← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4948–4987 · переход к 4953.

стр. 4948

واحتجَّ الطَّحاويُّ لأبي حَنِيفةَ في إيجابِ زَكاةِ الفِطْرِ عن العبدِ الكافِر (١)، بأنْ قال: قولُهُ ﵇: "من المُسلِمينَ"، يعني: من يَلْزمُهُ إخراجُ الزَّكاةِ عن نَفْسِهِ وعن غيرِهِ، ولا يكونُ إلّا مُسلِمًا، وأمّا العَبْدُ فلم يدخُل في هذا الحديثِ؛ لأنَّهُ لا يِملِكُ شيئًا، ولا يُفرَضُ عليه شيءٌ، وإنَّما أُريدَ بالحديثِ مالكُ العَبْدِ، وأمّا العبدُ فلا يَلْزمُهُ في نفسِهِ زَكاةُ الفِطرِ، وإنَّما تَلْزمُ مولاهُ المُسلِمَ عنهُ، ألا تَرَى إلى إجماع العُلَماءِ في العَبدِ يَعْتِقُ قبلَ أن يُؤَدِّيَ عنهُ مولاهُ زَكاةَ الفِطْرِ، أَنَّهُ لا يَلْزمُهُ إذا ملكَ بعد ذلكَ مالًا إخراجُها عن نفسِهِ، كما يَلْزمُهُ إخراجُ كَفارَّةِ ما حَنِثَ فيه من الأَيْمانِ وهُو عبدٌ، وأنَّها (٢) لا يُكفِّرُها بصيام؟ ولو لَزِمتهُ صَدَقةُ الفِطْرِ، لأدّاها عن نَفسِهِ بعدَ عِتْقِهِ. قال أبو عُمر: قولُهُ ﵇: "من المُسلِمينَ" يَقْضي لمالكٍ والشّافِعيِّ، وهُو النَّظرُ أيضًا؛ لأنَّهُ طُهْرةٌ للمُسلِمينَ وتَزْكيةٌ، وهذا سبيلُ الواجِباتِ من الصَّدقاتِ، والكافِرُ لا يَتَزكَّى، فلا وجَهَ لأدائها عنهُ. وقال أبو ثَوْرٍ: يُؤَدِّي العبدُ عن نَفْسِهِ إن كان لهُ مال (٣). وهُو قولُ داود. وقال مالكٌ: يُؤَدِّي زكاةَ الفِطْرِ عن مُكاتبِهِ (٤). وحُجَّتُهُ ما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﵇، وعن جَماعةٍ من الصَّحابةِ: "المُكاتَبُ عبدٌ ما بَقِي عليه شيءٌ" (٥). وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُم: لا زَكاةَ عليه في مُكاتبِهِ (٦)؛ لأنَّهُ لا يُنفِقُ عليه وهُو مُنفرِدٌ بكسبِهِ (٧) دُونَ المولى، وجائزٌ لهُ أخذُ الصَّدقةَ (٨).

стр. 4949

قال أبو عُمر: كان ابنُ عُمرَ يُؤَدِّي عن مملُوكيهِ الغُيَّبِ والحُضُورِ، ولا يُؤَدِّي عن مُكاتَبيه (١). ولا مُخَالِفَ لهُ من الصَّحابةِ. وقال مالكٌ (٢): يُؤَدِّي الرَّجُلُ زَكاةَ الفِطرِ عن مملُوكيهِ ورَقيقِهِ كلِّهِم، من كان منهُم لتِجارةٍ، أو لغيرِ تِجارةٍ، رهنًا أو غيرَ رَهْنٍ، إذا كان مُسلِمًا، ومن غابَ منهُم، أو أَبقَ فرَجا رَجْعَتَهُ وحَياتَهُ، زكَّى عنهُ، وإن كان إباقُهُ قد طالَ وأيِسَ منهُ، فلا أرى أن يُزكِّيَ عنهُ. قال: وليسَ لهُ أن يُؤَدِّيَ عن عَبيدِ عبيدِهِ (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤): عليه زكاةُ الفِطرِ في رقيقِهِ المُسلِمين كلِّهِمُ: الحُضُورِ والغُيَّبِ الإباقِ وغيرِهِم، لتِجارةٍ أو لغيرِ تجارةٍ، وكذلكَ العبدُ المرهُونُ، رَجا رَجْعةَ الغائبِ منهُم أو لم يَرْجُها، إذا عرف حياتَهُم؛ لأنَّ كلًّا في مِلْكِهِ، فعَلَيهِ الزَّكاةُ عنهُ، حتَّى يستيقِنَ موتَهُ. قال: ويُزكِّي عن عَبيدِ عبيدِهِ، وعَبيدِ عَبيدِ عبيدِهِ؛ لأنَّهُم كلَّهُم عَبيدُهُ؛ ولا يُؤَدِّي عن المُكاتَبِ، ولا على المُكاتَبِ أن يُؤَدِّيَ عن نَفسِهِ، إلّا أن تكونَ الكِتابةُ فاسِدةً، فيُؤَدِّي عنهُ السَّيِّدُ. قال الشّافِعيُّ: ومن ملكَ بعضَ عبدٍ، زكَّى عن نصيبِهِ منهُ. وقال أبو حَنيفةَ (٥): يُؤَدِّي زَكاةَ الفِطرِ عن عبيدِهِ، وعَبيدِ عبيدِهِ؛ لأنَّهُم عَبيدُهُ، كُفّارًا كانوا أو مُسلِمينَ، ولا يُؤَدِّي عن مُكاتبِه. واختلَفَ قولُهُ في الصَّدقةِ عن الآبِقِ، ولم يختلِفْ قولُهُ: إنَّ العبدَ المغصُوبَ ليسَ على سيِّدِهِ فيه صَدَقةٌ. ومال أبو ثورٍ إلى هذا القولِ.

стр. 4950

وعِند الشّافِعيِّ: عليه فيه الصَّدقةُ إن كان مُسلِمًا، حتَّى يستيقِنَ موتَهُ؛ لأنَّهُ على مِلْكِهِ. وسيأتي تمامُ القولِ في صَدَقةِ الفِطْرِ عن العبدِ المُعتَقِ بعضُهُ وغير من العَبيدِ، في بابِ عبدِ الله بن دينارٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. وأمّا الحُرُّ الصغيرُ المليءُ، فإنَّ مالكًا، والشّافِعيَّ، وأبا حنيفةَ، وأبا يوسُفَ، واللَّيثَ بن سَعْدٍ (١) قالوا: يُؤَدِّي عنهُ أبوهُ من مالِهِ، وإن تطوَّعَ عنهُ أبوهُ من مالِ نَفْسِهِ، فحسنٌ (٢). وقال: الثَّوريُّ، وزُفَرُ، ومحمدُ بن الحسنِ: يُؤَدِّي عنهُ الأبُ من مال نَفْسِهِ. قال محمدُ بن الحسنِ: فإن أدّاها من مالِ الصَّغير، ضمِنَ. قال: ولا يجِبُ في مالِ الصَّغيرِ صَدَقةٌ، يتيمًا كان أو غيرَ يتيم. وقال مالكٌ (٣)، والشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ، والأوزاعيُّ، وأبو حَنِيفةَ، وأبو يوسُفَ: يُؤَدِّي الوَصِيُّ عن اليَتِيم صَدَقةَ الفِطْرِ. وقال أبو ثورٍ، وداودُ: الزَّكاةُ على الصَّغيرِ والكبيرِ في أموالِهِم لا يُؤَدِّيها أحدٌ عنهُم. والعَبِيدُ عندَهُما مالكُونَ، وصَدَقةُ الفِطْرِ عليهم واجِبةٌ على أنفُسِهِم. قال أبو عُمر: تلخيصُ وُجُوهِ هذه المسائلِ يَطُولُ، وفيما ذكَرْنا غِنًى وكِفايةٌ، فهذا تَمْهيدُ (٤) القولِ في وُجُوبِ زَكاةِ الفِطْرِ، وعلى من تَجِبُ، ومتى تجِبُ، وقد مَضَى القولُ في مَكِيلَةِ زَكاةِ الفِطْرِ مُستوعبًا، في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4951

حديثٌ مُوَفِّي أربعينَ لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ذكَرَ رَمَضانَ، فقال: "لا تصُومُوا حتَّى تَرَوُا الهِلال، ولا تُفطِرُوا حتَّى ترَوْهُ، فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقْدِرُوا لهُ". وقد مَضَى تفسيرُ قولِهِ: "فإن غُمَّ عَلَيكُم" في بابِ ثَوْرِ بن زيدٍ، ومَضَى هُناك كثيرٌ من معاني هذا البابِ، مِمّا لا يُعادُ هاهُنا. وهكذا رَوَى هذا الحديثَ جماعةُ أصحابِ نافع، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قالوا فيه: "فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقْدِرُوا لهُ". وكذلكَ رواهُ سالمٌ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﵇: "فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقْدِرُوا لهُ" (٢). وكذلك رواهُ مالكٌ (٣)، عن عبدِ الله بن دينارٍ، وسنذكُر في بابِهِ إن شاءَ الله. وذكر الشّافِعيُّ (٤) هذا الحديثَ، فقال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا تصُومُوا حتَّى تَرَوا الهِلال، ولا تُفطِرُوا حتَّى تَرَوهُ، فإن غُمَّ عليكُم، فأكمِلُوا العِدَّةِ ثلاثينَ". لم يقُل: "فاقدِرُوا لهُ"، والمحفُوظُ في حديثِ ابن عُمرَ: "فاقدِرُوا لهُ".

стр. 4952

وقد ذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (١)، عن مَعْمرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لهِلالِ شَهْرِ رَمَضانَ: "إذا رأيتُمُوهُ فصُومُوا، ثُمَّ إذا رأيتُمُوهُ فأفْطِرُوا، فإن غُمَّ عليكُمْ فاقدِرُوا لهُ ثلاثينَ يومًا". قال عبدُ الرَّزّاق (٢): وأخبرنا عبدُ العزيزِ بن أبي روّادٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "إنّ اللهَ جعلَ الأهِلّةَ مَواقيتَ للنّاسِ، فصُومُوا لرُؤيتِهِ، وأفْطِرُوا لرُؤيتِهِ، فإن غُمَّ عليكُم فعُدُّوا ثلاثينَ". فهذا ما في حديثِ ابن عُمرَ. وروى ابنُ عبّاس (٣)، وأبو هُريرةَ (٤)، وحُذَيفةُ (٥)، وأبو بَكْرةَ (٦)، وطَلْق الحنفيُّ (٧)، وغيرُهُم، عن النَّبيِّ ﷺ : "صُومُوا لرُؤيتِهِ، وأفطِرُوا لرُؤيتِهِ، فإن غُمَّ عَلَيكُم فأكمِلُوا العَدَدَ ثلاثينَ". بمعنًى واحدٍ. وقد ذكَرْنا حديثَ ابن عبّاسٍ، فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا، في بابِ ثورِ بن زيدٍ.

стр. 4953

وأمّا حديثُ أبي هُريرةَ، فرُوِيَ عنهُ من وُجُوهٍ، من حديثِ: سعيدِ بن المُسيِّب (١)، وأبي سَلَمةَ (٢)، والأعْرَج (٣)، ومحمدِ بن زياد (٤)، وغيرِهِم، وهي ثابِتةٌ، وسائرُ الطُّرُقِ في هذا الحديثِ كلُّها حِسانٌ، عن النَّبيِّ ﷺ . وذكر مالكٌ في "مُوطَّئهِ" حديثَ ابن عُمرَ هذا، وأردَفهُ بحديثِ ابن عبّاس (٥). فكأنَّهُ، واللّه أعلمُ، ذهَبَ إلى أنَّ معنى حديثِ ابن عُمرَ في قولِهِ: "فاقدِرُوا لهُ" أن يُكمَّلَ شعبانُ ثلاثينَ يومًا، إذا غُمَّ الهِلالُ، على ما قال ابنُ عبّاس. وعلى هذا المذهَبِ جُمهُورُ أهلِ العِلم: ألّا يُصامَ رَمَضانُ إلّا بيّقِينٍ من خُرُوج شعبانَ. واليَقِينُ في ذلكَ رُؤيةُ الهِلالِ، أو إكمالُ (٦) شَعْبانَ ثلاثينَ يومًا، وكذلكَ لا يُقضَى بخُرُوج رمضانَ إلّا بمِثلِ ذلك أيضًا من اليَقينِ.

стр. 4954

وهذا أصلٌ مُسْتَعملٌ عندَ أهلِ العِلم، ألّا تزُولَ عن أصلٍ أنتَ عليه بيقين (١)، إلّا بيَقِينٍ مِثلِهِ، وأن لا يُترَكَ اليَقِينَ بالشَّكِّ، قال اللهُ : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، يُريدُ، واللّه أعلمُ، من عَلِم مِنكُم بدُخُول الشَّهرِ. والعِلمُ في ذلكَ ينقسِمُ قِسمينِ، أحدُهُما: ضرُوريٌّ. والآخرُ، غَلَبةُ ظنٍّ. فالضَّرُوريُّ: أن يرى الإنسانُ الهِلالَ بعينِهِ، في جماعةٍ كان أو وحدَهُ، أو يَسْتفيضَ الخبرُ عندَهُ، حتَّى يبلُغ إلى حدٍّ يُوجِبُ العِلم، أو يُتِمَّ شعبانَ ثلاثينَ يومًا، فهذا كلُّهُ يقينٌ يُعْلَمُ ضرُورَةً، ولا يُمكِنُ للمرءِ أن يُشكِّكَ في ذلك نفسَهُ. وأمّا غَلَبةُ الظَّنِّ: فأنْ يشهَدَ بذلكَ شاهِدانِ عَدْلانِ. وهذا معنى قولِ الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وهُو معنى قولِهِ ﷺ : "فإن غُمَّ عَلَيكُم، فاقدِرُوا لهُ" عندَ أكثر أهلِ العِلم: أنْ لا يُصامَ رمضانُ، ولا يُفطَرُ منهُ، إلّا برُؤيةٍ صحيحةٍ، أو إكمالِ شعبانَ ثلاثينَ يومًا. وإنَّما وجَبَ أن يكونَ ذلك عندَ العُلماءِ كذلكَ؛ لأنَّ الشَّهرَ معلُومٌ أنَّهُ قد يكونُ تِسعةً وعِشرينَ يومًا، ويكونُ ثلاثينَ يومًا، هذا مِمّا لا يُعلَمُ عيانًا واضْطِرارًا، وقد قال ﷺ من حديثِ ابن عُمرَ: "نحنُ أُمَّة أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ، الشَّهرُ هكذا، وهكذا، وهكذا"، وعَقَدَ الإبهامَ في الثّالثةِ، "والشَّهرُ هكذا، وهكذا، وهكذا". يعني: تمامَ ثلاثينَ يومًا. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ ومِثلهُ في بابِ عبدِ الله بن دينارٍ، عندَ قولِهِ ﷺ : "الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُونَ" (٢).

стр. 4955

وذكَرْنا في بابِ ثورِ بن زيدٍ، خَبَرَ ابن مسعُودٍ: ما (١) صُمْنا معَ رسُولِ الله ﷺ تِسعًا وعِشرينَ، أكثرُ مِمّا صُمنا مَعهُ ثلاثينَ (٢). فلمّا كان معلُومًا أنَّ الشَّهرَ قد يكونُ تِسعًا وعِشرينَ، وقد يكونُ ثلاثينَ، قال رسُولُ الله ﷺ : "فإن غُمَّ عليكُم، فاقدِرُوا لهُ". يُريدُ - واللّه أعلمُ - بأن يُكملُوا العِد ثلاثينَ يومًا، أو يُرَى الهِلالُ قبلَ ذلك لتِسع وعِشرينَ. وهكذا رواهُ أبو هُريرةَ، وابنُ عبّاسٍ، وحُذيفةُ، وجماعَةٌ (٣) عن النَّبيِّ ﷺ ، ورِوايتُهُم تُفَسِّرُ حديثَ ابن عُمرَ في قولِهِ: "فاقْدِرُوا لهُ". فواجِبٌ أن لا يُصامَ يومُ الشَّكِّ على أَنَّهُ من رَمَضانَ، وأن لا يُقْضَى بدُخُولِ شَهرٍ إلّا بيَقِينِ رؤيتِهِ، أو تمام عَدَدِهِ. وأمّا ابنُ عُمرَ فلهُ مذهَبٌ ذهَبَ إليه وتأوَّلهُ، في معنى ما رَواهُ من قولِهِ ﷺ : "فاقدِرُوا لهُ". وأكثرُ أهلِ العِلْم في ذلك على خِلافِهِ، وسَنذكُرُ مَذْهبَهُ في ذلكَ عنهُ، ونذكُرُ من تابَعهُ عليه بعدُ، في هذا البابِ إن شاءَ الله. وقال أهلُ اللُّغة: "فاقدِرُوا لهُ" كقولِه: قَدِّرُوا لهُ، يُقالُ: قَدَرتُ الشَّيءَ، وقدَّرتُهُ، وأقْدَرْتُهُ. قال أبو عُمر: أمّا صومُ يوم الشَّكِّ تطوُّعًا، فقد مَضَى القولُ فيه في باب ثَوْرِ بن زَيْدٍ. وأمّا صَوْمُهُ على أن يكونَ من رَمَضانَ، إن ظهَرَ الهِلالُ، خوفًا أنَّ يكونَ من رمضانَ، وهل يُجزِئُ ذلكَ إن ثبتَ أنَّهُ من رمضانَ، أم لا، فقَدِ اختلَفَ العُلماءُ في ذلكَ اختِلافًا كثيرًا. فجُمْلةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ في ذلكَ: أنَّ يومَ الشَّكِّ لا يُصامُ على الاحْتِياطِ، خوفًا أن يكونَ من رمضانَ.

стр. 4956

ويجُوزُ صومُهُ تطوُّعًا، ومن صامَهُ تطوُّعًا أوِ احتياطًا، ثُمَّ ثبتَ أَنَّهُ من رمضانَ، لم يُجْزئه، وكان عليه قَضاؤُهُ، وإن أصبَحَ فيه يَنْوي الفِطرَ، ولم يأكُل، أو أكلَ، ثُمَّ صحَّ أَنَّهُ من رمضانَ، كفَّ عن الأكْلِ في بقيَّةِ يومِهِ وقَضاهُ، وإن أكلَ بعد عِلْمِهِ بذلكَ، لم يَكُن عليه كفّارةٌ، إلّا أن يَقْصِدَ لانتِهاكِ حُرْمَةِ اليوم، عالمًا بما في ذلكَ من الإثم، فيُكَفِّرَ حينئذٍ إن كان لم يأكُل فيه شيئًا، حتَّى وردَ أنَّهُ من رمضانَ، ثُمَّ أكل مُتعمَّدًا، مُنتهِكًا لحُرمةِ الشَّهرِ. وقد مضَى القولُ فيما يَجِبُ على من أفطَرَ عامِدًا في رمضانَ، بأكلٍ أو غيرِهِ، بأتمِّ ما يكونُ، في بابِ ابن شِهاب (١)، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، والحمدُ للّه. ذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٢)، قال: أخبرنا داودُ بن قَيْسٍ، قال: سألتُ القاسم بن محمدٍ عن صيام اليوم الذي يُشَكُّ فيه من رمضانَ، فقال: إذا كان مُغيمًا يُتَحرَّى أنَّهُ من رمضانَ، فلا يَصُمْهُ. وقال الوليدُ بنُ مَزْيدٍ: قلتُ للأوزاعيِّ: إن صامَ رجُلٌ آخِرَ يوم من شَعْبانَ تَطَوُّعًا، أو خَوْفًا أن يكونَ من رمضانَ، ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ من رَمَضانَ، أيُجْزِئُهُ؟ قال: نعم، وقد وفِّقَ لصومِهِ. وقال الحسنُ بن حيٍّ: أكرهُ صومَ يوم الشَّكِّ، فإن صامَهُ أحدٌ على ذلكَ، فعليه القضاءُ، إن ثبت أَنَّهُ من رمضانَ. وقال ابنُ عُليَّةَ: لا يَنْبغي لأحَدٍ أن يَتَقدَّمَ رمضانَ بصَوْم، فإن فعلَ، ثُمَّ صحَّ أَنَّهُ من رمضانَ، أجزأ عنهُ. وقال الثَّوريُّ: إذا أصبحَ الرَّجُلُ في اليوم الذي يُشَكُّ فيه، ولم ينوِ الصَّومَ، ثُمَّ بَلَغهُ أنَّهُ من رمضانَ، قال: يُتِمُّ صَوْمَهُ، وَيَقْضي يومًا مكانَهُ.

стр. 4957

قال: فإن (١) أصبَحَ في ذلك اليوم وهُو ينوي الصَّوم، وقال: أنظُرُ، فإن كان من رمضانَ صُمتُ، وإلّا لم أصُمْ. فأصبَحَ على ذلكَ، فعَلِمَ أَنَّهُ من رمضانَ، قال: يُجزِئُهُ إذا نَوَى ذلكَ من اللَّيلِ. وقال ربيعةُ بن عبدِ الرَّحمنِ، وحمّادُ بن أبي سُليمانَ، وابنُ أبي ليلى: من صامَ يومَ الشَّكِّ على أنَّهُ من رمضانَ، لم يُجزِئه، وعليه الإعادةُ. ورُوي عن عُمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعُودٍ، وحُذَيفةَ، وعمّارٍ، وأبي هُريرةَ، وابنِ عبّاسٍ، وأنَسِ بن مالكٍ: النَّهيُ عن صيام يوم الشَّكِّ مُطْلقًا (٢). ورُويُ أيضًا مِثلُ ذلك عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، وأبي وائلٍ، والشَّعبيِّ، والنَّخَعيِّ وعِكْرِمةَ، وابنِ سِيرينَ (٣). وذكر عبدُ الرَّزّاق (٤)، عن جَعْفرِ بن سُليمانَ، عن حبيبِ بن الشَّهيدِ، قال: سمِعتُ محمدَ بن سيرينَ يقولُ: لأن أُفْطِرَ يومًا من رمضانَ لا أتَعَمَّدُهُ، أحَبُّ إليَّ من أن أصُومَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه من شعبانَ. وقال ابنُ سيرينَ: خرجتُ في اليوم الذي يُشَكُّ فيه، فلم أدخُلْ على أحَدٍ يُؤخَذُ عنهُ العِلمُ، إلّا وجدتُهُ يأكُلُ، إلّا رجُلًا كان يَحْسُبُ ويأخُذُ بالحِسابِ، ولو لم يَعْلَم ذلكَ، كان خيرًا لهُ (٥). وقال مالكٌ: كان أهلُ العِلم يَنْهَونَ عن صيامِه (٦).

стр. 4958

وقال الشّافِعيُّ (١): لا يجِبُ صومُ رمضانَ حتَّى يُستيقَنَ بدُخُولِهِ، ولا يُصامُ يومُ الشَّكِّ على أنَّهُ من رمضانَ. وقال الشّافِعيُّ: لو أصبحَ يومُ الشَّكِّ لا يَنْوي الصَّوم، ولم يأكُل، ولم يَشْربْ، حتَّى عَلِمَ أَنَّهُ من شهرِ رمضانَ، فأتمَّ صَوْمَهُ، رأيتُ أنَّ عليه إعادةَ صَوْم ذلكَ اليوم، وسواءٌ كان ذلك قبلَ الزَّوالِ أو بَعْدهُ، إذا أصبَحَ لا ينوي صيامَهُ من شهرِ رمضانَ. قال: وكذلك لو أصبَحَ ينوي صومَهُ مُتطوِّعًا: لم يجزئه من رمضانَ، ولا أرى رمضانَ يُجزِئُهُ، إلّا بإرادتِهِ، واللّه أعلمُ. قال: ولا فرقَ عِندي بين الصَّوم والصَّلاةِ في هذا المعنى. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسُف ومحمدٌ: لو أنَّ رجُلًا أصبَحَ صائمًا في أوَّلِ يوم من شَهْرِ رمضانَ، ولا يَنْوي أَنَّهُ من شَهْرِ رمضانَ (٢) وَيَنْوي بصيامِهِ التَّطوُّع، ثُمَّ علِمَ بعد ذلكَ أنَّ يومَهُ ذلك من رَمَضانَ، وأنَّهُ يُجزِئُ عنهُ صِيامُهُ، وليسَ عليه قَضاءُ ذلكَ اليوم. وقالوا: لو أنَّ رجُلًا أصبَحَ ينوي الفِطْرَ في أوَّلِ يوم من شَهْرِ رمضانَ وهُو لا يعلمُ أنَّهُ من رمضانَ، ويظُنُّ أنَّهُ من شعبانَ، فاسْتَبانَ لهُ قبلَ انتِصافِ النَّهارِ أَنَّهُ من رمضانَ، فإنَّهُ يُجزِئُ عنهُ إن لم يكُن أكَلَ أو شرِبَ قبلَ أن يستبينَ لهُ. وقالوا: إن علِمَ أنَّ ذلك اليومَ من رمضانَ بعدَما انتَصَف النَّهارُ، فإنَّهُ يصُومُ بقيَّةَ يومِهِ، وعليه قَضاءُ ذلك اليوم. قالوا: ولو كان هذا الصِّيامُ قَضاءً من رمضانَ، أو من صيام كان عليه، فإنَّهُ لا يُجزِئُهُ؛ لأنَّهُ قد أصبَحَ مُفطِرًا. قالوا: ويُجزِئُهُ أن يَتَطوَّع به، ولا يُجزِئُهُ من شيءٍ واجِبٍ عليه (٣). وقال أبو ثَوْرٍ: لو أنَّ رجُلًا أصبَحَ ينوي الفِطْرَ في أوَّلِ يوم من شَهْرِ (٤) رمضانَ وهُو لا يعلمُ أَنَّهُ من رمضانَ، ويَرَى أنَّهُ من شعبانَ، فاستبانَ لهُ أَنَّهُ من

стр. 4959

شَهْرِ رمضانَ قبلَ أن يَنْتصِفَ النَّهارُ، لم يُجزِئه عن شَهْرِ رمضانَ، وكان عليه قَضاءُ ذلك اليوم. قال: ولو نَوَى بصوم ذلك اليوم التَّطوُّعَ وهُو لا يعلمُ أَنَّهُ من رمضانَ، لم يُجزِئه أيضًا، وكان عليه قَضاؤُهُ. قال أبو عُمر: أمّا من ذهَبَ إلى إبطالِ صَوْم من عقَدَ نيَّتَهُ على تَطَوُّع عن الواجِبِ، أو صامَ يومَ الشَّكِّ على غير يقينٍ أَنَّهُ من رمضانَ، فالحُجَّةُ لهُ قولُ رسُولِ الله ﷺ : "الأعمالُ بالنِّيّاتِ، وإنَّما لامْرِئ ما نَوَى" (١). وقد صحَّ أنَّ التَّطوُّعَ غيرُ الفَرْضِ، فمُحالٌ أن ينويَ التَّطوُّعَ، ويُجزِئَهُ عن الفرضِ. ومن جِهةِ النَّظرِ أيضًا: فَرْضُ رمضان قد صحَّ بيقينٍ، فلا يجُوزُ أداؤُهُ بشَكٍّ. ووجهٌ آخرُ، وهُو أنَّهُم قد أجمعُوا على أنَّ من صلَّى أربعًا بعد الزَّوالِ مُتطوِّعًا، أو شاكًّا في دُخُولِ الوقتِ، أَنَّهُ لا يُجزِئُهُ ذلكَ من صلاةِ الظُّهرِ، فكذلك هذا، واللّهُ أعلمُ. وأمّا ما ذهَبَ إليه الأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، وابنُ عُليَّةَ، فحُجَّتُهُم أنَّ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ، ولا يكونُ صومُهُ تطوُّعًا أبدًا، كما أنَّ من صامَ شعبانَ ينوي به رمضانَ، لا يكونُ عن رمضانَ، ولا يكونُ في رَمَضانَ صومٌ عن غير؛ لأَنَّهُ وقت لا تُحيلُ فيه النِّيَّةُ العَمَلَ. قال أبو عُمر: قد قال بكِلا القولينِ جماعةٌ من التَّابِعينَ، ومِمَّن قال بقولِ الأوزاعيِّ: عَطاءٌ (٢) وعُمرُ بن عبدِ العزيزِ، ولكِنَّ القولَ الأوَّلَ أصَحُّ وأحْوَطُ من جِهَةِ الأثَرِ والنَّظَرِ إن شاءَ الله، واللّه المُوفِّقُ للصَّوابِ.

стр. 4960

وقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ من التَّنازُع في وُجُوبِ النِّيَّةِ، والتَّبييتِ في صيام (١) الفَرْضِ والتَّطوُّع، في بابِ ابن شِهاب. ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢): أخبرنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني مُزاحِمٌ، قال: خطَبَ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ في خِلافتِهِ، فقال: انظُرُوا هِلالَ رَمَضانَ، فإن رأيتُمُوهُ فصُومُوا، وإن لم تَروهُ فأكمِلُوا ثلاثينَ يومًا. قال: وأصبَحَ النّاسُ منهُمُ الصّائمُ ومنهُمُ المُفطِرُ ولم يَرَوا الهِلالَ، فجاءَهُمُ الخبرُ بأنْ قد رُئي الهِلالُ، قال: فكلَّمَ النّاسُ عُمرَ، وبعَثَ الحرَسَ في العَسْكرِ: من أصبَحَ صائمًا، فليُتِمَّ صَوْمَهُ، فقد وُفِّق لهُ، ومن أصبَحَ مُفطِرًا لم يذُقْ شيئًا فليُتِمَّ بقيَّةَ يومِهِ، ومن كان طعِمَ شيئًا فليُتِمَّ ما بَقِي من يومِهِ، وليَقْضِ يومًا مكانَهُ، وإنِّي لَعِقتُ لَعْقًا من عَسَلٍ، فأنا صائمٌ بَقِيَّةَ يومي، ثُمَّ أُبدلُهُ بعدُ. ورُوي عن ابن عُمرَ في معنى ما رواهُ عن النَّبيِّ ﷺ ، من قولِهِ: "فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقدِرُوا لهُ" شيءٌ لم يُتابِعْهُ على تأويلِهِ ذلكَ فيما علِمتُ إلّا طاوُوسٌ وأحمدُ بن حَنْبل. ورُوي عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ مِثلُ ذلك، ورُوي عن عائشةَ نحوُهُ. وذلكَ أنَّ ابن عُمر كان يقولُ: إذا لم يُرَ الِهلالُ، ولم يَكُن في السَّماءِ غيمٌ ليلةَ ثلاثينَ من شعبانَ، وكان صحْوًا، أفطَرَ النّاسُ، ولم يصُومُوا، وإن كان في السَّماءِ غيمٌ في تلكَ اللَّيلةِ، أصبحَ النّاسُ صائمينَ، وأجزأهُم من رمضانَ، إن ثبتَ بعدُ أنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وعِشرُونَ، ورُبَّما كان شعبانُ حينئذٍ تِسعًا وعِشرينَ (٣). ورُوِيَ عن أسماءَ بنتِ أبي بكر: أنَّها كانت تصُومُ اليومَ الذي يُغَمَّى على النّاسِ فيه (٤).

стр. 4961

ورُوِيَ عن عائشةَ أنَّها قالت: لأنْ أصُومَ يومًا من شعبانَ، أحَبُّ إليَّ من أن أُفطِرَ يومًا من رَمَضانَ (١). وأمّا الرِّوايةُ بذلك، عن ابن عُمرَ، فذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٢)، عن مَعْمرٍ (٣)، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ إذا كان سَحابٌ أصبَحَ صائمًا، وإن لم يَكُن سَحابٌ، أصبَحَ مُفطِرًا. قال (٤): وأخبرنا مَعْمرٌ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، مِثلَهُ. وقال أحمدُ بن حَنْبل: صيامُ يوم الشَّكِّ واجِبٌ، وهُو يجزئ من رمضانَ إن ثبت أنَّهُ من رَمَضانَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: حدَّثنا سَعيدٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا رأيتُمُ الهِلالَ فصُومُوا، وإذا رأيتُمُوهُ فأفْطِرُوا، فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقدِرُوا لهُ". قال نافع: فكان ابنُ عُمرَ يَبْعثُ مساءَ ثلاثينَ من شعبانَ من ينظُرُ لهُ الهِلالَ، فإن كان صَحْوًا ورآهُ صامَ، وإن لم يَرهُ لم يَصُم، وإن حالَ بينهُ وبينهُ قَتَرٌ أصبَحَ صائمًا" (٥). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦): حدَّثنا سُليمانُ بن داودَ (٧)، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ،

стр. 4962

عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الشَّهرُ تِسْعٌ وعِشرُونَ، فلا تصومُوا حتَّى تَرَوا الهِلالَ، ولا تُفطِرُوا حتَّى تَرَوهُ، فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقدِرُوا لهُ". وكان ابنُ عُمرَ إذا مَضَى لشعبانَ تِسعٌ وعِشرُونَ، نُظِرَ لهُ الهِلالُ، فإن رُئيَ فذاكَ، وإن لم يُر، ولم (١) يحُلْ دُونَ منظرِهِ سَحابٌ ولا قَتَرٌ أصبَحَ مُفطِرًا، وإن حالَ دُونَ مَنْظرِهِ سَحابٌ أو قَتَرٌ، أصبَحَ صائمًا. قال: وكان ابنُ عُمرَ يُفطِرُ مع النّاسِ، ولا يأخُذُ بهذا الحِسابِ. قال أبو عُمر: هذا الأصلُ يَنْتقِضُ على من أصَّلَهُ، لأنَّ من أُغمِيَ عليه هِلالُ رمضانَ، فصامَ على فِعْلِ ابن عُمرَ، ثُمَّ أُغْمِيَ عليه هِلالُ شوّالٍ، لا يخلُو أن يكونَ يَجري (٢) على احْتِياطِهِ خوفًا أن يُفطِرَ يومًا من رمضانَ، أو يترُكَ احتياطهُ، فإن تركَ احتياطهُ، نقضَ ما أصَّلَهُ، وإن جَرَى على احتياطِهِ، صام أحدًا وثلاثينَ يومًا، وهذا خِلافُ ما أمرَ الله به عندَ الجميع، ولكِنَّهُ وإن كان كما وَصَفنا، فإنَّ لأصحابِنا مِثلهُ من الاحتياطِ كثيرًا في الصَّلاةِ، مِثل قولِهِم: يتمادَى، ويُعيدُ ويسجُدُ سجدتيِ السَّهوِ. وهُو خِلافُ ما أمرَ الله به من الخَمْسِ صَلَوات، وهُو يُشبِهُ مذهب ابن عُمرَ في هذا البابِ، ويُشبِهُ أيضًا إعمالَ مالكٍ الشَّكَّ في مَواضِعَ من الطَّهارةِ، والطَّلاقِ، واللّه المُوفِّقُ للصوابِ. وقد كان بعضُ جِلَّةِ التّابِعينَ، فيما حَكاهُ عنهُ محمدُ بن سيرينَ، يَذْهبُ في هذا البابِ، إلى اعتِبارِهِ بالنُّجُوم، ومَنازِلِ القَمرِ، وطريقِ الحِسابِ. وذهَبَ بعضُ فُقهاءَ البَصْريِّينَ، إلى أنَّ معنى قولِهِ ﵇: "فاقدِرُوا لهُ". ارتِقابُ مَنازِلِ القَمرِ، وهُو علمٌ كانتِ العَرَبُ تعرِفُ منهُ قَريبًا من عِلْم العَجَم.

стр. 4963

قال أبو عُمر: من ذهَبَ إلى هذا المذهبِ، يقولُ في معنى قولِهِ ﵇: "فاقدِرُوا لهُ": إنَّ التَّقديرَ في ذلك يكونُ إذا غُمَّ على النّاسِ ليلةَ ثلاثينَ من شعبانَ، بأن يعرِفَ مُسْتَهلَّ الهِلالِ في شعْبانَ، في أوَّلِ ليلةٍ، ويعلمُ أنَّهُ يمكُثُ فيها سِتَّةَ أسباع ساعةٍ، ثُمَّ يغيبُ، وذلكَ في أدنى مُفارَقتِهِ الشَّمس، ولا يزالُ في كلِّ ليلةٍ يزيدُ على مُكْثِهِ في اللَّيلةِ التي قبلَها سِتَّةَ أسباع ساعةٍ، فإذا كان في اللَّيلةِ السّابِعةِ غابَ في نِصفِ اللَّيل، وإذا كان ليلةُ أربع عشرَةَ، تأخَّر سِتَّةَ أسباع ساعَةٍ، ولا يزالُ في كلِّ ليلةٍ يتأخَّرُ طُلُوعُهُ عن الوَقْتِ الذي طلَعَ فيه في اللَّيلةِ التي قبلها سِتَّةَ أسباع ساعَةٍ (١) إلى أن يكونَ طُلُوعُهُ ليلةَ ثمانٍ وعِشرينَ معَ الغَداةِ، فإن لم يُرَ صُبْحَ ثمانٍ وعِشرينَ، عُلِمَ أنَّ الشَّهرَ ناقِصٌ، وإنَّهُ من تِسْع وعِشرينَ (٢)، وإن رُئيَ، عُلِم أنَّهُ تامٌّ، وأنَّ عِدَّتهُ ثلاثُونَ يومًا. وقال: وقد يُتعرَّفُ أيضًا بمُكْثِ (٣) الهِلالِ في ليالي النِّصْفِ الأوَّلِ من الشَّهرِ، ومَغيبِهِ من اللَّيلِ، وأوقاتِ طُلُوعِهِ ليالي النِّصفِ الآخرِ من الشَّهرِ، وتأخُّرِهِ عن أوَّلِ اللَّيلِ، بضَرْبٍ آخَرَ من العِلم، والعمَلِ عندَهُم، ويُتعرَّفُ أيضًا من المنازِلِ، فإنَّ الهِلالَ إذا طَلَعَ أوَّل ليلةٍ من شعبانَ في الشَّرَطَين (٤)، فكان شعبانُ ناقِصًا، طلَعَ في البُطَينِ (٥) ونحوِ هذا. قال أبو عُمر: يُمكِنُ أن يكونَ ما قالهُ هذا القائلُ على التَّقريبِ، لأنَّ أهلَ التَّعديلِ والامْتِحانِ يُنكِرُونَ أن يكونَ هذا حَقِيقةً وإذا (٦) لم يكُن حَقِيقةً، وكانتِ

стр. 4964

الحَقِيقةُ عندَهُم فيما لم تُوقفِ الشَّريعةُ عليه، ولا وَرَدت به سُنَّةٌ، وجبَ العُدُولُ عنهُ، إلى ما سُنَّ لنا، وهُدينا لهُ. وفيما ذكَرَ هذا القائلُ من الضِّيقِ والتَّنازُع والاضْطِرابِ ما لا يليقُ أن يَتعلَّقَ به أُولُو الألبابِ. وهُو مذهبٌ ترَكهُ العُلماءُ قديمًا وحديثًا، للأحاديثِ الثّابِتةِ عن النَّبيِّ ﵇: "صُومُوا لرُؤيتِهِ، وأفْطِرُوا لرُؤيتِهِ، فإن غُمَّ عليكُم فأتِمُّوا ثلاثينَ". ولم يتعلَّق أحدٌ من فُقهاءِ المُسلِمين فيما عَلِمتُ، باعتِبارِ المنازِلِ في ذلكَ، وإنَّما هُو شَيءٌ رُوِيَ عن مُطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ. وليسَ بصحيح عنهُ، واللّه أعلمُ، ولو صحَّ، ما وجَبَ اتِّباعُة عليه، لشُذُوذِهِ، ولمُخالَفةِ الحُجَّةِ لهُ. وقد تأوَّل بعضُ فُقهاءِ البَصْرةِ، في معنى قولِهِ (١): "فاقْدِرُوا لهُ" نحو ذلكَ، والقولُ فيه واحدٌ. وقال ابنُ قُتيبةَ، في قولِهِ: "فاقدِرُوا لهُ" أي: فقَدِّرُوا السَّيرَ والمَنازِلَ. وهُو قولٌ قد ذكَرْنا شُذُوذهُ، ومُخالَفةَ أهلِ العِلم لهُ، وليسَ هذا من شأنِ ابن قُتيبةَ، ولا هُو مِمَّن يُعرَّجُ عليه في هذا البابِ. وقد حُكِيَ عن الشّافِعيِّ، أنَّهُ قال: من كان مَذْهبُهُ الاسْتِدلالِ بالنُّجُوم، ومَنازِلِ القَمَرِ، ثُمَّ تبيَّنَ لهُ من جِهَةِ النُّجُوم: أنَّ الهِلال اللَّيلةَ، وغُمَّ عليه، جازَ لهُ أن يعتقِدَ الصِّيام، ويُبيِّتهُ ويُجزِئَهُ (٢). والصَّحيحُ عنهُ في كُتُبِهِ، وعندَ أصحابِهِ: أنَّهُ لا يصِحُّ اعتِقادُ رمضانَ، إلّا برُؤيةٍ، أو شَهادةٍ عادِلةٍ، لقولِهِ ﷺ : "صُومُوا لرُؤيتِهِ، وأفْطِرُوا لرُؤيتِهِ، فإن غُمَّ عليكُم فأكمِلُوا العِدَّةَ ثلاثينَ يومًا". حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 4965

قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مهديٍّ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، عن عبدِ الله بن أبي قَيْسٍ، قال: سمِعتُ عائشةَ تقولُ: كان رسُولُ الله ﷺ يَتَحفَّظُ من شعبانَ (٣)، ولا يَتَحفَّظُ من غيرِهِ، ثُمَّ يصُومُ لرُؤيةِ رمضانَ، فإن غُمَّ عليه، عدَّ ثلاثينَ يومًا، ثُمَّ صامَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن رِبعيٍّ، عن بعضِ أصْحابِ النَّبيِّ ﵇، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تصومُوا الشَّهرَ حتَّى تُكمِلُوا العددَ، أو تَرَوا الهِلالَ، ثُمَّ صُومُوا، ولا تُفطِرُوا حتَّى تُكمِلُوا العِدَّةَ، أو تَرَوا الهِلالَ" (٤). وهذانِ الحديثانِ يَنْتُجانِ ببُطلانِ تأويلِ ابن عُمرَ ومذهبِهِ، وكذلك آثارُ هذا البابِ، واللّه يُوفِّقُ من يشاءُ للصَّوابِ. وقال عمّارُ بن ياسِرٍ: من صامَ يوم الشَّكِّ، فقد عَصَى أبا القاسم ﷺ (٥).

стр. 4966

قال أبو عُمر: أمّا الشَّهادةُ على رُؤيةِ الِهلالِ، فأجمَعَ العُلماءُ على أنَّهُ لا تُقبَلُ في شهادَةِ شوّالٍ في الفِطْرِ، إلّا رجُلانِ عَدْلانِ. واختَلَفُوا في هِلالِ رمضانَ: فقال مالكٌ، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، واللَّيثُ، والحسنُ بن حيٍّ، وعُبيدُ اللّه بن الحسنِ، وابنُ عُليَّةَ: لا يقبلُ في هِلالِ رَمَضانَ، ولا شوّالٍ، إلّا شاهِدا عَدْلٍ رَجُلان (١). وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ في رُؤيةِ هِلالِ رمضانَ: شَهادَةُ رجُلٍ واحدٍ عَدْلٍ، إذا كان في السَّماءِ عِلَّةٌ، وإن لم يكُن في السَّماءِ عِلَّةٌ (٢) لم يُقبل إلّا شهادةَ العامَّةِ، ولا يُقبلُ في هِلالِ شوّالٍ وذي الحِجَّةِ، إلّا شهادةَ عَدْلينِ، يُقبلُ مِثلُهُما في الحُقُوقِ، وإن كان في السَّماءِ عِلَّةً. وهُو قولُ داود. هكذا حكاهُ أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ، عن أبي حَنِيفةَ، وأصحابِهِ، في كِتابِهِ الكبيرِ في الخِلافِ (٣)، اشتراطَ العدالةِ، ولم يذكُرِ المرأةَ. وذَكَرَ عنهُ في "المختصر" في الشَّهادةِ على هِلالِ رمضانَ: شاهِدٌ واحدٌ مُسلِم، أوِ امرأةٌ مُسلِمةٌ (٤). لم يشترِطِ العَدالةَ، وفي الشَّهادةِ على هِلالِ شوّالٍ: رجُلٌ وامرأتانِ، كسائرِ الحُقُوق. واختلَفَ قولُ الشّافِعيِّ في هذه المسألةِ، فحَكَى المُزنيُّ عنهُ، أنَّهُ قال: إن شهِدَ على رُؤيةِ هِلالِ رمضانَ رجُلٌ عدلٌ، رأيتُ أن أقبَلهُ، للأثرِ الذي جاءَ فيه،

стр. 4967

والاحتياطُ والقياسُ ألّا يُقبَلَ إلّا شاهِدانِ. قال: ولا أقبَلُ على رُؤيةِ هِلالِ الفِطْرِ، إلّا عَدْلين (١). وقال في البُويطيِّ (٢): ولا يُصامُ رَمَضانُ، ولا يُفطَرُ منهُ، بأقلِّ من شاهِدينِ حُرَّينِ مُسلِمينِ عَدْلينِ. وقال أحمدُ بن حَنْبل: من رأى هِلال رمضانَ وحدَهُ صامَ، فإن كان عَدْلًا صُوِّمَ النّاسُ بقولِهِ، ولا يُفطَرُ إلّا بشهادةِ عَدْلينِ، ولا يُفطِرُ إذا رآه وحدَهُ (٣). قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ فيمَنْ رأى هِلالَ رمضانَ وحدَه (٤)، فلم تُقبَل شَهادتُهُ، أَنَّهُ يصُومُ، لأنَّهُ مُتعبِّدٌ بنَفسِهِ، لا بغيرِه. وعلى هذا أكثرُ العُلَماءِ، لا خِلافَ في ذلكَ، إلّا شُذُوذ لا يُشتَغلُ به. ومن رأى هِلال شوّالٍ وحدَهُ، أفطرَ عندَ الشّافِعيِّ والحسنِ بن حيٍّ. ورُوي عن مالكٍ: أنَّهُ لا يُفطِرُ للتُّهمةِ. وهُو قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوريِّ: أنَّهُ لا يُفطِرُ. ومِثلُهُ قولُ اللَّيثِ، وأحمد: لا يُفطِرُ من رآهُ وحدهُ. واستحبَّ الشّافِعيُّ أن يُخفِيَ فِطرهُ. وقال مالكٌ: من رأى هِلالَ رمضانَ وحدَهُ فأفطَرَ، فعليه الكفّارةُ، مع القَضاء. وقال أبو حنيفةَ: لا كفّارةَ عليه. والشّافِعيُّ على أصلِهِ في الاكلِ، فإن وطِئَ كفَّرَ عندَهُ. وكان الشَّعبيُّ والنَّخعيُّ يقولانِ: لا يصُومُ أحَدٌ إلّا معَ جَماعَةِ النّاس (٥).

стр. 4968

وقال الحسنُ وابنُ سيرينَ: يفعلُ النّاسُ ما يفعلُ إمامُهُم. قال أبو عُمر: قد أجمعُوا على أنَّ الجماعةَ لو أخْطَأتِ الهِلالَ في ذي الحِجَّةِ، فوقَفَت بعرَفةَ في اليوم العاشِرِ، أن ذلكَ يُجزِئُها، فكذلكَ الفِطرُ، والأضحى، واللّه أعلمُ. رَوَى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوب، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "فِطْرُكُم يومَ تُفطِرُونَ، وأضحاكُم يومَ تُضحُّونَ" (١). واختلَفَ العُلماءُ في الحُكم إذا رأى الهِلالَ أهلُ بلدٍ، دُونَ غير من البُلدانِ، فرُوِيَ عن ابن عبّاسٍ وعِكرِمةَ، والقاسم بن محمدٍ، وسالم بن عبدِ اللّه، أنَّهُم قالوا: لكلِّ أهلِ بلدٍ رُؤيتُهُم. وبه قال إسحاقُ بن راهُويَة. وحُجَّةُ من قال هذا القولَ، ما حدَّثناهُ عبدُ اللّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن داسةَ (٢)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفرٍ، قال: أخبر ني محمدُ بن أبي حَرْملةَ،

стр. 4969

قال: أخبرني كُرَيبٌ: أنَّ أُمَّ الفَضْلِ بنت الحارِثِ بعثتهُ إلى مُعاويةَ بالشّام. قال: فقدِمتُ الشّام فقَضَيتُ حاجَتَها، فاستَهلَّ رَمَضانُ، وأنا بالشّام، فرأينا الهِلالَ ليلةَ الجُمُعةِ، ثُمَّ قَدِمتُ المدينةَ في آخِرِ الشَّهرِ، فسَألَني ابنُ عبّاسٍ، ثُمَّ ذكَرَ الهِلال فقال: مَتَى رأيتُمُ الهِلالَ؟ قال: قلتُ: رأيتُهُ ليلةَ الجُمُعةِ. قال: أنتَ رأيتَهُ؟ قلتُ: نَعَمْ، ورآه النّاسُ، وصامُوا، وصامَ مُعاويةُ. قال: لكِنْ رأيناهُ ليلةَ السَّبتِ، فلا نزالُ نَصُومُ حتّى بممِلَ ثلاثينَ يومًا، أو نَراهُ. قلتُ: أوَلا تَكْتَفي برُؤيةِ مُعاويةَ؟ قال: لا، هكذا أمَرَنا رسُولُ اللّه ﷺ . وفيه قولٌ آخرُ، رُوي عن اللَّيثِ بن سعدٍ، والشّافِعيِّ، وأحمد بن حَنْبل، قالوا: إذا ثبتَ عندَ النّاسِ، أنَّ أهلَ بَلَدٍ رأوهُ، فعَلَيهِم قَضاءُ ما أفْطَرُوا. وهُو قولُ مالكٍ، فيما روى ابنُ (١) القاسم. وقد رُوي عن مالكٍ، وهُو مذهبُ المَدَنيِّين من أصحابِهِ: أنَّ الرُّؤيةَ لا تلزَمُ غيرَ البلدِ الذي حَصَلت فيه، إلّا أن يَحْمِلَ الإمامُ على ذلكَ، وأمّا مع اختِلافِ الكلِمةِ، فلا، إلّا في البَلَدِ بعينِهِ، وعَمَله. هذا معنى قولِهِم، وقد لخَّصنا مَذاهِبهُم في ذلك في الكِتابِ "الكافي" (٢). قال أبو عُمر: إلى القولِ الأوَّلِ أذهَبُ؛ لأنَّ فيه أثرًا مرفُوعًا، وهُو حديث حَسَنٌ تلزَمُ به الحُجَّةُ، وهُو قولُ صاحِبٍ كبيرٍ، لا مخُالِف لهُ (٣)، وقال فيه طائفة من فُقهاءِ التّابِعين، ومع هذا، إنَّ النَّظرَ يدُلُّ عليه، لأنَّ النّاسَ لا يُكلَّفُونَ عِلْمَ ما غابَ عنهُم في غيرِ بَلدِهِم، ولو كلِّفُوا ذلكَ، لضاقَ عَلَيهِم، أرأيتَ لو رُئي بمكَّةَ أو بخُراسانَ هِلالُ رمضانَ أعوامًا، بغيرِ ما كان بالأندلُسِ، ثُمَّ ثبت

стр. 4970

ذلكَ بعدَ زمانٍ (١) عندَ أهلِ الأندلُسِ، أو عندَ بعضِهِم، أو عندَ رجُلٍ واحدٍ منهُم، أكان يجِبُ عليه قَضاءُ ذلك، وهُو قد صام برُؤيةٍ، وأفطرَ برُؤيه، أو بكمالِ ثلاثينَ يومًا، كما أُمِر، ومن عمِلَ بما يجِبُ عليه، مِمّا أُمِرَ به، فقد قَضَى اللّه عنهُ، وقولُ ابن عبّاسٍ عِندِي صحيحٌ في هذا البابِ، واللّه المُوفِّقُ للصَّوابِ. قال أبو عُمر: قد مَضَى القولُ مُمهَّدًا في الهِلالِ يُرَى قبلَ الزَّوالِ، أو بعدَ الزَّوالِ، في بابِ ثَوْرِ بن زيدٍ. وأجمَعَ العُلماءُ على أَنَّهُ إذا ثبتَ أنَّ الهِلالَ من شوّالٍ رُئي (٢) بمَوْضِع استِهلالِهِ ليلًا، وكان ثحوتُ ذلكَ، وقد مَضَى من النَّهارِ بعضُهُ، أنَّ النّاسَ يُفطِرُونَ ساعَةَ جاءَهُمُ الخَبرُ الثَّبتُ في ذلك، وإن كان قبلَ الزَّوالِ، صلَّوا العيدَ بإجماع من العُلماءِ وأفْطَرُوا. وإن كان بعدَ الزَّوالِ، فاختَلَف العُلماءُ في صلاةِ العيدِ حينَئذٍ (٣). فقال مالكٌ وأصحابُهُ: لا تُصلَّى صَلاةُ العيدِ في غيرِ يوم العيدِ، لا فِطْرٍ ولا أضْحَى. ورُوِيَ مِثلُهُ عن أبي حَنِيفةَ: أنَّ صلاةَ العيدِ إذا لم تُصلَّ في يوم العيدِ حتّى تزُولَ الشَّمسُ، لم تُصلَّ بعدُ. وقال أبو يوسُف ومحمدٌ: يُصَلَّي بهم من الغَدِ فيما بَيْنهُ وبينَ الزَّوالِ، ولو كان في الأضْحَى صُلِّيَ بهم في اليوم الثّالثِ. وقال الثَّوريُّ: يخرُجُونَ في الفِطْرِ من الغَد. وقال الحسنُ بن حيٍّ: لا يخرُجُونَ من الغَدِ في الفِطْرِ، ويخرُجُونَ في الأضْحَى.

стр. 4971

وقال اللَّيثُ: يخرُجُونَ في الفِطْرِ والأضْحَى من الغدِ. وقال الشّافِعيُّ (١): إذا لم تثبُتِ الشَّهادةُ في الفِطْرِ إلّا بعد الزوالِ، لم تُصلَّ صلاةُ العيدِ بعدَ الزَّوالِ، ولا من الغَدِ، إلّا أن يثبُت في ذلك حديث. قال أبو عُمر: من ذهَبَ في هذه المسألةِ إلى الخُرُوج لصلاةِ العيدِ من الغَدِ، فحُجَّتُهُ حديثُ أبي بِشْرٍ جعفرِ بن أبي وَحْشيَّةَ، أنَّ أبا عُمَيرِ بن أنسٍ حدَّثهُ، قال: أخبرني عُمُومةٌ لي من الأنْصارِ من أصْحاب رسُولِ اللّه ﷺ قالوا: أُغْمِي علينا هِلالُ شوّالٍ، فأصبحنا صيامًا، فجاءَ رَكْبٌ من آخِرِ النَّهارِ إلى النَّبيِّ ﵇، فشهِدُوا أنَّهُم رأوُا الهِلال بالأمْسِ، فأمرَ النَّبيُّ ﵇ النّاس بأن يُفطِرُوا من يومِهِم، وأن يخرُجُوا لعيدِهِم من الغَد (٢). وهذا حديث لا يجيءُ إلّا بهذا الإسنادِ، انفردَ به جَعْفرُ بن أبي وَحْشيَّةَ أبو بِشرٍ، وهُو ثِقةٌ واسِطي، رَوَى عنهُ أيُّوبُ، والأعمشُ، وشُعبَةُ، وهُشَيمٌ، وأبو عوانةَ. وأمّا أبو عُمَيرِ بن أنسٍ فيقالُ: إنَّهُ ابنُ أنسِ بن مالكٍ، واسمُهُ عبدُ اللّه، ولم يروِ عنهُ غيرُ أبي بِشرٍ، ومن كان هكذا، فهُو مجهُولٌ لا يُحتجُّ به (٣). وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ صلاةَ العيدِ لا تُصلَّى يومَ العيدِ بعد الزَّوالِ، فأحْرَى أن لا تُصلَّى في يوم آخَرَ، قياسًا ونظرًا، إلّا أن يصِحَّ بخِلافِهِ خَبرٌ وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4972

حديثٌ حادٍ وأربعُونَ لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ أنَّ رسُولَ اللّه ﷺ نَهَى عن الوِصالِ. قالوا: فإنَّكَ تُواصِلُ يا رسُولَ اللّه؟ قال: "إنِّي لَسْتُ كَهَيئَتِكُم، إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى". أجمعَ العُلماءُ على أنَّ رسُولَ اللّه ﷺ نَهَى عن الوِصالِ، ورُوِيَ ذلكَ عنهُ ﷺ من وُجُوهٍ، مِنها: حديثُ أنَس (٢)، وحديثُ ابن عُمرَ، وحديثُ أبي هُريرةَ، وحديثُ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، وحديثُ عائشةَ. واختلفُوا في تأويلهِ، فقال منهُم قائلُونَ: إنَّما نَهَى رسُولُ اللّه ﷺ عن الوِصالِ رِفقًا منهُ بأُمَّتِهِ، ورحمةً بهم، فمن قدَرَ على الوِصالِ، فلا حرجَ، لأنَّهُ للّه يَدَعُ طعامَهُ وشَرابهُ، وكان عبدُ اللّه بن الزُّبير، وغيرُه جَماعة (٣) يُواصلونَ الأيامَ (٤). وقد أخبرنا (٥) عبد اللّه بن محمدِ بن يوسفَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحسنِ الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا الزُّبيرُ بن بَكّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن مالكِ بن أنَسٍ، أنَّ عامر بن عبدِ اللّه بن الزُّبيرِ كان يُواصِلُ في شهْرِ رمضانَ ثلاثًا، فقيل لهُ: ثلاثةَ أيام؟ قال: لا (٦)، ومن يَقْوَى يُواصِلُ ثلاثَةَ أيام؟ يومين (٧) وليلَةً (٨).

стр. 4973

ومِن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهبَ: ما حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ. وأخبرنا عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١): أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ (٢)، قال: أخبرنا عَبْدةُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشَةَ، قالت: نَهَى رسُولُ اللّه ﷺ عن الوِصالِ رَحْمةً، قالوا: يا رسُولَ اللّه إنَّكَ تُواصِلُ؟ قال: "إنِّي لَسْتُ كأحَدٍ مِنكُم، يُطْعِمُني ربِّي ويَسْقيني". وكان أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُويَة لا يَكْرهانِ أن يُواصلَ من سَحَرٍ إلى سَحَرٍ. ومِن حُجَّةِ من ذهَبَ إلى هذا أيضًا: ما حدَّثناهُ عبدُ اللّه بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، أنَّ بَكْر بن مُضَرَ حدَّثهُم، عن ابن الهادِ، عن عبدِ اللّه بن خبّاب (٤)، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ اللّه ﷺ يقولُ: "لا تُواصِلُوا، فأيُّكُم أرادَ أن يُواصِلَ، فليُواصِلْ حتّى السَّحَرِ". قالوا: فإنَّكَ تُواصِلُ؟ قال: "إنِّي لَسْتُ كَهَيئَتِكُم، إنَّ لي مُطعِمًا يُطعِمُني، وساقيًا يَسْقيني".

стр. 4974

وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ ومحمدُ بن الجَهْم، قالا: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا صالحٌ، قال: أخبرنا ابنُ شِهاب، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ اللّه ﷺ نَهَى عن الوِصالِ، فقال رجُلٌ من المُسلِمينَ: إنَّكَ يا رسُولَ اللّه، تُواصِلُ؟ فقال: "لَسْتُم مثلي، إنِّي أبيتُ فيُطْعِمُني ربِّي وَيسْقيني". فلمّا أبوا أن يَنْتَهُوا عن الوِصالِ، واصَلَ بهم يومًا، ثُمَّ يومًا، ثُمَّ رأوُا الهِلالَ، فقال: "لو تأخَّرَ لَزِدتُكُم". كالمُنكِّلِ لهم (١). وكذلكَ رواهُ شُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ (٢) ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ (٣)، عن ابن شِهاب، عن أبي سلمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ وزاد: كالمُنكِّلِ لهم حين أبوا أن ينتهُوا. ورواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن نَمِرٍ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني سعيدٌ وأبو سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، فذكَرَ (٤). وبِهذه الآثارِ وشِبْهِها يحتجُّ من ذهَبَ إلى أنَّ النَّهي عن الوِصالِ، إنَّما كان رَحْمةً بهم، وشَفَقةً عليهم ورِفْقًا. وكَرِه مالكٌ، والثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ، والشّافِعيُّ، وجَماعة من أهلِ الفِقهِ والآثارِ الوِصالَ على كلِّ حالٍ، لمن قوِيَ عليه، ولغيرِهِ، ولم يُجيزُوا الوِصال لأحَدٍ (٥).

стр. 4975

ومِن حُجَّتِهِم ما حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعَيب، قال (١): حدَّثنا عُبيدُ اللّه بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ اللّه، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللّه ﷺ واصَلَ في رمضانَ، فواصَلَ النَّاسُ، فنهاهُم عن الوِصالِ، فقالوا: إنَّكَ تُواصِلُ؟ قال: "إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى". فقد نهاهُم رسُولُ اللّه ﷺ ، عن الوِصالِ، وثبتَ عنهُ ﵇ أنَّهُ قال: "إذا نَهَيتكُم عن شيءٍ، فانتهُوا عنهُ، وإذا أمَرْتكُم بشيءٍ، فخُذُوا منهُ ما استَطعتُم" (٢). وحَقِيقةُ النَّهي: الزَّجرُ والمنعُ. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: سُئلَ سعيدٌ عن الوِصالِ، فأخبرنا عن قتادةَ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، أنَ رسُولَ اللّه ﷺ قال: "لا تُواصِلُوا". فقيلَ لهُ: إنَّكَ تُواصِلُ، فقال: "إنِّي لَسْتُ كأحَدٍ مِنكُم، إنَّ ربِّي يُطْعِمُني ويَسْقيني" (٣). ومِمّا احتجَّ به أيضًا من نَهَى عن الوِصالِ على كلِّ حالٍ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال:

стр. 4976

حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ ومحمدُ بن إسماعيلَ، قالا: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُروةَ، قال: حدَّثني أبي، قال: سَمِعتُ عاصِمَ بن عُمرَ بن الخطّابِ، يُحدِّثُ عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ اللّه ﷺ : "إذا أقبَلَ اللَّيلُ من هاهُنا، وأدبَرَ النَّهارُ من هاهُنا، وغَرَبتِ الشَّمسُ، فقد أفطَرَ الصائمُ". قالوا: ففي هذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ الوِصالَ للنَّبيِّ ﷺ خُصُوصٌ، وأنَّ الواصِلَ لا يَنْتفِعُ بوِصالِهِ، لأنَّ اللَّيلَ ليسَ بموضِع للصِّيام، بدليلِ هذا الحديثِ وشِبهِهِ. وقد رُوي عن عبدِ اللّه بن أبي أوفَى، عن النَّبيِّ ﵇ مِثلُهُ (٢). وقال اللّه : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. و"إلى" هُنا غايةٌ لا تُتَجاوزُ. هذا ما نزَعَ به منِ احتجَّ لمذهَبِنا في ذلك، وفي المسألةِ عِندي نظرٌ، ولا أُحِبُّ لأحَدٍ أن يُواصِلَ، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4977

حديثٌ ثانٍ وأربعُونَ لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللّه ﷺ أدرَكَ عُمرَ بن الخطّابِ وهُو يَسِيرُ في رَكْبٍ، وهُو يحلِفُ بأبيهِ، فقال رسُولُ اللّه ﷺ : "إنَّ اللّه يَنْهاكُم أن تحلِفُوا بآبائكُم، فمن كان حالِفًا، فلْيحلِف باللّه، أو ليَصْمُتْ". هكذا رواهُ مالكٌ وغيرُهُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﵇، بمعنًى (٢) واحدٍ. وكذلك رواهُ الزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، وزادَ: قال عُمرُ: فواللّه ما حَلَفتُ بها ذاكِرًا، ولا آثِرًا (٣) (٤). وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّهُ لا يجُوزُ الحَلِفُ بغيرِ اللّه في شيءٍ من الأشياءِ، ولا على حالٍ من الأحوالِ، وهذا أمرٌ مجُتَمع عليه. وقد روى سعدُ (٥) بن عُبيدةَ، عن ابن عُمر فيه حديثًا شديدًا: أَنَّهُ سمِعَ رسُول اللّه ﷺ يقولُ: "من حلَفَ بغيرِ اللّه فقد أشرَكَ". ذكرهُ أبو داودَ (٦)، وغيرُهُ.

стр. 4978

ورَوَى محمدُ بن سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ اللّه ﷺ : "لا تحلِفُوا بآبائكُم، ولا بأُمَّهاتِكُم، ولا بالأنْدادِ، ولا تحلِفُوا إلّا باللّه، ولا تحلِفُوا باللّه إلّا وأنتُم صادِقُونَ". حدَّثناهُ عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عُبيدُ اللّه بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، فذكرهُ. والحلِفُ بالمخلُوقاتِ كلِّها في حُكْم الحَلِفِ بالآباءِ، لا يجُوزُ شيءٌ من ذلك، فإنِ احتجَّ مُحتجٌّ بحدِيثٍ يُروَى عن إسماعيل بن جَعْفرٍ، عن أبي سُهَيلٍ نافع بن مالكِ بن أبي عامرٍ، عن أبيهِ، عن طَلْحةَ بن عُبيدِ اللّه، في قِصَّةِ الأعرابيِّ النَّجديِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أفلَحَ وأبيهِ إن صَدَقَ" (٢). قيل لهُ: هذه لَفْظةٌ غيرُ محفُوظةٍ في هذا الحديثِ، من حديثِ من يُحتجُّ به، وقد رَوَى هذا الحديث مالكٌ (٣)، وغيرُهُ، عن أبي سُهَيل، لم يقولُوا ذلك فيه. وقد رُوي عن إسماعيل بن جعفرٍ هذا الحديثُ، وفيه: "أفلح واللّه إن صدَقَ" (٤)، و: "دخَلَ الجنّةَ واللّه إن صدَقَ" (٥). وهذا أولى من رِوايةِ من روى: "وأبيهِ". لأنَّها لفظة مُنكَرةٌ، ترُدُّها الآثارُ الصِّحاحُ، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4979

قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ اليمينَ بغيرِ اللّه مَكْرُوهةٌ، مَنْهيٌّ عنها، لا يجُوزُ الحَلِفُ بها لأحدٍ (١). واختَلَفُوا في الكفّار، هل تجِبُ على من حلَفَ بغيرِ اللّه فحَنِثَ؟ فأوْجَبها بعضُهُم، في أشياءَ يطُولُ ذِكرُها، وأبَى بعضُهُم من إيجابِ الكفّارةِ على من حنِثَ في يَمينِهِ بغيرِ اللّه، وهُو الصَّوابُ عندَنا، والحمدُ للّه. (٢) وأمّا الحَلِفُ بالطَّلاقِ والعِتْقِ، فليسَ بيمينٍ عندَ أهلِ (٣) التَّحصيلِ والنَّظرِ، وإنَّما هُو طلاقٌ بصِفَةٍ، أو عِتقٌ بصِفَةٍ، إذا أوقَعَهُ مُوقِعٌ، وقَعَ على حسَبِ ما يجِبُ في ذلكَ عندَ العُلماءِ، كلٌّ على أصْلِهِ. وقولُ المُتقدِّمينَ: الأيمانُ بالطَّلاقِ والعِتْقِ، إنَّما هُو كَلامٌ خرجَ على الاتِّساع والمجازِ والتَّقريبِ، وأمّا الحقيقةُ، فإنَّما هُو طلاقٌ على صِفَةٍ ما، وعِتق على صِفَةٍ ما (٤)، ولا يمينَ في الحقيقةِ إلّا باللّه . وأمّا من حلَفَ بصدَقةِ مالِهِ، أو نحو ذلك، فالذي يَلْزمُ منهُ، ما قصدَ به فاعِلهُ إلى البِرِّ والقُربةِ إلى اللّه . وهذا بابٌ اختلَفَ فيه العُلماءُ قديمًا وحديثًا، وسَنذكُرُ ما لهم في ذلكَ من الأقوالِ والاعتِلالِ في بابِ عُثمانَ بن حَفْصِ بن خَلْدةَ، من كِتابِنا هذا، عندَ ذِكْرِ قِصَّةِ أبي لُبابةَ (٥)، إن شاءَ اللّه. ونذكُرُ وُجُوه الأيمانِ، وتَقْسيمَها عِند العُلماءِ،

стр. 4980

واللَّغو منها، وغير اللَّغوِ، وأحكام كَفّاراتِها (١)، في بابِ سُهَيلِ بن أبي صالح، من كِتابِنا هذا أيضًا إن شاءَ اللّه. ونذكُرُ هاهُنا معانيَ الأَيْمانِ باللّه خاصَّةً؛ لأنَّ الغرَضَ مِمّا في كلِّ بابٍ من أبوابِ كِتابِنا هذا، أن يتَّسِعَ القولُ في أُصُولِهِ، ونُوضِّحُها ونبسُطُها، ونُلوِّحُ من فُرُوعِهِ بما يدُلُّ على المُرادِ فيه، إذِ الفُرُوعُ لا تُحصى، ولا تُضبطُ إلّا بضبطِ الأُصُولِ، واللّه المُستعانُ. فالذي أجمَعَ عليه العُلماءُ في هذا البابِ، هُو أَنَّهُ من حلَفَ باللّه، أو باسم من أسماءِ اللّه، أو بصِفةٍ من صِفاتِهِ، أو بالقُرآنِ، أو بشيءٍ منهُ فحنِثَ، فعليه كفّارةُ يمينٍ، على ما وصفَ اللّهُ في كِتابِهِ من حُكم الكفّار، وهذا ما (٢) لا خِلافَ فيه إلّا عندَ أهلِ البِدَع (٣)، وليسُوا في هذا البابِ بخِلافٍ. وأجمَعَ العُلماءُ، على أنَّ صَريحَ (٤) اليمينِ باللّه، هُو قولُ الحالِفِ: باللّه، أو: واللّه، أو: تاللّه. واختَلفُوا فيمَنْ قال: واللّه، واللّه، واللّه. أو: واللّه، والرَّحمنِ. أو: والرَّحمنِ، والرَّحيم. أو: واللّه، والرَّحيم الرَّحمنِ. فتحصيلُ مذهبِ مالكٍ (٥) وأصحابِهِ في ذلكَ، وهُو قولُ الأوزاعيِّ، والبتِّيِّ: أنَّهُ يمينٌ واحدةٌ أبدًا، إذا كرَّرَ شيئًا مِمّا ذكَرْنا، إلّا أن يكونَ أرادَ اسْتِئنافَ (٦) يَمينٍ، فيكونَ كذلكَ، وسواءٌ كان ذلك في مجلِسٍ واحدٍ، أو مجالِسَ.

стр. 4981

وقال الشّافِعيُّ: في كلِّ يمينٍ كفّارةٌ، إلّا أن يكون أراد التَّكرار (١). وقال أبو حَنِيفةَ: إذا قال: واللّه، والرَّحمنِ. فهُما يَمِينانِ، إلّا أن يكونَ أرادَ اليمينَ الأُولى، فتكون يمينًا واحدةً، ولو قال: واللّه الرَّحمنِ: كانت يمينًا واحدةً (٢). قال أبو عُمر: لا يختلِفُونَ فيمن قال: واللّه العظيم الرَّحمنِ الرَّحيم، ونحوِ هذا من صِفاتِهِ ، أنَّها يَمِينٌ واحدةٌ، وإنَّما اختَلفُوا إذا أدخلَ الواو. وقال زُفَرُ: إذا قال: واللّه الرَّحمنِ، كانت يمينًا واحدةً (٣). وقال أبو حَنِيفةَ: من حلفَ في شيءٍ واحدٍ مِرارًا في مجلِسٍ واحدٍ، فإن كان المرادُ التَّكرارَ، فهي يمينٌ واحدةٌ، وإن لم تَكُن لهُ نيَّةٌ وأرادَ التَّغليظَ فهُما يمينانِ، وإن حلَفَ في مَجْلِسينِ، فهُما يمينانِ (٤). وقال الثَّوريُّ: هي يمينٌ واحدةٌ، وإن كان في مجالِسَ، إلّا أن يكونَ أرادَ يمينًا أُخرى (٥). وقال الحسنُ بن حيٍّ: إن قال: واللّه لا أُكلِّمُ فُلانًا (٦)، وواللّه وواللّه لا أُكلِّمُ فلانًا. فيَمِينٌ واحدةٌ، وإن قال: واللّه لا أُكلِّمُ فلانًا، ثُمَّ قال: واللّه لا أُكلِّمُ فلانًا، فيَمِينان (٧). وقال أحمدُ بن حَنْبل: من حلَفَ على شيءٍ واحدٍ بأيمانٍ كثير في مَجلِسٍ، أو مجالِسَ، فحنِثَ، فإنَّما عليه كفارَّةٌ واحدةٌ (٨).

стр. 4982

وأجمعُوا أنَّهُ إذا قال: أُقْسِمُ باللّه، أنَّها يمينٌ. واختلفُوا فيمَنْ قال: أُقْسِمُ، أو: أشْهَدُ، أو: أعزِمُ، أو: أحلِفُ، ولم يَقُل: باللّه، ولكِنَّهُ أرادَ: باللّه. فقال مالكٌ: كلُّ هذه الألفاظِ يمينٌ، إذا أرادَ: باللّه، وإن لم يُرِد: باللّه فليسَ شيءٌ منها بيمين (١). ورُوِي عن مالكٍ: أنَّهُ ضعَّفَ: أعزِمُ باللّه، وكأنَّهُ لم يرهُ يمينًا (٢) إلّا أن يكونَ أرادَ اليمين؛ لأَنَّهُ قد يكونُ على وَجْهِ الاستِعانةِ، كأَنَّهُ يقولُ: أستعينُ باللّه، أو: بحولِ اللّه. وهذا ليس بيمينٍ عندَ أحَدٍ. وقال الشّافِعيُّ (٣): أُقسِمُ باللّه، أو: أقسمتُ باللّه، أو: أشهدُ باللّه، أو: أعزِمُ باللّه: يمينٌ إذا أرادَ بها اليمين، وليست بيمينٍ إن لم يُرِد بها يمينًا، وليسَ: أُقسِمُ، وأشهدُ، وأحلِفُ يمينًا، إذا لم يَقُل: باللّه. هذه رِوايةُ المُزنيِّ عنهُ. ورَوى عنهُ الرَّبيعُ نحوَ قولِ مالكٍ، أنَّهُ (٤) إذا قال: أُقسِمُ، أو أشهدُ، أو أعزِمُ: فهُو يمينٌ، وإن لم يقُل: باللّه، إذا أرادَ: باللّه، وأراد به (٥) اليمينَ. قال الرَّبيعُ: وقال (٦) الشّافِعيُّ: وإن قال: أحلِفُ باللّه: فليسَ بيمينٍ، إلّا أن ينويَ اليمين؛ لأَنَّهُ يَحتمِلُ أن يُريدَ: سأحلِفُ باللّه (٧).

стр. 4983

وقال أبو حنيفةَ: أُقسِمُ، وأشهدُ، وأعزِمُ، وأحلِفُ كلُّها أيمانٌ، وإن لم يَقُل: باللّه، وهُو قولُ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وقولُ الحسنِ، والنَّخَعيِّ (١). واختلفُوا فيمَنْ حلَفَ: بحقِّ اللّه، أو: بعَهدِ اللّه. أو: ميثاقِهِ، ونحوِ ذلكَ، فقال مالكٌ: من حلفَ: بحقِّ اللّه: فهي يمين. قال: وكذلكَ: عهدُ اللّه، وميثاقُهُ، وكَفالتُهُ، وعِزَّتُهُ، وقُدرتُهُ، وسُلطانُهُ، وجميعُ صِفاتِ اللّه وأسمائهِ، هي أيمان كلُّها فيها الكفّارةُ، وكذلك: لعَمْرُ اللّه، وايمُ اللّه (٢). وقال الشّافِعيُّ (٣) في: وحقِّ اللّه، وجَلالِ اللّه، وعظَمتِهِ (٤)، وقُدْرتِهِ: يمين، إن نَوَى بها اليمينَ، وإن لم يُرِدِ اليمينَ، فلَيْست بيمينٍ، لأنَّهُ يحتمِلُ: وحقُّ اللّه واجِبٌ، وقُدرةُ اللّه ماضيةٌ. وقال في: أمانةُ اللّه: لَيْست بيمينٍ، وفي: لَعَمْرُ اللّه، وايمُ اللّه: إن لم يُرِد بها اليمينَ، فليست بيمينٍ. وقال الأوزاعيُّ: من قال: لعَمْرُ اللّه، وايمُ اللّه (٥)، لأفعلنَّ كذا، ثُمَّ حنِثَ: فعليه كفّارةُ يمينٍ (٦). وقال أبو حنيفةَ: إن قال: وحقِّ اللّه، فهِيَ يمينٌ، فيها كفّارةٌ (٧). وقال محمدُ بن الحَسَنِ: لَيْست بيمينٍ، ولا فيها كفّارةٌ (٨).

стр. 4984

وقال الرّازيُّ (١): قولُ أبي حَنِيفةَ في هذا، مِثلُ قولىِ محمدٍ: لَيْست بيمينٍ، وكذلكَ: عهدُ اللّه، وميثاقُهُ، وأمانتُهُ. ليست بيمينٍ. وقال أبو حنيفةَ: في قولِهِ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]: هي الأيمانُ والشَّرائعُ. وقال بعضُ أصحابِهِ: هي يمينٌ (٢). وقال الطَّحاويُّ (٣): ليست بيمينٍ. وقال الشّافِعيُّ (٤): من حلَفَ بالقُرآنِ، فحنِثَ فعَلَيهِ الكفّارةُ. وقال أحمدُ بن حَنْبل: من حلَفَ بالقُرًانِ، أو بحقِّ القُرآنِ، فحنِثَ، لزِمتهُ بكلِّ آيةٍ كفّارةٌ (٥). وأجمعُوا أنَّ الاسْتِثناءَ في اليمينِ باللّه جائزٌ (٦)، واختَلفُوا في الاسْتِثناءِ في اليَمينِ بغيرِ اللّه، من: الطَّلاقِ، والعِتقِ، وغيرِ ذلك، وما أجمعُوا عليه فهُو الحقُّ، وإنَّما وردَ التَّوقيفُ في الاسْتِثناءِ في اليَمينِ باللّه، لا في غيرِ ذلك. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "من حلَفَ

стр. 4985

فقال: إن شاءَ اللّه، فقدِ اسْتَثْنَى" (١). وأيُّوبُ هذا هُو: أيُّوبُ بن موسى القُرشي الأُمويُّ. وقد رَوَى هذا الحديثَ أيُّوبُ السَّختيانيُّ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: حدَّثنا (٢) عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن عيسى (٤) ومُسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللّه ﷺ : "من حلَفَ فاسْتَثنى، فإن شاءَ رجَعَ، وإن شاءَ تركَ". وذكر عبدُ الرَّزّاق (٥)، عن مَعْمرٍ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ اللّه ﷺ : "من حلَفَ فقال: إن شاءَ اللّه، لم يَحْنَثْ". وروى مالكٌ (٦)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: من قال: واللّه، ثُمَّ قال: إن شاءَ اللّه، لم يَحْنَثْ.

стр. 4986

أخبرنا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحَيم بن خليلٍ، قال: حدَّثنا أبو عَرُوبةَ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن سيّارٍ، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عُبيدِ اللّه بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "من حلَفَ فقال: إن شاءَ اللّه، فلا حِنْثَ عليه" (١). جَعَلهُ مالكٌ موقُوفًا على ابن عُمرَ (٢). وأجمعُوا أنَّ الاسْتِثناءَ إن كان في نَسَقِ الكلام دُونَ انقِطاع بيِّنٍ في اليَمينِ باللّه، أَنَّهُ جائزٌ، واختَلفُوا فيه إذا كان بعدَ سُكُوتٍ وطُولٍ.

стр. 4987

حديثٌ ثالثُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ اللّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللّه ﷺ قطَعَ في مِجَنٍّ، قيمتُهُ (٢) ثلاثة دَراهِمَ. هذا أصحُّ حديثٍ يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ في هذا البابِ، لا يختلِفُ أهلُ العِلْم بالحديثِ في ذلك (٣). والمِجنُّ: التُّرسُ، والدَّرَقةُ، وذلكَ معرُوفٌ، يَستغني عن التَّفسيرِ. والذي عوَّلَ عليه مالكٌ (٤)، وجَعلهُ أصلًا يَرُدُّ إليه قيمةَ العُرُوضِ المسرُوقةِ كلِّها في هذا البابِ، هُو هذا الحديثُ، فمن سرَقَ شيئًا من الأشياءِ التي يحِلُّ تَمَلّكها (٥) إذا كان لها مالكٌ، وكانت في حَوْز (٦)، فسرَقَ السّارِقُ شيئًا منها، وأخرجهُ عن حِرْزِهِ، وبان به، وبلَغَ في قيمتِهِ عندَ التَّقويم في حينِ السَّرِقةِ ثلاثةَ دَراهِمَ كَيْلًا من وَرِقٍ طيِّبةٍ لا دُلْسةَ فيها، وجَبَ قطعُ يَدِ السّارِقِ لذلكَ، حُرًّا كان أو عبدًا، شريفًا كان أو وَضِيعًا، إذا كان بالِغًا مُكلَّفًا، تجري عليه الفَرائضُ والحُدُودُ، ولم يَكُن عبدًا سرَقَ من مالِ سيِّدِهِ، ولا خائنًا فيما اؤتُمِنَ عليه. وإن نَقَصت قَيمةُ المسرُوقِ عن ثَلاثةِ دراهِمَ، لم يَجِبْ قَطْعُهُ، وكان عليه الغُرمُ، وإن رأى الحاكِمُ باجْتِهابٍ أن يُؤَدِّبهُ بالدِّر، أو بالسَّوطِ، ضَرْبًا غيرَ مُبرِّح، أدَّبهُ كذلك.
следующие страницы →