← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4808–4847 · переход к 4813.

стр. 4808

ورَكْعتينِ بعدَ المغرِبِ، ورَكْعتينِ بعد العِشاء (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُفَ، قال: أخبرنا عُبيدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يَعْقُوب القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي بكرٍ المُقدَّميُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، قال: سمِعتُ المُغيرةَ بن سَلْمان في بَيْتِ محمدِ بن سِيرين، يُحدِّثُ عن ابنِ عُمرَ، قال: حَفِظتُ من رسُولِ الله ﷺ عشْرَ رَكَعاتٍ سِوَى الفَرِيضةِ: رَكْعتينِ قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدَ المغرِبِ، ورَكْعتينِ بعد العِشاءِ، ورَكْعتينِ قبلَ الفَجْر (٢). وحدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يعقُوبَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن إبراهيم التُّسْتَريُّ، قال: حدَّثنا محمدٌ، يعني ابن سيرينَ، قال: قال المُغيرةُ بن سَلْمان: قال عبدُ الله بن عُمرَ: عَشْرَ رَكَعاتٍ حَفِظتهنَّ، عن النَّبيِّ ﷺ : رَكْعتينِ قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدَها، ورَكْعتينِ بعدَ المغرِبِ، ورَكْعتينِ بعدَ العِشاءِ، ورَكْعتينِ قبلَ الفَجْر (٣). وقد رُوِيَ هذا الحديثُ، عن محمدِ بن سِيرينَ، عن أبي هُريرةَ، قال: حَفِظتُ من النَّبيِّ ﵇ عشرَ رَكَعاتٍ. رَكْعتينِ قَبْل الظُّهرِ، ورَكْعتين بعدَها، ورَكْعتين بعد المَغرب، ورَكْعتين بعد العشاء، ورَكْعتين قبل الفجر (٤) (٥).

стр. 4809

وهُو عِندِي خَطأٌ، فلِذلكَ لم أذكُرهُ؛ لأنَّهُ لو كان عندَ ابنِ سِيرينَ فيه شيءٌ عن أبي هُريرةَ، ما حدَّثَ به عن المُغيرةِ بن سَلْمان، عن ابنِ عُمرَ، واللّه أعلمُ. وأمّا الاثنتا عشْرةَ (١) رَكْعةً، ففيها حديثُ أُمِّ حبيبةَ، وحديثُ عائشةَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبَةَ، عن النُّعمانِ بن سالم، عن عَمرِو بن أوسٍ، عن عَنْبسةَ بن أبي سُفيانَ، عن أُمِّ حَبِيبةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من صلَّى ثِنْتَي عَشْرةَ رَكْعةً تَطوُّعًا غيرَ فَرِيضةٍ، بُني لهُ بيتٌ في الجنَّةِ، أو بَنَى الله لهُ بيتًا في الجنَّةِ". قال: وكلُّ واحدٍ منهُم قال: ما تَرَكتُها بعدَها (٢). حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا (٣) ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا إسحاقُ بن سُليمانَ الرّازيُّ، عن

стр. 4810

مُغيرةَ بن زيادٍ، عن عَطاءٍ، عن عائشَةَ، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "من ثابَرَ على اثْنَتي عَشْرةَ رَكْعةً بَنَى اللهُ لهُ بيتًا في الجنَّةِ: أربعًا قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدَها، ورَكْعتينِ بعدَ المغرِبِ، ورَكْعتينِ بعدَ العِشاءِ، ورَكْعتينِ قبلَ (١) الفَجْرِ". قال أبو عُمرَ: في غيرِ هذا الحديث في مَوْضِع الرَّكعتينِ بعدَ العشاءِ: رَكْعتينِ قبلَ العَصْرِ. وهُو المحفُوظُ (٢) من حديثِ عليِّ بن أبي طالبٍ (٣) وغيرِهِ. حدَّثني أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا أبو أحمد ابنُ المُفسِّرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا الفَزاريُّ ويوسُفُ بن أسْباطٍ، عن سُفيانَ، عن منصُورٍ، عن إبراهيم، قال: صَلاةُ السُّنَّةِ اثْنَتا عَشْرةَ ركعةً (٤).

стр. 4811

حديثٌ حادٍ وثلاثُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "أراني اللَّيلةَ عندَ الكَعْبةِ (٢)، فرأيتُ رَجُلًا آدَمَ كأحسنِ ما أنتَ راءٍ من أُدم الرِّجالِ، لهُ لِمَّةٌ كأحسنِ ما أنتَ راءٍ من اللِّمَم، قد رَجَّلَها، فهي تقطُرُ ماءً، مُتَّكِئًا على رجُلينِ، أو على عَواتِقِ رجُلينِ، يطُوفُ بالبَيْتِ، فسألتُ من هذا؟ فقيلَ: المسيحُ ابنُ مريمَ، ثُمَّ إذا أنا برَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ، أعْوَرِ العينِ اليُمنى، كأنَّها عِنَبَةٌ طافيةٌ، فسألتُ من هذا؟ فقيل: المسيحُ الدَّجّالُ". قال أبو عُمرَ: أمّا المسيحُ ابنُ مريمَ ﵇، ففي اشْتِقاقِ اسمِهِ، فيما ذكَرَ ابنُ الأنباري (٣)، لأهلِ اللُّغةِ خمسةُ أقوالٍ: أحدُها: أَنَّهُ قيل لهُ: مَسِيحٌ، لسياحتِهِ في الأرضِ، وهُو فعيلٌ من مَسْح الأرضِ، أي: من قَطْعِها بالسِّياحةِ، والأصلُ فيه: مَسْيِحٌ، على وزنِ مَفْعِلٌ، وأُسْكِنتِ الياءُ، ونُقِلت حركتُها إلى السِّينِ لاستِثقالِهِمُ الكَسْرةَ على الياءِ. وقيل: إنَّما قيلَ لهُ: مسيحٌ؛ لأنَّهُ كان ممسُوحَ الرِّجلِ، ليسَ لرِجلِهِ أخمصُ، والأخمصُ: ما لا يَمسُّ الأرضَ من باطِنِ الرِّجل. وقيل: سُمِّي مسيحًا؛ لأنَّهُ خرجَ من بطنِ أُمِّهِ ممسُوحًا بالدُّهنِ. وقيل: سُمِّي مسيحًا؛ لأنَّهُ كان لا يَمسَحُ ذا عاهَةٍ، إلّا برِئَ. وقيل: المسيحُ: الصدِّيقُ. وأمّا المسيحُ الدَّجّالُ، فإنَّهُ (٤) قيل لهُ: مسيحٌ، لمسحِهِ الأرضَ، وقَطْعِهِ لها.

стр. 4812

وقيل: لأنَّهُ ممسُوحُ العَيْنِ الواحدة (١)، وقد يُحْتمل أن يكونَ ممسوحَ الأخمصِ أيضًا. قال أبو عُمرَ: والسيحُ ابنُ مريمَ ﵇ والمسيحُ الدَّجّالُ، لفظُهُما واحدٌ عندَ أهلِ العِلم وأهلِ اللُّغةِ، وقد كان بعضُ رُواةِ الحديثِ يقولُ في الدَّجّالِ: المِسِيح، بكسرِ الميم والسِّينِ، ومنهُم من قال ذلك بالخاءِ، وذلك كلُّهُ عندَ أهلِ العِلم خَطَأ. قال عُبيدُ الله بن قيسِ الرُّقياتِ: وقالوا دع رُقيَّةَ واخسئَنها ... فقلتُ لهم إذا خرج المسيحُ يُريدُ: إذا خرج الدَّجّالُ. هكذا فسرُّوهُ، ويحتمِلُ عِندي نُزُولَ عيسى ﷺ ، ولكِنَّهُم بالدَّجّالِ شَرَحُوا قولَهُ هذا، ولِذلكَ ذكرناهُ عن أهلِ اللُّغةِ، ليس معنى ما حكينا عنهُم، واللّه أعلمُ، وأوَّلُ هذا الشِّعرِ: أتبكي عن رُقيَّةَ أم تنُوحُ (٢) وفي هذا الحديثِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قد رأى المسيحَ ابنَ مريمَ ﵇، ورأى الدَّجّال، ووَصَفهُما على حَسَبِ صُورِهِما، ورُؤيا الأنبياءِ وحيٌ، على ما قدَّمنا في غيرِ ما موضِع من كِتابِنا (٣). وفيه: أنَّ الطَّوافَ بالبيتِ من سُننِ النَّبيِّين والمُرسلينَ.

стр. 4813

والآثارُ في نُزُولِ عيسى ابنِ مريمَ ﵇، وحَجِّهِ البيتَ وطوافهِ، ثابِتة عن النَّبيِّ ﷺ ، وقد حجَّ البيتَ - فيما زَعمُوا -: آدمُ، وجماعةٌ من الأنبياءِ بعدَهُ قبلَ رَفْع إبراهيمَ قَواعِدَهُ بعدَ ذلك. وأمّا قولُهُ: "رجُلًا آدَمَ". فالآدمُ: الأسمرُ الذي عَلاهُ شيءٌ من سَوادٍ قليلًا، والأُدْمَةُ: لونُ العَربِ في الرِّجالِ، إلّا أنَّهُم يقولُونَ للأبيضِ من الإبِلِ: الآدمُ، والآدمُ عندَهُم من الظِّباءِ، الذي هُو لونُ التُّرابِ. و"اللِّمَّةُ": الجُمَّةُ من الشَّعرِ، هي أكملُ من الوَفْرةِ، والوَفْرةُ: ما يبلُغُ الأُذُنينِ. وقولُهُ: "قد رَجَّلها"، يعني: قد مشَّطها، بعدَ أن بلَّها. وقولُهُ: "فهي تَقطُرُ ماءً" من الاسْتِعارةِ العَجِيبةِ، والكلام البديع، وكان قد أُوتِيَ جوامِعَ الكلِم ﷺ . وقولُهُ: "أو على عَواتِق رجُلينِ". شكٌّ من المُحدِّثِ، لا شكٌّ من النَّبيِّ ﷺ . وقد رَوَى مُجاهِدٌ، عن ابنِ عُمرَ مرفُوعًا في صِفةِ المسيح ﵇: أنَّهُ أحمرُ جَعْدٌ. وذكر البُخاريُّ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن المُغيرةِ، عن مُجاهِدٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "رأيتُ عيسى وموسى وإبراهيمَ ﵈، فأمّا عيسى، فأحمرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدرِ، وأمّا موسى فآدَمُ جسيمٌ سبطٌ، كأنَّهُ من رِجالِ الزُّطِّ (٢) ". وذكَرَ أسَدُ بن موسى، قال: حدَّثنا يحيى بن زكريّا بن أبي زائدةَ، قال: حدَّثني مالكُ بن مِغْوَلٍ، عن سعيدِ بن مسرُوقٍ، عن عِكْرِمةَ في قولِهِ: ﴿وَمَا

стр. 4814

جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قال: أُري إبراهيمَ، وموسى، وعيسى. قال: فذكر عيسى: "أبيضَ، نحيفًا، مُبطنًا، كأنَّهُ عُروةُ بن مسعُود". قال: وحدَّثني يحيى، عن أبيهِ، عن عامِرٍ الشَّعبيِّ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ شبَّه عُرْوةَ بن مسعُودٍ، بعيسَى ﷺ . وأمّا صِفةُ الدَّجّالِ، فقد جاءَ في حديثِ مالكٍ هذا ما فيه كِفايةٌ، وكذلكَ رواهُ أيُّوبُ وغيرُهُ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ (١). كما رواهُ مالكٌ. ورَوَى جُنادةُ بن أبي أُميَّةَ، عن عُبادةَ بن الصامِتِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه قال "إنِّي قد حَدَّثتكُم عن الدَّجَّالِ، حتَّى خَشِيتُ أن لا تَعْقِلُوا أنَّ المسيحَ الدَّجّال قَصِيرٌ أفْحَجُ (٢)، جَعْدٌ، أعورُ، مطمُوسُ العينِ ... ". وذكر الحديث. خرَّجهُ أبو داودَ (٣) عن حَيْوةَ بن شُرَيح، عن بقيَّةَ، عن بَحِيرِ بن سَعْد (٤)، عن خالدِ بن مَعْدانَ، عن عَمرِو بن الأسودِ، عن جُنادةَ، عن عُبادةَ. وهُو من أصحِّ أحاديثِ الشّاميِّين.

стр. 4815

وفي حديثِ الشَّعبيِّ، عن فاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ، حديثِ الجسّاسةِ في صِفَةِ الدَّجّالِ: أعظمُ إنسانٍ رأيناهُ خَلْقًا، وأشدُّهُ وِثاقًا (١). وفي حديثِ الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن فاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ في ذلك: فإذا رجُلٌ يجُرُّ شعْرَهُ، مُسْلسلٌ في الأغلالِ، ينزُو فيما بين السَّماءِ والأرض (٢). والآثارُ مختلِفة في نُتُوءِ عَيْنِهِ، وفي أيِّ عينيهِ هي العوراءُ؟ ولم تختلِفِ الآثارُ أنَّهُ أعورُ. وذكر البُخاريُّ (٣)، عن ابنِ بُكيرٍ، عن اللَّيثِ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "بَيْنا (٤) أنا نائمٌ أطُوفُ بالكَعْبةِ، فإذا رجُلٌ آدَمُ، سَبْطُ الشَّعرِ، يَنْطِفُ، أو يُهراقُ رأسُهُ ماءً، قلتُ: من هذا (٥)؟ قالوا: ابنُ مريمَ، ثُمَّ ذَهَبتُ فالتفتُّ، فإذا رجُلٌ جَسِيمٌ، أحمرُ، جَعْدُ الرَّأسِ، أعورُ العينِ، كأنَّ عينَهُ عِنَبةٌ طافيةٌ، قلتُ: من هذا؟ قالوا: الدَّجّالُ، وإذا أقربُ النّاسِ به شَبهًا ابنُ قَطَنٍ، رجُلٌ من خُزاعةَ". وأمّا قولُهُ: "جَعْدٌ قَطَطٌ". في صِفةِ الدَّجّالِ، فالقَطَطُ، هُو: المُتكسِّرُ الشَّعرِ، المُلتوي الشَّعرِ، الذي لا يَسْترسِلُ شعْرُهُ ألبتَّةَ، مِثلُ شعرِ الحَبَشِ.

стр. 4816

وأمّا قولُهُ: "كأنَّها عِنَبةٌ طافيةٌ". فإنَّهُ يعني الظّاهِرةَ المُمتلِئَةَ المُنتفِخةَ، يقولُ: إنَّها قد طَفَت على وجهِهِ، كما يطفُو الشَّيءُ على الماءِ، أي: يظهرُ عليه، لامتِلائها وانتِفاخِها. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِث بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقولُ: "إنَّ الدَّجّالَ خارِجٌ، وهُو أعورُ العَيْنِ الشَّمالِ، عليها ظَفَرةٌ (١) غَلِيظةٌ، وأنَّهُ يُبرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحيي الموتى، ويقولُ للنّاسِ: أنا ربُّكُم، فمن قال: أنتَ ربِّي، فقد فُتِنَ، ومن قال: ربِّي اللهُ حتَّى يمُوتَ على ذلك، فقد عُصِمَ من فِتْنتِهِ، ولا فِتنةَ عليه، فيَلْبثُ في الأرضِ ما شاءَ الله، ثمَّ يجيءُ عيسى ابنُ مريمَ من قِبَلِ المغرِبِ، مُصدِّقًا بمحمدٍ ﷺ وعلى مِلَّتِهِ، فيَقْتُلُ الدَّجّال، ثُمَّ إنَّما هُو قيامُ السّاعةِ" (٢). ففي هذا الحديثِ: "أعورُ العينِ الشِّمالِ" (٣)، وفي حديثِ مالكٍ: "أعورُ العينِ اليُمنى". فالله (٤) أعلمُ. وحديثُ مالكٍ أثبتُ من جِهةِ الإسنادِ. وحدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرنا عَمرُو بن

стр. 4817

الحارِثِ، عن سعيدِ بن أبي هِلالٍ، أنَّ يحيى بن عبدِ الرَّحمنِ الثَّقفيَّ حدَّثهُ: أنَّ عيسى ابنَ مريمَ كان سائحًا، ولِذلك سُمِّي المسيحَ. قال: وإن (١) كان ليُمسي بأرضٍ، ويُصبِحُ بأُخرى (٢)، وأنّهُ لم يتزوَّجْ، ولم يرفَعْ حجرًا على حَجَرٍ، ولا لَبِنةً على لَبِنةٍ، وأنّهُ كان يجتابُ العباءةَ، ثمَّ يتدرَّعُها، ثمَّ يقولُ: أنا الذي أرغمتُ الدُّنيا. وأنّهُ لمّا كانتِ اللَّيلةُ التي رُفِعَ فيها، أُتِي بفِطرِهِ عندَ اللَّيلِ خُبزُ الشَّعيرِ اليابِسُ، والماءُ القَراح (٣)، فقالوا: أفْطِرْ يا رسُولَ الله، فقال: لا أستطيعُ، إنِّي مرفُوعٌ من بينَ أظهُرِكُم، فما أدري ما يُفعلُ بي ولا بكُم. قالوا: يا رسُول الله، إنَّكَ تُفارِقُنا فأوصِنا، قال: اعلمُوا أنَّ حُلوَ الدُّنيا مُرَّ الآخِرةِ، عَليكُم بحَشَراتِ الأرضِ، وخُبزِ الشَّعيرِ، وثِيابِ الشَّعرِ والصوفِ، وظِلِّ الشَّجرِ، وفيءِ الجُدُراتِ، واعلمُوا أنَّ حُلو الدُّنيا، مُرُّ الآخِرةِ. قال ابنُ وَهْب: وأخبرني مالكُ بن أنسٍ قال: بلغني أنَّ عيسى ابن مريمَ انْتَهى إلى قَرْيةٍ قد خَرِبت حُصونُها، وجفَّت أنهارُها، وَيبِست أشجارُها، فنادى: يا خَرابُ، أين أهلُكُ؟ فلم يُجِبهُ أحدٌ، ثُمَّ نادى: يا خرابُ، أين أهلُك؟ فلم يُجِبهُ أحدٌ، ثُمَّ نادى الثّالثةَ، فنُودي: عيسى ابنَ مريمَ، بادُوا، وتضمَّنتهُمُ الأرضُ، وعادت أعمالُهُم قلائدَ في رِقابِهِم إلى يوم القيامةِ! عيسى ابنَ مريم، جِدَّ. قال ابنُ وَهْب: وأخبرني (٤) أبو صَخْرٍ، أنَّ يزيدَ الرَّقاشيَّ حدَّثهُ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، أنَّهُ قال: لمّا وُلِدَ عيسى ﵇، أصبحَ كلُّ صَنم يُعبَدُ من دُونِ الله خارًّا على وَجهِهِ.

стр. 4818

قال: فأقبَلتِ الشَّياطينُ تَضْرِبُ وُجُوهَها وتَنتِفُ لحاها، فقالوا: يا أبانا، لقد حدَثَ في الأرضِ حَدَثٌ، فقال: وما ذلك؟ قالوا: ما كان من صَنم يُضلُّ به أحدٌ من وَلدِ آدم، إلّا أصبَحَ خارًّا على وجهِهِ. قال: فانظُرُوني حتَّى أنظُرَ. قال: فأخذَ في أُفُقِ السَّماءِ حتَّى بلغَ المشرِق، ثُمَّ هاهُنا حتَّى بلغَ المغرِب، ثُمَّ هاهُنا حتَّى لا يُرَى، ثُمَّ هاهُنا حتَّى لا يُرَى، ثُمَّ هبطَ إليهم فقال: أمّا الذي تخافُونَ من السَّماءِ، فلم يَكُن شيءٌ بعدُ، ولكِنَّ هذا شيءٌ حدَثَ في الأرضِ، فانظُرُوني حتَّى أنظُرَ. فأخذ هاهُنا أيضًا حتَّى بلغ المشرِقَ، وهاهُنا حتَّى بلغ المغرِبَ، وههُنا حتَّى لا يُرَى، وهاهُنا حتَّى لا يُرَى، ثُمَّ احتبسَ عنهُم هُنيةً (١) ثُمَّ جاءَهُم فقال: هل تدرُونَ ما حَبَسني عنكُم؟ قالوا: لا قال: فإنَّ عيسى ابنَ مريمَ ﵇ وُلِدَ في بيتِ المقدِسِ، وإنِّي أردتُ الدُّخُولَ، فوَجَدتُ الملائكةَ قد حَرسُوهُ، وحالَتْ بيني وبينهُ دعوةُ الطَّيِّبةِ، قولُها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، ما من مولُودٍ يُولَدُ، إلّا وضَعتُ إصْبَعي عليه، فالضَّغوُ (٢) الذي تَسْمعُونهُ تحتَ أُمِّهِ، فتلكَ إصْبَعي حِينَ أضَعُها عليه، فأرَدتُ أن أضَعَها عليه (٣) فحالَتْ بيني وبينهُ دعوةُ الطَّيِّبةِ، فوَإلهِ عيسى، لأُضِلَّنَّ به النّاس ضَلالًا، لا أُضِلُّهُم بأحَدٍ كان قَبَلهُ، أو أحَدٍ يكونُ بعدهُ. قال ابنُ وَهْب: قال أبو صَخر: فحدَّثتُ هذا الحديثَ محمدَ بنَ كعبٍ القُرظيَّ، فقال: أيُّ الرَّقاشيِّين حدَّثكَ بهذا؟ فقلتُ: يزيدُ، قال: هلُمَّ حَدِّثنيه، فلمّا حدَّثتُهُ، قال: ألا أُحدِّثُك عن عيسَى ابنِ مريمَ؟ قلتُ: بلى، قال: فإنَّ اللهَ ﵎

стр. 4819

لم يَبعَثْ نبيًّا في أُمَّةٍ، إلّا جاءَ على رِجْلِهِ البَلاءُ، إمْساكُ المطرِ، والشِّدَّةُ، حتَّى كان عيسَى ابنُ مريمَ ﵇ (١)، فلمّا وُلِدَ جاءَ على رِجْلِهِ الرَّخاءُ: فأمْطَرتِ السَّماءُ، وأخْصبتِ الأرضُ، وفُتِحَ لهُ البَرَكاتُ، وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وكلَّم الموتَى وأحياهُم، وخلَقَ من الطِّينِ طُيُورًا، وأخبَرهُم بما يأكُلُونَ وما يدَّخِرُونَ، ثُمَّ عُمِّرَ بين أظهُرِهُم ما شاءَ اللهُ أن يُعمَّرَ، ثُمَّ أرسلَ اللهُ إليه: إنِّي رافِعُكَ إليَّ، فدخَلَ بيتًا، وجمعَ فيه حَواريَّهُ، ثُمَّ قال: إنَّ اللهَ رافِعي إليه، فأيُّكُم يُشبَّهُ (٢) بي فإنَّهُ مقتُولٌ، قال رجُلٌ من القوم: أنا، قال: أُوصيكُم بتقوَى الله، وأن تَبرُّوا من قَطَعكُم، وأن تُؤَدُّوا الحقَّ إلى من مَنعهُ مِنكُم، ولا تُكَافِئُوا النّاسَ بأعمالِهِم. فضُرِبَ البابُ، ورَفعهُ اللهُ إليه، وقُتِل الرَّجُلُ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨]. فاجتمعَ بنُو إسرائيلَ، فُقهاؤُهُم وأحبارُهُم، فقالوا: ألا تقومُونَ فتَنظُرُونَ أيَّ شيءٍ كان هذا الذي كان بينَ أظهُرِكُم؟ قالوا: بَلَى، فاختارُوا الخيارَ النقّادةَ، لا يألُونَ، خمسينَ رجُلًا، ثُمَّ اختارُوا من الخمسينَ عَشَرةً، ثُمَّ اختارُوا من العشَرةِ أربعةً، فدَخَلُوا بيتًا، فقالوا: أنتُم سادَتُنا وخيارُنا، فينظُرُ كلٌّ واحدٍ مِنكُم برأيِهِ، فإنَّما نحنُ تَبع لكُم، فأخَذُوا شيخًا، وآخرَ دُونَ الشَّيخ في السَّنِّ، وآخرَ دُونهُ في السّنِّ (٣)، وفتًى شابًّا حينَ اسْتَوى شَبابُهُ. فبَدَأُوا بالشَّيخ لسِنِّهِ، فقال: هل تعلمُونَ أحدًا يعلمُ الغَيْبَ إلّا الله، ويُحيي الموتَى غيرَ الله، أو يُبرئُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ إلّا الله؟ قالوا: لا، قال: فإنَّ هذا اللهُ كان بين أظهُرِكُم، ثُمَّ بَدا لهُ أنَّ يرتفِعَ فارتفعَ. قال الآخرُ: هل عندَكَ شيءٌ غيرُ هذا؟

стр. 4820

قال: لا، قال: لا أقُولُ مِثلَ ما قُلتَ، هل تعلمُونَ أحدًا يعلمُ الغيبَ إلّا الله، ويُبرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ، ويخلُقُ إلّا الله؟ قالوا: لا. قال: هذا ابْنُهُ، عَلَّمهُ من خَلائقِهِ ما شاءَ، ثُمَّ بَدا لهُ أن يرفَعهُ إليه، فرفعهُ. قال الثّالِثُ: هل عندَكُما شيءٌ غيرُ هذا؟ قالا: لا. قال: فإنِّي لا أقُولُ كما قلتُما، ولكِن هل تعلمُونَ أحدًا خُلِقَ من غيرِ نُطفةٍ إلّا آدم؟ قالوا: لا. قال: فإنَّهُ لُغيَّةٌ (١). فقامَ الشّابُّ فقال: هل عندَكُم غيرُ هذا؟ قالوا: لا، قال: فإنِّي لا أقُولُ كما قلتُم، وأشهدُ، ما هُو باللّه، ولا ولَدِ الله، ولا لُغيَّةٍ، ولكِن رُوحُ الله، وكَلِمتُهُ ألقاها إلى مريمَ، فقال لهُ: كُنْ، فكان (٢). ثُمَّ خَرجُوا على قَومِهِم وهُم جُلُوسٌ، فقالوا: ماذا قلتُم؟ فقال الكبيرُ: قلتُ: هُو الله. فاتَّبعتهُ فِرقةٌ. ثُمَّ قال الآخرُ: هُو ولدُ الله، فاتَّبعتهُ (٣) فِرْقةٌ. ثُمَّ قال الآخرُ: هُو لغيَّةٌ، فاتَّبعتهُ فِرْقةٌ. وقال الآخرُ: هُو عبدُ الله ورُوحُهُ، وكلِمتُهُ ألقاها إلى مريمَ، فاتَّبعتهُ فِرقةٌ. فقالوا: كيفَ نعيشُ وهذا معنا؟ فاقتُلُوهُ، فقُتِلَ الفَتَى ومَنْ مَعهُ. قال: فلِذلكَ قال اللهُ : ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقال: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦]. فهؤُلاءِ الذين قالوا: هُو لغيَّةٌ، قال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] فهذا الشّابُّ وأصحابُهُ الأُمَّةُ المُقتصِدةُ.

стр. 4821

قال أبو صَخْرٍ: وقال لي القُرَظيُّ: أنتَ وأصحابُكَ من المُقْتصِدةِ. وأمّا سِنُّ عيسى ﷺ ففيه حديثُ عائشةَ وفاطِمةَ: أنَّ عُمُرَهُ كان مِثْلَيْ عُمُرِ نبيِّنا ﷺ . وهُو حديثٌ رُوي من حديثٍ بألفاظٍ مُختلِفةٍ، والمعنى الذي قصدناهُ منهُ لم يختلِفُوا فيه. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمر بن يوسُف بن عامِرٍ الأندلُسيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحيم البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ (١)، عن عبدِ الله بن لهيعةَ، عن جعفرِ بن رَبيعةَ، عن عبدِ الله بن عُبيدِ الله بن الأسودِ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: إنَّ رسُولَ الله ﷺ دخَلَ عليَّ أنا (٢) وفاطِمةَ، فناجَى فاطِمةَ، فلمّا تُوُفِّي، سألَتُها فقالت: قال لي: "ما بُعِثَ نبيٌّ قطُّ إلّا كان لهُ من العُمُرِ نِصفُ عُمُرِ الذي قبلهُ، وقد بَلَغتُ نِصفَ عُمرِ من كان قَبْلي". فبكيتُ، وقال: "أنتِ سيِّدةُ نِساءِ أهلِ الجنَّةِ، إلّا مريمَ بنتَ عِمْرانَ"، فضحِكتُ (٣). قال: وأخبرنا ابنُ أبي مَرْيمَ، عن نافع بن يزيدَ، عن عُمارةَ بن غزيَّةَ، عن محمدِ بن عبدِ الله بن عَمرِو بن عُثمان، عن أمِّهِ فاطِمةَ بنتِ حُسَينٍ، عن عائشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ، عن فاطِمةَ، عن النَّبيِّ ﷺ بنحوِهِ. وأخبرني: أنَّ عيسَى عاشَ عِشرينَ ومئةَ سَنة (٤).

стр. 4822

وفي سَماع أشهبَ وابنِ نافع من مالكٍ في كِتابِ العُتْبي: قال مالكٌ: كان عيسى ابنُ مريم يقولُ: يا ابنَ الثَّلاثينَ، مَضتِ الثَّلاثُونَ فماذا تَنْتظِرُ؟ قال: وماتَ وهُو ابنُ ثلاثٍ وثلاثينَ سنةً. قال أبو عُمر: احتجَّ بهذا الحديثِ من ذهَبَ إلى أنَّ عيسى صلواتُ الله عليه وسلامُهُ ماتَ، وأنَّهُ تُوُفِّي موتًا، ولا حُجَّةَ في هذا الحديثِ لمن زعَمَ أَنَّهُ ماتَ؛ لأَنَّهُ يحتمِلُ أن يكونَ قولُهُ في هذا الحديثِ: "عاشَ عِشرينَ ومئةَ سنةٍ"، أي: عاشَ في قومِهِ قبلَ أن يُرفَعَ، وكذلك قولُهُ: "كان لهُ من العُمُرِ، نِصفُ الذي قبلَهُ"، وقولُهُ: "عاش نِصفَ عُمُرِ الذي قبلهُ"، أي: عاشَ في قومِهِ، وكان في قَومِهِ، أو في الأرضِ، ونحو هذا. والدَّليلُ على صِحَّةِ هذا القولِ، ما ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ في نُزُولِهِ، وقتلِهِ الدَّجّالَ، وحجِّهِ البيتَ، بأسانيدَ لا مطعَنَ فيها. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا هُدْبةُ (٢) بن خالدٍ، قال: حدَّثنا همّامُ بن يحيى، أظُنُّهُ عن قتادةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن آدمَ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ليسَ بَيْني وبين عيسَى نبيٌّ، وإنَّهُ نازِلٌ، فإذا رأيتُمُوهُ فاعْرِفُوهُ، رجُلٌ مَرْبُوعٌ، إلى الحُمرةِ والبياضِ، كأنَّ رأسَهُ يَقْطُرُ وإنَّهُ لم يُصبْهُ بَلَلٌ، فيُقاتِلُ النَّاسَ على الإسلام فيَدُقُّ الصَّليبَ، ويقتُلُ الخِنْزيرَ، وَيضَعُ الجِزْيةَ، وتهلِكُ في زَمانِهِ المِللُ كلُّها إلّا الإسلامَ، ويَهلِكُ المسيحُ الدَّجّالُ، فيَمكُثُ في الأرضِ أربعينَ سَنةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى، فيُصلِّي عليه المُسلِمُونَ".

стр. 4823

أخبرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا ابنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (١): حدَّثنا أبو اليَمانِ، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أنَّ أبا سَلَمةَ أخبَرهُ، عن أبي هُريرةَ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ قال: "أنا أوْلَى النّاسِ بابنِ مريمَ، ليسَ بَيْني وبينَهُ نبيٌّ، والأنبياءُ أولادُ عَلّاتٍ". وقال ﷺ : "ليُهِلَّنَّ ابنُ مريمَ بفجِّ الرَّوْحاءِ حاجًّا أو مُعتمِرًا، أو لَيَثْنِيَنَّهُما" (٢). وفي حديثِ النَّوّاسِ بن سِمْعان، عن النَّبيِّ ﵇، حينَ ذكرَ الدَّجّال، وذكرَ مُكْثَهُ في الأرْضِ. ثُمَّ قال: "يَنْزِلُ عيسى ﵇ عندَ المنار البَيْضاءِ بشرقيِّ دِمشقَ، فيُدرِكُهُ عندَ بابِ لُدٍّ (٣)، فيَقْتُلُهُ" (٤). ومِن صَحيح حديثِ الزُّهريِّ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "والذي نَفْسي بيدِهِ، ليُوشِكَنَّ أن ينزِلَ فيكُم ابنُ مريمَ حَكَمًا عدلًا، فيَكْسِرُ الصَّليبَ، ويقتُلُ الخِنْزيرَ، ويَضَعُ الجِزْيةَ". ثُمَّ يقولُ

стр. 4824

أبو هُريرةَ: اقرؤُوا إن شِئتُم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية (١) [النساء: ١٥٩]. ورَوَى عبدُ الله بن نافع الصّائغُ صاحِبُ مالكٍ، عن عُثمانَ بن الضَّحّاكِ بن عُثمانَ الأسديِّ، عن محمدِ بن يوسُفَ بن (٢) عبدِ الله بن سلام، عن أبيهِ، عن جدِّهِ قال: يُدفَنُ عيسى ﵇ مع النَّبيِّ ﵇ وصاحِبَيهِ، ثمَّ موضِعُ قبرٍ رابع (٣). وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في قولِ الله : ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، فقالت طائفةٌ: أرادَ: إنِّي رافِعُكَ، ومُتوفِّيكَ. قالوا: وهذا جائزٌ في الواوِ. والمعنى عندَ هؤُلاءِ، أنَّهُ تَوَفِّي موتٍ، إلّا أنَّهُ لم يَمُت بعدُ. وقال زيدُ بن أسلمَ وجماعةٌ: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابِضكَ من غيرِ موتٍ، مِثلُ: توفَّيتُ المالَ، واسْتَوفيتُهُ، أي: قَبَضتُهُ. وقال الرَّبيعُ بن أنسٍ: يعني وفاةَ منام؛ لأنَّ الله تعالى رَفَعهُ في مَنامِه (٤). ورَوَى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبّاسٍ: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: مُميتُكَ (٥). وقال وهبٌ (٦): توفّاهُ اللهُ ثلاثَ ساعاتٍ من النَّهار (٧).

стр. 4825

والصَّحيحُ عِندي في ذلك قولُ من قال: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابِضُكَ من الأرضِ، لما صحَّ عن النَّبيِّ ﵇، من نُزُولِهِ، وإذا حُمِلت رِوايةُ عليِّ بن أبي طلحةَ عن ابنِ عبّاسٍ، على التَّقديم والتَّأخيرِ، أي: رافِعُكَ ومُميتُكَ، لم يكُن بخِلافٍ، لما ذكَرْنا. وأمّا قولُهُ : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] فقال أبو هُريرةَ وابنُ عبّاسٍ: قبلَ موتِ عيسى ﵇. وهُو قولُ الحسنِ وعِكرِمةَ، وأبي مالكٍ، ومُجاهِد (١). هذه رِوايةُ سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاس (٢). وروى مُجاهِدٌ، عن ابنِ عبّاسٍ: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: قبل موتِ صاحِبِ الكِتابِ، فقيل لابنِ عبّاسٍ: وإن ضُرِبت عُنُقُهُ؟ فقال: وإن ضُرِبت عُنُقُهُ (٣). وقد رُوي عن مُجاهِدٍ وعِكرِمةَ مِثلُ ذلك أيضًا (٤). وروى مَعْمرٌ، عن ثابِتٍ البُنانيِّ، عن أبي رافِع، قال: رُفِعَ عيسى ﵇ وعليه مِدْرعةٌ (٥) وخُفّا راع، وحذّافةٍ يحذِفُ بها الطَّير (٦). وهذا لا أدري ما هُو، ويحتمِلُ أنَّهُ كانت تلكَ هيئَتَهُ ولِباسَهُ، إلى أن رُفِع، ورُفِع كيفَ شاءَ اللهُ بعدُ، وفائدةُ هذا الخبرِ، رفعُهُ حيًّا لا غيرُ، واللّه أعلمُ.

стр. 4826

وذكر سُنيدٌ، عن حجّاج، عن ابنِ جُريج، عن مُجاهِدٍ - في قولِهِ ﵎: ﴿وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]- قال: صَلبُوا رجُلًا شبَّهُوهُ بعيسى ﵇، يحسبُونهُ إيّاهُ، ورفعَ اللهُ عيسى حيًّا (١). قال سُنيدٌ: وحدَّثنا إسماعيلُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ - في قولِ الله : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]- قال: قبلَ موتِ عيسى ﵇، واللّه إنَّهُ لحيٌّ الآن عندَ الله، ولكِنَّهُ إذا نزلَ، آمنُوا به أجمعُونَ (٢). قال أبو جَعفرٍ الطَّبَريُّ (٣): الآيةُ في قولِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ خاصَّةٌ في أهلِ زمنِ عيسى ﵇، دُونَ سائرِ الأزمِنةِ، واللّه أعلمُ.

стр. 4827

حديثٌ ثانٍ وثلاثُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أن رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يحتلِبنَّ (٢) أحَدٌ ماشيةَ أحَدٍ إلّا بإذنِهِ، أَيُحِبُّ أحدُكم أن تُؤتَى مَشْرُبتُهُ، فتُكسَرَ خِزانتُهُ فيُنتقلَ طَعامُهُ؟ فإنَّما تَخْزُنُ لهم ضُرُوعُ مَواشيهِم أطعِماتِهِم (٣)، فلا يَحْتلِبنَّ أحدٌ ماشِيةَ أحدٍ إلا بإذنِهِ". في هذا الحديثِ: النَّهيُ عن أن يأكُلَ أحَدٌ أو يشربَ، أو يأخُذَ من مالِ أخيهِ شيئًا إلّا بإذنِهِ، وذلكَ عندَ أهلِ العِلم محمُولٌ على ما لا تَطِيبُ به نفسُ صاحِبِهِ، قال ﷺ : "لا يحِلُّ مالُ امرِئٍ مُسلِم، إلّا عن طِيبِ نفسٍ منهُ" (٤)، وقال: "إنَّ دِماءَكُم، وأموالَكُم، وأعراضَكُم، عليكُم حَرامٌ" (٥). يعني من بَعضِكِم على بعض. وقد مَضَى في بابِ إسحاقَ طَرفٌ من هذا المعنى، وتفسيرُ قولِ الله : ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]، ونزيدُ هاهُنا بيانًا لأخبارٍ عن العُلماءِ، وتَبْيين (٦) المُرادِ إن شاء الله.

стр. 4828

وأمّا "المَشْرُبةُ" فقال صاحِبُ "العينِ" (١): هي الغُرفةُ، ودليلُ هذا الحديثِ يَقْضي بأنَّ كلَّ ما يُختزَنُ فيه الطَّعامُ، فهي مَشْرُبةٌ، واللّه أعلمُ. و"الخِزانةُ" مَعرُوفةٌ، وأصْلُ الخَزْنِ (٢): الحِفظُ والسَّترُ والمِلْكُ، قال امرُؤُ القَيْس (٣): إذا المرءُ لم يَخْزُنْ عليه لسانَهُ فليسَ ... على شيءٍ سِواهُ بخزّانِ (٤) ويُروى في هذا الحديثِ في "المُوطَّأ" وغيرِهِ: "فيُنتَثلَ طَعامُهُ" (٥). فمن روى: "يُنْتَثل طعامُهُ" فمعناهُ يُسْتخرجُ طعامُهُ، وأصلُ الانْتِثالِ: الاسْتِخراجُ، ومن رواهُ: "يُنتقَلُ" فالانتِقالُ معرُوفٌ، وهُو بَيِّنٌ (٦)، واللّه أعلمُ. وفي هذا الحديثِ أيضًا من المعاني: أنَّ اللَّبنَ يُسمَّى طعامًا، وأصلُ ذلك في اللُّغةِ، أنَّ كلَّ ما يُطعَمُ، جائزٌ أن يُسمَّى طعامًا، وقد قال اللهُ تعالى في ماءِ النَّهرِ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٩]. قال ابنُ وَهْب: سمِعَ مالكًا يقولُ، في الرَّجُلِ يدخُلُ الحائطَ فيجِدُ الثَّمَرَ

стр. 4829

ساقِطًا، قال: لا يأكُلُ منهُ، إلّا أن يكونَ يعلمُ أنَّ صاحِبَهُ طيِّبُ النَّفسِ بذلكَ، أو يكونَ مُحتاجًا لذلكَ، فأرجُو أن لا يكونَ عليه شيءٌ إن شاءَ الله (١). قال (٢): وسمِعتُ مالكًا يقولُ، في المُسافِرِ يَنزِلُ بالذِّمِّيِّ: إنَّهُ لا يأخُذُ من مالِهِ شيئًا، إلّا بإذنِهِ، وعن طيبِ نفسٍ منهُ. فقيل لمالكٍ: أرأيت الضِّيافةَ التي جُعِلت عليهم ثلاثةَ أيام؟ قال: كان يومئذٍ يُخَفَّفُ عنهُم بذلكَ. ورَوَى شُعبةُ، عن منصورٍ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ يُحدِّثُ، عن سعيدِ بن وَهْب، قال: كُنتُ بالشّام، وكُنتُ أتَّقي أنْ آكُلَ من الثِّمارِ شيئًا، فقال لي رجُلٌ من الأنصارِ، من أصحابِ رسُولِ الله ﷺ : إنَّ عُمرَ اشْتَرطَ على أهلِ الذِّمَّةِ أن يأكُلَ الرَّجُلُ المُسلِم يومَهُ، غيرَ مُفسِد (٣). وقد فرَّقَ قومٌ بين الثَّمرِ المُعلَّقِ، وما كان مِثلَهُ، وبين سائرِ الأمْوالِ، فأجازُوا أكلَ الثِّمارِ. أخبرنا خلفُ بن قاسم، قال: أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ الخَصِيبيُّ (٤)، قال: حدَّثنا بكّارُ بن قتيبةَ، قال: حدَّثنا أبو عُمَر الضَّريرُ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بن زيادٍ وعبدُ الله بن المُباركِ، قالا: أخبرنا عاصِمٌ الأحولُ، عن أبي زينب، قال: صَحِبتُ عبد الرَّحمنِ بن سَمُرةَ، وأنس بن مالكٍ، وأبا برزةَ في سَفرٍ، فكانوا يُصيبُون من الثِّمار (٥).

стр. 4830

قال بكّارٌ: وحدَّثنا أبو داود الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن إبراهيم، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: يأكُلُ ولا يُفسِدُ، ولا يحمِلُ. وقد يحتمِلُ أن يكونَ هذا كلُّهُ في أهلِ الذِّمَّةِ في ذلكَ الوقتِ. حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن زبّان (١)، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن مِسكينٍ، قال: سمِعتُ أشْهَب بن عبدِ العزيزِ يقولُ: خَرَجنا مُرابِطين إلى الإسكندريَّةِ، فمَرْرنا بجِنانِ اللَّيثِ بن سَعْدٍ، فدخَلْنا فأكلنا من الثَّمرِ، فلمّا أنْ رَجَدتُ، دَعَتني نفسي إلى أن أسْتَحِلَّ من اللَّيثِ، فدخَلتُ إليه، فقلتُ: يا أبا الحارِثِ، إنّا خرجنا مُرابِطين، ومَرَرنا بجِنانِكَ، فأكَلْنا من الثَّمرِ، وأحَبْبنا أن تجعلَنا في حِلٍّ، فقال لي اللَّيثُ: يا ابنَ أخِي، لقد نسَكتَ نُسُكًا أعجميًّا، أما سمِعتَ اللهَ يقولُ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]، فلا بأسَ أن يأكُل الرَّجُلُ من مالِ أخيهِ الشَّيءَ التّافِه، الذي يَسُرُّهُ بذلكَ (٢). وهذا الحديثُ يُسوِّي بين اللَّبنِ، وبين سائرِ الطَّعام والمالِ في التَّحريم، واللّه أعلمُ، فلا فرقَ بين المُضطرِّ إن شَرِبَ اللَّبن أو غيرهُ من الطَّعام، إذا لم يجِدِ الميتةَ، أو وجَدَها ووجد اللَّبنَ، أو غيرَهُ من سائرِ مالِ المُسلِم، أوِ الذِّمِّيِّ، يَسْتوي فيه المُضطرُّ في اللَّبن وغيرِهِ، من جميع المأكُولِ كلِّهِ، ولا يحِلُّ شيءٌ منهُ إلّا على الوُجُوهِ التي بها تحِلُّ الأملاكُ، وللمُضْطرِّ إلى مالِ المُسلِم، ماءً كان أو طعامًا، حُكمٌ ليس هذا موضِعَ ذِكرِهِ.

стр. 4831

ولا يحِلُّ للمُضطرِّ أن يأكُلَ الميتةَ وهُو يجدُ مالَ مُسلِم، لا يخافُ فيه قطعًا، كالثَّمرِ المُعلَّقِ، وحَرِيسةِ الجَبَلِ، ونحوِ ذلك مِمّا لا يَخشى فيه قطعًا ولا أذًى (١). وجُملةُ القولِ في ذلكَ: أنَّ المُسلِمَ إذا تعيَّنَ (٢) عليه ردُّ مُهْجةِ المُسلِم، وتوجَّهَ الفرضُ في ذلكَ إليه، بأنْ لا يكونَ هُناكَ غيرُهُ، قُضِيَ عليه بتَرْميقِ (٣) تِلك المُهجةِ الآدميَّةِ، وكان للممنُوع (٤) ما لُهُ من ذلك: مُحاربةُ مَن منَعَهُ ومُقاتلتُهُ، وإن أتَى ذلك على نَفسِهِ، وذلكَ عندَ أهلِ العِلم إذا لم يَكُن هُناكَ إلّا واحدٌ لا غيرُ، فحينَئذٍ يتعيَّنُ عليه الفرضُ، فإن كانوا كثيرًا، أو جماعةً وعددًا: كان ذلك عليهم فرضًا على الكِفايةِ، والماءُ في ذلكَ وغيرُهُ مِمّا يرُدُّ نفسَ المُسلِم ويُمسِكُها سواءٌ، إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا في وُجُوبِ قيمةِ ذلك الشَّيءِ على الذي (٥) ردَّ به مُهجتَهُ، ورمَّق به نفسَهُ، فأوَجَبها مُوجِبُونَ وأباها آخرُون. ولا خِلافَ بينِ أهلِ العِلم، مُتأخَّريهِم ومُتقدِّميهِم، في وُجُوبِ رَدِّ مُهجةِ المُسلِم، عندَ خوفِ الذَّهابِ والتَّلفِ، بالشَّيءِ اليَسيرِ الذي لا مَضرَّةَ فيه على صاحِبِه، وفيه البُلْغةُ. وهذه المسألةُ قد جَوَّدها إسماعيلُ بن إسحاق في "الأحكام"، وجوَّدها أيضًا غيرُهُ، ولها مَوْضِعٌ من كتابنا غيرُ هذا إن شاءَ الله، نذكُرُها ونذكُرُ ما فيها من الآثارِ عن السَّلفِ، وباللّه العَوْنُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن (٦) عُبيدِ الله، قال: حدَّثني

стр. 4832

نافعٌ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن تُحلَبَ المواشي بغيرِ إذْنِ أرْبابِها (١). أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيس، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أصْبَغُ بن الفَرج، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، قال: سَمِعتُ رَجُلًا يسألُ ابنَ عبّاسٍ قال: إنَّ في حَجْري يتيمًا، وإنَّ لهُ إبِلًا، ولي إبِلٌ، أُفقِرُ من (٢) إبِلي وأمْنَحُ منها؟ فما يحِلُّ لي من إبِلِهِ؟ فقال ابنُ عبّاسٍ: إن كُنت ترُدُّ نادَّتَها (٣)، وتلُوطُ (٤) حَوْضَها، وتهنأُ جَرْباها، وتَسْقي عليها، فاشْرَب من لَبنِها. فقال القاسمُ: ما سَمِعتُ فُتيا بعد آية من كِتابِ الله، أو حَديثٍ عن رسُولِ الله ﷺ أحسنَ من فُتياهُ هذه (٥). ورَوَى مالكٌ (٦) هذا الحديثَ، عن يحيى بن سعيدٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بن محمدٍ يقولُ: جاءَ رجُلٌ إلى عبدِ الله بن عبّاسٍ فقال: إنَّ لي يتيمًا، أفأشرَبُ من

стр. 4833

لَبنِ إبِلِهِ؟ فقال ابنُ عبّاسٍ: إن كُنتَ تَبْغي ضالَّةَ إبِلِهِ، وتَهْنأُ جرباها، وتَلُطُ حَوْضها، وتَسْقيها يوم وِرْدِها، فاشرَبْ غيرَ مُضِرٍّ بنَسْلٍ، ولا ناهِكٍ في الحَلْبِ. ولم يَذْكُر قولَ القاسم (١). وفي هذا الحديثِ أيضًا ما يدُلُّ على أنَّ من حلَبَ من ضَرْع الشّاةِ أوِ البَقَرةِ أوِ النّاقةِ، بعد أن يكونَ في حِرزٍ ما يبلُغُ قِيمتُهُ ما يجِبُ فيه القطعُ، أنَّ عليه القَطْعَ؛ لأنَّ الحديثَ قد أفصحَ بأنَّ الضُرُوع خَزائنُ للطَّعام، ومعلُومٌ أنَّ من فتحَ خِزانةَ غَيرِهِ أو كَسَرها فاسْتَخرجَ منها من المالِ، الطَّعام أو غيرِه، ما يبلُغُ ثلاثةَ دراهِم، أنَّهُ يُقطَعُ، فإذا كان القَطْعُ يجِبُ على من سرقَ الشّاةَ نفسَها من مُراحِها وحِرْزِها، ولم تكُن حَرِيسةَ جَبَل، فاللَّبنُ بذلكَ أولى، واللّه أعلمُ. وقد مَضَى ذِكرُ مَعاني الحِرْزِ عندَ العُلماءِ، في بابِ ابنِ شِهاب، عندَ ذِكرِ سَرِقةِ رِداءِ صَفْوان بن أُميَّةَ (٢). فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا، إلّا أنَّ الشّاةَ إذا لم تَكُن في حِرْزٍ، فلَبَنُها تَبعٌ لها. ومن هذا البابِ: بيعُ الشّاةِ اللَّبُونِ بالطَّعام؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قال في هذا الحديثِ: "فإنَّما تَخْزُنُ لهم ضُرُوعُ مَواشيهِم أطعِماتِهِم (٣) "، فجعَلَ اللَّبن طعامًا. وقدِ اختلفَ الفُقهاءُ في بيع الشّاةِ اللَّبُونِ باللَّبنِ، وبِسائرِ الطَّعام نَقْدًا، وإلى أجَلٍ. فذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ: إلى أنَّهُ لا بأسَ بالشّاةِ اللَّبُونِ باللَّبنِ يَدًا بيدٍ، ما لم يَكُن في ضَرْعِها لبنٌ، فإذا كان في ضَرْعِها لَبنٌ، لم يجُز يدًا بيدٍ باللَّبنِ، من أجلِ

стр. 4834

المُزابنة (١). ولم يجعلهُ لغوًا؛ لأنَّ الرِّبا لا يجُوزُ قَليلُهُ ولا كثيرُهُ، وليسَ كالغَررِ الذي يجُوزُ قَليلُهُ، ولا يجُوزُ كَثيرُهُ. ولا يجُوزُ عندَهُ بيعُ الشّاةِ اللَّبُونِ باللَّبن إلى أجَلٍ، فإن كانتِ الشّاةُ غيرَ لبونٍ، جازَ في ذلك الأجَلُ وغيرُ الأجل. قال مالكٌ: ولا بأسَ بالشّاةِ اللَّبُونِ بالطَّعام إلى أجل؛ لأنَّ اللَّبن من الشّاةِ، وليسَ الطَّعامُ منها (٢). قال: والشّاةُ بالطَّعام إلى أجَلٍ، إذا لم تكُن شاةَ لحم جائزٌ، وإن أُريدَ بها الذَّبحُ، فإن كانت شاةَ لحم، فلا. قال: وكذلك السَّمنُ إلى أجَلٍ بشاةٍ لَبونٍ، لا يجُوزُ، وإن لم يكُن فيها لَبنٌ جازَ. قال: ويجُوزُ الجميعُ (٣) يدًا بيد (٤). قال أبو عُمرَ (٥): كان القياسُ، أنَّ الشّاةَ إذا لم يكُن في ضَرعها لَبنٌ، وجازَ بيعُها باللَّبنِ يدًا بيدٍ، وإن كانت لَبونًا، أن يجُوزَ بيعُها باللَّبنِ إلى أجَلٍ، إذا لم يكُن في ضَرعها لبن في حينِ عَقدِ التَّبايُع، وإن كانتِ اللَّبُونُ كغيرِ اللَّبُونِ، فإن كانتِ اللَّبُونُ يُراعى أخْذُها، وإن لم يكُن فيها لبنٌ، ويُقامُ مقام اللَّبنِ أن تُباع باللَّبنِ، وإن لم يَكُن فيها لبنٌ يدًا بيدٍ، واللّه أعلمُ. وقال الأوزاعيُّ: يجُوزُ شِراءُ زيتُونةٍ فيها زيتُونٌ بزيتُونٍ، وشاةٍ في ضَرْعِها لبنٌ بلَبنٍ؛ لأنَّ الزَّيتُونَ في شَجرهِ، واللَّبنَ في الضَّرع، لغوٌ (٦).

стр. 4835

وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُم (١): لا يجُوزُ بيعُ الشّاةِ اللَّبُونِ بالطَّعام إلى أجَل. ولا يجُوزُ عندَ الشّافِعيِّ بيعُ شاةٍ في ضَرْعِها لبنٌ بشيءٍ من اللَّبنِ، لا يدًا بيدٍ ولا إلى أجَل، ولكلِّ واحدٍ منهُم حُجَجٌ من طَريقِ النَّظرِ والاعتِبارُ يطُولُ ذِكرُها. والأصلُ في هذا البابِ المُزابنةُ، فما لا يجُوزُ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، لم يَجُز أن يُباعَ منهُ معلُومٌ بمجهُول، وما وقعَ عليه اسمُ طعام، فلا يجُوزُ أن يُباعَ منهُ شيءٌ بشيءٍ إلى أجَلٍ، جازَ فيه التَّفاضُلُ أو لم يجُز؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن الطَّعام بالطعام (٢)، إلّا يدًا بيد (٣)، فهذا الأصلُ في هذا البابِ لمن وُفِّق وفهِمَ، واللّه المُستعانُ. وقد رَوَى هذا الحديثَ، عن مالكٍ يزيدُ بن عبدِ الله بن الهادِ شَيْخُهُ؛ حدَّثني أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الرّازيُّ، قال: حدَّثنا مِقدامُ بن داودَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن بكرِ بن مُضرَ، قال: حدَّثني أبي، عن يزيد بن عبدِ الله بن الهادِ، عن مالكِ بن أنَسٍ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أَنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَحْتَلِبَنَّ أحدٌ ماشِيةَ أحدٍ إلّا بإذنِهِ، أيُحِبُّ أحدُكُم أن تُؤتَى مَشْرُبتُهُ؟ (٤) "، فذكرهُ حرفًا بحرفٍ. وفي هذا الحديثِ أيضًا على ما استدلَّ به أصحابُنا وغيرُهُم، ما يرُدُّ ما ذهَبَ إليه من قال: إنَّهُ جائزٌ للمُرتهِنِ الشّاةَ أوِ البَقَرةَ أوِ الدّابَّةَ أن يحلِبَ،

стр. 4836

أو يركبَ ذلكَ الرَّهن، وتكونُ عليه نفقةُ الدّابَّةِ، أوِ البَقَرةِ، أو رَعيُها، أو رَعْيُ الشّاةِ، أو نَفَقتُها. ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا: أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُوية، وحُجَّتهم حديثُ الشَّعبيِّ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "الرَّهنُ مركُوبٌ ومحلُوبٌ". وبعضُ رُواتِهِ يقولُ فيه: "الرَّهنُ يُركَبُ ويُحلبُ (١) بقدرِ نَفَقتِهِ، وعلى الذي يَرْكبُ ويحلِبُ نَفَقتُهُ" (٢). وهذا الحديثُ عندَ جُمهُورِ الفُقهاءِ، ترُدُّهُ أُصُولٌ مُجتَمعٌ (٣) عليها، وآثارٌ ثابِتةٌ لا يُختلَفُ في صِحَّتِها. وقد أجمعُوا أن ليسَ الرَّهنُ وظهر للرّاهِنِ. ولا يخلُو من أن يكونَ احتِلابُ المُرتهِنِ لهُ، بإذنِ الرّاهِنِ، أو بغيرِ إذنِهِ. فإن كان بغيرِ إذنِهِ، ففي حديثِ ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "لا يحتلِبنَّ أحدٌ ماشِيةَ أحدٍ، إلّا بإذنِهِ" ما يرُدُّهُ ويَقْضي بنَسْخِهِ، مع ما ذكَرْنا من تحريم مالِ المُسلِم، إلّا عن طِيبِ نَفْس. وإن كان بإذنِهِ، ففي الأُصُولِ المُجتَمع عليها في تحريم المجهُولِ، والغَررِ، وبيع ما ليسَ عِندكَ، وبيع ما لم يُخلَق، ما يرُدُّ ذلك أيضًا. وفيما ذكَرْنا صِحَّةُ ما ذهَبَ إليه أصحابُنا، وجُمهُورُ الفُقهاءِ في حديثِ أبي هُريرةَ: "الرَّهنُ يُركبُ، ويُحلبُ بنَفقتِهِ" أَنَّهُ منسُوخٌ، وأنَّ ذلكَ كان قبلَ نُزُولِ تحريم الرِّبا، واللّه أعلمُ.

стр. 4837

حديثٌ ثالِثٌ وثلاثُونَ لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "مَنِ اقْتَنى إلّا كلبًا ضاريًا، أو كلبَ ماشيةٍ، نقَصَ من عَملِهِ كلَّ يوم قِيراطانِ". هكذا قال يحيى: "منِ اقْتَنى إلّا كلبًا" (٢)، وغيرُهُ يقولُ: "منِ اقْتَنى كلبًا، إلّا كلبًا ضاريًا، أو كلبَ ماشيةٍ". وقال القعنبيُّ فيه: "منِ اقْتَنى كلبًا، إلّا كلبًا لماشية (٣)، أو ضاريًا" (٤). والمعنى واحدٌ كلُّهُ. ورَوَى هذا الحديث: يحيى، عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ. وتابَعهُ جماعةٌ، ويرويهِ قومٌ أيضًا، عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ، والحديثُ عندَ مالكٍ عنهُما جميعًا، عن ابن عُمرَ، وقد جمعهُما ابنُ وَهْب وغيرُهُ عنهُ بالإسنادينِ جميعًا. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدِ بن مسرُورٍ الدَّبّاغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سُحنُونُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبرني مالكٌ، عن نافع وعبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "منِ اقْتَنى كلبًا، إلّا كلبًا ضاريًا، أو صاحِبَ ماشيةٍ، نقصَ من أجرِهِ كلَّ يوم قِيراطانِ". إلّا ابنَ دينارٍ قال: "من عَملِهِ" (٥).

стр. 4838

وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إباحةُ اتِّخاذِ الكِلابِ للصيدِ والماشِيةِ، وكَراهيةُ اتِّخاذِها لغيرِ ذلكَ. وقد روى أبو هُريرةَ (١)، وعبدُ الله بن مُغفَّل (٢)، وسُفيانُ بن أبي زُهَيرٍ الشَّنوئيُّ (٣)، وغيرُهُم هذا الحديث، عن النَّبيِّ ﷺ ، فزادُوا فيه ذِكرَ كلبِ الحَرْثِ. وبعضُهُم يقولُ فيه: "منِ اقْتَنى كلبًا لا يُغنِي عنهُ (٤) زرعًا، ولا ضَرْعًا". فزادُوا فيه الزَّرعَ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونُسُ بن يزيد، عن ابن شِهاب، عن ابن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "منِ اقْتَنى كلبًا ليسَ بكلبِ صيدٍ، ولا ماشِيةٍ، ولا أرضٍ، فإنَّهُ ينقُصُ من أجرِهِ قيراطانِ كلَّ يوم" (٥). أخبرني محمدُ بن عبدِ الملِكِ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا الحجّاجُ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن يونُس، عن الحَسنِ، عن عبدِ الله بن مُغَفَّل (٦)،

стр. 4839

أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "منِ اتَّخذَ كلبًا ليسَ كلبَ صَيْدٍ، ولا ماشِيةٍ، ولا حَرْثٍ، نقصَ من أجرِهِ كلَّ يوم قيراطٌ". وقال: "اقتُلُوا منها كلَّ أسودَ بَهيم (١) " (٢). وقد ذكَرْنا حديثَ سُفيان بن أبي زُهَيرٍ، في بابِ هشام بن عُرْوةَ؛ لأنَّهُ من رِوايةِ مالك (٣). وفي معنى هذا الحديثِ تدخُلُ عِندي إباحَةُ اقتِناءِ الكِلابِ للمَنافع كلِّها، ودَفْع المضارِّ، إذا احتاجَ الإنسانُ إلى ذلكَ، إلّا أَنَّهُ مكرُوهٌ اقتِناؤُها في غَيرِ الوُجُوهِ المذكُور في هذه الآثارِ، لنُقصانِ أجرِ مُقْتنيها، واللّه أعلمُ. وقد أجاز مالكٌ وغيرُهُ من الفُقهاءِ اقْتِناءَ الكِلابِ للزَّرع، والصيدِ، والماشيةِ. ولم يُجِزِ ابنُ عُمرَ اقتِناءَ الكلابِ للزَّرع (٤)، ووقفَ عندَ ما سمِعَ، وزيادةُ من زادَ في هذا الحديثِ: الحَرْثَ والزَّرعَ، مقبُولةٌ، فلا بأسَ باقتِناءِ الكِلابِ للزَّرع والكَرْم، فإنَّها داخِلةٌ في معنَى الحَرْثِ، وكذلكَ ما كان مِثل ذلكَ، كما يُقتَنى للصَّيدِ والماشيةِ وما أشْبَه ذلكَ، وإنَّما كُرِهَ من ذلكَ اقتِناؤُها لغيرِ مَنْفعةٍ وحاجةٍ وَكيدةٍ، فيكونُ حِينَئِذٍ فيه تَرْويعُ النّاسِ، وامتِناعُ دُخُولِ الملائِكةِ في البَيْتِ، والمَوْضِع الذي فيه الكَلْبُ، فمِن هاهُنا، واللّه أعلمُ، كُرِه اتِّخاذُها.

стр. 4840

وأمّا اتِّخاذُها للمَنافع، فما أظُنُّ شيئًا من ذلكَ مَكْرُوهًا؛ لأنَّ النّاسَ يَسْتعمِلُونَ اتِّخاذَها للمنافع ودَفْع المضرَّةِ، قرنًا بعد قرنٍ، في كلِّ مِصرٍ وباديةٍ، فيما بلغنا، واللّه أعلمُ. وبالأمصارِ عُلماءُ يُنكِرُونَ المُنكرَ ويأمُرُونَ بالمعرُوفِ، ويسمَعُ السُّلطانُ منهُم، فما بَلَغنا عنهُم تغييرُ ذلكَ، إلّا عندَ أذًى يحدُثُ، من عَقْرِ الكلبِ ونحوِهِ، وإن كُنتُ ما أحبُّ لأحَدٍ أن يتَّخِذ كلبًا ولا يَقْتنيهُ، إلّا لصيدٍ، أو ماشيةٍ في باديةٍ أو ما يجري مجرَى الباديةِ من المَواضِع المخُوفِ فيها الطَّرقُ والسَّرقُ، فيجُوزُ حينئذٍ اتِّخاذُ الكِلابِ فيها للزَّرع وغيرِهِ، لِما يُخشى من عاديةِ الوَحْشِ وغيرِهِ، واللّه أعلمُ. وقد سُئِل هشامُ بن عُروةَ عن الكلبِ يُتَّخذُ للدّارِ، فقال: لا بأسَ به، إذا كانتِ الدّارُ مَخُوفةً. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن أبي سُليمان، قال: حدَّثنا سحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني عُمر (١) بن محمدٍ، أنَّ سالم بن عبدِ الله بن عُمرَ حدَّثهُ، عن أبيهِ، قال: وعدَ جِبريلُ رسُولَ الله ﷺ فراثَ (٢) عليه، حتَّى اشتدَّ على رسُولِ الله ﷺ ، فخرجَ رسُولُ الله ﷺ فلَقِيهُ، فشَكا إليه ما وجَدَ، فقال: "إنّا لا ندخُلُ بيتًا فيه كلبٌ، ولا صُورةٌ" (٣).

стр. 4841

قال ابنُ وَهْب: وأخبرني يونُسُ، عن ابن شِهاب، عن ابن السَّبّاقِ، عن ابن عبّاسٍ، عن ميمُونةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مثلَهُ (١). قال: وأخبرني يونُسُ، عن ابن شِهاب، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، أنَّهُ سمِعَ ابنَ عبّاسٍ يقولُ: سمِعتُ أبا طَلْحةَ يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تدخُلُ الملائِكةُ بيتًا فيه كلبٌ، ولا صُورةٌ" (٢). قال: وحدَّثني ابنُ أبي ذِئبٍ، عن الحارِثِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن كُرَيبٍ مولى ابن عبّاسٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مثلَهُ (٣).

стр. 4842

فلهذا - واللّه أعلمُ - وما أشبَهَهُ، كَرِهَ اتِّخاذَ الكِلابِ رسُولُ الله ﷺ . وقدِ اختُلِفَ في هذا الحديثِ، فقيلَ: هُو خُصُوصٌ لجِبريلَ وَحْدَهُ ﷺ ، بدليلِ الحَفَظةِ، وقيل: بلِ الملائِكةُ على عُمُوم الحديثِ، واللّه أعلمُ. وفي قولِهِ ﷺ في هذا الحديثِ: "نَقَصَ من عَملِهِ، أو من أجرِهِ" يُريدُ من أجْرِ عَملِهِ "كلَّ يوم قيراطانِ" دليلٌ على أنَّ اتِّخاذَها ليسَ بمُحرَّم؛ لأنَّ ما كان مُحرَّمًا اتِّخاذُهُ، لم يجُزِ اتِّخاذُهُ ولا اقْتِناؤُهُ على حالٍ، نَقصَ من الأجرِ أو لم ينقُص، وليسَ هذا سبيلَ النَّهي عن المُحرَّماتِ، أن يُقال فيها: من فَعلَ كذا، ولكنّ هذا اللَّفظَ يدُلُّ، واللّه أعلمُ، على كَراهيةٍ، لا على تحريم. ووجهُ قولِهِ ﵇ في هذا الحديثِ من نُقصانِ الأجرِ، محمُولٌ عِندِي، واللّه أعلمُ، على أنَّ المعانيَ المُتعبَّدَ بها في الكِلابِ، من غَسْلِ الإناءِ سبعًا إذا وَلَغت فيه، لا يكادُ يُقامُ بها، ولا يَكادُ يُتَحفَّظُ منها؛ لأنَّ مُتَّخِذَها لا يَسْلمُ من وُلُوغِها في إنائِهِ، ولا يكادُ يُؤَدِّي حقَّ الله في عِبادَةِ الغَسْلاتِ من ذلكَ الوُلُوغ، فيدخُلُ عليه الإثمُ والعِصْيانُ، فيكونُ ذلكَ نقصًا في أجرِهِ، بدُخُولِ السَّيِّئاتِ عليه. وقد يكونُ ذلك من أجلِ أنَّ الملائِكةَ لا تدخُلُ بيتًا فيه كَلْبٌ ونحوِ ذلك، وقد يكونُ ذلكَ بذهابِ أجْرِهِ في إحسانِهِ إلى الكِلابِ؛ لأنَّ معلُومًا، أنَّ في الإحْسانِ إلى كلِّ ذي كَبِدٍ رطبةٍ أجرًا. لكنَّ الإحسانَ إلى الكَلْبِ ينقصُ الأجرُ فيه، أو يبلُغُهُ ما يلحقُ مُقْتنيَهِ ومُتَّخِذَهُ من السَّيِّئاتِ، بتركِ أدَبِهِ لتلكَ العِباداتِ، في التَّحفُّظِ من وُلُوغِهِ، والتَّهاوُنِ بالغَسْلاتِ منهُ ونحوِ ذلكَ، مِثلَ تَرْويع المُسلِم، وشِبْهِهِ، واللّه أعلمُ، بما أرادَ رسُولُ الله ﷺ من قولِهِ ذلك.

стр. 4843

روى حمّادُ بن زيدٍ، عن واصِلٍ مولى أبي عُيَينةَ، قال: سألَ رجلٌ (١) الحسنَ، فقال: يا أبا سعيدٍ، أرأيتَ ما ذُكِرَ من الكلبِ، أَنَّهُ ينقُصُ من أجْرِ أهلِهِ كلَّ يوم قيراطٌ؟ قال: يُذكَرُ ذلك. فقيل لهُ: مِمَّ ذلك يا أبا سعيدٍ؟ قال: لتَرويعِهِ المُسلِم (٢). وذكر ابنُ سَعْدان، عن الأصمعيِّ، قال: قال أبو جعفرٍ المنصُورُ لعَمرِو بن عُبيدٍ: ما بَلغكَ في الكلب؟ فقال: بَلَغني أَنَّهُ من اقْتَنى كلبًا لغيرِ زَرْع ولا حِراسةٍ، نقصَ من أجرِهِ كلَّ يوم قيراطٌ. قال: ولِم ذلكَ؟ قال: هكذا جاءَ الحديثُ. قال: خُذها بحقِّها، إنَّما ذلك لأَنَّهُ ينبحُ الضَّيفَ (٣) ويُروِّعُ السّائِلَ (٤).

стр. 4844

حديثٌ رابعٌ وثلاثُونَ لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بقَتْلِ الكِلابِ. قال أبو عُمر: في أمرِ رسُولِ الله ﷺ بقَتْلِ الكِلابِ دَليلٌ على أنَّها لا تُؤكَلُ؛ لأنَّ ما يجُوزُ أكلُهُ لم يحِلَّ قَتلُهُ إذا كان مَقْدُورًا عليه وذُبِحَ أو نُحِرَ، فإن كان صَيْدًا مُتَمنِّعًا، حلَّ بالتَّسميةِ رَمْيُهُ وقتلُهُ كيف أمكنَ، ما دام مُتَمنِّعًا، ألا تَرَى إلى ما جاءَ عن عُمرَ وعُثمانَ، إذ ظهرَ في المدينةِ اللَّعِبُ بالحمام، والمُهارَشةُ بين الكِلابِ، أتَى الحديثُ عنهُما، بأنَّهُما أمرا بقتلِ الكِلابِ، وذَبْح الحمام؟ فَرَّقا بين ما يُؤكَلُ، وما لا يُؤكلُ. قال الحسنُ البصريُّ: سَمِعتُ عُثمانَ بنَ عفّان يقولُ غيرَ مرَّةٍ في خُطبتِهِ: اقتُلُوا الكِلابَ، واذْبَحُوا الحمامَ (٢). واختلَفتِ الآثارُ في قَتْلِ الكِلابِ، واختلَفَ العُلماءُ في ذلك أيضًا، فذهَبَ جماعةٌ من أهلِ العِلم إلى الأمرِ بقتلِ الكِلابِ كلِّها، إلّا ما وردَ الحديثُ بإباحَةِ اتِّخاذِهِ منها للصَّيدِ والماشيةِ، وللزَّرع أيضًا، وقالوا: واجِبٌ قَتْلُ الكِلابِ كلِّها، إلّا ما كان منها مخصُوصًا بالحديثِ، امتِثالًا لأمرِهِ ﷺ . واحتجُّوا بحديثِ مالكٍ هذا وما كان مِثلَهُ، وبحديثِ ابن وهب، قال: أخبرني يونُسُ بن يزيدَ، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، عن أبيهِ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ رافِعًا صَوْتَهُ يأمُرُ بقَتْلِ الكِلابِ، فكانتِ الكِلابُ تُقتلُ، إلّا كلبَ صَيدٍ أو ماشِية (٣).

стр. 4845

وبما أخبرنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: أمرَ رسُولُ الله ﷺ بقتلِ الكِلاب، وأرسلَ في أقْطارِ المدينةَ لتُقتلَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائِغُ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سَلَمةَ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بقَتْلِ الكِلاب، حتَّى إنَّ المرأةَ لتدخُلُ بالكلبِ، فما تخرُجُ حتَّى يُقتلَ (٢). ورُوِيَ عن عبدِ الله بن جعفرٍ: أنَّ أبا بكرٍ أمرَ بقتلِ الكِلابِ، قال عبدُ الله: وكانت أُمِّي تحتهُ، وكان جروٌ لي تحتَ السَّريرِ، فقلتُ لهُ: يا أبتي (٣)، وكلبي أيضًا؟ فقال: لا تقتُلُوا كلبَ ابني. ثُمَّ أشارَ بأُصبُعِهِ: أن خُذُوهُ من تحتِ السَّريرِ، فأُخِذَ وأنا لا أدْرِي، فقُتِلَ (٤). ورَوى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع: أنَّ ابنَ عُمرَ دخلَ أرضًا لهُ، فرأى كلبًا، فهمَّ أن يقَعَ بقيِّم أرْضِهِ، فقال: إنَّهُ واللّه كلبٌ عابِرٌ دخَلَ الآنَ. قال: فأخذَ المِسْحاةَ، وقال: حرِّشُوهُ عليَّ. قال: فشَحَطهُ، فقتلَهُ (٥).

стр. 4846

قولُهُ: فشحَطهُ، أي: قتَله في أعْجَلِ شيءٍ. فهذا أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وابنُ عُمرَ قد عَمِلا بقتل الكِلابِ بعدَ رسُولِ الله ﷺ ، وجاءَ نحو ذلك، عن عُمرَ وعُثمانَ، فصارَ ذلك سُنَّةً معمُولًا بها عندَ الخُلفاءِ، ولم ينسَخْها عندَ من عمِلَ بها شيءٌ. وإلى هذا ذهبَ مالكُ بن أنسٍ، قال ابنُ وَهْب: سمِعتُ مالكًا يقولُ في قَتْلِ الكِلابِ: لا أرى بأسًا أن يأمُرَ الوالي بقَتْلِها. قال أبو عُمر: ظاهِرُ حديثِ ابن (١) عُمرَ وحديثِ جابرٍ يدُلُّ على قَتْلِ جميع الكِلابِ، ولكنَّ الحديثَ في ذلك ليسَ على عُمُومِهِ، لِما قد بانَ في حديثِ ابن شِهاب (٢)، عن سالم، عن ابن عُمرَ، قال: فكانتِ الكِلابُ تُقتلُ، إلّا كلبَ صَيْدٍ أو ماشيةٍ. ومِثلُهُ حديثُ عبدِ الله بن مُغفَّلٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بقتلِ الكِلابِ، ورخَّصَ في كلبِ الزَّرع والصَّيدِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي التَّيّاح، عن مُطرِّفِ بن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ، عن عبدِ الله بن مُغفَّل: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بقَتْلِ الكِلابِ، ورخَّصَ في كَلْبِ الزَّرع، وكَلْبِ العَيْنِ. هكذا قال، وقال: "إذا ولَغَ الكلبُ في الإناءِ، فاغسِلُوهُ سبعَ مرّاتٍ، وعَفِّرُوا الثّامِنةَ بالتُّرابِ" (٣). وقد ذكَرْنا مذاهِبَ العُلماءِ فيمَنْ قتلَ كلبَ زَرْع أو صيدٍ أو ماشيةٍ، عندَ ذِكْرِ بيع الكِلابِ، وذلك في بابِ ابن شِهابٍ عن (٤) أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، من هذا الكِتاب.

стр. 4847

وقال آخرُونَ: أمرُهُ ﷺ بقتلِ الكِلابِ، مَنْسُوخٌ بإباحتِهِ اتِّخاذَ ما كان منها للماشيةِ والصيدِ والزَّرع. واحتجَّ قائِلُو هذه المقالةِ، بحديثِ شُعبةَ، عن أبي التَّيَّاح، عن مُطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ، عن عبدِ الله بن المُغفَّل، قال: أمرَ رسُولُ الله ﷺ بقَتلِ الكِلابِ، ثُمَّ قال: "ما لي وللكِلاب؟ " ثُمَّ رخَّصَ في كلبِ الصَّيدِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، فذكرهُ (١). قالوا: ففي هذا الخبرِ: أنَّ كلبَ الصَّيدِ قد كان أمر بقَتْلِهِ، ثُمَّ أباحَ الانتِفاعَ به، فارتفَعَ القتلُ عنهُ. قالوا: ومعلُومٌ أنَّ كلَّ ما يُنتَفعُ به، جائزٌ اتِّخاذُهُ، ولا يجُوزُ قَتْلُهُ، إلّا ما يُؤكَلُ، فيُذكَّى ولا يقتُلُ. واحتجُّوا أيضًا بحديثِ ابن وَهْب، عن عَمرِو (٢) بن الحارِثِ، عن عبدِ ربِّهِ بن سعيدٍ، عن عَمرِو بن شُعَيب، عن سَعيدِ بن المُسيِّب: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بقتلِ الكِلابِ، ثُمَّ قال: "إنَّها أُمَّةٌ، ولا أُحِبُّ أن أُفْنيَها، ولكِنِ اقتُلُوا كلَّ أسودَ بَهيم". وقد قال ابنُ جُريج - في حديثِ أبي الزُّبيرِ، عن جابر: أمَرَنا رسُولُ الله ﷺ بقَتْلِ الكِلابِ - قال: فكُنّا نَقْتُلُها، حتَّى قال: "إنَّها أُمَّةٌ من الأُمم"، ثُمَّ نَهَى عن قَتْلِها، وقال: "عليكُم بالأسْوَدِ ذي القَرْنينِ"، أو قال: "ذي النُّكْتتينِ، فإنَّهُ شيطانٌ".
следующие страницы →