← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4843–4882 · переход к 4848.

стр. 4843

روى حمّادُ بن زيدٍ، عن واصِلٍ مولى أبي عُيَينةَ، قال: سألَ رجلٌ (١) الحسنَ، فقال: يا أبا سعيدٍ، أرأيتَ ما ذُكِرَ من الكلبِ، أَنَّهُ ينقُصُ من أجْرِ أهلِهِ كلَّ يوم قيراطٌ؟ قال: يُذكَرُ ذلك. فقيل لهُ: مِمَّ ذلك يا أبا سعيدٍ؟ قال: لتَرويعِهِ المُسلِم (٢). وذكر ابنُ سَعْدان، عن الأصمعيِّ، قال: قال أبو جعفرٍ المنصُورُ لعَمرِو بن عُبيدٍ: ما بَلغكَ في الكلب؟ فقال: بَلَغني أَنَّهُ من اقْتَنى كلبًا لغيرِ زَرْع ولا حِراسةٍ، نقصَ من أجرِهِ كلَّ يوم قيراطٌ. قال: ولِم ذلكَ؟ قال: هكذا جاءَ الحديثُ. قال: خُذها بحقِّها، إنَّما ذلك لأَنَّهُ ينبحُ الضَّيفَ (٣) ويُروِّعُ السّائِلَ (٤).

стр. 4844

حديثٌ رابعٌ وثلاثُونَ لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بقَتْلِ الكِلابِ. قال أبو عُمر: في أمرِ رسُولِ الله ﷺ بقَتْلِ الكِلابِ دَليلٌ على أنَّها لا تُؤكَلُ؛ لأنَّ ما يجُوزُ أكلُهُ لم يحِلَّ قَتلُهُ إذا كان مَقْدُورًا عليه وذُبِحَ أو نُحِرَ، فإن كان صَيْدًا مُتَمنِّعًا، حلَّ بالتَّسميةِ رَمْيُهُ وقتلُهُ كيف أمكنَ، ما دام مُتَمنِّعًا، ألا تَرَى إلى ما جاءَ عن عُمرَ وعُثمانَ، إذ ظهرَ في المدينةِ اللَّعِبُ بالحمام، والمُهارَشةُ بين الكِلابِ، أتَى الحديثُ عنهُما، بأنَّهُما أمرا بقتلِ الكِلابِ، وذَبْح الحمام؟ فَرَّقا بين ما يُؤكَلُ، وما لا يُؤكلُ. قال الحسنُ البصريُّ: سَمِعتُ عُثمانَ بنَ عفّان يقولُ غيرَ مرَّةٍ في خُطبتِهِ: اقتُلُوا الكِلابَ، واذْبَحُوا الحمامَ (٢). واختلَفتِ الآثارُ في قَتْلِ الكِلابِ، واختلَفَ العُلماءُ في ذلك أيضًا، فذهَبَ جماعةٌ من أهلِ العِلم إلى الأمرِ بقتلِ الكِلابِ كلِّها، إلّا ما وردَ الحديثُ بإباحَةِ اتِّخاذِهِ منها للصَّيدِ والماشيةِ، وللزَّرع أيضًا، وقالوا: واجِبٌ قَتْلُ الكِلابِ كلِّها، إلّا ما كان منها مخصُوصًا بالحديثِ، امتِثالًا لأمرِهِ ﷺ . واحتجُّوا بحديثِ مالكٍ هذا وما كان مِثلَهُ، وبحديثِ ابن وهب، قال: أخبرني يونُسُ بن يزيدَ، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، عن أبيهِ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ رافِعًا صَوْتَهُ يأمُرُ بقَتْلِ الكِلابِ، فكانتِ الكِلابُ تُقتلُ، إلّا كلبَ صَيدٍ أو ماشِية (٣).

стр. 4845

وبما أخبرنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: أمرَ رسُولُ الله ﷺ بقتلِ الكِلاب، وأرسلَ في أقْطارِ المدينةَ لتُقتلَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائِغُ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سَلَمةَ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بقَتْلِ الكِلاب، حتَّى إنَّ المرأةَ لتدخُلُ بالكلبِ، فما تخرُجُ حتَّى يُقتلَ (٢). ورُوِيَ عن عبدِ الله بن جعفرٍ: أنَّ أبا بكرٍ أمرَ بقتلِ الكِلابِ، قال عبدُ الله: وكانت أُمِّي تحتهُ، وكان جروٌ لي تحتَ السَّريرِ، فقلتُ لهُ: يا أبتي (٣)، وكلبي أيضًا؟ فقال: لا تقتُلُوا كلبَ ابني. ثُمَّ أشارَ بأُصبُعِهِ: أن خُذُوهُ من تحتِ السَّريرِ، فأُخِذَ وأنا لا أدْرِي، فقُتِلَ (٤). ورَوى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع: أنَّ ابنَ عُمرَ دخلَ أرضًا لهُ، فرأى كلبًا، فهمَّ أن يقَعَ بقيِّم أرْضِهِ، فقال: إنَّهُ واللّه كلبٌ عابِرٌ دخَلَ الآنَ. قال: فأخذَ المِسْحاةَ، وقال: حرِّشُوهُ عليَّ. قال: فشَحَطهُ، فقتلَهُ (٥).

стр. 4846

قولُهُ: فشحَطهُ، أي: قتَله في أعْجَلِ شيءٍ. فهذا أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وابنُ عُمرَ قد عَمِلا بقتل الكِلابِ بعدَ رسُولِ الله ﷺ ، وجاءَ نحو ذلك، عن عُمرَ وعُثمانَ، فصارَ ذلك سُنَّةً معمُولًا بها عندَ الخُلفاءِ، ولم ينسَخْها عندَ من عمِلَ بها شيءٌ. وإلى هذا ذهبَ مالكُ بن أنسٍ، قال ابنُ وَهْب: سمِعتُ مالكًا يقولُ في قَتْلِ الكِلابِ: لا أرى بأسًا أن يأمُرَ الوالي بقَتْلِها. قال أبو عُمر: ظاهِرُ حديثِ ابن (١) عُمرَ وحديثِ جابرٍ يدُلُّ على قَتْلِ جميع الكِلابِ، ولكنَّ الحديثَ في ذلك ليسَ على عُمُومِهِ، لِما قد بانَ في حديثِ ابن شِهاب (٢)، عن سالم، عن ابن عُمرَ، قال: فكانتِ الكِلابُ تُقتلُ، إلّا كلبَ صَيْدٍ أو ماشيةٍ. ومِثلُهُ حديثُ عبدِ الله بن مُغفَّلٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بقتلِ الكِلابِ، ورخَّصَ في كلبِ الزَّرع والصَّيدِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي التَّيّاح، عن مُطرِّفِ بن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ، عن عبدِ الله بن مُغفَّل: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بقَتْلِ الكِلابِ، ورخَّصَ في كَلْبِ الزَّرع، وكَلْبِ العَيْنِ. هكذا قال، وقال: "إذا ولَغَ الكلبُ في الإناءِ، فاغسِلُوهُ سبعَ مرّاتٍ، وعَفِّرُوا الثّامِنةَ بالتُّرابِ" (٣). وقد ذكَرْنا مذاهِبَ العُلماءِ فيمَنْ قتلَ كلبَ زَرْع أو صيدٍ أو ماشيةٍ، عندَ ذِكْرِ بيع الكِلابِ، وذلك في بابِ ابن شِهابٍ عن (٤) أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، من هذا الكِتاب.

стр. 4847

وقال آخرُونَ: أمرُهُ ﷺ بقتلِ الكِلابِ، مَنْسُوخٌ بإباحتِهِ اتِّخاذَ ما كان منها للماشيةِ والصيدِ والزَّرع. واحتجَّ قائِلُو هذه المقالةِ، بحديثِ شُعبةَ، عن أبي التَّيَّاح، عن مُطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ، عن عبدِ الله بن المُغفَّل، قال: أمرَ رسُولُ الله ﷺ بقَتلِ الكِلابِ، ثُمَّ قال: "ما لي وللكِلاب؟ " ثُمَّ رخَّصَ في كلبِ الصَّيدِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، فذكرهُ (١). قالوا: ففي هذا الخبرِ: أنَّ كلبَ الصَّيدِ قد كان أمر بقَتْلِهِ، ثُمَّ أباحَ الانتِفاعَ به، فارتفَعَ القتلُ عنهُ. قالوا: ومعلُومٌ أنَّ كلَّ ما يُنتَفعُ به، جائزٌ اتِّخاذُهُ، ولا يجُوزُ قَتْلُهُ، إلّا ما يُؤكَلُ، فيُذكَّى ولا يقتُلُ. واحتجُّوا أيضًا بحديثِ ابن وَهْب، عن عَمرِو (٢) بن الحارِثِ، عن عبدِ ربِّهِ بن سعيدٍ، عن عَمرِو بن شُعَيب، عن سَعيدِ بن المُسيِّب: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بقتلِ الكِلابِ، ثُمَّ قال: "إنَّها أُمَّةٌ، ولا أُحِبُّ أن أُفْنيَها، ولكِنِ اقتُلُوا كلَّ أسودَ بَهيم". وقد قال ابنُ جُريج - في حديثِ أبي الزُّبيرِ، عن جابر: أمَرَنا رسُولُ الله ﷺ بقَتْلِ الكِلابِ - قال: فكُنّا نَقْتُلُها، حتَّى قال: "إنَّها أُمَّةٌ من الأُمم"، ثُمَّ نَهَى عن قَتْلِها، وقال: "عليكُم بالأسْوَدِ ذي القَرْنينِ"، أو قال: "ذي النُّكْتتينِ، فإنَّهُ شيطانٌ".

стр. 4848

حدَّثناهُ عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا يوسُفُ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيج، فذكَرهُ (١). قال أبو عُمر: حديثُ جابرٍ لا حُجَّةَ فيه لمن أمرَ بقتلِ الكِلابِ، بلِ الحُجَّةُ فيه لمن لم يرَ قتلها، على ما نذكُرهُ من رِواية ابن جُريج، عن أبي الزُّبيرِ، إن شاءَ الله. قالوا: فهذا يدُلُّ على أنَّ الإباحَةَ في اتِّخاذِها، وحُبَّهُ أن لا يُفْنيَها، كان بعدَ الأمرِ بقَتْلِها. قالوا: وقد رخَّصَ في كلبِ الصيدِ، ولم يخُصَّ أسودَ بهيمًا من غيرِهِ، وقد قالوا: إنَّ الأسودَ البَهِيم من الكِلابِ أكثرُها أذًى، وأبَعَدُها من تَعليم ما يَنْفعُ، ولذلك رُوي أنَّ الكلبَ الأسود البهيم شَيْطانٌ (٢)، أي: بعيدٌ من المنافع، قريبٌ من المضرَّةِ والأذى. وهذه أُمُورٌ لا تُدرَكُ بنَظرٍ، ولا يُوصَلُ إليها بقياسٍ، وإنَّما يُنتَهى فيها إلى ما جاءَ عنهُ ﷺ . وقد رُوي عن ابن عبّاس: أنَّ الكِلاب من الحِنِّ (٣)، وهي ضعَفةُ (٤) الجِنِّ، فإذا غَشِيتكُم، فألقُوا لها الشَّيء، فإنَّ لها أنفُسًا. يعني أعيُنًا (٥). ورُوي عن الحسنِ وإبراهيمَ: أنَّهُما كانا يَكْرهانِ صيدَ الكَلْبِ الأسْوَدِ البَهيم (٦).

стр. 4849

وقال إسماعيلُ بن أُميَّةَ: اثْنانِ من الجِنِّ مُسِخا، وهُما الكِلابُ، والحيّاتُ. وسيأتي هذا المعنى بأبينَ مِمّا جاءَ هاهُنا، في بابِ صَيْفيٍّ إن شاءَ الله. قال أبو عُمر: قدِ اضْطَرَبت ألفاظُ الأحاديثِ في هذا المعنى، فمنها ما يدُلُّ على النَّسخ، ومنها ما يدُلُّ على أنّ (١) الأمْرَ بالقتلِ كان فيما عدا المُسْتَثنى، واللّه أعلمُ. ومِمّا يدُلُّ على أنَّ الأمر بقَتْلِ الكِلابِ منسُوخٌ: ما حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا يحيى بن خلفٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني أبو الزُّبيرِ، عن جابر، قال: أمرَ رسُولُ الله ﷺ بقتلِ الكِلابِ، حتَّى إن كانتِ المرأةُ تقدَمُ من الباديةِ بالكلبِ، فنقتُلُهُ. ثُمَّ نهانا عن قَتْلِها، وقال: "عَليكُم بالأسْودِ". فهذا واضِحٌ في أنَّهُ نَهَى عن قَتْلِها، بعدَ أن كان أمرَ بذلكَ. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا أبو شِهاب، عن يونُس بن عُبيدٍ، عن الحسنِ، عن عبدِ الله بن مُغفَّل، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لولا أنَّ الكِلابَ أُمَّةٌ من الأُمم لأمَرتُ بقتلِها، فاقتُلُوا منها الأسودَ البَهيمَ، وما من قوم اتَّخذُوا كلبًا، إلّا كلبَ ماشيةٍ أو كلبَ صيدٍ أو كلبَ حَرْثٍ، إلّا نقصَ من أُجُورِهِم كلَّ يوم قيراطانِ" (٣).

стр. 4850

ورَوَى إسماعيلُ المكِّيُّ، عن أبي رجاءٍ العُطارِديِّ، قال: سَمِعتُ ابنَ عبّاسٍ يقولُ: السُّودُ من الكِلابِ: الجِنُّ، والبُقْعُ منها: الحِنُّ (١). وأنشدَ بعضُهُم في الجِنِّ والحِنِّ قولَ الشّاعِر (٢): إن تكتُبُوا الزَّمْنَى فإنِّي لَزَمِنْ في ظاهِري داءٌ وداءٌ مُستكِنّ أبيتُ أهوي في شياطينٍ تُرِنّ مُختلِفٍ نِجارُهُم (٣) جِنٌّ وحِنّ وقال صاحِبُ "العين" (٤): الحِنُّ، حيٌّ من الجِنِّ، منهُمُ الكِلابُ البُهْمُ، يُقالُ منهُ: كلبٌ حِنِّيٌّ. فذَهَبت طائِفةٌ إلى أنْ لا يُقتلَ من الكِلابِ إلّا الأسودُ البَهِيمُ خاصَّةً، على (٥) ما جاءَ في حديثِ ابن مُغفَّلٍ وما كان مِثلَهُ، واحتجُّوا أيضًا (٦) بحديثِ أبي ذرٍّ وما كان مِثلَهُ: "الكلبُ الأسْوَدُ البَهِيمُ شيطانٌ" (٧).

стр. 4851

وذهَبَ آخرُونَ إلى أَنَّهُ لا يجُوزُ قتلُ شيءٍ من الكِلابِ، إلَّا الكلبَ العَقُورَ. وقالوا: أمْرُهُ بقتلِ الكِلابِ منسُوخٌ بنهيِهِ ﷺ أن يُتَّخذَ شيءٌ فيه الرُّوحُ غَرَضًا (١)، وبقولِهِ ﵇: "خمسٌ من الدَّوابِّ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم" (٢)، فذكَرَ منهُنَّ الكلَبَ العَقُورَ، فخَصَّ العَقُور دُونَ غيرِهِ؛ لأنَّ كلَّ ما يَعقِرُ المُؤمِنَ ويُؤذيهِ، ويُقدَرُ عليه، فواجِبٌ قتلُهُ. وقد قيلَ: العَقُورُ هاهُنا، الأسدُ وما أشبههُ من عقّارَةِ سِباع الوحشِ. قالوا - في قولِهِ ﷺ ، حينَ ضربَ المثلَ برجُلٍ وجدَ كلبًا يَلْهثُ عَطَشًا، على شفيرِ بِئرٍ، فاسْتَسْقَى (٣) فسَقَى الكلبَ، فشكَرَ اللهَ لهُ ذلكَ، فغفَرَ لهُ، فقيلَ: يا رسُولَ الله، أوَ في مِثلِ هذا أجرٌ؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "في كلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أجْرٌ" (٤) -: دليلٌ على أَنَّهُ لا يجُوزُ قَتْلُ شيءٍ من الحَيَوانِ، إلّا ما أضرَّ بالمُسلِم، في مالٍ أو نَفْسِ، فيكونُ حُكمُهُ حُكمَ العدُوِّ المُباح (٥) قتلُهُ. وأمّا ما انتفَعَ به المُسلِمُ، من كَلِّ ذي كَبِدٍ رَطْبةٍ، فلا يجُوزُ قتلُهُ؛ لأنَّهُ كما يُؤجَرُ المرءُ في الإحْسانِ إليه، كذلكَ يُؤزَرُ في الإساءةِ إليه، واللّه أعلمُ. واحتجُّوا أيضًا: بما حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن هشام، عن محمدٍ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "أنَّ امرأةً بَغِيًّا

стр. 4852

رأت كلبًا في يوم حارٍّ، يُطِيفُ ببِئرٍ، قدِ أدْلَعَ لِسانَهُ (١) من العَطَشِ، فنَزَعت لهُ بمُوقِها (٢)، فغُفِرَ لها" (٣). قال أبو عُمر: حَسْبُك بهذا فَضْلًا في الإحْسانِ إلى الكلبِ، فأينَ قتلُهُ من هذا؟ ومِمّا في هذا المعنى أيضًا، قولُهُ ﷺ : "دَخَلتِ امرأةٌ النّارَ في هِرَّةٍ رَبَطتها حتَّى ماتت جُوعًا" (٤). فهذا وما أشبههُ يدُلُّ على ما قُلنا. قال أبو عُمر: كلُّ ما ذكَرْنا قد قيلَ فيما وصَفْنا، وباللّه عِصمتُنا وتوفيقُنا. وقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ في بيع الكِلابِ مُسْتوعبًا، في بابِ ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا. والذي أختارهُ في هذا البابِ: أنْ لا يُقتلَ شيءٌ من الكِلابِ، إذا لم تَضرَّ بأحدٍ، ولم تعقِرَ أحدًا، لنَهيِهِ ﷺ أن يُتَّخذَ شيءٌ فيه الرُّوحُ غرضًا. ولِما تقدَّمَ ذكرُنا لهُ من حُجَّةِ منِ اخْتَرنا قولهُ. ومن الحُجَّةِ أيضًا لِما ذَهَبنا إليه، في أنَّ الأمرَ بقتلِ الكِلابِ منسُوخٌ: تركُ قَتلِها في كلِّ الأمصارِ، على اختِلافِ الأعْصارِ، بعد مالكٍ ﵀، وفيهمُ العُلماءُ والفُضَلاءُ، مِمَّن يذهبُ مذهبَ مالكٍ وغيرِهِ، ومن لا يُسامِحُ في شيءٍ من المَناكِرِ

стр. 4853

والمعاصي الظّاهِرةِ، إلّا ويبدُرُ إلى إنكارِها ويَثِبُ إلى تَغْييرِها، وما علِمتُ فقيهًا من فقهاءِ (١) المُسلِمين، ولا قاضيًا عالِمًا قَضَى بردِّ شَهادةِ من لم يَقتُلِ الكِلابَ التي أمَرَ رسُولُ الله ﷺ بقتلِها، ولا جعلَ اتِّخاذَ الكِلابِ في الدُّورِ جُرْحةً يَرُدُّ بها شهادةً، ولولا عِلْمُهُم بأنَّ ذلكَ من أمرِ النَّبيِّ ﷺ كان لمعنًى وقد نُسِخَ، ما اتَّفقت جماعتُهُم على تركِ امتِثالِ أمرِهِ ﷺ ؛ لأنَّهُم لا يجُوزُ على جميعِهِمُ الغَلَطُ وجَهلُ السُّنَّة. وقد بيَّنّا في الباب قبلَ هذا، أنَّهُ لم يُكرَهِ اتِّخاذُ الكَلْبِ في الدُّورِ، إلّا لِما فيه من دَفْع السّائِل، وترويع المُسلِم، واللّه أعلمُ. وأمّا قولُ من ذهَبَ إلى قتلِ الأسْوَدِ منها، بأنَّهُ شيطانٌ، على ما رُوِيَ في ذلكَ، فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ اللهَ قد سَمَّى من غلَبَ عليه الشَّرُّ من الإنسِ والجِنِّ شيطانًا بقولِهِ: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، ولم يجِب بذلك قتلُهُ. وقد جاءَ في الحديثِ المرفُوع: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رأى رجُلًا يتبَعُ حمامةً، فقال: "شَيْطانٌ يتبَعُ شَيْطانةً" (٢). وليس في ذلك ما يدُلُّ على أنَّهُ كان مَسْخًا من الجِنِّ، ولا أنَّ الحمامةَ مُسِخت من الجِنِّ، ولا أنَّ ذلكَ واجِبٌ قتلُهُ، وقد قيلَ: إنَّ سُورةَ المائِدةِ نَسَختِ الأمرَ بقتلِ الكِلابِ. أخبرنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجر، قال: حدَّثنا الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن موسى بن عُبيدةَ، عن القَعْقاع بن حَكيم، عن سَلْمَى أُمِّ رافِع، عن أبي رافع،

стр. 4854

قال: جاءَ جِبريلُ إلى النَّبيِّ ﵇ فاستأذنَ، فأذِنَ لهُ فأبْطَأ (١)، فأخذَ رِداءَهُ فخرجَ، فقال: "قد أذِنّا لكَ يا رسُولَ الله" قال: أجَلْ يا رسُولَ الله، ولكِنْ لا نَدْخُلُ بيتًا فيه صُورةٌ، ولا كلبٌ. فنَظرُوا، فإذا في بعضِ بُيُوتِهِم جَرْوٌ، فأمَرَ أبا رافِع أن لا يدَعَ كلبًا بالمدينةِ إلّا قتَلَهُ، فإذا بامْرأةٍ في ناحِيةِ المدينةِ لها كَلْبٌ يحرُسُ علَيْها (٢) قال: فرحِمتُها، فأتيتُ النَّبيَّ ﵇، فأمرني بقَتلِهِ. قال: ثُمَّ أتاهُ ناسٌ من النّاسِ فقالوا: ما يحِلُّ لنا من هذه الأُمَّةِ التي أمرتَ بقتلِها؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٣) [المائدة: ٤]. هكذا كان في أصْلِ الشَّيخ: موسى بن عُبيدةَ، عن القَعْقاع. وإنَّما يَرْويهِ موسى بن عُبَيدةَ، عن أبانَ بن صالح، عن القعقاع. حدَّثنيه سعيدُ بن نصرٍ، [قال: حدَّثنا قاسم بن أصبَغَ] (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٥): حدَّثنا ابنُ نُمَير (٦)، عن موسى بن عُبيدةَ، قال: أخبرني أبانُ بن صالح، عن القَعْقاع بن حَكيم، عن سَلْمَى أُمِّ رافِع، عن أبي رافِع، قال: جاءَ جِبريلُ، فذكَرَ الحديثَ إلى آخِرِهِ. وهذا هُو الصَّوابُ في إسناده، هذا ما يُوجِبُهُ عِندي النَّظرُ في استِعمالِ السُّننِ، وتهذيبِ الآثارِ في ذلك، وقَوْدِ الأُصُولِ، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4855

حديثٌ خامِسٌ وثلاثُون لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّ العبدَ إذا نصحَ لسيِّدِهِ، وأحسَنَ عِبادةَ ربِّهِ، فلهُ أجرُهُ مرَّتينِ". قال أبو عُمر: معنى هذا الحديثِ عِندي، واللّه أعلمُ: أنَّ العبدَ لمّا اجتمَعَ عليه أمرانِ واجِبان (٢): طاعَةُ سيِّد في المعرُوفِ، وطاعةُ ربِّهِ، فقامَ بهما جميعًا، كان لهُ ضِعفا أجرِ الحُرِّ المُطيع لربِّهِ مِثلَ طاعتِهِ؛ لأنَّهُ قد أطاعَ اللهَ فيما أمَرهُ به من طاعَةِ سيِّدِهِ ونُصْحِهِ، وأطاعهُ أيضًا فيما افترضَ عليه. ومن هذا المعنى عندَهُم: أَنَّهُ مَنِ اجتمعَ عليه فَرْضانِ، فأدّاهُما جميعًا، وقامَ بهما، كان أفضلَ مِمَّن ليسَ عليه إلّا فرضٌ واحدٌ فأدّاهُ، واللّه أعلمُ، فمن وَجَبت عليه زكاةٌ وصلاة، فقام بهما على حَسَب ما يجِبُ فيهما، كان لهُ أجرانِ، ومن لم يجِب عليه زَكاةٌ، وأدَّى صلاتهُ، كان لهُ أجرٌ واحدٌ، إلّا أنَّ اللهَ يُوفِّقُ من يشاءُ، ويتفضَّلُ على من يشاءُ. وعلى حَسَبِ هذا، يَعْصي اللهَ تعالى منِ اجْتَمعت عليه فُرُوضٌ من وُجُوِهٍ فلم يُؤَدِّ شيئًا منها، وعِصيانُهُ لهُ أكثرُ من عِصيانِ من لم يجِبْ عليه إلّا بعضُ تلكَ الفُرُوضِ. وقد سُئِل عبدُ الله بن العبّاسِ ﵁، عن رجُلٍ كثيرِ الحَسَناتِ كثيرِ السَّيِّئاتِ: أهُو أحبُّ إليكَ، أم رجُلٌ قليلُ الحسناتِ قليلُ السَّيِّئاتِ؟ فقال: ما أعدِلُ بالسَّلامةِ شيئًا (٣).

стр. 4856

وفي هذا الحديثِ أيضًا ما يدُلُّ على أنَّ العبدَ المُتَّقيَ للّه المُؤَدِّيَ لحقِّ الله وحقِّ سيِّدِهِ، أفضلُ من الحُرِّ. ويَعضُدُ هذا، ما رُوي عن المسيح (١) ﷺ مِمّا قد ذكَرْناهُ في هذا الكِتابِ، قولَهُ: مُرُّ الدُّنيا حُلوُ الآخِرةِ، وحُلوُ الدُّنيا مُرُّ الآخِرةِ. وللعُبُوديَّةِ مَضاضةٌ ومَرارةٌ لا تضيعُ عندَ الله، واللّه أعلمُ. أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داود، قال: حدَّثنا سحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونُسُ بن يزيدَ، عن ابن شِهاب، قال: سمِعتُ سَعيدَ بنَ المُسيِّبِ يقولُ: قال أبو هُريرةَ: قال رسُولُ الله ﷺ : "للعبدِ المُصْلِح أجْرانِ". والذي نفسُ أبي هُريرةَ بيدِهِ، لولا الجِهادُ في سبيلِ الله، والحجُّ، وبِرُّ أُمِّي، لأحبَبتُ أن أمُوتَ وأنا مملُوكٌ (٢). قال: وأخبرني ابنُ أبي ذِئبٍ، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبيهِ، أنَّهُ سمِعَ أبا هُريرةَ يقولُ: لولا أمرانِ لأحَبَبتُ أن أكُونَ عبدًا، وذلك أنَّ المملُوكَ لا يَسْتطيعُ أن يصنَعَ في مالِهِ شيئًا، ولا يُجاهِدَ، وذلكَ أنِّي سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "ما خلَقَ اللهُ عبدًا يُؤَدِّي حقَّ الله عليه، وحقَّ سيِّدِهِ، إلّا وفّاهُ اللهُ أجْرَهُ مرَّتينِ" (٣).

стр. 4857

حديثٌ سادِسٌ وثلاثُون لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ رأى حُلَّةً سِيَراءَ تُباعُ عندَ بابِ المسجدِ، فقال: يا رسُولَ الله، لوِ اشْتَريتَ هذه الحُلَّةَ فلَبِستَها يومَ الجُمُعةِ، وللوفدِ إذا قَدِمُوا عليكَ، فقال: "إنَّما يَلْبسُ هذه من لا خَلاقَ لهُ في الآخِرةِ". ثُمَّ جاءَت رسُولَ الله ﷺ منها حُلَلٌ، فأعْطَى عُمرَ منها حُلَّةً، فقال عُمرُ: يا رسُولَ الله، كَسَوتَنيها وقد قُلتَ في حُلَّةِ عُطارِدٍ ما قُلتَ؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "لم أكْسُكها لتَلْبَسَها". فكَساها عُمرُ أخًا لهُ مُشرِكًا بمَكَّةَ. قال أبو عُمر: لم يُختَلَفْ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث (٢)، ولا يختلِفُ مالكٌ وغيرُهُ من أصْحابِ نافع، عن نافع فيه أيضًا. وبعضُ أصحابِ عُبيدِ الله يقولُون فيه: عن ابن عُمر، عن عُمرَ. فيَجْعلُونهُ من مُسندِ عُمر. وهُو عندَ أهلِ العِلم بالحديثِ وأهلِ الفِقهِ سَواءٌ في وُجُوبِ الاحتِجاج به والعمل، إلّا أنَّ أيُّوبَ قال فيه: عُطارِدٌ، أو لبيدٌ. على الشَّكِّ. وروى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ عُمرَ قال لرسُولِ الله ﷺ : إنِّي مَرَرتُ بعُطارِدٍ، أو لبيدٍ، وهُو يعرِضُ حُلَّةَ حَريرٍ، فلوِ اشْتَريتَها

стр. 4858

للجُمُعةِ وللوُفُودِ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما يَلْبسُ الحريرَ في الدُّنيا مَنْ لا خَلاقَ لهُ في الآخِرةِ" (١). وكذلكَ في رِوايةِ سالم، عن أبيهِ لهذا الحديثِ: أنَّ الرَّجُل عُطارِدٌ، أو لبيدٌ. ورواهُ الزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، إلّا أنَّ في حديثِ سالم: حُلَّةً من إسْتَبرقٍ. والإسْتَبرقُ: الحريرُ الغليظُ. وفيه أيضًا: ثُمَّ أرسلَ إليه بحُلَّةِ ديباج، وقال فيها: "تَبِيعُها، وتُصِيبُ بها حاجَتَكَ" (٢). وسالمٌ أجلُّ من يرويهِ عن ابن عُمرَ من التّابِعينَ وأثبتُهُم فيه، ونافعٌ ثَبَت جِدًّا. فأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "حُلَّة سَيْراءَ" فإنَّ أهلَ العِلم يقولُونَ: إنَّما (٣) كانت حُلَّةً من حريرٍ، ولا يختلِفُونَ - في الثَّوبِ المُصمتِ الحريرِ الصَّافي الذي لا يُخالِطُهُ غيرُهُ - أَنَّهُ لا يحِلُّ للرِّجالِ لِباسُهُ، واختلفُوا في الثَّوبِ الذي يُخالِطُهُ الحريرُ، على ما نَذكُرُهُ في هذا البابِ إن شاءَ الله. وأمّا أهلُ اللُّغةِ، فإنَّهُم يقولُونَ: الحُلَّةُ السِّيَراءُ، هي التي يُخالِطُها الحَريرُ. قال الخليلُ بن أحمدَ (٤): السِّيَراءُ: بُرُودٌ يُخالِطُها حريرٌ. وقال غيرُهُ: هي ضُرُوبٌ من الوَشْي والبُرُودِ.

стр. 4859

وأمّا الحُلَّةُ عندَهُم، فثَوْبانِ اثْنانِ، لا يَقَعُ اسمُ الحُلَّةِ على واحد. وأمّا الحُلَّةُ المذكُورةُ في هذا الحديثِ، فحريرٌ كلُّها، بنَقْل الثِّقاتِ لذلكَ. ومن الدَّليلِ على ذلك أيضًا معَ ما في حديثِ أيُّوبَ وغيرِهِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن خالدِ بن عبدِ الله الواسِطيُّ، قال: أخبرنا أبي، عن هشام بن حسّان، عن محمدِ بن سيرينَ، عن ابن عُمرَ، عن عُمرَ: أنَّهُ خرجَ من بَيْتِهِ يُريدُ النَّبيَّ ﷺ ، فمرَّ بالسُّوقِ، فرأى عُطارِدًا (١) يُقيمُ حُلَّةً من حريرٍ، وكان رجُلًا يَغْشَى المُلُوكَ، فأتَى النَّبيَّ ﵇، فقال: هذا عُطارِدٌ يُقيمُ حُلَّةً من الحريرِ، فلوِ اشْتَريتَها فلبِستَها إذا أتاكَ وُفُودُ النّاسِ. فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما يَلْبسُ الحريرَ من لا خَلاقَ لهُ في الآخِرةِ" (٢). قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ لِباسَ الحريرِ للنِّساءِ حَلالٌ، وأجمعُوا أنَّ النَّهيَ عن لِباسِ الحريرِ، إنَّما خُوطِبَ به الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وأَنَّهُ حُظِرَ على الرِّجالِ وأُبيح للنِّساء (٣)، وكذلكَ التَّحلِّي بالذَّهبِ لا يختلِفُونَ في ذلكَ، وَرَدَت بمِثلِ ما أجمعُوا عليه من ذلكَ آثارٌ صِحاحٌ، من آثارِ العُدُولِ، عن النَّبيِّ ﷺ . قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بن بن عُمرَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الملكِ بن مَيْسَرةَ (٤)، عن زيدِ بن وَهْب، عن عليٍّ، قال: أُهْدِيَ لرسُولِ الله ﷺ حُلَّةٌ سِيَراءُ،

стр. 4860

فأعْطانيها، فلبِستُها، فقال: "إنِّي لم أُعْطِكها لتَلْبسها". قال: أمَرَني فشَقَقتُها بينَ نِسائي (١). ففي هذا الحديث: مَنْعُ الرِّجالِ من الحريرِ، وإباحتُهُ للنِّساء. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ (٢) بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن أبي عَوْنٍ، قال: سمِعتُ أبا صالح، عن عليٍّ، قال: أُهْدِيت إلى رسُولِ الله ﷺ حُلَّةٌ سِيَراءُ، فأرسَلَ بها إليَّ، فلَبِستُها، فأتيتُهُ فرأيتُ الغضَبَ في وجهِهِ، وقال: "إنِّي لم أُرسِلْ بها إليكَ لتلبِسها". فأمَرَني فأطَرْتُها (٤) بين نِسائي. ومِمَّا يدُلُّك على أنَّ هذا على وجهِ التَّحريم، لا على وجهِ التَّنزُّهِ: ما حدَّثناهُ محمدُ بن خَلِيفةَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن الحُسينِ (٥) الآجُرِّيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بن إبراهيم بن أبي الرِّجالِ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عليٍّ أبو حَفْصٍ

стр. 4861

الصَّيرفيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريع وبِشرُ بن المُفضَّلِ ويحيى بن سَعيدٍ وعبدُ الوهّابِ بن عبدِ المَجيدِ وأبو مُعاويةَ وحمّادُ بن مَسْعدةَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن سَعيدِ بن أبي هِنْدٍ، عن أبي موسى، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ أحَلَّ لإناثِ أُمَّتي الحريرَ والذَّهبَ، وحرَّمهُما على ذُكُورِها" (١). وقرأتُ على أبي الحسنِ عليِّ بن إبراهيمَ بن حَمُّوية، أنَّ الحسنَ بن رَشِيقٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ يَمُوتُ بن المُزرِّع بن يَمُوتَ البصريُّ، قِراءةً عليه، قال: حدَّثنا أبو حَفْصٍ عَمرُو بن عليٍّ الفلّاسُ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيع وبِشرُ بن المُفضَّلِ ومُعتمِرُ بن سُليمانَ ويحيى بن سعيدٍ وعبدُ الوهّابِ الثَّقفيُّ وأبو مُعاويةَ الضَّريرُ وحمّادُ بن مَسْعدَةَ، كلُّهُم عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن سعيدِ بن أبي هِند، عن أبي موسى، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أُحِلُّ لإناثِ أُمَّتي لُبسُ الحريرِ والذَّهَبِ، وحُرِّم ذلك عَلى ذُكُورِها" (٢). أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعْفرِ بن حَمْدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (٣): حدَّثنا محمد بن عُبَيد (٤)، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمر، عن نافع، عن سَعيدِ بن أبي هِنْد،

стр. 4862

عن أبي موسى، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الحَريرُ والذَّهبُ حرامٌ على ذُكُورِ أُمَّتي، حِلٌّ لإناثِهِم". وذكَرهُ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن سعيدِ بن أبي هِند، عن أبيهِ، عن رجُلٍ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ (١). قال: وأخبرنا مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن سَعيدِ بن أبي هِنْدٍ، عن رجُلٍ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ (٢). وقد رواهُ من لا يُحتجُّ به، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن سعيدِ بن أبي هِندٍ، عن رجُلٍ من أهلِ العِراقِ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ (٣). والصَّوابُ فيه عن عبدِ الله (٤): ما رواهُ هؤُلاءِ عنهُ، وكذلك اختُلِف فيه على أيُّوبَ. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جريرُ بن عبدِ الحميدِ، عن لَيْثٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن سابِطٍ، عن أبي ثعلَبةَ الخُشَنيِّ، قال: كان أبو عُبيدةَ بن الجرّاح ومُعاذُ بن جبلٍ يَتَناجيانِ بينهُما بحديثٍ، فقلتُ لهما: أما (٥) حَفِظتُما وصيَّةَ رسُولِ الله ﷺ ؟ وكان رسُولُ الله ﷺ قد أوصاهُما بي، فقالا: ما أردنا أن نَنْتِجيَ (٦) دُونكَ بشيءٍ، وإنَّما ذكَرْنا حديثًا حدَّثناهُ رسُولُ الله ﷺ - قال: فجَعَلا يتذاكرانِهِ - قال: "إنَّهُ بَدَأ هذا الأمرُ نُبُوَّةً ورحمةً، ثُمَّ كائِنٌ خِلافةً ورحمةً، ثُمَّ كائِنٌ مُلكًا عَضُوضًا، ثُمَّ

стр. 4863

كائِنٌ عُتُوًّا وجَبْريَّةً (١) وفسادًا في الأُمَّةِ، يَسْتحِلُّون الحريرَ والخُمُورَ والفُرُوج، يُرزَقُونَ على ذلكَ ويُنصَرُونَ، حتَّى يلقَوُا اللهَ " (٢). ورَوَى تحريمَ الحريرِ عن النَّبيِّ ﷺ من الصَّحابةِ: عُمرُ (٣)، وعليٌّ، وابنُ عُمرَ، وعبدُ الله بن عَمرو (٤)، ومُعاويةُ، في جماعةٍ من الصَّحابةِ، وحُذيفةُ، وعِمْرانُ بن حُصينٍ، والبَراءُ بن عازِبٍ، وابنُ الزُّبيرِ، وأبو سَعيدٍ الخُدريُّ، وأنسٌ، وعُقبةُ بن عامِرٍ، وأبو أُمامَةَ، وأبو هُريرةَ، وغيرُهُم، ذكر ذلك الطَّحاويُّ (٥)، وغيرُهُ. أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داود، قال: حدَّثنا سُحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرنا عَمرُو بن الحارِثِ، أنَّ هشامَ بنَ أبي رُقيَّةَ اللَّخميَّ حَدَّثهُ، قال: سَمِعتُ مَسْلَمةَ (٦) بن مَخْلدٍ قاعِدًا على المِنْبرِ يخطُبُ النّاسَ وهُو يقولُ، يا أيّها الناسُ (٧)، أما لكُم في العَصْبِ (٨) والكَتّانِ ما يُغنيكُم عن الحريرِ، وهذا رجلٌ فيكم يُخبِرُ عن النَّبيِّ ﷺ ، قُمْ يا عُقبةُ. فقام عُقبةُ بن عامرٍ، وأنا أسمعُ، فقال: إنِّي سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ:

стр. 4864

"من كذَبَ عليَّ مُتعمّدًا فليتبوَّأْ مقعدَهُ من النّارِ". وأشهدُ أنِّي سَمِعتُهُ يقولُ: "من لبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، حُرِمَهُ (١) في الآخِرة" (٢). وهذا وَعِيدٌ شَدِيدٌ في لباسِ الحَرير (٣)، لقولِ الله : ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالِبٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن بَحْرِ (٤) بن بريٍّ، قال: حدَّثنا شُعَيبُ بن إسحاق، عن الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا شدّادٌ أبو عمّارٍ، قال: حدَّثني أبو أُمامةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من لبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنيا، لم يَلْبَسْهُ في الآخِرةِ" (٥). أخبرنا أحمدُ بن قاسم المُقرِئُ، قال: حدَّثنا ابنُ حَبَابةَ، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال (٦): حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: أخبرني أبو ذِبْيانَ خَلِيفةُ بن كعب، قال: سمِعتُ ابنَ الزُّبيرِ وهو (٧) يخطُبُ، وهُو يقولُ: سَمِعتُ عُمرَ بن الخطّابِ يقولُ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن لُبسِ الحَريرِ، وقال: "من لَبِسهُ في الدُّنيا،

стр. 4865

لم يَلْبسهُ في الآخِرة". قال ابنُ الزُّبيرِ من رأيِهِ: ومن لم يَلْبسهُ في الآخِرةِ، لم يدخُلِ الجنَّةَ، قال اللهُ : ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. رواهُ حمَّادُ بن زيدٍ، عن ثابِتٍ البُنانيِّ، قال: سمعتُ عبدُ الله بن الزُّبيرِ قال: قال رسُولُ الله ﷺ ، فذَكَرهُ (١). ولم يَسْمعْهُ ابنُ الزُّبيرِ من النَّبيِّ ﷺ ، إنَّما سَمِعهُ من عُمر على ما ذكَرْنا (٢). ورَوَى قتادةُ، عن داودَ السَّرّاج، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من لبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، لم يَلْبسْهُ في الآخِرةِ، ولو دخلَ الجنَّةَ، يَلْبسُهُ أهلُ الجنَّةِ، ولا يَلْبسُهُ هُو" (٣)، وهذا أولى بالصوابِ إن شاءَ الله. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن أبي الصَّعْبةِ عبدِ العزيزِ بن أبي الصَّعبةِ، عن أبي أفلحَ الهَمْدانيِّ، عن ابن زُرَيرٍ، أنَّهُ سمِعَ عليَّ بن أبي طالبٍ يقولُ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ أخَذَ حريرًا، فجَعلهُ في يَمينِهِ، وأخَذَ ذهبًا، فجَعلهُ في شمالِهِ، ثُمَّ قال: "إنَّ هَذَينِ حَرامٌ على ذُكُورِ أُمَّتي".

стр. 4866

ورُوِيَ من حديثِ زَيْدِ بن أرقمَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلُهُ سَواءً (١). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا (٢) ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الرَّحيم، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي الصَّعبةِ، عن أبي أفْلَحَ الهَمْدانيِّ، عن عبدِ الله بن زُرَيرٍ الغافِقيِّ، سمِعهُ يقولُ: سمِعتُ عليَّ بن أبي طالب يقولُ: أخذَ رسُولُ الله ﷺ حريرًا بشمالِهِ، وذَهَبًا بيمينِهِ، ثُمَّ رفع بهما يديهِ فقال: "إنَّ هذينِ حرامٌ على ذُكُورِ أُمَّتي". ورواهُ عبدُ الحميدِ بن جعفرٍ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، بإسناده مِثلَهُ كما قال اللَّيثُ وابنُ إسحاق. قال عليُّ بن المدينيِّ (٤): هُو حديث حسن، رِجالُهُ معرُوفُونَ، ولا يجيءُ عن عليٍّ إلّا من هذا الوجهِ. قال أبو عُمر: هذا لفظُ عُمُوم والمُرادُ منهُ الخُصُوصُ بإجماع؛ لأنَّهُم لا يختلِفُونَ أنَّ مِلْكَ (٥) الحريرِ والذَّهبِ وحَبْسَهُما للرِّجالِ والنِّساءِ سواءٌ، حلالُ ذلك كلِّهِ لهم أجمعينَ. والمُرادُ بهذا الخِطابِ لِباسُ الحريرِ، ولباسُ الذَّهب، دُون المِلْكِ، وسائرِ التَّصرُّفِ، فلا يجُوزُ للرِّجالِ التَّختُّمُ بالذَّهبِ، ولا أن يُحَلِّيَ به سَيْفًا ولا مُصحفًا

стр. 4867

لنفسِهِ، ولا يَلْبسَهُ في شيءٍ من الأشياءِ، وكذلكَ الحريرُ لا يَلْبسُهُ الرِّجالُ بحالٍ من الأحوالِ. إلّا أنَّ العُلماءَ مُختلِفُونَ في المِقدارِ المُحرَّم منهُ، فقال منهُم قائلُونَ: إنَّما النَّهيُ والتَّحريمُ في ذلك عُني به الثَّوبُ من الحريرِ الخالِصِ، الذي لا يُخالِطُهُ غيرُهُ. وهذا إجماعٌ على ما وَصفنا للرِّجالِ. ومِمَّن ذهَبَ إلى أنَّ المُحرَّم من الحَريرِ، هُو الصّافي منهُ، الذي لا يُخالِطُهُ في ذلكَ الثَّوبِ شيءٌ غيرُهُ: عبدُ الله بن عبّاسٍ، وجماعةٌ من العُلماءِ. وحُجَّتُهُم: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشْعَثِ، قال (١): حدَّثنا ابنُ نُفيل، قال: حدَّثنا زُهيرٌ، قال: حدَّثنا خُصيفٌ (٢)، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: إنَّما نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن الثَّوبِ المُصمَتِ من الحَريرِ، فأمّا العَلَمُ من الحَريرِ وَسَدَى (٣) الثَّوبِ، فلا بأسَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن إسحاقَ النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن يحيى الغسّانيُّ (٤)، قال: حدَّثنا أبو خَيْثمةَ، عن خُصيفٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: إنَّما كرِهَ رسُولُ الله ﷺ الثَّوبَ المُصْمَتَ من الحريرِ، فأمّا العَلَمُ من الحريرِ، وَسَدَى الثَّوبِ، فليسَ به بأسٌ (٥).

стр. 4868

قال أبو عُمر: في هذا أيضًا حُجَّةٌ لمن ذهَبَ إلى (١) أنَّ الحُلَّةَ السِّيراءَ المَذْكُورةَ في هذا البابِ كانت حَرِيرًا كلُّها، ولهذا قال فيها رسُولُ الله ﷺ ما قال، واللّه أعلمُ. وقد ذهَبَ قومٌ من أهلِ العِلم، إلى أنَّ ما كان سَداهُ حريرًا من الثِّيابِ، لا يجُوزُ لِباسُهُ للرِّجالِ بحالٍ، وذَكَرُوا أنَّ الحُلَّةَ السِّيَراءَ هذه صِفتُها، على ما قال أهلُ اللُّغةِ. واحتجَّ من ذهَبَ هذا المذهَبَ، بما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن إسحاقَ النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ السَّلام بن عُمرَ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بن عُيَينةَ أخُو سُفيانَ بن عُيَينةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن أبي زيادٍ، عن أبي فاخِتةَ، عن جَعْدةَ بن هُبيرَةَ (٢)، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: أهْدَى أميرُ أذْرِعاتٍ (٣) إلى رسُولِ الله ﷺ حُلَّةً مُسيَّرةً بحريرٍ، إمّا سداها، وإمّا لُحمتُها، فبعَثَ بها إليَّ رسُولُ الله ﷺ ، فقلتُ: ما أصنعُ بها، ألْبَسُها؟ فقال: "إنِّي لا أرْضَى لكَ ما أكرهُ لنَفْسي، فاجعَلْها خُمُرًا بين الفَواطِم". فشَقَقتُ منها أربعةَ أخمِرة: خِمارًا لفاطمةَ بنتِ أسَدِ بن هاشِم، وهي أُمُّ عليٍّ، وخِمارًا لفاطمةَ ابنةِ محمدٍ ﷺ ، وخِمارًا لفاطمةَ بنتِ حَمْزةَ بن عبدِ المُطَّلِبِ. قال يزيدُ بن أبي زيادٍ: وذكَرَ فاطِمةً أُخرى، فنسيتُها (٤).

стр. 4869

وأرْخَصَتْ هذه الطّائفةُ وغيرُها من أهلِ العِلم، من الحَريرِ في الأعْلام نحوَ الإصْبَعَينِ والثَّلاثِ لا غيرَ، ولم يُجِيزُوا أكثرَ من ذلك، ولم يُجيزُوا السَّدَى، ولا اللُّحمةَ. وهذا كلُّهُ للرِّجالِ على ما وصَفْنا. وأمّا النِّساءُ، فقليلُهُ وكثيرُهُ جائزٌ لهنَّ. ومن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهَبَ: ما حدَّثناهُ أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن حَبابةَ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال (١): حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: أخبرني قَتادةُ، قال: سمِعتُ أبا عُثمانَ النَّهديَّ يقولُ: أتانا كِتابُ عُمرَ بن الخطّابِ ونَحْنُ بأذْرَبِيْجانَ معَ عُتْبةَ بن فَرْقدٍ: أمّا بَعْدُ، فاتَّزِرُوا، وارْتَدُوا، وانتعِلُوا، وألقُوا الخِفافَ، وألقُوا السَّراويلاتِ، وعليكُم بلِباسِ أبيكُم إسماعيلَ، وإيّاكُم والتَّنعُّمَ، وزِيَّ العَجَم، وعليكُم بالشَّمسِ، فإنَّها (٢) حمّامُ العَرَبِ، واخشوشِنُوا، واخْشَوشِبوا (٣)، واخْلَولِقُوا (٤)،

стр. 4870

واقطعُوا الرُّكُبَ (١)، وانْزُوا (٢)، وارمُوا الأغْراضَ (٣)، وإنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن الحريرِ، إلّا هكذا وهكذا، وأشارَ بإصْبَعيهِ: السَّبّابةِ والوُسْطَى. يعني: الأعلامَ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال (٤): حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن عاصِم (٥)، عن أبي عُثمانَ، عن عُمرَ نحوهُ، وزادَ فيه: وتعلَّمُوا العَربيّةَ. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح، قال: حدَّثنا شَبابةُ بن سَوّارٍ الفَزاريُّ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ بن الحجّاج، عن قَتادةَ، قال: سمِعتُ أبا عُثمان النَّهديَّ (٦) يقولُ: إنَّ كِتابَ عُمرَ بن الخطّابِ أتاهُم وهُم بأذْرَبِيْجانَ: أمّا بعدُ، فاتَّزِرُوا، وانتعِلُوا، وارتدُوا، وألقُوا الخِفافَ والسَّراويلاتِ، وإيّاكُم وزِيَّ العَجَم، وعليكُم بالشَّمسِ، فإنَّها حمّامُ العربِ، واخْشَوشِنُوا، واخْشَوشِبُوا، واقطعُوا الرُّكُب، وانزُوا على الخَيْلِ، وارمُوا الأغراضَ، وإنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن الحريرِ، إلّا هكذا، وضمَّ إصْبَعيهِ السَّبّابةَ والإبهامَ. فعَلِمنا أنَّها الأعلامُ (٧).

стр. 4871

قال أبو عُمر: قولُهُ: اخْشَوشِنُوا، واخْشَوشِبُوا بمعنًى واحدٍ، من الخُشُونةِ في المَلْبسِ، والمَطْعم، وكلُّ شيءٍ غليظٍ خَشِنٍ، فهُو أخْشَبُ وخَشِبٌ، وهُو من الغِلَظِ، وابتِذالِ النَّفسِ في العَملِ وامْتِهانِها، ليَغْلُظ الجسدُ ويَجْسو (١). هذا قولُ أبي عُبيد (٢)، وأنشَدَ قولَ ذي الرُّمَّةِ يَصفُ الظَّليم (٣): شَخْتُ الجُزارةِ (٤) مِثلُ البيتِ سائرُهُ ... من المُسُوح خدبٌ شَوْقبٌ خَشِبُ وقال صاحِبُ "العين" (٥): اخْلَولق السَّحابُ: إذا استوى. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٦): حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا عاصِم، عن أبي عُثمانَ النَّهديِّ، قال: قال عُمرُ بن الخطّاب: إيّاكُم والحريرَ، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عنهُ، وقال: "لا تَلْبسُوا من الحَريرِ إلّا ما كان هكذا". وأشار رسُولُ الله ﷺ بإصْبَعَيْهِ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ (٧)، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 4872

قال (١): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: حدَّثنا عاصِمٌ الأحْوَلُ، عن أبي عُثمانَ النَّهديِّ، قال: كتَبَ عُمرُ إلى عُتْبَةَ بن فَرْقدٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن الحَريرِ إلّا ما كان هكذا وهكذا إصْبَعْينِ، وثَلاثةً، وأربعةً. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي اسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: أخبرنا عاصِم الأحولُ، عن أبي عُثمان النَّهديِّ، قال: قال عُمرُ بن الخطّابِ: إيّاكُم والحَريرَ، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ قد نَهَى عنهُ، وقال: "لا تَلْبسُوا الحريرَ، إلّا ما كان هكذا"، وأشارَ بإصْبَعيهِ الوُسْطَى والسَّبّابة (٢). ومِمَّن رخَّصَ في العَلَم أيضًا: عائشةُ، وأسماءُ. وقال آخرُون من أهلِ العِلم: لا يجُوزُ للرَّجُلِ لِباسُ شيءٍ من الحَريرِ، لا قليل ولا كثير. ومِمَّن ذهَبَ هذا المذهَبَ: عبدُ الله بن عُمرَ، وهُو مِمَّن رَوَى حديثَ الحُلَّةِ السِّيَراءِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا وكيعٌ، عن المُغيرةِ بن زيادٍ، عن أبي عُمرَ مولى أسماءَ (٤)، قال: رأيتُ ابنَ

стр. 4873

عُمرَ اشْتَرى عِمامةً لها عَلَمٌ، فدَعا بالجَلَمينِ (١) فقَصَّه، فدَخَلتُ على أسماءَ، فذكرتُ لها ذلكَ، فقالت: بُؤسًا لعَبدِ الله يا جاريةُ، هاتي جُبَّةَ رسُولِ الله ﷺ . فجاءَت بجُبَّةٍ مَكْفُوفةِ الكُمَّينِ والجَيْبِ والفرج بالدِّيباج. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسى بن يونُس، قال: حدَّثنا المُغيرةُ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله أبو (٣) عُمرَ مولى أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قال: رأيتُ ابنَ عُمرَ في السُّوقِ اشْتَرى ثوبًا شاميًّا، فرأى فيه خَيْطًا أحمرَ، فردَّهُ، فأتيتُ أسماءَ، وذكر الحديثَ. وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عَرْعَرةَ، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عونٍ، عن الحسنِ، قال: دَخلنا على ابن عُمرَ وهُو بالبَطْحاءِ، فقال رجُلٌ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، ثيابُنا هذه قد خالَطَها الحريرُ، وهُو قليلٌ. فقال: اترُكُوهُ، قليلَهُ وكثيرَهُ (٤). وأمّا حِكايةُ أقاويلِ الفُقهاءِ في هذا البابِ (٥)، فذكَرَ ابنُ وَهْب وابنُ القاسم، عن مالكٍ قال: أكْرَهُ لُبسَ الخزِّ؛ لأنَّ سَداهُ حريرٌ (٦). وأباح الشّافِعيُّ لُبسَ قَباءٍ محشُوٍّ بقزٍّ، لأنَّ القزَّ: باطنٌ (٧).

стр. 4874

وقال أبو حنيفةَ: لا بأسَ بلُبسِ ما كان سَداهُ حريرًا، ولُحمتُهُ غيرَ ذلك. قال: وأكرهُ ما كان لُحمتُهُ حَرِيرًا، وسَداهُ غيرَ حرير. وقال محمدُ بن الحسنِ: لا بأسَ بلُبسِ الحريرِ، ما لم تَكُن فيه شُهْرةٌ، فإن كانت فيه شُهْرةٌ، فلا خيرَ فيه. وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (١): قد أجمعُوا على نَهْيِ رسُولِ الله ﷺ عن لُبسِ الحريرِ، وفي حديثِ ابن عبّاسٍ: إنَّما نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن الثَّوبِ المُصمَتِ (٢). فأمّا السَّدى والعَلَمُ فلا. يعني الحرير. وهذا يُبيِّنُ المُرادَ في النَّهيِ عن ذلك. وقال بُسرُ بن سعيدٍ: رأيتُ على سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ جُبَّةً شاميَّةً قيامُها خَزٌّ، ورأيتُ على زَيْدِ بن ثابِتٍ خمائصَ (٣) مُعلَّمةً (٤). واختلفَ العُلماءُ في لِباسِ الحريرِ للرِّجالِ في الحَرْبِ، أو من جَرَبٍ وحَكَّةٍ تكونُ بهم، فرخَّصَ فيه قومٌ، وكَرِههُ آخرُونَ، ومِمَّن كرِههُ: مالكُ بن أنس (٥)، وابنُ القاسم، وجماعةٌ من أهلِ العِلم على كلِّ حالٍ، ورخَّصت فيه جماعةٌ منهُم، وإليه ذهَبَ ابنُ حبيب. ومِن حُجَّتِهِم: ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن

стр. 4875

أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحيم، عن حجّاج، عن أبي عُمرَ، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، أنَّها أخرجت جُبَّةً مُزرَّرةً بالدِّيباج، فقالت: كان رسُولُ الله ﷺ يَلْبسُ هذه إذا لَقِيَ العَدُوَّ (١). وحدَّثنا سعيدٌ (٢) وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن شُعبَةَ، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، قال: رخَّصَ رسُولُ الله ﷺ - أو رُخِّصَ - للزُّبيرِ بن العوّام وعبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ في لُبْسِ الحَريرِ، لحكَّةٍ كانت فيهما (٣). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا عيسى بن يونُسَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، قال: رخَّصَ رسُولُ الله ﷺ لعَبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ والزُّبيرِ بن العوّام في قُمُصِ الحريرِ في السَّفرِ، من حكَّةٍ كانت بهما. وقد رُوي عن مالكٍ الرُّخصةُ في ذلك أيضًا. ورَوَى سَلَمةُ بن علقمةَ، عن ابن سيرينَ، قال: نُبِّئتُ أنَّ الوليدَ بن عُقبةَ دخلَ على عُمرَ بن الخطّابِ وعليه قميصُ حريرٍ، فقال: ما هذا لا أُمَّ لكَ؟ فقال: أليسَ

стр. 4876

عبدُ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ يلبسُهُ؟ قال: وأنتَ مِثلُ عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ لا أُمَّ لكَ؟ ثُمَّ أمرَ به فمُزِّق عليه. يعني: وأنتَ مِثلُ عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ فيما نزلَ به من الجَرَبِ والحكَّةِ؟ وأمّا كَراهةُ لِباسِ الحَريرِ في الحربِ، فذكر أبو بكرٍ، قال (١): حدَّثنا ابنُ إدريس، عن حُصَينٍ، عن الشَّعبيِّ، عن سُوَيدِ بن غَفَلةَ، قال: شَهِدتُ اليرمُوكَ (٢)، فاسْتَقبلَنا عُمرُ وعَلينا الدِّيباجُ والحريرُ، فأنْزَلَنا، فرُمينا بالحِجارةِ، فقُلنا: ما بَلَغهُ عنّا؟ وقُلنا: كَرِهَ زِّينا، فنَزَعْنا، فلمّا اسْتَقبلنا رحَّب بنا، وقال: إنَّكُم جِئتُمُوني في زيِّ الشِّركِ، إنَّ اللهَ لم يَرْضَ لمن قبلكُمُ الدِّيباجَ ولا الحَريرَ. قال (٣): وحدَّثنا محمدُ بن أبي عديٍّ، عن ابن عَوْن (٤)، قال: سألتُ محمدَ بنَ سيرينَ عن لُبْسِ الدِّيباج في الحربِ، فقال: من أينَ كانوا يجُدونَ الدِّيباج! قال (٥): وحدَّثنا وكيعٌ، عن أبي مَكِين (٦)، عن عِكرِمةَ: أنَّهُ كرَّههُ في الحربِ، وقال: أرْجَى ما يكونُ للشَّهادةِ. وذكَرَ الأوزاعيُّ، عن الوليدِ بن هشام، عن ابن مُحَيريزٍ، مِثلَهُ بمعناهُ (٧). ومِمّا يُبيِّنُ لكَ أنَّ النِّساءَ ليسَ مِمَّن قُصِدَ بتحريم الحريرِ، ولا بالرُّخصةِ لعِلَّةٍ، وأنَّ ذلكَ مُباح لهنَّ على كلِّ حالٍ، مع ما تقدَّم ذِكر:

стр. 4877

ما أخبرناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عَمرُو بن عَوْنٍ وكثيرُ بن عُبيدٍ الحِمْصيّانِ، قالا: حدَّثنا بقيَّةُ، عن الزُّبيديِّ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ، أنَّهُ حدَّثهُ: أنَّهُ رأى على أُمِّ كُلثُوم ابْنَةِ رسُولِ الله ﷺ بُرْدًا سِيَراءَ. والسِّيراءُ: المُضلَّعُ بالقَزِّ. هكذا وردَ هذا التَّفسيرُ في هذا الحديثِ، وهُو مُوافِقٌ لِما ذَكْرنا، عن أهلِ اللُّغةِ في تفسيرِ السِّيَراءِ. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثني أخِي، عن سُليمانَ بن بلال، عن يحيى بن سَعيدٍ ومحمدِ بن أبي عَتيق، أنَّ ابنَ شِهاب سُئلَ عن الحريرِ: هل يَلْبسُهُ النِّساءُ؟ فزعَمَ أنَّ أنسَ بن مالكٍ أخبَرهُ: أنَّهُ رأى على أُمِّ كُلثُوم ابنَةِ رسُولِ الله ﷺ بُرْدَ حَريرٍ سِيَراءَ (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا مِسْعَر،

стр. 4878

عن عبدِ الملِكِ بن مَيْسرةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: كُنّا نَنْزِعُهُ عن الغِلْمانِ، ونترُكُهُ على الجَواري. يعني: الحَريرَ. قال مِسْعر: فسألتُ عَمرو بن دينارٍ عنهُ، فلم يَعْرِفْهُ. وقد (١) رُوي - في أنَّ التَّحلِّيَ بالذَّهبِ مكرُوهٌ أيضًا - خَبَرانِ مَعلُولانِ لا حُجَّةَ فيهما، لضَعْفِهِما عندَ أهلِ العِلم بالحديثِ، وقد ذكَرْناهُما في بابِ نافع، عن إبراهيمَ بن حُسينٍ، والحمدُ للّه. قال أبو عُمر: فهذا ما جاءَ في الحريرِ. وأمّا الخزُّ، فقد لَبِسهُ جماعةٌ من العُلماءِ، وقدِ اختُلِف علينا في سَدَى ذلك الخزِّ، فقال قومٌ: كان سَداهُ نظمًا. وقال آخرُون: حَريرًا، والمعرُوفُ من خزِّنا اليومَ، أنَّ سَداهُ حريرٌ. وذكر مالكٌ في "المُوطَّأِ" (٢) عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّها كَسَت عبدَ الله بن الزُّبيرِ مِطْرَفَ خزٍّ كانت عائشَةُ تلبسُهُ. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ، قال: حدَّثنا أفْلَحُ بن حُميدٍ، قال: كان القاسمُ بن محمدٍ يلبسُ جُبَّةَ خَزٍّ، وكان ابنُهُ عبدُ الرَّحمنِ يَلْبسُ كِساءَ خَزٍّ (٣). وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطيسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم، قال: حدَّثنا عيسى بن دينارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ القاسم، عن مالكٍ، قال: كان رَبِيعةُ يلبسُ القَلَنسُوةَ بِطانتُها وظِهارِتها خزٌّ، وكان إمامًا.

стр. 4879

وقال في موضِع آخرَ من سماع ابن القاسم: قال مالكٌ، وذُكِر لُبْسُ الخزِّ، فقال: قَوْمٌ يَكْرهُونَ لِباسَ الخزِّ، ويَلْبسُونَ القَلانِسَ بالخزِّ، فعَجِبنا من اختِلافِ رأيِهِم (١). قال مالكٌ: وإنَّما كُرِهَ لِباسُ الخزِّ بأنّ سَداهُ حريرٌ. وقال أبو نُعَيم وَهْبُ بن كَيْسانَ: رأيتُ سَعْدَ بن أبي وقّاصٍ، وجابرَ بن عبدِ الله، وأبا هُريرةَ، وأنسَ بن مالكٍ يَلْبسُونَ الخزَّ (٢). وفي حَديثِ صَفْوانَ بن عبدِ الله بن صَفْوانَ: أنَّ سعدًا اسْتَأذنَ على ابن عبّاسٍ (٣) وعليه مِطْرفُ خزٍّ شطرُهُ (٤) حَرِيرٌ، فقيل لهُ في ذلك، فقال: إنَّما يَلي جِلدي منهُ الخَزُّ (٥). واحتجَّ الطَّحاويُّ (٦) بخبَرِ سَعْدٍ هذا في أنَّ خَزَّ القَوم كان فيه حَريرٌ، وأرْدَفهُ بحديثِ عمّارِ بن أبي عمّارٍ: أنَّ مروانَ قَدِمت عليه مَطارِفُ خزٍّ، فكَساها أصحابَ رسُولِ الله ﷺ ، قال: فكأنِّي أنظُرُ إلى أبي هُريرةَ عليه منها مِطْرفٌ أغبَرُ، وكأنِّي أنظُرُ إلى طُرُقِ الإبْرَيسِم فيه. قال: فدَلَّ (٧) هذا على أنَّ الخزَّ الذي لبِسُوهُ، هُو الذي فيه الحَريرُ. قال أبو عُمر: لبِسَ الخزَّ جَماعةٌ من جِلَّةِ العُلماءِ، لو ذكَرْناهُم، لأطَلْنا وأمْلَلْنا وخَرَجنا عمّا لهُ قَصَدْنا، ولكِنَّهُمُ اختلفُوا هل كان فيه حريرٌ أم لا؟ واجتِنابُ ذلك لمن يُقْتَدَى به أوْلى، ولا يُقطَعُ على تحريم شيءٍ إلّا بيقينٍ، لكِنَّهُ مِمّا سُكِتَ عنهُ، وعُفِيَ عنهُ.

стр. 4880

وفي حديثنا المذكُورِ في هذا البابِ، حديثِ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمر: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ رأى حُلَّةً سِيَراءَ تُباعُ عندَ بابِ المسجدِ، الحديثَ: فيه البيعُ والشِّراءُ على أبوابِ المساجِدِ. وفيه: مُباشرةُ الصّالحِين والفُضَلاءِ للبيع والشِّراءِ. وفيه: أنَّ الجُمُعةَ يُلبَسُ فيها من أحْسَنِ الثِّيابِ، وكذلكَ يُتَجمَّلُ بالثِّيابِ الحِسانِ في الأعيادِ؛ لأنَّ الجُمُعةَ عيدٌ، ويُتَجمَّلُ بها أيضًا على وَجْهِ التَّرهيبِ للعدُوِّ، والتَّغليظِ عليهم. وهذا كلُّهُ في معنى حديثنا المذكُورِ، ولا أعلمُ بين العُلماءِ اختِلافًا في اسْتِحبابِ التَّجمُّلِ بأحسنِ الثِّيابِ يومَ الجُمُعةِ لمن قَدَرَ. وفيه: أنَّ الإنسانَ يجُوزُ لهُ أن يملِكَ ما لا يجُوزُ لهُ أنَّ يلبَسَ. وفيه: إباحَةُ الطَّعنِ على من يَسْتحقُّ الطَّعنَ (١) عليه. وأمّا قولُهُ: "إنَّما يَلْبسُ هذا من لا خَلاقَ لهُ"، فمعناهُ: من لا نَصِيبَ لهُ من الخَيْرِ. وفيه: قبُولُ الخَلِيفةِ للهَدايا من قِبَلِ الرُّوم وغيرِهِم. وقد مَضَى القولُ في هذا المعنى، في بابِ ثَوْرِ بن زيدٍ، من كِتابِنا هذا. وفيه: بعضُ ما كان عليه رسُولُ الله ﷺ من السَّخاءِ، وصِلَةِ الإخْوانِ بالعَطاءِ. وفيه: أنَّهُ جائزٌ أن يُعطِيَ الرَّجُلُ ما لا يجُوزُ لهُ لِباسُهُ، إذا جازَ لهُ مِلْكُهُ والتَّصرُفُ فيه. وفيه: صِلةُ القَرِيبِ المُشرِكِ، ذِمِّيًّا كان أو حربيًّا، لأنَّ مَكَّةَ لم يبقَ فيها بعد الفَتْح مُشرِكٌ، وكانت قبلَ ذلك حربًا.

стр. 4881

ولم يختلِفِ العُلماءُ في الصَّدَقةِ التَّطوُّع، أنَّها جائزةٌ من المُسلِم على المُشرِكِ، قريبًا كان أو غيرَهُ، - والقريبُ أُولى مِمَّن سِواهُ، والحَسَنةُ فيه أتمُّ وأفْضَلُ - وإنَّما اختلفُوا في كفّار الأيمانِ، وزكاةِ الفِطْرِ، فجُمهُورُ العُلماءِ على أَنَّهُ لا تجُوزُ لغيرِ المُسلِمينَ، لقولِهِ ﷺ : "أُمِرتُ أن آخُذَ الصَّدقةَ من أغْنِيائكُم، وأرُدَّها على فُقرائكُم" (١). وكذلك كلُّ ما يجِبُ أن يُؤخذَ منهُم، فواجِبٌ أن يرُدَّ على فُقرائهِم. وأجمعُوا أنَّ الزَّكاةَ المفرُوضةَ لا تحِلُّ لغيرِ المُسلِمينَ، فسائرُ ما يجِبُ أداؤُهُ عليهم، من زَكاةِ الفِطرِ، وكفّارةِ الأيمانِ، والظِّهارِ، فقياسٌ على الزَّكاةِ عندَنا، وأمّا التَّطوُّعُ بالصَّدَقةِ، فجائزٌ على أهلِ الكُفرِ، من القَراباتِ وغيرِهِم، لا أعلمُ في ذلك خِلافًا، واللّه أعلمُ. روى الثَّوريُّ، عن الأعْمَشِ، عن جَعْفرِ بن إياسٍ، عن سَعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كانوا يكرهُونَ أن يَرْضَخُوا (٢) لأنْسابِهِم من أجْلِ الكُفرِ، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآيةَ (٣) [البقرة: ٢٧٢]. أخبرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدِ بنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سعدانُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمةَ: أنَّ صفيَّةَ

стр. 4882

زوجَ النَّبيِّ ﷺ قالت لأخ لها يهُوديٍّ: أسْلِمْ تَرِثْني. فسمِعَ ذلك قومُهُ، فقالوا: أَتَبِيعُ دينَكَ بالدُّنيا؟ فأبَى أن يُسلِمَ، فأوْصَتْ لهُ بالثُّلُث (١). وحدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن فاطِمةَ ابْنَةِ المُنْذِرِ، عن جَدَّتِها أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالت: سألتُ رسُولَ الله ﷺ قلتُ: أَتَتْني أُمِّي وهي راغِبةٌ، فأُعْطِيها؟ قال: "نعَمْ فصِلِيها" (٢). وروى حمّادُ بن سَلَمةَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ قالت: قَدِمت عليَّ أُمِّي - في عَهدِ قُريشٍ ومُدَّتِهِمُ التي كانت بينهُم وبينَ رسُولِ الله ﷺ وهي مُشْرِكةٌ - وهي راغِبةٌ، فسألتُ رسُولَ الله ﷺ : أأصِلُها؟ قال: "صِلِيها" (٣).
следующие страницы →