← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4738–4777 · переход к 4743.

стр. 4738

النّارُ إلى ربِّها ... " الحديثَ (١)، وقولُهُ ﷺ : "اطَّلعتُ في الجنَّةِ، فرأيتُ أكثرَ أهلِها المساكينَ، واطَّلعتُ في النّارِ، فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ" (٢)، وقولُهُ: "دَخلتُ الجنّةَ، فأخَذتُ منها عُنقُودًا" (٣)، وقولُهُ الله ﷺ : "لمّا خلقَ الله الجنّةَ حَفَّها بالمكاره، وخلَقَ النّارَ فحفَّها بالشَّهواتِ ... " الحديث (٤)، وهذا كثيرٌ، والآثارُ في خلقِ الجنَّةِ والنّارِ وأنَّهُما قد خُلِقتا كثيرةٌ. ومِمّا يدُلُّ على أنَّ المُرادَ في هذا الحديثِ الجنّةُ والنّارُ: حديثُ البَراءِ بن عازِبٍ، الحديثُ الطَّويلُ؛ رواهُ سُليمانُ الأعمشُ، عن المِنْهالِ بن عَمرٍو، عن (٥) زاذان، عن البَراءِ، عن النَّبيِّ ﷺ - وهُو حديثٌ فيه طُولٌ - في عذابِ القَبرِ، قال فيه: "فيُعادُ رُوحُهُ في جَسدِهِ، ويأتيهِ مَلَكانِ فيُجْلِسانِهِ، فيقولانِ لهُ: من ربُّك؟ فيقولُ: ربِّيَ الله. فيقولانِ لهُ: ما دينُك؟ فيقولُ: دينيَ الإسلامُ. فيقولانِ: ما هذا الرَّجُلُ الَّذي بُعِثَ فيكُم؟ فيقولُ: هُو رسُولُ الله. فيقولانِ: وما عِلمُكَ؟ فيقولُ: قرأتُ كِتابَ الله، وآمنتُ به وصدَّقتُ. فيُنادي مُنادٍ من السَّماءِ: أنْ صدَقَ عبدي، فأفرِشُوهُ من الجنَّةِ، وألْبِسُوهُ من الجنَّةِ، وافتحُوا لهُ بابًا من (٦) الجنَّةِ. قال: فيأتيهِ من طِيبِها ورَوْحِها، ويفسَحُ لهُ في قَبر مدَّ بَصرِهِ ... " وذكَرَ الحديث، إلى قِصَّةِ الكافِرِ: "فيُقالُ لهُ: من ربُّكَ؟ ومن نبيُّكَ؟ وما دينُكَ؟ فيقولُ: لا أدْرِي، لا أدري،

стр. 4739

فيُنادي مُنادٍ من السَّماءِ: افرُشُوا لهُ من النّارِ، وافتحُوا لهُ بابًا إلى النّارِ. قال: فيأتيهِ من حَرِّها وسَمُومِها". قال: "ويُضيَّقُ عليه قبرُهُ، حتَّى تَختلِفَ أضلاعُهُ ... "، وذكر تمامَ الحديثِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، فذكَرَ الحديثَ بطُولِهِ، بالإسنادِ المذكُورِ. وهذا الحديثُ يُفسِّرُ حديثَ ابن عُمرَ المذكُورَ في هذا البابِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قولَهُ: "إذا ماتَ أحدُكُم عُرِضَ عليه مَقْعدُهُ بالغَداةِ والعَشِيِّ، إن كان من أهلِ الجنَّةِ، أو من أهلِ النّارِ"، ويُبيِّنُ المُرادَ منهُ، والله أعلمُ. وذكر البُخاريُّ (٢) من حديثِ سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ، وتولَّى عنهُ أصحابُهُ ليَسمعُ قرعَ نِعالِهِم، فيأتيهِ المَلَكانِ فيُقعِدانِهِ، فيقولانِ: ما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ لمحمدٍ ﷺ . فأمّا المُؤمِنُ، فيقولُ: أشهدُ أنَّهُ عبدُ الله ورسُولُهُ، فيقالُ لهُ: انظُر إلى مَقْعدِك من النّارِ، قد أبدلكَ الله به مَقْعدًا من الجنَّةِ، فيراهُما جميعًا". قال قَتادةُ: وذُكِرَ لنا: أنَّهُ يُفسَحُ لهُ في قبرِهِ. وذكَرَ الحديث. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن ابنِ جُريج، قال: أخبر ني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابرًا يقولُ: إنَّ هذه الأُمَّةَ تُبتَلى في قُبُورِها، فإذا أُدخِلَ المُؤمِنُ في قَبرهِ، وتولَّى عنهُ أصحابُهُ، أتاهُ مَلَكٌ شديدُ الانتِهارِ، فيقولُ: ما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟

стр. 4740

فيقولُ المُؤمِنُ: كُنتُ أقُولُ: إنَّهُ رسُولُ الله ﷺ وعبدُهُ. فيقولُ الملَكُ: اطَّلِعْ إلى مَقْعدِكَ الَّذي كان لكَ من النّارِ، قد أنْجاكَ اللهُ منهُ، وأبدلكَ مكانهُ مَقعَدَكَ الَّذي تَرَى من الجنَّةِ، فيَراهُما كِلَيهِما، فيقولُ المُؤمِنُ: دَعُوني أُبشِّرْ أهلي، فيُقالُ لهُ: اسْكُنْ، هذا مقعَدُكَ أبدًا. وذكَرَ تمامَ الحديثِ في المُنافِقِ. وذكر عبدُ الرَّزّاق (١)، عن مَعْمرٍ، عن يونُسَ بن خبّابٍ، عن المِنهالِ بن عَمرو، عن زاذانَ، عن البَراءِ بن عازِبٍ، قال: خَرجنا معَ رسُولِ الله ﷺ ، فجلسَ على القَبْرِ، وجَلَسنا حَوْلَهُ كأنَّ على رُؤوسِنا الطَّيرَ، فقال: "أعُوذُ بالله من عَذابِ القَبْرِ" ثلاث مرّاتٍ، ثُمَّ قال: "إنَّ المُؤمِن إذا كان في إقْبالٍ من الآخِرةِ، وانْقِطاع من الدُّنْيَا، نزلَتْ إليه الملائكةُ ... ". فذكر الحديثَ. وفيه: "فإذا عُرِجَ برُوحِهِ، قالوا: أي ربِّ، عبدُكَ، فيُقالُ: أرجِعُوهُ، فإنِّي عهِدتُ إليهم أنْ (٢) منها خَلَقتُهُم، وفيها أُعيدُهُم، ومنها أُخرِجُهُم تارَةً أُخرى ... ". وذكَرَ الحديث، وساقَ في الكافِرِ مِثلَ ذلك أيضًا. وأمّا قولُهُ: "أحدُكُم"، فإنَّ الخِطابَ توجَّهَ إلى أصحابِه، وإلى المُنافِقينَ، والله أعلمُ، فيُعرَضُ على المُؤمِنِ منهُم مَقعَدُهُ من الجنَّةِ، وعلى المُنافِقِ مقعَدُهُ من النّارِ، على نحوِ ما جاءَ في حديثِ البراءِ إن شاءَ الله. وفي هذا الحديثِ: الإقرارُ بالموتِ والبَعْثِ بعدهُ، والإقرارُ بالجنَّةِ والنّارِ. وقدِ استدلَّ به من ذهَبَ إلى أنَّ الأرواحَ على أفْنيةِ القُبُورِ، وهُو أصحُّ ما ذُهِبَ إليه في ذلك من طريقِ الآثارِ؛ لأنَّ الأحاديثَ الدّالَّةَ على ذلكَ ثابِتةٌ مُتَواتِرَةٌ، وكذلك أحاديثُ السَّلام على القُبُورِ، والله أعلمُ.

стр. 4741

حديثٌ مُوَفِّي عِشرينَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا دُعِيَ أحدُكُم إلى وَلِيمةٍ فلْيأتِها". لا خِلافَ عن مالكٍ (٢) في لَفْظِ هذا الحديثِ (٣)، وكذلكَ رواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع (٤). كما رَواهُ مالكٌ سَواءً بمعنًى واحدٍ. ورواهُ حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوب، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ : "أجيبُوا الدَّعوةَ إذا دُعيتُم". لم يخُصَّ وليمةً من غيرِها. وكذلك رواهُ موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، كرِوايةِ أيُّوب سَواءً. ورواهُ مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "إذا دَعا أحدُكُم أخاه (٥) فليُجِبْ، عُرْسًا كان، أو دَعْوةً". ورواهُ الزُّبيديُّ (٦)، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَ رِوايةِ مَعْمرٍ، بمعنًى واحد.

стр. 4742

وقد أجمعُوا على وُجُوبِ الإتيانِ إلى الوَلِيمةِ (١) في العُرْسِ، واختَلفُوا فيما سوَى ذلك، وقد ذكَرْنا اختِلافَهُم في هذا البابِ، ومَضَى القولُ فيه مُستَوعبًا - في بابِ ابنِ شهاب، عن الأعْرج. وفي بابِ إسحاقَ بن أبي طَلْحةَ من (٢) كِتابِنا هذا، فلا وَجْهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زائد، قال: حدَّثنا عُبيدُ (٣) الله، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا دُعِيَ أحدُكُم إلى وَلِيمةٍ فلْيأتِها". وكان ابنُ عُمرَ إذا دُعِيَ أجابَ، فإن كان صائمًا بَرَّكَ (٤)، وإن كان مُفطِرًا أكَلَ (٥). أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦): حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٧): أخبرنا

стр. 4743

مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال (١) رسُولُ الله ﷺ : "إذا دَعا أحدُكُم أخاهُ فليُجِبْ، عُرسًا كان أو دَعْوةً". قال أبو داودَ (٢): وحدَّثنا ابنُ المُصفَّى، قال: حدَّثنا بَقيَّةُ، قال: حدَّثنا الزُّبيديُّ، عن نافع. بإسنادِ مُعْمَر عن أيُّوبَ (٣) ومعناهُ. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زَيْدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أجيبُوا الدَّعْوةَ إذا دُعِيتُم" (٤). وحدَّثنا سعيدُ بن نَصر وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ وقال: "أجيبُوا الدَّعوةَ إذا دُعيتُم لها" (٥). قال أبو عُمرَ: من ذهَبَ إلى أنَّهُ لا يجِبُ إتيانُ الدَّعوةِ في غيرِ الوَليمةِ، زعَمَ أنَّ قولهُ هاهُنا: "أجيبُوا الدَّعوةَ" مُجمل، يُفسِّره (٦) حديثُ مالكٍ وعُبيدِ الله: "إذا دُعِيَ أحدُكُم إلى الوَليمةِ فليأتِها"، فقال: الدَّعوةُ في هذا الحديثِ، هي الدَّعوةُ

стр. 4744

إلى الوَليمةِ، بدليلِ ما في حديثِ مالكٍ، وعُبيدِ الله من ذِكرِ ذلك، ومن ذهَبَ إلى أنَّ الوَليمةَ وغيرَها في إجابةِ الدَّعوةِ إليها سَواءٌ، احتجَّ بظاهِرِ قولِهِ: "أجيبُوا الدَّعوةَ"، فأخذَ بعُمُوم هذا اللَّفظِ، وجعلَ ذِكرَ الوَليمةِ في حديثِ مالكٍ ومن تابَعهُ، كأنَّهُ خرجَ على جَوابِ السّائلِ عن إجابةِ دَعْوة (١) الوَليمةِ. قالوا: وليسَ (٢) في ذلكَ ما يُوجِبُ الاقتِصارَ على الوَليمةِ دُونَ غيرِها، كأنه ﷺ سُئلَ عمَّن دُعِيَ إلى الوَليمةِ، فقال: ليأتِها من دُعِيَ إليها، ولو سُئلَ عن غيرِها أيضًا لقال مِثلَ ذلك، بدليلِ الآثارِ المروَّيةِ عنهُ في هذا البابِ، وقد ذكَرْناها في بابِ إسحاق بن أبي طَلْحةَ من كِتابِنا هذا. واستدلَّ أيضًا من ذهَبَ هذا المَذْهبَ بحديثِ مَعْمرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ : "إذا دَعا أحدُكُم أخاهُ فليُجِبْ، عُرْسًا كان أو دَعْوةً" (٣). قالوا: ففي هذا الحديثِ التَّسْويةُ بين الوَلِيمةِ وغيرِها، وقد ذكَرْنا القائلينَ بهذه الأقوالِ في بابِ ابنِ شِهاب، عن الأعْرج، من كِتابِنا هذا. وقال قائلُونَ من أهلِ العِلم: من دُعي إلى وَليمةٍ فليُجِبْ، وليأكُلَ إن كان مُفطِرًا، وإن كان صائمًا فليَدْعُ، ولا يَدَع الأكل إلّا أن يكونَ صائمًا، إذا كان الطَّعامُ مِمّا يحِلُّ أكلُهُ. واحتجُّوا بحديثِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إذا دُعِيَ أحدُكُم فلْيُجِب، فإن كان مُفطِرًا فليأكُل، وإن كان صائمًا فلْيُصلِّ"، يقولُ: فليَدْعُ (٤). حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ، قال:

стр. 4745

حدَّثنا حفصُ بن غِياثٍ، عن هشام، عن ابنِ سِيرينَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ فذكَره (١). ورواه أيُّوبُ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، قولَهُ (٢). قال أيُّوبُ: وكان محمدٌ ينحُو بأحاديثِ أبي هُريرةَ نحوَ الرَّفع (٣). وقال آخرُونَ: إذا أجابَ، فإنَّ شاءَ أكلَ، وإن شاءَ لم يأكُلْ، واحتجُّوا بما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابر، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من دُعِيَ فليُجِبْ، فإنَّ شاءَ طَعِمَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ (٥) ". وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن نُمَيرٍ، قال: حدَّثنا

стр. 4746

أبو عاصِم، عن ابنِ جُرَيج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا دُعِيَ أحدُكُم فليُجِبْ، فإنَّ شاءَ أكلَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ" (١). وأمّا الطَّعامُ في الوَليمةِ وغيرِها (٢)، يَكُونُ فيه اللَّهوُ والخَمْرُ (٣) والمَكْرُوهُ من الأُمُورِ (٤). فقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ في ذلكَ، عندَ ذكرِ حديث ابنِ شِهاب، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ، في طَعام الوَليمة (٥) من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

стр. 4747

حديثٌ حادٍ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الَّذي تَفُوتُهُ صلاةُ العَصْرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ". هذا حديثٌ صحيحٌ بإسنادِهِ هذا، لم يُختلَفْ فيه على مالكٍ (٢)، وكذلكَ رواهُ أيُّوبُ وعُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ. حدَّثناه عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "الَّذي تفُوتُهُ صلاةُ العَصرِ، كأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ويَعِيشُ بن سَعيدٍ، قالا: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سَعيدٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا داودُ بن نُوح، قال: حدَّثنا حمّادٌ.

стр. 4748

قالا جميعًا: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنّ الَّذي تفُوتُهُ صَلاةُ العَصْرِ كأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (١). وهُو عندَ ابنِ شِهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ. ورواهُ عن ابنِ شِهابٍ جماعةٌ من أصحابِهِ، منهُمُ: ابنُ عُيَينةَ (٢)، ومحمدُ بن أبي (٣) عَتيقٍ، وإبراهيمُ بن سَعد (٤) (٥). حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن محمدٍ الصّاغ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داود الهاشِميُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ (٦)، عن ابنِ شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، عن ابنِ عُمرَ، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "من فاتَتهُ صلاةُ العَصْرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (٧).

стр. 4749

ورواهُ سَعْدُ (١) بن إبراهيمَ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ عُمرَ مرفُوعًا، بغيرِ هذا (٢) اللَّفظِ. حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحَيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسَينِ بن زيدٍ أبو جعفر، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا نُعيمُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سَعْد بن إبراهيم، عن الزُّهريِّ، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الرَّجُلَ لَيُدرِكُ الصَّلاةَ وما فاتَهُ منها خيرٌ من أهلِهِ ومالِهِ" (٣). وسَنذكُرُ هذا المعنى في بابِ يحيى بن سعيدٍ، إن شاءَ الله. وعندَ ابنِ شِهابٍ أيضًا في هذا الحديثِ إسنادٌ آخرُ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ الدِّيليِّ، رواهُ عنهُ مالكٌ وغيرُهُ، إلّا أنَّهُ محفُوظٌ عن (٤) ابنِ أبي ذِئبٍ (٥)، عن الزُّهريِّ. وغيرُ محفُوظٍ عن مالكٍ، إلّا من حديثِ (٦) خلَفِ بن سالم، عن مَعْنٍ، عن مالكٍ. قال أبو عبدِ الرَّحمنِ النَّسائيُّ: أخاف أن لا يكونَ محفُوظًا من حديثِ مالكٍ، ولعلَّهُ أن يكونَ معنٌ، عن ابنِ أبي ذِئبٍ. فأمّا حديثُ مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ في ذلكَ: فقرأتُهُ على أحمدَ بن فَتْح بن عبدِ الله، أنَّ حمزةَ بن محمدٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ بن عبدِ الجبّارِ، قال: حدَّثنا خلَفُ بن سالم المخزُوميُّ، قال: حدَّثنا مَعْنُ بن عيسى، عن مالكٍ، عن

стр. 4750

الزُّهريِّ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ الدِّيليِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من فاتَتَهُ صَلاةُ العَصْرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (١). وخالفهُ ابنُ أبي ذِئبٍ في هذا الإسنادِ، فجعلهُ عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، فيما رَوَينا من حديثِ أسَدٍ، حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم، قِراءةً مِنِّي عليه، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن المِسْوَرِ، قال: حدَّثنا مِقدامُ بن داود، قال: حدَّثنا أسَدُ بن موسى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "من فاتَتَهُ صلاة، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (٢). هكذا قال: "صَلاةٌ" فيما كتَبْنا عنهُ وقَرَأنا عليه. وذِكرُ أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ في هذا الحديثِ خطأٌ من قائلِهِ، وإنَّما هُو أبو بكر بن عبدِ الرَّحمنِ. وليسَ ذلك من ابنِ أبي ذِئبٍ، وإنَّما الخَطأُ فيه من أسَدٍ، أو مِمَّن دونَ أسدٍ، وأمّا من ابنِ أبي ذِئبٍ فلا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بُكَيرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ الدِّيليِّ، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "من فاتَتهُ الصَّلاةُ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ". قلتُ: ما هذه الصَّلاةُ؟ قال: صلاةُ العَصْرِ. قال: وسَمِعتُ ابنَ عُمرَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنّ الَّذي تَفُوتُهُ صَلاةُ العَصْرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (٣). هكذا في هذا الحديثِ بهذا الإسنادِ: وسمِعتُ ابنَ عُمرَ.

стр. 4751

فإنَّ صحَّ هذا، فالحديثُ لابنِ شِهاب، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن نوفلِ بن مُعاويةَ وابنِ عُمرَ، جميعًا عن النَّبيِّ ﷺ . وعن سالم أيضًا، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ . ومِمّا يُصحِّحُ ذلكَ: أنَّ محمدَ بن إسحاقَ رَوَى هذا الحديثَ عن يزيدَ بن أبي حَبيبِ، عن عِراكِ بن مالكٍ الغِفاريِّ، قال: سمِعتُ نَوْفلَ بنَ مُعاويةَ الدِّيليَّ وهُو جالِسٌ مع عبدِ الله بن عُمرَ بسُوقِ المدينةِ، يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله يقولُ: "صلاةٌ من فاتَتهُ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ". فقال عبدُ الله بن عُمر: قال رسُولُ الله: "هي العَصْرُ" (١)؛ ذكَرهُ الطَّحاويُّ في "فَوائدِهِ" عن عليِّ بن مَعْبدٍ (٢)، عن يَعقُوبَ بن إبراهيمَ بن سعدٍ، عن أبيهِ، عن ابن إسحاقَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أبو عامِرٍ ويحيى بن أبي بُكير، قالا: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "من فاتَتهُ صَلاةُ العَصْرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ". وهذا يدُلُّكَ على أنَّ قولَهُ في حديثِ نَوْفلٍ الدِّيليِّ: "من فاتَتهُ الصلاةُ" أراد صَلاةَ العصرِ، فيكونُ معناهُ ومعنى حديثِ ابنِ عُمرَ سَواءً، وتكونُ صَلاةُ العَصْرِ مخصُوصةً بالذِّكرِ، ويَدْخلُ (٤) في ذلك غيرُها بالمعنى.

стр. 4752

وقد ذهَبَ قومٌ من أهلِ العِلم، إلى أنَّ حديثَ نَوْفلِ بن مُعاويةَ أعمُّ وأولَى بصحيح المعنَى من حديثِ ابنِ عُمر، وقالوا فيه: قولُهُ: "من فاتَتهُ الصَّلاةُ" أو "من (١) فاتَتَهُ صلاةٌ"، يُريدُ: كلَّ صَلاةٍ؛ لأنَّ حُرمةَ الصَّلواتِ كلِّها سَواءٌ. قال: وتَخْصيصُ ابن عُمرَ لصَلاةِ العَصْرِ، هُو كلامٌ خرجَ على جوابِ السّائلِ، كأنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ قد أجابَ من سألَهُ عن صَلاةِ العَصْرِ، بأنْ قال له: "الَّذي تَفُوتُهُ صلاةُ العَصرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالهُ". ولو سُئلَ عن الصُّبح وغيرِها، كانَ (٢) كذلكَ جَوابُهُ أيضًا واللّه أعلمُ، بدليلِ حَديثِ نَوْفلِ بن مُعاويةَ: "الَّذي تفُوتُهُ الصَّلاةُ - أو: تفُوتُهُ صلاةٌ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ". حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَرِير، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحكم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُديكٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن ابنِ شِهاب، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ الدِّيليِّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من فاتَتَهُ الصَّلاةُ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (٣). وفي هذا الحديثِ: تعظيمٌ لعَملِ الصلاةِ في وَقْتِها، وهي خيرُ أعمالِنا، كما قال ﷺ : "واعلموا أنَّ (٤) خيرَ أعمالكم الصَّلاةُ" (٥). وقد سُئل ﷺ ، عن أيِّ الأعمالِ

стр. 4753

أحبُّ إلى الله، فقال: "الصلاةُ في وَقْتِها" (١)، ورُوي: "في أوَّلِ وَقْتِها". وفيه: تحقير للدُّنيا، وأنَّ قليلَ عَملِ البِرِّ خيرٌ من كَثيرٍ من الدُّنْيَا، فالعاقِلُ العالِمُ بمِقدارِ هذا الخِطابِ، يحزَنُ على فَواتِ صَلاةِ العَصْرِ إن لم يُدرِكْ منها ركعةً قبلَ غُرُوبِ الشَّمسِ، أو قبلَ اصفِرارِها، فوقَ حُزنِهِ على ذِهابِ أهلِهِ ومالِهِ، وما توفيقي إلّا بالله. وقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ في آخِرِ وقتِ العَصْرِ من الأقوالِ والاعْتِلالِ في بابِ زيدِ بن أسلَمَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا. وحُكمُ صلاةِ الصبح وسائرِ الصلواتِ في فَواتِها كذلكَ إن شاءَ الله. وقد يحتمِلُ أن يكونَ هذا الحديثُ خرجَ على جَوابِ السّائلِ عمَّن تَفُوتُهُ صلاةُ العصرِ، فلا يكونَ غيرُها بخِلافِ حُكمِها في ذلكَ. ويحتمِلُ أن يكونَ خُصَّت بالذِّكرِ لأنَّ الإثمَ في تَضْييعِها أعظمُ، والتَّاويلُ الأوَّلُ أُولى، والله أعلمُ. وقدِ احتجَّ بهذا الحديثِ من ذهَبَ إلى أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطَى صَلاةُ العصِر، فقال: خصَّها رسُولُ الله بالذِّكرِ، من أجْلِ أنَّ الله خَصَّها بقولِهِ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فجمَعَها في قولِهِ: ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ ثُمَّ خصَّها بالذِّكرِ تَعْظيمًا لها، كما قال : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾

стр. 4754

فعمَّ النَّبيِّينَ، ثُمَّ قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ [الأحزاب: ٧] فخصَّ هؤُلاءِ تعظيمًا لهم، وهُم أُولُو العَزْم من الرُّسُلِ. وقدِ اختلف العُلماءُ، من الصَّحابةِ والتّابِعين وسائرِ عُلماءِ المُسلِمينَ، في الصَّلاةِ الوُسْطَى على حَسَبِ ما قد بيَّنّاهُ في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ"، فمعناهُ عندَ أهلِ العِلم: فكأنَّما أُصيبَ (١) بأهلِهِ ومالِهِ، وكأنَّما ذهَبَ أهلُهُ (٢) ومالُهُ. والمعنى في ذلكَ، ذَهابُ الأجرِ والثَّوابِ؛ لأنَّ الأهلَ والمالَ باقِيانِ، لكِنَّ ذَهابَ الأجرِ على ذي العَقْلِ والدِّينِ، كذهابِ الأهْلِ والمالِ. وأمّا أصلُ الكَلِمةِ من اللُّغةِ، فإنَّها مأخُوذةٌ من الوَتْرِ والتِّرة، وهُو: أن يَجْنيَ الرَّجُلُ على الرَّجُلِ (٣) جِنايةً في دَم أو مالٍ، فيَطلُبُهُ حتَّى يأخُذَ منهُ ذلكَ المالَ أو مِثلَهُ، ومثلَ ذلك الدَّم. وقلَّما يكونُ ذلكَ إلّا أكثرَ من الجِنايةِ الأولى، فيُذهبُ المالُ، ويُجحِفُ به وبالأهلِ، وقد يُسمَّى كلُّ واحدٍ منهُما مَوْتُورًا، لذهابِ مالِهِ وأهلِهِ، قال الأعْشَى (٤): عَلْقمُ ما أنتَ إلى عامِرٍ ... النّاقِضِ الأوتارِ والواتِرِ وقال أعرابيٌّ: كأنَّما الذِّئبُ إذ يَعْدُو على غَنَمي ... في الصبح طالِبُ وَتْرٍ كان فاتَّأرا

стр. 4755

وقال مُنقِذٌ الهِلاليُّ (١): وكذاكَ يفعلُ في تَصرُّفِهِ ... والدَّهرُ ليسَ ينالُهُ وَتْرُ وإنَّما قال، واللّه أعلمُ، في هذا الحديثِ: "فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ (٢) "، ولم يَقُل: ماتَ أهلُهُ، لأنَّ المَوْتُورَ (٣) يجتمِعُ عليه همّانِ: هَمُّ ذهابِ أهلِهِ، وهمُّ الطَّلبِ بثَأرِهِ ووَتْرِهِ. فالذي تَفُوتُهُ صلاةُ العَصْرِ، فمُصيبتُهُ لو حصَّل وفَهِم، كمُصيبةِ هذا، والله أعلمُ. وقد جاء عن النَّبيِّ ﷺ في الَّذي تَفُوتُهُ صلاةُ العَصْرِ، حديثٌ أشدُّ من هذا في ظاهِرِه، وليسَ على ظاهِرِه. والمعنى فيه عندَ أهلِ السُّنَّةِ، كالمعنى في هذا سَواءً. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٤): حدَّثنا يزيدُ بن هارُون. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى. قالا جميعًا: أخبرنا هشامُ بن أبي عبدِ الله الدَّستُوائيُّ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي قِلابةَ، قال: حدَّثني أبو المليح، قال: كُنّا مع بُرَيدة (٥) في سَفَرٍ في يوم غَيْم، فقال: بَكِّرُوا

стр. 4756

بالعصرِ - وقال يحيى: بالصَّلاةِ - فإنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "من تَركَ صَلاةَ العَصرِ، فقد حَبِطَ عَملُهُ". وقال يزيدُ: "من فاتَتهُ صَلاةُ العَصْرِ، حَبِطَ عَملُهُ". ورَواهُ الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المُهاجِرِ، عن بُرَيدةَ (١)، عن النَّبيِّ ﷺ ، ذكَرَهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٢)، عن وكيع وعيسى بن يونُس، جميعًا عن الأوزاعيِّ. قال أبو عُمرَ: معنى قولِهِ في هذا الحديثِ: "حَبِطَ عملُهُ"، أي: حبِط عملُهُ فيها، فلم يحصُلْ على أجْرِ من صلّاها في وَقْتِها. يعني: أنَّهُ إذا عَمِلها بعد خُرُوج وَقْتِها، فقد حَبِطَ (٣) أجرُ عَملِها في وَقْتِها وفضلُهُ، واللّه أعلمُ، لا أن يَحْبِطَ (٤) عملُهُ جُملةً في سائرِ الصلواتِ والإيمان (٥)، وسائرِ أعمالِ البِرِّ، أعُوذُ بالله من مِثلِ هذا

стр. 4757

التَّأويل، فإنَّهُ مذهَبُ الخَوارِج، وإنَّما يُحبِطُ الأعمالَ الكُفرُ بالله (١)، قال اللهُ : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]. وقال : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٢) [الزمر: ٦٥]. وفى هذا النَّصِّ دليلٌ واضِحٌ، أنَّ من لم يَكْفُرْ بالإيمانِ، لم يَحْبَطْ عَملُهُ. وقدِ اختُلِفَ في تأويلِ قولِهِ: "فقد حَبِطَ عملُهُ" بما قد ذكَرْناهُ في كِتابِ "المُرتدِّ". ورِوايةُ مَن روَى في هذا الحديثِ: "ترَكَ صلاةَ العَصْرِ" أوْلَى من رِوايةِ مَن رَوى: "فاتَتهُ"، وقد يكونُ المعنى: فاتَهُ تركُهُ لها، فحبِطَ عَملُهُ فيها، فلا يكونُ في ذلكَ تناقُضٌ. ولا يُسمَّى النّاسي لها، والنّائمُ عنها، والمحبُوسُ عن القِيام إليها، تارِكًا لها؛ لأنَّ الفاعِلَ: من فعَلَ التَّرك واختارَهُ بقَصْدٍ منهُ إليه وإرادة (٣) لهُ، وليسَ كذلكَ من وصَفْنا حالَهُ من النّاسي، والنّائم، والمغلُوبِ. وقد ذكَرْنا أحكامَ تارِكِ الصَّلاةِ عامِدًا، وما للعُلماءِ في ذلكَ من المذاهِبِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، والحمدُ لله. ومن ترَكَ صلاةَ العَصْرِ أوغيرها جُحُودًا بها، فهُو كافِرٌ، قد حبِطَ عَملُهُ عندَ الجميع، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 4758

حديثٌ ثانٍ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمر (٢)، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يَتَحرَّى (٣) أحدُكُم فيُصلِّي عندَ طُلُوع الشَّمسِ، ولا عندَ غُرُوبها". لم يُختلَفْ على مالكٍ في هذا الحديثِ، وكذلكَ رواهُ الشّافِعيُّ وغيرُهُ، عن مالكٍ (٤). حدَّثنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ العَسْكريُّ، قال: حدَّثنا أبو إبراهيم إسماعيلُ بن يحيى المُزَنيُّ (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بن إدريسَ الشّافِعيُّ، قال (٦): أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يتَحرَّى أحدُكُم فيُصلِّي عندَ طُلُوع الشَّمْسِ، ولا عندَ غُرُوبِها". قال أبو عُمر: قولُهُ في هذا الحديثِ: "لا يتحرَّى" دليلٌ على أنَّ المُرادَ والمقصُودَ به صلاةُ التَّطوُّع، لا صلاةُ الفَرْضِ.

стр. 4759

وقد يجُوزُ أن يكونَ النَّهيُ عن ذلكَ قُصدَ به إلى ألّا يترُكَ المرءُ صَلاةَ العصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، ولا يترُكَ صَلاةَ الصُّبح إلى حينِ طُلُوعِها، ثُمَّ يقومَ فيُصلِّي في ذينِكَ الوَقْتينِ، أو أحَدِهِما، قاصِدًا لذلكَ عامِدًا مُفرِطًا، وليسَ ذلك لمن نامَ أو نَسِيَ فانْتَبه، أو ذكَرَ في ذلك الوَقْتِ؛ لأنَّ مَن عَرضَ لهُ مِثلُ ذلك، فليس بمُتَحرٍّ للصَّلاةِ في ذلك الوقتِ، ولا قاصِدًا إليها، وإنَّما هُو رَجُل ذكَرَها بعد (١) نِسيانٍ، أوِ انْتَبهَ إليها، ولم يتَحرَّ (٢) القَصْدَ بصلاتِهِ ذلك الوقت، وإنَّما المُتحرِّي بصلاتِهِ ذلكَ الوقتَ المُتطوِّعُ بالصَّلاةِ في ذلكَ الوقتِ، أوِ التّارِكُ عامِدًا صَلاتَهُ إلى ذلك (٣) الوقتِ، وعن هذا جاءَ النَّهيُ مُجرَّدًا، وعليه اجتمَعَ عُلماءُ المُسلِمينَ، فأمّا الفَرْضُ في غيرِ تَفْريطٍ، فليس بداخِلٍ في هذا البابِ، بدليلِ قولِهِ ﷺ : "من أدرَكَ رَكْعةً من الصُّبح قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ، فقد أدركَ الصُّبح، ومن أدركَ رَكْعةً من العَصْرِ قبلَ أن تغرُبَ الشَّمسُ، فقد أدرَكَ العَصْرَ" (٤)، ومعلُومٌ أنَّ من أدركَ رَكْعةً من الصُّبح قبلَ الطُّلُوع، أو رَكْعةً من العصرِ قبل الغُرُوبِ، فقد صلَّى صَلاتهُ عندَ طُلُوع الشَّمسِ، وعندَ غُرُوبِها. ودليلٌ آخرُ، قولُه ﷺ : "من نامَ عن صَلاة (٥) أو نَسِيها، فلْيُصلِّها إذا ذكَرَها، فذلكَ وقتُها، فإنَّ اللهَ يقولُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٦) [طه: ١٤]، لم يخُصَّ وقتًا من وقتٍ.

стр. 4760

وهذا كلُّهُ يُوضِّحُ أنَّ قولَه ﷺ : "لا يتحرَّى أحدُكُم فيُصلِّي عندَ طُلُوع الشَّمسِ، ولا عندَ غُرُوبِها" إنَّما أرادَ به التَّطوُّعَ والنَّوافِلَ، والتَّعمُّدَ لتركِ الفرائضِ، فاعلَمْهُ. وقد مَضَى القولُ مُسْتوعبًا في هذا المعنى، بما للعُلماءِ في ذلكَ من التَّنازُع، ووُجُوهِ أقوالِهِم، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، في مَوْضِعينِ منهُ، أحدُهُما: عن بُسرِ بن سَعِيدٍ والأعرج وعطاءِ بن يَسارٍ عن أبي هُريرةَ، والآخَرُ: عن عَطاءِ بن يَسارٍ عن الصُّنابِحيِّ، ومَضَى القولُ في الصَّلاةِ بعدَ الصُّبح والعصرِ، في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبّان، فلا وجهَ لإعادةِ شيءٍ من (١) ذلك هاهُنا. ولا أعلمُ خِلافًا بين العُلماءِ، المُتقدِّمينَ منهُم والمُتأخِّرينَ: أنَّ صَلاةَ التَّطوُّع والنَّوافِل، كلُّها غَيرُ جائزٍ شيءٌ منها أن تُصلَّى عندَ طُلُوع الشَّمسِ ولا عندَ غُرُوبِها، وإنَّما اختَلَفُوا في الصَّلواتِ المفرُوضاتِ المُتعيِّناتِ، والمفرُوضاتِ على الكفاية (٢)، والصَّلواتِ المَسْنُوناتِ، مِمّا كان رسُولُ الله ﷺ يُواظِبُ عليه ويَفْعلُهُ، ويندُبُ أُمَّتَهُ إليه، هل يُصلَّى شيءٌ من ذلك عندَ طُلُوع الشَّمسِ وغُرُوبِها أوِ اصْفِرارِها، وبعدَ (٣) الصُّبح والعَمْرِ، أم لا؟ وقد ذكَرْنا ذلك كلَّهُ في المَواضِع الَّتي سَمَّيناها (٤) من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

стр. 4761

حديثٌ ثالِثٌ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن (٢) عُمرَ، أن رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّما مَثلُ صاحِبِ القُرآنِ كمثَلِ صاحِبِ الإبِلِ المُعقَّلةِ، إن عاهَدَ عليها أمْسَكَها، وإن أطْلَقَها ذهَبَتْ". في هذا الحديث: التَّعاهُدُ للقُرآنِ، ودَرْسُهُ، والقيامُ به. وفيه: الإخبارُ أنَّهُ يَذْهبُ عن صاحِبِهِ ويَنْساهُ، إن لم يتَعاهَدْ عليه ويَقْرأْهُ، ويُدمِنْ تِلاوَتهُ. وقد جاءَ عنهُ ﷺ وَعِيدٌ شديدٌ فيمَنْ (٣) حفِظَ القُرآنَ ثُمَّ نَسِيهُ، كلُّ ذلكَ حَضٌّ منهُ على حِفْظِهِ والقيام به. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسَعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح، قال: حدَّثَنا (٤) عُثمانُ بن عُمرَ بن فارِسٍ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، قال: سَمِعتُ رجُلًا من أهلِ الجَزِيرةِ يُقالُ لهُ: عيسَى، يُحدِّثُ عن سَعْدِ بن عُبادةَ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "من تَعلَّمَ القُرآنَ ثُمَّ نَسِيهُ، لَقِيَ الله يومَ القِيامَةِ وهُو أجذَمُ" (٥).

стр. 4762

معناهُ عِندي مُنقطِعُ الحُجَّةِ، واللهُ أعلمُ. وذكَرهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (١)، عن ابنِ فُضَيل (٢)، عن يزيدَ بن (٣) أبي زيادٍ، عن عيسَى بن فائدٍ، قال: حدَّثني فُلانٌ، عن سَعْدِ بن عُبادةَ، سَمِعهُ من النَّبِيِّ ﷺ . وقال ابنُ عُيَينةَ، في معنَى حديثِ سعدِ بن عُبادةَ هذا، وما كان مِثلَهُ: إنَّ ذلك في تَرْكِ القُرآنِ وتركِ العَملِ بما فيه، وأنَّ النِّسيانَ أُريدَ به هاهُنا التَّركُ، نحوَ قولِهِ: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤]. قال: وليسَ منِ اشْتَهى حِفظَهُ وتَفلَّت منهُ: بناسٍ لهُ، إذا كان يُحِلُّ حلالَهُ، ويُحرِّمُ حَرامَهُ؛ لأنَّ هذا ليسَ بناسٍ لهُ. قال: ولو كان كذلكَ، ما نُسِّي النَّبيُّ ﵇ منهُ شيئًا، وقد نُسِّي، وقال: "أذْكَرنَي (٤) هذا آيةً نُسِّيتُها" (٥)، وقال اللهُ : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا

стр. 4763

شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، فلم يَكُنِ الله ليُنسِيَ نبيَّهُ ﵇ والنّاسَ (١) كما يقولُ هؤُلاءِ الجُهّالُ. حدَّثناهُ إبراهيمُ بن شاكِرٍ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا سعدُ بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مَرْيمَ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بن حمّادٍ، عن ابنِ عُيينةَ، فذكَرهُ (٢). وكان الصَّحابةُ ﵃، وهُمُ الذينَ خُوطِبُوا بهذا الخِطابِ، لم يكُن منهُم من يحفظُ القُرآنَ كلَّهُ ويُكْمِلُهُ على عَهدِ رسُولِ ﷺ الله إلّا قليل، منهُم: أُبيُّ بن كعبٍ، وزيدُ بن ثابِتٍ، ومُعاذُ بن جبلٍ، وأبو زيدٍ الأنصاريُّ، وعبدُ الله بن مسعُودٍ، وسالمٌ مولَى أبي حُذَيفَةَ (٣). وكلُّهُم كان يَقِفُ على مَعانيهِ، ومعاني ما يحفظ (٤) منهُ، ويعرِفُ تأويلَهُ، ويحفَظُ أحكامَهُ، ورُبَّما عرفَ العارِفُ منهُم أحكامًا من القُرآنِ كثيرةً وهُو لم يحفَظْ سُوَرَها. قال حُذيفةُ بن اليمانِ: تَعلَّمنا الإيمانَ قبلَ أن نتعلَّمَ القُرآن، وسيأتي قومٌ في آخِرِ الزَّمانِ يتَعلَّمُون القُرآنَ قبلَ الإيمان (٥). ولا خِلافَ بينِ العُلماءِ في تأويلِ قوقِ الله : ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِه﴾ [البقرة: ١٢١]، أي: يعملُونَ به حقَّ عَملِهِ، ويتَّبِعُونهُ حقَّ اتِّباعِهِ؛ قال عِكرِمةُ: ألم تستمِع إلى قول الله : ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]، أي: اتَّبَعَها (٦) (٧).

стр. 4764

وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ من لم يتعاهَدْ عِلمَهُ، ذهَبَ عنهُ، أي: من كان؛ لأنَّ عِلمَهُم كان ذلك الوقتَ القُرآنَ لا غيرُ، وإذا كان القُرآنُ المُيسَّرُ للذِّكرِ يذهَبُ إن لم يُتَعاهَدْ، فما ظنُّكُ بغيرِهِ من العُلُوم المَعهُودةِ؟ وخيرُ العُلُوم ما ضُبِطَ أصلُهُ، واسْتُذكِرَ فرعُهُ، وقادَ إلى الله تعالى ودلَّ على ما يَرْضاهُ. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِث بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن قَتادةَ، عن زُرارةَ بن أوْفَى، عن سَعْدِ بن هشام، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الماهِرُ بالقُرآنِ مع السَّفَرةِ، الكِرام البَرَرةِ (١)، والذي يَقْرَؤُهُ يَشُقُّ عليه، لهُ أجر مرَّتينِ" (٢). حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا تميمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا سُحنُونُ. وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهِرِ؛ قالا: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرنا يحيى بن أيُّوب، عن زَبّان (٣) بن فائدٍ، عن سَهْلِ بن مُعاذٍ الجُهنيِّ،

стр. 4765

عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من قَرَأ القُرآنَ، وعَمِلَ بما فيه، أُلْبِسَ والِداهُ يومَ القيامَةِ تاجًا، ضَوؤُهُ أحسنُ من ضَوْءِ الشَّمْسِ في بيوتِ الدُّنْيَا لو كانت فيه، فما ظنُّكُم بمَنْ (١) عمِلَ بهذا؟ " (٢). حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ، قال: أخبرني منصُورٌ، عن أبي وائلٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعُودٍ يقولُ: تَعاهدُوا القُرآنَ، فهُو أشدُّ تَفصِّيًا من صُدُورِ الرِّجالِ، من النَّعم من عُقُلِه. وقال: قال رسُولُ الله ﷺ : "بئسَما لأحدِكُم أن يقولَ: نَسيتُ آيةَ كَيْتَ وكَيْتَ، بل هُو نُسِّي". حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن عبدِ الحكَم الخزّازُ، حدَّثنا عبدُ المَجِيدِ بن

стр. 4766

عبدِ العزيزِ بن أبي روّادٍ، عن ابنِ جُريج، عن المُطَّلِبِ بن عبدِ الله بن حَنْطَب، عن أَنَسِ بن مالكٍ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "عُرِضَتْ عليَّ أُجُورُ أُمَّتي، حتَّى القَذاةُ يُخرِجُها الرَّجُلُ من المَسْجِدِ، وعُرِضَتْ عليَّ ذُنُوبُ أُمَّتي، فلم أرَ ذنبًا أعظَمَ من سُورةٍ من القُرآنِ، أو آيةٍ من القُرآنِ أُوتيَها رَجُلٌ ثُمَّ أُنْسِيَها". وليسَ هذا الحديثُ مِمّا يُحتجُّ به لضَعْفِهِ (١)، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4767

حديثٌ رابعٌ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "صَلاةُ الجماعةِ تَفْضُلُ صلاةَ الفذِّ بسَبْع وعِشرينَ دَرجةً". قد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ ابنِ شهاب، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ من كِتابِنا هذا. والفَضائلُ لا تُدركُ بقياسٍ، ولا مدخلَ فيها للنَّظرِ، وإنَّما هُو ما صَحَّ منها، ووقَف رسُولُ الله ﷺ عليها، فهُو كما قال ﷺ . وفي حديثِ أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "بخَمْسٍ وعِشرينَ دَرجة" (٢). وكذلك رَوَى عبدُ الله بن مسعُودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ (٣). ورَوَى عبدُ الله بن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "بسَبْع وعِشرينَ" (٤). وأسانيدُها كلُّها صِحاحٌ، واللّهُ يتفضلُ بما يشاءُ، ويُضاعِفُ لمن يشاءُ. وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ بإسنادٍ لا أحفظُهُ في وَقْتي هذا: "صَلاةُ الجَماعةِ (٥) تفضُلُ صلاةَ أحدِكُم أربعينَ دَرَجةً". وأظُنُّهُ انْفَردَ به فُلَيحُ بن سُليمانَ، وليسَ حديثُهُ بالقويِّ (٦).

стр. 4768

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (١): حدَّثنا الحَوْطيُّ (٢)، قال: حدَّثنا بَقِيَّةُ بن الوليدِ، عن عيسى بن إبراهيمَ، عن موسى بن أبي حبيبٍ، عن الحَكَم بن عُمَير - وكان من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "اثْنانِ فما فَوْقَهُما جَماعةٌ". وقدِ استدلَّ قوم على أنْ لا فضلَ لكثيرِ الجماعةِ على قَليلِها، ولا للصَّفِّ المُقدَّم منها على غيرِهِ، بظاهِرِ حديثِ ابنِ عُمرَ هذا وما كان مِثلَهُ. وخالَفهُم آخرُونَ: فزَعَمُوا أنَّ الجماعةَ كلَّما كَثُرت كان أفضلَ، واحتجُّوا بحديثِ أبي بَصِير (٣)، عن أُبيِّ بن كعبٍ، مرفُوعًا بذلكَ (٤). وهُو حديثٌ ليس بالقويِّ (٥). وزعَمُوا أنَّ الصَّفَّ الأوَّل أفَضلُ، لما جاءَ فيه من الاسْتِهام عليه (٦)، ومِن قولِهِ ﵇: "خيرُ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها، وخيرُ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها" (٧).

стр. 4769

وعارَضهُمُ الأوَّلُونَ بأنْ تأوَّلُوا (١) قولَهُ ﵇: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلهُا، وشرُّها آخِرُها، وشرُّ صُفُوفِ النِّساءِ، أوَّلهُا، وخيرُها آخِرُها" إنَّما خرَجَ على قوم كانوا يتأخَّرُون من أجلِ النِّساءِ، حتَّى أُنزِلت: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٢) [الحجر: ٢٤]، فحينئذٍ قال رسُولُ الله ﷺ ذلك القول. ولا دليلَ فيه على ما ذهَبُوا إليه، إذا كان على ما ذكَرْنا، وفي المسألةِ نَظرٌ، والفضائلُ إنَّما تُعرَفُ بما صحَّ من التَّوقيفِ عليها، فما صَحَّ من ذلك، سُلِّمَ لهُ وطُمِعَ في بركتِهِ. والمعنى في فَضلِ الصَّفِّ الأوَّلِ: التَّبكيرُ، وانتِظارُ الصَّلاةِ، وليسَ مَن تأخَّر وصارَ في الصَّفِّ الأوَّلِ، كمَنْ بكَّرَ وانتظرَ الصلاةَ. وسيأتي ذِكرُ هذا المعنى في بابِ سُميٍّ، إن شاءَ الله. وفي فضلِ الصَّلاة في الجَماعة (٣) أحاديثُ مُتواتِرةٌ عن النَّبيِّ ﷺ ، أجمعَ العُلماءُ على صِحَّةِ مَجيئها، وعلى اعْتِقادِها، والقولِ بها. وفي ذلك ما يُوضِّحُ بِدْعةَ الخَوارِج، ومُخَالفتَهُم لجَماعةِ المُسلِمينَ، في إنكارِهِمُ الصَّلاةَ في جَماعةٍ، وكَراهيتِهِم لأنْ يأْتمَّ أحَدٌ بأحَدٍ في صِلاتِهِ، إلّا أن يكونَ نبيًّا أو صِدِّيقًا، أجارَنا اللهُ من الضَّلالِ برَحْمتِهِ، وعَصَمَنا بفَضْلِهِ، لا إلهَ إلّا هُو.

стр. 4770

حديثٌ خامِسٌ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان إذا عَجِلَ به السَّيرُ، جمَعَ بين المغرِبِ والعِشاءِ (٢). قد مَضَى القولُ في الجَمْع بين الصَّلاتينِ في السَّفرِ وغيرِهِ، مُسْتوعبًا في بابِ أبي الزُّبيرِ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 4771

حديثٌ سادِسٌ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، وعبدِ الله بن دينارٍ، وزيدِ بن أسلَمَ، كلّهُم يُحدِّثُهُ، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يَنْظُرُ اللهُ إلى مَن جرَّ ثوبهُ خُيَلاءَ". هكذا رَوَى هذا الحديثَ جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ فيما علِمتُ (٢)، لم يُدخِلُوا بينَ نافع وبين ابنِ عُمر فيه أحدًا، وكذلكَ ليسَ بين عبدِ الله بن دينارٍ وبينَ ابن عُمرَ فيه أحدٌ، ولا بينَ زيدِ بن أسلَمَ وبين ابنِ عُمرَ فيه أحد. وقد تقدَّمَ القولُ في بابِ زيدِ بن أسلَمَ في هذا. ورواهُ زيدُ (٣) بن يحيى بن عُبَيدٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ. وهُو عِندي (٤) خطأٌ من زيدِ بن يحيى بن عُبَيدٍ هذا، لا من غير، واللّه أعلمُ. حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بن عيسى، قال: حدَّثنا عليُّ بن مَعْبد (٥) أبو (٦) الحسنِ البَغْداديُّ البَزّاز، قال: حدَّثنا يحيى بن عُبَيدٍ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن نافع،

стр. 4772

عن سالم، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الذي يجُرُّ ثَوْبَهُ من الخُيَلاءِ لا يَنْظُرُ اللهُ إليه يومَ القيامة". هكذا قال يحيى بن عُبيدٍ، وإنَّما هُو زيدُ بن يحيى بن عُبَيدٍ. أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروان، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليِّ بن داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن جَريرٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مَعْبدِ (١) بن نُوح، قال: حدَّثنا زيدُ بن يحيى بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنس، عن نافع، عن سالم، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الذي يجُرُّ ثَوْبَهُ من الخُيَلاءِ، لا يَنْظُرُ الله إليه يومَ القيامة" (٢). قال أبو عُمرَ: زيدُ بن يحيى بن عُبيدٍ هذا دِمَشقيٌّ، يُكْنَى أبا عبدِ الله، رَوَى عنهُ يحيى بن مَعينٍ، وأحمدُ بن حَنْبل، ودُحَيمٌ، وغيرُهُم. وقد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ زيدِ بن أسلَمَ، والحمدُ للّه.

стр. 4773

حديثٌ سابعٌ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا جاءَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ". هكذا قال: "إذا جاءَ أحدُكُم". وتابَعهُ جماعةٌ، ومنهُم من يقولُ: "إذا راحَ أحدُكُم إلى الجُمُعةِ"، والمعنى واحدٌ (٢). حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جَعْفرِ بن الوَرْدِ وأحمدُ بن محمدِ بن عُثمان وأحمدُ بن محمدِ بن موسى ومحمدُ بن عبدِ الله بن زكريّا، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن عَقِيل، قال: حدَّثنا حَفْصٌ، قال: حدَّثنا إبراهيم (٣) بن طَهْمانَ، عن أيُّوبَ ومنصُورٍ ومالكٍ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا راحَ أحدُكُم إلى الجُمُعةِ فلْيغتسِلَ" (٤). وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرِ بن الوَرْدِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هارُونُ بن سَعيدِ بن الهيثم، قال: حدَّثنا خالدُ بن

стр. 4774

نِزارٍ، عن إبراهيمَ بن طَهْمان، عن مالكٍ ومنصُورٍ ومحمدِ بن عبيدِ الله (١) وأيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من أَتَى الجُمُعةَ فلْيَغتسِلْ" (٢). وحدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله (٣) بن جَعْفرٍ والحسنُ بن رشيقٍ والعبّاسُ بن مطروح الأزديُّ، قالوا: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن جعفرٍ الكُوفيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ وإسماعيلُ، وقرأتُ (٤) على عبدِ الله بن نافع، قالوا: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا جاءَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيَغتسِلْ". رَوَى هذا الحديثَ عن نافع جماعةٌ. ورواهُ أيضًا سالمٌ، عن ابنِ عُمرَ، من حديثِ ابنِ شهاب (٥). ومنهُم من يرويهِ عن ابنِ شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، عن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ . وقد رواهُ بُكَيرُ بن الأشجِّ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن حَفْصةَ، عن النَّبيِّ ﵇ (٦). حدَّثنا خَلَفُ بن القاسم بن سَهْلٍ الحافِظُ، قال: حدَّثنا الحُسَينُ بن جعفرٍ الزَّيّاتُ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يزيد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن مَسْلمةَ بن قَعْنَب (٧)،

стр. 4775

قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا جاءَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ" (١). ومِمَّن روى هذا الحديثَ عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ : مالكٌ، وأيُّوبَ، وعُبيدُ الله (٢)، وابنُ جُريج (٣)، وعبدُ العزيزِ بن أبي (٤) روّاد (٥)، ومنصُورُ بن المُعْتمِرِ، واللَّيثُ بنُ سعد (٦)، ومالكُ بن مِغْول (٧)، والضَّحّاكُ بن عُثْمانَ (٨)، وليثُ بن أبي (٩) سُلَيم، وحجّاجُ بن أرْطاةَ، وأشْعَثُ، كلُّهُم عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ".

стр. 4776

ورواهُ مَعْمر والأوزاعيُّ وابنُ عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا جاءَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ" (١). ورواهُ الزُّبيديُّ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، أنَّهُ أخبرَهُ، عن أبيهِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ" (٢). ورَوَى يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ، بينما هُو يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، إذْ جاءَ رجُلٌ فجَلَسَ، فقال عُمرُ: لمَ تَحْتبِسُونَ عن الجُمُعةِ؟ فقال الرَّجُلُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، ما هُو إلّا أن سَمِعتُ النِّداءَ، فتوضَّأتُ، ثُمَّ أقْبَلتُ. فقال عُمرُ: والوُضُوءُ أيضًا؟ ألَمْ تسمَعْ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا جاء (٣) أحدُكُم إلي الجُمُعةِ فلْيغتسِلْ" (٤). ورَوْى مَعْمرٌ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بينما هُو قائمٌ يومَ الجُمُعةِ يخطُبُ. فذكَرَ مِثلَ هذا سواءً، قال في آخِرِهِ: والوُضُوءُ أيضًا، وقد علِمتَ أنَّ رسُولَ الله كان يأمُرُ بالغُسلِ؟ وقد رواهُ جماعةٌ، عن ابنِ شِهابٍ كذلك مُسندًا. واختُلِف فيه عن مالكٍ، فرواهُ عنهُ جُمهُورُ أصحابِهِ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم، أنَّ عُمرَ، مُرسلًا. ورواهُ بعضُهُم عنهُ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمر، أنَّ عُمرَ، مُتَّصِلًا.

стр. 4777

وقد ذكَرْنا ذلك كلَّهُ في بابِ ابنِ شِهاب، عن سالم، من كِتابِنا هذا، وذكَرْنا كثيرًا من أسانيدِ هذه الآثارِ هُناك، واسْتَوعبنا القولَ في وُجُوبِ غُسْلِ الجُمُعةِ وسُقُوطِهِ، ومن رآهُ سُنَّةً، وكيفَ الوجهُ فيه بما للعُلماءِ في ذلك من المذاهبِ هُنالِك أيضًا، فلا وجهَ لإعادةِ شيءٍ من ذلكَ هاهُنا. وأمّا حديثُ ابنِ عُمرَ، عن حَفْصةَ في هذا البابِ؛ فحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم أبو الأحْوَصِ، قالا جميعًا: حدَّثنا يزيدُ بن خالدِ بن مَوْهَبٍ الرَّمليُّ (٢)، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بن فَضالةَ، عن عيّاشِ بن عبّاس، عن بُكَيرِ بن عبدِ الله بن الأشجِّ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن حَفْصةَ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ (٣) قال: "على كلِّ مُحتلِم الرَّواحُ إلى الجُمُعةِ، وعلى من راحَ إلى الجُمُعةِ الغُسْلُ". قال أبو عُمرَ: هذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّ الغُسلَ إنَّما يجِبُ عندَ الرَّواح، وكذلك قولُهُ ﵇: "من جاءَ مِنكُم الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ"، و"إذا جاءَ أحدُكُم الجُمُعةَ (٤) فلْيغتسِلْ". وهذا اللَّفظُ إنَّما يُوجِبُ الغُسْلَ عندَ الرَّواح، على ظاهِرِهِ، واللّه أعلمُ.
следующие страницы →