← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4773–4812 · переход к 4778.

стр. 4773

حديثٌ سابعٌ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا جاءَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ". هكذا قال: "إذا جاءَ أحدُكُم". وتابَعهُ جماعةٌ، ومنهُم من يقولُ: "إذا راحَ أحدُكُم إلى الجُمُعةِ"، والمعنى واحدٌ (٢). حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جَعْفرِ بن الوَرْدِ وأحمدُ بن محمدِ بن عُثمان وأحمدُ بن محمدِ بن موسى ومحمدُ بن عبدِ الله بن زكريّا، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن عَقِيل، قال: حدَّثنا حَفْصٌ، قال: حدَّثنا إبراهيم (٣) بن طَهْمانَ، عن أيُّوبَ ومنصُورٍ ومالكٍ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا راحَ أحدُكُم إلى الجُمُعةِ فلْيغتسِلَ" (٤). وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرِ بن الوَرْدِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هارُونُ بن سَعيدِ بن الهيثم، قال: حدَّثنا خالدُ بن

стр. 4774

نِزارٍ، عن إبراهيمَ بن طَهْمان، عن مالكٍ ومنصُورٍ ومحمدِ بن عبيدِ الله (١) وأيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من أَتَى الجُمُعةَ فلْيَغتسِلْ" (٢). وحدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله (٣) بن جَعْفرٍ والحسنُ بن رشيقٍ والعبّاسُ بن مطروح الأزديُّ، قالوا: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن جعفرٍ الكُوفيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ وإسماعيلُ، وقرأتُ (٤) على عبدِ الله بن نافع، قالوا: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا جاءَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيَغتسِلْ". رَوَى هذا الحديثَ عن نافع جماعةٌ. ورواهُ أيضًا سالمٌ، عن ابنِ عُمرَ، من حديثِ ابنِ شهاب (٥). ومنهُم من يرويهِ عن ابنِ شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، عن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ . وقد رواهُ بُكَيرُ بن الأشجِّ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن حَفْصةَ، عن النَّبيِّ ﵇ (٦). حدَّثنا خَلَفُ بن القاسم بن سَهْلٍ الحافِظُ، قال: حدَّثنا الحُسَينُ بن جعفرٍ الزَّيّاتُ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يزيد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن مَسْلمةَ بن قَعْنَب (٧)،

стр. 4775

قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا جاءَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ" (١). ومِمَّن روى هذا الحديثَ عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ : مالكٌ، وأيُّوبَ، وعُبيدُ الله (٢)، وابنُ جُريج (٣)، وعبدُ العزيزِ بن أبي (٤) روّاد (٥)، ومنصُورُ بن المُعْتمِرِ، واللَّيثُ بنُ سعد (٦)، ومالكُ بن مِغْول (٧)، والضَّحّاكُ بن عُثْمانَ (٨)، وليثُ بن أبي (٩) سُلَيم، وحجّاجُ بن أرْطاةَ، وأشْعَثُ، كلُّهُم عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ".

стр. 4776

ورواهُ مَعْمر والأوزاعيُّ وابنُ عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا جاءَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ" (١). ورواهُ الزُّبيديُّ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، أنَّهُ أخبرَهُ، عن أبيهِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ" (٢). ورَوَى يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ، بينما هُو يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، إذْ جاءَ رجُلٌ فجَلَسَ، فقال عُمرُ: لمَ تَحْتبِسُونَ عن الجُمُعةِ؟ فقال الرَّجُلُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، ما هُو إلّا أن سَمِعتُ النِّداءَ، فتوضَّأتُ، ثُمَّ أقْبَلتُ. فقال عُمرُ: والوُضُوءُ أيضًا؟ ألَمْ تسمَعْ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا جاء (٣) أحدُكُم إلي الجُمُعةِ فلْيغتسِلْ" (٤). ورَوْى مَعْمرٌ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بينما هُو قائمٌ يومَ الجُمُعةِ يخطُبُ. فذكَرَ مِثلَ هذا سواءً، قال في آخِرِهِ: والوُضُوءُ أيضًا، وقد علِمتَ أنَّ رسُولَ الله كان يأمُرُ بالغُسلِ؟ وقد رواهُ جماعةٌ، عن ابنِ شِهابٍ كذلك مُسندًا. واختُلِف فيه عن مالكٍ، فرواهُ عنهُ جُمهُورُ أصحابِهِ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم، أنَّ عُمرَ، مُرسلًا. ورواهُ بعضُهُم عنهُ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمر، أنَّ عُمرَ، مُتَّصِلًا.

стр. 4777

وقد ذكَرْنا ذلك كلَّهُ في بابِ ابنِ شِهاب، عن سالم، من كِتابِنا هذا، وذكَرْنا كثيرًا من أسانيدِ هذه الآثارِ هُناك، واسْتَوعبنا القولَ في وُجُوبِ غُسْلِ الجُمُعةِ وسُقُوطِهِ، ومن رآهُ سُنَّةً، وكيفَ الوجهُ فيه بما للعُلماءِ في ذلك من المذاهبِ هُنالِك أيضًا، فلا وجهَ لإعادةِ شيءٍ من ذلكَ هاهُنا. وأمّا حديثُ ابنِ عُمرَ، عن حَفْصةَ في هذا البابِ؛ فحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم أبو الأحْوَصِ، قالا جميعًا: حدَّثنا يزيدُ بن خالدِ بن مَوْهَبٍ الرَّمليُّ (٢)، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بن فَضالةَ، عن عيّاشِ بن عبّاس، عن بُكَيرِ بن عبدِ الله بن الأشجِّ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن حَفْصةَ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ (٣) قال: "على كلِّ مُحتلِم الرَّواحُ إلى الجُمُعةِ، وعلى من راحَ إلى الجُمُعةِ الغُسْلُ". قال أبو عُمرَ: هذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّ الغُسلَ إنَّما يجِبُ عندَ الرَّواح، وكذلك قولُهُ ﵇: "من جاءَ مِنكُم الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ"، و"إذا جاءَ أحدُكُم الجُمُعةَ (٤) فلْيغتسِلْ". وهذا اللَّفظُ إنَّما يُوجِبُ الغُسْلَ عندَ الرَّواح، على ظاهِرِهِ، واللّه أعلمُ.

стр. 4778

وهذا مَوْضِعٌ اختلَفَ العُلماءُ فيه (١)، فذهَبَ مالكٌ، والأوزاعيُّ، واللَّيثُ بن سَعْدٍ، على اختِلافٍ عنهُ، إلى أنَّ الغُسلَ لا يكونُ للجُمُعةِ إلّا عندَ الرَّواح إليها، مُتَّصلًا بالرَّواح. وقد رُوي عن الأوزاعيِّ: أَنَّهُ يُجزِئُهُ أن يغتسِلَ قبلَ الفجرِ للجَنابةِ والجُمُعةِ. وذهبَ الشّافعيُّ وأبو حنيفةَ والثَّوريُّ، إلى أنَّ منِ اغتسَلَ للجُمُعةِ بعدَ الفجرِ، أجْزَأهُ من غُسْلِها. وهُو قولُ الحسنِ البصريِّ، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ (٢). وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، والطَّبريُّ. وهُو قولُ عبدِ الله بن وَهْب صاحِبِ مالكٍ. وقال أبو يوسُفَ (٣): إذا اغتسلَ بعد الفَجْرِ، ثُمَّ أحدَثَ فتوضَّأ، ثُمَّ شهِدَ الجُمُعةَ، لم يكُن كمَنْ شهِد الجُمُعةَ على غُسلٍ. قال أبو يوسُف: إن كان الغُسلُ ليوم، فاغتسلَ بعد الفَجْرِ، ثُمَّ أحدَثَ فصلَّى الجُمُعةَ بوُضُوءٍ، فغُسلُهُ تامٌّ، وإن كان الغُسلُ للصَّلاةِ، فإنَّما شهِدَ الجُمُعةَ على وُضُوء. وقال مالكٌ: مَنِ اغتسَلَ للجُمعةِ (٤) عندَ الرَّواح، ثُمَّ أحدَثَ فتوضَّأ وشهِدَ الجُمُعةَ، أجزأهُ غُسلُهُ، وإنِ اغتسلَ أوَّل النَّهارِ ويُريدُ به الجُمُعةَ، لم يُجزِئه من غُسلِ الجُمُعةِ. وقال الثَّوريُّ: إذا اغتسلَ يومَ الجُمُعةِ من جَنابةٍ أو غيرِها أجْزَأهُ من غُسلِ الجُمُعةِ. فهذا يدُلُّ على أنَّ الغُسلَ عندَهُ لليوم، لا للرَّواح إلى الجُمُعةِ.

стр. 4779

وقال الأوزاعيُّ: الغُسلُ هُو للرَّواحُ (١) إلى الجُمُعةِ، فإنِ اغتسلَ لغيرِهِ بعدَ الفجرِ، لم يُجزِئه من الجُمُعةِ. وقال الشّافِعيُّ: الغُسلُ للجُمُعةِ سُنَّةٌ، فمنِ اغتسَلَ بعد الفجرِ للجَنابةِ ولها، أجزأهُ، وإن اغتسَلَ (٢) لها دُونَ الجَنابةِ وهُو جُنُبٌ لم يُجزِئه. وقال عبدُ العزيزِ بن أبي سَلمةَ الماجِشُونُ: إذا اغتسَلَ، ثُمَّ أحدثَ، أجْزَأهُ الغُسلُ. فهذا يُشبِهُ مذهبَ مالكٍ، ويُشبِهُ مذهبَ الثَّوريِّ. قال أبو عُمرَ: حُجَّةُ من جعلَ الغُسلَ للرَّواح، مُتَّصِلًا به، حديثُ ابنِ عُمرَ هذا، وحديثُ حَفْصةَ المذكُورُ في هذا البابِ، وحُجَّةُ من جعلَ الغُسلَ لليوم، حديثُ جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "الغُسلُ واجِبٌ على كلِّ مُسلِم، في كلِّ أُسبُوع يومًا، وهُو يومُ الجُمُعةِ"؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قِراءةً مِنِّي عليه، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسِطيُّ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي هِندٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، فذكرهُ حرفًا بحرف (٣).

стр. 4780

وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ وغيرِهِ: "غُسلُ يوم الجُمُعةِ واجِبٌ"، فقد مَضَى القولُ في سُقُوطِ وُجُوبه من جِهةِ الأثرِ (١) والنَّظرِ بالدَّلائلِ الواضِحةِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سالم، من كِتابِنا هذا. والأصلُ أنْ لا فرضَ إلّا بيقينٍ. وأمّا من ذهَبَ إلى أنَّ الغُسلَ لليَوم، فليسَ بشيءٍ، لإجماعِهِم على أنَّهُ لوِ اغتسَلَ بعد الجُمُعةِ في باقي اليوم لم يكُن مُغتسِلًا، وأنَّهُ غيرُ مُصيبٍ في فِعلِهِ، فدلَّ هذا على أنَّ الغُسلَ للرَّواح إلى الصَّلاةِ. وإذا حُمِلتِ الآثارُ على هذا صحَّتْ ولم تتعارَضْ، فهذا أوْلى ما في هذا البابِ. وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: سُئلَ أحمدُ بن حَنْبل، عن الذي يغتسِلُ سحرًا للجُمُعةِ (٢) ثُمَّ يُحدِثُ، أيغْتسِلُ أم يُجزِئُهُ الوُضُوءُ؟ فقال: يُجزِئُهُ الوضوء، ولا يُعيدُ الغُسلَ. ثُمَّ قال: ما سمِعتُ في هذا (٣) أعلى من حديثِ ابنِ أبْزَى (٤). قال أبو بكرٍ: حدَّثناهُ أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٥): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَبْدةَ بن أبي لُبابةَ، عن سَعيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن أبيهِ: أَنَّهُ كان يغتسِلُ يومَ الجُمُعةِ، ثُمَّ يُحدِثُ بعدَ الغُسلِ، فيتوضَّأُ، ولا يُعيدُ غُسْلًا. وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ غُسلَ الجُمُعةِ ليسَ بواجِبٍ، إلَّا طائفةً من أهْلِ الظّاهِرِ قالوا بوُجُوبِهِ، وشَدَّدُوا في ذلك، وأمّا سائرُ العُلماءِ والفُقهاءِ، فإنَّما هُم فيه على قولينِ، أحدُهُما: أَنَّهُ سُنَّةٌ، والآخرُ: أَنَّهُ مُستحبٌّ، وأنَّ الأمرَ به كان لعِلَّةٍ فسقَطَ، والطِّيبُ

стр. 4781

يُجزِئُ عنهُ. وقد بيَّنّا هذه المعانيَ من أقوالِهِم فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا عِند ذِكرِ حديثِ ابنِ شِهاب، عن سالم. واختلَفَ الفُقهاءُ فيمنِ اغتسلَ للجُمُعةِ وهُو جُنُبٌ، ولم يذكُر جَنابتَهُ. فذَهَبت طائفةٌ من أهلِ العِلم، إلى أنَّ ذلكَ يُجزِئُ من غُسْلِ الجنابةِ، وإن لم ينوِ الجَنابةَ وكان ناسيًا لها، ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا من أصحابِ مالك (١): ابنُ كِنانةَ، وأشْهَبُ، وابنُ وَهْب، ومُطرِّفٌ، وابنُ نافع. وهؤُلاءِ من جلَّةِ أصحابِ مالكٍ. وبه قال أبو (٢) إبراهيم المُزنيُّ صاحِبُ الشّافِعيِّ، وإليه ذهَبَ (٣). وقالت طائفةٌ أُخرَى من أهلِ العِلم: إنَّ ذلكَ لا يُجزِئُهُ حتَّى يَنْويَ غُسلَ الجَنابةِ، ويكونَ ذاكِرًا لجَنابتِهِ، قاصِدًا إلى الغُسلِ منها. ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا: ابنُ القاسم، وحَكاهُ ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ وأكثرِ أصحابِهِ، وإليه ذهَبَ داودُ بن عليٍّ. ولم يختلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّ منِ اغتسلَ للجنابةِ لا يَنْوي الجُمُعةَ مَعَها، أَنَّهُ غيرُ مُغتسِلٍ للجُمُعةِ، ولا يُجزِئُهُ من غُسلِ الجُمُعةِ، إلّا شيءٌ رُوي عن أشْهَب بن عبدِ العزيزِ، أَنَّهُ قال: يُجزئهُ غُسلُ الجنابةِ من غُسلِ الجُمُعةِ. ذكرهُ محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحكم، عن أشهب. وكذلكَ ذكر البرقيُّ، عن أشْهَبَ. وقال عبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ، والثَّوريُّ، والشّافِعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ، والطَّبريُّ: المُغتسِلُ للجنابةِ يوم الجُمُعةِ يُجزِئُهُ من غُسلِ الجُمُعةِ، ومِن الجَنابةِ جميعًا، إذا نوى غُسلَ الجنابةِ، وإن لم ينوِ الجُمُعةَ.

стр. 4782

وأجمعُوا أنَّ منِ اغتسَلَ ينوي الغُسلَ للجنابةِ وللجُمُعةِ جميعًا في وَقْتِ الرَّواح، أنَّ ذلك يُجزِئُهُ منهُما جميعًا، وأنَّ ذلكَ لا يقدحُ في غُسلِ الجَنابةِ، ولا يضُرُّهُ اشتِراكُ النِّيَّةِ في ذلك، إلّا قومًا من أهْلِ الظّاهِرِ شَذُّوا، فأفْسَدُوا الغُسلَ إذا اشْتَركَ فيه الفَرْضُ والنَّفلُ. وقد رُوِيَ مِثلُ هذا في رِوايةٍ شَذَّت، عن مالك، وللحجةِ عليهم موضعٌ غيرُ هذا (١). قال أبو بكرٍ الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بن حَنْبل: رجُلٌ اغتسَلَ يومَ الجُمُعةِ من جَنابةٍ يَنْوي به غُسلَ الجُمُعةِ، فقال: أرجُو أن يُجزِئَهُ منهُما جميعًا. فقلتُ لهُ: يُروى عن مالكٍ أنَّهُ قال: لا (٢) يُجزِئُهُ عن (٣) واحدٍ منهُما، فأنكرهُ. قال أبو بكرٍ: حدَّثنا أحمدُ بن أبي شُعَيب، قال: حدَّثنا موسى، وهُو ابنُ أعْيَنٍ، عن الليث، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يغتسِلُ للجُمُعةِ والجَنابةِ غُسلًا واحدًا (٤).

стр. 4783

حديثٌ ثامِنٌ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله (٢) بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رأى بُصاقًا في جِدارِ القِبْلةِ فحكَّهُ، ثُمَّ أقبلَ على النّاسِ، فقال: "إذا كان أحدُكُم يُصلِّي، فلا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجهِهِ، فإنَّ اللهَ قِبَلَ وجهِهِ إذا صَلَّى". وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إزالةُ ما يُسْتقذرُ وما يُتَنزَّهُ عنهُ ويُتقزَّزُ منهُ من المسجدِ، وأن يُنظَّفَ. وإذا كان رسُولُ الله يحُكُّ البُصاقَ من حائطِ المَسْجِد من قِبْلَته (٣)، فكَنسُهُ وتَنْظيفُهُ وكِسوَتُهُ يدخُلُ في معنى ذلك. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ للمُصلِّي أن يبصقَ وهُو في الصَّلاةِ، إذا لم يبصقْ قِبلَ وجهِهِ، ولا يَقْطعُ ذلك صِلاتَهُ، ولا يُفسِدُ شيئًا منها إذا غَلبهُ ذلك واحتاج إليه، ولا يبصُقْ قِبَلَ وجهِهِ ألْبتَّةَ، ولكِنْ يبصقُ في ثوبِهِ، وتحت قدَمِهِ، على ما ثبتَ في الآثارِ. وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ العملَ القليلَ في الصَّلاةِ لا يضُرُّها. وفي إباحَةِ البُصاقِ في الصَّلاةِ لمن غَلَبهُ ذلك، دليلٌ على أنَّ النَّفخَ، والتَّنحنحَ (٤) في الصَّلاةِ إذا لم يَقْصِد به صاحِبُهُ اللَّعِبَ والعَبَث، وكان يَسِيرًا، لا يضُرُّ المُصلِّي في صلاتِهِ، ولا يُفسِدُ شيئًا منها؛ لأَنَّهُ قلَّما يكونُ بُصاقٌ إلّا ومَعهُ شيءٌ من النَّفخ والنَّحنحةِ.

стр. 4784

والبُصاقُ، والنُّخامةُ، والنُّخاعةُ، كلُّ ذلك مُتقارِبٌ، وقد فسَّرنا ذلك في بابِ هشام بن عُروةَ، من هذا الكِتابِ. والتَّنخُّعُ والتَّنخُّمُ، ضربٌ من التَّنحنُح. ومعلُومٌ أنَّ للتَّنخُّم صوتًا (١) كالتَّنحنُح، ورُبَّما كان معَهُ ضربٌ من النَّفخ عندَ القَذْفِ بالبُصاقِ، فإنْ قصدَ النّافِخُ أوِ المُتنحنِحُ في الصَّلاةِ بفِعلِهِ ذلك اللَّعِبَ، أو شيئًا من العَبَثِ، أفسَدَ صلاتَهُ. وأمّا إذا كان نفخُهُ تأوُّهًا من ذِكرِ النّارِ، إذا مرَّ به ذِكرُها في القُرآنِ وهُو في الصَّلاة (٢)، فلا شيءَ عليه. واختلَفَ الفُقهاءُ في هذا المعنى من هذا البابِ (٣)، فكان مالكٌ يكرهُ النَّفخَ في الصَّلاةِ، فإن فَعَلهُ فاعِلٌ لم يقطعْ صلاتَهُ، ذكَرهُ ابنُ وَهْب، عن مالك (٤). وذكر ابنُ خُوَيْز مَنْداد، قال: قال مالكٌ: التَّنحنُحُ والنَّفخُ والأنينُ في الصَّلاةِ لا يقطعُ الصلاةَ؛ رَواهُ ابنُ عبدِ الحكم، قال: وقال ابنُ القاسم: ذلك يقطعُ الصَّلاةَ. يعني النَّفخَ، والتَّنحنُح. وقال الشّافِعيُّ: كلُّ ما كان لا يُفهمُ منهُ حُرُوفُ الهِجاءِ، فليسَ بكلام، ولا يَقْطعُ الصلاةَ إلّا الكلامُ. وهُو قولُ أبي ثَوْرٍ: لا يَقْطعُ الصَّلاةَ إلّا الكلامُ المفهُومُ. وقال أبو حَنِيفةَ ومحمدُ بن الحسنِ: إن كان النَّفخُ يُسمَعُ، فهُو بمَنْزِلةِ الكلام يَقْطعُ الصَّلاةَ (٥).

стр. 4785

وقال أبو يوسُف: لا يقطعُ الصلاةَ، إلّا أن يُريدَ به التَّأفيفَ. ثُمَّ رجَعَ فقال: صِلاتُهُ تامَّةٌ (١). وقال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُوية: لا إعادةَ على من نفخَ في صِلاتِهِ. والنَّفخُ مع ذلكَ مكرُوهٌ عندَهُم على كلِّ حالٍ، وعندَ ابنِ مسعُودٍ، وابنِ عبّاسٍ، والنَّخعيِّ، وابنِ سيرينَ، مِثلُهُ: هُو مكرُوهٌ، ولا يَقْطعُ الصَّلاةَ (٢). وقد جاءَ عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ النَّفخَ كلامٌ. وهذا يدُلُّ على أنَّهُ يَقْطعُ عندَهُ الصَّلاةَ، إن صحَّ عنهُ. أخبرنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى المَرْوَزيُّ، قال: حدَّثنا خلفُ بن هشام، قال: حدَّثنا أبو شِهاب، عن الأعْمَشِ، عن مُسلِم، عن مسرُوقٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: النَّفخُ في الصَّلاةِ كلامٌ (٣). وهذا يحتمِلُ أن يكونَ النّافِخُ عامِدًا عابِثًا، فيكونَ حينَئذٍ مُفسِدًا لصلاتِهِ. قال أبو عُمرَ: أجمعَ العُلماءُ على كَراهيةِ النَّفخ في الصَّلاةِ، واختَلفُوا في إفسادِ الصَّلاةِ به. وكذلك أجمعُوا على كَراهيةِ الأنينِ والتَّأوُّهِ في الصَّلاةِ، واختلَفُوا في صَلاةِ مَنْ أنَّ وتأوَّه فيها، فأفسَدَها بعضُهُم وأوجَبَ الإعادَةَ، وبعضُهُم قال: لا إعادَةَ في ذلك. والتَّنحنُحُ عندَ جميعِهِم أخفُّ من الأنينِ والنَّفخ، ومِن التَّأوُّهِ، ولا أصلَ في هذا البابِ إلّا إجماعُهُم على تحريم الكلام في الصَّلاةِ، كلٌّ على أصلِهِ الذي

стр. 4786

قَدَّمنا عنهُم في بابِ أيُّوبَ من هذا الكِتابِ، فقولُ من راعَى حُرُوفَ الِهجاءِ، وما يُفهَمُ من الكلام، أصحُّ الأقاويلِ، إن شاءَ الله. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "فإنَّ اللهَ قِبَلَ وجهِهِ إذا صلَّى" فكلامٌ خرَجَ على التَّعظيم لشَأنِ القِبلةِ وإكرامِها، واللّه أعلمُ، والآثارُ تدُلُّ على ذلكَ، مع النَّظرِ والاعتِبارِ. وقد نزَعَ بهذا الحديثِ بعضُ من ذهَبَ مذهبَ المُعتزِلَةِ، في أنَّ اللهَ في كلِّ مكانٍ، وليسَ على العَرْشِ. وهذا جَهلٌ من قائلِهِ؛ لأنَّ في الحديثِ الذي جاءَ فيه النَّهيُ عن البُزاقِ في القِبْلةِ: أنَّهُ يبزُقُ تحتَ قَدمِهِ، وعن يَسارِهِ، وهذا ينقُضُ ما أصَّلُوهُ في أنَّهُ في كلِّ مكانٍ، وقد أوضَحْنا هذا المعنَى في بابِ ابنِ شِهاب، عن أبي سَلَمةَ، وأبي عبدِ الله الأغرِّ، والحمدُ للّه. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدِ بن نَصْرٍ جميعًا، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن أَنَسٍ، قال: رأى رسُولُ الله ﷺ نُخاعَةً في المسجدِ، فشقَّ ذلك عليه، حتَّى عَرَفنا ذلك في وَجْهِهِ، فحكَّهُ وقال: "إنَّ أحَدَكُم، أو إنَّ المرءَ، إذا قامَ إلى الصَّلاةِ، فإنَّهُ يُناجي ربَّهُ، أو إنَّ ربَّهُ بينَهُ وبينَ قِبْلتِهِ، فليبزُق إذا بزَقَ، عن يَسارِهِ، أو تحتَ قَدَمِهِ" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ (٢)، قال: حدَّثنا

стр. 4787

إسماعيلُ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: أخبرنا حمّادُ بن أبي سُلَيمان، عن رِبْعيِّ بن حِراش (١)، عن حُذيفةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا قامَ الرَّجُلُ في صَلاتِهِ، أقبلَ على الله بوَجْهِهِ، فلا يَبْزُقنَّ أحدُكُم في قِبْلتِهِ، ولا يبزُقَنَّ عن يَمينِهِ، ولكِن ليبزُقْ (٢) عن يَسارِهِ" (٣). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا سُليمانُ بن داودَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أَيُّوبُ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: بَيْنما رسُولُ الله ﷺ يخطُبُ يومًا، إذ رأى نُخامَةً في قِبْلةِ المَسْجِدِ، فتَغيَّظ على النّاسِ، ثُمَّ حكَّها. قال: وأحسَبُهُ قال: ودَعا بزَعْفرانٍ فلَطَّخهُ به وقال: "إنَّ اللهَ قِبَلَ وجهِ أحدِكُم إذا صلَّى، فلا يَبْزُقْ بين يَدَيهِ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داودَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ، عن ابنِ شِهاب، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا سَعيدٍ وأبا هُريرةَ أخبَراهُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رأى نُخامةً في جِدارِ المسجدِ، فتَناولَ رسُولُ الله حَصاةً فحَتَّها (٥)، ثُمَّ قال: "إذا

стр. 4788

تَنخَّمَ أحدُكُم فلا يَتَنخَّمنَّ قِبَلَ وجهِهِ، ولا عن يَمينِهِ، وَلْيبزُقْ عن يَسارِهِ، أو تحتَ قَدمِهِ اليُسْرَى" (١). ورَواهُ ابنُ عُيَينةَ (٢)، واللَّيثُ، عن ابنِ شِهاب، عن حُميدٍ، عن أبي سَعيدٍ. لم يذكُر أبا هُريرةَ. ورَوَى ابنُ عَجْلانَ، عن عياضٍ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ (٣). والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ جِدًّا. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكير، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤):

стр. 4789

حدَّثنا محمدُ بن العلاءِ، قال: حدَّثنا حُسينُ بن عليٍّ، عن زائدةَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: أمرَ رسُولُ الله ﷺ ببِناءِ المساجِدِ في الدُّورِ، وأن تُنظَّفَ وتُطيَّب. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا أبو مودُودٍ، عن (٢) عبدِ الرَّحمنِ بن أبي حَدْردٍ الأَسْلَميِّ، قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "من دخَلَ هذا المسجدَ فبزَقَ فيه أو تنخَّمَ، فليَحْفِرْ وليَدْفِنهُ، فإن لم يَفْعَلْ، فليَبْزُقْ في ثوبِهِ، ثُمَّ ليخرُجْ به". وروى شُعبَةُ (٣) وهشامٌ الدَّستُوائيُّ (٤) وسَعيدُ بن أبي عَرُوبةَ (٥) وأبانُ العَطّارُ (٦) وأبو عَوانةَ (٧) وغيرُهُم، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ

стр. 4790

قال: "البُزاقُ في المسجدِ خَطِيئةٌ، وكفّارتُها دفنُها". قال أبو عُمرَ: البُزاقُ يُكتَبُ بالزّايِ وبالسِّينِ وبالصّادِّ. وقد مَضَى فيما سلفَ من كِتابِنا هذا، في بابِ نافع أيضًا: قولُ رسُولِ الله ﷺ : "عُرِضت عليَّ أُجُورُ أُمَّتي، فرأيتُ فيها حتَّى القَذاةَ يُخرِجُها الرَّجُلُ من المسجدِ" (١). وقدِ احتجَّ بعضُ من أباحَ النَّفخَ في الصَّلاةِ على جِهةِ التَّأوُّه: بما حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بن فُضَيل، عن عَطاءِ بن السّائبِ، عن أبيهِ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو، قال: انكَسَفتِ الشَّمسُ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ، فقامَ وقُمنا مَعهُ، فأطالَ القيامَ، حتَّى ظننّا أنَّهُ ليسَ يركَعُ، ثُمَّ ركعَ، فلم يكَدْ يرفعُ رأسهُ، ثُمَّ رفعَ رأسهُ، فلم يَكَدْ يسجُدُ، ثُمَّ سجدَ، فلم يَكَدْ يرفعُ رأسهُ، ثُمَّ فعلَ في الرَّكعةِ الثّانيةِ كما فعلَ في الأُولى، وجعلَ ينفُخُ في الأرضِ ويبكي وهُو ساجِدٌ في الرَّكعةِ الثّانية، وهو يقولُ: "ربِّ لمَ تُعذِّبُهُم وأنا فيهم (٣)؟ ربِّ لمَ تُعذِّبُهُم ونحنُ نستغفِرُك؟ ". ثُمَّ رفَعَ رأسهُ وقد تجلَّتِ الشَّمسُ. وذكَرَ الحديثَ.

стр. 4791

حديثٌ تاسِعٌ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أَنَّهُ كان يقولُ: إن كان الرِّجالُ والنِّساءُ ليتَوضَّؤُونَ جميعًا في زَمَنِ رسُولِ الله ﷺ . رواهُ هشامُ بن عمّارٍ، عن مالكٍ، فقال فيه: من إناءٍ واحدٍ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عليُّ بن الحسنِ بن عليٍّ الحرّانيُّ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُعافَى ومحمدُ بن محمدٍ. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمر بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج بن رِشْدينٍ؛ قالوا: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: كان الرِّجالُ والنِّساءُ يتوضَّؤُونَ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ من إناءٍ واحد (٣). ليس في "المُوطَّأ": من إناءٍ واحدٍ (٤). والمعنى في ذلك سواءٌ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ العَسْكريُّ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ، قال (٥): أخبَرَنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أَنَّهُ كان يقولُ: إنَّ الرِّجالَ والنِّساءَ كانوا (٦) يتوضَّؤُونَ في زَمَنِ رسُولِ الله ﷺ جميعًا.

стр. 4792

في هذا الحديثِ دليلٌ واضِحٌ على إبطْالِ قولِ من قالَ: لا يُتوَضَّأُ بفَضْلِ المرأةِ؛ لأنَّ المرأةَ والرَّجُلَ إذا اغْتَرفا جميعًا من إناءٍ واحدٍ في الوُضُوءِ، فمعلُومٌ أنَّ كلَّ واحدٍ منهُما مُتوضِّئٌ بفَضْلِ صاحِبِهِ. وقد وَرَدت آثارٌ في هذا البابِ مرفُوعةٌ في النَّهي عن (١) أن يتوضَّأَ الرَّجُلُ بفَضْلِ المرأةِ، وزادَ بعضُهُم في بَعضِها: "ولَكِن ليَغْترِفا جميعًا". فقالت طائفةٌ: لا يجُوزُ أن يَغْترِفَ الرَّجُلُ مع المرأةِ في إناءٍ واحدٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما مُتوضِّئٌ حينَئذٍ بفَضْلِ صاحِبِهِ. وقال آخرُونَ: إنَّما كُرِهَ من ذلكَ أن تنفرِدَ المرأةُ بالإناءِ، ثُمَّ يتوضَّأَ الرَّجُلُ بعدَها بفَضْلِها. وكلُّ واحدٍ منهُم رَوَى لما (٢) ذهَبَ إليه أثرًا، ولم أرَ لذِكرِ تلكَ الآثارِ وجهًا في كِتابي هذا؛ لأنَّ الصَّحيحَ عِندي ما رُوِيَ مِمّا يُضادُّها ويُخالِفُها، مِثلُ حديثِ هذا الباب، وحديثِ عائشةَ في أنَّها كانت تَغْتسِلُ هي ورسُولُ الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ، هُو الفَرَقُ (٣). والذي ذهَبَ إليه جُمهُورُ العُلماءِ وجماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ: أنَّهُ لا بأسَ أن يتوضَّأَ الرَّجُلُ بفَضْلِ المرأةِ، وتتوضَّأَ المرأةُ بفَضْلِهِ، انْفَردت بالإناءِ، أو لم تنفرِد، وفي مِثلِ هذا آثارٌ كثيرةٌ عن النَّبيِّ ﷺ صِحاحٌ. والذي يُذهَبُ إليه: أنَّ الماءَ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ، إلّا ما ظهَرَ فيه من النَّجاساتِ، أو غلَبَ عليه (٤) منها، فلا وجهَ للاشْتِغالِ بما لا (٥) يصِحُّ من الآثارِ والأقوالِ، واللّهُ المستعانُ. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا

стр. 4793

بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: كان الرِّجالُ والنِّساءُ يَتَوضَّؤُونَ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ من الإناء الواحد (١). وهذا عَلى عُمُومِهِ، يجمعُ الانْفِرادَ وغيرَ الانْفِراد، واللّه أعلمُ. ورَوَى سُفيانُ (٢) وشَريكٌ (٣)، عن سِماكِ بن حَرْب، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ، عن مَيْمُونةَ، قالت: اغْتَسلتُ من الجَنابةِ، فجاءَ النَّبيُّ ﷺ ليَغْتسِلَ، فقلتُ: إنِّي اغْتَسلتُ منهُ، فقال: "ليسَ على الماءِ جَنابةٌ، الماءُ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ". وهذا صحيحٌ في الأُصُولِ؛ لأنَّ المُؤمِنَ ليس يَنْجس (٤)، وإنَّما هُو مُتعبَّدٌ بالوُضُوءِ والاغتِسالِ في حالٍ دُونَ حالٍ. وقد دلَّلنا (٥) على طَهارةِ سُؤرِ الحائضِ والجُنُبِ، فيما سلفَ من هذا الكِتابِ، وإذا (٦) جازَ وُضُوُءُ الجَماعةِ معًا، رِجالًا ونِساءً، ففي ذلكَ دليلٌ على أَنَّهُ لا تحديدَ ولا توقيفَ فيما يَقْتصِرُ عليه المُغتسِلُ من الماءِ، إلّا الإتيانُ منهُ بما أمرَ الله من غُسْلٍ ومَسْح، ورُبَّ ذي رِفْقٍ يَكْفيه اليسير، وذي خُرْقٍ (٧) لا يَكْفيه الكثير. وقد مَضَى معنى هذا البابِ، في بابِ ابنِ شِهابٍ أيضًا، والحمدُ للّه.

стр. 4794

حديثٌ مُوَفِّي ثلاثينَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُصلِّي قبلَ الظُّهرِ رَكْعتينِ، وبعدها رَكْعتينِ، وبعدَ المغرِبِ رَكْعتينِ في بَيْتِهِ، وبعدَ صلاةِ العِشاءِ رَكعتينِ، وكان لا يُصلِّي بعدَ الجُمُعةِ حتَّى يَنْصرِفَ فيُصلِّي رَكْعتينِ. هكذا رَواهُ يحيى، لم يَقُل: "في بيتِهِ"، إلّا في الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ فقط، وتابَعهُ القَعْنبيُّ على ذلكَ (٢). وقال ابنُ بُكَيرٍ - في هذا الحديثِ: "في بَيْتِهِ" - في مَوْضِعينِ، أحدُهُما: في الرَّكعتينِ بعد المغرِبِ، والآخرُ: في الرَّكعَتينِ بعدَ الجُمُعةِ في بيتِهِ. وابنُ وَهْب يقولُ: في الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ وبعدَ العشاءِ: "في بيتِهِ". ولم يذكُرِ (٣) انصِرافَهُ في الجُمُعةِ. وقد تابَعهُ أيضًا على هذا جماعةٌ من رُواةِ مالكٍ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بن سُليمان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبرني مالكٌ وعَبدُ الله (٤) بن عُمرَ واللَّيثُ بن سعدٍ وأُسامةُ بن زيدٍ وابنُ سمعان، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُصلِّي قبلَ الظُّهرِ رَكْعتينِ، وبعدها رَكْعتينِ،

стр. 4795

وبعدَ المغرِبِ رَكْعتينِ في بَيْتِهِ، وبعدَ صلاةِ العِشاءِ رَكْعتينِ في بَيْتِهِ، وكان لا يُصلِّي بعدَ الجُمعةِ في المسجدِ شيئًا، حتَّى ينصرِفَ فيسجُدَ سَجْدتَين (١). وقد اختلَفَ في ذلك أيضًا أصحابُ (٢) نافع، واختُلِفَ في ذلكَ أيضًا عن ابنِ عُمر، وسنذكُرُ ما حَضَرنا من ذلك بحولِ الله إن شاءَ الله. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ صَلاةَ النَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى، كصلاةِ اللَّيلِ سواءً، وقد مَضى القولُ في هذا المعنى بما فيه كِفايةٌ، والحمدُ للّه. وفيه: إباحَةُ صَلاةِ النّافِلةِ في المسجدِ، والأصلُ في النّافِلةِ: أنَّها صلاةُ البُيُوتِ. ولم يُختلَفْ من هذا الحديثِ في الرَّكعتينِ قبلَ الظُّهرِ وبَعْدها، أنَّ ذلكَ كان منهُ ﷺ في المسجدِ، واختُلِفَ في صَلاتِهِ بعدَ المغرِبِ، والعِشاءِ، والجُمُعةِ، على ما نُورِدُهُ إن شاءَ الله هاهُنا. وقد حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير (٣). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٤)، قالا: حدَّثنا أبو بكر بن أبي الأسْوَدِ، قال: حدَّثنا أبو المُطرِّفِ (٥)

стр. 4796

محمدُ بن أبي الوَزيرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن موسى الفِطْريُّ، عن سَعْدِ بن إسحاقَ بن كَعْبِ بن عُجْرةَ، عن أبيهِ، عن جِدِّهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتاهُم في مَسْجِدِ بني عَبدِ الأشْهَلِ، فصلَّى فيه (١) المغرِبَ، فلمّا قَضَوْا صلاتهُم، رآهُم يُسبِّحُونَ بعدها، فقال: "هذه صَلاةُ البُيُوتِ". فَكرِه قومٌ التَّطوُّعَ في المسجدِ بعد صَلاةِ المغرِبِ لهذا الحديثِ، ولا حُجَّةَ فيه لهم؛ لأنَّهُ لو كَرِههُ، لنَهَى عنهُ، واللّهُ أعلمُ. وقد عارَضَ قومٌ هذا الحديثَ، بما رواهُ جعفرُ بن أبي المُغيرةِ، عن سَعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: كان رسُولُ الله ﷺ يُطيلُ القِراءةَ في الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ، حتَّى يتفرَّقَ أهلُ المسجدِ؛ ذَكرهُ أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا حُسينُ بن عبدِ الرَّحمنِ الجَرْجَرائيُّ (٣)، قال: حدَّثنا طَلْقُ بن غنّام، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن عبدِ الله القُمِّيُّ، عن جَعْفرِ بن أبي المُغيرةِ. قال أبو داود: تابَعَ طلقَ بنَ غنّام على إسنادِ هذا الحديثِ نصرٌ المُجدَّر، عن يعقُوبَ القُمِّيِّ. ورواهُ أحمدُ بن يونُس وسُليمانُ بن داودَ، عن يعقُوبَ، عن جعفرٍ، عن سَعيدٍ، مُرسلًا. وقد كان يعقُوبُ القُمِّيُّ يقولُ: كلُّ شيءٍ حدَّثتُكُم عن جَعْفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن النَّبيِّ ﵇، فهُو عن ابنِ عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ (٤). والذي اجتمَعَ عليه العُلماءُ: أنَّهُ لا بأسَ بالتَّطوُّع في المسجدِ لمن شاءَ، على أنَّ صلاةَ النّافِلةِ في البُيُوتِ أفضَلُ، إلّا العشرَ رَكَعاتِ المذكُوراتِ (٥) في حَديثِ

стр. 4797

ابنِ عُمرَ في هذا البابِ، والاثْنتَيْ عشْرةَ رَكْعةً المذكُورةَ في حَديثِ أُمِّ حَبِيبةَ (١)، فإنَّها عندَ جَماعةٍ منهُم سُنَّةٌ مسنُونةٌ، ويُسمُّونها صَلاةَ السُّنَّةِ، يرونَ صَلاتَها في المسجدِ، دُونَ سائرِ التَّطوُّع، وما عَداها من التَّطوُّع كلِّه (٢) فهُو في البَيْتِ أفَضلُ، ولا بأسَ به في المسجدِ. هذا كلُّهُ قولُ جُمهُورِ العُلماءِ. وأمّا قولُهُ: وبعدَ الجُمُعةِ رَكْعتينِ. فإنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في التَّطوُّع بعدَ الجُمُعةِ خاصَّةً (٣). فقال مالكٌ: يَنْبغي للإمام إذا سلَّمَ من الجُمُعةِ، أن يدخُلَ مَنْزِلَهُ، ولا يركَعَ في المسجدِ، لما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ : أَنَّهُ كان ينصرِفُ بعدَ الجُمُعةِ ولم يَركَعْ في المسجدِ، وإنَّما كان يركعُ الرَّكعتينِ في بيتِهِ. قال مالكٌ: ومَن خَلْفَ الإمام أيضًا إذا سلَّمُوا، فأحَبُّ إليَّ أن ينصرِفُوا ولا يركعُوا في المسجدِ، فإن ركعُوا فإنَّ ذلك واسِعٌ (٤). وقال الشّافِعيُّ: ما أكثرَ المُصلِّي من التَّطوُّع بعدَ الجُمُعةِ، فهُو أحبُّ إليَّ. وقال أبو حَنِيفةَ: يُصلِّي بعد الجُمُعةِ أربعًا. وقال في موضِع آخر: سِتًّا. وقال الثَّوريُّ: إن صلَّيتَ أربعًا، أو سِتًّا (٥) فحسُنٌ. وقال الحسنُ بن حيٍّ: يُصلِّي أربعًا. وقال أحمدُ بن حَنْبل: يُصلِّي سِتًّا بعدَ الجُمُعةِ أحَبُّ إليَّ (٦)، وإن شاءَ أربعًا.

стр. 4798

وكان ابنُ عُمر يُصلِّي بعدَها رَكْعتينِ في بَيْتِهِ، ويقولُ: هكذا فعلَ رسُولُ الله ﷺ . وكانت طائفةٌ من العُلَماءِ تُصلِّي بعدَها ركعتينِ أيضًا. وحُجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهبَ: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، قال: كان ابنُ عُمرَ يُطيلُ الصَّلاةَ قبلَ الجُمُعةِ، ويُصلِّي بعدَها رَكْعتينِ في بيتِهِ، ويُحدِّثُ أنَّ رسُولَ الله كان يفعلُ ذلكَ. قال أبو داودَ (٢): وحدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ وسُليمانُ بن داودَ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أَيُّوبُ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّهُ رأى رَجُلًا يُصلِّي رَكْعتينِ يومَ (٣) الجُمُعةِ في مَقامِهِ، فدَفَعهُ وقال: أتُصلِّي الجُمُعةَ أربعًا؟ قال: وكان عبدُ الله يُصلِّي يومَ الجُمُعةِ رَكْعتينِ في بَيْتِهِ، ويقولُ: هكذا فعلَ رسُولُ الله ﷺ . وحُجَّةُ من قال: يُصلِّي بعدَ الجُمُعةِ أربعًا: ما رواهُ سُهَيلُ بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من كان مِنكُم مُصلِّيًا بعدَ الجُمُعةِ، فليُصلِّ أربعًا". وبعضُهُم يقولُ فيه: عن سُهَيلٍ بإسنادِهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا صلَّيتُمُ الجُمُعةَ، فصلُّوا بعدَها أربعًا". قال سُهَيلٌ: وقال لي أبي: يا بُنيَّ، إذا صلَّيتَ في المسجدِ رَكْعتينِ، ثُمَّ أتيتَ المنزِلَ، فصلِّ رَكْعتينِ. ذكَرَ ذلك كلَّهُ أبو داود (٤).

стр. 4799

وقد رُوي عن جَماعةٍ من السَّلفِ: أنَّهُم كانوا يُصلُّونَ بعد الجُمُعةِ رَكْعتينِ، ثُمَّ أربعًا. ومِمَّن رُوِيَ ذلك عنهُ: عليُّ بن أبي طالبٍ، وعبدُ الله بن عُمرَ، وأبو موسى، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ. ورُوي أنَّ ابنَ مسعُودٍ كان يُصلِّي بعدَها أربعًا (١). وإليه ذهَبَ إسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي. وجاءَ عن النَّخَعيِّ في الصَّلاةِ بعد الجُمُعةِ: إن شِئتَ رَكْعتينِ، وإن شِئتَ أربعًا (٢). ورَوَى حجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، عن عطاءٍ: أنَّهُ أخبَر أَنَّهُ رأى ابنَ عُمرَ يُصلِّي بعدَ الجُمُعةِ، فيَنْأى عن مُصلّاهُ الذي صلَّى فيه قليلًا ويُصلِّي ركعتينِ، ثُمَّ يَمْشي أكثرَ من ذلك قليلًا، ويَرْكعُ أربع رَكَعاتٍ. قلتُ لعطاءٍ: كم رأيتَ ابنَ عُمرَ يفعلُ ذلك؟ قال: مِرارًا (٣). وذكر عبدُ الرَّزّاق (٤)، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني عُمرُ بن عَطاءِ بن أبي الخُوار (٥)، أنَّ نافعَ بن جُبيرٍ أرسَلهُ إلى السّائبِ بن يزيد ابن أُختِ نَمِرٍ: فيسألهُ (٦) عن شيءٍ رآهُ منهُ مُعاويةُ في الصَّلاةِ، فقال: صلَّيتُ مَعهُ في المقصُورةِ، فلمّا سلَّمنا

стр. 4800

قُمتُ في مَقامي فصلَّيتُ، فلمّا دخلَ أرسل إليَّ فقال: لا تَعُدْ لما صنَعتَ، إذا صلَّيتَ الجُمُعةَ فلا تَصِلها بصَلاةٍ حتَّى تَكلَّم، أو تخرُجَ، فإنَّ نبيَّ الله ﷺ أمرَ بذلك، أن لا تُوصَلَ صلاةٌ بصلاةٍ، حتَّى تكلَّمَ أو تخرُجَ. وذكَرَهُ أبو داودَ (١)، عن الحسنِ بن عليٍّ الحُلوانيِّ، عن عبدِ الرَّزّاقِ. وذكَرَ الطَّحاويُّ (٢) في هذا الخبرِ، فقال: انصرفَ ابنُ عُمر إلى ذلكَ لمّا بَلَغهُ حديثُ مُعاويةَ هذا. وذكَرَ حديثَ ابنِ جُريج، عن عَطاءٍ، أَنَّهُ رأى ابنَ عُمرَ. على حسَبِ ما ذكرنا (٣). ثُمَّ ذكَرَ (٤) حديثَ يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عُمرَ: أنَّهُ (٥) كان إذا كان بمكَّةَ فصلَّى الجُمُعةَ، تقدَّمَ فصلَّى ركعتينِ، ثُمَّ تقدَّمَ فصلَّى أربعًا، فإذا كان بالمدينةِ صلَّى الجُمُعةَ، ثُمَّ رجعَ إلى بَيْتِهِ فصلَّى رَكْعتينِ، ولم يُصلِّ في المسجدِ. فقيل لهُ، فقال: كان رسُولُ الله ﷺ يفعلُ ذلك. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عليِّ بن أحمد الحنّانيُّ البَصْريُّ ومحمدُ بن عبدِ الله بن أحمد القاضي، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع الزَّهْرانيُّ (٦)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يُصلِّي بعد الجُمُعةِ شيئًا في المسجدِ، حتَّى ينصرِفَ فيُصلِّي رَكْعتينِ في بَيْتِهِ.

стр. 4801

وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحُسينِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن محمدِ بن موسى، خالُ البزّارِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يوسُفَ، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ موسى بن طارِقٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن نافع، عن ابنِ عُمر، أَنَّهُ قال في حديثِهِ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ كان لا يُصلِّي بعد الجُمعةِ حتَّى ينصرِفَ، ثمَّ يَرْكع رَكْعتينِ. قال أبو عُمرَ: الاختِلافُ عن السَّلفِ في هذا البابِ، اختِلافُ إباحَةٍ واسْتِحسانٍ، لا اختِلاف مَنعْ وحَظْرٍ، وكلُّ ذلكَ حَسَنٌ إن شاءَ الله. رَوَى إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلميِّ، قال: قدِمَ علينا عبدُ الله، فكان يُصلِّي بعدَ الجُمُعةِ أربعًا، وقَدِمَ بعدهُ عليٌّ، فكان يُصلِّي بعد الجُمُعةِ رَكْعتينِ وأربعًا (١). وكذلكَ من لم يرَ الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ في المسجدِ، ورآهُما في البَيْتِ، إنَّما هُو على الاختيارِ، لا على أنَّ ذلك لا يجُوزُ، واللّه أعلمُ. وقد تعارَضَتْ في ذلك الآثارُ المرفُوعةُ، منها: حديثُ كَعْب بن عُجرةَ: "هذه صَلاةُ البُيُوتِ" (٢). وحديثُ ابنِ عبّاسٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُطيلُ القِراءةَ في الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ، حتَّى يتفرَّقَ أهلُ المسجدِ. وقد رُوِيَ من حديثِ محمودِ بن لبيدٍ، مُرسلًا، نحو حديثِ كعبِ بن عُجرةَ؛ أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله، يعني أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن ابنِ إسحاق، عن عاصِم بن

стр. 4802

عُمرَ بن قَتادةَ، عن محمودِ بن لَبيدٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى المغرِب، ثُمَّ قال: "صلُّوا هاتَيْنِ الرَّكعتينِ في بُيُوتِكُم" (١). قال أبو بكرٍ: وسُئلَ أبو عبدِ الله عن الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ، فقال: يُصلِّيها في مَنْزِلِهِ أعجبُ إليَّ. قيل لهُ: فإن بَعُدَ منزِلُهُ؟ قال: لا أدري. قال: ورأيتُ أبا عبدِ الله ما لا أُحصي، إذا صلَّى المغرِبَ، دخلَ قبلَ أن يتطوَّع. قال: وسألتُ (٢) أبا عبدِ الله عن تفسيرِ قولِهِ: "لا يُصلَّى بعدَ صلاةٍ مِثلُها" (٣). قال: هُو أن يُصلِّي الظُّهر، فيُصلِّي أربعًا بعدَها لا يُسلِّمُ. ثُمَّ قال: أليسَ قد قال سعيدُ بن جُبيرٍ: إذا سلَّمَ في اثنتَيْنِ، فليس مِثلها؟ ثُمَّ قال: أمّا أنا فأذهَبُ في الأربع قبلَ الظُّهرِ، إلى أن أُسلِّمَ في اثْنَتينِ منها. ثُمَّ قال: أمّا الرَّكعتانِ قبلَ الفجرِ ففي بيتِهِ، وبعدَ المَغْرِبِ في بَيْتِهِ. ثُمَّ قال: ليس هاهُنا أوكَدُ من الرَّكعتينِ بعد المغرِبِ في بَيْتِهِ. ثُمَّ ذكرَ حديثَ ابنِ إسحاقَ: "صلُّوا هاتينِ الرَّكعتينِ في بُيُوتِكُم". قال أبو بكرٍ: حدَّثنا أبو بكر بن أبي الأسْوَدِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي الوَزيرِ أبو مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن موسى الفِطْريُّ، عن سَعْدِ (٤) بن إسحاقَ بن كعبِ بن عُجْرَةَ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتاهُمْ في بَني عبدِ الأشْهَل، فصلَّى المغرِب، فرآهُم يَتَطوَّعُون بعدَها، فقال: "هذه صَلاةُ البُيُوتِ" (٥).

стр. 4803

وهذا يحتمِلُ أن يكونَ على الاختيارِ في التَّطوُّع أكثرَ من الرَّكعتينِ، ويحتمِلُ أن يكونَ في الرَّكعتينِ. قال أبو بكر الأثرمُ: حدَّثنا سليمانُ بن بلالٍ، عن رَبِيعةَ، أَنَّهُ سمِعَ السّائبَ بنَ يزيدَ يقولُ: لقد رأيتُ النّاس في زَمنِ عُمرَ بن الخطّابِ إذا انصرَفُوا من المغرِبِ، انصرَفُوا جميعًا، حتَّى ما يبقَى في المسجدِ أحدٌ، كانوا لا يُصلُّونَ بعد المغرِبِ حتَّى يَصِيرُوا إلى أهليهِم. قال: وحدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن العبّاسِ بن سَهْل (١): أنَّ النّاسَ كانوا على عَهدِ عُثمانَ يُصلُّونَ الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ في بُيُوتِهِم (٢). قال: وحدَّثنا عُثمانُ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، عن الأعْمَشِ، عن ثابِتِ بن عُبيدٍ، قال: رأيتُ زيدَ بنَ ثابِتٍ صلَّى الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ في بَيْتِهِ. قال: وحدَّثنا مُعاويةُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن عبدِ الله بن يزيد، قال: كان إبراهيمُ إذا صلَّى المغرِبَ في المسجدِ، رجعَ فصلَّى رَكْعتينِ في بَيْتِهِ. وذكَرَ الحسُنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ بن سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، أنَّ أباهُ سعدَ بن إبراهيمَ، كان لا يُصلِّي الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ إلّا في بَيْتِهِ. وقال إبراهيمُ: رُبَّما قرأتُ على أبي جُزءًا في الحمّام، وقرأتُهُ عليه مرَّةً في الحمّام ومعَهُ عبدُ الله بن الفَضْلِ. قال يعقُوبُ: ولم أعقِلْ أبي قطُّ إلّا وهُو يُصلِّي الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ في بَيْتِهِ. فهذه الآثارُ كلُّها تُبيِّنُ لكَ أنَّ صلاةَ الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ في البيتِ أفضلُ،

стр. 4804

وأنَّهُ الأمرُ القديمُ، وعَملُ صَدرِ السَّلفِ. وهُو الثّابِتُ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ كان يُصليهما (١) في بَيْتِهِ، من حديثِ ابنِ عُمر، ومن حديثِ غير: أنَّها صَلاةُ البُيُوتِ. وأمّا حديثُ (٢) جعفرِ بن أبي المُغيرةِ، فليسَ تقومُ به حُجَّةٌ، ولكِنَّهُ أمرٌ لا حرجَ على من فَعلهُ؛ لأنَّ الأصلَ فيه: أنَّهُ فِعلُ برٍّ وخيرٍ، فحيثُ فُعِلَ فحسُنٌ، إلّا أنَّ الأفضلَ من ذلك ما كان رسُولُ الله يُواظِبُ عليه، ومالَ اختيار (٣) صَدْرِ السَّلفِ إليه، وباللّه التَّوفيقُ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُف، قال: أخبرنا عُبيدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يعقُوب، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: حَفِظتُ من رسُولِ الله ﷺ عشْرَ رَكَعاتٍ: ركعتَينِ قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدها، ورَكْعتينِ بعد المغرِب في بَيْتِهِ، ورَكْعتينِ بعد العِشاءِ في بَيْتِهِ، ورَكْعتينِ قبلَ الغداةِ في بَيْتِهِ. وحدَّثتني حَفْصةُ، وكانت ساعَةً لا يُدخَلُ (٤) عليه فيها، أَنَّهُ كان إذا طلَعَ الفَجْرُ، وأذَّنَ المُؤَذِّنُ، صلَّى في بيتِهِ رَكْعتين (٥). هكذا وقع في أصلي: ورَكْعتينِ قبلَ الغَداةِ (٦)، والصَّوابُ فيه: بعد الجُمُعةِ، إلّا أن يكونَ اختلَطَ على أيُّوبَ حديثُهُ هذا عن نافع، بحديثهِ عن المُغيرةِ بن سُليمانَ،

стр. 4805

وأمّا حديثُ نافع، فمَحفُوظٌ فيه: رَكْعتانِ بعدَ الجُمُعةِ. وليسَ فيه: رَكْعتانِ قبل الصُّبح، إلّا في رِوايتِهِ عن حَفْصةَ، وليس ذلكَ عندَ مالك (١). وقد أخبرنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيز، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ الواسِطيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يُصلِّي بعد الجُمُعةِ رَكْعتينِ في بَيْتِهِ، ويقولُ: هكذا فعلَ رسُولُ الله ﷺ . هكذا حدَّث به مُختصرًا. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، يعني القطّان. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُف، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا يحيى القطّانُ. قالا جميعًا: عن عُبيدِ الله، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عُمرَ، قال: صلَّيتُ معَ النَّبيِّ ﷺ سَجْدتينِ قبلَ الظُّهرِ، وسَجْدتينِ بعدها، وسجْدتينِ بعد المغرِبِ، وسَجْدتينِ بعد العِشاءِ، وسَجْدتينِ بعدَ الجُمُعةِ، فأمّا المغرِبُ والعِشاءُ، ففي بَيْتِهِ. فهذا لفظُ حديثِ مُسدَّدٍ. ولفظُ حديثِ محمدِ بن مسعُودٍ: وأمّا المغرِبُ، والعِشاءُ، والجُمُعةُ، ففي بَيْتِهِ. ثمَّ اتَّفَقا. قال: وحدَّثتني أُخْتِي حَفْصةُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُصلِّي سَجْدتينِ خَفِيفتينِ بعد ما يطلُعُ الفجرُ، وكانت ساعَةً لا أدخُلُ على النَّبِيِّ ﷺ فيها (٣).

стр. 4806

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذان، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن عَمرٍو الأزديُّ، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن عُبيدِ الله، عن نافع، قال: قال عبدُ الله بن عُمر: صلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ قبلَ الظُّهرِ سَجْدتينِ، وبعدها سجدتين (١)، وبعدَ المغرِبِ سَجْدتينِ، وبعدَ العِشاءِ سَجْدتينِ، وبعد الجُمُعةِ سَجْدتينِ، فأمّا المغرِبُ، والعِشاءُ، والجُمُعةُ، ففي رَحْلِه (٢). حدَّثنا يحيى بن عبدِ الرَّحمنِ وسعيدُ بن نصر، قِراءةً مِنِّي عليهما، أنَّ محمدَ بن أبي دُليم حدَّثهُما، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا آدمُ بن أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمر، قال: كان رسُولُ الله ﷺ لا يُصلِّي بعد المغرِبِ الرَّكعتينِ إلّا في بَيْتِهِ (٣). وهذا عِندي نحوٌ من رِوايةِ يحيى (٤) والقعنبيِّ، عن مالكٍ في ذلك. حدَّثنا أحمدُ بن عُمر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا مالكُ بن سيفٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهاب، قال: أخبرني سالمُ بن عبدِ الله، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: صلَّيتُ مع رسُولِ الله ﷺ رَكْعتينِ قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعد الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعد الجُمُعةِ، وركعتينِ بعدَ المغرِبِ، ورَكْعتينِ بعد العِشاء (٥). لم يقُلِ اللَّيثُ - في شيءٍ منها -: في بَيْتِهِ.

стр. 4807

ورواهُ مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ، قال: كان رسُولُ الله ﷺ يُصلِّي بعدَ الجُمُعةِ رَكْعتينِ في بَيْتِهِ (١). قال أبو داود (٢): وكذلكَ رواهُ عبدُ الله بن دينارٍ، عن ابنِ عُمرَ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُف، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدٍ. وحدَّثنا أحمدُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ. قالا: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يعقُوبَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن قَتادةَ، قال: كُنّا عندَ محمدِ بن سيرينَ وعندَهُ المُغيرةُ بن سَلْمانَ، قال: فحدَّثَ عن ابنِ عُمرَ، قال: قال ابنُ عُمر: عَشْرَ رَكَعاتٍ حَفِظتُهُنَّ من رسُولِ الله ﷺ : رَكْعتينِ قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدَ المغرِبِ، ورَكْعتينِ بعدَ العِشاءِ الآخِرةِ، ورَكْعتينِ قبلَ الصُّبح. قال: فقال رجُلٌ عندَ محمدٍ: هذا ما لا بُدَّ منهُ، فقال محمد: إنَّ ما لا بُدَّ منهُ الفَرِيضةُ (٣). هكذا يقولُ المُغيرةُ بن سَلْمان: رَكْعتانِ قبل الصُّبح، ولا يقولُ: ركعتانِ بعد الجُمُعةِ. ولا يقولُ في شيءٍ منها: في بَيْتِهِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصِر، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ بن فارِسٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن عَوْنٍ، عن محمدٍ، عن المُغيرةِ بن سَلْمان، عن ابنِ عُمرَ، قال: حَفِظتُ من رسُولِ الله ﷺ عشْرَ رَكَعاتٍ: رَكْعتينِ قبلَ الصُّبح، ورَكْعتينِ قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدَ الظُّهرِ،

стр. 4808

ورَكْعتينِ بعدَ المغرِبِ، ورَكْعتينِ بعد العِشاء (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُفَ، قال: أخبرنا عُبيدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يَعْقُوب القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي بكرٍ المُقدَّميُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، قال: سمِعتُ المُغيرةَ بن سَلْمان في بَيْتِ محمدِ بن سِيرين، يُحدِّثُ عن ابنِ عُمرَ، قال: حَفِظتُ من رسُولِ الله ﷺ عشْرَ رَكَعاتٍ سِوَى الفَرِيضةِ: رَكْعتينِ قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدَ المغرِبِ، ورَكْعتينِ بعد العِشاءِ، ورَكْعتينِ قبلَ الفَجْر (٢). وحدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يعقُوبَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن إبراهيم التُّسْتَريُّ، قال: حدَّثنا محمدٌ، يعني ابن سيرينَ، قال: قال المُغيرةُ بن سَلْمان: قال عبدُ الله بن عُمرَ: عَشْرَ رَكَعاتٍ حَفِظتهنَّ، عن النَّبيِّ ﷺ : رَكْعتينِ قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدَها، ورَكْعتينِ بعدَ المغرِبِ، ورَكْعتينِ بعدَ العِشاءِ، ورَكْعتينِ قبلَ الفَجْر (٣). وقد رُوِيَ هذا الحديثُ، عن محمدِ بن سِيرينَ، عن أبي هُريرةَ، قال: حَفِظتُ من النَّبيِّ ﵇ عشرَ رَكَعاتٍ. رَكْعتينِ قَبْل الظُّهرِ، ورَكْعتين بعدَها، ورَكْعتين بعد المَغرب، ورَكْعتين بعد العشاء، ورَكْعتين قبل الفجر (٤) (٥).

стр. 4809

وهُو عِندِي خَطأٌ، فلِذلكَ لم أذكُرهُ؛ لأنَّهُ لو كان عندَ ابنِ سِيرينَ فيه شيءٌ عن أبي هُريرةَ، ما حدَّثَ به عن المُغيرةِ بن سَلْمان، عن ابنِ عُمرَ، واللّه أعلمُ. وأمّا الاثنتا عشْرةَ (١) رَكْعةً، ففيها حديثُ أُمِّ حبيبةَ، وحديثُ عائشةَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبَةَ، عن النُّعمانِ بن سالم، عن عَمرِو بن أوسٍ، عن عَنْبسةَ بن أبي سُفيانَ، عن أُمِّ حَبِيبةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من صلَّى ثِنْتَي عَشْرةَ رَكْعةً تَطوُّعًا غيرَ فَرِيضةٍ، بُني لهُ بيتٌ في الجنَّةِ، أو بَنَى الله لهُ بيتًا في الجنَّةِ". قال: وكلُّ واحدٍ منهُم قال: ما تَرَكتُها بعدَها (٢). حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا (٣) ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا إسحاقُ بن سُليمانَ الرّازيُّ، عن

стр. 4810

مُغيرةَ بن زيادٍ، عن عَطاءٍ، عن عائشَةَ، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "من ثابَرَ على اثْنَتي عَشْرةَ رَكْعةً بَنَى اللهُ لهُ بيتًا في الجنَّةِ: أربعًا قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدَها، ورَكْعتينِ بعدَ المغرِبِ، ورَكْعتينِ بعدَ العِشاءِ، ورَكْعتينِ قبلَ (١) الفَجْرِ". قال أبو عُمرَ: في غيرِ هذا الحديث في مَوْضِع الرَّكعتينِ بعدَ العشاءِ: رَكْعتينِ قبلَ العَصْرِ. وهُو المحفُوظُ (٢) من حديثِ عليِّ بن أبي طالبٍ (٣) وغيرِهِ. حدَّثني أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا أبو أحمد ابنُ المُفسِّرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا الفَزاريُّ ويوسُفُ بن أسْباطٍ، عن سُفيانَ، عن منصُورٍ، عن إبراهيم، قال: صَلاةُ السُّنَّةِ اثْنَتا عَشْرةَ ركعةً (٤).

стр. 4811

حديثٌ حادٍ وثلاثُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "أراني اللَّيلةَ عندَ الكَعْبةِ (٢)، فرأيتُ رَجُلًا آدَمَ كأحسنِ ما أنتَ راءٍ من أُدم الرِّجالِ، لهُ لِمَّةٌ كأحسنِ ما أنتَ راءٍ من اللِّمَم، قد رَجَّلَها، فهي تقطُرُ ماءً، مُتَّكِئًا على رجُلينِ، أو على عَواتِقِ رجُلينِ، يطُوفُ بالبَيْتِ، فسألتُ من هذا؟ فقيلَ: المسيحُ ابنُ مريمَ، ثُمَّ إذا أنا برَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ، أعْوَرِ العينِ اليُمنى، كأنَّها عِنَبَةٌ طافيةٌ، فسألتُ من هذا؟ فقيل: المسيحُ الدَّجّالُ". قال أبو عُمرَ: أمّا المسيحُ ابنُ مريمَ ﵇، ففي اشْتِقاقِ اسمِهِ، فيما ذكَرَ ابنُ الأنباري (٣)، لأهلِ اللُّغةِ خمسةُ أقوالٍ: أحدُها: أَنَّهُ قيل لهُ: مَسِيحٌ، لسياحتِهِ في الأرضِ، وهُو فعيلٌ من مَسْح الأرضِ، أي: من قَطْعِها بالسِّياحةِ، والأصلُ فيه: مَسْيِحٌ، على وزنِ مَفْعِلٌ، وأُسْكِنتِ الياءُ، ونُقِلت حركتُها إلى السِّينِ لاستِثقالِهِمُ الكَسْرةَ على الياءِ. وقيل: إنَّما قيلَ لهُ: مسيحٌ؛ لأنَّهُ كان ممسُوحَ الرِّجلِ، ليسَ لرِجلِهِ أخمصُ، والأخمصُ: ما لا يَمسُّ الأرضَ من باطِنِ الرِّجل. وقيل: سُمِّي مسيحًا؛ لأنَّهُ خرجَ من بطنِ أُمِّهِ ممسُوحًا بالدُّهنِ. وقيل: سُمِّي مسيحًا؛ لأنَّهُ كان لا يَمسَحُ ذا عاهَةٍ، إلّا برِئَ. وقيل: المسيحُ: الصدِّيقُ. وأمّا المسيحُ الدَّجّالُ، فإنَّهُ (٤) قيل لهُ: مسيحٌ، لمسحِهِ الأرضَ، وقَطْعِهِ لها.

стр. 4812

وقيل: لأنَّهُ ممسُوحُ العَيْنِ الواحدة (١)، وقد يُحْتمل أن يكونَ ممسوحَ الأخمصِ أيضًا. قال أبو عُمرَ: والسيحُ ابنُ مريمَ ﵇ والمسيحُ الدَّجّالُ، لفظُهُما واحدٌ عندَ أهلِ العِلم وأهلِ اللُّغةِ، وقد كان بعضُ رُواةِ الحديثِ يقولُ في الدَّجّالِ: المِسِيح، بكسرِ الميم والسِّينِ، ومنهُم من قال ذلك بالخاءِ، وذلك كلُّهُ عندَ أهلِ العِلم خَطَأ. قال عُبيدُ الله بن قيسِ الرُّقياتِ: وقالوا دع رُقيَّةَ واخسئَنها ... فقلتُ لهم إذا خرج المسيحُ يُريدُ: إذا خرج الدَّجّالُ. هكذا فسرُّوهُ، ويحتمِلُ عِندي نُزُولَ عيسى ﷺ ، ولكِنَّهُم بالدَّجّالِ شَرَحُوا قولَهُ هذا، ولِذلكَ ذكرناهُ عن أهلِ اللُّغةِ، ليس معنى ما حكينا عنهُم، واللّه أعلمُ، وأوَّلُ هذا الشِّعرِ: أتبكي عن رُقيَّةَ أم تنُوحُ (٢) وفي هذا الحديثِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قد رأى المسيحَ ابنَ مريمَ ﵇، ورأى الدَّجّال، ووَصَفهُما على حَسَبِ صُورِهِما، ورُؤيا الأنبياءِ وحيٌ، على ما قدَّمنا في غيرِ ما موضِع من كِتابِنا (٣). وفيه: أنَّ الطَّوافَ بالبيتِ من سُننِ النَّبيِّين والمُرسلينَ.
следующие страницы →