← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 538–577 · переход к 543.

стр. 538

زيدٍ (١)، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تَدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه صُورةٌ". وقيل في الملائكة هاهُنا: ملائكةُ الوَحْي. وقيل: بل كُلُّ مَلَكٍ، على ظاهرِ اللفظِ. كما أنَّ لفظَ "بيتٍ" على لفظِ النَّكِرةِ يقتَضِي كلَّ بيتٍ، واللَّهُ أعلمُ. وظاهرُ هذا الحديثِ يقتَضِي الحَظْرَ عن استعمالِ الصُّوَرِ على كلِّ حالٍ؛ في حائطٍ كانت أو في غيرِه. ومثلُه حديثُ نافع، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، في النُّمرُقَةِ التي فيها تَصاويرُ (٢). وقد استَثْنَى في حديثِ سهلِ بنِ حُنَيفٍ: "إلَّا ما كان رَقْمًا في ثوبٍ" (٣). واختَلَف الناسُ في الصُّوَرِ المكروهَةِ؛ فقال قومٌ: إنَّما كُرِه من ذلك ما له ظلٌّ، وما لا ظلَّ له فليس به بأسٌ.

стр. 539

وقال آخَرون: ما قُطِع رأسُه فليس بصورةٍ. وقال آخرون: تُكرَهُ الصورةُ في الحائطِ وعلى كلِّ حالٍ، كان لها ظِلٌّ أو لم يكنْ، إلَّا ما كان في ثَوْبٍ يُوطَأُ ويُمتهَنُ. وقال آخَرون: هي مَكرُوهَة في الثِّيابِ وعلى كلِّ حالٍ. ولم يَستَثنُوا شيئًا، وروَتْ كلُّ طائفةٍ منهم بما قالَتْه أثَرًا اعتمَدَتْ عليه وعمِلَتْ به. وأمَّا اختِلافُ فقهاءِ الأمصارِ أهلِ الفتوَى في هذا البابِ؛ فذكَر ابنُ القاسم (١)، قال: قال مالكٌ: يُكْرَهُ التماثيلُ في الأسرَّةِ والقِبابِ، وأمَّا البُسُطُ والوسائدُ والثِّيابُ، فلا بأسَ به. وكَرِه أن يُصَلَّى إلى قبلةٍ فيها تماثيل. وقال الثوريُّ (٢): لا بأسَ بالصُّوَرِ في الوسائدِ؛ لأنَّها تُوطَأُ ويُجلَسُ عليها. وكَرِه الحسنُ بنُ حَيٍّ (٣) أنْ يَدخُلَ بيتًا فيه تمثالٌ في كنِيسةٍ أو غيرِ ذلك، وكان لا يرى بأسًا بالصلاةِ في الكنيسةِ والبِيعَةِ. وكان أبو حنيفةَ وأصحابُه يَكرَهون التَّصاويرَ في البُيوتِ بتمثالٍ، ولا يَكرَهون ذلك فيما يُبسَطُ، ولم يَختَلِفوا أنَّ التَّصاويرَ في السُّتُورِ المعلَّقةِ مكروهةٌ، وكذلك عندَهم ما كان خَرْطًا أو نَقْشًا في البناء (٤). وكَرِه الليثُ التماثيلَ التي تكونُ في البُيوتِ والأَسرَّةِ والقِبابِ والطِّسَاسِ (٥) والمناراتِ، إلَّا ما كان رَقْمًا في ثَوْبٍ (٦).

стр. 540

وقال المزنيُّ (١) عن الشافعيِّ: وإن دُعِيَ رجلٌ إلى عُرْسٍ فرأى صورةً ذاتَ رُوح أو صُوَرًا ذاتَ أرواح، لم يَدخُلْ إنْ كانَت منصوبَةً، وإنْ كانت تُوطأُ (٢) فلا بأسَ، و إنْ كانَت صُوَرَ الشجرِ فلا بأسَ. وقال الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: إذا دُعيتُ لأَدخُلَ، فرأيتُ سِتْرًا معلّقًا فيه تصاويرُ، أأرجعُ؟ قال: نعم، قد رجَعَ أبو أيوبَ. قلتُ: رجَعَ أبو أيوبَ من سَتْرِ الجُدُرِ، قال: هذا أشدُّ، وقد رجَعَ عنه غيرُ واحدٍ من أصحاب رسُول اللَّه ﷺ . قلتُ له: فالسَّتْرُ يجوزُ أن يكونَ فيه صورةٌ؟ قال: لا. قيل: فصُورةُ الطائرِ وما أشبَهَهُ؟ فقال: ما لم يكن له رأسُ، فهو أهْوَن (٣). فهذا ما للفقهاء في هذا الباب، وسيأتي ما للسَّلَف فيه ممّا بلَغَنا عنهم في باب سالم أبي النّضرِ من هذا الكتاب (٤) إن شاءَ اللَّه.

стр. 541

حديثٌ ثانيَ عشَرَ لإسحاقَ، عن رافع بنِ إسحاق مالِكٌ (١)، عن إسْحاقَ بن عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحَةَ، عن رافِع بنِ إسْحاقَ، مَوْلًى لآلِ الشِّفاءِ، وكان يُقالُ له: مَوْلَى أبي طَلْحَةَ، أنَّه سَمِعَ أبا أيُّوبَ الأنْصَارِيَّ صاحِبَ رسولِ اللَّه ﷺ وهو بمِصْرَ يقولُ: واللَّه ما أدْرِي كيفَ أصْنَعُ بهذه الكرابِيسِ، وقد قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا ذَهَبَ أحَدُكم الغائطَ (٢) أو البولَ، فلا يسْتَقْبِل القبلةَ، ولا يَسْتَدْبِرْها بفَرْجِه". هكذا قال مالِكٌ في هذا الحديثِ: "مَوْلًى لآلِ الشِّفاء"، وقال في الحديثِ الذي قبلَه: مَوْلَى الشِّفَاء (٣)، فيما روَاه يحيَى بنُ يحيَى عنه، وقد قال عن مالِكٍ في الموْضِعَين جميعًا طائفَةٌ مِن الرُّوَاة: "مَوْلَى الشِّفاء". وقال آخَرُون عنه في الموْضِعَين جميعًا: "موْلَى آلِ الشِّفَاء". وقالَ قومٌ كما قالَ يحيَى، وهذا إنَّما جاءَ مِن مالِك. والشِّفَاءُ: اسْمُ امرأةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِن قُرَيْشٍ، وهي الشِّفَاءُ بنتُ عبدِ اللَّه بنِ عَبْدِ شَمْسِ بنِ خالِد، مِن بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْب، وهي أمُّ سُلَيْمانَ بنِ أبي حَثمَة، وقد ذكَرْنَاها في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٤)، وكان حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ يقول: عن إسْحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحَة، عن رافِع بنِ إسْحاقَ مَوْلَى أبي أيُّوب (٥). وكان مالِكٌ يقول:

стр. 542

وكان يُقالُ له: مَوْلَى أبي طَلْحَة. وهو مِن تابِعِي أهْلِ المدينة، ثِقَةٌ فيما نقَلَ وحَمَلَ، وحَدِيثُه هذا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ صحيح. وفيه مِنَ الفِقْهِ: أنَّ على مَن سَمِعَ الخطابَ، أنْ يستعمِلَه على عمومِه، إذا لم يَبْلُغْه شيءٌ يخُصُّه، لأنَّ أبا أيُّوبَ سمِعَ النَّهْيَ مِن رسولِ اللَّه ﷺ عنِ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبارها بالبَوْل والغائطِ مُطْلَقًا غيرَ مُقَيَّدٍ بشَرْطٍ ففَهمَ منه العُموم، فكان يَنْحَرِفُ في مَقاعِدِ البُيوتِ، ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أيضًا، ولم يَبْلُغْه الرُّخْصةُ التي روَاها ابنُ عمرَ (١) وغيرُه، عن النبيِّ ﷺ في البُيوت. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤْمِن، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ يحيَى بنِ عمرَ الطَّائي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَرْبٍ الطَّائي، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عنِ الزُّهريِّ، عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ اللَّيْثِي، عن أبي أيُّوبَ، يَبْلُغُ بهِ النبيَّ ﷺ ، قال: "لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ وبَوْلٍ، ولا تَسْتَدْبِرُوها". قال أبو أيُّوبَ: فقَدِمْنَا الشَّامَ، فوَجَدْنا مَراحِيضَ قد بُنِيَتْ قِبَلَ القبلَةِ، فنَنْحَرِفُ عنها، ونَسْتَغْفِرُ اللَّه (٢). وهكذا يجبُ على كُلِّ مَن بلَغَه شئٌ أنْ يَسْتَعْمِلَه على عُمُومِه، حتى يَثْبُتَ عندَه ما يَخُصُّه أو يَنسَخُهُ. أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا

стр. 543

أحمدُ بنُ زهَيْر، قال (١): حدَّثنا عفَّانُ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يحيَى، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسَةَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا مُوسَى بنُ إسماعِيل، قالا جميعًا: أخبَرنا وُهَيْبُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ يحيَى، عن أبي زيد، عن مَعْقِلِ بنِ أبي مَعْقِلٍ الأسَدِيِّ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ أنْ تُسْتَقْبَلَ القِبلَتان ببَوْلٍ أو بغَائِطٍ. وروَاه سُلَيْمانُ بنُ بِلال، عن عَمْرِو بنِ يحيَى، في سْنادِه مثْلَه، ذكره أبو بكر بنُ أبي شَيْبَةَ (٣)، عن خالدِ بنِ مَخْلَدٍ، عن سُلَيْمانَ. وكان مجاهدٌ، وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ، ومحمدُ بنُ سيرِينَ يَكْرَهُون أنْ تُستَدبَرَ إحدَى القِبْلَتَينِ، أو تُستقبَل بغَائِطٍ أو بَوْلٍ؛ الكعْبَةَ وبَيْتَ المقدِس (٤). وفي حديثِ يحيَى بنِ سعيد، عن محمدِ بن يحيَى بنِ حَبَّان، عن عمِّه واسِع بنِ حَبَّان، عن عبدِ اللَّه بنِ عُمر، أنَّه كان يقول: إنَّ ناسًا يقولُون: إذا قَعَدْتَ لحاجَتِكَ، فلا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، ولا بَيْتَ المقدسِ. وقد اخْتُلِفَ في مَتْنِ هذا الحَدِيثِ على يحيَى بنِ سعيد. أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفْيان، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ

стр. 544

أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَة (١)، قالا جميعًا: حدَّثنا حَفْصُ بنُ غِيَاث، عن يحيَى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيَى بنِ حَبَّان، عن عمِّه واسِع بنِ حَبَّانَ، عنِ ابنِ عُمر، قال: رأيْتُ النبيَّ ﷺ قاعِدًا على لَبِنَتَين يَقْضِي حَاجَتَه مُتَوَجِّهًا نَحْوَ القبْلَةِ. وزادَ عبدُ الوارِثِ في حَدِيثِه: أو بَيْتِ المقدس. ورواه مالِكٌ (٢)، عن يحيَى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيَى بنِ حَبَّان، عن عَمِّه، عن ابنِ عمر، قال فيه: لقد ارْتَقَيْتُ على ظَهْر بَيْتٍ لنا، فرَأيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ على لَبِنَتَين، مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المقدسِ لحاجتِه. وهكذا روَاه عبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ (٣) وسُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ (٤)، عن يحيَى بنِ سعيد، بلَفْظِ حَدِيثِ مالِكٍ ومَعْنَاه. وأخبَرنا عبدُ الوارِث (٥)، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٦)، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ إسماعِيلَ التَّرْمِذِيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح عبدُ اللَّه بنُ صالح، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ العَجْلان، عن محمدِ بنِ يحيَى بنِ حَبَّان، عن واسِع بنِ حَبَّان، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، أنَّه قال: يتحَدَّثُ النَّاسُ عن رسولِ اللَّه ﷺ في الغَائِطِ بحَدِيثٍ،

стр. 545

وقد اطَّلَعْتُ يومًا على ظَهْرِ بَيْتٍ ورسولُ اللَّه ﷺ يَقْضِي حاجَتَه، مُحَجِّرٌ عليه بلَبِنٍ، فرَأيْتُه مُسْتَقْبِلَ القبلَةِ (١). وقرَأْتُ على أحمدَ بنِ قاسِم بنِ عبدِ الرَّحمَن، فأقَرَّ به، أنَّ قاسِمَ بنَ أصْبَغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسَامَةَ، قال؛ حدَّثنا أبو عبيدٍ القاسِمُ بنُ سَلَّام، قال (٢): حدَّثَنا هُشَيْمٌ، عن يحيَى بنِ سعيدٍ، يَعْنِي الأنْصارِيَّ. قال أبو عُبَيْدٍ: وحدَّثني يحيَى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، عن عُبَيْدِ اللَّه بنِ عمرَ، كلاهما عن محمدِ بنِ يحيَى بنِ حبَّان، عن عمِّه، عن ابنِ عمرَ، قال: ظَهَرْتُ على إجَّارٍ لحفصةَ -وقال بعضُهم: سَطْح- فرأيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ جالسًا على حَاجَتِه، مُسْتَقْبلَ بَيْتِ المقدس، مُسْتَدْبرَ الكَعْبَةِ (٣). قال أبو عُمر: هذه الرِّوايَةُ فيها مُوافَقَةٌ لِمَا قاله مالِكٌ، مِن اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِس، وهذا إنْ شاءَ اللَّهُ أثْبَتُ الرِّواياتِ في حَدِيثِ ابنِ عمرَ، وقد تابَعَ مالِكًا على ما قالَه مِن ذلك الثَّقَفِيُّ، وسُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ، وقد ذكَرْنا ذلك في بابِ يحيَى بنِ سعيد (٤)، والحمدُ للَّه.

стр. 546

وقد قال المَرْوَزيُّ: روايةُ يحيَى القطَّانِ عن عُبَيْدِ اللَّه بنِ عمرَ في هذا الحديثِ تَشْهَدُ لِمَا قالَه مالِكٌ، والثَّقَفِيُّ، وسُلَيمانُ بنُ بِلال، في ذِكْرِ بَيْتِ المقدِسِ خاصَّة. قال أبو عُمرة لمَّا روَى ابنُ عمرَ أنَّه رأى رسولَ اللَّه ﷺ قاعِدًا لحاجَتِه، مستقبِلَ بيتِ المقدِسِ، مستدبِرَ الكعبةِ، أو مستقبِلَ القبلةِ، على حسَبِ ما مفَى مِن الرِّوايةِ في ذلك، واسْتَحالَ أنْ يأْتِيَ ما نَهَى عنه ﷺ ، عَلِمْنا أنَّ الحالَ التي اسْتَقْبَلَ فيها القبلَةَ بالبَوْلِ واسْتَدْبَرَها غيرُ الحالِ التي نَهَى عنها، فأنْزَلْنا النَّهْيَ عن ذلك في الصَّحاري، والرُّخْصَةَ في البُيوتِ؛ لأنَّ حَدِيثَ ابنِ عمرَ في البُيوتِ، ولم يَصحَّ لنا أنْ يُجْعَلَ أحَدُ الخبَرَين ناسِخًا للآخَرِ؛ لأنَّ الناسخَ يحتاجُ إلى تأْرِيخ، أو دَلِيلٍ لا مُعَارِضَ له، ولا سَبِيلَ إلى نَسْخ قُرْآنٍ بقُرْآنٍ، أو سُنَّةٍ بسُنَّةٍ، ما وُجِدَ إلى استِعْمالِ الآيَتَينِ أو السُّنتَين سَبِيل. وروَى مَرْوَانُ الأصْفَرُ، قال: رأيْتُ ابنَ عمرَ أناخَ راحلتَه مستقبِلَ القبلةِ، ثم جلَسَ يَبُولُ إليها، فقُلْتُ: يا أبا عبدِ الرَّحْمَنِ، أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: إنَّما نُهِيَ عن ذلك في الفَضَاء، فإذا كان بَيْنَكَ وبينَ القبلةِ شيءٌ يَسْتُرُكَ فلا بَأْس؛ ذكَرَه أبو داودَ (١)، عن محمدِ بنِ يحيَى بنِ فارِسٍ، عن صَفْوانَ بنِ عيسى، عنِ الحسنِ بنِ ذَكْوانَ، عن مَرْوانَ الأصْفَرِ، عن ابنِ عمر.

стр. 547

وقد فَسَّرَه الشعبيُّ كما ذكَرْنا نحْوًا مِن تفسيرِ ابنِ عمر. ذكرَ وكِيعٌ وعُبَيْدُ اللَّه بنُ مُوسَى، عن عيسى بنِ أبي عيسى الحَنّاط، وهو عيسى بنُ ميسَرة، عن الشعبيِّ، أنَّه قال له: قال أبو هريرةَ؛ لا تستقبلُوا القِبلَةَ ولا تستدبرُوها. وقال ابنُ عمرَ: حانَتْ مِنِّي التِفَاتَةٌ، فرأيْتُ النبيَّ ﷺ في كَنِيفِه مستقبِلَ القِبْلَةِ. فقال الشعبيُّ: صدَقَ أبو هريرةَ، وصدَقَ ابنُ عمرَ؛ قولُ أبي هريرةَ في البرِّيَّة، وقولُ ابنِ عمرَ في الكُنُفِ. قال الشَّعْبِيُّ: أمَّا كُنُفُكُم هذه فلا قِبْلَةَ فيها. هذا لفظُ حديثِ وكيع (١). وحدَّثنا خلَفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بنُ سلَيْمانَ ومحمدُ بنُ عمرَ بنِ لُبابَةَ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني عُبَيْدُ اللَّه بنُ مُوسَى، عن عيسى الحَنّاط، عن نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمر، قال: رَأيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ في كَنِيفِه مستقبِلَ القبلةِ. قال: وأخبَرنا عيسى الحَنّاط، عن أبيه، عن أبي هريرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا تَسْتَقْبِلُوا القبلةَ ولا تَسْتَدْبِرُوها". قال عيسَى: فذَكَرْتُ ذلك للشَّعبيِّ، فقال: صدَقَ أبو هريرةَ وصدَقَ ابنُ عمرَ؛ أمَّا قولُ أبي هريرةَ، فذلك في الصَّحْراءِ، لا يستقبِلُها ولا يستدبِرُها،

стр. 548

وأمَّا قولُ ابنِ عُمر، فالكنِيفُ بَيْت صُنِعَ للتَّبَرُّزِ ليس فيه قِبْلَةٌ، اسْتَقْبِلْ حيثُ شِئْتَ (١). قال أبو عُمر: هذا قولُ مالكٍ وأصحابِه، والشَّافِعيِّ وأصْحابِه (٢)، وهو قولُ ابنِ المباركِ، وإسحاقَ بنِ راهُويَةَ. وكان الثَّوْرِيُّ والكُوفِيُّون (٣) يذهبون إلى ألَّا يجوزَ استقبالُ القبلةِ بالبَوْلِ والغائطِ؛ لا في الصَّحارِي ولا في البيوت. وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ وأبو ثَوْرٍ (٤)، واحْتَجُّوا بحَدِيثِ أبي أَيُّوبَ وسائرِ الأحاديثِ الواردةِ في النَّهْي عن استقبالِ القبلةِ واستدبارِها بالغائطِ والبَوْلِ، وهي كثيرةٌ، روَاها جماعَةٌ مِن الصَّحابَةِ؛ منهم أبو هريرةَ (٥)، وعبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ (٦)،

стр. 549

وسَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ (١)، وعبدُ اللَّه بنُ الحارِثِ بنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيُّ (٢)، وسلمان (٣). ورَدَّ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ حديثَ جابِرٍ وحديثَ عائشَةَ الوارِدَيْنِ عن النبيِّ ﷺ بالرُّخْصةِ في هذا البابِ، وضَعَّفَ حَدِيثَ جابِرٍ، وتكَلَّمَ في حديثِ عائشةَ

стр. 550

بأنَّه انْفَرَدَ به خالدُ بنُ أبي الصَّلْتِ، عن عِرَاكِ بنِ مالِكٍ، عن عائشةَ، وقال في حديثِ ابنِ عمرَ: إنَّما فيه نَسْخُ اسْتِقْبالِ بيتِ المقدسِ واستدبارِه بالغائطِ والبَوْلِ. قال: هذا الذي لا أشُكُّ فيه، وأشُكُّ في الكَعْبَةِ. وذكَرَ الأثْرَمُ، عن أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ ﵀، أنَّه قال: مَن ذَهَبَ إلى حديثِ عائشَةَ -يعْني حديثَ خالدِ بنِ أبي الصَّلْتِ- فإنَّ مَخْرَجَه حسَنٌ، ولكنَّه يُعْجِبُنِي أنْ يتَوَقَّى القِبْلَةَ، وأمَّا بيتُ المقدِس، فليس في نَفْسي منه شيءٌ، أنَّه لا بَأْسَ به (١). وقال آخَرُون: جائزٌ استقبالُ القِبْلَةِ وبَيْتِ المقدسِ على كُلِّ حالٍ، واستدبارُهما بالبَوْلِ والغائِطِ في الصَّحارِي وفي البُيوت. وذكَرُوا حديثَ جابِرٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نَهَى عن استقبالِ القِبْلَةِ واستدبارِها بالبَوْلِ والغَائِطِ، قال: ثم رأيْتُه بَعْدَ ذلكَ يستقبِلُ القبلةَ ببَوْلِه قَبْلَ مَوْتِه بعام. رواه محمدُ بنُ إسْحاقَ، عن أبانَ بنِ صالح، عن مجاهدٍ، عن جابر (٢).

стр. 551

قالوا: وهذا يُبَيِّنُ أنَّ النَّهْيَ عن ذلك مَنْسُوخ. وذكروا ما روَاه خالدُ بنُ أبي الصلْت، عن عِرَاكِ بنِ مالِكٍ، عن عائِشَةَ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، عن حمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن خالدٍ الحذَّاء، عن خالدِ بنِ أبي الصَّلْتِ، عن عِرَاكِ بنِ مالِكٍ، عن عائشةَ، قالت: ذُكِرَ عندَ النَّبِيِّ ﷺ قَوْمٌ يَكْرَهُون أنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِم القبلةَ. قالت: فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "فَعَلُوها! اسْتَقْبلُوا بمَقْعَدِي القبلَةَ" (١). قالوا: فلمَّا تعارَضَتِ الآثارُ في هذا البابِ لم يَجِبِ العَملُ بشيءٍ منها؛ لتَهاتُرِها كالبَيِّنَتَينِ المُتَعارِضَتَينِ. قالوا: والأصْلُ أنْ لا حَظْرَ إلَّا ما يَرِدُ به الخَبَرُ عنِ اللَّه أو عن رسولِه، مِمَّا لا مُعارِضَ له، رُوِيَ هذا المَعْنَى، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمَن، حكَاه أبو صالح،

стр. 552

عنِ اللَّيْثِ، عن ربِيعَةَ. وقال به قَوْمٌ؛ منهم داودُ وأصحابُه، وهو قولُ عُرْوَةَ بنِ الزبير (١). واحْتَجَّ بعضُ مَن ذَهَبَ هذا المَذْهَبَ بما ذكَرْنا مِن حديثِ جابرٍ، وحديثِ عائشةَ، وزَعَمُوا أنَّ النَّسْخَ فيهما واضِحٌ، لِمَا كانَ عليه الأمْرُ مِن كَراهِيَةِ ذلك، وقالوا: ليس خالِدُ بنُ أبي الصَّلْتِ بمَجْهُول؛ لأنَّه روَى عنه خالِدٌ الحذَّاءُ والمباركُ بنُ فَضَالَةَ، ووَاصِلٌ مَوْلى أبي عُيَيْنَةَ، وكان عامِلًا لعُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، فكيفَ يُقالُ فيه: مَجْهُولٌ (٢)؟! وذكرُوا حديثَ شُعْبةَ، عن عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ القاسِم، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يَسْتَقْبِلُ القِبلةَ بالغائِطِ والبَوْل (٣). وحديثَ بكرِ بنِ مُضَرَ، عن جَعْفَرِ بنِ ربيعةَ (٤)، عن عِرَاكِ بن مالِكٍ، عن عائِشَةَ، أنَّها كانتْ تُنْكِرُ قَولَهم: إذا خَرَجَ أحدُكم إلى الخلاء فلا يَسْتَقْبِلِ القبلةَ (٥). قال أبو عُمر: ليس الإنْكارُ بحُجَّةٍ، وقد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ ما وصَفْناه، وأمَّا ما رُويَ عن ابنِ عمرَ فمَحْمَلُه عندَنا على أنَّ ذلك في البُيوتِ، وقد بانَ ذلكَ برِوايةِ مَرْوانَ الأصْفَرِ وغيرِه عن ابنِ عمر. والصَّحِيحُ عندَنا، الذي نذهَبُ إليه، ما قالَه مالكٌ وأصْحابُه، والشَّافعيُّ؛

стр. 553

لأنَّ في ذلك اسْتِعْمالَ السُّننِ على وُجُوهِها المُمْكِنَةِ فيها، دُونَ رَدِّ شيءٍ ثابتٍ منها، وليس حَديثُ جابِرٍ بصحيح عنه فيُعَرَّجَ عليه؛ لأنَّ أبانَ بنَ صالح الذي يَرْويه ضَعِيفٌ (١)، وقد رواه ابنُ لَهِيعَةَ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابِرٍ، عن أبي (٢) قَتادَةَ، عن النبيِّ ﵇ (٣)، على خِلافِ روايةِ أبانَ بنِ صالح، عن مجاهدٍ، عن جابرٍ، وهو حدِيث لا يُحْتَجُّ بمثلِه. وحديثُ عائِشَةَ قد دَفَعَه قَوْمٌ، ولو صَحَّ لم يكنْ فيه خِلافٌ لِمَا ذهَبْنا إليه؛ لأنَّ المَقْعَدَ لا يكُونُ إلَّا في البُيوتِ، وليس بذلك بَأْسٌ عندَنا في كُنُفِ البُيوتِ،

стр. 554

وإنَّما وقَعَ نَهْيُه واللَّهُ أعلمُ على الصَّحارِي والفَيافي والفَضاءِ، دُونَ كُنُفِ البُيوتِ، وخرَج عليه حَدِيثُه ﷺ ؛ لأنَّه كان مُتَبَرَّزَ القَوْم، ألا ترَى إلى ما في حَدِيثِ الإفْكِ مِن قَوْلِ عائِشَةَ رَحِمَها اللَّهُ: وكانتْ بُيوتُنا لا مَراحِيضَ لها، وإنَّما أمْرُنَا أمْرُ العَرَبِ الأُوَل. يعْنِي: البُعْدَ في البَرَازِ (١). وقال بعضُ أصْحابِنا: إنَّ النَّهْيَ إنَّما وقَعَ على الصَّحارِي؛ لأنَّ الملائِكَةَ تُصَلِّي في الصَّحارِي، وليس المَراحِيضُ كذلك. وأمَّا قولُه في الحديثِ: كيفَ أصْنَعُ بهذه الكرابيسِ؟ فهي المَراحِيضُ، واحِدُها كِرْباسٌ، مثلُ سِرْبالٍ وسَرابِيلَ. وقد قِيلَ: إنَّ الكَرَابيسَ مَراحِيضُ الغُرَفِ، وأمَّا مَراحِيضُ البُيوتِ فإنَّها يُقالُ لها: الكُنُفُ. وفي قَوْلِه ﷺ في هذا الحديثِ: "فلا يَسْتَقْبِلِ القبلةَ، ولا يَسْتَدْبِرْها بفرجِه". دليلٌ على أنَّ القُبُلَ يُسَمَّى فَرْجًا، وأنَّ الدُّبُرَ أيضًا يُسَمَّى فَرْجًا. وقد اخْتَلفَ الفقهاءُ في وُضُوءِ مَن مَسَّ ذكَرَه أو دُبُرَه، على ما سنَذْكُرُه في مَوْضِعِه مِن كتابِنا هذا (٢) إنْ شاءَ اللَّه.

стр. 555

إسحاقُ عن زُفَرَ بنِ صَعْصَعةَ، حَديثٌ واحدٌ حديثٌ ثالثَ عشَرَ لإسحاقَ، عن زُفَرَ بنِ صَعْصَعةَ بنِ مالكٍ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحةَ، عن زُفَرَ بنِ صعصعةَ بنِ مالكٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا انصرَف من صلاةِ الغَدَاةِ يقولُ: "هل رَأى أحَدٌ منكُمُ الليلةَ رُؤْيَا؟ ". ويقول: "إنَّه ليس يَبْقَى بعْدي مِن النُّبوةِ إلا الرُّؤيا الصالحةُ". لا نعلَمُ لزُفَرَ بنِ صعصَعةَ ولا لأبيه غيرَ هذا الحديثِ، وهُما مدنيَّانِ. وهكذا قال يحيى: "عن أبيه". وتابعَه أكثرُ الرُّواةِ (٢)، وهو الصوابُ، ومنهم مَن يقولُ فيه: عن زُفَرَ بنِ صَعصعةَ، عن أبي هريرةَ، لا يقولُ: عن أبيه (٣).

стр. 556

وهذا الحديثُ يدُلُّ على شرَفِ عِلْم الرُّؤيا وفَضلِها، لأنَّه ﷺ إنَّما كان يَسألُ عنها، لتُقَصَّ عليه ويعبُرَها، ليُعَلِّمَ أصحابَه كيف الكلامُ في تأويلِها. وقد أثنَى اللَّهُ على يوسفَ بنِ يعقوبَ صلى اللَّهُ عليهما، وعَدَّدَ عليه فيما عدَّد مِن النِّعَم التي آتَاه؛ التمكينَ في الأرضِ، وتَعلِيمَ تأوِيلِ الأحادِيثِ. وأجمَعوا أنَّ ذلك في تأويلِ الرُّؤيا، وكان يوسفُ ﵇ أعلمَ الناسِ بتأويلِها، وكان نبيُّنا ﷺ نحوَ ذلك، وكان أبو بكر الصِّدِّيقُ مِن أعبرِ الناسِ لها، وحصَلَ لابنِ سيرِينَ فيها التَّقدُّمُ العظيمُ والطَّبْعُ والإحسانُ، ونحوُه أو قريبٌ منه كان سعيدُ بنُ المُسيِّب في ذلك فيما ذكروا وقد تقَدَّمَ القولُ في أمْرِ الرُّؤْيا (١)، فأغنَى عن إعادِته في هذا الموضع. وفي هذا الحديثِ أنَّه لا نبيَّ بعدَ رسولِ اللَّه ﷺ . وفيه تَفْسِيرٌ لما رُوِيَ عنه ﵇ أنَّه قال: "لا نبوةَ بعدي إلَّا ما شاء اللَّهُ". يعْنِي، واللَّهُ أعلمُ، الرُّؤيا التي هي جُزْءٌ منها. وقِيلَ في تأويلِ هذا الحديثِ أشياءُ غيرُ هذا، قد ذكَرها أبو جعفرٍ الطبرِيُّ، لا حاجةَ بنا إلى ذِكرِها هاهُنا. وفيه إباحَةُ الكَلام بعدَ صلاةِ الصُّبح قبلَ طُلوع الشمسِ بغيرِ الذِّكْرِ. وفيه جوازُ قولِ العالم: سَلُوني. و: مَن عندَه مسألةٌ؟ ونحوُ هذا، واللَّهُ الموَفِّقُ للصواب.

стр. 557

إسحاقُ، عن أبي مُرّة، حديثٌ واحدٌ (١) ١٤ حديثٌ رابعَ عشَرَ لإسحاق مالكٌ (٢)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ، عن أبي مُرَّةَ مولى عَقِيلِ بنِ أبي طالب، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ بينَما هو جالِسٌ في المسجدِ والناسُ معه، إذْ أقبَل ثلاثةُ نفَرٍ، فأقبَلَ اثنانِ إلى رسولِ اللَّه ﷺ وذَهَب واحِدٌ، فلمَّا وقَفَا على رسولِ اللَّه ﷺ سَلَّمَا، فأمَّا أحَدُهما فرأى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ فجَلَس فيها، وأمَّا الآخَرُ فجَلَس خَلْفَهم، وأمَّا الثالِثُ فأدْبَر ذاهِبًا، فلمَّا فَرَغ رسولُ اللَّه ﷺ قال: "ألا أُخبِرُكُم على النَّفَرِ الثلاثةِ؟ أمَّا أحدُهم فأوَى إلى اللَّه فآوَاه اللَّهُ، وأمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيَا فاستَحْيَا اللَّهُ منه، وأمَّا الآخرُ فأعرَضَ فأعرَضَ اللَّهُ عنه". هذا حديثٌ مُتَّصلٌ صحيحٌ، وأبو مُرَّةَ قيل: اسمُه يَزِيدُ. وقيل: عبدُ الرَّحمنِ بنُ مُرَّةَ (٣)، فاللَّه أعلمُ، وهو مِن تابِعِي أهلِ المدينةِ، ثِقةٌ. وأبو واقدٍ اللَّيثيُّ مِن جِلَّةِ الصحابةِ، شَهِد حُنَينًا والطائفَ، اسمُه الحارثُ بنُ عوفٍ. وقيل (٤): الحارثُ بنُ مالكٍ. وقد ذكرناه ونسَبناه في كتابِنا في "الصحابِة" (٥). وفي هذا الحديثِ الجُلوسُ إلى العالم في المسجد. وفيه أنَّ الآتيَ يُسَلِّمُ على المقصُودِ إليه، كما يُسَلِّمُ الماشي على القاعِدِ، والراكِبُ على الماشِي.

стр. 558

وفيه التَّخَطِّي إلى الفُرَج في حَلْقةِ العالم، وتَرْكُ التَّخَطِّي إلى غيرِ الفُرَجِ، وليس ما جاء مِن حَمْدِ التَّزاحُم في مجلِسِ العالِم والحضِّ على ذلك بمبِيح تَخَطِّيَ الرِّقابِ إليه؛ لما في ذلك مِنَ الأذَى، كما لا يجوزُ التَّخَطِّي إلى سَماع الخُطْبَةِ في الجُمُعَةِ والعِيدَينِ ونحوِ ذلك، فكذلك لا يجوزُ التَّخَطِّي إلى العالِم، إلَّا أنْ يكونَ رجلًا يُفيدُ قُرْبُه مِن العالِم فائدةً ويُثِيرُ عِلْمًا، فيَجِبُ حِينَئِذٍ أنْ يُتفسَّحَ له؛ لئلَّا يُؤْذِيَ أحدًا، حتى يَصلَ إلى الشيخ، ومِن شَرطِ العالِم أنْ يَلِيَه مَن يَفهَمُ عنه؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لِيَلِني مِنكم أولو الأحلام والنُّهَى" (١)؛ يعْني: في الصلاةِ وغيرِها؛ ليَفهَموا عنه، ويُؤدُّوا ما سَمِعوا كما سَمِعوا، مِن غيرِ تَبدِيلِ معنًى ولا تَصْحِيفٍ". وفي قولِ رسولِ اللَّه ﷺ للمُتَخَطِّي يومَ الجُمُعَةِ: "آذَيتَ وآنيتَ" (٢) بَيانُ أنَّ التَّخَطِّيَ أذًى، ولا يَحِلُّ أذَى مسلم بحالٍ في الجُمُعَةِ وغيرِ الجُمُعَةِ. ومعنَى التَّزاحُم بالرُّكَبِ في مَجْلِسِ العالِم: الانْضِمامُ والالتِصاقُ؛ يَنْضَمُّ

стр. 559

القَوْمُ (١) على مَراتِبِهم، ومَن تقَدَّمَ إلى موضِع فهو أحقُّ به، إلَّا أنْ يكونَ ما ذكَرنا، مِن قُرْبِ أُولي الفَهْم مِن الشيخ فيُفْسَحَ له، ولا يَنبَغِي له أن يتَبطَّأَ ثم يتَخَطَّى إلى الشَّيْخ ليُرِيَ الناسَ موضِعَه منه، فهذا مذمومٌ، ويجبُ لكلِّ مَن عَلِم موضِعَه أن يتقَدَّمَ إليه بالتَّبكِيرِ، والبُكُورُ إلى مَجْلِسِ العالِم كالبُكُورِ إلى الجُمُعَةِ في الفضلِ إن شاءَ اللَّه. وقد أتَينا مِن القولِ في أدَبِ العالِم والمتَعَلِّم بما فيه كفايَةٌ وشفَاءٌ، في كتابنا كتابِ "بيانِ العلمِ" (٢). وأمَّا قولُه ﷺ في هذا الحديثِ: "أوَى إلى اللَّه"، يَعْني: فعَل ما يرضَاهُ اللَّهُ، فحصلَ له الثوابُ مِن اللَّه، ومثلُ ذلك قولُه ﵇: "الدُّنيا ملْعونَةٌ، ملْعونٌ ما فيهَا، إلَّا ما أوَى إلى اللَّه" (٣)، يعْني: ما كان للَّه ورَضِيَه، واللَّهُ أعلمُ.

стр. 560

وأمَّا قولُه في الثاني: "فاستَحْيَا فاسْتَحْيَا اللَّهُ منه". فهو مِنَ اتِّساع كلام العرَبِ في ألْفاظِهم وفَصِيح كلامِهم. والمعنى فيه، واللَّهُ أعلمُ، أنَّ اللَّهَ قد غفَرَ له؛ لأنَّه مَن استَحْيَا اللَّهُ منه لم يُعَذِّبْه بذَنْبِه، وغفَر له، بل لم يُعاتِبْه عليه، فكان المعنى في الأوَّلِ أنَّ فِعْلَه أوجَبَ له حسَنَةً، والآخَرُ أوجَب له فِعلُه مَحْوَ سَيِّئَةٍ عنه، واللَّهُ أعلم. وأمَّا قولُه في الثالثِ: "فأعْرَضَ فأعْرَضَ اللَّهُ عنه". فإنَّه، واللَّهُ أعلم، أراد: أعرَض عن عملِ البِرِّ، فأعرَضَ اللَّهُ عنه بالثَّوابِ، وقد يَحتَمِلُ أنْ يكونَ المُعرِضُ عن ذلك المجلِسِ ممَّن (١) في قلبِه نِفَاقٌ ومرَضٌ؛ لأنَّه لا يُعرِضُ في الأغلبِ عن مجلسِ رسولِ اللَّه ﷺ إلَّا مَن هذه حالُه، بل قد بانَ لنا بقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "فأعرَضَ فأعرَضَ اللَّهُ عنه" أنَّه منهم؛ لأنَّه لو أعرَضَ لحاجَةٍ عرَضت له ما كان مِن رسولِ اللَّه ﷺ ذلك القولُ فيه، ومَن كانت هذه حالَه كان إعراضُ اللَّه عنه سَخَطًا عليه، وأسألُ اللَّهَ المُعافَاةَ والنَّجاةَ مِن سَخَطِه بمَنِّه ورحمتِه.

стр. 561

إسحاقُ، عن حُمَيْدةَ، حديثٌ واحدٌ حديثٌ خامسَ عشَرَ لإسحاق مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحةَ، عن حُميدةَ بنتِ أبي عُبيدةَ بنِ فَرْوةَ، عن خالتِها كبشَةَ بنتِ كعبِ بنِ مالكٍ، وكانت تحت ابنِ أبي قتادةَ، أنَّها أخبَرتها، أنَّ أبا قتادةَ، دخَل عليها فسَكَبت له وَضوءًا، فجاءت هِرَّةٌ لتشرَبَ منه، فأصغَى لها الإناءَ (٢) حتى شَرِبَتْ، قالت كبشَةُ: فرآني أنظُرُ إليه، فقال: أتَعجبين يا ابنةَ أخي؟ قالت: فقلتُ: نعم. فقال: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّها ليست بنَجَسٍ، إنَّها مِن الطوَّافينَ عليكم، أو الطوَّافاتِ". هكذا قال يحيى: حُميدَةُ بنتُ أبي عُبيدةَ بن فَروَةَ. ولم يُتابعْه أحدٌ على قولِه ذلك، وهو غَلَطٌ منه، وإنَّما يقولُ الرُّواةُ لـ "المُوطَّأ" كلُّهم: ابنةُ عُبيدِ بنِ رِفاعةَ (٣).

стр. 562

إلَّا أن زيدَ بنَ الحُبابِ قال فيه عن مالكٍ: حُميدةُ بنتُ عُبيدِ بنِ رافع (١). والصَّوابُ رِفاعةُ: وهو رِفاعةُ بنُ رافع الأنصاريُّ، وقد ذكَرناه في كتابنا في "الصحابةِ" (٢). واختلَف الرواةُ عن مالكٍ في رفع الحاءِ ونصبِها مِن حميدةَ؛ فبعضُهم قال: حَمِيدَةُ. بفتح الحاءِ وكسرِ الميم. وبعضُهم قال: حُمَيدَةُ. بضمِّ الحاءِ وفتح الميم.

стр. 563

وحُميدةُ هذه هي امرأةُ إسحاقَ. ذكَرَ ذلك يحيى القطَّانُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ الشيبانيُّ (١) في هذا الحديثِ عن مالك. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ (٢)، قال: حدَّثنا يحيى، عن مالك، قال: حدَّثني إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثتني امرأتي حُميدةُ، قالت: حدَّثتني كَبشةُ ابنةُ كعبِ بنِ مالكٍ، قالت: رأيتُ أبا قتادةَ توضَّأ، ثم أصغَى إناءَه للهِرة. قالت: فنظَر إليَّ، فقال: أتَعجَبِينَ؟ سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّها ليست بنَجَسٍ، إنَّها من الطوَّافاتِ عليكُم والطوَّافين". ورواه ابنُ المُباركِ، عن مالكٍ، عن إسحاقَ، بإسنادِه، مثلَه، إلَّا أنَّه قال: كَبشةُ امرأةُ أبي قتادة. وهذا وهمٌ منه، وإنَّما هي امرأةُ ابنِ أبي قتادة (٣). وأمَّا حُميدةُ، فامرأةُ إسحاقَ، وكُنيتُها أمُّ يحيى. وفي هذا الحديثِ أنَّ خبرَ الواحدِ، النساءُ فيه والرِّجالُ سَواءٌ، وإنَّما المُراعاةُ في ذلك؛ الحفظُ والإتقانُ والصلاحُ، وهذا لا خلافَ فيه بين أهلِ الأثر. وفيه إباحةُ اتخاذِ الهِرِّ، وما أُبيحَ اتِّخاذُه للانتفاع به، جازَ بيعُه وأكلُ ثمنِه، إلَّا أنْ يَخُصَّ شيئًا مِن ذلك دليلٌ فيُخرِجَه عن أصلِه. وفيه أنَّ الهِرَّ ليس يُنجِّسُ ما شرِبَ منه، وأنَّ سُؤرَه طاهر. وهذا قولُ مالكٍ

стр. 564

وأصحابِه، والشافعيِّ وأصحابِه، والأوزاعيِّ، وأبي يوسُفَ القاضي، والحسنِ بنِ صالح بنِ حي (١). وفيه دليلٌ على أنَّ ما أُبيحَ لنا اتِّخاذُه، فسُؤرُه طاهرٌ؛ لأنَّه مِنَ الطَّوافِينَ علينا، ومَعنَى الطوَّافينَ علينا: الذين يُداخِلُونَنا ويُخالِطُونَنا، ومنه قولُ اللَّه في الأطفال: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]. وكذلكَ قال ابنُ عبَّاس وغيرُه في الهرِّ: إنَّها مِن مَتاع البيت. حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ الباجيُّ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطيسٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ شَبُّويَة السِّجسيُّ (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال (٤): حدَّثنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، أو عكرمَةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الهِرُّ مِن مَتاع البيتِ، والطَّوَّافُ الخادِم. ومن ذلك قولُه: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾ [الواقعة: ١٧]، أيْ: يَخْدُمُهم ولدانٌ، ويتَردَّدونَ عليهم بما يَشتَهون. وطهارةُ الهِرِّ تدُلُّ على طهارةِ الكَلْبِ، وأنْ ليس في حيٍّ نَجاسةٌ سِوَى الخِنزير، واللَّهُ أعلم؛ لأنَّ الكلبَ مِن الطَّوَّافِينَ علينا، ومما أُبيحَ لنا اتِّخاذُه في مواضِعَ لأمورٍ، وإذا كان حكمُه كذلك في تلك المواضع، فمعلومٌ أنَّ سُؤرَه في غيرِ تلك المواضِع كسُؤْرِه فيها؛ لأنَّ عينَه لا تَنتقِلُ.

стр. 565

ودلَّ ما ذكَرنَاه على أنَّ ما جاءَ في الكَلبِ مِن غسلِ الإناءِ مِن وُلُوغِه سبعًا (١)، أنَّه تعَبُّد واستِحبابٌ؛ لأنَّ قولَه ﷺ في الهِرِّ: "إنَّها ليستْ بنَجَسٍ، إنَّها مِن الطوَّافينَ عليكم". بيانٌ أنَّ الطوَّافينَ علينا ليسوا بنَجَسٍ في طباعِهم وخِلْقَتِهم، وقد أُبيحَ لنا اتِّخاذُ الكلبِ للصيدِ والغَنَم والزَّرع أيضًا، فصارَ مِن الطوَّافِينَ علينا، والاعتبارُ أيضًا يقضِي بالجمع بينَهما لعلَّةِ أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما سَبُعٌ يَفترِسُ ويأكُلُ المَيتةَ، فإذا جاءَ نصٌّ في أحدِهما كان حُكمُ نَظيرِه حُكمَه، ولمَّا فارقَ غسلُ الإناءِ مِن وُلوغِ الكلبِ سائرَ غسلِ النَّجاسَاتِ كلِّها، عَلِمنا أنَّ ذلك ليسَ لنَجاسةٍ، ولو كانَ لنَجاسَةٍ سُلِكَ به سَبيلُ النَّجاسَاتِ في الإنقَاءِ مِن غيرِ تَحديد. وأمَّا قولُ مَن قال (٢): إنَّه ليسَ في حديثِ أبي قَتَادةَ ما يدُلُّ مِن قَولِ رسولِ اللَّه ﷺ على طَهارَةِ الهِرِّ. وزعَمَ أنَّ أبا قَتَادةَ هو القائِلُ: "إنَّها ليسَتْ بنَجسٍ". ثم قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّها مِن الطَّوَّافينَ عليكم". فإنَّه شُبِّه عليه برِوايةِ مَن روَى هذا الحديثَ، عن إسحاقَ وغيرِه، فقال فيه: عن أبي قَتَادةَ: إنَّها ليسَتْ بنَجس. وقال: قال أبو قَتادَةَ: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "هي مِن الطَّوَّافينَ عليكم".

стр. 566

قال: وقد يكونُ الطَّوَّافُونَ علينا يُنجِّسونَ الماءَ. قال: فقولُ أبي قتَادةَ: إنَّها ليست بنَجسٍ. لم يُضفْه إلى رَسولِ اللَّه ﷺ ، وإنَّما أَضَافَ إلى رسولِ اللَّه قولَه: "إنَّها مِن الطَّوَّافينَ". قال أبو عُمر: هذا اعتِلالٌ لا معنَى له؛ لأنَّ حديثَ مالكٍ، وهو أصحُّ الناسِ له نَقلًا عن إسحاقَ، فيه أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّها ليسَتْ بنَجسٍ، إنَّها مِن الطَّوَّافينَ عليكُم". وفي هذا بيانُ جَهلِه بحدِيثِ مالكٍ. ثم نقولُ: إنَّ ذلكَ لو كانَ كما ذكَر مِن قولِ أبي قَتادةَ ولم يكنْ مرفوعًا، لكنَّا أسعدَ بالتأويلِ منه؛ لأنَّ أبا قتادةَ إنَّما خاطَبَها بما فَهِمَه عن رسولِ اللَّه ﷺ في الهِرِّ، ومَن شَهِدَ القولَ وعرَفَ مَخرجَه سُلِّمَ له في التأويل. والنجاسةُ في الحيوانِ أصلُها مأخوذٌ مِن التوقيفِ لا مِن جهةِ الرأي، فاستحالَ أنْ يكونَ ذلك رأيَ أبي قتادةَ، مع أنَّ روايَةَ مالكٍ في طَهارَةِ الهِرِّ مرفوعةٌ، ومَن خالفَ مالكًا فوَقَفها، ليسَ بحُجَّةٍ فيما قَصَّرَ عنه على مالكٍ، ومالكٌ عليه حُجَّةٌ عندَ جميع أهلِ النقلِ إن شاءَ اللَّه. وما أعلمُ أحدًا أسقطَ مِن حديثِ أبي قتادة هذا قولَه عن النبيِّ ﵇: "إنَّها ليسَتْ بنَجسٍ". إلَّا ما ذكرَه أسدُ بنُ موسى، عن حمَّاد بنِ سلمَةَ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ، عن أبي قتادةَ، أنَّه كان يُصغي الإناءَ للسِّنَّورِ فيَلَغُ فيه، ثم يتوضَّأ منه ويقولُ: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "هي مِنَ الطَّوَّافينَ والطَّوَّافاتِ عليكُم" (١).

стр. 567

وما رواه أيضًا أسدٌ، عن قَيسِ بنِ الرَّبيع، عن كَعبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن جَدِّه أبي قتادَةَ (١) نحوَه. وهذانِ لا يُحتَجُّ بهما؛ لانقطاعِهما وفَسَادِهما، وتَقصِير رُوَاتِهما عن الإتقانِ في الإسنَادِ والمَتن. وقد روَى هذا الحديثَ جماعة عن إسحاقَ كما روَاه مالكٌ؛ منهم: همَّامُ بنُ يحيى (٢)، وحُسينٌ المُعَلِّمُ (٣)، وهشامُ بنُ عُروةَ (٤)، وابنُ عُيينةَ (٥). وإنْ كان هشامٌ وابنُ عُيينَةَ لم يُقيما إسنادَه (٦)، وهؤلاء كلُّهم يقولون في هذا الحديثِ: عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إنَّها ليسَت بِنَجسِ". وإن كان بعضُهم يُخالفُ في إسنادِه؛ فمالكٌ ومَن تابَعَه قد أقامَ إسنادَه وجوَّده. وقد روَى إسحاقُ بنُ رَاهُويَة، عن الدرَاوَرديِّ، عن أسِيدِ بنِ أبي أسِيدٍ، عن أمِّه، عن أبي قَتَادةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، قال: "إنَّها ليسَتْ بنَجَسٍ، إنَّها مِن

стр. 568

الطَّوَّافينَ عَليكم" (١). ومَن أسقطَ مِن حديثِ أبي قتادةَ عن النبيِّ ﷺ قولَه: "إنَّها ليستْ بنَجسٍ" فلم يَحْفَظْ، وقد ثبتَ ذلك بنقلِ الحُفَّاظِ الثقاتِ، وباللَّه التوفيق. وقد رُوِيَ عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه كان يمُرُّ به الهِر، فيُصغِي لها الإناءَ فتشربُ، ثم يتوضَّأُ بفَضلِها (٢). وممَّن رَوينا عنه أنَّ الهِرَّ ليسَ بنجسٍ، وأنَّه لا بأسَ بفَضلِ سُؤرِه للوَضوء والشُّربِ: العبَّاسُ بنُ عبدِ المطَّلبِ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عمرَ، وعائشةُ، وأبو قتادةَ، والحسنُ، والحسينُ، وعَلقمةُ، وإبراهيمُ، وعِكرمةُ، وعطاءُ بنُ يسارٍ (٣). واختُلِفَ في ذلك عن أبي هريرةَ والحسنِ البصريِّ؛ فرَوَى عطاءٌ، عن أبي هريرةَ، أنَّ الهِرَّ كالكلبِ، يُغسلُ منه الإنَاءُ سَبعًا (٤).

стр. 569

وروَى أبو صالح ذكوَانُ، عن أبي هريرةَ، قال: السِّنَّورُ مِن أهلِ البيتِ (١). وروَى أشعثُ، عن الحسنِ، أنَّه كان لا يرَى بأسًا بسُؤر السِّنَّورِ (٢). وروَى يونُسُ، عن الحسنِ، أنَّه قال: يُغسلُ الإناءُ من وُلُوغِه مرَّةً (٣). وهذا يَحتمِلُ أنْ يكُونَ رأى في فمِه أذًى، ليَصحَّ مَخرجُ الروايَتينِ عنه، ولا نعلمُ أحدًا مِن أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ رُويَ عنه في الهِرِّ أنَّه لا يُتَوضَّأُ بسُؤرِه إلَّا أبا هريرةَ، على اختِلافٍ عنه. وأمَّا التابعُونَ، فروينا عن عطاءِ بنِ أبي رباح، وسعيدِ بنِ المُسيِّبِ، ومحمدِ بنِ سيرِينَ، أنَّهم أمرُوا بإراقةِ ماءٍ ولَغ فيه الهِرُّ، وغَسلِ الإناءِ منه (٤). وسائِرُ التَّابعِينَ بالحِجَازِ والعراقِ يقولونَ في الهِرِّ: إنَّه طاهِرٌ، لا بأسَ بالوضُوءِ بسُؤرِه.

стр. 570

وروَى الوليدُ بنُ مُسلم قال: أخبَرني سعيدٌ (١)، عن قتادةَ، عن ابنِ المسيِّبِ والحسنِ، أنَّهما كَرِها الوُضوءَ بفَضلِ الهِرِّ (٢). قال الوليدُ: فذكَرتُ ذلك لأبي عمرٍو الأوزاعيِّ ومالكِ بنِ أنسٍ، فقالا: تَوَضَّأْ به، فلا بأسَ به وإنْ وجَدتَ غيرَه (٣). قال أبو عُمر: الحُجَّةُ عندَ التَّنازُع والاختلافِ سُنَّةُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد صحَّ عنه مِن حديثِ أبي قتَادَةَ في هذا البابِ ما ذكَرنا. وعليه اعتِمادُ الفقهاءِ في كُلِّ مصرٍ، إلَّا أبا حنيفَةَ ومَن قال بقَولِه. قال أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ نصرٍ المَروَزيُّ: الذي صارَ إليه جُلُّ أهلِ الفتوَى مِن عُلماءِ الأمصارِ مِن أهلِ الأثَرِ والرَّأي جميعًا: إنَه لا بأسَ بسُؤرِ السِّنَّورِ اتِّباعًا للحديثِ الذي رَوَيْنا. يعني: عن أبي قتادةَ، عن النبيِّ ﷺ . قال: ومِمَّن ذهَب إلى ذلك؛ مالكُ بنُ أنسٍ وأهلُ المدينة، واللَّيثُ بنُ سعدٍ فيمَن وافَقَه مِن أهلِ مصرَ والمغرِبِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشام، وسُفيانُ الثَّوريُّ فيمَن وافقَه مِن أهلِ العِراق. قال: وكذلك قولُ الشافعيِّ وأصحابِه، وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ، وإسحاقَ، وأبي ثَورٍ، وأبي عُبيدٍ، وجماعةِ أصحابِ الحديث. قال: وكان النُّعمانُ يَكرَهُ سُؤرَه، وقال: إن توَضَّأَ به أجزأَه. وخالَفه أصحابُه فقالوا: لا بأسَ به. قال أبو عُمر: ما حكاه المَروَزيُّ عن أصحابِ أبي حنيفةَ فليسَ كما حكاه عندَنا، وإنَّما خالَفَه مِن أصحابِه أبو يوسفَ وحدَه، وأمَّا محمدٌ وزُفَرُ والحسنُ بنُ

стр. 571

زيادٍ (١) فيقولونَ بقولِه، وأكثرُهم يَروُونَ عنه أنه لا يُجزئُ الوضوءُ بفضلِ الهِرِّ، ويَحتجُّونَ لذلك، ويروُونَ عن أبي هريرةَ وابنِ عمرَ أنَّهما كَرِها الوضُوءَ بسُؤرِ الهِرِّ (٢). وهو قولُ ابنِ أبي ليلَى. وأمَّا الثَورِيُّ، فقد اختُلِفَ عنه في سُؤرِ الهِرِّ، فذَكَر في "جامِعِه" أنَّه يَكرَهُ سُؤرَ ما لا يُؤكَلُ لحمُه، وما يُؤكلُ لحمُه فلا بأسَ بسُؤرِه. وهو ممن يَكرهُ أكلَ الهِرِّ. وذكَر المَروَزِيُّ قال: حدَّثنا عمرُو بنُ زُرارَةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثني الأشجَعيُّ، عن سُفيانَ، قال: لا بأسَ بفضلِ السِّنَّور. قال أبو عُمر: لا أعلَمُ لمن كَرِهَ سُؤرَ الهِرِّ حُجَّةً أحسَنَ مِن أنَّه لم يَبلُغْه حديثُ أبي قتادةَ، وبلَغَه حَدِيثُ أبي هريرةَ في الكلبِ، فقاسَ الهِرَّ على الكَلبِ، وقد فَرَّقتِ السُّنَّةُ بينَ الهِرِّ والكَلب في بابِ التَّعبُّدِ، وجمَعَتْ بينَهما على حسَبِ ما قدَّمنَا ذِكْرَه مِن بابِ الاعتبارِ والنَّظرِ، ومَن حَجَّتْهُ السُّنَّةُ خَصَمَتْه، وما خالَفها مَطروحٌ، وباللَّه التوفِيق. ومن حُجَّتِهم أيضًا ما رَوَاه قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبي هُريرَةَ، عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "طُهُورُ الإناءِ إذا وَلَغَ فيهِ الهِرُّ أنْ يُغسَلَ مرَّةً أو مرَّتَينِ" (٣).

стр. 572

شكَّ قُرَّةُ. وهذا الحديثُ لم يَرفَعْه إلَّا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، وقُرَّةُ بنُ خالدٍ ثقةٌ ثَبْتٌ، وأمَّا غيرُه فيَروِيه عن ابنِ سيرِينَ، عن أبي هريرةَ قولَه (١). وفي هذا الحَدِيثِ، مِن رَأي أبي قَتادَةَ، دَليلٌ على أنَّ الماءَ اليَسيرَ تَلحَقُه النَّجاسَةُ، ألا تَرَى إلى قَولِه: أتَعجَبِينَ يا ابنةَ أخي؟ سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "ليسَتْ بنَجَسٍ". فدَلَّ هذا أنَّ الهِرَّ لو كان عندَه مِن بابِ النَّجاسَاتِ لأفسَدَ الماءَ، وإنَّما حمَلَه على أنْ يُصغِيَ لها الإناءَ طَهارَتُها، ولو كانَتْ ممَّا تُنَجِّسُ لم يَفعَلْ، فدلَّ هذا على أنَّ الماءَ عندَه تُفسِدُه النَّجاسَةُ وإن لم تَظهَرْ فيه؛ لأنَّ شُربَ الهِرِّ وغيرِه مِن الحَيَوانِ في الإناءِ، إذا لم يكنْ في فَمِه أذًى مِن غيرِه، ليسَ تُرَى معه نَجاسةٌ في الإناء. وهذا المعنى اختلَفَ فيه أصحابُنا وسائرُ العُلماء؛ فذَهَب المصريون مِن أصحابِ مالكٍ إلى أنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسةِ، وأنَّ الكثيرَ لا يُفسِدُه إلَّا ما غَيَّرَ لونَه أو طَعمَه أو ريحَه مِن المحرَّماتِ، وما غلَب عليه مِن الأشياءِ الطَّاهِرَةِ أخرَجَه مِن باب التَّطهِيرِ وأبقَاهُ على طهارَته. ولم يَحُدُّوا بينَ القَليلِ مِن الماءِ الذي يُفسِدُه قليلُ النَّجاسَةِ، وبينَ الكَثيرِ الذي لا يُفسِدُه إلَّا ما غلَب عليه حدًّا يُوقَفُ عندَه، إلَّا أنَّ ابنَ القاسِم روَى عن مالكٍ في الجنُبِ: يَغتسِل (٢) في حَوضٍ مِن الحِياض التي تُسقَى فيها الدَّوابُّ، ولم يكنْ غَسَلَ ما به مِن الأذَى، أنَّه قد أفسَدَ الماءَ (٣). ورُوِيَ عن مالكٍ في الجنُبِ يَغتَسِلُ في الماءِ الدَّائم الكثيرِ، مثلَ الحِيَاضِ التي تكونُ بينَ مكَّةَ والمدِينَةِ، ولم يكنْ غسَلَ ما به مِن الأذَى، أنَّ ذلك لا يُفسدُ الماءَ. وهذا مَذهَبُ ابنِ القاسم، وأشهَبَ، وابنِ عبدِ الحَكَم، ومَن اتَّبَعَهم مِن أصحابِهم

стр. 573

المِصريِّينَ، إلَّا ابنَ وَهْبٍ فإنَّه قال في الماءِ بقَولِ المدنيِّينَ مِن أصحابِ مالكٍ، وقَولُهم ما حكَاه أبو المُصعَبِ عنهم وعن أهلِ المَدِينَةِ أنَّ الماءَ لا تُفسِدُه النَّجاسَةُ الحالَّةُ فيه (١)، قليلًا كان أو كثيرًا إلَّا أنْ تظْهَرَ فيه النَّجاسَةُ وتُغيِّرَ منه طَعمًا أو رِيحًا أو لَونًا. وكذلك ذكَرَ أحمدُ بنُ المعذَّلِ (٢) أنَّ هذا قولُ مالكِ بنِ أنسٍ في الماء. وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ (٣)، عن ابنِ لَهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، أنَّه سألَ القاسمَ بنَ محمدٍ وسالِمَ بنَ عبدِ اللَّه عن الماءِ الرَّاكدِ الذي لا يجري تموتُ فيه الدَّابَّةُ، أيشرَبُ منه وَيغتسِل ويَغسِلُ منه الثِّيابَ؟ فقالا: انظُرْ بعَينِكَ، فإن رأيتَ ماءً لا يُدنِّسُه ما وقَعَ فيه، فنَرجُو ألّا يكُونَ به بأسٌ. قال: وأخبَرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ قال: كُلُّ ماءٍ فيه فَضلٌ عمَّا يُصيبُه مِن الأذَى، حتى لا يُغيِّرُ ذلك طعمَه ولا لونَه ولا ريحَه، فهو طاهرٌ يُتَوضَّأُ به (٤). قال: وأخبَرني عبدُ الجبَّارِ بنُ عمرَ، عن ربيعَةَ، قال: إذا وقَعتِ المَيتَةُ في البئرِ فلم يتَغيَّرْ طَعمُها ولا لَونُها ولا ريحُها، فلا بَأسَ أنْ يتَوضَّأَ منها وإن رأى فيها المَيتة. قال: وإن تغيَّرت نزَعَ منها قَدْرَ ما يُذهِبُ الرائحةَ عنها (٥). وهو قولُ ابنِ وَهْبٍ. وإلى هذا ذهَب إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، ومحمدُ بنُ بُكيرٍ، وأبو الفَرَجِ، والأبهَرِيُّ، وسائرُ المُنتَحِلينَ لمذهَبِ مالكٍ مِن البَغدادِيِّينَ.

стр. 574

ورُوِيَ هذا المعنى عن عبدِ اللَّه بنِ عبَّاسٍ، وابنِ مسعودٍ، وسعيدِ بنِ المُسيِّب، على اختِلافٍ عنه، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ (١). وهو قولُ الأوزاعِيِّ، والليثِ بنِ سعدٍ، والحسنِ بنِ صالح (٢)، وداودَ بنِ عليٍّ (٣). وهو مذهَبُ أهلِ البصرَةِ أيضًا، وهو الصَّحيحُ في النَّظَرِ وجيِّدِ الأثَرِ. وأمَّا الكُوفيُّونَ، فالنَّجاسَةُ عندَهم تُفسِدُ قليلَ الماءِ وكَثِيرَه إذا حلَّتْ فيه، إلَّا الماءَ المستَبْحِرَ الكثيرَ الذي لا يَقدِرُ آدَمِيٌّ على تَحريكِ جَمِيعِه (٤)؛ قِياسًا على البحرِ الذي قال فيه رسولُ اللَّه ﷺ : "هو الطَّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيتَتُه" (٥). وأمَّا الشَّافعيُّ، فمَذهَبُه في الماءِ نحوُ مَذهَبِ المِصريِّين مِن أصحابِ مالكٍ، وروايَتُهم في ذلك عن مالكٍ أنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسَةِ، ولا يفسِدُ كثيرَه إلَّا ما غلَبَ عليه فغيَّرَ طعمَه أو رائحتَه أو لَونَه (٦). إلَّا أنَّ مالِكًا في هذه الرِّوايَةِ عنه لا يَحُدُّ حدًّا بينَ قليلِ الماءِ الذي تَلحَقُه النَّجاسةُ وبينَ كثيرِه الذي لا تَلحقُه النَّجاسَةُ إلَّا بالغَلَبةِ عليه، إلَّا ما غلَبَ على

стр. 575

النُّفُوسِ أنَّه قليلٌ، وما الأغلبُ عندَ الناسِ أنَّه كثيرٌ. وهذا لا يُضبَطُ؛ لاختلافِ آراءِ الناسِ وما يقعُ في نُفُوسِهم. وأمَّا الشَّافعيُّ (١)، فحدَّ في ذلك حدًّا بينَ القَليلِ والكثيرِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ : "إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم تَلحقْه نجاسةٌ". أو: "لم يَحمِلْ خبَثًا". وهو حديثٌ يَرويه محمدُ بنُ إسحاقَ والوَليدُ بنُ كثيرٍ جميعًا، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبير (٢). وبعضُ رُواةِ الوليدِ بنِ كثيرٍ يقولُ فيه: عنه، عن محمدِ بنِ عبَّادِ بنِ جَعفَرٍ (٣).

стр. 576

ولم يُختلَفْ عن الوليدِ بنِ كثيرٍ أنَّه قال فيه: عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه يَرفَعُه (١). ومحمدُ بنُ إسحاقَ يقوُل فيه: عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه مرفوعًا أيضًا (٢). فالوَليدُ يجعَلُه عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، ومحمدُ بنُ إسحاقَ يجعلُه عن عُبَيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه (٣).

стр. 577

ورواه عاصِمُ بنُ المُنذِرِ، فاختُلِفَ فيه عليه أيضًا؛ فقال حمَّادُ بنُ سلَمَةَ: عاصم بنِ المُنذِرِ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه (١). وقال فيه حمَّادُ بنُ زيدٍ: عن عاصم بنِ المُنذِرِ، عن أبي بكر بنِ عُبيدِ اللَّه، عبدِ اللَّه بنِ عمرَ (٢). وقال حمَّادُ بنُ سلمَةَ فيه: "إذا كان الماءُ قُلَّتَينِ أو ثلاثًا لم يُنجِّسْه شيءٌ" (٣).
следующие страницы →