← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4913–4952 · переход к 4918.

стр. 4913

وهذا كلُّهُ يدُلُّك على أنَّ الأمرَ بالوصيَّةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ على النَّدبِ، لا على الإيجاب، ولو كانتِ الوَصِيَّةُ واجِبةً في الكِتابِ للوالِدينِ والأقْرَبينَ، كانت مَنْسُوخةً بآيةِ المواريثِ، ثُمَّ ندَبَ رسُولُ الله إلى الوَصِيَّةِ لغيرِ الوالِدينِ، وحضَّ عليها، وقال: "لا وصيَّةَ لوارِثٍ" (١). فاستقامَ الأمرُ وبانَ، واللّه المُستعانُ. فالوَصيَّةُ مندُوبٌ إليها، مرغُوبٌ فيها، غيرُ واجِبٍ شيءٌ منها. واتَّفقَ فُقهاءُ الأمْصارِ على أنَّ الوصيَّةَ جائزةٌ في كلِّ مالٍ، قلَّ أو كثُرَ، وقد مَضَى القولُ في الوصيَّةِ بالثُّلُثِ، وأنَّهُ لا يُتَعَدَّى، ولا يُتَجاوَزُ في الوصيَّةِ وما اسْتُحبَّ من ذلكَ، وتلخيصُ وُجُوهِ القولِ فيه مُسْتوعِبًا، في بابِ ابن شِهاب (٢)، عن عامِرِ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا. قرأتُ على عبدِ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، أنَّ محمد بن بكرٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المروزيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حُسينِ بن واقِدٍ، عن أبيهِ، عن يزيدَ النَّحويِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، فكانتِ الوصيَّةُ كذلكَ، حتَّى نسَخَتها آيةُ الميراثِ. وقرأتُ على أحمد بن قاسم وعبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني مُعاويةُ بن (٤) صالح، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: وقولُهُ:

стр. 4914

﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فكان لا يرِثُ مع الوالِدينِ غيرُهُم إلّا وصيَّةً، إن كان للأقْربينَ، فأنزلَ اللهُ بعد هذا: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فبيَّن سُبحانهُ ميراثَ الوالِدينِ، وأقرَّ وصيَّةَ الأقْرَبينَ في ثُلُثِ مالِ الميِّت (١). قال أبو عُمر: مذهبُ مالكٍ وسائرِ الفُقهاءِ، أنَّ الوَصِيَّةَ نَسَختِ الوارثينَ خاصَّةً، الوالِدينِ منهُم، والأقربينَ، وبقي منها ما كان لغيرِ الوارثينَ، والِدَينِ كانوا، أو أقربينَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٢). وحدَّثنا محمدُ بن خَلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن عبدِ الرَّحمنِ الدِّمشقيُّ. وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣):

стр. 4915

حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن نَجْدةَ؛ قالوا كلُّهُم: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاش (١)، عن شُرَحبيل بن مُسلِم، سَمِعهُ يقولُ: سَمِعتُ أبا أُمامةَ الباهِليَّ يقولُ: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ في خُطْبتِهِ عامَ حَجَّةِ الوَداع: "إنَّ الله قد أعْطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّهُ، فلا وَصِيَّةَ لوارِثٍ". اللَّفظُ لحديثِ ابن أبي شيبةَ. وأخبرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادِ بن الأعْرابيِّ أبو سَعيدٍ، قال: حدَّثنا الحَسنُ بن محمدٍ بن الصَّبّاح الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم والحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: أخبرنا سَعِيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن غَنم، عن عَمرِو بن خارِجةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَطَبهُم وهُو على راحِلتِهِ، فقال: "إنَّ اللهَ قد قَسَمَ لكلِّ وارِثٍ نَصِيبَهُ من الميراثِ، فلا تجُوزُ وَصِيَّة لوارِثٍ" (٢). وأخبرنا محمدُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسين (٣)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن الهيثم النّاقِدُ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ القَطِيعيُّ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ،

стр. 4916

عن ابن جُرَيج، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا وصيَّةَ لوارِثٍ، إلّا أن يُجيزَها الوَرَثةُ" (١) (٢). قال أبو عُمر: لا خِلافَ بين العُلماءِ أنَّ الوَصِيَّةَ للأقارِبِ أفضَلُ من الوصيَّةِ لغيرِهِم إذا لم يكونُوا وَرَثةً وكانوا في حاجَةٍ، وكذلك لا خِلافَ عَلِمتهُ بين العُلماءِ في جَوازِ وصيَّةِ المُسلِم لقرابتِهِ الكُفّارِ؛ لأنَّهُم لا يَرِثُونهُ، وقد أوصَتْ صفيَّةُ بنتُ حُيَيّ لأخ لها يهُوديٍّ (٣). واختلفُوا فيمَنْ أوصى لغيرِ قَرابتِهِ، وتركَ قَرابتَهُ الذين لا يرثُونَ، فرُوِيَ عن عُمرَ: أنَّهُ أوصى لأُمَّهاتِ أولادِهِ، لكلِّ واحدةٍ بأربعةِ آلاف (٤)، ورُوِيَ عن عائشةَ: أنَّها أوصَتْ لمولاةٍ لها بأثاثِ البيتِ. ورُوِيَ عن سالم مِثلُ ذلك. قال الضَّحّاكُ: إن أوصى لغيرِ قَرابتِهِ، فقد ختَمَ عملهُ بمَعْصيةٍ. وقال طاوُوسٌ: من أوْصَى فسمَّى غيرَ قَرابتِهِ، وترَكَ قَرابتَهُ مُحتاجينَ، رُدَّت وصيَّتُهُ على قَرابتِهِ؛ ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عن مَعْمرٍ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ. وهُو مشهُورٌ عن طاوُوسٍ. ورُوَي عن الحسنِ البصريِّ مِثلُهُ. وقال الحسنُ أيضًا، وجابرُ بن زيدٍ، وسعيدُ بن المُسيِّبِ: إذا أوصَى لغيرِ قَرابتِه وتَرَكَ قرابتَهُ، فإنَّهُ يُرَدُّ إلى قَرابتِهِ ثُلُثا الثُّلُثِ، ويُمضَى ثُلُثُهُ لمن أوْصَى لهُ.

стр. 4917

أخبرنا محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي داودَ، قال: حدَّثنا المُثنَّى بن أحمد، قال: حدَّثنا عاصِمُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو هِلالٍ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن الحسنِ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، وجابرِ بن زيدٍ، فذكرهُ (١)؛ وبه قال إسحاقُ بن راهُوية. ذكرهُ إسحاقُ الكوسجُ عنهُ، حدَّثناهُ أحمدُ بن محمدِ بن أحمد وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بن سَلَمةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الجارُودِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصُورٍ، عن إسحاقَ، فذَكَرهُ. وقال مالكٌ، وسُفيانُ الثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم: إذا أوْصَى لغيرِ قَرابتِهِ، وتركَ قَرابتَهُ محُتاجين أو غيرَ مُحتاجينَ، جازَ مما صنَعَ، وبِئسَ ما فَعَل، إذا تركَ قَرابتَهُ مُحتاجينَ وأوصى لغيرِهِم. وبه قال أحمدُ بن حَنْبل (٢). وهُو قولُ عُمرَ، وعائشةَ، وابنِ عبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادةَ، وسَعيدِ بن جُبَير (٣). وجُمهُورُ أهلِ العِلم. واحتجَّ الشّافِعيُّ، وغيرُهُ، في جَوازِ الوصيَّةِ لغيرِ الأقارِبِ، بحديثِ عِمرانَ بن حُصَينٍ، في الذي أعتَقَ سِتّةَ أعبُدٍ لهُ عندَ موتِهِ في مَرضِهِ، لا مالَ لهُ غيرُهُم، فأقَرَعَ رسولُ الله ﷺ بينهُم، فأعتَقَ اثْنَينِ، وأرقَّ أربعةً (٤). فهذه وصيَّةٌ لهم في ثُلُثِهِ؛ لأنَّ أفعالَ المريضِ كلَّها وصيَّةٌ في ثُلُثِهِ، وهُم لا مَحالةَ من غيرِ قَرابِتِهِ.

стр. 4918

وحسبُك بجَماعةِ أهلِ الفِقهِ والحديثِ يُجيزُونَ الوصيَّةَ لغيرِ القَرابةِ، وفي ذلك ما يُبيِّنُ لكَ المُرادَ من معاني الكِتابِ، وباللّه العِصمةُ والتَّوفيقُ. ذكَرَ حمّادُ بن سَلَمةَ، عن قَتادةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، في رجُلٍ أوْصَى بثُلُثِهِ في غيرِ قَرابتِهِ، قال: يُمضَى حيثُ أوْصَى. وذكر حمّادُ بن سَلَمةَ أيضًا، عن حُميدٍ الطَّويلِ: أنَّ ثُمامةَ بن عبدِ الله كتَبَ إلى خالدٍ (١) يسألُهُ عن رجُلٍ أوصى بثُلُثِهِ في غيرِ قرابتِهِ، فكتَبَ خالدٌ: أنْ أمضِهِ كما قال، وإن أمر بثُلُثِهِ أن يُلقى في البحرِ. قال حُميدٌ: وقال محمدُ بن سيرينَ: أمّا في البحرِ فلا، ولكِن يُمضى كما قال (٢). وذكَرَ وكيعٌ، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن عامِرٍ، قال: للرَّجُلِ ثُلُثُهُ عندَ موتِهِ يطرحُهُ في البحرِ إن شاءَ (٣). ووكيعٌ، عن طَلْحةَ بن عَمْرٍو الحضرميِّ، عن عَطاءِ بن أبي رَباح، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ تَصدَّقَ عليكُم بثُلُثِ أموالِكُم عندَ وفاتِكُم، زيادةً لكُم في أعمالكُم" (٤). والمُباركُ بن حسّانٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ يقولُ: ابنَ آدمَ، اثْنَتانِ لم يَكُن لكَ واحدةٌ منهُما، جَعَلتُ لكَ

стр. 4919

نَصِيبًا من مالكَ حينَ أخَذتُ بكَظَمِكَ (١) لأُطهِّرَكَ وأُزكِّيَكَ، وصَلاةُ عِبادي عليكَ" (٢). ودُرُستُ بن زيادٍ، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، قال: كُنّا عندَ رسُولِ الله ﷺ فقالوا: يا رسُولَ الله، ماتَ فُلانٌ، قال: "أو ليسَ كان عندَنا آنِفًا؟ "، قالوا: بَلَى، قال: "سُبحانَ الله، أَخْذَةَ أسفٍ على غَضبٍ، المحرُومُ من حُرِمَ وصيَّتَهُ" (٣). وثورُ بن يزيد، عن خالدِ بن مَعْدانَ، قال: قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: إنَّ اللهَ تصدَّقَ علينا بثُلُثِ أموالِنا، زيادةً في أعمالِنا. قال أبو عُمر: تَرَكتُ الأسانيدَ بيني وبينَ رُواةِ هذه الأحاديثِ، وهي أحاديثُ حِسانٌ، ولَيْست فيها حُجَّةً من جِهةِ الإسنادِ؛ لأنَّ في نَقَلتِها ضعفًا، وأصَحُّ منها: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال:

стр. 4920

حدَّثنا بَكْرُ بن حمّادٍ؛ قالا (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا عُمارةُ بن القَعْقاع، عن أبي زُرْعةَ عَمرِو بن جريرٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رَجُلٌ: يا رسُولَ الله، أيُّ الصَّدقةِ أفْضَلُ؟ قال: "أن تصدَّقَ وأنتَ صَحِيحٌ حريصٌ، تأمُلُ البَقاءَ، وتخشى الفقر، ولا تُمهِلْ حتَّى إذا بَلَغتِ الحُلقُوم، قلتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كذا". زاد عبدُ الوارثِ: "وقد كان لفُلانٍ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشام، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن مُطرِّفٍ، عن أبيهِ، قال: أتيتُ النَّبيَّ ﵇ وهُو يقرأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، فقال: "يقولُ ابنُ آدم: مالي مالي، وما لكَ من مالكَ إلّا ما أكلتَ فأفْنَيتَ، أو لبِستَ فأبْلَيتَ، أو تَصدَّقتَ فأمْضَيتَ" (٢). ورواهُ شُعبَةُ (٣)، وسعيدُ بن أبي عَرْوبةَ (٤)، عن قتادةَ، عن مُطرِّفِ بن عبدِ الله، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﵇، مِثلهُ سَواءً.

стр. 4921

وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، قال: أخْبَرني ابنُ أبي ذِئبٍ، عن شُرَحبيلَ بن سعدٍ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لأنْ يَتَصدَّقَ المرءُ في حَياتِهِ بدِرهم، خيرٌ من أن يَتَصدَّقَ بمئةٍ عندَ موتِهِ". وروى موسى بن عُقْبةَ وشُعبةُ (٢) والثَّوريُّ (٣)، عن أبي إسحاقَ، عن أبي حَبِيبةَ الطّائيِّ، قال: سمِعتُ أبا الدَّرداءِ، يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله يقولُ: "مَثَلُ الذي يُعتِقُ عندَ الموتِ، مَثَلُ الذي يُهدي إذا شَبِعَ". ورواهُ أبو الأحوصِ، وجماعةٌ، عن أبي إسحاقَ، بإسنادِهِ مِثلَهُ (٤). ومِن حديثِ أبي سُفيانَ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ (٥). وذكَرَ وكيعٌ، عن الثَّوريِّ والأعمشِ، عن زُبَيْد (٦)، عن مُرَّةَ، عن عَبدِ الله بن

стр. 4922

مَسْعُودٍ، في قولِهِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، قال: أن تُؤتيَهُ وأنتَ صحيحٌ شَحِيحٌ، تأمُلُ العيشَ، وتخشَى الفقرَ (١). وذكَرَ حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي هِندٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: من أوْصَى بوَصيَّةٍ، فلم يُضارَّ فيها، ولم يَجْنِفْ (٢) كانت بمَنزِلةِ ما لو تصدَّقَ بها وهُو صَحِيحٌ (٣). حدَّثنا محمدُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن موسى، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي هِندٍ، عن عِكرِمَةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: الإضْرارُ في الوَصيَّةِ من الكَبائرِ (٤). ثُمَّ قرأ: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٢ - ١٤]. قال: في الوصيَّةِ. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣] قال: في الوَصيَّة (٥). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦): حدَّثنا عبدَةُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ بن عبدِ الوارثِ، قال: حدَّثنا (٧)

стр. 4923

نصرُ بن عليٍّ الحُدّانيُّ، قال: حدَّثنا الأشْعَثُ بن جابرٍ الحُدّانيُّ، قال: حدَّثنا شَهْرُ بن حَوْشبٍ، أنَّ أبا هُريرةَ حدَّثهُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّ الرَّجُلَ ليَعْمَلُ، أوِ المرأةَ، بطاعَةِ الله سِتِّينَ أو سبعينَ سنةً، ثُمَّ يحضرُهُما الموتُ، فيُضارّانِ في الوَصِيَّةِ، فتَجِبُ لهما النّارُ". وقَرَأ أبو هُريرةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]. وفي (١) روايةِ مَعْمَر: إنَّ الرَّجُلَ ليعملُ بعَمَل أهلِ الشّرِّ سبعينَ سَنَة ثم يَعدِلُ في وصيتِهِ، فيُختمُ له بخيرِ عَمَلِه، فيدخُلُ الجنةَ. ولم يقل معمر: ابن جابرٍ الحُدّاني. ورَوَى الثَّوريُّ ومَعْمرٌ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، قال: الجَنَفُ، أن يُوصيَ لابنِ ابْنتِهِ وهُو يُريدُ أبنتَهُ. ويقولُ طاوُوسٌ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ وقال: "لا وَصِيَّةَ لوارِثٍ" (٢). ورُوي عن ابن عبّاسٍ في تفسيرِ الجَنَفِ مِثلُ قولِ طاوُوس (٣). وقال الحسنُ: هُو أن يُوصِيَ للأجانِبِ، ويترُكَ الأقارِبَ. وأصلُ الجَنَفِ في اللُّغةِ: الميلُ، ومعناهُ في الشَّريعةِ: الإثمُ. قال أبو عُمر: جُمهُورُ العُلماءِ على أنَّ الوَصيَّةَ لا تجُوزُ لوارِثٍ، على حالٍ من الأحوالِ، إلّا أن يُجيزَها الوَرَثةُ بعد مَوْتِ المُوصِي، فإن أجازَها الوَرَثةُ بعد الموتِ، فجُمهُورُ العُلَماءِ على جَوازِها. ومِمَّن قال ذلكَ: مالكٌ، وسُفيانُ، والأوزاعيُّ، وأبو حَنِيفةَ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال ابنُ خُوَيْزمَنْداد: اختلَفَ أصحابُنا في الوصيَّةِ للوارِثِ، فقال بعضُهُم:

стр. 4924

هي وصيَّةٌ صَحِيحةٌ، وللوارِثِ الخيارُ في إجازَتها أو رَدِّها، فإن أجازُوا، فإنَّما هُو تنفيذٌ لِما أوصى به الميِّتُ. وقال بعضُهُم: لَيْست وصيَّةً صحيحةً، فإن أجازُوا فهي عَطِيَّةٌ منهُم مُبتَدأةٌ (١). وقال المُزنيُّ، وداودُ، وأهلُ الظّاهِرِ: لا تجُوزُ وإن أجازَها الوَرَثةُ، وحسبُهُم أن يُعطُوهُ من أموالِهِم ما شاؤُوا (٢). وحُجَّتُهُم أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا وَصِيَّةَ لوارِثٍ" (٣)، ولم يَقُل: إلّا أن يُجِيزَها الوَرَثةُ. وسائرُ العُلَماءِ من التّابِعينَ ومن بعدَهُم من الخالِفينَ يُجيزُونها؛ لأنَّهُم يَرَونَها عطيَّةً من الوَرَثةِ، بعضِهم لبعضٍ، فلذلك اعتَبرُوا فيها الجَوازَ بعدَ موتِ المُوصي؛ لأنَّهُ حينئذٍ يَصِحُّ مِلكُهُم، وتَصِحُّ عطيّتهُم. واختلفَ الفُقهاءُ في إجازَةِ الوَرَثةِ الوصيَّةَ في حياةِ المُوصي إذا أوصَى لوَرثتِهِ، أو بأكثرَ من ثُلُثِهِ واسْتَأذَنهُم في ذلكَ وهُو مَريضٌ، فقال مالكٌ: إذا كان مريضًا واستأذِنَ وَرَثتَهُ في أن يُوصيَ لوارِثٍ، أو يُوصِيَ بأكثرَ من ثُلُثِهِ، فأذِنُوا لهُ وهُو مريضٌ محجُوبٌ (٤) عن أكثرَ من ثُلُثِهِ، لَزِمهُم ما أجازُوا من ذلك (٥). وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم، وأحمدُ، وأكثرُ أهلِ العِلم: لا يَلْزمُهُم حتَّى يُجيزُوا بعدَ موتِهِ، وسواءٌ أجازُوا ذلكَ في مَرضِهِ أو صِحَّتِهِ، إذا كان ذلك في حياتِهِ (٦). وأجمعُوا أنَّهُم لو أجازُوا ذلكَ وهُو صحيحٌ، لم يَلْزمْهُم، وأجمعُوا أنَّهُم إذا أجازُوا ما أوصى به مُورِّثُهُم لوارِثٍ منهُم، أو أجازُوا وَصيَّتهُ بأكثرَ من الثُّلُثِ

стр. 4925

بعدَ موتِهِ، لَزِمهُم ذلك، ولم يكُن لهم أن يَرْجِعُوا في شيءٍ منهُ، قُبِضَ أو لم يُقْبَض، وأنَّ هذا لا يُحتاجُ فيه إلى قَبْضٍ عندَ جميعِهِم. فهذه أُصُولُ مَسائلِ الوَصايا، وأمّا الفُرُوعُ، فتتَّسِعُ جِدًّا، والحمدُ للّه على كلِّ حال. وأمّا قولُهُ : ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ الآيةَ [البقرة: ١٨١]، فمعناهُ عندَ جماعةِ العُلماءِ: تبديلُ ما أوْصَى به المُتوفَّى، إذا كان ذلك مِمّا يجُوزُ إمضاؤُهُ، فإن أوصَى بما لا يجُوزُ، مِثلَ أن يُوصيَ بخَمْرٍ، أو خِنْزيرٍ، أو بشيءٍ من المعاصي، فهذا يجُوزُ تبديلُهُ، ولا يجُوزُ إمضاؤُهُ، كما لا يجُوزُ إمضاءُ ما زادَ على الثُّلثِ، أو لوارِث. حدَّثنا أحمدُ بن سعيدِ بن بِشر (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن كَعْبٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، عن ابن (٢) ثوبان، عن أبيهِ، عن مَكْحُولٍ، قال: كان في وَصِيَّةِ أبي الدَّرداءِ: بسم الله الرَّحمنِ الرَّحيم، هذا ما أوْصَى به أبو الدَّرداءِ: أَنَّهُ يَشْهدُ أن لا إله إلّا الله، وَحدهُ لا شريكَ لهُ، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ، وأنَّ النّارَ حقٌّ، وأنَّ الله يبعثُ من في القُبُورِ، وأَنَّهُ يُؤمِنُ باللّه، وَيكفُرُ بالطّاغُوتِ، على ذلكَ يحيا ويمُوتُ إن شاءَ الله، وأوْصَى فيما رَزَقهُ الله بكذا وكذا، وأنَّ هذه وَصيَّتُهُ، إن لم يُغيِّرها قبلَ الموت (٣). أخبرنا عبدُ الله بن محمد (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعْفرِ بن حمدانَ، قال:

стр. 4926

حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (١): حدَّثنا هُشَيمٌ، عن مُجالِدٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: كتبَ عُمرُ في وَصيَّتِه: ألّا يُقرُّ لي عامِلٌ أكثرَ من سنةٍ، إلّا الأشْعَريَّ، يعني أبا موسى، فأقِرُّوهُ أربعَ سِنينَ. قال أبو عُمر: لا يختلِفُ العُلماءُ أنَّ للإنسانِ أن يُغيِّر وَصِيَّتهُ ويرجِعَ فيما شاءَ منها، إلّا أنَّهُمُ اختَلفُوا من ذلك في المُدبَّرِ، فقال مالكٌ ﵀: الأمرُ المُجتَمَعُ عليه عندَنا أنَّ للإنسانِ أن يُغيِّر من وصيَّتِهِ ما شاءَ، من عَتاقةٍ، وغيرِها، إلّا التَّدبير، ولهُ أن ينقُض وصيَّتهُ كلَّها، ويُبدِّلها بغيرِها، ويصنع من ذلك ما شاءَ إلّا التَّدبير، فإنَّهُ لا يتصرَفُ فيه (٢). قال أبو الفَرَج: المُدبَّرُ في العَتاقةِ، كالمُعتقِ إلى شَهْرٍ، لأنَّهُ أجلٌ آتٍ لا محالةَ. وقد أجمعُوا أَنَّهُ لا يرجعُ في اليَمينِ بالعِتْقِ، والعِتقُ إلى أجَلٍ، فكذلك المُدبَّرُ. وقال الثَّوريُّ، وسائرُ الكُوفيِّين: إذا قال الرَّجُل: إن مُتُّ، ففُلانٌ حُرٌّ، فليسَ لهُ أن يرجِعَ، وإن قال: إن مُتُّ من مَرَضي هذا، ففُلانٌ حُرٌّ: فإن شاءَ أن يبيعهُ باعَهُ، فإن لم يبِعهُ فماتَ، عتَقَ، فإن صحَّ، فلاشيءَ لهُ. قال أبو عُمر: وإن قال الرَّجُلُ لعَبدِهِ: فُلانٌ حُرٌّ بعدَ موتي. وأرادَ الوصيَّةَ، فلهُ الرُّجُوعُ عندَ مالكٍ في ذلك، وإن قال: فُلانٌ مُدبَّرٌ بعد موتي: لم يكُن لهُ الرُّجُوعُ فيه، وإن أرادَ التَّدبير بقولِهِ الأوَّلِ: لم يرجِع أيضًا عندَ أكثرِ أصحابِ مالك (٣). واختلَفَ ابنُ القاسم وأشْهَبُ فيمَنْ قال: عبدي حُرٌّ بعدَ موتي، ولم يُرِدِ الوصيَّةَ ولا التَّدبير، فقال ابنُ القاسم: هُو وصيَّةٌ، وقال أشهبُ: هُو مُدبَّرٌ إن لم يُرِدِ الوصيَّةَ (٤).

стр. 4927

وأمّا الشّافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ، وأبو ثَوْر، فكلُّ هذا عندَهُم وصيَّةٌ، والمُدبَّرُ عندَهُم وصيَّةٌ يَرْجعُ فيها، والمُدبَّرُ وغيرُ المُّدَبَّرِ من سائرِ ما ينفُذُ بعد الموتِ في الثُّلُثِ من الوَصايا عندَهُم سواءٌ، يرجِعُ صاحِبُهُ في ذلكَ كلِّهِ، وفيما شاءَ منهُ، إلّا أنَّ الشّافِعيَّ قال: لا يكونُ الرُّجُوعُ في المُدبَّرِ، إلّا بأن يُخرِجَهُ من مِلْكِهِ ببيع أو هِبَة (١). وليسَ قولُهُ: قد رجعتُ، رُجُوعًا، وإن لم يُخرِج المُدبَّرَ من مِلْكِهِ حتَّى يمُوتَ، فإنَّهُ يعتِقُ بموتِهِ. وقال في القديم: يرجِعُ في المُدبَّرِ بما يرجِعُ في الوَصِيَّةِ. وأجازَهُ المُزنيُّ (٢)، قياسًا على إجماعِهِم على الرُّجُوع فيمَنْ أوصَى بعِتقِهِ. وقال أبو ثَوْرٍ: إذا قال: قد رَجَعتُ في مُدبَّري فُلانٍ، فقد بطَلَ التَّدبيرُ، فإن ماتَ: لم يعتِقْ. وحُجَّةُ الشّافِعيِّ ومن قال بقولِهِ، في أنَّ المُدبَّر وَصِيَّةٌ: إجماعُهُم على أَنَّهُ في الثُّلُثِ كسائرِ الوَصايا، وفي إجازَتِهِم وَطءَ المُدبَّرةِ ما يَنقُضُ قياسَهم المُدَبَّرَ (٣) على المُعتَقِ إلى أجَل. وقد ثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ باع مُدبَّرًا (٤)، وأنَّ عائشَةَ دبَّرت جاريةً لها ثُمَّ باعَتْها (٥)، وهُو قولُ جابر، وابنِ المُنكدِرِ، ومُجاهِدٍ، وجماعةٍ من التّابِعينَ (٦).

стр. 4928

حديثٌ تاسِعٌ وثلاثُونَ لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ فرضَ زَكاةَ الفِطْرِ من رَمَضانَ صاعًا من تَمر، أو صاعًا من شَعِيرٍ، على كلِّ حُرٍّ أو عَبْدٍ، ذَكَرٍ أو أُنثى، من المُسلِمينَ. لم يُختَلف عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، ولا في مَتْنِهِ، ولا في قولِهِ فيه: "من المُسلِمينَ" (٢)، إلّا قُتَيبةَ بن سَعِيدٍ وحدَهُ، فإنَّهُ رَوَى هذا الحديثَ عن مالكٍ، ولم يقُل فيه: "من المُسلِمينَ" (٣). وسائرُ الرُّواةِ عن مالكٌ قالوا عنهُ فيه: "من المُسلِمينَ". وكذلكَ هُو في "المُوطَّأ" عندَ جميعِهِم فيما عَلِمتُ. وقد زعمَ بعضُ النّاس (٤)، أنَّهُ لا يقولُ فيه أحدٌ: "من المُسلِمينَ" غيرُ مالكٍ، وذكَرَهُ أيضًا أحمدُ بن خالدٍ، عن ابن وضّاح (٥)، وليسَ كما ظنَّ الظّانُّ،

стр. 4929

وقد قالهُ غيرُ مالكٍ جماعةٌ، ولوِ انفردَ به مالكٌ، لكان حُجّةً يُوجِبُ حُكمًا عندَ أهلِ العِلم، فكيفَ ولم ينفرِد به؟ وقد رواهُ إسماعيلُ بن جعفرٍ، عن عُمرَ بن نافع، عن أبيهِ، عن ابن عُمرَ (١). ورواهُ سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ الجُمَحيُّ، عن عُبيدِ الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عُمرَ. ورواهُ كثيرُ بن فَرْقدٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ. ويونُسُ بن يزيد، عن نافع، عن ابن عُمرَ. كلُّهُم قالوا فيه: "من المُسلِمين". وذكَرَ أحمدُ بن خالدٍ: أنَّ بعضَ أصحابِهِ حدَّثهُ عن يوسُفَ بن يعقُوب القاضي، عن سُليمانَ بن حَرْبٍ، عن حمّادِ بن زَيْدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﵇ بهذا الحديثِ، وقال فيه: "من المُسلِمينَ". قال أبو عُمر: هذا عندَ أهلِ العِلم بالحديثِ خَطأٌ على أيُّوبَ لا شكَّ فيه، والمحفُوظُ عن أيُّوبَ فيه من رِوايةِ: حمّادِ بن زَيْدٍ، وإسماعيلَ ابن عُليَّةَ (٢)، وحمّادِ بن سَلَمةَ (٣)، وسلّام بن أبي مُطِيع (٤)، وعبدِ الله بن شَوْذب (٥)، وعبدِ الوارثِ بن سَعيد (٦)، وسُفيانَ بن عُيَينةَ؛ كلُّهُم رواهُ عن أيُّوبَ، لم يَقُل فيه: "من المُسلِمينَ" عنهُ واحدٌ منهُم. وأحمدُ بن خالدٍ ثِقةٌ مأمُونٌ رضًا، وإنَّما جاءَ هذا من بعضِ أصحابِهِ الذي حدَّثهُ، واللّه أعلمُ.

стр. 4930

وأمّا عُبيدُ الله بن عُمرَ، فلم يقُلْ فيه: "من المُسلِمينَ" عنهُ أحدٌ فيما عَلِمتُ أيضًا غيرُ سعيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ الجُمَحيِّ. ورواهُ عن عُبيدِ الله بن عُمر: يحيى بن سعيدٍ القَطَّانُ، وبِشرُ بن المُفضَّل، وعيسى بن يونُس، وأبو أُسامةَ (١)، ومحمدُ بن عُبيدٍ الطَّنافِسيُّ، لم يقُل واحدٌ منهُم فيه عنهُ: "من المُسلِمين". ورواهُ ابنُ جُرَيج (٢)، وابنُ أبي ليلى (٣)، وابنُ أبي روّادٍ، عن نافع، فلم يقولُوا فيه: "من المُسلِمينَ". فأمّا حديثُ أيُّوبَ: فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا حمّادُ، يعني ابنَ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله ﷺ صَدَقةَ رَمَضان على الذَّكرِ والأُنثى، والحُرِّ والمملُوكِ، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعيرٍ. قال عبدُ الله: فعدَلَ النّاسُ نِصفَ صاع من بُرٍّ، بصاع من تمرٍ. قال: وكان عبدُ الله يُعطي التَّمرَ، فأعوَزَ أهلَ المدينةِ التَّمرُ عامًا، فأعْطَى الشَّعيرَ (٤). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا مُسدَّدٌ وسُليمانُ بن داودَ العتكيُّ، قالا: حدَّثنا حمّادٌ، عن

стр. 4931

أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله ﷺ . فذكَرَ مِثلهُ حرفًا بحرفٍ إلى آخِرِهِ، ليس فيه: "من المُسلِمينَ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُمفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "صَدَقةُ الفِطْرِ صاعٌ من تمرٍ، أو صاعٌ من شَعِيرٍ". قال ابنُ عُمر: فلمّا كان مُعاويةُ عدَلَ النّاسُ نِصفَ صاع بُرٍّ، بصاع شَعِيرٍ. قال نافعٌ: فكان عبدُ الله بن عُمرَ يُخرِجُ زَكاةَ الفِطْرِ عن الصغيرِ من أهلِهِ والكبيرِ، والحُرِّ والعَبْد (١). قال أبو عُمر: هكذا قال ابنُ عُيَينةَ، عن أيُّوبَ في الحديثِ: قال ابنُ عُمرَ: فلمّا كان مُعاويةُ. وقال ابنُ أبي روّادٍ فيه، عن نافع: فلمّا كان عُمرُ. ويأتي ذلك في هذا البابِ إن شاءَ الله. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢): أخبرنا عِمرانُ بن موسى، عن عبدِ الوارثِ، قال: حدَّثنا أَيُّوبُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله ﷺ زَكاةَ رمضانَ على الحُرِّ والعبدِ، والذَّكرِ والأُنثى، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعِيرٍ، فعدَلَ النّاسُ به نِصفَ صاع من بُرٍّ. وكلُّ من رَواهُ عن أيُّوبَ لم يقُل فيه: "من المُسلِمينَ" إلّا ما ذَكَرهُ أحمدُ بن خالدٍ، فاللّهُ أعلمُ مِمَّن جاءَ الوَهمُ في ذلك.

стр. 4932

وأمّا حديثُ عُبيدِ الله بن عُمر: فحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ وبِشرُ بن المُفضل، قالا: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ (٢)، قال: حدَّثني نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ فرضَ صَدَقةَ الفِطرِ صاعًا من شَعيرٍ، أو تمرٍ، على الصَّغيرِ والكبيرِ، والحُرِّ والمملُوكِ. زاد بِشرٌ (٣): والذَّكَرِ والأُنثى. قال أبو داود: وهُو صحيحٌ في حديثِ أيُّوبَ وعُبيدِ الله: الذَّكرُ والأُنثى (٤). قال أبو عُمر: قد سقطَ لقوم عن أيُّوبَ، ولِقوم عن عُبيدِ الله في هذا الحديثِ: الذَّكَرِ والأُنثى. ولكِن من حفِظَ، حُجَّةٌ على من لم يحفظ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥): أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا عيسى بن يوُنس، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله ﷺ صَدَقةَ الفِطْرِ على الصَّغيرِ والكبيرِ، والذَّكَرِ والأُنثى، والحُرِّ والعَبْدِ، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعيرٍ. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي العَنْبسِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبَيدٍ، عن عُبيدِ الله، عن نافع،

стр. 4933

عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ فرضَ زَكاةَ الفِطْرِ صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ، صغيرٍ أو كَبير (١). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا الهيثمُ بن خالدٍ الجُهَنيُّ، قال: حدَّثنا حُسينُ بن عليٍّ الجُعفيُّ، عن زائدةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي روّادٍ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: كان النّاسُ يُخرِجُونَ صَدَقةَ الفِطْرِ على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ صاعًا من شَعيرٍ، أو تمرٍ، أو سُلْتٍ، أو زبيبٍ. قال عبدُ الله: فلمّا كان عُمرُ، وكَثُرتِ الحِنْطةُ، جعلَ عُمرُ نِصفَ صاع حِنْطةٍ مكان صاع من تلكَ الأشياءِ. قال أبو عُمر: لم يَقُل أحدٌ من أصحابِ نافع عنهُ في هذا الحديثِ فيما علِمتُ: أو سُلْتٍ، أو زبيبٍ، إلّا عبدَ العزيزِ بن أبي روّادٍ، وقال فيه: فلمّا كان عُمرُ، وكثُرتِ الحِنطةُ، جعلَ نِصفَ صاع مكان تِلك الأشياءِ. وابنُ عُيينةَ يقولُ فيه: فلمّا كان مُعاويةُ. وقولُ ابن عُيَينةَ عِندي أولى، واللّه أعلمُ؛ لأنَّهُ أحْفَظُ وأثبتُ من ابن أبي رَوّادٍ. وأمّا من ذكَرَ في هذا الحديثِ: "من المُسلِمينَ"، كما قال مالكٌ: فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ البَغْداديُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ الجُمَحيُّ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال:

стр. 4934

فرضَ رسُولُ الله ﷺ زَكاةَ الفِطْرِ من رمضانَ، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعِيرٍ، على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ، ذَكَرٍ أو أُنثى من المُسلِمينَ (١). وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣). قالا: أخبرنا يحيى بن محمدِ بن السَّكَنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَهْضَم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جَعْفرٍ، عن عُمرَ بن نافع، عن أبيهِ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله ﷺ زَكاةَ الفِطْرِ صاعًا من تَمْرٍ أو صاعًا من شَعِيرٍ، على الحُرِّ والعبدِ، والذَّكرِ والأُنثى، والصَّغيرِ والكبيرِ من المُسلِمينَ، فأمَرَ بها أن تُؤَدَّى قبلَ خُرُوج النّاسِ إلى الصَّلاةِ. قال أبو داود: رواهُ عبدُ الله العُمريُّ، عن نافع، فقال فيه: على كلِّ مُسلِم (٤). ورواهُ سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ الجُمَحيُّ، عن عُبيدِ الله، عن نافع، فقال: فيه: "من المُسلِمينَ". قال: والمشهُورُ، عن عُبيدِ الله، ليس فيه: "من المُسلِمينَ". وأخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حَمْزةَ، قال:

стр. 4935

حدَّثنا أبو جَعْفرٍ الطَّحاويُّ (١) أحمدُ بن محمدِ بن سَلامةَ بن سَلَمة الأزديُّ، قال: حدَّثنا فهدُ بن سُليمان وطاهِرُ بن عَمرِو بن الرَّبيع بن طارِقٍ الِهلاليُّ، قالا: حدَّثنا عَمرُو بن الرَّبيع بن طارِقٍ، قال: أخبرني يحيى بن أيُّوبَ، عن يوُنسَ بن يزيدَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن رسُولِ الله ﷺ ، مِثلَ حديثِ مالكٍ سَواءً. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُفَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحيم وعبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ ومحمدُ بن يحيى بن عبدِ العزيزِ ومحمدُ بن محمدِ بن أبي دُلَيم، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الله بن بُكير (٢)، عن اللَّيثِ، عن كَثيرِ بن فَرْقَد (٣)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن رسُولِ الله ﷺ ، أنَّهُ قال: "زَكاةُ الفِطْرِ على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ من المُسلِمينَ، صاعٌ من تَمْرٍ، أو صاعٌ من شَعِيرٍ" (٤). أمّا رِوايةُ قتيبةَ بن سعيدٍ لهذا الحديثِ، عن مالكٍ: فحدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضل (٥) الخفّافُ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الخضِرِ الأسيُوطيُّ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (٦)؛ قالا جميعًا: أخبرنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن

стр. 4936

نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله ﷺ صَدَقةَ الفِطْرِ على الذَّكَرِ والأُنثى، والحُرِّ والمملُوكِ، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعيرٍ. زاد أحمدُ بن شُعَيبٍ في حديثِهِ: قال: فعدَلَ النّاسُ إلى نِصفِ صاع بُرٍّ. وزاد الفِرْيابيُّ (١) في حديثِهِ: قال: وكان ابنُ عُمرَ يُخرِجُ عن غِلمانٍ لهُ وهُم غُيَّبٌ. هكذا رَوَى هذا الحديثَ قُتيبةُ، عن مالكٍ، لم يقُل فيه: "من المُسلِمينَ". وزادَ عنهُ ألفاظًا لم يذكُرها غيرُهُ عنهُ في "المُوطَّأ" من قولِ ابن عُمر وفِعْلِهِ، وأظُنُّهُ خُلِطَ عليه حديثُ مالكٍ بحديثِ غيرِهِ، واللّه أعلمُ، والمحفُوظُ فيه عن مالكٍ: "من المُسلِمينَ" (٢). وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ مَعانٍ اختلَفتِ العُلماءُ في بعضِها، وأجمعُوا على بعضِها. فأوَّلُ ذلكَ: أنَّهُمُ اختلفُوا في زَكاةِ الفِطْرِ: هل هي فرضٌ واجِبٌ، أو سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، أو فِعلُ خَيْرٍ مندُوبٌ إليه؟ فجُمهُورُ العُلماءِ وجماعةُ الفُقهاءِ، على أنَّها فرضٌ واجِبٌ، فَرَضهُ رسُولُ الله ﷺ ، كما قال ابنُ عُمرَ. وقال قائلُونَ: هي سنةٌ مُؤَكَّدةٌ ولا يَنْبغي تركُها. وقال بعضُهُم: هي فِعْلُ خيرٍ، وقد كانت واجِبةً، ثُمَّ نُسِخت. رُوِيَ هذا عن قَيْسِ بن سَعْد (٣). أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٤): أخبرنا محمدُ بن عبدِ الله بن المُباركِ. وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ،

стр. 4937

قال: أخبرنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جريرٍ، قال: حدَّثنا أبو كُريب. قالا: حدَّثنا وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن سَلَمةَ بن كُهَيل (١)، عن القاسم بن مخُيَمِرةَ، عن أبي عمّارٍ الهَمَدانيِّ، عن قَيْسِ بن سَعدٍ، قال: أمَرَنا رسُولُ الله ﷺ بصَدَقةِ الفِطْرِ قبلَ أن تَنْزِلَ الزَّكاةُ، فلمّا نَزَلتِ الزَّكاةُ، لم يأمُرْنا، ولم يَنْهَنا، ونحنُ نفعلُهُ. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢): أخبرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيع، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن الحَكَم بن عُتَيبةَ، عن القاسم بن مُخَيمِرةَ، عن عَمرِو بن شُرَحبيل، عن قَيْسِ بن سعدِ بن عُبادةَ، قال: كُنّا نصُومُ عاشُوراءَ، ونُؤَدِّي صَدَقةَ الفِطْرِ، فلمّا نزلَ رَمَضانُ، ونزلتِ الزَّكاةُ، لم نُؤمَر به، ولم نُنهَ عنهُ، ونحنُ نفعَلُهُ. قال أبو جعفرٍ الطَّبَريُّ: أجمَعَ العُلماءُ جميعًا، لا اختِلافَ بينِهم، أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بصدقةِ الفِطْرِ، ثُمَّ اختلفُوا في نَسْخِها، فقال قَيْسُ بن سعدِ بن عُبادَةَ: كان النَّبيُّ ﵇ يأمُرُنا بها قبلَ نُزُولِ الزَّكاةِ، فلمّا نزلت آيةُ الزَّكاةِ لم يأمُرْنا بها ولم يَنْهنا عنها، ونحنُ نفعلُهُ. قال: وقال جُلُّ أهلِ العِلم: هي فرضٌ، لم يَنْسخها شيءٌ. قال: وهُو قولُ مالكٍ، والأوزاعيِّ، والثَّوريِّ، والشّافِعيِّ، وأبي حَنِيفةَ، وأبي يوسُف ومحمدٍ، وأبي ثورٍ. قال الطَّبريُّ: حدَّثنا بقولِ مالكٍ: يونُسُ، عن أشْهَب، عن مالكٍ، قال: هي فرضٌ. وفي سماع زيادِ بن عبدِ الرَّحمنِ من مالكٍ، قال: مالكٌ سُئلَ عن تفسيرِ قولِ الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]: هي التي قُرِنت بالصَّلاةِ؟

стр. 4938

قال: فسمِعتُهُ يقولُ: هي زكاةُ الأموالِ كلِّها، من الذَّهَبِ، والوَرِقِ، والثِّمارِ، والحُبُوبِ، والمواشي، وزكاةُ الفِطرِ، وتلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١) [التوبة: ١٠٣]. وذكر أبو التَّمّام، قال: قال مالكٌ: زكاةُ الفِطرِ واجِبةٌ. وبه قال أهلُ العِلم، كلُّهُم، إلّا بعضَ أهلِ العِراقِ، فإنَّهُ قال: سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ. قال أبو عُمر: اختلَفَ المُتأخِّرُون من أصحابِ مالكٍ في هذه المسألةِ، فقال بعضُهُم: هي سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، وقال بعضُهُم: هي فرضٌ واجِبٌ (٢). ومِمَّن ذهَبَ إلى مذاهِبِهِم: أصْبغُ بن الفَرج. وكذلكَ اختلفَ أصحابُ داود بن عليٍّ فيها أيضًا على قولينِ، أحدُهُما: أنَّها فرضٌ واجِبٌ، والآخِرُ: أنَّها سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ. وسائرُ العُلماءِ على أنَّها واجِبةٌ (٣). وأمّا قولُ ابنِ عُمرَ في هذا الحديثِ: فرضَ رسولُ الله ﷺ صَدَقةَ الفِطْر (٤). فإنَّهُ يحتمِلُ وجهينِ: أحدُهُما، وهُو الأظْهَرُ فرضَ، بمعنَى: أوجبَ. والآخرُ فرضَ، بمعنى: قدَّرَ، من المِقدارِ، كما تقولُ: فرضَ القاضي نَفَقةَ اليتيم، أي: قَدَّرها وعرَّف مِقْدارها. والذي أذهَبُ إليه، أنْ لا يُزالُ قولُهُ: "فرضَ" على معنى الإيجابِ، إلّا بدليلِ الإجماع، وذلك معدُومٌ في هذا الموضِع، وقد فهِمَ المُسلِمُونَ من قولِهِ

стр. 4939

عزَّ وجلَّ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، ونحوِ ذلك: أَنَّهُ شيءٌ أوْجَبهُ، وقدَّرهُ، وقَضَى به، وقال الجميعُ للشَّيءِ الذي أوْجَبهُ الله: هذا فرضٌ. وما أوجَبهُ رسُولُ الله ﷺ ، فعَنِ الله أوجَبهُ، وقد فرضَ اللهُ طاعَتهُ، وحذَّرَ عن مُخالفتِهِ، ففرضُ الله، وفَرْضُ رسُولِهِ سَواءٌ، إلّا أن يقومَ الدَّليلُ على الفَرْقِ بين شيءٍ من ذلكَ، فيُسلَّمَ حينَئذٍ للدَّليلِ الذي لا مدفَعَ فيه، وباللّه التَّوفيقُ. والقولُ بوُجُوبِها من جِهةِ اتِّباع سبيلِ المُؤمِنينَ واجِبٌ أيضًا؛ لأنَّ القولَ بأنَّها غيرُ واجِبةٍ شُذُوذٌ، أو ضربٌ من الشُّذُوذِ. ولعلَّ جاهِلًا أن يقولَ: إنَّ زَكاةَ الفِطْرِ لو كانت فَرِيضةً، لكَفَرَ من قال: إنَّها ليست بفَرْضٍ، كما لو قال في زَكاةِ المالِ المفرُوضةِ، أو في الصَّلاةِ المفرُوضةِ: إنَّها لَيْست بفَرْض: كَفَرَ. فالجوابُ عن هذا ومِثلِهِ: أنَّ ما ثبتَ فرضُهُ من جِهَةِ الإجماع، الذي يَقْطعُ العُذرَ، كُفِّرَ دافعُهُ؛ لأنَّهُ لا عُذرَ لهُ (١). وكلُّ فَرْضٍ ثبتَ بدليل، لم يُكَفَّر صاحِبُهُ، ولكِنَّهُ يُجهَّلُ ويُخطَّأُ، فإن تمادَى بعدَ البيانِ (٢) هُجِرَ، وإن لم يَبِن لهُ عُذرٌ بالتَّأويلِ. ألا تَرَى أنَّهُ قد قامَ الدَّليلُ الواضِحُ على تحريم المُسْكِرِ، ولسنا نُكفِّرُ من قالَ بتَحْليلِهِ؟ وقد قامَ الدَّليلُ على تحريم نِكاح المُتْعةِ، ونكاح المُحْرم (٣)، ونِكاح السِّرِّ، والصلاةِ بغيرِ قِراءةٍ، وبيع الدِّرْهم بالدِّرهمينِ يدًا بيدٍ، إلى أشياءَ يطُولُ ذِكرُها من فَرائضِ الصلاةِ، والزَّكاةِ، والحَجِّ، وسائرِ الأحْكام، ولَسْنا

стр. 4940

نُكفِّرُ من قال بتحليلِ شيءٍ من ذلكَ؛ لأنَّ الدَّليلَ في ذلكَ يُوجِبُ العملَ، ولا يقطَعُ العُذْرَ، والأمرُ في هذا واضِحٌ لمن فهِم. وقد ذكَرَ أبو داودَ (١)، وغيرُهُ من حديثِ عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: فرضَ رسُولُ الله ﷺ زَكاةَ الفِطْرِ طُهْرةً للصّائم من اللَّغوِ والرَّفَثِ، وطُعمةً للمَساكينِ، من أدّاها قبلَ الصَّلاةِ فهي زكاةٌ مقبُولةٌ، ومن أدّاها بعدَ الصَّلاةِ فهي صَدَقةٌ من الصَّدَقاتِ. قال أبو عُمر: أمّا قولُ ابن عبّاسٍ (٢) في هذا الحديثِ: فمن أدّاها قبلَ الصَّلاةِ، فقد رُوِي مِثلُهُ عن ابن عُمرَ أيضًا، رواهُ موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: أمَرَنا رسُولُ الله ﷺ بزَكاةِ الفِطْرِ أن تُؤَدَّى قبلَ أن يخرُجَ النّاسُ إلى الصَّلاةِ. قال: وكان عبدُ الله بن عُمرَ يُؤَدِّيها قبلَ ذلك باليوم واليومين (٣). واختلَفَ الفُقهاءُ في الوقتِ الذي بإدراكِهِ، تجِبُ زَكاةُ الفِطْرِ على مُدْرِكِهِ (٤)، فذكَرَ أبو التَّمّام (٥) قال: تَجِبُ زَكاةُ الفِطرِ عندَ مالكٍ بإدراكِ أوَّلِ جُزءٍ من يوم الفِطْر. في إحدى الرِّوايتينِ عنهُ.

стр. 4941

قال: وقال العِراقيُّ: تجِبُ بآخِرِ جُزءٍ من ليلةِ الفِطْرِ، وأوَّلِ جُزءٍ من يوم الفِطْرِ. قال: وقال الشّافِعيُّ: لا تُجِبُ حتَّى يُدرِكَ جُزءًا من آخِرِ نهارِ رمضانَ، وجُزءًا من ليلةِ الفِطْر (١). قال أبو عُمر: أمّا نُصُوصُ أقوالِهِم في الوَقْتِ الذي تجِبُ فيه زَكاةُ الفِطْرِ، فقال مالكٌ: في رِوايةِ ابن القاسم، وابنِ وَهْبٍ، وغيرِهِما عنهُ: تَجِبُ بطُلُوع الفجرِ من يوم الفِطْر (٢). وذكرُوا عنهُ مسائلَ، إن لم تكُن على الاسْتِحبابِ، فهي تُناقِضُ على أصلِهِ هذا، منها: أنَّهُم روَوْا عنهُ في المولُودِ يُولَدُ ضُحى يوم الفِطرِ، أَنَّهُ يُخرِجُ عنهُ أبوهُ زَكاةَ الفِطْرِ. رواهُ أشهبُ، وغيرُهُ عنهُ. وقال ابنُ وَهْب عنهُ: لو أدَّى زَكاةَ الفِطرِ صَبِيحةَ يوم الفِطرِ، ثُمَّ وُلدَ لهُ في ذلكَ اليوم مولُودٌ، أوِ اشْتَرى عبدًا، رأيتُ أن يُخرِجَ عن المولُودِ والعبدِ زَكاةَ الفِطْرِ. قال: وهُو في الوَلدِ أبينُ. قال: ومن أسلمَ يومَ الفِطْرِ، فعليهِ صَدَقةُ الفِطْر (٣). واختلف قولُهُ في العبدِ يُباعُ يومَ الفِطْرِ، فقال مرَّةً: يُزكِّي عنهُ المُبتاعُ. ثُمَّ قال: بلِ البائعُ. واختار ابنُ القاسم (٤). ولم يختلِف قولُهُ: أنَّ من وُلِدَ لهُ مولُودٌ بعدَ يوم الفِطْرِ، أنَّهُ لا يَلْزمُهُ فيه شيءٌ. وهذا إجماعٌ منهُ، ومِن سائرِ العُلَماءِ.

стр. 4942

وقال اللَّيثُ: إذا وُلِد المولُودُ بعدَ صلاةِ الفِطْرِ، فعَلَى أبيهِ عنهُ زكاةُ الفِطرِ. قال: وأُحِبُّ ذلكَ للنَّصرانيِّ يُسلِمُ ذلكَ الوقتَ، ولا أراهُ واجِبًا عليه (١). وأمّا أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، فلم يختلِف قولُهُم أنَّها (٢) تجِبُ بطُلُوع الفَجْرِ من يوم الفِطْر. وهُو قولُ الطَّبَريِّ، فكلُّ من كان عِندهُ مِمَّن يَلْزمُهُ عنهُ زَكاةٌ الفِطْرِ قبلَ طُلُوع الفَجْرِ من ذلكَ اليوم، فقد وَجَبت عليه الزَّكاةُ عنهُ، ومن جاءَ بعد طُلُوع الفَجْرِ، فلا شيءَ عليه. وقال الشّافِعيُّ: إنَّما تَجِبُ زَكاةُ الفِطْرِ عَمَّن كان عندَهُ، وكان حيًّا، في شيءٍ من اليوم الآخِرِ من رمضانَ، وغابَتْ عليه الشَّمسُ من ليلةِ شوّالٍ، فإن وُلِدَ لهُ، أو مَلَك عبدًا بعدَ غُرُوبِ الشَّمسِ من ليلةِ الفِطْرِ، فلا زَكاةَ في شيءٍ من ذلكَ. وكذلكَ رَوَى أشهبُ، عن مالكٍ: أنَّ زَكاةَ الفِطْرِ تجِبُ بغُرُوبِ الشَّمسِ، من (٣) ليلةِ الفِطر. وقال اللَّيثُ في هذه المسألةِ نحوَ قولِ مالكٍ في رِوايةِ ابن القاسم على ما تقدَّم. وقال الأوزاعيُّ: من أدركَ ليلةَ الفِطْرِ، فعليه زكاةُ الفِطْرِ. وقد كان الشّافِعيُّ يقولُ ببغدادَ: إنَّما تَجِبُ زكاةُ الفِطرِ بطُلُوع الفجرِ من يوم الفِطرِ. ثُمَّ رجعَ إلى ما ذكَرْنا عنهُ بمصرَ. ومِثلُ قولِهِ البغداديِّ قال أبو ثَوْرٍ. وقال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُويَةَ بقولِهِ المِصريِّ سواءً.

стр. 4943

وقال بعضُ أهلِ العِلم: تَجِبُ زكاةُ الفِطْرِ في المولُودِ والعَبْدِ وغيرِهِم، إلى أن تُصلَّى صَلاةُ العيدِ، فمَنْ وُلِدَ لهُ، أو كسَبَ مملُوكًا بعد ذلكَ، في ذلك اليوم، فلا شيءَ عليه فيه. واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في وُجُوبِها على الفُقَراءِ (١)، فرَوَى ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، أنَّهُ قال في رَجُلٍ لهُ عبدٌ لا يَملِكُ غيرَهُ، قال: عليه فيه زَكاةُ الفِطْرِ. قال مالكٌ: والذي ليسَ لهُ إلّا مَعِيشةُ خمسةَ عشَرَ يومًا أو نحوِها، والشَّهرِ ونَحْوِهِ، عليه زكاةُ الفِطْرِ. قال مالكٌ (٢): وإنَّما هي زَكاةُ الأبْدان (٣). ورَوَى عنهُ أشهبُ: أنَّ زَكاةَ الفِطْرِ لا تجِبُ على من ليسَ عندَهُ. ورُوي عن مالكٍ أيضًا: أنَّ عليه صَدَقةَ الفِطْرِ، وإن كان مُحتاجًا. ورُوي عنهُ: أنَّهُ من كان لهُ أن يأخُذَ صَدَقةَ الفِطْرِ، فليسَ عليه أن يُؤَدِّيَ عن نَفسِهِ. وذكَرَ أبو التَّمّام، قال مالكٌ: زَكاةُ الفِطرِ واجِبةٌ على الفَقِيرِ الذي يفضُلُ عن قُوتِهِ صاعٌ، كوُجُوبِها على الغنيِّ. قال: وبه قال الشّافِعيُّ. قال أبو عُمر: وذكَرَ الطَّحاويُّ: قال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: لا تجِبُ زَكاةُ الفِطْرِ على من يحِلُّ لهُ أخَذُ الصَّدقةِ المفرُوضةِ. ويحِلُّ عندَهُم أخذُها لمنْ ليسَ لهُ مِئَتا دِرْهم، على ما ذكَرْنا عنهُم، فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا، فلا تَلْزمُ زَكاةُ الفِطْرِ عندَهُم، إلّا على من ملكَ مِئَتي دِرْهم. وقال الشّافِعيُّ (٤): من مَلكَ قُوتَهُ وقُوتَ من يَمُونُهُ يومَهُ ذلكَ، وما يُؤَدِّي به عنهُ وعنهُم زكاةَ الفِطْرِ، أدّاها عنهُ وعنهُم، فإن لم يكُن عندَهُ بعدَ قُوتِ اليوم

стр. 4944

إلّا ما يُؤَدِّي عن بعضٍ، أدَّى عن بعضٍ، وإن لم يَكُن عندَهُ إلّا قُوتُ يوم دُونَ فَضْلٍ، فلا شيءَ عليه. وهُو قولُ الطَّبَريِّ. قال عُبيدُ الله بن الحسن: إذا أصابَ فَضْلًا عن غدائهِ وعَشائهِ، فعليه أن يأخُذَ ويُعطيَ صَدَقةَ الفِطْر (١). وقال ابنُ عُليَّةَ: زَكاةُ الفِطرِ واجِبةٌ على كلِّ من كان عندَهُ فَضْلٌ، عن نفسِهِ، وعمَّن يَمُونُ من أهلِهِ. قال: وهي واجِبةٌ على الأطفالِ، والصِّغارِ (٢) والكِبارِ، من العبيدِ والأحرارِ. قال: وهي واجِبةٌ على الرَّجُلِ في كلِّ من يَمُونُ من عيالِهِ وعَبيدِهِ. وقد رُوي من حديثِ الزُّهْريِّ، عن ثعلَبةَ بن عبدِ الله بن أبي صُعَيرٍ، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "صَدَقةُ الفِطْرِ صاعٌ من بُرٍّ بين اثْنَينِ، أو صاع من تَمْرٍ أو شَعِيرٍ، على كلِّ رأسٍ، صغيرًا كان أو كبيرًا، غنيًّا كان أو فقيرًا، حُرًّا أو عَبْدًا، فأمّا غَنيُّكُم فيُزكِّيهِ الله، وأمّا فَقِيرُكُم فيرُدُّ اللهُ عليه أكثرَ مِمّا أعْطَى" (٣). وليسَ دُونَ الزُّهريِّ في هذا الحديثِ من تقومُ به حُجَّةٌ، واختُلِف عليه فيه أيضًا. وأجمعُوا أنَّ الأعرابَ وأهلَ الباديةِ، في زكاةِ الفِطْرِ، كأهلِ الحَضَرِ سَواءٌ (٤)،

стр. 4945

إلّا اللَّيثَ بنَ سَعْد (١)، فإنَّهُ قال: ليسَ على أهلِ العمُود (٢)، أصحابِ المظالِّ (٣) والخُصُوصِ (٤) زكاةُ الفِطْرِ. وهذا مِمّا انفردَ به من بينِ هؤُلاءِ الفُقَهاءِ، إلّا أنَّهُ قد رُوي مِثلُ قولِهِ عن عَطاء (٥)، والزُّهريِّ وربيعةَ. قال أبو عُمر: هؤُلاءِ في الصِّيام كَسائرِ المُسلِمينَ، فكذلك يجِبُ أن يكونوا في زَكاةِ الفِطْرِ كسائرِ المُسلِمينَ؟ واختلفُوا في زَوْجةِ الرَّجُل، هل تُزكِّي عن نفسِها، أو يُزكِّي عنها زوجُها؟ فقال مالكٌ، والشَّافِعيُّ، واللَّيْث، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ: على زَوْجِها أن يُخرِجَ زَكاةَ الفِطْرِ عنها، كما يُخرِجُها عن نَفْسِهِ، وهي واجِبةٌ عليه عنها، وعن (٦) كلِّ من يَمُونُ، مِمَّن تَلْزمُهُ نَفقتُهُ (٧). وقال سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: ليسَ على الزَّوج أن يُطعِمَ عن زَوْجتِهِ، ولا عن خادِمِها، وعليها أن تُطعِمَ زَكاةَ الفِطرِ عن نَفْسِها، وعن خادِمِها. قالوا: وليسَ على الرَّجُلِ أن يُؤَدِّيَ عن أحَدٍ، إلّا عن وَلدِهِ الصَّغيرِ، وعَبيدِهِ، لا غيرُ (٨). وحُجَّتُهُم: أنَّ رسُولَ الله ﷺ فرضَ زَكاةَ الفِطْرِ على الذَّكرِ والأُنثى، والصَّغيرِ والكبيرِ، والحُرِّ والعَبْدِ.

стр. 4946

فالعبدُ لا يَمْلِكُ عندَهُم، وقد ناقَضُوا فيه، وفي الصَّغيرِ. وقال داودُ: هي على الحُرِّ والعَبْدِ، والصَّغيرِ والكبيرِ، ولا يُؤَدِّيها حُرٌّ عن عَبْدٍ، ولا كبيرٌ عن صَغِيرٍ. قال مالكٌ: من لا بُدَّ لهُ أن يُنفَقَ عليه (١) لَزِمتهُ عنهُ صَدَقةُ الفِطْرِ إن كان العبدُ مُسلِمًا. وقال الشّافِعيُّ (٢): من أجْبَرناهُ على نَفَقتِهِ، من وَلَدِهِ الصِّغارِ والكِبارِ، الزَّمْنَى (٣) الفُقَراءِ، وآبائهِ وأُمَّهاتِهِ، الزَّمنى الفُقراءِ، وزَوْجتِهِ، وخادِم واحدٍ لها، فإن كان لها أكثرُ من خادِم، لم يلزَمْهُ أن يُزكِّيَ عنهُم، ولَزِمَها أن تُؤَدِّيَ زَكاةَ الفِطْرِ عمَّن بَقِيَ من رَقيقِها. وقولُ مالكٍ، وأصحابِهِ في هذا البابِ، نحوُ قولِ الشّافِعيِّ. ذكَرَ أبو الفرج، أنَّ مذهَبَ مالكٍ في صَدَقةِ الفِطْرِ: أنَّها تلزمُ الإنسانَ عن جميع من تَلْزمُهُ نَفَقتُهُ، من ولدٍ، ووالِدٍ، وزَوْجةٍ وخادِمِها، وتلزمُهُ في عَبيدِهِ المُسلِمينَ، وكذلك المُدبَّرُ، والمُكاتَبُ، وأُمُّ الولدِ، والمرهُونُ، والمُخدَّمُ، والمبيعُ بيعًا فاسِدًا. قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: من تَلزَمُهُ نفقتُهُ، فإنَّهُ أرادَ من يُجبَرُ على نَفَقتِهِ بقَضاءِ قاضٍ من غيرِ أن يكونَ أجيرًا، وأصلُهُم في ذلكَ: أنَّها تجِبُ عليكَ عَمَّن تلزمُكَ نَفَقتُهُ بنَسَبٍ، كالأبناءِ الفُقراءِ، أوِ الآباءِ الفُقراءِ، وبِنِكاح، وهُنَّ الزَّوجاتُ، أو مِلْكِ رقٍّ، وهُمُ العبيدُ. وقد ذكر ابنُ عبدِ الحَكَم، عن مالكٍ، قال (٤): ليسَ عليه في عبيدِ عَبِيد، ولا في أجِيرِهِ، ولا في رَقيقِ امرأتِهِ، إلّا من كان منهُم يخدِمُهُ، لا بُدَّ لهُ منهُ، وإنَّما

стр. 4947

يَلْزمُهُ من ذلكَ واحدٌ منهُم؛ لأنَّهُ الذي تَلْزمُهُ نفقتُهُ. وهذا قولُهُ في "المُوطَّأ" (١) سواءٌ، فقد نصَّ في الأجيرِ: أنَّهُ لا تلزمُ عليه صَدَقةُ الفِطْرِ. وذكَرَ ابنُ وَهْب، عن اللَّيثِ، أنَّهُ أخبَرهُ عن يحيى بن سَعيدٍ، سَمِعهُ يقولُ: يُؤَدِّي الرَّجُلُ عن أهلِهِ ورقيقِهِ، ولا يُؤَدِّي عن الأجيرِ، ولكِنَّ الأجيرَ المُسلِمَ يُؤَدِّي عن نَفسِه (٢). قال: وأخبرني يونُسُ، عن ربيعةَ، أنَّهُ قال في زَكاةِ الفِطْرِ: أنا أُخرِجُها عن نَفْسي، وعن ولدي، وخادِمي، ولا أُخرِجُها عَمَّن يتبَعُني وإن كان مَعِي. وقال اللَّيثُ: إذا كانت إجارَةُ الأجيرِ معلُومةً، فليسَ عليه أن يُؤَدِّيَ عنهُ، وإن كانت يَدَهُ مع يديهِ، أدَّى عنهُ. واختَلفُوا في العبدِ الكافِرِ، والغائبِ المُسلِم، فقال مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثَوْرٍ: ليسَ على أحَدٍ أن يُؤَدِّيَ عن عَبدِهِ الكافِرِ صَدَقةَ الفِطْرِ، وإنَّما هي على من صامَ وصلَّى (٣). وهُو قولُ سَعيدِ بن المُسيِّبِ، والحَسن (٤). وحُجَّتُهُم، قولُهُ ﷺ في حديثِ ابن عُمرَ هذا: "من المُسلِمينَ"، فدلَّ على أنَّ الكافرَ (٥) بخِلافِ ذلك. وقال الثَّوريُّ، وسائرُ الكُوفيِّينَ: عليه أن يُؤَدِّيَ زَكاةَ الفِطْرِ عن عَبدِهِ الكافِرِ (٦). وهُو قولُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعيدِ بن جُبيرٍ، وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ، والنَّخَعيِّ. ورُوِيَ ذلك عن أبي هُريرةَ، وابنِ عُمرَ (٧).

стр. 4948

واحتجَّ الطَّحاويُّ لأبي حَنِيفةَ في إيجابِ زَكاةِ الفِطْرِ عن العبدِ الكافِر (١)، بأنْ قال: قولُهُ ﵇: "من المُسلِمينَ"، يعني: من يَلْزمُهُ إخراجُ الزَّكاةِ عن نَفْسِهِ وعن غيرِهِ، ولا يكونُ إلّا مُسلِمًا، وأمّا العَبْدُ فلم يدخُل في هذا الحديثِ؛ لأنَّهُ لا يِملِكُ شيئًا، ولا يُفرَضُ عليه شيءٌ، وإنَّما أُريدَ بالحديثِ مالكُ العَبْدِ، وأمّا العبدُ فلا يَلْزمُهُ في نفسِهِ زَكاةُ الفِطرِ، وإنَّما تَلْزمُ مولاهُ المُسلِمَ عنهُ، ألا تَرَى إلى إجماع العُلَماءِ في العَبدِ يَعْتِقُ قبلَ أن يُؤَدِّيَ عنهُ مولاهُ زَكاةَ الفِطْرِ، أَنَّهُ لا يَلْزمُهُ إذا ملكَ بعد ذلكَ مالًا إخراجُها عن نفسِهِ، كما يَلْزمُهُ إخراجُ كَفارَّةِ ما حَنِثَ فيه من الأَيْمانِ وهُو عبدٌ، وأنَّها (٢) لا يُكفِّرُها بصيام؟ ولو لَزِمتهُ صَدَقةُ الفِطْرِ، لأدّاها عن نَفسِهِ بعدَ عِتْقِهِ. قال أبو عُمر: قولُهُ ﵇: "من المُسلِمينَ" يَقْضي لمالكٍ والشّافِعيِّ، وهُو النَّظرُ أيضًا؛ لأنَّهُ طُهْرةٌ للمُسلِمينَ وتَزْكيةٌ، وهذا سبيلُ الواجِباتِ من الصَّدقاتِ، والكافِرُ لا يَتَزكَّى، فلا وجَهَ لأدائها عنهُ. وقال أبو ثَوْرٍ: يُؤَدِّي العبدُ عن نَفْسِهِ إن كان لهُ مال (٣). وهُو قولُ داود. وقال مالكٌ: يُؤَدِّي زكاةَ الفِطْرِ عن مُكاتبِهِ (٤). وحُجَّتُهُ ما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﵇، وعن جَماعةٍ من الصَّحابةِ: "المُكاتَبُ عبدٌ ما بَقِي عليه شيءٌ" (٥). وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُم: لا زَكاةَ عليه في مُكاتبِهِ (٦)؛ لأنَّهُ لا يُنفِقُ عليه وهُو مُنفرِدٌ بكسبِهِ (٧) دُونَ المولى، وجائزٌ لهُ أخذُ الصَّدقةَ (٨).

стр. 4949

قال أبو عُمر: كان ابنُ عُمرَ يُؤَدِّي عن مملُوكيهِ الغُيَّبِ والحُضُورِ، ولا يُؤَدِّي عن مُكاتَبيه (١). ولا مُخَالِفَ لهُ من الصَّحابةِ. وقال مالكٌ (٢): يُؤَدِّي الرَّجُلُ زَكاةَ الفِطرِ عن مملُوكيهِ ورَقيقِهِ كلِّهِم، من كان منهُم لتِجارةٍ، أو لغيرِ تِجارةٍ، رهنًا أو غيرَ رَهْنٍ، إذا كان مُسلِمًا، ومن غابَ منهُم، أو أَبقَ فرَجا رَجْعَتَهُ وحَياتَهُ، زكَّى عنهُ، وإن كان إباقُهُ قد طالَ وأيِسَ منهُ، فلا أرى أن يُزكِّيَ عنهُ. قال: وليسَ لهُ أن يُؤَدِّيَ عن عَبيدِ عبيدِهِ (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤): عليه زكاةُ الفِطرِ في رقيقِهِ المُسلِمين كلِّهِمُ: الحُضُورِ والغُيَّبِ الإباقِ وغيرِهِم، لتِجارةٍ أو لغيرِ تجارةٍ، وكذلكَ العبدُ المرهُونُ، رَجا رَجْعةَ الغائبِ منهُم أو لم يَرْجُها، إذا عرف حياتَهُم؛ لأنَّ كلًّا في مِلْكِهِ، فعَلَيهِ الزَّكاةُ عنهُ، حتَّى يستيقِنَ موتَهُ. قال: ويُزكِّي عن عَبيدِ عبيدِهِ، وعَبيدِ عَبيدِ عبيدِهِ؛ لأنَّهُم كلَّهُم عَبيدُهُ؛ ولا يُؤَدِّي عن المُكاتَبِ، ولا على المُكاتَبِ أن يُؤَدِّيَ عن نَفسِهِ، إلّا أن تكونَ الكِتابةُ فاسِدةً، فيُؤَدِّي عنهُ السَّيِّدُ. قال الشّافِعيُّ: ومن ملكَ بعضَ عبدٍ، زكَّى عن نصيبِهِ منهُ. وقال أبو حَنيفةَ (٥): يُؤَدِّي زَكاةَ الفِطرِ عن عبيدِهِ، وعَبيدِ عبيدِهِ؛ لأنَّهُم عَبيدُهُ، كُفّارًا كانوا أو مُسلِمينَ، ولا يُؤَدِّي عن مُكاتبِه. واختلَفَ قولُهُ في الصَّدقةِ عن الآبِقِ، ولم يختلِفْ قولُهُ: إنَّ العبدَ المغصُوبَ ليسَ على سيِّدِهِ فيه صَدَقةٌ. ومال أبو ثورٍ إلى هذا القولِ.

стр. 4950

وعِند الشّافِعيِّ: عليه فيه الصَّدقةُ إن كان مُسلِمًا، حتَّى يستيقِنَ موتَهُ؛ لأنَّهُ على مِلْكِهِ. وسيأتي تمامُ القولِ في صَدَقةِ الفِطْرِ عن العبدِ المُعتَقِ بعضُهُ وغير من العَبيدِ، في بابِ عبدِ الله بن دينارٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. وأمّا الحُرُّ الصغيرُ المليءُ، فإنَّ مالكًا، والشّافِعيَّ، وأبا حنيفةَ، وأبا يوسُفَ، واللَّيثَ بن سَعْدٍ (١) قالوا: يُؤَدِّي عنهُ أبوهُ من مالِهِ، وإن تطوَّعَ عنهُ أبوهُ من مالِ نَفْسِهِ، فحسنٌ (٢). وقال: الثَّوريُّ، وزُفَرُ، ومحمدُ بن الحسنِ: يُؤَدِّي عنهُ الأبُ من مال نَفْسِهِ. قال محمدُ بن الحسنِ: فإن أدّاها من مالِ الصَّغير، ضمِنَ. قال: ولا يجِبُ في مالِ الصَّغيرِ صَدَقةٌ، يتيمًا كان أو غيرَ يتيم. وقال مالكٌ (٣)، والشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ، والأوزاعيُّ، وأبو حَنِيفةَ، وأبو يوسُفَ: يُؤَدِّي الوَصِيُّ عن اليَتِيم صَدَقةَ الفِطْرِ. وقال أبو ثورٍ، وداودُ: الزَّكاةُ على الصَّغيرِ والكبيرِ في أموالِهِم لا يُؤَدِّيها أحدٌ عنهُم. والعَبِيدُ عندَهُما مالكُونَ، وصَدَقةُ الفِطْرِ عليهم واجِبةٌ على أنفُسِهِم. قال أبو عُمر: تلخيصُ وُجُوهِ هذه المسائلِ يَطُولُ، وفيما ذكَرْنا غِنًى وكِفايةٌ، فهذا تَمْهيدُ (٤) القولِ في وُجُوبِ زَكاةِ الفِطْرِ، وعلى من تَجِبُ، ومتى تجِبُ، وقد مَضَى القولُ في مَكِيلَةِ زَكاةِ الفِطْرِ مُستوعبًا، في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4951

حديثٌ مُوَفِّي أربعينَ لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ذكَرَ رَمَضانَ، فقال: "لا تصُومُوا حتَّى تَرَوُا الهِلال، ولا تُفطِرُوا حتَّى ترَوْهُ، فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقْدِرُوا لهُ". وقد مَضَى تفسيرُ قولِهِ: "فإن غُمَّ عَلَيكُم" في بابِ ثَوْرِ بن زيدٍ، ومَضَى هُناك كثيرٌ من معاني هذا البابِ، مِمّا لا يُعادُ هاهُنا. وهكذا رَوَى هذا الحديثَ جماعةُ أصحابِ نافع، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قالوا فيه: "فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقْدِرُوا لهُ". وكذلكَ رواهُ سالمٌ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﵇: "فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقْدِرُوا لهُ" (٢). وكذلك رواهُ مالكٌ (٣)، عن عبدِ الله بن دينارٍ، وسنذكُر في بابِهِ إن شاءَ الله. وذكر الشّافِعيُّ (٤) هذا الحديثَ، فقال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا تصُومُوا حتَّى تَرَوا الهِلال، ولا تُفطِرُوا حتَّى تَرَوهُ، فإن غُمَّ عليكُم، فأكمِلُوا العِدَّةِ ثلاثينَ". لم يقُل: "فاقدِرُوا لهُ"، والمحفُوظُ في حديثِ ابن عُمرَ: "فاقدِرُوا لهُ".

стр. 4952

وقد ذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (١)، عن مَعْمرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لهِلالِ شَهْرِ رَمَضانَ: "إذا رأيتُمُوهُ فصُومُوا، ثُمَّ إذا رأيتُمُوهُ فأفْطِرُوا، فإن غُمَّ عليكُمْ فاقدِرُوا لهُ ثلاثينَ يومًا". قال عبدُ الرَّزّاق (٢): وأخبرنا عبدُ العزيزِ بن أبي روّادٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "إنّ اللهَ جعلَ الأهِلّةَ مَواقيتَ للنّاسِ، فصُومُوا لرُؤيتِهِ، وأفْطِرُوا لرُؤيتِهِ، فإن غُمَّ عليكُم فعُدُّوا ثلاثينَ". فهذا ما في حديثِ ابن عُمرَ. وروى ابنُ عبّاس (٣)، وأبو هُريرةَ (٤)، وحُذَيفةُ (٥)، وأبو بَكْرةَ (٦)، وطَلْق الحنفيُّ (٧)، وغيرُهُم، عن النَّبيِّ ﷺ : "صُومُوا لرُؤيتِهِ، وأفطِرُوا لرُؤيتِهِ، فإن غُمَّ عَلَيكُم فأكمِلُوا العَدَدَ ثلاثينَ". بمعنًى واحدٍ. وقد ذكَرْنا حديثَ ابن عبّاسٍ، فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا، في بابِ ثورِ بن زيدٍ.
следующие страницы →