← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 503–542 · переход к 508.

стр. 503

وقال بعضُهم: إنّما يجبُ إتيانُ طعام القادم من سَفَر، وطعام الختان، وطعام الوليمة. والحجَّةُ قائمةٌ بما قدَّمنا من الآثارِ الصِّحاح التي نقَلها الأئمةُ مُتَّصلةً إلى النبيِّ ﷺ ، وهي على عُمومِها لا تَخُصُّ دعوةً من دعوة. أخبَرني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الفضلِ البغداديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي (٢) المثنَّى، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ عون، قال: حدَّثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ أبو إسحاق، عن أشعثَ بنِ أبي الشعثاء، عن معاويةَ بنِ سُويدِ بنِ مقرِّن، عن البراءِ بنِ عازب، قال: أمَرنا رسولُ اللَّه ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع، أمَرنا بعيادةِ المريض، واتِّباع الجنائز، وإفشاءِ السلام، وإجابةِ الدَّاعي، وتَشمِيتِ العاطِس، ونَصرِ المظلوم، وإبرارِ القَسَم، ونهانا عن الشُّرْب في الفضَّة؛ فإنّه مَن شرِب فيها في الدُّنيا لم يشرَبْ فيها في الآخرة، وعن التختُّم بالذَّهب، وعن رُكوبِ المياثر (٣)، وعن لِباسِ القَسِّيِّ (٤)، والحرير، والدِّيباج، والإستَبْرَق (٥).

стр. 504

قال البراءُ: أمَرنا رسولُ اللَّه ﷺ بسَبع. فذكَر منها إجابةَ الدَّاعي، وذكَر معها أشياءَ؛ منها ما هو فرضٌ على الكِفاية، ومنها ما هو واجبٌ وُجوبَ سُنّة، فكذلك إجابةُ الدَّعوة، واللَّهَ نسألُه العِصمة. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو معمر (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن ابنِ سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ (٢) قال: "إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعام فليُجِبْ؛ فإن كان مُفطِرًا فليأكُلْ، وإن كان صائمًا فليُصَلِّ". يقول: فلْيَدْعُ (٣). قال أبو عُمر: قد جاءَ في هذا الحديثِ مع صِحَّةِ إسنادِه: "إلى طعام". لم يَخُصَّ طعامًا من طعام. وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مسرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنُ نمير، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جريج، عن أبي الزُّبير، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ :

стр. 505

"إذا دُعِيَ أحدُكم فليُجِبْ؛ فإن شاء أكَل، وإن شاء ترَك" (١). وهذا أيضًا على عمومِه. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن أيوب، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أجِيبوا الدَّعوةَ إذا دُعِيتم" (٣). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق (٤)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمد، عن موسى بنِ عُقبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أجِيبوا الدَّعوةَ إذا دُعِيتم لها" (٥). وهذا أيضًا على عُمومِه سُنَّةٌ مسنونةٌ، وباللَّه التوفيق.

стр. 506

قال أبو عمر (١): زادَ القَعنبيُّ (٢) وابنُ بُكير (٣) في حديثِ مالكٍ هذا، عن إسحاق، عن أنس، ذِكرَ القَديد، فقالا: لطعام (٤) فيه دُبّاءٌ وقديدٌ. وتابَعهما على ذلك قومٌ؛ منهم أبو نُعيم، إلّا أنّه اختصَر ألفاظًا من هذا الحديث. أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٥): حدَّثنا أبو نعيم الفضلُ بنُ دكين، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ أُتِي بمَرَقٍ فيه دُبّاءٌ وقديدٌ، فرأيتُه يَتَّبَّعُ الدُّبّاءَ يأكُلُه. وفي هذا الحديث أيضًا إباحةُ إجَالةِ اليَدِ في الصَّحْفة، وهذا عندَ أهلِ العلم على وجهين: أحدُهما: أنَّ ذلك لا يحسُنُ ولا يجمُلُ إلّا بالرَّئيسِ ورَبِّ البيتِ. والآخر: أنَّ المَرَقَ والإدامَ وسائرَ الطَّعام إذا كان فيه نوعانِ أو أنواعٌ فلا بأسَ أن تَجُولَ اليدُ فيه؛ للتَّخيُّرِ مما وُضِع في المائدةِ والصَّحْفَةِ من صُنوفِ الطّعام، لأنّه لذلك قدِمَ، ليأكُلَ كلَّ ما أراد. وهذا كلُّه مأخوذٌ من هذا الحديث.

стр. 507

أَلَا ترَى أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ جالَت يدُه في الصَّحفَةِ يتَّبَّعُ الدُّبّاء؟ فكذلك الرُّؤساء، ولمّا كان في الصَّحفَةِ نوعان، وهما اللَّحمُ والدُّبّاء، حَسُن بالآكلِ أن تَجُولَ يدُه فيما اشتهَى من ذلك، بدليلِ هذا الحديث، ولا يجوزُ ذلك على غيرِ هذين الوجهين؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ لعمرَ بنِ أبي سلَمة: "سمِّ اللَّهَ، وكُلْ بيمينِكَ، وكُلْ مما يلِيكَ" (١). وإنّما أمَره أن يأكُلَ مما يليه؛ لأنَّ الطَّعامَ كان كلُّه نوعًا واحدًا، واللَّهُ أعلم. كذلك فسَّره أهلُ العلم. وفيه أيضًا ما كان القومُ عليه من شَظَفِ العيشِ في أكلِ الشَّعيرِ وما أشبَهَه، وما كانوا عليه من المُواساةِ وإطعام الطعام مع ما كانوا فيه من هذه الحال، وقد رُوِيَ أنَّهم كانوا يُكثِّرون طعامَهم بالدُّبّاء. ذكر الحميديُّ (٢)، عن سفيانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالد، عن حكيم بنِ جابرٍ الأحْمَسيِّ، عن أبيه، قال: دخَلتُ على النبيِّ ﷺ ، فرأيتُ عندَه الدُّبّاءَ فقلتُ: ما هذا؟ فقال: "نُكَثِّرُ به طعامَنا". ومن صريح الإيمانِ حُبُّ ما كان رسولُ اللَّه ﷺ يُحبُّه، واتِّباعُ ما كان رسولُ اللَّه ﷺ يَفعَلُه، ﷺ ؛ أَلَا ترَى إلى قولِ أنس: فلم أزَلْ أُحبُّ الدُّبّاءَ بعدَ ذلك اليوم.

стр. 508

حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم بنِ سهل، قال: حدَّثنا أبو الطاهرِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّه القاضي بمصرَ، قال: حدَّثنا موسى بن هارونَ بنِ عبدِ اللَّه الحمّالُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبّاد، قال: حدَّثنا سفيانُ -يعني ابنَ عُيينة- عن مالك، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنس، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يتَّبَّعُ الدُّبّاءَ في القَصْعَة، فلا أزالُ أُحبُّه (١). ورواهُ جماعةٌ من أصحابِ ابنِ عُيينة، عنه، عن مالكٍ، بإسناده هذا (٢).

стр. 509

حديثٌ سابعٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ الأنصاريّ، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لهم في مِكْيالِهم وبارِكْ لهم في صاعِهم ومُدِّهم"؛ يعني: أهلَ المدينة. هذا من فصيح كلام رسولِ اللَّه ﷺ وبلاغتِه، وفيه استعارةٌ بيِّنةٌ؛ لأنَّ الدُّعاءَ إنّما هو للبركَةِ في الطَّعام المَكِيلِ بالصَّاع والمُدِّ، لا في الظُّروف، واللَّهُ أعلم. وقد يَحتَمِلُ على ظاهرِ العُموم أن يكونَ في الطَّعام والظُّروف. وفي هذا الحديثِ دَليلٌ على أنَّ الكيلَ إذا اختلَفَ في البُلدانِ في الكَفّارات (٢)، وجَبَ الرُّجوعُ فيه إلى أهلِ المدينة، وترجيحُ القائلِ بذلك قولُه؛ بدعاءِ رسولِ اللَّه ﷺ لهم في مِكيالِهم وصاعِهم ومُدِّهم. وفيه دلالةٌ على صحَّةِ روايةِ مَن روَى عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "المِكيالُ مِكيالُ أهلِ المدينة، والوزنُ وَزْنُ مكة" (٣).

стр. 510

وفي هذا أيضًا ما يدُلُّ على أنَّ ما كان مَكِيلًا بالمدينة، مما ورَد فيه الخبرُ بتحريم التَّفاضُل، لا يجوزُ فيه إلّا الكَيلُ، وقياسُ ذلك أنَّ ما كان موزونًا عندَهم، فالتَّفاضلُ في بعضِه ببعضٍ مُحرَّمٌ، لا يجوزُ فيه إلّا الوَزنُ، واللَّهُ أعلم. وفي هذا الحديثِ فضلٌ بيِّن للمدينة، وقد عارَضه بعضُ من يفضِّلُ مكةَ بما ذكَره البخاريُّ، قال (١): حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيّ، قال: حدَّثنا أزهرُ بنُ سعدٍ السَّمانُ، عن ابنِ عَوْن، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في يمَنِنا". قالوا: وفي نَجْدِنا يا رسولَ اللَّه. قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في يمَنِنا". قالوا: يا رسولَ اللَّه، وفي نَجْدِنا. فأظنُّه قال في الثالثة: "هُنالِكَ الزَّلازلُ والفِتنُ، وبها يَطلُعُ قَرنُ الشيطان". قال أبو عُمر: دُعاؤُه ﷺ للشَّام، يعني لأهْلِها، كتَوْقيتِه لأهلِ الشَّام الجُحْفَة، ولأهلِ اليمنِ يلَمْلمَ، عِلْمًا منه بأنَّ الشامَ سينتَقِلُ إليها الإسلامُ، وكذلك وقَّتَ لأهلِ نجدٍ قَرْنًا، يعني عِلْمًا منه بأنَّ العِراقَ ستكونُ كذلك، وهذا من أعلام نُبوَّتِه ﷺ .

стр. 511

حديثٌ ثامنٌ لإسحاق عن أنسٍ، مُسندٌ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "الرُّؤيا الحَسَنةُ من الرجلِ الصالح جُزءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزءًا من النُّبوَّة". قال أبو عُمر: هذا حديثٌ لا يُختلَفُ في صحَّتِه (٢)، ورُوِيَ أيضًا من وُجوهٍ كثيرةٍ عن جماعةٍ من الصَّحابة، عن النبيِّ ﷺ ، بألفاظٍ مختلفة، فمن ذلك: ما رواه شعبةُ، عن ثابت، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ ، كما رواه مالكٌ (٣). وقد رُوِيَ عن أنس، عن عُبادةَ بنِ الصّامت، عن النبيِّ ﷺ ؛ رواه شعبةُ، عن قتادةَ، عن أنس، عن عُبادةَ بنِ الصَّامت، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "رؤيا المؤمنِ جزءٌ من ستّةٍ وأربعين جُزءًا من النُّبوَّة" (٤). وكذلك رواه أبو هريرة، عن النبيِّ ﵇، من حديثِ سعيدِ بنِ المُسيِّب (٥)، وأبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمن (٦)، وأبي صالح السَّمّان (٧)، وعبدِ الرَّحمن

стр. 512

الأعرج (١)، ومحمدِ بنِ سيرين (٢)، عن أبي هريرة. وكذلك رواه عبدُ اللَّه بنُ عَمْرِو بنِ العاص، عن النبيِّ ﵇، من حديثِ ابنِ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن درّاج أبي السَّمْح، عن عبدِ الرَّحمن بن جُبَيْر، عن عبدِ اللَّه بنِ عَمْرِو بنِ العاص (٣). وأخطأ فيه رِشْدِينُ بنُ سَعْد، فرواه عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن دَرّاج بإسنادِه، فقال فيه: "جزءٌ من تسعةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة" (٤). ورواه أبو سعيدٍ الخُدريُّ، عن النبيِّ ﷺ ، فقال فيه: "جزءٌ من خمسةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة"، من حديثِ الليثِ بنِ سَعْد، عن يزيدَ بنِ الهاد، عن عبدِ اللَّه بنِ خَبّاب، عن أبي سعيدٍ الخدريّ (٥).

стр. 513

وكذلك رواه ابنُ جُريج، عن ابن أبي حسين، عن عكرمة، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "الرُّؤيا الصَّالحةُ جزءٌ من خمسةٍ وأربعينَ جزءًا من النبوة" (١). وقد رُوِيَ من حديثِ عُبادة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الرُّؤيا الصالحةُ جزءٌ من أربعةٍ وأربعين جزءًا من النبوة". بإسنادٍ فيه لينٌ (٢). وقد حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي العَقب (٣)، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوَهْبيُّ (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرمزَ الأعرج، عن سَلْمان (٥) بنِ عَريب، قال:

стр. 514

سمِعتُ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "رُؤيا الرجلِ الصالح بُشْرَى من اللَّه، جزءٌ من ستّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة". قال سَلْمان (١): فحدَّثتُ به ابنَ عباس فقال: "من خمسين جزءًا من النبوة". فقلتُ: إنِّي سمِعتُ أبا هريرةَ يقول: إنَّه سمِع رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة"، فقال ابنُ عباس: سمِعتُ العباسَ بنَ عبدِ المطلب قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الرُّؤيا الصالحةُ من المؤمنِ جزءٌ من خمسين جزءًا من النبوَّة" (٢). وقد حدَّث هذا الحديثَ أبو سلَمةَ عمرَ بنَ عبدِ العزيز، فقال عمر: لو كانت جزءًا من عددِ الحصا لرأيتُها صِدقًا. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الرُّؤيا الصالحةُ جزءٌ من سبعين جزءًا من النُّبوَّة"، من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ عمر، عن النبيِّ ﷺ . رواه عُبيدُ اللَّه بنُ عمرَ، وابنُ جُريج، وعبدُ العزيز بنُ أبي رَوّاد (٣)، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 515

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ عُمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الرُّؤْيا الصالحةُ جزءٌ من سبعين جزءًا من النُّبوَّة". وهذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، لا يُختلَفُ في صحِّتِه. وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ مثلُه. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا أسودُ بنُ عامر، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن سِماكِ بنِ حَرب، عن عكرمة، عن ابنِ عباس، قال: رُؤْيا المسلم جزءٌ من سبعين جزءًا من النُّبوَّة (٢). وروَى عاصمُ بنُ كُلَيب، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣). قال أبو عُمر: حديثُ أنسِ بنِ مالك، أخبرناه عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أسَد، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ محمدِ بنِ العَلاء، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ المثَنَّى بن دُجانَة، قال: حدَّثنا عَفّانُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختار، قال: حدَّثنا

стр. 516

ثابتٌ، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَن رآني في المنام فقد رَآني؛ فإن الشَّيطانَ لا يَتمثَّلُ بي، ورُؤَيَا المؤمنِ جزءٌ من ستّةٍ وعشرينَ جُزْءًا من النُّبوَّة" (١). هكذا (٢) في حديثِ أَنَسٍ هذا -وهو حسنُ الإسناد-: "جزءٌ من ستّةٍ وعشرين جزءًا". ورواه أبو رَزِينٍ العُقَيليُّ، فقال فيه: "جزءٌ من أربعين جزءًا"؛ حدَّثناه عبدُ اللَّه (٣)، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ المثَنَّي، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: أخبرنا يَعلَى بنُ عطاء، عن وكيع بنِ عُدُس (٤)، عن عمِّه أبي رَزِينٍ العُقَيليِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الرُّؤيا جُزءٌ من أربعين جزءًا من النُّبوَّة، والرُّؤيا مُعلَّقةٌ برجلِ طائر، ما لم يُحدِّثْ بها صاحبُها، فإذا حدَّث بها وقَعت، فلا تُحدِّثوا بها إلّا عاقلًا، أو مُحِبًّا، أو ناصحًا" (٥).

стр. 517

قال أبو عُمر: اختلافُ آثارِ هذا الباب، في عدد أجزاءِ الرُّؤيا من النُّبوَّة، ليس ذلك عندي باختلاف تضادٍّ وتدافُع، واللَّه أعلم؛ لأنه يحتملُ أن تكونَ الرُّؤيا الصالحةُ من بعض مَنْ يراها، على ستّةٍ وأربعينَ جزءًا أو خمسةٍ وأربعينَ جزءًا، أو أربعةٍ وأربعينَ جزءًا، أو خمسينَ جزءًا، أو سبعينَ جزءًا، على حسَبِ ما يكونُ الذي يراها، من صِدْقِ الحديث، وأداءِ الأمانة، والدِّينِ المتين، وحُسنِ اليقين، فعلى قدْرِ اختلافِ الناسِ فيما وصفْنا، تكون الرُّؤيا منهم على الأجزاءِ المختلفةِ العَدَدِ، واللَّهُ أعلمُ، فمَن خَلصتْ له نيَّتُه في عبادةِ ربِّه ويقينِه وصِدْق حديثه، كانت رؤياهُ أصدقَ، وإلى النُّبوةِ أقربَ، كما أنّ الأنبياءَ يتفاضلونَ، والنُّبوَّةُ كذلك، واللَّهُ أعلمُ، قال اللَّه : ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنُ حكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسّانَ الأنْماطيُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبد الرَّحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عثمانَ، عن الحكم بنِ عُتَيبةَ، عن مِقْسَم، عن ابنِ عبّاسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كان منَ الأنبياءِ مَنْ يسمعُ الصّوتَ، فيكونُ به نبيًّا، وكان منهم مَنْ يرى في المنام، فيكونُ بذلك نبيًّا، وكان (١) منهم

стр. 518

مَن يُنفَثُ في أُذنِه وقلبِه فيكونُ بذلك نبيًّا، وإنَّ جبريلَ يأتيني فيكلِّمُني كما يُكلِّمُ أحدُكم صاحبَه" (١). قال أبو عُمر: هذا على أنَّه يُكلِّمُه جبريلُ كثيرًا بالوحي في الأغلَب من أمرِه، وقد قال ﷺ : "إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفَث في رُوعي أنّه لن تموتَ نفسٌ حتى تَستكمِلَ رزقَها، فاتَّقوا اللَّهَ وأجمِلُوا في الطَّلَب؛ خُذوا ما حلَّ، ودَعُوا ما حرُم" (٢).

стр. 519

وفي حديثِ عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قيلَ له: كيفَ يأتيكَ الوحيُ؟ قال: "يأتيني الوحيُ أحيانًا في مثلِ صلصلةِ الجَرَس (١)، فيَفْصِمُ عنِّي وقد وعَيْتُ ما قال" (٢). وقد كان يتراءَى له جبريلُ من السَّحاب، وكان أولَ ما ابتُدئ من النُّبوَّة أنّه كان يرى الرُّؤيا فتأتي كأنَّها فَلَقُ الصُّبح، وربما جاءه جبريلُ في صِفَةِ إنسانٍ حسَنِ الصُّورة، فيكلِّمُه، وربَّما اشتدَّ عليه حتى يغِطَّ غطِيطَ البَكْر (٣)، ويئِنَّ ويَحمَرَّ وجهُه، إلى ضُروبٍ كثيرةٍ يطُولُ ذِكرُها. وقد يَحتمِلُ أن تكونَ الرُّؤيا جزءًا من النُّبوَّة، لأنَّ فيها ما يَعجِزُ ويَمتنِعُ، كالطير انِ وقلبِ الأعيان، ولها التَّأويلُ الحسَنُ، وربما أغنَى بعضُها عن التَّأويل. وجملةُ القولِ في هذا الباب أنَّ الرُّؤيا الصّادقةَ من اللَّه، وأنّها من النُّبوَّة، وأنَّ التصديقَ بها حقٌّ، وفيها من بديع حِكْمةِ اللَّه ولُطفِه ما يَزيدُ المؤمنَ في إيمانِه. ولا أعلمُ بينَ أهلِ الدِّينِ والحقِّ، من أهلِ الرَّأيِ والأثر، خلافًا فيما وصَفْتُ لك، ولا يُنكِرُ الرُّؤيا إلّا أهلُ الإلحاد، وشِرذِمةٌ من المعتزلة. وأمّا قولُه ﷺ في الحديث: "الرُّؤيا الصالحةُ من الرجلِ الصالح". وربما جاء في الحديث: "الرُّؤيا الصالحةُ". فقط، وربما جاء في الحديثِ أيضًا: "رُؤيا المسلم". فقط (٤)،

стр. 520

و: "رُؤَيَا المؤمن". فقط، وربما جاء: "يراها الرجلُ الصالحُ، أو تُرَى له"؛ يعني من صالح وغيرِ صالح، وهي ألفاظُ المحدِّثين، واللَّهُ أعلمُ بها. والمعنى عندي في ذلك على نحوِ ما ظهَر إليَّ في الأجزاءِ المختلفةِ من النُّبوَّة، والرُّؤيا إذا لم تكنْ من الأضغاثِ والأهاويلِ (١) فهي الرُّؤيا الصَّادقة (٢)، وقد تكونُ الرُّؤيا الصادقةُ من الكافر، ومن الفاسق؛ كرؤيا الملكِ التي فسَّرها يوسفُ ﷺ ورؤيا الفتيَين في السِّجن، ورُؤيا بُختِنصَّرَ التي فسَّرها دانيالُ في ذهابِ مُلكِه، ورُؤيا كِسْرَى في ظُهورِ النبيِّ ﷺ ، ورُؤيا عاتِكةَ عمَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ في أمرِ النبيِّ (٣)، ومثلُ هذا كثيرٌ، وقد قسَم رسولُ اللَّه ﷺ الرُّؤيا أقسامًا تُغنِي عن قولِ كلِّ قائل. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ يزيدَ الحلَبيُّ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفَرِ بنِ يحيى بن رَزينٍ بحِمْصَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حمزة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ عَبيدة، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ مِشْكم،

стр. 521

عن عوفِ بنِ مالك، عن رسولِ اللَّه ﷺ قال: "الرُّؤيا ثلاثةٌ، منها أهاويلُ الآن، لِيُحْزِنَ ابنَ آدم، ومنها ما يَهُمُّ به في يَقظتِه، فيَراه في منامِه، ومنها جزءٌ من ستّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة". قال: قلتُ: سمِعتَ هذا (١) من رسولِ اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم، سَمِعتُه من رسولِ اللَّه ﷺ (٢). وذكَره ابنُ أبي شيبة (٣)، عن المُعَلَّى بنِ منصور، عن يحيى بنِ حمزة، عن يزيدَ بنِ عَبيدة، عن أبي عُبيدِ اللَّه، عن عوفِ بنِ مالك، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. وهذا يُفسِّرُ قولَه في حديثِ إسحاق: "الرُّؤيا الحسنة": أنَّها ما لم تكنْ من أهاويلِ الشيطان، ولا مما يَهُمُّ به الإنسانُ في يَقَظتِه، ويَشغَلُ بها نفسَه. ذكَر عبدُ الرَّزّاق (٤)، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "في آخرِ الزَّمانِ لا تكادُ رُؤيا المؤمنِ تَكذِبُ، وأصدقُهم رُؤيا أصدَقُهم حديثًا، والرُّؤيا ثلاثة؛ الرُّؤيا الحسنةُ بُشرَى من اللَّه، والرُّؤيا يُحدِّثُ بها الرجلُ نفسَه، والرُّؤيا تَحزينٌ من الشيطان، فإذا رأى أحدُكم

стр. 522

رُؤيا يكرَهُها، فلا يُحدِّثْ بها أحدًا، ولتقُمْ فليُصَلِّ". قال أبو هريرة: يُعجبُني القَيْدُ، وأكرَهُ الغُلَّ، القيدُ ثَباتٌ في الدِّين. وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيان، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا مُضَرُ (١) بنُ محمدٍ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عثمانَ بنِ زيادٍ المِصِّيصيُّ، قال: حدَّثنا مَخلَدُ بنُ حُسين، عن هشام بنِ حسان، عن ابنِ سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا اقترَبَ الزمانُ لم تكَدْ رُؤيا المؤمنِ تَكْذِبُ، وأصدَقُهم رُؤيا أصدَقُهم حديثًا، ورُؤيا المسلم جزءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزءًا من النُّبوَّة، والرُّؤيا ثلاثةٌ: فالرؤيا الحَسَنةُ من اللَّه، والرُّؤيا من تَحزينِ الشَّيطان، والرُّؤيا يُحدِّثُ بها الإنسانُ نفسَه، فإذا رأى أحدُكم ما يَكرَهُ فلا يُحدِّثْ به، وليَقُمْ فليُصلِّ". قال أبو هريرة: أُحِبُّ القَيْدَ في النَّوْم، وأكرَهُ الغُلَّ، والقَيدُ ثباتٌ في الدِّين (٢). وروَى قتادةُ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ بعضَ هذا الحديث (٣). وذكَر ابنُ أبي شيبة (٤)، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ ووكيعٌ (٥)، عن الأعمش،

стр. 523

عن أبي ظَبْيان، عن عَلْقمة، قال: قال عبدُ اللَّه: الرُّؤيا ثلاثةٌ؛ حضورُ الشَّيطان، والرُّجلُ يُحدِّثُ نفسَه بالنهارِ فيَراه باللَّيل، والرُّؤيا التي هي الرُّؤيا. وأولَى ما اعتُمِد عليه في عبارةِ الرُّؤيا والأدبِ فيها لِمَن رآها أو قُصَّتْ عليه، ما حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المفسِّر (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مَعِين، قال (٢): حدَّثنا يحيى بنُ صالح، عن سُليمانَ بنِ بلال، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا رأى أحدُكم الرُّؤيا تُعجِبُه فليَذْكُرْها وليُفَسِّرْها، وإذا رأى أحدُكم الرُّؤيا تَسُوؤه، فلا يَذكُرْها، ولا يُفَسِّرْها". وقيل لمالك ﵀: أَيُعبِّرُ الرُّؤيا كلُّ أحد؟ فقال: أبالنُّبوَّة يُلعَب؟ وقال مالك: لا يُعبِّرُ الرُّؤيا إلّا مَن يُحسِنُها؛ فإن رأى خيرًا أخبَر به، وإن رأى مكروهًا فليقلْ خيرًا أو ليَصمُتْ. قيل: فهل يُعبِّرُها على الخيرِ وهي عندَه على المكروه؛ لقولِ من قال: إنّها على ما أوِّلت عليه؟ فقال: لا. ثم قال: الرُّؤيا جزءٌ من النُّبوَّة، فلا يُتلاعبُ بالنُّبوَّة (٣).

стр. 524

حديثٌ تاسعٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحة، أنَّه سمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: قال أبو طلحةَ لأمِّ سُلَيم: لقد سَمِعتُ صوتَ رسولِ اللَّه ﷺ ضعيفًا أعْرِفُ فيه الجُوعَ، فهل عندكِ من شيء؟ فقالت: نعم. قال: فأخرَجَتْ أقراصًا من شعير، ثم أخذَتْ خِمارًا لها، ثم لفَّتِ الخبزَ ببعضِه، ثم دسَّتْه تحتَ يَدِي وردَّتْني ببعضِه، ثم أرسلَتْني إلى رسولِ اللَّه ﷺ . قال: فذهَبْتُ به، فوجدْتُ رسولَ اللَّه ﷺ جالسًا في المسجدِ ومعه الناسُ، فقمتُ عليهم، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أرسلَك أبو طلحة؟ ". فقلت: نعم. فقال: "بطعام؟ ". قال: قلت: نعم. فقال رسولُ اللَّه ﷺ لمن معه: "قوموا". فانطَلَقوا، وانطلقْتُ بين أيديهم، حتى جئْتُ أبا طلحة، فأخبَرْتُه، فقال أبو طلحة: يا أُمَّ سُليم، قد جاءَ رسولُ اللَّه والناسُ، وليس عندنا من الطعام ما نُطْعِمُهم، فقالت: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: فانطلَق أبو طلحةَ حتى لَقِي رسولَ اللَّه ﷺ ، فأقبَل رسولُ اللَّه ﷺ وأبو طلحةَ معه حتى دخَلا، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "هلمِّي يا أُمَّ سُليم ما عندكِ". فأتتْ بذلك الخبز، فأمَر به ففُتَّ، وعصرَتْ عليه أُمُّ سُليم عُكَّةً (٢) لها فآدَمَتْه، ثم قال رسولُ اللَّه ﷺ ما شاءَ اللَّهُ أن يقول، ثم قال: "ائذَنْ لعشَرةٍ". فأذِنَ لهم، فأكَلوا حتى شبِعوا، ثم خرَجوا، ثم قال: "ائذَنْ لعشَرةٍ". فأذِنَ لهم، فأكَلوا حتى شبِعوا، ثم خرَجوا، ثم قال: "ائذَنْ لعشَرةٍ". فأذِنَ (٣) لهم، فأكَلوا حتى شبِعوا، ثم خرَجوا، ثم قال: "ائذَنْ لعشَرةٍ". فأذِنَ لهم، فأكَلوا حتى شبِعوا، ثم خرَجوا، فقال: "ائذَنْ لعشَرةٍ". حتى أكَل (٤) القومُ كلُّهم وشبِعوا، والقومُ سبعونَ أو ثمانون رجلًا.

стр. 525

قال أبو عمر (١): هذا من أثبَتِ ما يُروَى من الحديثِ وأحسنِه اتِّصالًا (٢)، وكذلك سائرُ حديثِ إسحاقَ عن أنس. قال أبو عُمر: احتجَّ بعضُ أصحابِنا بهذا الحديثِ في جوازِ شهادةِ الأعمَى على الصوت، وقال: لم يَمنَعْ أبا طلحةَ ضعفُ صوتِ رسولِ اللَّه ﷺ عن تمييزِه؛ لعلمِه به، فكذلك الأعمَى إذا عرَف الصوت. وعارَضه بعضُ مَن لا يرَى شهادةَ الأعمَى جائزةً على الكلام، بأنَّ أبا طلحةَ قد تغيَّر عندَه صوتُ رسولِ اللَّه ﷺ مع عِلْمِه بصوتِه، ولولا رُؤيتُه له لاشتبَهَ عليه في حينِ سماعِه منه وما عرَفَه. والتَّشغيبُ في هذه المسألةِ طويلٌ. وفي هذا الحديث: ما كان عليه رسولُ اللَّه ﷺ وأصحابُه من ضِيْقِ الحال، وشَظَفِ العيش، وأنّه كان ﷺ يجوعُ حتى يَبلُغَ به الجوعُ والجَهْدُ إلى ضعفِ الصوت، وهو غيرُ صائم. وفيه أنَّ الطعامَ الذي لمثلِه يُدعَى الضَّيفُ، ولا يُدعَى إلّا لأرفع ما يُقدَرُ عليه، كان عندَهم الشعيرَ، وقد كان أكثرَ طعامِهم التمرُ في أوِّلِ الإسلام، وكان يمرُّ بهم الشهرُ والشهرانِ ما تُوقَدُ في بيتِ أحدِهم نارٌ، وذلك محفوظٌ معناه من حديثِ عائشةَ (٣) وغيرِها. وفيه قَبولُ مُواساةِ الصديقِ وأكلُ طعامِه، وأنَّ ذلك ليسَ بصدقةٍ، وإنّما كان صلةً وهديّةً، ولو كان صَدَقةً ما أكَله رسولُ اللَّه ﷺ .

стр. 526

وفيه أنَّ الرجلَ إذا دُعيَ إلى طعام جاز لجلسائِه أن يأتُوا معه إذا دعاهُم الرجل، وإنْ لم يَدْعُهم صاحبُ الطعام، وذلك عندي محمولٌ على أنَّهم علِموا أنَّ صاحِبَ الطعام تَطيبُ لهم نفسُه بذلك. ووجهٌ آخرُ، أن يكونَ الطعامُ يكفِيهم، وقد قال مالكٌ: لا ينبغي لمَن دُعيَ إلى طعام أنْ يَحمِلَ مع نفسِه غيرَه، إذ لا يدري هل يُسرُّ بذلك صاحبُ الطعام أم لا؟ قال مالك: إلّا أنْ يقالَ له: ادعُ مَن لقِيتَ. وفيه اكتراثُ المؤمنِ عندَ ضيقِ الحال، إذا نزَل به ضيفٌ وليس معه ما يكفِيه من الطَّعام. وفيه فَضلُ فطنةِ أمِّ سُليم؛ لحُسنِ جوابِها زوجَها حينَ شكا إليها كثرةَ مَنْ حلَّ به مع قلَّةِ طعامِه، فقالت له: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ؛ أي: لم يأتِ بهم إلّا وسيُطعمُهم. وفيه الخروجُ إلى الطريقِ لمن قصَدَ، إذا كان أهلًا لذلك؛ لأنَّه من البرِّ. وفيه أنَّ صاحبَ الدارِ لا يَستَأذِنُ في دارِه، وأنَّ من دخَل معه يَستغني عن الإذن. وفيه أنَّ الصَّديقَ المُلاطفَ يأمُرُ في دارِ صديقِه بما يُحبُّ، ويُظهرُ دالَّتَه في الأمرِ والنَّهيِ والتَّحكُّم؛ لأنَّه اشترَط عليهم أن يُفَتَّ الخُبزُ، وهو فعلٌ يَرضَاه أهلُ الكَرَم من الضيف، ولقد أحسَن القائلُ (١): يَستَأنِسُ الضَّيفُ في أبياتِنا أبدًا ... فليس يعرِفُ خَلْقٌ أيُّنا الضَّيفُ

стр. 527

وفيه أنَّ الإنسانَ لا يُدخَلُ عليه بيتُه إلّا معه أو بإذنِه، ألا ترَى إلى قوله ﷺ : "ائذَنْ لعشَرةٍ"؟ وقد استحبَّ بعض (١) أهلُ العلم ألّا يكونَ على الخِوانِ الذي عليه الطعامُ أكثرُ من عشَرةٍ. وفيه أنَّ الثَّريدَ أعظمُ بركَةً من غيرِه مِن الطعام، ولذلك اشترَط به رسولُ اللَّه ﷺ ، واللَّهُ أعلم. وفيه أنَّ لصاحبِ الطعام أنْ يُقدِّمَ إلى طعامِه ممن حضَره مَن شاء، من غيرِ قُرْعَة، وإن كان قد دَعاهم جميعًا، إذا علِم أنَّ كلَّ واحدٍ منهم يَصِلُ من الطَّعام إلى ما يَكفِيه في ذلك الوقت. وفيه إباحَةُ الشِّبَع للصالحين، وقد رُوِيَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان آخِرَهم أكْلًا، وذلك من مكارم الأخلاق، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ساقي القوم آخِرُهم شُرْبًا" (٢). وفيه العَلَمُ الساطعُ النَّيِّرُ، والبرهانُ الواضحُ، من أعلام نُبوَّتِه ﷺ ، وقد رُوِيَ هذا المعنى وشِبْهُه من وجوهٍ كثيرة. منها: ما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ

стр. 528

محمدٍ المحاربيُّ، عن عبدِ الواحدِ بنِ أيمن (١)، عن أبيه، قال: قلتُ لجابرِ بنِ عبدِ اللَّه: حدِّثْنا بحديثٍ سمِعْتَه من رسولِ اللَّه ﷺ أرْوِيه عنك. قال: فقال جابر: كنّا مع رسولِ اللَّه ﷺ يومَ الخندقِ نَحْفِرُه، فلَبِثْنا ثلاثةَ أيّام لا نَطعَمُ طعامًا، ولا نَقْدِرُ عليه، فعَرضَتْ في الخندقِ كُدْيَةٌ (٢)، فجئتُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، هذه كُدْيَةٌ قد عرَضَتْ في الخندق. فرَشَشْنا عليها الماءَ. فقام رسولُ اللَّه وبَطنُه مَعْصوبٌ بحَجَر، فأخَذ المِعْوَلَ أو المِسْحاة، ثم سمَّى ثلاثًا، ثم ضرَب، فعادَتْ كَثيبًا أَهْيَلَ (٣)، فلمّا رأيتُ ذلك من رسولِ اللَّه ﷺ ، قلتُ: يا رسولَ اللَّه، ائذَنْ لي. فأذِنَ لي، فجِئْتُ امرأتي، فقلتُ: ثكِلتْكِ أُمُّكِ، إنِّي قد رأيْتُ من رسولِ اللَّه ﷺ شيئًا لا صبرَ لي (٤) عليه، فما عندكِ؟ قالت: عندي صاعٌ من شعيرٍ وعَناقٌ (٥). قال: فطحَنّا الشَّعيرَ، وذبَحْنا العَناقَ وأصلَحْناها، وجعَلْناها في البُرْمَة (٦)، وعجَنتِ الشعيرَ، فرجَعْتُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فلبِثْتُ ساعةً، ثم اسْتأذنْتُ الثانية، فأذِنَ لي، فجِئْتُ فإذا العَجِينُ قد أمكَن، فأمَرْتُها بالخبز، وجعَلَتِ القِدْرَ على الأثافيّ (٧)، ثم

стр. 529

جئتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، فسارَرْتُه فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنَّ عندَنا طُعَيِّمًا (١) لنا، فإنْ رأيتَ أن تقومَ معي أنت ورجلٌ أو رجلانِ معك فعلْتَ؟ فقال: "ما هو؟ وكم هو؟ ". فقلتُ: صاعٌ من شعيرٍ وعَناقٌ. قال: "ارجِعْ إلي أهْلِك، فقلْ لها: لا تَنزع القِدْرَ من الأثافيّ، ولا تُخرِج الخُبزَ من التَّنُّورِ حتى آتِي". ثم قال للناس: "قوموا إلى بيتِ جابر". فاستَحْيَيْتُ حياءً لا يَعلَمُه إلّا اللَّه. فقلتُ لامرأتي: ثكِلَتْكِ أُمُّكِ، قد جاء رسولُ اللَّه ﷺ بأصحابِه أجمعين. فقالت: أكان رسولُ اللَّه ﷺ سألَكَ كم الطَّعام؟؛ قلتُ: نعم. فقالت: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، قد أخبَرتَه بما كان عندَنا. قال: فذهَب عنِّي بعضُ ما أجِدُ، وقلتُ: لقد صَدَقْتِ. قال: فجاء رسولُ اللَّه ﷺ فدخَل، وقال لأصحابه: "لا تَضاغَطوا". قال: ثم برَّك على التَّنُّورِ وعلى البُرْمَة، فجعَلْنا نأخُذُ من التَّنُّورِ الخبزَ، ونأخُذُ اللحمَ من البُرْمَة، فنَثْرُدُ ونَغْرِفُ ونُقَرِّبُ إليهم، وقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لِيَجلِسْ على الصَّحْفةِ سبعةٌ أو ثمانيةٌ". فلمّا أكَلوا، كشَفنا التَّنُّورَ والبُرْمَة، فإذا هُما قد عادا إلى أملأِ ما كانا، فنَثْرُدُ ونَغْرِفُ ونُقَرِّبُ إليهم، فلم يَزَل ذلك، كلَّما فتَحْنا عن التَّنُّورِ وكشَفْنا عن البُرْمَة، وجَدْناهما أملأ ما كانا، حتى شَبِع المسلمون كلُّهم، وبقيَ طائفةٌ من الطعام، فقال لنا رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ الناسَ قد أصابَتْهم مَخْمَصَةٌ، فكُلوا وأطْعِموا". قال: فلم نَزَلْ يومَنا نَأكُلُ ونُطْعِمُ. قال: وأخبرني جابرٌ أنَّهم كانوا ثمانَ مئةٍ، أو ثلاثَ مئةٍ. شَكَّ أيمنُ. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم الحافظُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ ناصحٍ (٢) المفسِّرُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ سعيد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مَعين، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ عبدِ الأعلى، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ، عن أبي الورد، عن

стр. 530

أبي محمدٍ الحَضْرَميِّ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، قال: صنَعْتُ لرسولِ اللَّه ﷺ ولأبي بكرٍ طعامًا قَدْرَ ما يَكْفيهما، وأتَيْتُهما به، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "اذهَبْ فادْعُ لي ثلاثين من أشرافِ الأنصار". قال: فشَقَّ ذلك عليَّ، وقلتُ: ما عندي شيءٌ أزِيدُه. قال: فكأنِّي تغافَلْتُ، ثم قال: "اذْهَبْ فادْعُ لي ثلاثينَ من أشرافِ الأنصار". قال: فدَعَوْتُهم فجاؤوا، فقال: "اطعَموا". فأكَلوا حتّى (١) صَدُّوا (٢)، ثم شهِدوا أنّه رسولُ اللَّه، ثم بايَعُوه قبلَ أن يَخرُجوا، ثم قال: "اذهَبْ فادعُ لي بستينَ من الأنصار". قال أبو أيوب: فواللَّه لأنا بالسِّتِّينَ أجوَدُ منِّي بالثلاثين. قال: فدَعوتُهم، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "كُلوا". فأكَلوا حتى صَدُّوا، وشهِدوا أنه رسولُ اللَّه، وبايعوه قبلَ أن يخرُجوا، ثم قال: "اذهبْ فادْعُ لي بتسعينَ من الأنصار". قال: فلأنا أجودُ بالتسعينَ والستين مني بالثلاثين. قال: فدعوتُهم فأكَلوا حتى صَدّوا، وشهِدوا أنه رسولُ اللَّه، وبايعوه قبلَ أن يخرُجوا. قال: فأكَل من طعامي ذلك مئةٌ وثمانونَ رجلًا (٣) (٤).

стр. 531

حديثٌ عاشرٌ لإسحاق، عن أنسٍ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحة، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّهُ قال: كنا نُصلِّي العصرَ، ثم يَخرُجُ الإنسانُ إلى بَني عَمرِو بنِ عَوْف، فيَجِدُهم يُصَلُّونَ العصرَ. قال أبو عمر (٢): هذا يدخلُ في المسند، وهو الأغلبُ من أمرِه، وكذلك رواه جماعةُ الرواةِ لـ "الموطَأ" عن مالك (٣). وقد رواه عبدُ اللَّه بنُ المُبارَك، عن مالك، عن إسحاقَ، عن أنسٍ، قال: كنا نُصلِّي العصرَ مع رسولِ اللَّه ﷺ . فذكرَه مُسندًا (٤). وكذلك رواه عَتيقُ بنُ يَعقوبَ الزُّبيريُّ عن مالكٍ كروايةِ ابنِ المُبارَك. ومعنى هذا الحديثِ السَّعةُ في وقتِ العَصْر، وأنَّ الناسَ في ذلك الوقت، وهم أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ ، لم تكنْ صلاتُهم في فَورٍ واحدٍ؛ لعِلمِهم بما أُبيحَ لهم من سَعةِ الوَقْت. والآثارُ كلُّها، أو أكثرُها، على أنَّ وقتَ العصرِ ممدودٌ منذُ يزيدُ الظِّلُّ على قامةٍ من الحدِّ الذي زالتْ عليه الشمسُ، ما كانتِ الشمسُ بيضاءَ نقيّة،

стр. 532

ويُروى: ما دامتِ الشمسُ حيّة (١)، وحياتُها حرارتُها، وما لم تَدخُلْها صُفرةٌ (٢). فإذا اصْفَرَّتِ الشمسُ ودنتْ للغروب، خرَج الوقتُ المحمودُ المُستحَبُّ المُختارُ، ولَحِقَ مُؤخِّرَها من غيرِ عُذْرٍ إلى ذلك الوقتِ الذمُّ؛ لحديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أنس، عن النبيِّ ﵇: "تلك صلاةُ المُنافقين، يُمهِلُ أحدُهم حتى إذا اصفَرَّتِ الشمسُ، قام فنقَرها أربعًا لا يذكرُ اللَّهَ فيها إلَّا قليلًا" (٣)، يَعيبُهم بذلك ﷺ . ومع هذا، فإنا لا نُبعِدُ أنْ يكونَ مَن أدْركَ منها ركعةً قبلَ غُروبِ الشمس، أنْ يكونَ مُدرِكًا لوقتِها، لحديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بذلك. وحديثُ أبي هريرةَ أصَحُّ إسْنادًا، وأقوى عندَ أهلِ العلم بالحديث، من حديثِ العلاء، وحديثُ العلاءِ لا بأسَ به. وقد ذكَرْنا أقاويلَ الفقهاءِ في آخرِ وقتِ العصر، في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ، عندَ قولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "مَنْ أدركَ رَكْعةً من العصرِ قبلَ أنْ تَغرُبَ الشمسُ، فقد أدْرَكَ العصرَ" (٤). وذكَرنا مذاهبَ العلماءِ في تأويلِ هذا الحديثِ هناك، والحمدُ للَّه،

стр. 533

وذكَرنا كثيرًا مِن آثارِ هذا البابِ في بابِ ابنِ شهاب، عن أنس (١)، وكلُّها تَدُلُّ على السَّعةِ في الوقت، ما دامتِ الشمسُ لم تَصفَرَّ. وأخبرنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمد، قال: أخبرنا خالدُ بنُ سَعْد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزُوق، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ وَرْدانَ، قال: دخَلنا على أنَّسِ بنِ مالكٍ في رَهْطٍ من أهلِ (٣) المدينة، فقال: صلَّيتُم العصرَ؟ قلنا: نعم. قالوا: يا أبا حمزة، متى كان رسولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي هذه الصلاةَ؟ قال: والشمسُ بيضاءُ نقيّةٌ (٤). أخبرنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنِ أبي شيبة، قال (٥): حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن منصور، عن رِبْعيِّ بنِ حِرَاش، عن أبي الأبيض، عن أنسٍ،

стр. 534

قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي العصرَ والشمسُ بيضاءُ نَقِيّةٌ مُحَلِّقَةٌ، ثم أَتِي عَشيرَتي في جانبِ المدينةِ لم يُصلُّوا، فأقولُ لهم: ما يُجلسُكم؟ صلُّوا، فقد صلَّى رسولُ اللَّه ﷺ . وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يَزيدَ المُعَلِّم، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ عِيَاض، عن مَنصور، عن رِبْعِيِّ بنِ حِراش، عن أبي الأبيض، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كان النبيُّ ﷺ يُصلِّي العصرَ والشمسُ مُرتفعةٌ بيضاءُ مُحَلِّقةٌ، فآتي عشيرتي، فأجدُهم جُلُوسًا، فأقول: قوموا فصَلُّوا، فقد صلَّى رسولُ اللَّه ﷺ (٢). وذكَرَ أبو بكر بنُ أبي شيبة (٣)، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن يزيدَ بنِ مَرْدانْبَةَ، عن ثابتِ بنِ عُبيد، قال: سألتُ أنسًا عن وقتِ العَصر، فقال: وقتُها أنْ تَسيرَ ستّةَ أميالٍ إلى أنْ تَغرُبَ الشَّمْسُ. قال (٤): وحدَّثنا ابنُ عُلَيّة، عن ابنِ جُريْج، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنّه كان يُصلِّي العَصرَ والشمسُ بيضاءُ نقيّةٌ، يُعَجِّلُها مرَّةً، ويُؤَخِّرُها أُخرى.

стр. 535

حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمن العَنْبريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي الوزير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يَزيدَ اليماميُّ (٢)، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ عليِّ بنِ شيبانَ، عن أبيه، عن جدِّه عليِّ بنِ شيبانَ، قال: قَدِمْنا على رسولِ اللَّه ﷺ المدينةَ، فكان يُؤَخِّرُ العصرَ ما دامتِ الشمسُ بَيضاءَ نَقِيّةً. قال أبو عُمر: أهلُ العراقِ أشدُّ تأخيرًا للعصرِ من أهلِ الحجاز، والآثارُ الواردةُ عنهم بذلك تُبيِّنُ ما قلنا، وعلى ذلك فُقهاؤُهم، حتى قال أبو قِلابة: إنّما سُمِّيَتِ العصرَ لتُعتَصر (٣). أخبرنا يوسُفُ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ ومحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ سليمانَ المَرْوزِيُّ، قال:

стр. 536

حدَّثنا خَلَفُ بنُ هِشام البَزّارُ، قال: حدَّثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن إبراهيمَ، أنّه كان يُؤَخِّرُ العصرَ (١). قال أبو عُمر: هذا فَقيهُ أهلِ الكوفة، ويَزعُمونَ أنه أعلمُ تابعيهم بالصلاة، قد ثَبَتَ عنه ما تَرى، وما أعلمُ أحدًا من سلَفِهم جاء عنه في تعجيلِ العصرِ أكثرَ مما ذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبة (٢)، عن جرير، عن منصور، عن خَيثَمَة، قال: تُصلَّى العصرُ والشمسُ بَيضاءُ حيّةٌ، وحياتُها أنْ تَجدَ حَرَّها. قال أبو عُمر: هذا كمذهبِ أهلِ المدينة، والأصلُ في هذا البابِ ما قدَّمْنا من سَعَةِ الوقت، على حسَبِ ما ذكرْنا، وسنذكُرُ المواقيتَ ونَستوعِبُ القولَ فيها بالآثارِ واختلافِ العُلماءِ، عندَ ذكرِ حديثِ ابنِ شهاب، عن عُروةَ إنْ شاءَ اللَّه (٣).

стр. 537

إسحاقُ، عن رافع بن إسحاق، حديثانِ: حديثٌ حاديَ عشَرَ لإسحاقَ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحةَ، أن رافعَ بنَ إسحاقَ مولى الشِّفَاء أخبَره، قال: دخَلتُ أنا وعبدُ اللَّه بنُ أبي طلحةَ على أبي سعيدٍ الخدريِّ نَعودُه، فقال لنا أبو سعيدٍ: أخبَرنا رسولُ اللَّه ﷺ أنَّ الملائكةَ لا تدخُلُ بيتًا فيه تماثيلُ أو تصاويرُ. يشُكُّ إسحاقُ، لا يدري أَيَّتهما قال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ (٢). قال أبو عُمر: هذا أصحُّ حديثٍ في هذا البابِ، وأحسنُه إسنادًا. وقال فيه زيدُ بنُ الحُبابِ: عن مالكٍ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ، عن رافع بنِ إسحاقَ بنِ طلحةَ. ذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، عن زيدٍ (٣). وقد رُوِيَ من حديثِ عليٍّ (٤)، وابنِ عباسٍ (٥)، وأُسامةَ بنِ

стр. 538

زيدٍ (١)، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تَدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه صُورةٌ". وقيل في الملائكة هاهُنا: ملائكةُ الوَحْي. وقيل: بل كُلُّ مَلَكٍ، على ظاهرِ اللفظِ. كما أنَّ لفظَ "بيتٍ" على لفظِ النَّكِرةِ يقتَضِي كلَّ بيتٍ، واللَّهُ أعلمُ. وظاهرُ هذا الحديثِ يقتَضِي الحَظْرَ عن استعمالِ الصُّوَرِ على كلِّ حالٍ؛ في حائطٍ كانت أو في غيرِه. ومثلُه حديثُ نافع، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، في النُّمرُقَةِ التي فيها تَصاويرُ (٢). وقد استَثْنَى في حديثِ سهلِ بنِ حُنَيفٍ: "إلَّا ما كان رَقْمًا في ثوبٍ" (٣). واختَلَف الناسُ في الصُّوَرِ المكروهَةِ؛ فقال قومٌ: إنَّما كُرِه من ذلك ما له ظلٌّ، وما لا ظلَّ له فليس به بأسٌ.

стр. 539

وقال آخَرون: ما قُطِع رأسُه فليس بصورةٍ. وقال آخرون: تُكرَهُ الصورةُ في الحائطِ وعلى كلِّ حالٍ، كان لها ظِلٌّ أو لم يكنْ، إلَّا ما كان في ثَوْبٍ يُوطَأُ ويُمتهَنُ. وقال آخَرون: هي مَكرُوهَة في الثِّيابِ وعلى كلِّ حالٍ. ولم يَستَثنُوا شيئًا، وروَتْ كلُّ طائفةٍ منهم بما قالَتْه أثَرًا اعتمَدَتْ عليه وعمِلَتْ به. وأمَّا اختِلافُ فقهاءِ الأمصارِ أهلِ الفتوَى في هذا البابِ؛ فذكَر ابنُ القاسم (١)، قال: قال مالكٌ: يُكْرَهُ التماثيلُ في الأسرَّةِ والقِبابِ، وأمَّا البُسُطُ والوسائدُ والثِّيابُ، فلا بأسَ به. وكَرِه أن يُصَلَّى إلى قبلةٍ فيها تماثيل. وقال الثوريُّ (٢): لا بأسَ بالصُّوَرِ في الوسائدِ؛ لأنَّها تُوطَأُ ويُجلَسُ عليها. وكَرِه الحسنُ بنُ حَيٍّ (٣) أنْ يَدخُلَ بيتًا فيه تمثالٌ في كنِيسةٍ أو غيرِ ذلك، وكان لا يرى بأسًا بالصلاةِ في الكنيسةِ والبِيعَةِ. وكان أبو حنيفةَ وأصحابُه يَكرَهون التَّصاويرَ في البُيوتِ بتمثالٍ، ولا يَكرَهون ذلك فيما يُبسَطُ، ولم يَختَلِفوا أنَّ التَّصاويرَ في السُّتُورِ المعلَّقةِ مكروهةٌ، وكذلك عندَهم ما كان خَرْطًا أو نَقْشًا في البناء (٤). وكَرِه الليثُ التماثيلَ التي تكونُ في البُيوتِ والأَسرَّةِ والقِبابِ والطِّسَاسِ (٥) والمناراتِ، إلَّا ما كان رَقْمًا في ثَوْبٍ (٦).

стр. 540

وقال المزنيُّ (١) عن الشافعيِّ: وإن دُعِيَ رجلٌ إلى عُرْسٍ فرأى صورةً ذاتَ رُوح أو صُوَرًا ذاتَ أرواح، لم يَدخُلْ إنْ كانَت منصوبَةً، وإنْ كانت تُوطأُ (٢) فلا بأسَ، و إنْ كانَت صُوَرَ الشجرِ فلا بأسَ. وقال الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: إذا دُعيتُ لأَدخُلَ، فرأيتُ سِتْرًا معلّقًا فيه تصاويرُ، أأرجعُ؟ قال: نعم، قد رجَعَ أبو أيوبَ. قلتُ: رجَعَ أبو أيوبَ من سَتْرِ الجُدُرِ، قال: هذا أشدُّ، وقد رجَعَ عنه غيرُ واحدٍ من أصحاب رسُول اللَّه ﷺ . قلتُ له: فالسَّتْرُ يجوزُ أن يكونَ فيه صورةٌ؟ قال: لا. قيل: فصُورةُ الطائرِ وما أشبَهَهُ؟ فقال: ما لم يكن له رأسُ، فهو أهْوَن (٣). فهذا ما للفقهاء في هذا الباب، وسيأتي ما للسَّلَف فيه ممّا بلَغَنا عنهم في باب سالم أبي النّضرِ من هذا الكتاب (٤) إن شاءَ اللَّه.

стр. 541

حديثٌ ثانيَ عشَرَ لإسحاقَ، عن رافع بنِ إسحاق مالِكٌ (١)، عن إسْحاقَ بن عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحَةَ، عن رافِع بنِ إسْحاقَ، مَوْلًى لآلِ الشِّفاءِ، وكان يُقالُ له: مَوْلَى أبي طَلْحَةَ، أنَّه سَمِعَ أبا أيُّوبَ الأنْصَارِيَّ صاحِبَ رسولِ اللَّه ﷺ وهو بمِصْرَ يقولُ: واللَّه ما أدْرِي كيفَ أصْنَعُ بهذه الكرابِيسِ، وقد قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا ذَهَبَ أحَدُكم الغائطَ (٢) أو البولَ، فلا يسْتَقْبِل القبلةَ، ولا يَسْتَدْبِرْها بفَرْجِه". هكذا قال مالِكٌ في هذا الحديثِ: "مَوْلًى لآلِ الشِّفاء"، وقال في الحديثِ الذي قبلَه: مَوْلَى الشِّفَاء (٣)، فيما روَاه يحيَى بنُ يحيَى عنه، وقد قال عن مالِكٍ في الموْضِعَين جميعًا طائفَةٌ مِن الرُّوَاة: "مَوْلَى الشِّفاء". وقال آخَرُون عنه في الموْضِعَين جميعًا: "موْلَى آلِ الشِّفَاء". وقالَ قومٌ كما قالَ يحيَى، وهذا إنَّما جاءَ مِن مالِك. والشِّفَاءُ: اسْمُ امرأةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِن قُرَيْشٍ، وهي الشِّفَاءُ بنتُ عبدِ اللَّه بنِ عَبْدِ شَمْسِ بنِ خالِد، مِن بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْب، وهي أمُّ سُلَيْمانَ بنِ أبي حَثمَة، وقد ذكَرْنَاها في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٤)، وكان حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ يقول: عن إسْحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحَة، عن رافِع بنِ إسْحاقَ مَوْلَى أبي أيُّوب (٥). وكان مالِكٌ يقول:

стр. 542

وكان يُقالُ له: مَوْلَى أبي طَلْحَة. وهو مِن تابِعِي أهْلِ المدينة، ثِقَةٌ فيما نقَلَ وحَمَلَ، وحَدِيثُه هذا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ صحيح. وفيه مِنَ الفِقْهِ: أنَّ على مَن سَمِعَ الخطابَ، أنْ يستعمِلَه على عمومِه، إذا لم يَبْلُغْه شيءٌ يخُصُّه، لأنَّ أبا أيُّوبَ سمِعَ النَّهْيَ مِن رسولِ اللَّه ﷺ عنِ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبارها بالبَوْل والغائطِ مُطْلَقًا غيرَ مُقَيَّدٍ بشَرْطٍ ففَهمَ منه العُموم، فكان يَنْحَرِفُ في مَقاعِدِ البُيوتِ، ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أيضًا، ولم يَبْلُغْه الرُّخْصةُ التي روَاها ابنُ عمرَ (١) وغيرُه، عن النبيِّ ﷺ في البُيوت. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤْمِن، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ يحيَى بنِ عمرَ الطَّائي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَرْبٍ الطَّائي، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عنِ الزُّهريِّ، عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ اللَّيْثِي، عن أبي أيُّوبَ، يَبْلُغُ بهِ النبيَّ ﷺ ، قال: "لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ وبَوْلٍ، ولا تَسْتَدْبِرُوها". قال أبو أيُّوبَ: فقَدِمْنَا الشَّامَ، فوَجَدْنا مَراحِيضَ قد بُنِيَتْ قِبَلَ القبلَةِ، فنَنْحَرِفُ عنها، ونَسْتَغْفِرُ اللَّه (٢). وهكذا يجبُ على كُلِّ مَن بلَغَه شئٌ أنْ يَسْتَعْمِلَه على عُمُومِه، حتى يَثْبُتَ عندَه ما يَخُصُّه أو يَنسَخُهُ. أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا
следующие страницы →