← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4878–4917 · переход к 4883.

стр. 4878

عن عبدِ الملِكِ بن مَيْسرةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: كُنّا نَنْزِعُهُ عن الغِلْمانِ، ونترُكُهُ على الجَواري. يعني: الحَريرَ. قال مِسْعر: فسألتُ عَمرو بن دينارٍ عنهُ، فلم يَعْرِفْهُ. وقد (١) رُوي - في أنَّ التَّحلِّيَ بالذَّهبِ مكرُوهٌ أيضًا - خَبَرانِ مَعلُولانِ لا حُجَّةَ فيهما، لضَعْفِهِما عندَ أهلِ العِلم بالحديثِ، وقد ذكَرْناهُما في بابِ نافع، عن إبراهيمَ بن حُسينٍ، والحمدُ للّه. قال أبو عُمر: فهذا ما جاءَ في الحريرِ. وأمّا الخزُّ، فقد لَبِسهُ جماعةٌ من العُلماءِ، وقدِ اختُلِف علينا في سَدَى ذلك الخزِّ، فقال قومٌ: كان سَداهُ نظمًا. وقال آخرُون: حَريرًا، والمعرُوفُ من خزِّنا اليومَ، أنَّ سَداهُ حريرٌ. وذكر مالكٌ في "المُوطَّأِ" (٢) عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّها كَسَت عبدَ الله بن الزُّبيرِ مِطْرَفَ خزٍّ كانت عائشَةُ تلبسُهُ. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ، قال: حدَّثنا أفْلَحُ بن حُميدٍ، قال: كان القاسمُ بن محمدٍ يلبسُ جُبَّةَ خَزٍّ، وكان ابنُهُ عبدُ الرَّحمنِ يَلْبسُ كِساءَ خَزٍّ (٣). وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطيسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم، قال: حدَّثنا عيسى بن دينارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ القاسم، عن مالكٍ، قال: كان رَبِيعةُ يلبسُ القَلَنسُوةَ بِطانتُها وظِهارِتها خزٌّ، وكان إمامًا.

стр. 4879

وقال في موضِع آخرَ من سماع ابن القاسم: قال مالكٌ، وذُكِر لُبْسُ الخزِّ، فقال: قَوْمٌ يَكْرهُونَ لِباسَ الخزِّ، ويَلْبسُونَ القَلانِسَ بالخزِّ، فعَجِبنا من اختِلافِ رأيِهِم (١). قال مالكٌ: وإنَّما كُرِهَ لِباسُ الخزِّ بأنّ سَداهُ حريرٌ. وقال أبو نُعَيم وَهْبُ بن كَيْسانَ: رأيتُ سَعْدَ بن أبي وقّاصٍ، وجابرَ بن عبدِ الله، وأبا هُريرةَ، وأنسَ بن مالكٍ يَلْبسُونَ الخزَّ (٢). وفي حَديثِ صَفْوانَ بن عبدِ الله بن صَفْوانَ: أنَّ سعدًا اسْتَأذنَ على ابن عبّاسٍ (٣) وعليه مِطْرفُ خزٍّ شطرُهُ (٤) حَرِيرٌ، فقيل لهُ في ذلك، فقال: إنَّما يَلي جِلدي منهُ الخَزُّ (٥). واحتجَّ الطَّحاويُّ (٦) بخبَرِ سَعْدٍ هذا في أنَّ خَزَّ القَوم كان فيه حَريرٌ، وأرْدَفهُ بحديثِ عمّارِ بن أبي عمّارٍ: أنَّ مروانَ قَدِمت عليه مَطارِفُ خزٍّ، فكَساها أصحابَ رسُولِ الله ﷺ ، قال: فكأنِّي أنظُرُ إلى أبي هُريرةَ عليه منها مِطْرفٌ أغبَرُ، وكأنِّي أنظُرُ إلى طُرُقِ الإبْرَيسِم فيه. قال: فدَلَّ (٧) هذا على أنَّ الخزَّ الذي لبِسُوهُ، هُو الذي فيه الحَريرُ. قال أبو عُمر: لبِسَ الخزَّ جَماعةٌ من جِلَّةِ العُلماءِ، لو ذكَرْناهُم، لأطَلْنا وأمْلَلْنا وخَرَجنا عمّا لهُ قَصَدْنا، ولكِنَّهُمُ اختلفُوا هل كان فيه حريرٌ أم لا؟ واجتِنابُ ذلك لمن يُقْتَدَى به أوْلى، ولا يُقطَعُ على تحريم شيءٍ إلّا بيقينٍ، لكِنَّهُ مِمّا سُكِتَ عنهُ، وعُفِيَ عنهُ.

стр. 4880

وفي حديثنا المذكُورِ في هذا البابِ، حديثِ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمر: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ رأى حُلَّةً سِيَراءَ تُباعُ عندَ بابِ المسجدِ، الحديثَ: فيه البيعُ والشِّراءُ على أبوابِ المساجِدِ. وفيه: مُباشرةُ الصّالحِين والفُضَلاءِ للبيع والشِّراءِ. وفيه: أنَّ الجُمُعةَ يُلبَسُ فيها من أحْسَنِ الثِّيابِ، وكذلكَ يُتَجمَّلُ بالثِّيابِ الحِسانِ في الأعيادِ؛ لأنَّ الجُمُعةَ عيدٌ، ويُتَجمَّلُ بها أيضًا على وَجْهِ التَّرهيبِ للعدُوِّ، والتَّغليظِ عليهم. وهذا كلُّهُ في معنى حديثنا المذكُورِ، ولا أعلمُ بين العُلماءِ اختِلافًا في اسْتِحبابِ التَّجمُّلِ بأحسنِ الثِّيابِ يومَ الجُمُعةِ لمن قَدَرَ. وفيه: أنَّ الإنسانَ يجُوزُ لهُ أن يملِكَ ما لا يجُوزُ لهُ أنَّ يلبَسَ. وفيه: إباحَةُ الطَّعنِ على من يَسْتحقُّ الطَّعنَ (١) عليه. وأمّا قولُهُ: "إنَّما يَلْبسُ هذا من لا خَلاقَ لهُ"، فمعناهُ: من لا نَصِيبَ لهُ من الخَيْرِ. وفيه: قبُولُ الخَلِيفةِ للهَدايا من قِبَلِ الرُّوم وغيرِهِم. وقد مَضَى القولُ في هذا المعنى، في بابِ ثَوْرِ بن زيدٍ، من كِتابِنا هذا. وفيه: بعضُ ما كان عليه رسُولُ الله ﷺ من السَّخاءِ، وصِلَةِ الإخْوانِ بالعَطاءِ. وفيه: أنَّهُ جائزٌ أن يُعطِيَ الرَّجُلُ ما لا يجُوزُ لهُ لِباسُهُ، إذا جازَ لهُ مِلْكُهُ والتَّصرُفُ فيه. وفيه: صِلةُ القَرِيبِ المُشرِكِ، ذِمِّيًّا كان أو حربيًّا، لأنَّ مَكَّةَ لم يبقَ فيها بعد الفَتْح مُشرِكٌ، وكانت قبلَ ذلك حربًا.

стр. 4881

ولم يختلِفِ العُلماءُ في الصَّدَقةِ التَّطوُّع، أنَّها جائزةٌ من المُسلِم على المُشرِكِ، قريبًا كان أو غيرَهُ، - والقريبُ أُولى مِمَّن سِواهُ، والحَسَنةُ فيه أتمُّ وأفْضَلُ - وإنَّما اختلفُوا في كفّار الأيمانِ، وزكاةِ الفِطْرِ، فجُمهُورُ العُلماءِ على أَنَّهُ لا تجُوزُ لغيرِ المُسلِمينَ، لقولِهِ ﷺ : "أُمِرتُ أن آخُذَ الصَّدقةَ من أغْنِيائكُم، وأرُدَّها على فُقرائكُم" (١). وكذلك كلُّ ما يجِبُ أن يُؤخذَ منهُم، فواجِبٌ أن يرُدَّ على فُقرائهِم. وأجمعُوا أنَّ الزَّكاةَ المفرُوضةَ لا تحِلُّ لغيرِ المُسلِمينَ، فسائرُ ما يجِبُ أداؤُهُ عليهم، من زَكاةِ الفِطرِ، وكفّارةِ الأيمانِ، والظِّهارِ، فقياسٌ على الزَّكاةِ عندَنا، وأمّا التَّطوُّعُ بالصَّدَقةِ، فجائزٌ على أهلِ الكُفرِ، من القَراباتِ وغيرِهِم، لا أعلمُ في ذلك خِلافًا، واللّه أعلمُ. روى الثَّوريُّ، عن الأعْمَشِ، عن جَعْفرِ بن إياسٍ، عن سَعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كانوا يكرهُونَ أن يَرْضَخُوا (٢) لأنْسابِهِم من أجْلِ الكُفرِ، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآيةَ (٣) [البقرة: ٢٧٢]. أخبرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدِ بنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سعدانُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمةَ: أنَّ صفيَّةَ

стр. 4882

زوجَ النَّبيِّ ﷺ قالت لأخ لها يهُوديٍّ: أسْلِمْ تَرِثْني. فسمِعَ ذلك قومُهُ، فقالوا: أَتَبِيعُ دينَكَ بالدُّنيا؟ فأبَى أن يُسلِمَ، فأوْصَتْ لهُ بالثُّلُث (١). وحدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن فاطِمةَ ابْنَةِ المُنْذِرِ، عن جَدَّتِها أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالت: سألتُ رسُولَ الله ﷺ قلتُ: أَتَتْني أُمِّي وهي راغِبةٌ، فأُعْطِيها؟ قال: "نعَمْ فصِلِيها" (٢). وروى حمّادُ بن سَلَمةَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ قالت: قَدِمت عليَّ أُمِّي - في عَهدِ قُريشٍ ومُدَّتِهِمُ التي كانت بينهُم وبينَ رسُولِ الله ﷺ وهي مُشْرِكةٌ - وهي راغِبةٌ، فسألتُ رسُولَ الله ﷺ : أأصِلُها؟ قال: "صِلِيها" (٣).

стр. 4883

حديثٌ سابعٌ وثلاثُونَ لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من أعتَقَ شِركًا لهُ في عَبْدٍ، فكان لهُ مالٌ يَبْلُغُ (٢) ثمنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عليه قِيمَةُ العَدْلِ، فأُعْطِىَ شُرَكاؤهُ (٣) حِصَصهُم، وأعَتَقَ (٤) عليه العبدُ، وإلّا فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ". هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: "من أعتقَ شِركًا لهُ في عَبْدٍ، فكان لهُ مالٌ يبلُغُ ثمنَ العبدِ". وتابَعهُ ابنُ القاسم (٥)، وابنُ وَهْب (٦)، وابنُ بُكَيرٍ في بعضِ الرِّواياتِ عنهُ. وقال القَعْنَبي: "من أعتقَ شِرْكًا لهُ في مملُوكٍ، أُقِيمُ عليه قِيمةَ عَدْلٍ". ولم يَقُل: "فكان لهُ مالٌ يبلُغُ ثمنَ العبدِ". وقد تابَعهُ بعضُهُم أيضًا عن مالكٍ. ومن ذكَرَ هذه الكلِمةَ، فقد حفِظَ وجَوَّدَ، ومن لم يذكُرها، سقَطَت لهُ، ولم يُقِم الحديثَ. ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلم: أنَّ هذه اللَّفظةَ مُسْتَعملةٌ صَحِيحة، وأنَّ التَّقويمَ لا يكونُ إلّا على المُوسِرِ الذي لهُ مالٌ يبلُغُ ثمنَ العَبْدِ، كما قال هؤُلاءِ في الحديثِ: يحيى ومن تابَعهُ، وهذا الصَّحيحُ الذي لا شَكَّ فيه، وقد جوَّد مالكٌ ﵀ حديثَهُ

стр. 4884

هذا عن نافع وأتْقنَهُ، وبانَ فيه فضلُ حِفْظِهِ وفَهمِهِ، وتابَعهُ على كثيرٍ من مَعانيهِ عُبيدُ الله بن عُمرَ. وأمّا أيُّوبُ فلم يُقِمهُ، وشَكَّ منهُ في كثيرٍ. وهذا حديثٌ في ألفاظِهِ أحكامٌ عَجِيبةٌ، منها ما اتَّفقَ عليه أهلُ العِلم، ومنها ما اختَلقُوا فيه، وقدِ اختُلِف في كثر من ألفاظِهِ عن ابن عُمرَ، وعن سالم ابنِهِ، وعن نافع مولاهُ، ونحنُ نذكُرُ ما بَلَغنا من ذلكَ، ونذكُرُ ما للعُلماءِ في تلكَ المعاني من التَّنازُع، والوُجُوهِ بأخْصَرِ ما يُمكِنُنا، وباللّه توفيقُنا، لا شريكَ لهُ. فأمّا رِوايةُ أيُّوبُ، عن نافع في هذا الحديثِ: فحدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١): أخبرنا عَمرُو بن زُرارةَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من أعتَقَ نصيبًا - أو قال: شِقْصًا، أو قال: شِرْكًا - لهُ في عَبْدٍ، فكان لهُ من المالِ ما يبلُغُ ثَمَنَهُ بقيمةِ عَدْلٍ، فهُو عَتِيقٌ، وإلّا فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ". قال أيُّوبُ: ورُبَّما قال نافعٌ هذا في الحديثِ، ورُبَّما لم يقُلْهُ، فلا أدري أهو في الحديثِ، أم قال (٢) نافعٌ من قِبَلهِ: "فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ"؟ وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبدِ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا سُليمانُ بن الأشْعَثِ، قال (٣): حدَّثنا سُليمانُ بن داود

стр. 4885

العَتَكيُّ، قال: حدَّثنا حمّاد، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ بهذا الحديثِ، قال: فلا أدري أهُو في الحديثِ، أم شيءٌ قالهُ نافعٌ: "وإلّا فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ"؟ وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُف، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمد ومحمدُ بن يحيى ومحمدُ بن محمدٍ وأحمدُ بن عبدِ الله، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوب، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أعتقَ شِرْكًا في عبدٍ، أو مملُوكٍ فهُو عَتيقٌ". قال أَيُّوبُ: قال نافع: "وإلّا فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ". قال أيُّوبُ: فلا أدري أهو في الحديثِ، أو قولُ نافع؟ قال أبو عُمر: كان أَيُّوبُ يشُكُّ في هذه الكلِمةِ من هذا الحديثِ، قولَهُ: "وإلّا فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ". وهذه أيضًا كلِمةٌ تُوجِبُ حُكمًا كثيرًا، وقدِ اختَلَفت فيها الآثارُ عن النَّبيِّ ﷺ ، واختلَفَ فيها عُلَماءُ الأمْصارِ، على ما سنُبيِّنُهُ بعد الفَراغِ من تهذيبِ (١) ألفاظِ هذا الحديثِ، إن شاءَ الله. وقد كان بَعضُ من يُنكِرُ قولَهُ: "فقد عَتقَ منهُ (٢) ما عَتقَ" يحتجُّ بما رواهُ عبدُ الله بن نُميرٍ، عن حجّاج بن أرْطاةَ، عن القاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أعتقَ شِقْصًا لهُ في عَبْدٍ، ضمِنَ لأصحابِهِ في مالِهِ إن كان لهُ مالٌ". قال نافع: وقال ابنُ عُمر: فإن لم يكُن لهُ مالٌ، سَعَى العبدُ (٣). قال: فلو كان في الخبرِ: "فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ"، ما جعلَ ابنُ عُمرَ

стр. 4886

على العَبْدِ سِعايةً (١) قال: وقد رواهُ جُويريةُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ (٢)، ولم يذكُر: "وإلّا فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ". وقد رَوَى هذه اللَّفظاتِ، وهذه الكَلِماتِ، أعني قولَهُ: "وإلّا فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ": مالكُ بن أنسٍ وعُبيدُ الله بن عُمرَ، وهُو معنى ما جاءَ به يحيى بن سعيدٍ، عن نافع في هذا الحديثِ، ومن شكَّ فليسَ بشاهِدٍ، ومن حفِظَ ولم يشُكَّ، فهُو الشّاهِدُ الذي يجِبُ العَملُ بما جاءَ به. وقد كان يحيى بن سعيدٍ يقولُ: مالكٌ أثبُتُ عِندي في نافع من أيُّوبَ وغيرِهِ. وقد تابع عُبيدُ الله بن عُمرَ مالكًا على هذه الزِّيادةِ، وإن كان قدِ اختُلِفَ فيها على عُبيدِ الله، فبعضُهُم يسُوقُها عنهُ، وبعضُهُم يُقصِّرُ عنها، ومن قصَّرَ ولم يذكُر، فليسَ بشاهِدٍ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمدُ بن مُعاويةَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٣): أخبرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله (٤)، عن نافع، عن عبدِ الله، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ، قال: "من كان لهُ شِركٌ في عبدٍ فأعْتَقهُ، فقد عتقَ، فإن كان لهُ مالٌ، قُوِّمَ عليه قيمةُ عَدْلٍ، وإن لم يَكُن له (٥) مالٌ، فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ". وهذا كرِوايةِ مالكٍ سواءٌ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا

стр. 4887

أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى الرّازيُّ، قال: حدَّثنا عيسى بن يونُس، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أعتقَ شِرْكًا من مملُوكٍ، فعَلَيهِ عِتقُهُ كلُّهُ، إن كان لهُ مالٌ يبلُغُ ثمنهُ، وإن لم يَكُن لهُ مالٌ عَتقَ نَصِيبه". وهذا مِثلُ رِوايةِ مالكٍ سواءٌ في المعنى. وأخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ وابنُ نُمَيرٍ، عن عُبيدِ الله، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أعتقَ شِركًا لهُ في مملُوكٍ، فعَلَيهِ عِتقُهُ كلُّهُ، إن كان لهُ مالٌ يبلُغُ ثَمَنهُ". قال: "يُقوَّمُ قِيمَةَ عَدْلٍ على المُعتِق، فإن لم يَكُن لهُ مالٌ، فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ" (٢). فهؤُلاءِ كلُّهُم قد ذَكَرُوا هذه الكلماتِ في هذا الحديثِ، عن عُبيدِ الله، قولَهُ: "وإن لم يكُن لهُ مالٌ، فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ"، كما قال مالكٌ. وهذا الموضِعُ هُو موضِعُ الحُكم على المُعتِق المُعْسِرِ الذي لا مالَ لهُ، وفيه نَفْيُ الاسْتِسْعاءِ. وفي هذا الموضِع اختلفتِ الآثارُ، وفُقهاءُ الأمصارِ. وروى هذا الحديثَ: يحيى بن سعيدٍ القَطّانُ (٣)، وبِشرُ بن المُفضَّل (٤)،

стр. 4888

عن عُبيدِ الله بن عُمر بإسناده، لم يذكُرا فيه الحُكمَ في المُعتِقِ المُعسِرِ، وإنَّما قالا: "من أعتقَ شِرْكًا لهُ في عبدٍ، فعليه عِتقُهُ كُلِّه، إن كان لهُ مالٌ يبلُغُ ثَمنهُ". لم يزيدا على هذا المعنى، ومن قَصَّرَ عمّا جاءَ به غيرُهُ، فليس بحُجَّةٍ، والحُجَّةُ فيما أثبتَ المُثبِتُ الحافِظُ العدلُ المُتقنُ، لا فيما قصَّرَ عنه المُقصِّرِ. وقد رَوى هذا الحديثَ زُهَيرُ بن مُعاويةَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، بإسنادِهِ، وقال فيه: "فإن لم يَكُن لهُ مالٌ، عَتقَ نَصيبهُ" (١). وهذا مُوافِقٌ لِما قال أبو أُسامةَ، وابنُ نُميرٍ، وعيسى بن يونُس، وخالد الواسِطيُّ، ومحمدُ بن عُبيد الطَّنافِسيُّ (٢)، عن عُبيدِ الله. وهُو الصَّحيحُ، لاجتماع الجماعةِ الحُفّاظِ من أصحابِ عُبيدِ الله على ذلك، ولِمُوافقةِ ما جاءَ به من ذلك مالكٌ ﵀. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا مَخْلَدُ (٤) بن خالدٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، بمعنى حديثِ عُبيدِ الله. قالهُ أبو داود. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥):

стр. 4889

حدَّثنا أحمدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن نافع، أخبرهُ أنَّ عبدَ الله بنَ عُمرَ كان يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أعتقَ نَصِيبًا في إنسانٍ، كلِّف عِتقَ ما بَقِي منهُ، فإن لم يَكُن لهُ مالٌ، فقد جازَ ما صنَعَ". ورواهُ عبدُ الله بن نُمَيرٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافع، عن ابن عُمر، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أعتقَ نصيبًا لهُ في إنسانٍ، كلِّفَ عِتقَ ما يَقِيَ". قال نافع: فإن لم يَكُن عندَهُ ما يُعتِقُهُ، جازَ ما صَنعَ. ذكرهُ النَّسويُّ (١)، عن حُسينِ بن منصُورٍ، عن ابن نُمَيرٍ. وروى هذا الحديثَ: مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ (٢). وأيُّوبُ بن موسى وجُويريةُ بن أسماءٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ (٣). وداودُ العطّارُ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ (٤). وابنُ عُيينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن سالم، عن ابن عُمرَ (٥). فذكرُوا كلُّهُمُ الحُكمَ في المُوسِرِ: أَنَّهُ يُقَوَّمُ، ويعتِقُ عليه إن كان لهُ مالٌ، وسَكتُوا عن الحُكم في المُعْسِرِ، فلم يقولُوا: وإن لم يكُن لهُ مالٌ فقد عتقَ منهُ ما عتقَ. كما قال مالكٌ، وعُبيدُ الله، ولم يزيدُوا على حُكم المُوسِرِ.

стр. 4890

وفي رِوايةِ معمر، عن الزُّهريِّ: "عَتقَ ما بَقِي في مالِهِ، إذا كان لهُ مالٌ يبلُغُ ثمن العبدِ". وبعضُهُم يقولُ فيه عن عبدِ الرَّزّاقِ: "أُقيمَ ما بَقِيَ". والمعنى واحدٌ، وهذا لفظٌ يُوجِبُ تَقْويمَهُ على أنَّهُ مُعتَقٌ نِصفُهُ، أو مُعتَقٌ بعضُهُ. وأمّا ما ذكَرْنا من اختِلافِ الآثارِ في هذه الكلِمةِ، المُوجِبةِ لنُفُوذِ عِتْقِ نصيبِ المُعتِقِ المُعْسِرِ، دُونَ شيءٍ من اسْتِسعاءٍ وغيرِهِ، فإنَّ أبا هُريرةَ رَوى في هذا المعنى، عن النَّبيِّ ﷺ خِلافَ ما رواهُ ابنُ عُمر، واختُلِفَ في حديثهِ أيضًا في ذلكَ أكثرَ من الاختِلافِ في هذا، وهُو حديثٌ يدُورُ على قَتادةَ، عن النَّضرِ بن أنسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، واختَلَفَ أصحابُ قَتادةَ عليه في الاسْتِسعاءِ، وهُو الموضِعُ المُخالِفُ لحديثِ ابن عُمرَ من رِوايةِ مالكٍ، وغيرِهِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن سَعيدِ بن أبي عَرُوبةَ ويحيى بن صُبَيح، عن قَتادةَ، عن النَّضرِ بن أنَسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ، قال: "أيُّما عَبْدٍ كان بينَ رَجُلينِ، فأعتَقَ أحدُهُما نَصِيبَهُ، فإن كان مُوسِرًا، قُوِّمَ عليه، وإلّا سَعَى العبدُ غيرَ مَشْقُوقٍ عليه". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو العبّاسِ الكُدَيميُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن النَّضرِ بن أنَسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من أعتقَ شِقْصًا من مملُوكٍ، فعَلَيهِ خَلاصُهُ من مالِهِ، فإن لم يَكُن لهُ مالٌ، قُوِّمَ المملُوكُ قِيمةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتَسْعى غيرَ مَشْقُوقٍ عليه" (٢).

стр. 4891

وكذلك رواهُ يزيدُ بن زُريع (١)، وعَبْدةُ بن سُليمان (٢)، وعليُّ بن مُسهِر (٣)، ومحمدُ بن بِشْرٍ (٤)، ويحيى (٥)، وابنُ (٦) أبي عَدِيٍّ (٧)، عن سَعِيدِ بن أبي عَرُوبةَ. كما رواهُ رَوْحُ بن عُبادةَ سَواءً، حرفًا بحرفٍ. ولم يُختَلَف على سعيدِ بن أبي عرُوبةَ في هذا الحديثِ، في ذِكْرِ السِّعايةِ فيه، على حَسَبِ ما ذكَرْنا. وتابَعهُ أبانُ العطّارُ، عن قَتادةَ، على مِثلِ ذلك؛ حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٨): حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبانُ، يعني العَطّارَ، قال: حدَّثني قَتادةُ، عن النَّضرِ بن أنَسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أعتقَ شِقْصًا لهُ في مملُوكٍ، فعليه أن يُعْتِقَهُ كلَّهُ إن كان لهُ مالٌ، وإلّا اسْتُسعِيَ العَبْدُ غيرَ مَشْقُوقٍ عليه". قال أبو داود (٩): ورواهُ جَريرُ بن حازِم وموسى بن خلفٍ، عن قَتادةَ، بإسنادِهِ مِثلَهُ، وذكَرا (١٠) فيه السِّعايةَ.

стр. 4892

رواهُ هشامٌ الدَّستُوائيُّ، وشُعبةُ، وهمّامٌ، عن قَتادةَ، بإسنادِهِ مِثلَهُ، لم يذكُرُوا فيه السِّعايةَ. أخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (١). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢)؛ قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن قَتادةَ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، عن نَبِيِّ الله ﷺ ، قال: "من أعتَقَ شِقْصًا من مملُوكٍ، عتَقَ من مالِهِ إن كان لهُ مالٌ". هكذا قال: ابنُ المُثنَّى: قَتادةُ، عن بَشيرِ بن نهيكٍ، لم يذكُرِ النَّضرَ بنَ أنسٍ، وهُو خطأٌ منهُ، أو من مُعاذِ بن هشام. ورَواهُ رَوْحُ بن عُبادَةَ وغيرُهُ، عن هشام، عن قَتادةَ، عن النَّضرِ، عن بَشيرٍ، عن أبي هُريرةَ (٣)، كما رواهُ سائرُ أصحابِ قتادةَ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ النَّسائيُّ، قال (٤): أخبرنا محمدُ بن المُثنَّى ومحمدُ بن بشّارٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن النَّضرِ بن أنسٍ،

стр. 4893

عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ في المملُوكِ بينَ الرَّجُلينِ، فيُعتِقُ أحدُهُما نَصِيبَهُ، قال: "يَضْمنُ". أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبدِ الرَّزّاقِ بن داسةَ التَّمَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ سُليمانُ بن الأشعثِ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: أخبرنا همّامٌ، عن قَتادةَ، عن النَّضرِ بن أنَس، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رَجُلًا أعتقَ شِقْصًا من غُلام، فأجازَ النَّبيُّ ﷺ عِتْقَهُ، وغرَّمهُ بقيَّةَ ثَمنِهِ. وأخبرنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبانٍ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا ابنُ سُوَيدِ بن مَنْجُوفٍ، قال: حدَّثنا رَوْحٌ. قالا جميعًا: حدَّثنا هشامٌ، عن قَتادةَ، عن النَّضِر بن أنسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أعتَقَ شقصًا لهُ من مملُوكٍ، فهُو حُرٌّ من مالِهِ، إن كان لهُ مالٌ". وقال رَوْحٌ: "عتَقَ من مالِهِ، إن كان لهُ مالٌ". قال أبو عُمر: فاتَّفقَ شُعبةُ وهشامٌ وهمّامٌ، على تركِ ذِكْرِ السِّعايةِ في هذا الحديثِ، والقولُ قولُهُم في قَتادةَ عندَ جميع أهلِ العِلم بالحديثِ، إذا خالَفهُم في قتادةَ غيرُهُم، وأصحابُ قَتادةَ الذين هُم حُجَّةٌ فيه، هؤُلاءِ الثَّلاثةُ: شُعبةُ، وهشامٌ الدَّستُوائيُّ، وسعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، فإنِ اتَّفقُوا، لم يُعرَّج على من خالَفهُم في قَتادةَ، وإنِ اختلَفُوا نُظِرَ، فإنِ اتَّفقَ منهُمُ اثنانِ، وانفردَ واحدٌ، فالقولُ قولُ الاثنينِ، لا سيَّما

стр. 4894

إن كان أحدُهُما شُعبةَ، وليسَ أحدٌ بالجُملةِ في قَتادةَ مِثلَ شُعبةَ؛ لأنَّهُ كان يُوقِفُهُ على الإسنادِ والسَّماع، وهذا الذي ذكرتُ لكَ قولُ جماعةِ أهلِ العِلم بالحديثِ. وقدِ اتَّفقَ شُعبةُ وهشامٌ في هذا الحديثِ على سُقُوطِ ذِكْرِ الاسْتِسعاءِ فيه، وتابَعهُما همّامٌ، وفي هذا تَقْويةٌ لحديثِ ابن عُمرَ، وهُو حديثٌ مدنيٌّ صحيحٌ، لا يُقاسُ به غيرُهُ، وهُو أولى ما قيلَ به في هذا البابِ، وباللّه التَّوفيقُ (١).

стр. 4895

وقد رَوَى شُعبةُ، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن أبي بِشْرٍ العَنْبريِّ، عن ابن التِّلِبِّ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّ رجُلًا أعتقَ نَصِيبهُ من مملُوكٍ، فلم يُضمِّنهُ النَّبيُّ ﵇ (١). وهذا عندَ جَماعةِ العُلماءِ على المُعسِرِ، لأنَّ المُوسِرَ لم يختلِفُوا في تَضْمينِهِ، وأنَّهُ يَلْزمُهُ فيه (٢) العِتقُ، إلّا ما لا يُلْتفتُ إليه من شُذُوذِ القولِ، ونحنُ نذكُرُ ما انتهى إلينا من اختِلافِ العُلماءِ في ذلك هُنا إن شاءَ الله. ومِثلُ حديثِ ابن التِّلِبِّ عن أبيهِ في هذا البابِ، قِصَّةُ أبي رافِع مولى رسُولِ الله ﷺ ، وقد ذكَرْناها في بابِ أسلمَ من كِتابِ "الصَّحابةِ" (٣)، والحمدُ للّه. وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في هذا البابِ، فإنَّ مالكا وأصحابَهُ يقولُونَ: إذا أعتقَ المليءُ المُوسِرُ شِقْصًا لهُ في عَبْدٍ، فلِشَريكِهِ أن يُعتِقَ بِتْلًا (٤)، ولهُ أن يُقوَّمَ، فإن أعتقَ نَصِيبَهُ كما أعتقَ شريكُهُ قبلَ التَّقويم، كان الولاءُ بينهُما، كما كان المِلكُ بَيْنهُما، وما لم يُقوَّم، ويحكُم بعِتْقِهِ، فهُو في جميع أحكامِهِ كالعَبْدِ، وإن كان المُعتِقُ لنصيبِهِ من العَبْدِ عديمًا، لم يعتِقْ غيرَ حِصَّتِهِ، ونصيبُ الآخرِ رِقٌّ لهُ، ويخدِمُ العبدُ هذا يومًا، ويكسِبُ لنَفسِهِ يومًا، أو يُقاسمُهُ كَسْبهُ، وإن كان المُعتِقُ مليًّا ببعضِ نَصيبِ (٥) شَريكِهِ، قُوِّمَ عليه قدرَ ما مَعهُ، ورَقَّ بَقِيَّةَ النَّصيبِ لربِّهِ، ويُقْضَى عليه في ذلكَ، كما يُقْضَى في سائرِ الدُّيُونِ الثّابِتةِ اللّازِمةِ والجِناياتِ،

стр. 4896

ويُباعُ عليه شُوارُ (١) بَيْتِهِ، وما لهُ بالٌ من كِسْوتِهِ، والتَّقويمُ: أن يُقوَّمَ نصيبُ صاحِبِهِ يومَ العِتْقِ قِيمَةَ عدلٍ، ثُمَّ يعتِقُ عليه. (٢). وكذلك قال داودُ، وأصحابُهُ في هذه المسألةِ، إلّا أنَّهُ لا يعتِقُ عليه حتَّى يُؤَدِّيَ القيمَةَ إلى شَريكِهِ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ في القديم. وقال الشّافِعيُّ (٣): من أعتقَ شِركًا لهُ في عَبْدٍ قُوِّمَ عليه قيمةَ عدلٍ، وأعطى شُركاءَهُ حِصَصهُم وعتَقَ العبدُ، وإلّا فقد عتقَ منهُ ما عتَقَ. قال: وهكذا روى ابنُ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ . قال: ويحتمِلُ قولُهُ ﵇ في عِتقِ المُوسِرِ مَعْنيينِ، أحدُهُما: أَنَّهُ يعتِقُ بالقولِ، مع دفع القيمةِ. والآخرُ: أَنَّهُ يعتِقُ إذا كان المُعتِقُ مُوسِرًا في حينِ العِتقِ، وسَواءٌ أعسرَ بعد ذلك قبلَ التَّقويم أم لا، ويكونُ العبدُ حُرًّا كلُّهُ بالعِتقِ، في حينِ العِتقِ، فإن قُوِّمَ عليه في الوَقْتِ، أخذَ مالَهُ، وإن تَركهُ حتَّى أعسَرَ، اتَّبَعهُ بما قد ضمِنَ. قال المُزنيُّ بالقولِ (٤) الأوَّلِ في كِتابِ الوَصايا، وقال في كِتابِ "اختِلافِ الحديثِ": يعتِقُ كلُّهُ يومَ تكلَّمَ بالعِتقِ. وكذلكَ قال في اختِلافِ أبي حَنِيفةَ، وابن أبي ليلَى. وقال أيضًا: إن مات المُعتِقُ، أُخِذَ بما لزِمَه (٥) من رأسِ المالِ، لا يمنعُهُ الموتُ حقًّا لَزِمهُ، كما لو جَنَى جِنايةً، والعبدُ حُرٌّ في شَهادتِهِ، وحُدُودِهِ، وميراثِهِ، وجِناياتِهِ، قبلَ القيمةِ وبعدَها. قال المُزنيُّ (٦): قد قطعَ بأنَّ هذا المعنى أصحُّ في أربعةِ مَواضِعَ، وهُو القياسُ

стр. 4897

على أصلِهِ. وقد قال: لو أعتقَ الثّاني، كان عِتقُهُ باطِلًا. وفي ذلك دليلٌ على زَوالِ مِلكِهِ؛ لأَنَّهُ لو كان مِلكُهُ ثابتًا، لنفَذَ عِتقُهُ. وتحصيلُ مذهبِ الشّافِعيِّ، ما قالهُ في الجديدِ: أَنَّهُ إذا كان المُعتِقُ لِحِصَّتِهِ من العبدِ مُوسِرًا، عتَقَ جميعُهُ حينَ أعتَقهُ، وهُو حُرٌّ من يَومِئذٍ، ويُورَثُ، ولهُ ولاؤُهُ، ولا سبيلَ للشَّريكِ على العَبْدِ، وعليه قيمَةُ نصيبِ شَريكِهِ، كما لو قتَلهُ، وجُعل عِتقُهُ إتلافًا. هذا كلُّهُ إن كان مُوسِرًا في حينِ العِتْقِ للشِّقصِ، وسَواءٌ أعطاهُ القِيمَةَ، أو مَنعهُ، وإن كان مُعسِرًا، فالشَّريكُ على مِلْكِهِ، يُقاسمُهُ كَسْبَهُ، أو يَخْدِمُهُ يومًا، ويُخلي لنَفْسِهِ يومًا، ولا سعايةَ عليه (١). قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من ذهَبَ إلى قولِ الشّافِعيِّ هذا: قولُ رسُولِ الله ﷺ في حديثِ أيُّوب، عن نافع، عن ابن عُمرَ: "من أعتقَ نَصِيبًا لهُ في عبدٍ، فإن كان لهُ مالٌ يبلُغُ ثَمنهُ بقيمةِ عَدْل، فهُو عَتِيقٌ" (٢). وحديثُ ابن أبي ذِئبٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من أعتقَ شِرْكًا في مملُوكٍ، وكان للذي يُعتِقُ نصيبُهُ ما يبلُغُ ثَمنهُ، فهُو يعتِقُ كلُّهُ" (٣). ومنهُم من يقولُ: عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "من أعتقَ شِقْصًا لهُ في عبدٍ، ضمِنَ لشريكِهِ في مالِهِ، إن كان لهُ مالٌ". قالوا: فقولُهُ ﷺ : "فهُو يعتِقُ كلُّهُ"، وقولُهُ: "فهُو عتيق"، يُوجِبُ أن يكونَ عتيقًا كلُّهُ في وَقْتِ وُقُوع العِتْقِ، ولا يُنتَظرُ به قَضاءٌ ولا تقويمٌ، إذا كان المُعتِقُ مُوسِرًا، لتثبُت لهُ حُرمةُ الحُرِّيَّةِ من ساعتِهِ في جميع أحكامِهِ، اتِّباعًا للسُّنَّةِ في ذلك؛ لأَنَّهُ معلُومٌ أنَّ التَّقويمَ والحُكمَ به إنَّما هُو تنفيذٌ لِما قد وجبَ بالعِتقِ في حينِهِ.

стр. 4898

ومن حُجَّةِ مالكٍ، ومن تابَعهُ على ما ذكَرْنا من قولِهِ في هذا البابِ في العَبْدِ المُعتَقِ بعضُهُ: أَنَّهُ لا يعتِقُ على مُعتِقٍ حِصَّتهُ منهُ حتَّى يُقوَّم ويُحكمَ بذلك عليه، فإذا تمَّ ذلكَ، نفَذَ عِتقُهُ حينَئذٍ. فمِن حُجَّتِهِم في ذلكَ: قولُهُ ﷺ في حديثِ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: "من أعتَقَ شِرْكًا لهُ في عبدٍ، وكان لهُ مالٌ يبلُغُ ثمنَ العبدِ، قُوِّمَ عليه قيمَةُ عَدْلٍ فأعطَى شُركاءَهُ حِصَصهُم، وأعتَقَ عليه العبدُ". قالوا: فلم يقضِ رسُولُ الله ﷺ بعِتقِ العَبدِ إلّا بعد أن يأخُذ الشُّركاءُ حِصَصهُم، فمن (١) أعتَقهُ قبل ذلك فقد خالفَ نصَّ السُّنَّةِ في ذلكَ. قالوا: ومعلُومٌ أَنَّهُ يعتِقُ على الإنسانِ ما يَمْلِكُهُ، لا مِلكُ غيرِهِ، وإنَّما يملِكُهُ بأداءِ القِيمَةِ إلى شَريكِهِ إذا طلَبَ الشَّريكُ ذلكَ، ألا تَرَى أَنَّهُ لو كان مُعسِرًا، لا يُحكَمُ عليه بعِتق؟ وفي ذلك دليلٌ واضِحٌ على اسْتِقرارِ مِلْكِ الذي لم يعتِقْ بغيرِ عِتْقِ شَريكِهِ لنَصيبِهِ، وإذا كان مِلكُهُ ثابتًا مُسْتقِرًّا، استحالَ أن يعتِقَ على الآخرِ ما لم يَمْلِكهُ، فإذا قُوِّمَ عليه، وحُكِمَ بأداءِ القيمَةِ إليه، مَلَكهُ، ونفَذَ عِتقُ جميعِهِ بالسُّنَّةِ في ذلك. والسُّنّةُ في هذا، كالسُّنَّةِ في الشُّفعةِ؛ لأنَّ ذلكَ كلَّهُ نَقْلُ مِلكٍ بعِوَضِ على غيرِ تَراضٍ، أحْكَمتهُ الشَّريعةُ وخصَّتهُ، إذا طلَبَ الشَّريكُ أوِ الشَّفيعُ ما لهما من ذلك. وليسَ ما رواهُ أيُّوبُ، من قولِهِ: "فهُو عِتقٌ" مُخالِفًا لِما رواهُ مالكٌ، بل هُو مُجملٌ، فسَّرهُ مالكٌ في رِوايتِهِ، ومُبهمٌ أُوضَحَهُ؛ لأنَّهُ يحتمِلُ قولَهُ: "فهُو عَتِيقٌ كلُّهُ"، أو "فهُو مُعتقٌ كلُّهُ"، أي: بعدَ دفع القيمَةِ إلى الشُّركاءِ. وأكثرُ أحوالِهِم في ذلك، أن يحتمِلَ الحديثُ الوجهينِ جميعًا، فإذا احتملهما، فمعلُومٌ أنَّ العبدَ رقيقٌ بيَقينٍ، ولا يعتِقُ إلّا بتقينٍ، واليَقِينُ ما اجتمَعَ عليه من حُرِّيَّتِهِ بعدَ دفع القِيمَةِ، وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ.

стр. 4899

ولم يختلِفْ قولُ الشّافِعيِّ: أنَّ المُعتِقَ لِحِصَّتِهِ من عبدٍ بينهُ وبين غيرِهِ، وهُو مُعسِرٌ في حينِ تكلَّمَ بالعِتقِ، أنَّهُ لا شيءَ عليه من سِعايةٍ ولا غيرِها، وأنَّهُ لا يعتِقُ من العبدِ غيرَ تلكَ الحِصَّة (١). وهُو قولُ مالكٍ في عِتْقِ المُعْسِرِ، وقولُ أحمد بن حَنْبل، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرِ، وأبي عُبَيدٍ وداود، والطَّبريِّ. وقال مالكٌ: إن ماتَ المُعتِقُ المُوسرُ قبلَ أن يُحكَمَ عليه بعِتقِ الباقي، لم يُحكَم على وَرَثتِهِ بعِتقِ ذلك. وقال الشّافِعيُّ (٢): يُحكَمُ بعِتْقِهِ إذا ماتَ، ولو أتَى على ترِكتِهِ، إلّا أن يعتِقَ في المَرَضِ، فيقوَّمُ في الثُّلُثِ. وقال سُفيانُ: إن كان للمُعتِق حِصَّتهُ من العَبدِ مالٌ، ضمِنَ نصيبَ شَريكِهِ، ولم يرجِعْ به على العَبدِ، ولا سِعايةَ على العبدِ، وكان الوَلاءُ لهُ، وإن لم يكُن لهُ مالٌ فلا ضمانَ عليه، وسَواءٌ نقصَ من نصيبِ الآخرِ أو لم ينقُصْ، ويَسْعَى العبدُ في نِصفِ قيمَتِهِ حِينَئذٍ (٣). وكذلكَ قال أبو يوسُف، ومحمدُ بن الحسنِ. وفي قولِهِم يكونُ العبدُ كلُّهُ حُرًّا ساعةَ أعتَقَ الشَّريكُ نصيبَهُ، فإن كان مُوسِرًا ضمِنَ لشريكِهِ قيمَةَ نِصفِ عبدِهِ، وإن كان مُعسِرًا، سَعَى العبدُ في ذلك الذي لم يعتِقْ، ولا يرجِعُ على أحَدٍ بشيءٍ، والولاءُ كلُّهُ للمُعتقِ، وهُو بمَنْزِلةِ الحُرِّ في جميع أحكامِهِ، ما دامَ في سِعايتِهِ، من يوم أُعتِقَ، يرِثُ ويُورَثُ. وعنِ ابن شُبرُمةَ وابنِ أبي ليلى (٤) مِثلُهُ، إلّا أنَّهُما جَعَلا للعبدِ أن يرجِعَ على المُعتِقِ بما سَعَى فيه مَتَى أيسَرَ.

стр. 4900

وقد جاءَ عن ابن عبّاسٍ: أَنَّهُ جعَلَ المُعتَقَ بعضُهُ، حُرًّا في جميع أحكامِه (١). وقال أبو حنيفةَ (٢): إذا كان العبدُ بين اثْنَينِ، فأعتَقَ أحدهُما نصيبهُ وهُو مُوسِرٌ، فإنَّ الشَّريكَ بالخيارِ، إن شاءَ أعتَقَ نصيبهُ، كما أعتَقَ صاحِبَهُ، وكان الولاءُ بينهُما، وإن شاءَ اسْتَسْعَى في نِصفِ قيمتِهِ، ويكونُ الولاءُ بينهُما، وإن شاءَ ضمَّنَ شَرِيكَه نِصفَ قِيمتِهِ، ويرجِعُ الشَّريكُ بما ضُمِّنَ من ذلكَ على العبدِ، يَسْتسعيهِ فيه إن شاءَ، ويكونُ الولاءُ كلُّهُ للشَّريكِ وهُو عبدٌ ما بَقِي عليه من السِّعايةِ شيءٌ، وإن كان المُعتِقُ مُعسِرًا، فالشَّريكُ الآخَرُ بالخيارِ، إن شاءَ ضمَّنَ العبدُ نِصفَ قيمتِهِ يُسْعَى (٣) فيها، الولاءُ بينهُما، وإن شاءَ أعْتَقهُ كما أعتَقَ صاحِبَهُ، والولاءُ بينهُما. وقال أبو حنيفةَ: العبدُ المُسْتَسعى ما دامَ عليه سِعايةٌ، بمَنزِلةِ المُكاتبِ في جميع أحكامِهِ، فإن ماتَ أُدِّي من مالِهِ لسِعايتِهِ، والباقي لوَرثتِه (٤). وقد ذكَرْنا الاختِلافَ في هذه المسألةِ في المُكاتَبِ، في بابِ هشام بن عُرْوةَ، في قِصَّةِ بَرِيرةَ. قال زُفَرُ: يعتِقُ العبدُ كلُّهُ، على المُعتِق حِصتهُ، ويُتبعُ بقيمةِ (٥) حِصَّةِ شَرِيكِهِ، مُوسِرًا كان أو مُعسِرًا (٦). وقد رُوي عن زُفَر مِثلُ قول أبي يوسُفَ. قال أبو عُمر: لم يقُل زُفرُ بحديثِ ابن عُمرَ، ولا بحديثِ أبي هُريرةَ في هذا البابِ، وكذلكَ أبو حَنِيفةَ لم يقُل بواحدٍ من الحَدِيثينِ على وجهِهِ، وكلُّ قولٍ خالَفَ السُّنَّةَ فمردُودٌ، واللّه المُستعانُ.

стр. 4901

وقد قيلِ في هذه المسألةِ أقوالٌ غيرُ ما قُلنا شاذَّةٌ، ليسَ عليها أحَدٌ من فُقهاءِ الأمْصارِ أهل الفُتيا اليومَ، منها: قولُ ربيعةَ بن أبي (١) عبدِ الرَّحمنِ، قال: فمَنْ أعتَقَ حِصَّةً لهُ من عبدٍ، أنَّ العِتقَ باطِلٌ، مُوسِرًا كان المُعتِقُ أو مُعسِرًا (٢). وهذا تجريدٌ لردِّ الحديثِ أيضًا، وما أظُنُّهُ عرفَ الحديث؛ لأَنَّهُ لا يليقُ بمثلهِ ذلك. وقد ذكر محمدُ بن سيرين، عن بعضِهِم: أنَّهُ جعلَ قِيمةَ حِصَّةِ الشَّريكِ في بيتِ المالِ. وهذا أيضًا خِلافُ السُّنَّة (٣). وعنِ الشَّعبيِّ، وإبراهيم، أنَّهُما قالا: الولاءُ للمُعتَقِ ضمِنَ أو لم يَضْمن، وهذا أيضًا خِلافُ قولِهِ ﷺ : "الولاءُ لمنْ أعْطَى الثَّمنَ" (٤). فهذا حُكمُ من أعتقَ حِصَّةً لهُ من عَبْدٍ بينهُ وبين غيرِهِ. وأمّا من أعتق حِصَّةً من عَبدِهِ، الذي لا شرِكَةَ فيه لأحَدٍ مَعهُ، فإنَّ عامَّةَ العُلماءِ بالحِجازِ والعِراقِ يقولُونَ: يعتِقُ عليه كلُّهُ، ولا سِعايةَ عليه. إلّا أنَّ مالكًا قال: إن ماتَ قبلَ أن يُحكَم عليه، لم يُحكم عليه. وقال أبو حنيفةَ: يعتِقُ منهُ ذلكَ النَّصيبُ، ويسعَى لمولاهُ في بَقِيَّةِ قيمتِهِ، مُوسِرًا كان أو مُعسِرًا. وخالفهُ أصحابُهُ، فلم يروا في ذلك سِعايةً، وهُو الصَّوابُ، وعليه النّاسُ.

стр. 4902

والحُجَّةُ في ذلك: أنَّ السُّنَّةَ لمّا ورَدَت بأن يعتِقَ عليه نصيبُ شَريكِهِ، كان أحرى بأن يعتِقَ عليه فيه مِلْكُهُ، لأَنَّهُ مُوسِرٌ به، مالكٌ لهُ. وهذه سُنَّةٌ وإجماعٌ. وفي مِثلِ هذا قالوا: ليسَ للّه شريكٌ. وقد جاءَ عن الحَسنِ: يُعتِقُ الرَّجُلُ من عَبدِهِ ما شاءَ (١). وهذا نحوُ قولِ أبي حنيفةَ، ورُوي مِثلُهُ عن عليٍّ ﵁ (٢). وبه قال أهلُ الظّاهِرِ، كما يهبُ من عَبدِهِ ما شاءَ. وروَوْا في ذلك خَبرًا عن إسماعيلَ بن أُميَّةَ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّهُ أعتقَ نِصفَ عَبْدٍ، فلم يُنكِر رسُولُ الله ﷺ عِتقَهُ. ذكر أبو داود في "السُّننِ" (٣). وعنِ الشَّعبيِّ (٤) وعُبيدِ الله بن الحسنِ، مِثلُ قولِ أبي حَنِيفةَ سواءً. ومِن الحُجَّةِ أيضًا في إبطالِ السِّعايةِ، حديثُ عِمْرانَ بن حُصينٍ: أنَّ رجُلًا أعتَقَ سِتَّةَ مملُوكينَ لهُ عندَ الموتِ، وليسَ لهُ مالٌ غيرَهم، فأقْرَعُ رسُولُ الله ﷺ بَيْنهُم، فأعتَقَ ثلثهُم، وأرقَّ الثُّلُثينِ، ولِم يَسْتَسعِهِم (٥). وقال الكُوفيُّونَ في هذه أيضًا: يعتِقُ العَبِيدُ كلُّهُم، وَيسْعون في ثُلثي قيمتِهِم للوَرَثةِ، فخالَفُوا السُّنَّةَ أيضًا برأيِهِم. وسنذكُرُ هذا الحديثَ، وما للعُلماءِ في معناهُ من الأقوالِ، في بابِ يحيى بن سعيدٍ إن شاءَ الله.

стр. 4903

قال أبو عُمر: ومن ملَكَ شِقْصًا مِمَّن يعتِقُ عليه بأيِّ وجهٍ مَلَكهُ، سِوَى الميراثِ، فإنَّهُ يعتِقُ عليه جَمِيعُهُ، إن كان مُوسِرًا، بعدَ تقويم حِصَّةٍ من شَرِكَهُ فيه، ويكونُ الولاءُ لهُ، وهذا قولُ جُمهُورِ الفُقهاءِ. فإن مَلَكهُ بميراثٍ، فقدِ اخْتَلفُوا في عِتْقِ نصيبِ شَريكِهِ عليه، وفي السِّعايةِ، على حَسَبِ (١) ما قَدَّمنا من أُصُولِهِم. وفي تَضْمينِ رسُولِ الله ﷺ المُعتِقَ لنصيبِهِ من عبدٍ بينهُ وبين غيرِهِ قيمَةَ باقي (٢) العبدِ، دُونَ أن يُلزِمَهُ الإتيانَ بنِصفِ عبدٍ مِثلِهِ، دليلٌ على أنَّ منِ استهلكَ، أو أفسدَ شيئًا من الحَيَوانِ، أوِ العُرُوضِ التي لا تُكالُ ولا تُوزنُ، فإنَّما عليه قيمَةُ ما اسْتَهلكَ من ذلكَ، لا مِثلُهُ. وهذا موضِعٌ اختلَفَ فيه العُلماءُ، فذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ، إلى أنَّ من أفسَدَ شيئًا من العُرُوضِ التي لا تُكالُ ولا تُوزنُ، أو شيئًا من الحَيَوانِ، فإنَّما عليه القيمةُ، لا المِثلُ، بدليلِ هذا الحديثِ. قال مالكٌ: والقيمةُ أعْدَلُ في ذلكَ. وذهَبَ جماعةٌ من العُلماءِ، منهُمُ الشّافِعيُّ وداودُ: إلى أنَّ القيمةَ لا يُقْضَى بها إلّا عندَ عدم المِثلِ. وحُجَّتُهُم في ذلكَ، ظاهِرُ قولِ الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، ولم يَقُل: بقيمَةِ ما عُوقِبتُم به. وهذا عندَهُم على عُمُومِهِ في الأشياءِ كلِّها، على ما يحتمِلُهُ ظاهِرُ الآية. واحتجُّوا أيضًا من الآثارِ، بما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى. قال أبو داودَ:

стр. 4904

وحدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا خالدٌ. جميعًا عن حُميدٍ، عن أنسٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان عندَ بعضِ نِسائهِ، فأرسَلَتْ إحْدَى أُمَّهاتِ المُؤمِنين جاريةً بقَصْعةٍ لها فيها طعامٌ، قال: فضَرَبَت بيدِها، فكَسَرتِ القَصْعةَ. قال ابنُ المُثنَّى في حديثهِ: فأخَذَ النَّبيُّ ﷺ الكِسْرتينِ، فضمَّ إحداهُما إلى الأُخرى، وجعَلَ يجمعُ فيهما الطَّعامَ، ويقولُ: "غارَتْ أُمُّكُم، كُلُوا"، فأكلُوا حتَّى جاءَت قَصْعَتُها التي في بيتِها. ثُمَّ رَجَع إلى حديثِ مُسدَّدٍ، وقال: "كُلُوا" وحبَسَ الرَّسُولَ والقصعةَ (١) حتَّى فَرَغُوا، فدفَعَ القَصْعةَ الصَّحيحةَ إلى الرَّسُولِ، وحبَسَ المكسُورةَ في بَيْتِهِ. قال أبو داودَ (٢): وحدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيانَ، قال: حدَّثني فُلَيتٌ العامِريُّ - قال أبو داود: وهُو أفْلَتُ بن خَلِيفةَ - عن جَسَرةَ بنتِ دَجاجةَ، قالت: قالت عائشةُ: ما رَأيتُ صانِعًا طَعامًا مِثلَ صفيَّةَ، صَنَعت لرسُولِ الله ﷺ طعامًا، فبَعَثَتْ به، فأخذني أفْكَلٌ (٣) فكَسَرتُ الإناءَ، فقلتُ: يا رسُولَ الله، ما كفّارةُ ما صَنَعتُ؟ قال: "إناءٌ مِثلُ إناءٍ، وطَعامٌ مِثلُ طعام". قال أبو عُمر: قولُهُ ﷺ في هذا الحديثِ: "طعامٌ مِثلُ طعام" مُجتمعٌ على استِعمالِهِ، والقولُ به (٤) في كلِّ مطعُوم، مكيل (٥) أو موزُونٍ، مأكُولٍ أو مشرُوبٍ، أنَّهُ يجِبُ على مُسْتهلِكِهِ مِثلُهُ، لا قيمتُهُ، على ما ذكَرْناهُ في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عندَ ذِكرِ حديثِ أبي رافِع (٦) فاعلَمْ ذلك.

стр. 4905

قال أبو عُمر: المِثلُ لا يُوصَلُ إليه إلّا بالاجتِهادِ، كما أنَّ القيمةَ تُدرَكُ بالاجتِهادِ، وقد أجمعُوا على المِثلِ في المَكِيلاتِ والموزُوناتِ، مَتَى وُجِدَ المِثلُ، واختلفُوا في العُرُوضِ، وأصحُّ حديثٍ في ذلك، حديثُ نافع، عن ابن عُمرَ، فيمَنْ أعتَقَ شِقصًا لهُ في عبدٍ، أنَّهُ يُقوَّمُ عليه، دُونَ أن يُكلَّفَ الإتيانَ بمِثلِهِ، وقيمةُ العدلِ في الحَقِيقةِ مِثلٌ، وقد قال العِراقيُّونَ - في قولِ الله : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]- إنَّ القيمةَ مِثلٌ في هذا الموضِع، وأبَى ذلكَ أهلُ الحِجازِ، وللكلام في ذلك مَوْضِعٌ غيرُ هذا. واختلف الذين لم يقولُوا بالسِّعايةِ في تَوْريثِ المُعتَقِ بعضُهُ إن ماتَ لهُ ولدٌ وتوريثِهُ منهُ، فرُوِيَ عن عليٍّ ﵁ قال: يَرِثُ ويُورَثُ بقدَرِ ما أُعتِقَ منهُ (١). وعنِ ابن مسعُودٍ مِثلُهُ. وبه قال: عُثمانُ البتِّيُّ، والمُزنيُّ (٢). وقال الشّافِعيُّ (٣) في الحديثِ: يُورَثُ منهُ بقدرِ حُرِّيَّتِهِ، ولا يرِثُ هُو. ورُوي عن زيدِ بن ثابِتٍ أنَّهُ قال: لا يرِثُ، ولا يُورثُ. وهُو قولُ مالكٍ، والشّافِعيِّ في العِراقيِّ. وقال ابنُ سُرَيج: فإذا لم يُورَثْ، احتمَلَ أن يُجعَلَ مالُهُ في بيتِ المالِ. وجعلهُ مالكٌ، والشّافِعيُّ في القديم، لمالكِ باقيهِ، وقال أهلُ النَّظرِ من أصحابِ الشّافِعيِّ وغيرِهِم: هذا غَلَطٌ؛ لأنَّهُ ليسَ لمالكِ باقيهِ على ما عتَقَ منهُ ولاءٌ ولا رَحِمٌ ولا مِلْكٌ. وهذا صحيحٌ، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4906

حديثٌ ثامِنٌ وثلاثُون لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "ما حقُّ امرِئٍ مُسلِم لهُ شيءٌ يُوصِي فيه، يبيتُ ليلتينِ، إلّا ووَصِيَّتُهُ عندَهُ مَكْتُوبةٌ". لا خِلافَ عن مالكٍ في لَفْظِ هذا الحديثِ، ولا في إسنادِه (٢)، وكذلك رواهُ أيُّوبُ (٣) وعُبيدُ الله بن عُمر وهشامُ بن الغازي (٤) (٥)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، مِثلَهُ سَواءً لم يختلِفُوا في إسنادِهِ. وكذلكَ رواهُ الزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ مِثلهُ، عن النَّبيِّ ﷺ ، إلّا أنَّ في حديثِ الزُّهريِّ: "يبيتُ ثلاثًا، إلّا ووصِيّتُهُ (٦) مكتُوبةٌ عندَهُ". قال ابنُ عُمر: فما بِتُّ ليلةً مُذ سمِعتُها إلّا ووصيَّتي عِندي (٧).

стр. 4907

وقال فيه ابنُ عُيَينةَ: عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ : "ما حقُّ امْرِئٍ يُؤمِنُ بالوَصيَّةِ" (١). وفسَّرهُ فقال: يُؤمِنُ بأنَّها حقٌّ. وقال فيه سُليمانُ بن موسى، عن نافع، أنَّهُ حدِّثُهُ (٢)، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يَنْبغي لأحَدٍ عندَهُ مالٌ يُوصي فيه، أن يأتِيَ عليه ليلتانِ، إلّا وعندَهُ وصيَّةٌ" (٣). وكذلك قال فيه عبدُ الله بن نُمَيرٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "ما حقُّ امْرِئٍ يَبِيتُ وعندَهُ مالٌ يُوصي فيه، إلّا ووصيَّتُهُ مكتُوبةٌ عندَهُ" (٤). وقد مَضَى في بابِ ثورِ بن زيدٍ تفسيرُ المالِ. وقولُ من قال: مالٌ. أولى عِندي من قولِ من قال: شيءٌ؛ لأنَّ الشَّيءَ: قليلُ المالِ وكَثِيرُهُ. وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ من لم يَكُن عندَهُ إلّا اليسيرُ التّافِهُ من المالِ، أنَّهُ لا يُندَبُ إلى الوَصيَّةِ.

стр. 4908

وقال ابنُ عَوْنٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يحِلُّ لامرِئٍ مُسلِم لهُ مالٌ يُوصي فيه ... " الحديثَ (١). هكذا قال: "لا يحِلُّ". ولم يُتابَعْ على هذه اللَّفظةِ، واللّه أعلمُ. ففي هذا الحديثِ: الحضُّ على الوصيَّةِ، والتّأكيدُ في ذلك. وهذا على النَّدبِ، لا على الإيجابِ عندَ الجميع، لا يختلِفُونَ في ذلكَ. وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الوصيَّةَ غيرُ واجِبةٍ على أحَدٍ، إلّا أن يكونَ عليه دينٌ، أو تكونَ عندَهُ وديعةٌ أو أمانةٌ، فيُوصي بذلكَ. وفي إجماعِهِم على هذا بيانٌ لمعنى الكِتابِ والسُّنَّةِ في الوصيَّةِ. وقد شذَّت طائفةٌ، فأوجبتِ الوَصيَّةَ، لا يُعدُّون خِلافًا على الجُمهُورِ، واحتجُّوا بظاهِرِ القُرآنِ، وقالوا: المعرُوفُ واجِبٌ، كما يجِبُ تركُ المُنكر. قالوا: وواجِبٌ على النّاسِ كلِّهِم أن يكونُوا من المُتَّقينَ. قال أبو عُمر: ليسَ في كِتابِ الله ذِكرُ الوَصيَّةِ، إلّا في قولِهِ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وهذه الآيةُ نزلت قبل نُزُولِ الفرائضِ والمواريثِ، فلمّا أنزلَ اللهُ حُكمَ الوالِدينِ وسائرِ الوارثينَ في القُرآنِ، نسخَ ما كان لهم من الوصيَّةِ، وجعلَ لهم مَواريثَ معلُومةً، على حسَبِ ما أحكَمَ من ذلك ﵎. وقد رُوي عن ابن عبّاسٍ وسعيدِ بن جُبيرٍ والحسنِ: أنَّ آيةَ المَواريثِ

стр. 4909

نَسَختِ الوصيَّةَ للوارِثينَ (١) وهُو مذهبُ الشّافِعيِّ وأكثرِ المالكيِّين، وجماعةٍ من أهلِ العِلْم. ورُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "لا وصيَّةَ لوارِثٍ" (٢). وهذا بيان منهُ ﷺ أنَّ آيةَ المَواريثِ نَسَختِ الوصيَّةَ للوارِثينَ. وأمّا من أجازَ نَسْخَ القُرآنِ بالسُّنَّةِ من العُلَماءِ، فإنَّهُم قالوا: هذا الحديثُ نسَخَ الوصيَّةَ للوَرَثةِ. وللكلام في نسخ القُرآنِ بالسُّنَّةِ مَوْضِع غيرُ هذا. ومِمَّا يدُلُّ على أنَّ الحديث في الحضِّ على الوَصِيَّةِ ندبٌ لا إيجابٌ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يُوصِ، معَ ما ذكَرْنا من إجماع الذينَ لا يجُوزُ عليهمُ السَّهوُ والغَلَطُ، ولا الجهلُ بمعنى كِتابِ الله وسُنَّةِ رسُولِهِ ﷺ . حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا وكيعٌ. وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ وأحمدُ بن سعيدٍ، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ ومحمدُ بن أبي دُلَيْم، قالا: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا مُصعبُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ؛ جميعًا، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ، عن طَلْحةَ بن مُصرِّفٍ،

стр. 4910

قال: قلتُ لابنِ أبي أوْفَى: أوْصَى رسُولُ الله ﷺ بشَيءٍ؟ قالا: لا، قلتُ: فكيفَ أمرَ النّاس بالوَصيَّةِ؟ فقال: أوْصَى بكِتابِ الله. واستدلَّ بعضُ العُلماءِ بقولِهِ في آية الوصيَّةِ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] على أنَّها ليَسْت بواجِبةٍ، وجعَلَها مِثلَ قولِهِ: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، قال: والمعرُوفُ هُو التَّطوُّعُ بالإحْسانِ، والمُتَّقُونَ وغيرُهُم في الواجِبِ سَواءٌ. وروى الثَّوريُّ، عن جابرٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: الوصيَّةُ ليست بواجِبةٍ، من شاءَ أوْصَى، ومن شاءَ لم يُوصِ (١). وعن إبراهيم والرَّبيع بن خُثَيم (٢) مِثلُهُ، وعليه النّاسُ، وهُو قولُ الجُمهُورِ من العُلماءِ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا مُسدَّدٌ ومحمدُ بن العَلاءِ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا

стр. 4911

محمدُ بن المُثنَّى. قالوا: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن شَقيقٍ (١) أبي وائل، عن مسرُوقٍ، عن عائشةَ، قالت: ما ترَكَ رسُولُ الله ﷺ دينارًا، ولا دِرهمًا، ولا شاةً، ولا بَعِيرًا، ولا أوْصَى بشيءٍ. قال أبو عُمر: أمّا تَرْكُهُ ﷺ الوصيَّةَ، ونَدْبُهُ أُمّتَه إليها، فإنَّهُ ﷺ ليسَ كأحدٍ من أُمَّتِهِ في هذا؛ لأنَّ ما تَخلَّفَهُ هُو فصَدَقةٌ، قال ﷺ : "إنّا لا نُورَثُ، ما ترَكنا فهُو صَدَقةٌ" (٢). وإذا كان ما يُخلِّفُهُ صَدَقةً، فكيفَ يُوصِي منهُ بثُلثٍ؟ أو كيفَ يُشَبَّهُ في ذلك بغير، وغيرُهُ لا تجُوزُ لهُ الوصيَّةُ، خاصَّةً وما تخلَّفَهُ هُو ﷺ بعدَ فصدقةٌ كلُّهُ، على ما قال ﷺ ؟ ووجهٌ آخرُ، وهُو قولُ الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، والخيرُ هاهُنا: المالُ، لا خِلافَ بينِ أهلِ العِلم في ذلكَ، ومِثلُ قولِهِ : ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقولِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. وقولِه: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢]. وقولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٣) [النور: ٣٣]. الخيرُ في هذه الآياتِ كلِّها: المالُ، وكذلك قولُهُ حاكيًا عن شُعيبِ ﷺ : ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤]، يعني الغِنَى. ورسُولُ الله ﷺ لم يترُك دينارًا ولا دِرهمًا، ولا بعيرًا ولا شاةً، وقال: "ما ترَكتُ بعدي صَدَقةٌ" (٤)، وقال: "إنّا مَعْشَر الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما ترَكنا فهُو صَدَقةٌ". وقد مَضَى تفسيرُ ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للّه.

стр. 4912

واختلَفَ السَّلفُ في مِقدارِ المالِ الذي تُسْتَحبُّ فيه الوصيَّةُ، أو تجِبُ عندَ من أوجَبَها، فرُوي عن عليٍّ ﵁، أَنَّهُ قال: ستُّ مئةِ دِرهم أو سبعُ مئةِ دِرهم، ليسَ بمالٍ فيه وصيَّةٌ (١). ورُوي عنهُ أَنَّهُ قال: ألفُ دِرهم مالٌ فيه وَصيَّةٌ (٢). وهذا يحتمِلُ: لمن شاءَ. وقال ابنُ عبّاسٍ: لا وصيَّةَ في ثمانِ مئةِ دِرهم (٣). وقالت عائشةُ ﵂، في امرأةٍ لها أربعةٌ من الولدِ، ولها ثلاثةُ آلافِ دِرْهم: لا وصيَّةَ في مالِها (٤). وقال إبراهيمُ النَّخعيُّ: ألفُ دِرْهم إلى (٥) خَمْسِ مئةِ دِرْهم (٦). وقال قتادةُ في قولِهِ : ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، قال: الخيرُ ألفٌ فما فَوْقها (٧). وعن عليِّ بن أبي طالبٍ قال: من تركَ مالًا يَسِيرًا، فليدَعَهُ لورَثتِهِ، فهُو أفضَلُ (٨). وعن عائشةَ، فيمَنْ تركَ ثمانِ مئةِ دِرْهم: لم يترُك خيرًا فلا يُوصي. أو نحو هذا من القولِ.

стр. 4913

وهذا كلُّهُ يدُلُّك على أنَّ الأمرَ بالوصيَّةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ على النَّدبِ، لا على الإيجاب، ولو كانتِ الوَصِيَّةُ واجِبةً في الكِتابِ للوالِدينِ والأقْرَبينَ، كانت مَنْسُوخةً بآيةِ المواريثِ، ثُمَّ ندَبَ رسُولُ الله إلى الوَصِيَّةِ لغيرِ الوالِدينِ، وحضَّ عليها، وقال: "لا وصيَّةَ لوارِثٍ" (١). فاستقامَ الأمرُ وبانَ، واللّه المُستعانُ. فالوَصيَّةُ مندُوبٌ إليها، مرغُوبٌ فيها، غيرُ واجِبٍ شيءٌ منها. واتَّفقَ فُقهاءُ الأمْصارِ على أنَّ الوصيَّةَ جائزةٌ في كلِّ مالٍ، قلَّ أو كثُرَ، وقد مَضَى القولُ في الوصيَّةِ بالثُّلُثِ، وأنَّهُ لا يُتَعَدَّى، ولا يُتَجاوَزُ في الوصيَّةِ وما اسْتُحبَّ من ذلكَ، وتلخيصُ وُجُوهِ القولِ فيه مُسْتوعِبًا، في بابِ ابن شِهاب (٢)، عن عامِرِ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا. قرأتُ على عبدِ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، أنَّ محمد بن بكرٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المروزيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حُسينِ بن واقِدٍ، عن أبيهِ، عن يزيدَ النَّحويِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، فكانتِ الوصيَّةُ كذلكَ، حتَّى نسَخَتها آيةُ الميراثِ. وقرأتُ على أحمد بن قاسم وعبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني مُعاويةُ بن (٤) صالح، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: وقولُهُ:

стр. 4914

﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فكان لا يرِثُ مع الوالِدينِ غيرُهُم إلّا وصيَّةً، إن كان للأقْربينَ، فأنزلَ اللهُ بعد هذا: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فبيَّن سُبحانهُ ميراثَ الوالِدينِ، وأقرَّ وصيَّةَ الأقْرَبينَ في ثُلُثِ مالِ الميِّت (١). قال أبو عُمر: مذهبُ مالكٍ وسائرِ الفُقهاءِ، أنَّ الوَصِيَّةَ نَسَختِ الوارثينَ خاصَّةً، الوالِدينِ منهُم، والأقربينَ، وبقي منها ما كان لغيرِ الوارثينَ، والِدَينِ كانوا، أو أقربينَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٢). وحدَّثنا محمدُ بن خَلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن عبدِ الرَّحمنِ الدِّمشقيُّ. وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣):

стр. 4915

حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن نَجْدةَ؛ قالوا كلُّهُم: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاش (١)، عن شُرَحبيل بن مُسلِم، سَمِعهُ يقولُ: سَمِعتُ أبا أُمامةَ الباهِليَّ يقولُ: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ في خُطْبتِهِ عامَ حَجَّةِ الوَداع: "إنَّ الله قد أعْطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّهُ، فلا وَصِيَّةَ لوارِثٍ". اللَّفظُ لحديثِ ابن أبي شيبةَ. وأخبرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادِ بن الأعْرابيِّ أبو سَعيدٍ، قال: حدَّثنا الحَسنُ بن محمدٍ بن الصَّبّاح الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم والحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: أخبرنا سَعِيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن غَنم، عن عَمرِو بن خارِجةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَطَبهُم وهُو على راحِلتِهِ، فقال: "إنَّ اللهَ قد قَسَمَ لكلِّ وارِثٍ نَصِيبَهُ من الميراثِ، فلا تجُوزُ وَصِيَّة لوارِثٍ" (٢). وأخبرنا محمدُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسين (٣)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن الهيثم النّاقِدُ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ القَطِيعيُّ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ،

стр. 4916

عن ابن جُرَيج، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا وصيَّةَ لوارِثٍ، إلّا أن يُجيزَها الوَرَثةُ" (١) (٢). قال أبو عُمر: لا خِلافَ بين العُلماءِ أنَّ الوَصِيَّةَ للأقارِبِ أفضَلُ من الوصيَّةِ لغيرِهِم إذا لم يكونُوا وَرَثةً وكانوا في حاجَةٍ، وكذلك لا خِلافَ عَلِمتهُ بين العُلماءِ في جَوازِ وصيَّةِ المُسلِم لقرابتِهِ الكُفّارِ؛ لأنَّهُم لا يَرِثُونهُ، وقد أوصَتْ صفيَّةُ بنتُ حُيَيّ لأخ لها يهُوديٍّ (٣). واختلفُوا فيمَنْ أوصى لغيرِ قَرابتِهِ، وتركَ قَرابتَهُ الذين لا يرثُونَ، فرُوِيَ عن عُمرَ: أنَّهُ أوصى لأُمَّهاتِ أولادِهِ، لكلِّ واحدةٍ بأربعةِ آلاف (٤)، ورُوِيَ عن عائشةَ: أنَّها أوصَتْ لمولاةٍ لها بأثاثِ البيتِ. ورُوِيَ عن سالم مِثلُ ذلك. قال الضَّحّاكُ: إن أوصى لغيرِ قَرابتِهِ، فقد ختَمَ عملهُ بمَعْصيةٍ. وقال طاوُوسٌ: من أوْصَى فسمَّى غيرَ قَرابتِهِ، وترَكَ قَرابتَهُ مُحتاجينَ، رُدَّت وصيَّتُهُ على قَرابتِهِ؛ ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عن مَعْمرٍ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ. وهُو مشهُورٌ عن طاوُوسٍ. ورُوَي عن الحسنِ البصريِّ مِثلُهُ. وقال الحسنُ أيضًا، وجابرُ بن زيدٍ، وسعيدُ بن المُسيِّبِ: إذا أوصَى لغيرِ قَرابتِه وتَرَكَ قرابتَهُ، فإنَّهُ يُرَدُّ إلى قَرابتِهِ ثُلُثا الثُّلُثِ، ويُمضَى ثُلُثُهُ لمن أوْصَى لهُ.

стр. 4917

أخبرنا محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي داودَ، قال: حدَّثنا المُثنَّى بن أحمد، قال: حدَّثنا عاصِمُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو هِلالٍ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن الحسنِ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، وجابرِ بن زيدٍ، فذكرهُ (١)؛ وبه قال إسحاقُ بن راهُوية. ذكرهُ إسحاقُ الكوسجُ عنهُ، حدَّثناهُ أحمدُ بن محمدِ بن أحمد وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بن سَلَمةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الجارُودِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصُورٍ، عن إسحاقَ، فذَكَرهُ. وقال مالكٌ، وسُفيانُ الثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم: إذا أوْصَى لغيرِ قَرابتِهِ، وتركَ قَرابتَهُ محُتاجين أو غيرَ مُحتاجينَ، جازَ مما صنَعَ، وبِئسَ ما فَعَل، إذا تركَ قَرابتَهُ مُحتاجينَ وأوصى لغيرِهِم. وبه قال أحمدُ بن حَنْبل (٢). وهُو قولُ عُمرَ، وعائشةَ، وابنِ عبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادةَ، وسَعيدِ بن جُبَير (٣). وجُمهُورُ أهلِ العِلم. واحتجَّ الشّافِعيُّ، وغيرُهُ، في جَوازِ الوصيَّةِ لغيرِ الأقارِبِ، بحديثِ عِمرانَ بن حُصَينٍ، في الذي أعتَقَ سِتّةَ أعبُدٍ لهُ عندَ موتِهِ في مَرضِهِ، لا مالَ لهُ غيرُهُم، فأقَرَعَ رسولُ الله ﷺ بينهُم، فأعتَقَ اثْنَينِ، وأرقَّ أربعةً (٤). فهذه وصيَّةٌ لهم في ثُلُثِهِ؛ لأنَّ أفعالَ المريضِ كلَّها وصيَّةٌ في ثُلُثِهِ، وهُم لا مَحالةَ من غيرِ قَرابِتِهِ.
следующие страницы →