق، بقولِهِ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] يُريدُ ما لم تمسُّوهُنَّ، وما لم تَفرِضُوا لهنَّ فَرِيضةً، يعني صداقًا، فسمّاهُ نِكاحًا، وجعلَ فيه الطَّلاق، ولم يكُن فيه ذِكرُ صَدَاقٍ. وحُجَّةُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، ومن أبطَلَ نِكاح الشِّغارِ، لأنَّهُ نِكاحٌ طابَقَ النَّهْيَ ففسَدَ، امتِثالًا لنَهْيِهِ ﷺ ، لقولِهِ : ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال ﷺ : "كلُّ عَملٍ ليسَ عليه أمرُنا، فهُو رَدٌّ" (٣). يعني مردُودًا.

стр. 4707

حديثٌ سادِس عشَر لنافِع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ، حمَلَ على فَرَسٍ في سَبيلِ الله، فوجَدَهُ يُباعُ، فأرادَ أن يبتاعَهُ، فسألَ ردُولَ الله ﷺ عن ذلكَ، فقال: "لا تَبْتعهُ، ولا تَعُد في صَدَقتِكَ". هكذا روى مالكٌ هذا الحديثَ عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ عُمر. فهُو في رِوايتِهِ من مُسندِ ابنِ عُمرَ؛ كذلك هُو عندَ جُمهُورِ رُواةِ "المُوطَّأ" (٢) إلّا مَعْنَ بن عيسَى، فإنَّهُ رواهُ عن مالكٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، عن عُمرَ: أنَّهُ حمَلَ على فَرَسٍ، فذكَرَ الحديث (٣)، جعلَهُ من مُسندِ عُمرَ، وكذلك رواهُ ابنُ نُميرٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ (٤). بمِثلِ رِوايةِ مَعْنٍ. ورواهُ القَطّانُ (٥)، وعليُّ بن عاصِم، عن عُبيدِ الله، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ عُمرَ. كما في "المُوطَّآتِ". وكذلك رواهُ الزُّهريُّ (٦)، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ،

стр. 4708

أنَّ عُمرَ (١). كما في "المُوطَّأ" عندَ جُمهُورِ رُواتهِ (٢) غير مَعْنٍ. ورَوَى هذا الحديثَ يحيى بن سعيدٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ. فقال فيه: "لا تَشْترِهِ، ولا شيئًا من نِتاجِهِ، ولا تَعُدْ في صَدَقتِكَ" (٣). وذكر مالكٌ (٤)، عن نافِع، عن ابنِ عُمر، أنَّهُ كان إذا (٥) أعْطَى شيئًا في سَبيلِ الله، يقولُ لصاحِبِهِ: إذا بلغتَ وادي القُرَى، فشأنُكَ به. وعن يحيى بن سعيدٍ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّهُ كان يقولُ: إذا أُعْطِيَ الرَّجُلُ الشَّيءَ في الغَزْوِ، فبلَغَ به رأسَ مَغْزاتِهِ، فهُو لهُ (٦). واختلَفَ الفُقهاءُ في هذا المعنى. فكان مالكٌ يقولُ: إذا أُعطِيَ فرسًا في سبيلِ الله، فقيلَ لهُ: هُو لكَ في سبيلِ الله، فلهُ أن يَبِيعهُ، وإن قيل لهُ: هُو في سبيلِ الله، رَكِبهُ وردَّهُ (٧). وذكَرَ ابنُ القاسم، عن مالكٍ، قال: وقال مالكٌ: من حُمِلَ على فرسٍ في سبيلِ الله، فلا أرَى لهُ أن ينتفِعَ بشيءٍ من ثَمنِهِ، في غيرِ سبيلِ الله، إلّا أن يُقال لهُ: شأنُكَ به، فافعل فيه ما أردتَ، فإن قيلَ لهُ ذلك، فأراهُ مالًا من مالِهِ، يَعْملُ به في غَزْوِهِ إذا هُو بلَغهُ، ما يعملُ (٨) في مالِهِ (٩).

стр. 4709

قال: وكذلكَ لو أُعطِيَ ذَهَبًا، أو ورِقًا في سبيلِ الله. ومذهَبُ مالكٍ فيمَنْ أُعطِيَ مالًا يُنفِقُهُ في سَبيلِ الله، أنَّهُ يُنفِقُهُ في الغزوِ، فإن فَضَلت منهُ فَضْلةٌ بعد ما مرَّ غَزوُهُ، لم يأخُذها لنَفسِهِ وأعطاها في سبيلِ الله، أو ردَّها إلى صاحِبِها. وخالَفَ في ذلك ما رُوِيَ عن ابنِ عُمرَ (١) وسعيدِ بن المُسيِّب (٢). وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: من أُعطِيَ فرسًا في سبيلِ الله، لم يبِعهُ حتَّى يبلغَ مَغْزاهُ، ثُمَّ يصنعُ به ما شاءَ، إلّا أن يكونَ حَبْسًا، فلا يُباعُ (٣). وقال الشّافِعيُّ: الفَرسُ المحمُولُ عليها في سبيلِ الله، هي لمن يُحمَلُ عليها (٤). وقال عُبيدُ الله بن الحسنِ: إذا قال: هُو لكَ في سبيلِ الله، فرجعَ به، ردَّهُ حتَّى يجعلهُ في سَبيلِ الله (٥). ومذهَبُ أصحابِ أبي حنيفةَ: أنَّ ما أُعطِيَ في سبيلِ الله تمليكٌ، ولا يعتبِرُونَ في الفرسِ بُلُوغَ المغزى، لأنَّهُ قد ملَّكهُ في الحالِ على أن يغزُو به، فالمِلْكُ عندَهُم في ذلك صحيحٌ، يتَصرَّفُ فيه مالكُهُ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ. قالوا: ولو قال: إذا بلغتَ مغزاكَ فهُو لكَ، كان تمليكًا على مُخاطرةٍ، ولا يجُوزُ (٦).

стр. 4710

وقد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ زيدِ بن أسلم، من كِتابِنا هذا، بأتمَّ وأبسطَ من ذِكرِهِ هاهُنا. وأمّا قولُهُ: فسألَ عن ذلكَ رسُولَ الله ﷺ . ففيه دليلٌ على ما كانوا عليه من البَحْثِ عن العِلم، والسُّؤالِ عنهُ، وبُعِثَ رسُولُ الله ﷺ مُعلِّمًا، وكانوا يسألُونهُ، لأنَّهُم كانوا خيرَ أُمَّةٍ، كما قال الله (١)، فالواجِبُ على المُسلِم، مُجالَسةُ العُلماءِ إذا أمكنهُ، والسُّؤالُ عن دينِهِ جُهدَهُ، فإنَّهُ لا عُذرَ لهُ في جَهْلِ ما لا يَسَعُهُ جَهْلُهُ، وجُملةُ القول: أن لا سُؤدَدَ، ولا خيرَ مع الجَهْل.

стр. 4711

حديثٌ سابع عشَرَ لنافِع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ سابَقَ بين الخيلِ التي قد أُضْمِرَتْ (٢) من الحَفْياءِ، وكان أمَدُها ثنيَّةَ الوَداع (٣)، وسابَقَ بين الخيلِ التي لم تُضَمَّرْ من الثَّنيَّةِ إلى مَسْجِدِ بني زُرَيقٍ، وإنَّ عبد الله بن عُمرَ كان مِمَّن سابَقَ بها. هكذا رواهُ جماعةُ أصحابِ "الموطَّأ" عن مالكٍ، لم يختلِفُوا عليه في إسنادِه (٤)، واختلفُوا عنهُ في بعضِ ألفاظِهِ، فكان ابنُ بُكيرٍ يقولُ: سابَقَ بين الخيلِ التي لم تُضمَّر، من الثَّنيَّةِ التي عندَ مَسْجِدِ بني زُريقٍ. وخالَفهُ جُمهُورُ الرُّواةِ، منهُم:

стр. 4712

ابنُ القاسم (١)، والقَعْنبيُّ (٢)، وابنُ وَهْب (٣)، فرَوَوا كما رَوَى يحيى: منِ الثَّنيَّةِ، إلى مَسْجِدِ بني زُرَيقٍ. وفي ألْفاظِ أصحابِ نافِع، وألفاظِ الرُّواةِ عنهُ في هذا الحديثِ اختِلافٌ تراهُ في هذا البابِ، إن شاءَ الله. ورَوَى هذا الحديث ابنُ عُلَيَّة (٤)، عن أيُّوبَ، عن ابن نافع (٥)، عن أبيهِ، عن ابنِ عُمرَ (٦). وقال فيه عُقبَةُ بن خالد (٧): عن عُبيدِ الله بن عُمر، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُول الله ﷺ سَبَّق (٨) بين الخَيْلِ، وفضَّلَ القُرَّحَ (٩) في الغايةِ. هذا لفظُ حديثهِ، ولم يَقُل ذلك في هذا الحديثِ أحدٌ غيرُ عُقبةُ بن خالدٍ هذا.

стр. 4713

وقد وجدتُ لهُ أصلًا، فيما رواهُ أبو سَلَمةَ التَّبُوذكيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الملِكِ بن حَرْبِ بن عبدِ الملِكِ، بن (١) مُجاشِع مسعُودٍ السُّلميِّ، قال: حدَّثني أبي وعمِّي، عن جدِّي: أنَّ ناسًا من أهلِ البَصْرةِ ضَمَّرُوا خُيُولهم، فنهاهُمُ الأميرُ عُتبةُ بن غَزْوانَ أن يُجْرُوها. حتَّى كتبَ إلى عُمرَ، فكتبَ إليه عُمرُ: أن أرسِل القُرَّح من رأسِ مئةِ غلوة (٢)، ولا يركَبُها إلّا أربابُها، فجاءَ مُجاشِعُ بن مَسْعُودٍ، سابِقًا على الغرّاء (٣). ورواهُ ابنُ أبي ذِئبٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُضمِّرُ الخيلَ، ثُمَّ يُسَبِّقُ. فاختصَرهُ، ولم يذكُرِ الأمدَ والغايةَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا خلّادُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّوريُّ، عن عُبيدِ الله، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أجْرَى ما أُضْمِرَ من الخيلِ من الحَفْياءِ إلى ثنيَّةِ الوداع، وأجْرَى ما لم يُضمَّر من الحَفْياءِ إلى مَسْجِدِ بني زُرَيق (٤).

стр. 4714

هكذا قال: من الحَفْياءِ، إلى مَسْجِدِ بني زُرَيقٍ. ومالكٌ يقولُ: من الثَّنيَّةِ، إلى مَسْجِدِ بني زُريقٍ. والصَّوابُ ما قالهُ مالكٌ (١) إن شاءَ الله، والله أعلمُ، لأنَّهُ قد تابَعهُ اللَّيثُ (٢)، وموسى بن عُقبةَ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ، عن عُبيدِ الله، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُضمِّرُ الخيلَ يُسابِقُ بها. وهذا عن عُبيدِ الله مُختصرُ المعنى، كرِوايةِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن نافِع سواءً. ورِوايةُ الثَّوريِّ عنهُ أكملُ وأولى عندَ أهلِ العِلم. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبِ، قال (٤): حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أَنَّ رسُولَ الله ﷺ سابَقَ بين الخَيْلِ يُرْسِلُها من الحَفْياءِ، وكان أمدُها ثنيَّةَ الوَداع، وسابَقَ بين الخَيْلِ التي لم تُضَمَّر، وكان أمَدُها من الثَّنيةِ، إلى مَسْجِدِ بني زُرَيقٍ. وهذا مِثلُ رِوايةِ مالكٍ سواءً. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: المُسابَقةُ بين الخيل، وذلك مِمّا خُصَّ وخرجَ من بابِ القِمارِ، بالسُّنَّةِ الوارِدةِ في ذلك.

стр. 4715

والخيلُ التي يجِبُ أنَّ تُضمَّر ويُسابَقَ عليها وتُقامَ هذه السُّنّة فيها، هي (١) الخيلُ المُعدَّةُ لجِهادِ العدُوِّ، لا لقِتالِ المُسلِمينَ في الفِتنِ، فإذا كانت خَيْلًا مُرتبَطةً مُعدَّةً للجِهادِ في سبيلِ الله، كان تَضْميرُها، والمُسابقةُ بها سُّنّةً مسنُونةً، على ماجاءَفي هذا الحديثِ. وفي هذا الحديثِ أيضًا من الفِقهِ: أنَّ المُسابقةَ يجِبُ أن يكونَ أمَدُها معلُومًا. وأن تكونَ الخيلُ مُتساويةَ الأحْوالِ. وأن لا يُسَبَّق المُضَمَّرُ مع غيرِ المُضَمَّر في أمَدٍ واحدٍ، وغايَةٍ واحدةٍ. واختلَفَ الفُقهاءُ في مَعانٍ من هذا البابِ، نذكُرُها إن شاءَ الله. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: الحفياءُ، وثنيَّةُ الوداع. فمَواضِعُ معرُوفهٌ بالمدينةِ. فأمّا ثنيَّةُ الوَداع: فزعَمُوا أنَّهُ إنَّما سُمِّيت بذلكَ، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ ودَّعَ بها بعضَ المُقيمينَ بالمدينةِ في بعضِ مخارِجِهِ وأسفارِهِ، وانصرَفُوا عنهُ منها. وقيل: إنَّما سُمِّيت بذلك، لأنَّ رسُولَ الله شيَّعَ إليها بعضَ سَراياهُ، وودَّعهُ عندَها. وقيل: إنَّما سُمِّيت بذلك، لأنَّ المُسافِرَ من المدينةِ كان يُشيَّعُ إليها، ويُتودَّعُ منهُ عندَها قديمًا. وأظنُّهُ على طريقِ مكَّةَ، ومِنها بَدا رسُولُ الله ﷺ وظهرَ إلى المدينةِ، في حينِ إقْبالِهِ من مكَّةَ إلى المدينة (٢)، فقال شاعِرُهُم: طلَعَ البَدْرُ علينا ... من ثنيّاتِ الوداعِ وجَبَ الشُّكرُ عَلَينا ... ما دَعا لله داعٍ

стр. 4716

وبينَ ثنيَّةِ الوداع، وبين الحَفْياءِ سِتَّةُ أميالٍ أو نحوُها، وبينها وبين مَسْجِدِ بني زُرَيقٍ ميلٌ أو نحوُهُ. فكان أمَدُ الخيلِ التي ضُمِّرت سِتَّةَ أميالٍ، أو نحوها، وكان أمَدُ غيرِها ميلًا أو نحوهُ. كذا قال موسى بن عُقبةَ. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا محبُوبُ بن موسى، قال: حدَّثنا أبو إسحاقُ الفَزاريُّ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: سابَقَ رسُولُ الله ﷺ بينَ الخيلِ التي أُضْمِرَتْ، فأرسَلَها من الحَفْياءِ، وكان أمَدُها ثنيَّةَ الوَداع. قال: فقلتُ لموسى: كم بينَ ذلكَ؟ قال: سِتَّةُ أميالٍ، أو سبعةٌ. وسابَقَ بين (١) الخيلِ التي لم تُضمَّر، فأرسَلَها من ثنيَّةِ الوَداع، وكان أمَدُها مَسْجِدَ بني زُرَيقٍ. قلتُ: وكَمْ بينَ ذلك؟ قال: ميلٌ، أو نحوَهُ. قال وكان ابنُ عُمرَ مِمَّن سابَقَ بها (٢). حدَّثني يوسُفُ بن محمدِ بن يوسُفَ ومحمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ ومحمدُ بن قاسم بن محمدٍ، قالوا: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكير، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣)، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل (٤)، قال: حدَّثنا عُقبةُ بن خالدٍ،

стр. 4717

عن عُبيدِ الله، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ سَبَّقَ بين الخيلِ، وفضَّلَ القُرَّحَ في الغايةِ. وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا موسى بن هارُون الحمّالُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل وأبو خَيْثمةَ، قالا: حدَّثنا عُقبةُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ سَبَّقَ بين الخيلِ، وفضَّلَ القُرَّح في الغاية (١). قال أبو عُمرَ: إن صحَّ حديثُ عُقبةَ هذا، ففيه دليلٌ على أنَّ التي كانت قد ضُمِّرتْ من الخيلِ المذكُورةِ في هذا الحديثِ، كانت قُرَّحًا، والله أعلمُ. وأمّا أقاويلُ الفُقهاءِ في هذا البابِ (٢)، فإنَّ مالكًا قال: سَبَقُ الخيلِ، أحبُّ إليَّ من سَبَقِ الرَّميِ. قال: ويكونُ السَّبقُ على الخَيْلِ، على نحوِ ما يُسبِّقُ الإمامُ، فإن كان المُسَبِّقُ غير الإمام، فعلَ كما يفعلُ الإمامُ، ولا يجبُ أن يُرجعَ إليه شيءٌ مِمّا أخرجَ في السَّبَق. وقال اللَّيثُ: قال ربيعةُ، في الرَّجُلِ يُسَبِّقُ القومَ (٣) بشيءٍ: إنَّ سبَقهُ لا يرجِعُ إليه. وقال اللَّيثُ: ونحنُ نَرَى إن كان سبَّقَ سَبَقًا يجُوزُ السَّبقُ في مِثلِهِ، أنَّ سَبَقهُ جائزٌ، فإن سُبِقَ، أُخِذَ ذلك منهُ، وإن سبَقَ، أحرَزَ سَتقهُ. ذكَرَهُ ابنُ وَهْب، عن اللَّيثِ. قال: وقال مالكٌ: أرَى أن يُخرِجهُ على كلِّ حالٍ: سبَقَ، أو لم يسبِقْ، على مِثلِ السُّلطانِ.

стр. 4718

قال أبو عُمرَ: قولُ الأوزاعيِّ في هذا البابِ، نُحوُ قولِ مالكٍ، وربيعةَ، في أنَّ الأشياءَ المُخرَجةَ في السَّبَقِ، لا تَنْصرِفُ إلى مخُرِجِها. وقال الشّافِعيُّ (١): الأسباقُ ثلاثةٌ: سَبَقٌ يُعطيهِ الوالي، أو غيرُ الوالي من مالِهِ مُتَطوِّعًا، فيجعَلُ للسّابِقِ شيئًا معلُومًا، من سبَقَ، أخذَ ذلك السَّبَقَ، وإن شاءَ الوالي أو غيرُهُ جعلَ للمُصلِّي (٢)، وللثّالثِ، وللرّابع (٣) شيئًا، شيئًا، فذلكَ كلُّهُ حلالٌ لمن جُعِل لهُ، ليست فيه عِلَّةٌ. والثّاني: يجتمِعُ من وجهينِ، وذلك أن يُريدَ الرَّجُلانِ أن يَسْتبِقا بفَرَسيهِما، ويُريد (٤) كلُّ واحدٍ منهُما أن يسبقَ صاحِبهُ، ويخرجانِ سَبَقينِ، فهذا لا يجُوزُ إلّا بمُحلِّلٍ، وهُو أن يجعلا بينهُما فَرسًا لا يأمَنانِ أن يَسْبِقهُما، فإن سبَقَ المُحلِّلُ، أخذ السَّبَق، وإن سبَقَ أحدُ المُتسابِقينِ، أحرَزَ سبَقَهُ، وأخذَ سبَقَ صاحِبِهِ، فإن سبَقَ الاثنانُ (٥) الثّالِث، كانا كمَنْ لم يسبِق واحدٌ منهُما، وأيُّهُما سبَقَ صاحِبهُ، فلهُ السَّبقُ، على ما وصفنا، ولا يجُوزُ حتَّى يكونَ الأمدُ واحدًا، والغايَةُ واحدةً. قالوا: ولو كانوا مئةً، فأدخلُوا بينهُم مُحلِّلًا، فكذلك. والثّالِثُ: أن يَسْبِقَ (٦) أحدُهُما صاحِبهُ، ويُحْرِز السَّبَقَ وحدَهُ، فإن سبَقَهُ صاحِبُهُ، أخذَ السَّبَقَ، وإن سبَقَ صاحِبهُ، أحرزَ السَّبَقَ، وهذا في معنى الوالي.

стр. 4719

قال: ويُخرِجُ المُتسابِقانِ ما يَتَراضيانِ عليه، ويتَواضَعانِه (١) على يَدَي رجُلٍ. وأقلُّ السَّبقِ، أن يسبِقَ بالهادي (٢)، أو بَعضِهِ، أو بالكَتَد (٣)، أو بعضِهِ. والسَّبَقُ بين الرُّماةِ على هذا النَّحوِ عندَهُ، وليسَ هذا موضِعُ ذِكرِهِ. وقال محمدِ بن الحسنِ في هذا البابِ، نحو قولِ الشّافِعيِّ، قال محمدٌ عنهُ وعن أصحابِهِ: إذا جعلَ السَّبَقَ واحدٌ، فقال: إن سَبَقتني، فلكَ كذا وكذا، ولم يقُل: إن سَبَقتُكَ فعليك كذا، فلا بأسَ، ويُكرهُ أن يقول: إن سبقتُكَ فعليكَ كذا، وإن سَبَقتني فعليَّ كذا، هذا لا خيرَ فيه، وإن قال رجُلٌ غيرُهُما: أيُّكُما سبَقَ فلهُ كذا، فلا بأسَ، وإن كان بَيْنهُما مُحلِّلٌ إن سُبِقَ لم يغرَمْ، وإن سَبَقَ أخذَ، فلا بأس، وذلكَ إذا كان يَسْبقُ ويُسبَقُ (٤). قال أبو عُمرَ: أمّا الوجهُ الذي لا يجُوزُ إلّا بالمُحلِّلِ، على ما ذكَرهُ الشّافِعيُّ ومحمدُ بن الحسنِ، وهُو قولُ أكثرِ أهلِ العِلم، فإنَّهُ لا يجُوزُ عندَ مالكٍ، ولا يعرِفُ مالكٌ المُحلِّل، ومن ذهَبَ إليه، فحُجَّتُهُ حديثُ النَّبيِّ ﷺ في ذلكَ، وهُو حديثٌ انفردَ به سُفيانُ بن حُسَينٍ، من بينِ أصحابِ ابنِ شِهابٍ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون. وحدَّثنا عبدُ الله بن

стр. 4720

محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عليُّ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا عبّادُ بن العوّام. قالا جميعًا: أخبرنا سُفيانُ بن حُسينٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أدخَلَ فَرسًا بين فَرَسينِ وهُو لا يأمَنُ أن يسبِقَ، فليسَ بقِمارٍ، ومن أدخلَ فرسًا بين فَرَسينِ، وقد أمِنَ أن يسبِقَ فهُو قِمارٌ". قال أبو داود (٢): وقد رواهُ الوليدُ بنُ مُسلِم، عن سعيدِ بن بَشيرٍ، عن الزُّهْريِّ بإسنادِ سُفيانَ بن حُسينٍ ومَعناهُ. قال أبو داود: ورواهُ مَعْمرٌ وشُعَيبٌ وعُقَيلٌ، عن الزُّهريِّ، عن رِجالٍ (٣) من أهلِ العِلم. وهُو أصحُّ عندَنا (٤). قال أبو عُمر: مِمَّن أجاز المُحلِّل على حَسَبِ ما ذكَرْنا: سعيدُ بن المُسيِّب (٥)، وابنُ شِهاب (٦)، والأوزاعيُّ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي.

стр. 4721

واتَّفقَ ربيعةُ، ومالكٌ، والأوزاعيُّ، على أنَّ الأشياءَ المُسَبَّق بها لا ترجِعُ إلى المُسَبِّقِ بها على حال. وخالَفهُمُ الشّافِعيُّ، وأبو حَنِيفةَ، والثَّوريُّ، وغيرُهُم. ومِن حُجَّةِ هؤُلاءِ: أنَّ أُصُولَ الأشياءِ المُسَبَّقِ بها قد كانت في مِلْكِ أربابِها، وإنَّما أخرج الشَّيءَ ربُّهُ على شَرْطٍ، فلا يجُوزُ أن يُملَكَ عنهُ إلّا بذلكَ الشَّرطِ، أو ينصرِفَ إليه. وأجمَعَ أهلُ العِلم، على أنَّ السَّبَقَ لا يجُوزُ على وَجْهِ الرِّهانِ إلّا في الخُفِّ والحافِرِ والنَّصلِ، فأمّا الخُفُّ، فالإبِلُ. وأمّا الحافِرُ، فالخَيْلُ. وأمّا النَّصلُ، فكلُّ سهْم وسِنانٍ. وقال مالكٌ والشّافِعيُّ: ما عَدا هذه الثَّلاثَ، فالسَّبقُ فيها قِمارٌ (١). وأجازَ العُلماءُ في غيرِ الرِّهانِ السَّبَقَ على الأقْدام، لما في حَديثِ سَلَمةَ بن الأكوع، الحديث الطَّويل في ذِكرِ إغار عُيَينةَ بن حِصْنٍ وابنِهِ، على سَرْح المدينةِ، ولِقاح رسُولِ الله ﷺ ، فذكَرَ انصِرافهُم معَ رسُولِ الله ﷺ ، وما أظْفَرهُمُ الله به من عدُوِّهِم، قال: وأرْدَفني رسُولُ الله ﷺ ، فلمّا كان بَيْننا وبينَ المدينةِ ضَحْوَةٌ، وفينا رجُلٌ من الأنصارِ لا يُسبَقُ عَدْوًا، فقال: هل من مُسابِقٍ إلى المدينةِ؟ ألا مُسابِقٌ؟ فأعادها مِرارًا وأنا ساكِتٌ، فقلتُ لهُ: أمَّا تُكرِمُ كريمًا ولا تَهابُ شريفًا؟ قال: لا، إلّا أن يكونَ رسُولَ الله ﷺ ، فقلتُ: يا رسُولَ الله دَعْني فلأُسابِق هذا الرَّجُل. قال: "إن شِئتَ". فنَزلتُ فطَفِقَ يَشْتدُّ وحَبَستُ نَفَسِي عن الاشْتِدادِ، شَرفًا أو شَرفينِ، ثُمَّ عَدَوتُ فلحِقتُهُ، فصَكَكتُ بينَ كَتِفيه وقلتُ: سَبقتُكَ واللّه،

стр. 4722

فنظَرَ إليَّ وضحِكَ، فسِرْنا حتَّى وردنا المدينةَ. وفي الحديثِ: قال رسُولُ الله ﷺ : "خيرُ فُرْسانِنا أبو قَتادةَ وخيرُ رَجّالَتِنا سَلَمةُ بن الأكْوَع" (١). وقد ثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، تسابَقَ مع عائشةَ على قَدَميه (٢). فما كان من هذا وشبهِهِ على سَبيلِ الاشْتِدادِ والدُّربةِ في العَدْوِ، والعُدَّةِ للعدُوِّ، أو على وَجْهِ اللَّهوِ، لا على وجهِ الرِّهانِ، فلا بأسَ به، وما كان على وَجْهِ المُراهنةِ، فلا يجُوزُ ولا يحِلُّ. قال الشّافِعيُّ: ولو أنَّ رجُلًا تسابَقَ مع رجُلٍ على أقْدامِهِما، أو تَسابَقا في سَبْقِ طائرٍ، أو على أن يُمسِكَ شيئًا في يَدِهِ، فيقول لهُ: ازْجُرْ، أو على أن يقومَ على قَدَميهِ ساعةً، أو ساعاتٍ، أو على أن يَتَصارعا، أو على أن يَتَراميا بالحِجارةِ، فيَغلِبُهُ، ويأخُذُ سَبَقًا جَعلاهُ، فإنَّ هذا كلَّهُ غيرُ جائزٍ، وما أُخِذَ عليه فهُو من أكلِ المالِ بالباطِلِ، وقد نَفَى (٣) رسُولُ الله ﷺ أن يكونَ شيءٌ من السَّبقِ جائزًا، إلّا في الخُفِّ والحافِرِ والنَّصل (٤). قال أبو عُمرَ: في معنى حديثِ هذا البابِ، جاءَ قولُهُ ﷺ : "لا جنَبَ، ولا جلَبَ (٥)، ولا شِغارَ في الإسلام" (٦).

стр. 4723

فأمّا الشِّغارُ، فقد مَضَى ذِكرُهُ، وما للعُلماءِ في معناهُ في بابِهِ، من حديثِ نافِع (١). وأمّا قولُهُ: "لا جَلَبَ، ولا جنَبَ". فقدِ اختُلِف في تفسيرِهِ، والذي قالهُ مالكٌ في ذلك، ما ذكَرهُ عنهُ في "المُوطَّأ" جماعةٌ من رُواتِهِ، وقولُهُ ذلك يدخُلُ في هذا البابِ. قال القَعْنبيُّ: سُئلَ مالكٌ عن قولِ رسُولِ الله ﷺ : "لا جنَبَ ولا جلَبَ". وما تفسيرُ ذلك؟ فقال: قد بَلَغني ذلك، وتفسيرُهُ: أن (٢) يُجلَبُ وراءَ الفَرَسِ حتَّى (٣) يدنُو، يعني من الأمَدِ، أو يُحرَّكُ وَراءَهُ الشَّيءُ، يُستَحثُّ به ليَسْبِقَ، فذلكَ (٤) الجَلَبِ. والجَنَبُ أن يُجنَبَ مع الفَرسِ الَّذي يُسابقُ به فرسٌ آخرَ، حتَّى إذا دنا، تحوَّلَ راكِبُهُ على الفَرسِ المجنُوبِ فأخذَ السَّبَقَ. وهذا ليس في رِوايةِ يحيى بن يحيى "للمُوطَّأ". أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ النَّسويُّ (٥). وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام. قالا: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي قَزَعةَ، عن الحَسنِ،

стр. 4724

عن عِمرانَ بن حُصَينٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغارَ في الإسلام". ورواهُ حُميدٌ، عن الحسنِ، عن عِمْران، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (١). قال أحمدُ بن أبي طاهرٍ: وإذا تكاثَرَ في الكَتيبةِ أهلُها ... كُنتَ الَّذي ينشقُّ عنهُ الموكِبُ وأتيتَ تقدُمُ من تقدَّمَ (٢) ... منهُمُ ووراءَ رأيِكَ كلُّ أمرٍ يُجنبُ رَوَى موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا عبّادُ بن صالح السُّلميُّ، قال: أخبرني الهيثمُ بن أبي العَجْفاءِ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، قال: ضمَّرَ ناسٌ من أهلِ البَصْرةِ خُيُولهم، فنَهاهُمُ الأميرُ أن يُجرُوها، حتَّى كتبَ إلى عُمرَ، فكتَبَ إليه عُمرُ (٣): ليُجرُوها، ولا يَرْكبها إلّا أربابُها. قال أبو عُمرَ: لم نذكُر في هذا البابِ شيئًا من أحْكام النَّصلِ والمُسابَقةِ به عندَ العُلماءِ، ولا من أحكام الإبِلِ، وإن كان لا فرقَ بين الإبِلِ والخيلِ في شيءٍ من هذا البابِ. وأمّا النَّصلُ، فلَهُ وُجُوهٌ ومَعانٍ، ذكَرَها الشّافِعيُّ، وعبد المَلَكُ والوقار وغيرُهُم (٤)، لم أر لذِكْرِ شيءٍ منها وجهًا هاهُنا، إذ ليسَ في حديثِ هذا البابِ ذِكرُ شيءٍ منها.

стр. 4725

وإنَّما نتكلَّمُ على معنَى ما في حديثِ البابِ، وباللّه العونُ. أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١): أخبرنا سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: أخبرنا سُفيانُ (٢)، عن ابنِ أبي ذِئبٍ، عن نافِع بن أبي نافِع، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا سَبَقَ إلّا في نَصْلٍ، أو خُفٍّ، أو حافِرٍ". وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن يونُس. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن يونُس والقَعْنبيُّ، قالا: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن نافِع بن أبي نافِع، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا سبَقَ إلّا في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصْل". وأخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن سَعيدٍ، عن ابنِ أبي ذِئبٍ، عن نافِع بن أبي نافِع، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، فذكَرهُ (٤).

стр. 4726

ورواهُ الشّافِعيُّ (١)، عن ابنِ أبي فُدَيكٍ، عن ابنِ أبي ذِئبٍ. وهذا حديثٌ احتاج النّاسُ فيه إلى ابنِ أبي ذِئبٍ، فرَواهُ عنهُ جَماعةٌ من الأئمَّةِ، وهُو يُبيحُ السِّباق في الثَّلاثِ المَذْكورة فيه، ويَنْفيه فيما سِواها. وقد روى أبو (٢) صالح السَّمّانُ وغيرُهُ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "لا سَبَقَ إلّا في خُفٍّ أو حافِرٍ" (٣). ليسَ في حديثهِما ذِكرُ النَّصلِ. وقد ثبتَ ذِكرُ النَّصلِ في حديثِ ابنِ أبي ذِئبٍ، وبه يقولُ فُقَهاءُ الحِجازِ والعِراقِ في هذا البابِ. وقد زاد أبو البَخْتريِّ القاضي في هذا الحديثِ: "أو جناح". وهي لفظةٌ وضَعَها للرَّشيدِ، فتركَ العُلماءُ حديثهُ لذلكَ، ولغير من موضُوعاتِهِ، فلا يُكتَبُ حديثُهُ بحالٍ، وقد ذكَرْنا قِصَّتهُ هذه (٤) في غيرِ هذا الوضِع، وباللّه العِصمةُ والتَّوفيقُ (٥). أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُفَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحسنِ الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا الزُّبيرُ بن أبي بكرٍ القاضي، قال: حدَّثني أخي عبدُ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ، قال: حدَّثني عبّاسُ بن عبدِ الله بن

стр. 4727

عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، قال: سابَقَ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ بالخَيْلِ بالمدينةِ، وكان فيها فَرسٌ لمحمدِ بن طلحةَ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وفرسٌ لإنسانٍ جَعْديٍّ، فتسايروا (١) الخيلَ حيثُ جاءَت، فإذا فَرسُ الجَعْديِّ مُتقدِّمًا، فجعَلَ الجَعْديُّ يَرْتجِزُ بأبعدِ صوتِه: غايةُ مجدٍ نُصِبت يا مَنْ لها نحنُ حَوَيناها (٢) وكُنّا أهلَها لو تُرسلُ الطَّيرُ لجِئنا قَبلَها فلم يَنْشَب أن لحِقهُ فَرلسُ محمدِ بن طَلْحةَ وجاوَزَهُ، فجاءَ سابِقًا، فقال عُمرُ بن عبدِ العزيزِ للجَعْديِّ: سَبَقكَ واللهُ ابنُ السَّبّاقِ إلى الخيِّرات (٣). [آخر المجلد الثامن من هذه الطبعة المحققة، يسر الله لنا إتمامه بمَنّه وكرمه].

стр. 4728

حديثٌ ثامِنَ عشَرَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الخيلُ في نَواصيها الخيرُ إلى يوم القِيامةِ". في هذا الحديثِ الحضُّ على اكتِسابِ الخَيْلِ، وتَفْضيلُها على سائرِ الدَّوابِّ؛ لأنَّهُ ﷺ لم يأتِ عنهُ في غيرِها مِثلُ هذا القولِ، وذلك تَعْظيمٌ منهُ لشأنِها، وحَضٌّ على اكتِسابِها، ونَدْبٌ إلى ارتباطِها في سَبيلِ الله، عُدَّةً للِقاءِ العدُوِّ، إذ هي أقْوَى الآلاتِ في جِهاد، فهذه الخيلُ المُعدَّةُ للجِهادِ، هي الَّتي في نَواصيها الخيرُ. وأمّا إذا كانت مُعدَّةً للفِتَنِ، وقَتْلِ المُسلِمين، وسَلْبِهِم، وتَفريقِ جَمْعِهِم، وتَشْريدِهِم عن أوطانِهِم، فتلكَ خيلُ الشَّيطانِ، وأربابُها حِزْبُهُ، وفي مِثلِها - واللّه أعلمُ - وردَ: أنَّ اكتِسابَها وِزرٌ على صاحِبِها؛ لأنَّهُ قد جاءَ عنهُ: أنَّها قد تكونُ وِزرًا لمن لم يَرْتبِطْها ويُجاهِدْ عليها، وكان قدِ اتَّخذها فَخرًا، ومُناوأةً للمُسلِمينَ، وأذًى لهم، وعَوْنًا عليهم. وقد مَضَى ذلك فيما سلَفَ من كِتابِنا (٢). وإذا كان ذلك كذلك، فمعلُومٌ أنَّ ندبهُ إلى اكْتِسابِها من أجلِ جِهادِ العدُوِّ عليها، واللّه أعلمُ. وقدِ استدلَّ جماعة من العُلماءِ بأنَّ الجِهادَ ماضٍ إلى يوم القيامَةِ تحت رايةِ كلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ من الأئمَّةِ بهذا الحديثِ؛ لأنَّهُ قال فيه: "إلى يوم القيامةِ". ولا وَجْهَ لذلكَ إلّا الجِهادُ في سبيلِ الله، لأنَّهُ قد وردَ الذَّمُّ فيمنِ ارْتَبطها واحْتَبسَها رياءً وفَخْرًا، * * *

стр. 4729

ونِواءً لأهلِ الإسلام، وقد تقدَّم تفسيرُ ذلك كلِّهِ، واستيعابُ مَعانيهِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا، فلا وَجْهَ لإعادتِهِ هاهُنا. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (١): حدَّثنا أبو النَّضِرِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن بَهْرام، قال: حدَّثني شَهْرٌ، قال: حدَّثتني أسماءُ بنتُ يزيدَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الخيلُ في نَواصيها الخَيْرُ مَعقُودٌ أبدًا إلى يَوم القيامَةِ، فمن رَبَطها عُدَّةً في سَبيلِ الله، وأنفَقَ عليها، فإنَّ شِبَعَها وجُوعَها، ورِيَّها وظَمَأَها، وأرْواثَها وأبوالَها، في مَوازينِهِ يومَ القيامَةِ، ومن رَبَطها فَرحًا ومَرحًا وسُمْعَةً، فإنَّ شِبَعَها وجُوعَها، ورِيَّها وظَمَأها، وأرْواثَها وأبوالَها، خُسْرانٌ في ميزانَّه (٢) يوم القيامَةِ". قال أبو عُمرَ: في قولِهِ ﷺ : "الخيلُ في نَواصيها الخيرُ" تَقْويةٌ لمن روى: "لا شُؤمَ، وقد يكونُ اليُمنُ في الفَرَسِ، والمرأةِ"، وردٌّ لرِوايةِ من روى: "الشُّؤمُ في الفَرَسِ، والمرأةِ"، وقد تقدَّم القولُ في ذلك، والاستِشهادُ عليه، في بابِ ابنِ شِهاب، عن سالم (٣)، من كِتابِنا هذا، فلا وَجْهَ لإعادتِهِ هاهُنا. وفي إطلاقِهِ ﷺ على الخيلِ، بأنَّ الخيرَ في نَواصِيها، دليلٌ على تزكتِها، وأنَّها مُبارَكةٌ، لا شُؤمَ في شيءٍ منها، وقد ثبتَ عنهُ ﷺ ، أنَّهُ قال: "البَرَكةُ في نَواصي

стр. 4730

الخيلِ"، وثبتَ أنَّهُ قال: "لا طِيرَةَ، ولا شُؤمَ"، وهذا يُصحِّحُ ما ذكَرْنا، وقد مَضَى شرحُهُ في الموضِع الَّذي وصَفْنا، وباللّه توفيقُنا. أخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا (٢) محمدُ بن بشّار (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا يحيى، هُو ابنُ سعيدٍ القطّانُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي التَّيّاح، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "البَرَكةُ في نَواصِي الخَيْلِ". وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيم، قال حدَّثنا النَّضرُ، يعني ابنَ شُمَيل، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن أبي التَّيّاح، قال: سمِعتُ أنسَ بن مالكٍ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "البَرَكةُ في نَواصِي الخَيْلِ". وعندَ شُعبةَ وغيرِهِ في هذا البابِ أيضًا، حديثُ عُروةَ بن أبي (٥) الجَعْدِ البارِقيِّ، وبارِقٌ في الأزْدِ، وقد ذكَرْناهُ في "الصَّحابةِ" (٦) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهُنا،

стр. 4731

وهُو حديثٌ حسنٌ، ولشُعبةَ فيه إسنادانِ، أصَحُّهما: ما أخبرنا به عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا عَمرُو (٢) بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، قال: حدَّثني حُصينٌ وعبدُ الله بن أبي السَّفر، أنَّهُما سَمِعا الشَّعبيَّ يُحدِّثُ عن عُروةَ بن أبي الجَعْدِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخيرُ إلى يوم القيامَةِ، الأجْرُ والمغْنَمُ". وهذا يُوضِّحُ لكَ ما قُلنا، من أنَّ معنَى هذا الخَبرِ في الجِهادِ، وأنّهُ ماضٍ إلى يوم القيامةِ، وأنَّ القيامةَ تقومُ على هذا الدِّينِ وأهلُهُ يُجاهِدُونَ العدُوَّ في سَبيلِ الله، حيثُ شاءَ اللهُ من أرضِهِ، والحمدُ للّه. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو (٣) الوليدِ ومُسلِمُ بن إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا شُعبَةُ، عن أبي إسحاقَ، عن العَيْزارِ بن حُرَيثٍ، عن عُروةَ بن أبي الجَعْدِ الأزديِّ. وقال أبو الوليدِ: حدَّثنا عُروةُ بن الجَعْدِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الخَيْلُ مَعقُودٌ في نَواصيها الخيرُ إلى يوم القيامةِ" (٤).

стр. 4732

أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): حدَّثنا عِمرانُ بن موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا يونُسُ، عن عَمرِو بن سعيد (٢)، عن أبي زُرعةَ بن عَمرِو بن جريرٍ، عن جريرٍ، قال: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يفتِلُ ناصِيةَ فَرَسٍ بين إصبَعيهِ (٣) وهُو يقولُ: "الخيلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخيرُ إلى يوم القيامَةِ، الأجْرُ والغَنيمةُ". ليسَ في حديثِ نافع عن ابنِ عُمرَ: "معقُودٌ" في هذا الحديثِ من رِوايةِ مالكٍ وغيرِه. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبرنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الخيلُ في نَواصِيها الخيرُ إلى يوم القيامَةِ". وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ ، في الخَيلِ أحاديثُ كثيرةٌ، ليست من بابِ حَديثنا هذا.

стр. 4733

منها قولُهُ: "يُمنُ الخَيْلِ في شُقْرِها" (١). ومنها: "خَيرُ الخيلِ الأدْهَمُ (٢)، الأقْرَحُ (٣)، الأرْثَمُ (٤)، المُحجَّلُ (٥) ثلاثٍ، طَلْقُ اليُمنى (٦)، أو كُميتٌ (٧) على هذه الشِّيةِ" (٨).

стр. 4734

ومِنها: أنَّهُ كرِهَ الشِّكالَ من الخَيْل (١). وأحاديثُ غيرُها ليست أسانيدُها هُناكَ. والشِّكالُ من الخيل: الَّتي تكونُ ثلاثُ قوائم منهُ مُحجَّلةً، وواحدةٌ مُطْلقةً. أو تكونُ (٢) الثَّلاثُ مُطْلقةً، وواحدةٌ مُحجَّلةً، وتكونُ الرِّجلُ خاصَّةً هي المُطْلقةَ وَحْدَها، أو المُحجَّلةَ وَحْدَها، لا تكونُ اليَدُ. وليس يكونُ الشِّكالُ إلّا في الرِّجِلِ، ولا يكونُ في اليَدِ عندَهُم. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): أخبرنا محمدُ بن رافِع، قال: حدَّثنا أبو أحمد البزّازُ (٤) هشامُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُهاجر الأنصاريُّ، عن عَقيلِ بن شَبيب (٥)، عن أبي وَهْب، وكانت لهُ صُحْبةٌ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "تَسَمَّوْا بأسْماءِ الأنبياءِ،

стр. 4735

وأحبُّ الأسْماءِ إلى الله: عبدُ الله وعبدُ الرَّحمنِ، وارْتَبِطُوا الخَيْلَ، وامسحُوا بنواصِيها وأكفالِها، وقَلِّدُوها، ولا تُقلِّدُوها الأوتارَ، وعليكُم بكلِّ كُميتٍ أغرَّ مُحجَّل، أو أشْقَرَ أغرَّ مُحجَّل، أو أدهَمَ أغرَّ مُحجَّل". وحدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حفصٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن طَهْمانَ، عن سَعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، قال: لم يَكُن شيءٌ أحبَّ إلى رسُولِ الله ﷺ بعدَ النِّساءِ من الخَيلِ.

стр. 4736

حديثُ تاسِعَ عَشَرَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابنِ عُمر، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا ماتَ أحدُكُم عُرِضَ عليه مَقْعده بالغَداةِ والعَشيِّ، إن كان من أهلِ الجنَّةِ، فمِنْ أهلِ الجنَّةِ، وإن كان من أهلِ النّارِ، فمِنْ أهلِ النّارِ، يُقالُ لهُ: هذا مَقْعدُكَ حتَّى يبعَثَكَ الله، إلى يوم القيامَةِ". هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: "حتَّى يبعَثَكَ اللهُ، إلى يوم القيامةِ"، وهُو خارِجُ المعنى على وَجْهِ التَّفسيرِ والبيانِ لـ "حتَّى يبعَثَك اللهُ". وقال القَعْنبيُّ: "حتَّى يبعَثَك اللهُ يومَ القيامةِ"، وهذا أبينُ وأوضَحُ (٢) من أن يُحتاجَ فيه إلى قولٍ. وقال فيه ابنُ القاسم: "حتَّى يبعَثَكَ اللهُ إليه يومَ القيامَةِ" (٣). وهذا أيضًا بيّنٌ، يُريدُ: حتَّى يبعثكَ اللهُ إلى ذلكَ المقعدِ وإليه تَصيرُ، وهُو عِندي أشبهُ بقولِهِ: "عُرِضَ عليه مَقعدُه"؛ لأنَّ معنَى: "مَقعدُ" عندي - والله أعلمُ -: مُستَقرُّهُ وما يَصيرُ إليه. وكذلك رواهُ ابنُ بُكير (٤)، كما رواهُ ابنُ القاسم سَواءً، في رِوايةِ قوم عن ابنِ بُكيرٍ، منهُم: إبراهيمُ بن باز (٥)، ويحيى بن عامِرٍ وغيرُهُم، ورواهُ مُطرِّفُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن قَيْسٍ، عن ابنِ بُكَيرٍ، فقال فيه: "حتَّى يبعثكَ الله"، لم يزِدْ. واختُلِفَ في هذا الحديثِ أيضًا على عُبيدِ الله بن عُمرَ قريبًا من هذا الاختِلافِ على مالكٍ.

стр. 4737

أخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو أُسامةَ وابنُ نُمَيرٍ، قالا: حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافع، عن ابنِ عُمر، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "يُعرَضُ أحدُكُم إذا ماتَ على مَقعدِهِ غُدوةً وعَشيَّةً". هكذا قال أبو أُسامةَ. وقال ابنُ نُميرٍ: "إذا ماتَ أحدُكُمْ، عُرِضَ على مَقْعدِهِ بالغَداةِ والعَشيِّ: إن كان من أهلِ الجنَّةِ، فمِن أهلِ الجنَّةِ، وإن كان من أهلِ النّارِ، فمِنْ أهلِ النّارِ". قال أبو أُسامةَ: "إلى يوم القيامةِ". وقال ابنُ نُميرٍ: "حتَّى يُبعَثَ إليه يومَ القيامَةِ". قال أبو عُمرَ: فرِوايةُ أبي أُسامةَ نحوُ رِوايةِ يحيى، ورِوايةُ ابنِ نُمَيرٍ نحوُ رِوايةِ ابنِ القاسم وابنِ بُكيرٍ. ورواهُ اللَّيثُ، عن نافع، فقال فيه: "حتَّى يَبْعثَهُ اللهُ يومَ القيامةِ". وهذا نحوُ رِواية القَعْنبيِّ؛ قَرأتُهُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، عن قاسم، عن عُبيدِ الله بن يحيى، عن أبيهِ، عن اللَّيثِ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: "ألا إنَّ أحَدَكُم إذا ماتَ عُرِضَ عليه مَقْعدُهُ بالغَداةِ والعَشِيِّ، إن كان من أهلِ الجنَّةِ، فمِنْ أهلِ الجنَّةِ، وإن كان من أهلِ النّارِ، فمِنْ أهلِ النّارِ، حتَّى يبعَثَهُ الله يومَ القيامةِ" (٢). والمعاني في ذلكَ كلِّهِ مُتقارِبةٌ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الجنّةَ والنّارَ مخلُوقَتانِ، كما يقولُ أهلُ السُّنَّةِ في ذلك، والله أعلمُ. ويدُلُّ على ذلك أيضًا، قولُ الله في آلِ فِرعونَ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦]، وقولهُ ﷺ : "اشْتَكتِ

стр. 4738

النّارُ إلى ربِّها ... " الحديثَ (١)، وقولُهُ ﷺ : "اطَّلعتُ في الجنَّةِ، فرأيتُ أكثرَ أهلِها المساكينَ، واطَّلعتُ في النّارِ، فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ" (٢)، وقولُهُ: "دَخلتُ الجنّةَ، فأخَذتُ منها عُنقُودًا" (٣)، وقولُهُ الله ﷺ : "لمّا خلقَ الله الجنّةَ حَفَّها بالمكاره، وخلَقَ النّارَ فحفَّها بالشَّهواتِ ... " الحديث (٤)، وهذا كثيرٌ، والآثارُ في خلقِ الجنَّةِ والنّارِ وأنَّهُما قد خُلِقتا كثيرةٌ. ومِمّا يدُلُّ على أنَّ المُرادَ في هذا الحديثِ الجنّةُ والنّارُ: حديثُ البَراءِ بن عازِبٍ، الحديثُ الطَّويلُ؛ رواهُ سُليمانُ الأعمشُ، عن المِنْهالِ بن عَمرٍو، عن (٥) زاذان، عن البَراءِ، عن النَّبيِّ ﷺ - وهُو حديثٌ فيه طُولٌ - في عذابِ القَبرِ، قال فيه: "فيُعادُ رُوحُهُ في جَسدِهِ، ويأتيهِ مَلَكانِ فيُجْلِسانِهِ، فيقولانِ لهُ: من ربُّك؟ فيقولُ: ربِّيَ الله. فيقولانِ لهُ: ما دينُك؟ فيقولُ: دينيَ الإسلامُ. فيقولانِ: ما هذا الرَّجُلُ الَّذي بُعِثَ فيكُم؟ فيقولُ: هُو رسُولُ الله. فيقولانِ: وما عِلمُكَ؟ فيقولُ: قرأتُ كِتابَ الله، وآمنتُ به وصدَّقتُ. فيُنادي مُنادٍ من السَّماءِ: أنْ صدَقَ عبدي، فأفرِشُوهُ من الجنَّةِ، وألْبِسُوهُ من الجنَّةِ، وافتحُوا لهُ بابًا من (٦) الجنَّةِ. قال: فيأتيهِ من طِيبِها ورَوْحِها، ويفسَحُ لهُ في قَبر مدَّ بَصرِهِ ... " وذكَرَ الحديث، إلى قِصَّةِ الكافِرِ: "فيُقالُ لهُ: من ربُّكَ؟ ومن نبيُّكَ؟ وما دينُكَ؟ فيقولُ: لا أدْرِي، لا أدري،

стр. 4739

فيُنادي مُنادٍ من السَّماءِ: افرُشُوا لهُ من النّارِ، وافتحُوا لهُ بابًا إلى النّارِ. قال: فيأتيهِ من حَرِّها وسَمُومِها". قال: "ويُضيَّقُ عليه قبرُهُ، حتَّى تَختلِفَ أضلاعُهُ ... "، وذكر تمامَ الحديثِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، فذكَرَ الحديثَ بطُولِهِ، بالإسنادِ المذكُورِ. وهذا الحديثُ يُفسِّرُ حديثَ ابن عُمرَ المذكُورَ في هذا البابِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قولَهُ: "إذا ماتَ أحدُكُم عُرِضَ عليه مَقْعدُهُ بالغَداةِ والعَشِيِّ، إن كان من أهلِ الجنَّةِ، أو من أهلِ النّارِ"، ويُبيِّنُ المُرادَ منهُ، والله أعلمُ. وذكر البُخاريُّ (٢) من حديثِ سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ، وتولَّى عنهُ أصحابُهُ ليَسمعُ قرعَ نِعالِهِم، فيأتيهِ المَلَكانِ فيُقعِدانِهِ، فيقولانِ: ما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ لمحمدٍ ﷺ . فأمّا المُؤمِنُ، فيقولُ: أشهدُ أنَّهُ عبدُ الله ورسُولُهُ، فيقالُ لهُ: انظُر إلى مَقْعدِك من النّارِ، قد أبدلكَ الله به مَقْعدًا من الجنَّةِ، فيراهُما جميعًا". قال قَتادةُ: وذُكِرَ لنا: أنَّهُ يُفسَحُ لهُ في قبرِهِ. وذكَرَ الحديث. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن ابنِ جُريج، قال: أخبر ني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابرًا يقولُ: إنَّ هذه الأُمَّةَ تُبتَلى في قُبُورِها، فإذا أُدخِلَ المُؤمِنُ في قَبرهِ، وتولَّى عنهُ أصحابُهُ، أتاهُ مَلَكٌ شديدُ الانتِهارِ، فيقولُ: ما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟

стр. 4740

فيقولُ المُؤمِنُ: كُنتُ أقُولُ: إنَّهُ رسُولُ الله ﷺ وعبدُهُ. فيقولُ الملَكُ: اطَّلِعْ إلى مَقْعدِكَ الَّذي كان لكَ من النّارِ، قد أنْجاكَ اللهُ منهُ، وأبدلكَ مكانهُ مَقعَدَكَ الَّذي تَرَى من الجنَّةِ، فيَراهُما كِلَيهِما، فيقولُ المُؤمِنُ: دَعُوني أُبشِّرْ أهلي، فيُقالُ لهُ: اسْكُنْ، هذا مقعَدُكَ أبدًا. وذكَرَ تمامَ الحديثِ في المُنافِقِ. وذكر عبدُ الرَّزّاق (١)، عن مَعْمرٍ، عن يونُسَ بن خبّابٍ، عن المِنهالِ بن عَمرو، عن زاذانَ، عن البَراءِ بن عازِبٍ، قال: خَرجنا معَ رسُولِ الله ﷺ ، فجلسَ على القَبْرِ، وجَلَسنا حَوْلَهُ كأنَّ على رُؤوسِنا الطَّيرَ، فقال: "أعُوذُ بالله من عَذابِ القَبْرِ" ثلاث مرّاتٍ، ثُمَّ قال: "إنَّ المُؤمِن إذا كان في إقْبالٍ من الآخِرةِ، وانْقِطاع من الدُّنْيَا، نزلَتْ إليه الملائكةُ ... ". فذكر الحديثَ. وفيه: "فإذا عُرِجَ برُوحِهِ، قالوا: أي ربِّ، عبدُكَ، فيُقالُ: أرجِعُوهُ، فإنِّي عهِدتُ إليهم أنْ (٢) منها خَلَقتُهُم، وفيها أُعيدُهُم، ومنها أُخرِجُهُم تارَةً أُخرى ... ". وذكَرَ الحديث، وساقَ في الكافِرِ مِثلَ ذلك أيضًا. وأمّا قولُهُ: "أحدُكُم"، فإنَّ الخِطابَ توجَّهَ إلى أصحابِه، وإلى المُنافِقينَ، والله أعلمُ، فيُعرَضُ على المُؤمِنِ منهُم مَقعَدُهُ من الجنَّةِ، وعلى المُنافِقِ مقعَدُهُ من النّارِ، على نحوِ ما جاءَ في حديثِ البراءِ إن شاءَ الله. وفي هذا الحديثِ: الإقرارُ بالموتِ والبَعْثِ بعدهُ، والإقرارُ بالجنَّةِ والنّارِ. وقدِ استدلَّ به من ذهَبَ إلى أنَّ الأرواحَ على أفْنيةِ القُبُورِ، وهُو أصحُّ ما ذُهِبَ إليه في ذلك من طريقِ الآثارِ؛ لأنَّ الأحاديثَ الدّالَّةَ على ذلكَ ثابِتةٌ مُتَواتِرَةٌ، وكذلك أحاديثُ السَّلام على القُبُورِ، والله أعلمُ.

стр. 4741

حديثٌ مُوَفِّي عِشرينَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا دُعِيَ أحدُكُم إلى وَلِيمةٍ فلْيأتِها". لا خِلافَ عن مالكٍ (٢) في لَفْظِ هذا الحديثِ (٣)، وكذلكَ رواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع (٤). كما رَواهُ مالكٌ سَواءً بمعنًى واحدٍ. ورواهُ حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوب، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ : "أجيبُوا الدَّعوةَ إذا دُعيتُم". لم يخُصَّ وليمةً من غيرِها. وكذلك رواهُ موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، كرِوايةِ أيُّوب سَواءً. ورواهُ مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "إذا دَعا أحدُكُم أخاه (٥) فليُجِبْ، عُرْسًا كان، أو دَعْوةً". ورواهُ الزُّبيديُّ (٦)، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَ رِوايةِ مَعْمرٍ، بمعنًى واحد.

стр. 4742

وقد أجمعُوا على وُجُوبِ الإتيانِ إلى الوَلِيمةِ (١) في العُرْسِ، واختَلفُوا فيما سوَى ذلك، وقد ذكَرْنا اختِلافَهُم في هذا البابِ، ومَضَى القولُ فيه مُستَوعبًا - في بابِ ابنِ شهاب، عن الأعْرج. وفي بابِ إسحاقَ بن أبي طَلْحةَ من (٢) كِتابِنا هذا، فلا وَجْهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زائد، قال: حدَّثنا عُبيدُ (٣) الله، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا دُعِيَ أحدُكُم إلى وَلِيمةٍ فلْيأتِها". وكان ابنُ عُمرَ إذا دُعِيَ أجابَ، فإن كان صائمًا بَرَّكَ (٤)، وإن كان مُفطِرًا أكَلَ (٥). أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦): حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٧): أخبرنا
следующие страницы →