← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5158–5197 · переход к 5163.

стр. 5158

ورَوَى مجُاهِدٌ، عن أبي عُبَيدةَ بن عبدِ الله بن مسعُودٍ، عن أبيهِ، نحوَهُ مرفُوعًا (١). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمر بن عليِّ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: سمِعتُ الزُّهريَّ يقولُ: حدَّثني سالمٌ، عن أبيهِ، أنَّ عُمرَ سُئلَ عن الحيَّةِ يَقْتُلُها المُحرِمُ، فقال: هي عَدُوّ فاقتُلُوها حَيْثُ وجَدْتُمُوها (٢). ورَوَى شُعبةُ، عن مُخارِقِ بن عبدِ الله، عن طارِقِ بن شِهابٍ، قال: اعتمرتُ فمَرَرتُ بالرِّمالِ، فرأيتُ حيّاتٍ، فجعلتُ أقتُلُهُنَّ، فسألتُ عُمرَ، فقال: هُنَّ عدُوٌّ، فاقتُلُوهُنَّ (٣). قال سُفيانُ: وقال لنا زيدُ بن أسلمَ: ويحَكَ، أيُّ كَلْبٍ أعْقَرُ من الحيَّة (٤)؟ وقال عبدُ الرَّحمن بن حَرْملةَ: رأيتُ سالمَ بن عبدِ الله وهُو مُحرِمٌ ضربَ حيَّةً بسوطِهِ حتّى قتَلَها (٥).

стр. 5159

وقال السَّريُّ بن يحيى: سألتُ الحسنَ: أيقتُلُ المُحرِمُ الحيَّةَ؟ قال: نعم. وقالت طائفة: لا يُقتَلُ من الغِرْبانِ إلّا الغُرابُ الأبقعُ خاصَّةً. واحتجُّوا بما حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، قال: "خمسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحرِمُ: الحيَّةُ، والفأرَةُ، والحِدَأةُ، والغُرابُ الأبقَعُ، والكلبُ العَقُورُ". قال أبو عُمر: الأبْقَعُ من الغِرْبانِ: الذي في ظَهرِهِ وبطنِه بياضٌ، وكذلكَ الكَلْبُ الأبقعُ أيضًا، والغُرابُ الأدْرَعُ والدِّرعيُّ، هُو: الأسودُ، والغُرابُ الأعصمُ هُو: الأبيضُ الرِّجلينِ، وكذلكَ الوَعْلُ الأعصمُ، عُصمتُهُ بياض في رِجْليْهِ. وقال مُجاهِدٌ: تَرْمِي الغُرابَ، ولا تقتُلُهُ (٢). وقال به قومٌ، واحتجُّوا بما أخبَرناهُ: عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل (٤). وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ،

стр. 5160

قال: حدثنا أحمدُ (١) بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثني يَعقُوبُ بن إبراهيمَ. قالا جميعًا: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا يزيدُ بن أبي زيادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- سُئلَ عمّا يَقتُلُ المُحرِمُ؟ فقال: "الحيَّةُ، والعَقْربُ، والفُوَيسِقةُ، ويرمي الغُرابَ، ولا يَقتُلُهُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والحِدَأةُ، والسَّبُعُ العادِيُّ". قال ابنُ جَريرٍ: وحدَّثنا محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ (٢) بن المُغير، عن عليِّ بن عبدِ الأعلى، عن أبيهِ، عن عامرِ بن هُنَيٍّ، عن محمدِ بن الحَنفيَّةِ، عن عليٍّ، أنَّهُ قال: يَقتُلُ المُحرِمُ الحيَّةَ والعَقْربَ والغُرابَ الأبْقَعَ، ويَرْمِي الغُرابَ تخويفًا، والفُوَيسِقةَ، والكلبَ العَقُورَ. قال أبو عُمر: قد ثَبَتَ عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- من حَديثِ ابن عُمرَ وغير: أنَّهُ أباحَ للمُحرِم قتلَ الغُرابِ، ولم يخُصَّ أبقعَ من غيرِهِ، فلا وجهَ (٣) لِما خالَفهُ؛ لأنَّهُ لا يثبُتُ، وجُمهُورُ العُلماءِ على القولِ بحديثِ ابن عُمرَ وما كان مِثلَهُ في معناهُ، من حديثِ أبي هُريرةَ وغيره. وأمّا حديثُ عبدِ الرَّحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، أنَّهُ قال في الغُرابِ: "يَرْميهِ المُحرِمُ، ولا يقتُلُهُ"، فليسَ مِمّا يُحتجُّ به على مِثلِ حديثِ نافع عن ابن عُمرَ، وسالم عن ابن عُمرَ، والحديثُ عن عليٍّ فيه أيضًا ضَعْفٌ، ولا يثبُتُ، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- من حديثِ أبي هُريرةَ (٤) وغيرِهِ: أنَّهُ أباحَ للمُحرِم قتلَ الحيَّةِ. وهُو قولُ عُمرَ، وعليٍّ، وجُمهُورِ العُلماءِ.

стр. 5161

وأمّا تَقْريدُ المُحرِم بَعِيرَهُ، فأكثرُ العُلماءِ على إجازَهِ ذلك، وتقريدُهُ: رميُ القُرادِ ونزعُهُ عنهُ، وقتلُهُ. روى مالكٌ (١) وغيرُهُ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ، عن رَبِيعةَ بن عبدِ الله بن الهُدَيرِ: أنَّهُ رأى عُمرَ بن الخطّابِ يُقرِّدُ بَعِيرًا لهُ في الطِّين بالسُّقيا. يعني: أنَّهُ كان يُغرِّقُ القُرادَ في الطِّينِ، وينزِعُهُ عن بعيرِهِ. وكذلك رُوي عن ابن عبّاسٍ، وجابرِ بن زيدٍ، وعطاءٍ: لا بأسَ أن يُقرِّدَ المُحرِمُ بَعيرَهُ (٢). وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وأبي حَنِيفةَ، وأصحابِهِما. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ وداودُ (٣). وكان عبدُ الله بن عُمرَ يَكْرهُ للمُحرِم أن بنزعَ القُرادَ عن بَعيرِه (٤). واتَّبعهُ على ذلك مالكٌ وأصحابُهُ. وقال الثَّوريُّ: إذا كثُر القَملُ على المُحرِم، فقتَلها: كفَّرَ. وقال أبو ثورٍ: لا شيءَ على المُحرِم في قَتلِ القَمْلِ، قلَّ أو كثُرَ. وكذلك قال داودُ، وهُو قولُ طاوُوسٍ، وسَعيدِ بن جُبيرٍ، وعطاءٍ، وجابرِ بن زيد (٥).

стр. 5162

ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن أبي بِشرٍ، قال: سُئلَ جابرُ بن زيدٍ، عن المُحرِم تَسْقُطُ القملةُ على وجهِهِ، فقال: انْبِذها عنكَ، أو عن وجهِكَ، ما حقُّها في وجهِكَ، قلت (١): إذن تمُوتَ، قال: موتُها وحياتُها بيَدِ الله. وقد رُوي عن عطاءٍ: أنَّ في القَمْلةِ حَفنةً من طَعام (٢). كقولِ مالكٍ سَواءً، وهُو قولُ قَتادةَ (٣). وذكر عبدُ الرَّزّاق (٤)، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن جَعفرِ بن بُرْقانَ، عن ميمُونِ بن مِهْرانَ، قال: كُنتُ عندَ ابن عبّاسٍ، فسألَهُ رجُل، قال: وجَدتُ قَمْلةً وأنا مُحرِمٌ فطرحتُها، ثُمَّ ابْتَغيتُها (٥)، فلم أجِدها، فقال: تلكَ الضّالَّةُ لا تُبتغى. ورَوَى الثَّوريُّ، عن جابرٍ، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ، قالت: المُحرِمُ يَقتُلُ الهوامَّ كلَّها غيرَ القملةِ، فإنَّها منهُ (٦). قال أبو عُمر: احتجَّ من كرِهَ أكلَ الغُرابِ، وغير من الطَّيرِ التي تأكُلُ الجِيَفَ، ومن كرِهَ أكلَ هوامِّ الأرضِ أيضًا، بحديثِ النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- هذا (٧)، أنَّهُ أمرَ بقتلِ الغُرابِ، والحِدَأةِ، والعقرَبِ، والحيَّةِ، والفأرةِ. قال: وكلُّ ما أمرَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- بقَتلِهِ، فلا يجُوزُ أكلُهُ. هذا قولُ الشّافِعيِّ (٨)، وأبي ثورٍ، وداود.

стр. 5163

وهذا بابٌ اختلفَ العُلماءُ فيه قديمًا، وحديثًا. فأمّا اختِلافُهُم في ذوي الأنيابِ من السِّباع، فقد مَضَى القولُ في ذلك مُستوعَبًا، في بابِ إسماعيلَ بن أبي حَكيم، من كِتابِنا هذا. وأمّا اختِلافُهُم في أكلِ ذي المِخلَبِ من الطَّيرِ، فقال مالكٌ (١): لا بأسَ بأكلِ سِباع الطَّيرِ كلِّها: الرَّخَم، والنُّسُورِ، والعِقبانِ، وغيرِها، ما أكلَ الجِيفَ منها، وما لم يأكُل. قال: ولا بأسَ بأكلِ لُحُوم الدَّجاج الجلّالةِ، وكلِّ ما يأكُلُ الجِيفَ. وهُو قولُ اللَّيثِ بن سعدٍ، ويحيى بن سعيدٍ، وربيعةَ، وأبي الزِّنادِ. قال مالكٌ (٢): ولا تُؤكَلُ سِباعُ الوحشِ كلُّها، ولا الهِرُّ الوحشيُّ، ولا الأهليُّ، ولا الثَّعلبُ، ولا الضَّبعُ، ولا شيءٌ من السِّباع. وقال الأوزاعيُّ: الطَّيرُ كلُّهُ حلالٌ، إلّا أنَّهُم يكرهُون الرَّخَمَ. وحُجَّةُ مالكٍ في هذا البابِ: أنَّهُ ذكرَ أنَّهُ لم يرَ أحدًا من أهلِ العِلم يكرَهُ أكلَ سِباع الطَّيرِ، وأنكرَ الحديثَ عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-: أنَّهُ نَهَى عن أكلِ ذي المِخْلَبِ من الطَّير (٣). حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، أنَّ أباهُ أخبرهُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يعقُوبَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، قال: حدَّثنا الحجّاجُ بن أرْطاةَ، عن ميمُونِ بن مِهرانَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كُلِ الطَّيرَ كلَّهُ. قال: وحدَّثنا إسرائيلُ، قال: حدَّثنا الحجّاجُ، قال: سألتُ عَطاءً عن الطَّيرِ، فقال: كُلْهُ كلَّهُ.

стр. 5164

والحجّاجُ بن أرطاةَ ليسَ بحُجَّةٍ فيما نقلَ. وقال مالكٌ (١): لا بأسَ بأكلِ الحيَّةِ إذا ذُكِّيت. وهُو قولُ ابنِ أبي ليلى، والأوزاعيِّ، إلّا أنَّهُما لم يَشْترِطا فيها الذَّكاةَ. وقال ابنُ القاسم، عن مالك (٢): لا بأسَ بأكلِ الضِّفدع. قال ابنُ القاسم: ولا بأسَ بأكلِ خَشاشِ الأرضِ، وعَقارِبِها، ودُودِها. في قولِ مالكٍ؛ لأنَّهُ قال: موتُهُ في الماءِ لا يُفسِدُهُ (٣). وقال اللَّيثُ (٤): لا بأسَ بأكلِ القُنفُذِ، وفِراخ النَّحلِ، ودُودِ الجُبنِ، والتَّمرِ، ونحوِ ذلكَ. ومِمّا يُحتجُّ به لقولِ مالكٍ ومن تابَعهُ في ذلكَ: حديثُ مِلْقام بن التَّلِبِّ، عن أبيهِ، قال: صحِبتُ النَّبيَّ -صلي الله عليه وسلم-، فلم أسمَعْ لحشَراتِ الأرْضِ تحريمًا (٥). ويُحتجُّ لذلك أيضًا بقولِ ابن عبّاس (٦)، وأبي الدَّرداء (٧): ما أحلَّ اللهُ فهُو حلالٌ، وما حرَّم اللهُ فهُو حرامٌ، وما سكت عنهُ، فهُو عَفْوٌ.

стр. 5165

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: لا يُؤكَلُ ذُو النّابِ من السِّباع، ولا يُؤكَلُ ذُو المِخْلَبِ من الطَّيرِ. وكَرِهُوا أكلَ هَوامِّ الأرضِ، نَحوِ اليَربُوع، والقُنفُذِ، والفَأرة، والحيّاتِ، والعَقاربِ، وجميع هوامِّ الأرضِ. وحُجَّتُهُم: أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- نَهَى عن أكلِ كلِّ (١) ذي نابٍ من السِّباع، وذي مخِلَبٍ من الطَّيرِ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بِشرٍ، عن ميمُونِ بن مِهرانَ، عن سَعِيد بن جُبير (٣)، عن ابن عبّاسٍ، قال: نَهَى رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وعن كلِّ ذي مخِلَبٍ من الطَّيرِ. ورُوي عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- أيضًا من حديثِ علىٍّ (٤)، وغيره، وأحسنُها إسنادًا حديثُ ابنِ عبّاسٍ هذا.

стр. 5166

وقال الشّافِعيُّ (١): المُحَرَّمُ من كلِّ ذي نابٍ، ما عَدا على النّاسِ، كالنَّمِرِ، والذِّئبِ، والأسَدِ، وما شاكلَ ذلك. قال: وهي السِّباعُ المعرُوفةُ. قال: والمُحرَّمُ من ذي المِخلَبِ أيضًا كذلكَ ما عَدا على طُيُورِ النّاسِ، فلا يُؤكَلُ شيءٌ من ذلك أيضًا، كالشّاهينِ، والبازي، والعُقابِ، وما أشبَهَ ذلك. قال: وأمّا الضَّبعُ، والثَّعلبُ، والهِرُّ، فلا بأسَ بأكلِها، ويَفْديها المُحرِمُ إن قتَلَها. قال: وكلُّ ما لم يَكُن أكلُهُ إلّا العَذِرةَ والجِيفةَ والمَيْتاتِ من الدَّوابِّ والطُّيُورِ، فإنِّي أكرَهُ أكلَهُ، للنَّهيِ عن الجلّالة (٢). قال: ولو قُصرت أيامًا حتّى يغلِبَ عليها أكلُ الطّاهِرِ، وخَرَجت عن حُكم الجَلّالةِ، جازَ أكلُها. قال أبو عُمر: هذا عندَهُ فيما عَدا السِّباعَ العاديةَ، وما عَدا سِباعَ الطَّيرِ التي تَعدُو على الطُّيُورِ. فإنَّ هذه عندَهُ لا تُؤكلُ، قُصِرت أم لم تُقصَرْ، لوُرُودِ النَّهيِ عنهُ بالقَصْدِ إليها. قال الشّافِعيُّ (٣): الجلّالةُ المكرُوهُ أكلُها إذا لم يكُن أكلُهُ غيرَ العَذِرةِ، أو كانتِ العَذِرةُ أكثرَ أكلِهِ، فإن كانتِ العَذِرةُ أكثرَ أكلِهِ، وعَلَفُه (٤) غيرَ العذِرةِ، لم أكرَهْهُ. قال (٥): وكلُّ ما كانتِ العربُ تَسْتقذِرُهُ، وتَسْتخبِثُهُ، فهُو من الخَبائثِ التي

стр. 5167

حرَّمَ اللهُ، كالذِّئبِ، والأسَدِ، والغُرابِ، والحيَّةِ، والحِدَأةِ، والعَقْربِ، والفأرةِ؛ لأنَّها دوابُّ تَقصِدُ النّاسَ بالأذى، فهي مُحرَّمةٌ، من الخبائثِ مأمُورٌ بقتلِها. قال: وكانتِ العربُ تأكُلُ الضَّبُعَ والثَّعلبَ، لأنَّهُما لا يَعْدُوان على النّاسِ بنابِهِما، فهُما حلالٌ. قال أبو عُمر: قد تقدَّمَ القولُ في السِّباع المأكُولةِ وغيرِ المأكُولةِ وما لأهلِ العِلم في ذلكَ من الائتِلافِ والاختِلافِ مبسُوطًا مُمهَّدًا، في بابِ إسماعيلَ بن أبي حَكيم، من هذا الكتاب، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا. وحُجَّةُ الشّافِعيِّ فيما ذهَبَ إليه في هذا البابِ، نهيُهُ ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي مخِلَبٍ من الطَّيرِ، وكلِّ ذي نابٍ من السِّباع. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا إبراهيمُ بن خالدٍ الكلبيُّ أبو ثورٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزةَ. قالا جميعًا: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الدَّراورديُّ، عن عيسى بن نُمَيلةَ (٢) الفَزاريِّ، عن أبيهِ، قال: كُنتُ جالِسًا مع عبدِ الله بن عُمرَ، فسُئلَ عن القُنْفُذِ، فتَلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآيةَ [الأنعام: ١٤٥]، قال: فقال إنسانٌ -وفي حديثِ أبي داودَ:

стр. 5168

فقال شيخٌ- عندَهُ: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقولُ: سمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "إنَّما هُو خَبِيثةٌ من الخبائثِ"، فقال ابنُ عُمرَ: إن كان قالَهُ النَّبيُّ ﷺ ، فهُو كما قال (١). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عَبدةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن ابن أبي نَجيح، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عُمرَ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن أكْلِ الجَلّالةِ وألْبانِها. ومن حَديثِ أيُّوبَ (٣) السَّختيانيِّ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن الجَلّالةِ من الإبِلِ أن يُركَبَ عليها، أو يُشرَبَ من ألْبانِها (٤). وروى جابرٌ، وابنُ عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ (٥). أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٦):

стр. 5169

حدَّثنا شَبابةُ، عن مُغيرةَ بن مُسلِم، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن الجَلّالةِ أن يُؤكَلَ لحمُها، أو يُشرَبَ لبنُها. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى (٢)، قال: حدَّثني أبو عامرٍ، قال: حدَّثني هشامٌ، عن قَتادةَ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن لَبنِ الجَلّالةِ. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن يزيد، قال: حدَّثنا يزيدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريع، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن لَبنِ الجَلّالةِ، وعن لُحُومِها، وعن أكْلِ المُجثَّمة (٣). ورواهُ شُعبةُ، عن قتادةَ بإسنادِهِ (٤) مِثلهُ. ومن حُجَّةِ الشّافِعيِّ، ومَن قال بقولِهِ أيضًا في هذا البابِ أنَّهُ: ما يجُوزُ أكلُهُ فلا يحِلُّ قتلُهُ؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من قتلَ عُصفُورًا بغيرِ حقِّهِ عُذِّب"، أو نحوَ هذا، قيل: فما حقُّهُ يا رسُولَ الله؟ قال: "يَذْبحُهُ، ولا يقطَعُ رأسهُ".

стр. 5170

حدَّثناهُ سعيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، قال: أخبرنا صُهَيبٌ مولى عَبدِ (٢) الله بن عامرِ بن كُرَيزِ بن حَبيبٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عَمرِو بن العاصِ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "من قتَلَ عُصفُورًا فما فوقَها بغيرِ حقِّها، سألَهُ اللهُ عن قَتْلِها". قالوا: يا رسُولَ الله، وما حقُّها؟ قال: "أن يَذْبَحَها، فيأكُلَها، ولايقطَعَ رأسَها فيَرْميَ به". قال الحُميديُّ: فقيل لسُفيانَ: إنَّ حمّادًا يقولُ: عن عَمرٍو، أخبرني صُهيبٌ الحذّاءُ، قال: ما سمِعتُ عَمرًا قطُّ قال: صُهيبٌ الحذّاءُ، ما قال إلّا: مولى عُبيدِ الله (٣) بن عامرٍ. قالوا: ففي هذا أوضَحُ الدَّلائلِ أنَّ كلَّ ما (٤) يحِلُّ أكلُهُ، فلا يجُوزُ قتلُهُ. قالوا: وقد أمَرَ رسُولُ الله ﷺ بقَتْلِ الغُرابِ، والحِدَأةِ، والعَقْربِ، والحيَّةِ، والفأرهِ، في الحِلِّ والحَرَم، فلا يجُوزُ أكلُ شيءٍ من هذه، وما كان مِثلَها. قالوا: وكلُّ ما لا يجُوزُ أكلُهُ، فلا بأسَ بقَتْلِهِ في الحَرَمِ والحِلِّ لمن شاءَ. وذكرُوا ما حدَّثنا به محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال:

стр. 5171

حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ (٢)، قال: أخبرنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشَةَ، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "خَمْسُ فواسِقَ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم: الغُرابُ، والحِدَأةُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والعَقْربُ، والفأرةُ". وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٣): أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ (٤)، قال: أخبرنا النَّضرُ بن شُمَيل، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المُسيِّبِ يُحدِّث، عن عائشَةَ، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "خَمْسُ فواسقَ يُقتلنَ في الحِلِّ والحَرَم: الحيَّةُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والغُرابُ الأبقَعُ، والحُدَيَّةُ، والفأرَةُ". أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُف، قال: أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليّ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن حَفْصِ بن أبي تمّام، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم، قال: حدَّثنا أنسُ بن عِياضٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، أنَّهُ قال: من يأكلُ الغُرابَ، وقد سمّاهُ رسُولُ الله ﷺ فاسِقًا! والله ما هُو من الطَّيِّبات (٥).

стр. 5172

وذكر عبدُ الرَّزّاق (١)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهريِّ، قال: كرِهَ رِجالٌ من أهلِ العِلْم أكلَ الحِدَأةِ، والغُرابِ، حيثُ سمّاهُما رسُولُ الله ﷺ من فَواسِقِ الدَّوابِّ التي تُقتلُ في الحَرَم. قال أبو عُمر: من كرِهَ أكلَ الغُرابِ والفأرةِ وسائرِ ما سمّاهُ رسُولُ الله ﷺ فاسِقًا، جَعَل ذلك من بابِ أمْرِهِ بقتلِ الوَزَغ، وتَسْميتهِ لهُ فُوَيسِقًا، والوَزَغُ مجُتمعٌ على تحريم أكلِهِ. أخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبرنا محمدُ بن عبدِ الله بن يزيد، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن جُبيرِ بن شَيْبةَ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أُمِّ شَرِيكٍ، قالت: أمَرَني رسُولُ الله ﷺ بقَتْلِ الأوْزاغ. وحدَّثنا سعيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثني عبدُ الحميدِ بن جُبَيرِ بن شَيْبةَ الحَجَبيُّ، أنَّهُ سمِعَ سعيدَ بنَ المُسيِّبِ يقولُ: أخبرتني أُمُّ شَريكٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمَرَ (٤) بقَتْلِ الأوْزاغ.

стр. 5173

وحدَّثنا خلَفُ بن القاسم، قال: أخبرني الحَسَنُ بن الخَضِرِ الأسيُوطيُّ (١)، قال: حدَّثنا أبو الطاهر القاسمُ بن عَبدِ الله بن مَهْديٍّ، قال: حدَّثني أبو مُصْعبٍ أحمدُ بن أبي بكرٍ الزُّهْريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق (٢)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عامرِ بن سَعْدٍ، عن أبيهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بقتلِ الوَزَغ، وسمّاهُ فُوَيسِقًا. وأخبرنا سَعيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنَسٍ، عن ابن شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال للوزَغ: "فُوَيسِقٌ". ولم أسمَعْهُ أمرَ بقَتلِه (٣). ورواهُ ابنُ وَهْب عن مالكٍ، ويونُسُ عن ابن شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسُول الله ﷺ قال للوَزَغِ: "الفُويسِقُ" (٤). لم يَزِدْ. قال أبو عُمر: وليسَ قولُ من قال: لم أسمَع الأمرَ بقَتْلِ الوَزَغ شهادةً، والقولُ قولُ من شهِدَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمَرَ بقتلِ الوَزَغ.

стр. 5174

وقد أجمعُوا أنَّ الوزَغَ ليسَ بصيدٍ، وأنَّهُ ليسَ مِمّا أُبيحَ أكلُهُ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١)، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمر، عن الزُّهريِّ، عن عامرِ بن سَعْدٍ، عن أبيهِ، قال: أمَرَ رسُولُ الله ﵇ بقَتْلِ الوَزَغ، وسمّاهُ فُوَيْسِقًا. والآثارُ في قتلِ الوَزَغِ كثيرةٌ جِدًّا. وأمّا الآثارُ في قَتْلِ الحيّاتِ جُملةً، في الحِلِّ وغير، فلَها مَواضِعُ من كِتابِنا، في حديثِ نافع وغير، وستأتي إن شاءَ الله. أخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن عَمرِو بن جَبَلةَ، قال: حدَّثنا سَلْمُ (٥) بن قُتيبةَ أبو قُتيبةَ (٦)؛ جميعًا عن همّام بن يحيى، عن إسحاقَ بن عبدِ الله بن أبي طَلْحةَ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: أُتي النَّبيُّ ﷺ بتَمْرٍ عَتيقٍ، فجعلَ يُفتِّشُهُ، ويُخرِجُ السُّوسَ منهُ ويُنقِّيهِ (٧).

стр. 5175

حديثٌ ثاني خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّهُ قال، حينَ خرجَ إلى مكَّةَ مُعتمِرًا في الفِتْنةِ: إن صُدِدتُ عن البيتِ، صَنَعنا كما صَنَعنا معَ رسُولِ الله ﷺ (٢)، فأهَلَّ بعُمرةٍ، من أجْلِ أنَّ رسُولَ الله ﷺ أهلَّ بعُمرةٍ يومَ (٣) الحُدَيبيةِ. ثُمَّ إنَّ عبدَ الله بنَ عُمرَ نظَرَ في أمرِهِ، فقال: ما أمرُهُما إلّا واحدٌ، والتفتَ إلى أصحابِهِ، فقال: ما أمرُهُما إلّا واحدٌ، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوجَبْتُ الحجَّ معَ العُمْرةِ. ثُمَّ نفَذَ حتّى جاءَ البيتَ، فطافَ به طوافًا واحدًا، ورَأى أنَّهُ مُجزِئٌ (٤) عنهُ، وأهْدَى. إلى هاهُنا انتهت رِوايةُ يحيى، وعلى ذلك أكثرُ رُواةِ "المُوطَّأ" (٥) وفي رِوايةِ عليِّ بن عبدِ العزيزِ، عن القَعْنبيِّ، عن مالكٍ في هذا الحديثِ: وأهدى شاةً. فزادَ ذِكرَ الشّاةِ، وهُو غيرُ محفُوظٍ عن ابن عُمرَ.

стр. 5176

ولم يذكُر القَعْنبيُّ أيضًا في هذا الحديثِ قولَهُ: من أجلِ أنَّ رسُولَ الله ﷺ أهلَّ بعُمرةٍ يومَ الحُديبيةِ. وذكرهُ يحيى، وابنُ بُكير (١)، وابنُ القاسم، وغيرُهُم. والدَّليلُ على أنَّ ذِكرَ الشّاةِ في هذا الحديثِ غلطٌ، أنَّ ابنَ عُمرَ كان مذهبُهُ فيما اسْتَيسرَ من الهدي: بقَرةً دُون بَقَرةٍ، أو بَدَنةً دُون بَدَنةٍ. وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]: بَدَنةٌ دُون بدنةٍ، وبَقَرةٌ دُون بَقَرة (٢). قال: وأخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: ما اسْتيسَر من الهَدْي: البَدَنةُ، والبقَرةُ (٣). قال أبو عُمر: رُوِيَ عن عُمرَ، وابن عبّاس (٤)، وعليٍّ (٥)، وغيرِهِم: ما استيسرَ من الهدي: شاةٌ. وعليه العُلماءُ. وفي هذا الحديثِ مَعانٍ من الفِقهِ: مِنْها: أنَّهُ جائزٌ للرَّجُلِ أن يَخرُجَ حاجًّا في الطَّريقِ المَخُوفِ، إذا لم يُوقِنْ بالسُّوءِ ورَجا السَّلامةَ، وإن كان معَ ذلك يخافُ ويخشَى، وليسَ ذلك من رُكُوبِ الغررِ. وجمنْها: إباحَةُ الإهلالِ والدُّخُولِ في الإحرام على هذا الوَجْهِ، فإن سلِمَ ونَجا نفَذَ لوجهِهِ، وإن مُنِعَ وحُصِرَ، كان لهُ حُكمُ المُحصَرِ، على ما سنَّهُ رسُولُ الله ﷺ وعمِلَ به حينَ حُصِرَ عامَ الحُديبيةِ.

стр. 5177

ونحنُ نذكُرُ (١) هاهُنا من أحكام الإحصارِ بالعدُوِّ وبالمرضِ، وغيرِهِ من الموانِع، ما فيه شِفاءٌ وكِفايةٌ بحولِ الله، فهُو أولَى المواضِع بذِكرِ ذلك من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله، ثُمَّ ننصرِفُ إلى باقي معاني الحديثِ، وتوجيهِها، والقولِ فيها، ولا ننالُ شيئًا من ذلك إلّا بعونِهِ، لا شريكَ لهُ. فمِنْ ذلك، أنَّ مالكًا والثَّوريَّ وأبا حنيفةَ وأصحابَهُم قالوا: لا ينفعُ المُحرِمَ الاشتِراطُ في الحجِّ إذا خافَ الحصرَ، لمرضٍ أو عدُوٍّ. قال أبو عُمر: والاشتِراطُ: أن يقولَ إذا أهلَّ في الحالِ (٢) التي وَصْفنا: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، ومحِلِّي حيثُ حَبَستني من الأرضِ. قال مالكٌ: والاشْتِراطُ في الحجِّ باطِلٌ، ويمضي على إحرامِهِ حتّى يُتِمَّهُ على سائرِ أحكام المُحصرِ، ولا ينفعُهُ قولُهُ: محِلِّي حيثُ حَبَستني. وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، وهُو قولُ إبراهيم النَّخَعيِّ، ومحمدِ بن شِهابِ الزُّهريِّ، وهُو قولُ ابن عُمرَ أيضًا (٣). ذكر ابنُ وَهْب، عن يونُسَ. وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، جميعًا عن ابن شِهاب، عن سالم، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يُنكِرُ الاشتِراطَ في الحجِّ، ويقولُ: أليسَ حَسْبُكُم سُنَّةَ رسُولِ الله ﷺ أنَّهُ لم يشترِطْ؟ فإن حبَسَ أحدَكُم حابِسٌ عن الحجِّ، فليَأْتِ البيتَ فلْيطُفْ به، وبينَ الصفا والمَرْوةِ، ويحلِقْ أو يُقصِّرْ، ثُمَّ قد حلَّ من كلِّ شيءٍ، حتّى يحُجَّ قابِلًا ويُهْدي، أو يصُومَ إن لم يجِد هَدْيًا (٤).

стр. 5178

وقال الشّافِعيُّ: لو ثبتَ حديثُ ضُباعَةَ (١)، يعني: بنتَ الزُّبيرِ بن عبد المطَّلبِ (٢) لم أعُدَّهُ، وكان محِلُّهُ حيثُ حَبَسهُ الله بلا هَدْي. واختلفَ أصحابُهُ في هذه المسألةِ إلى اليَوم، فمِنهُم من يقولُ: يَنْفعُهُ الاشتِراطُ، على حَديثِ ضُباعةَ، ومنهُم من يقولُ: الاشْتِراطُ باطِلٌ. وقال أحمدُ بن حَنْبل وإسحاقُ بن راهُوية وأبو ثَوْرٍ: لا بأسَ أن يَشْترِطَ، ولهُ شَرْطُهُ، على ما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ ، وعن غيرِ واحدٍ من أصحابِهِ. قال أبو عُمر: رُوي جَوازُ الاشْتِراطِ في الحجِّ: عن عُمرَ، وعليٍّ، وابن مسعُودٍ، وعمّارِ بن ياسِرٍ. وبه قال عَلْقمةُ، وشُرَيح، وعَبِيدةُ، والأسودُ، وسعيدُ بن المُسيِّبِ، وعَطاءُ بن يسارٍ، وعِكْرِمةُ، وهُو مذهبُ عَطاءِ بن أبي رَباح (٣). وحُجَّتُهُم في ذلك حديثُ ضُباعةَ. قال أبو عُمر: حديثُ ضُباعةَ في ذلك، ما أخبَرنيهِ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٥):

стр. 5179

حدَّثنا عبّادُ بن العوّام، عن هِلالِ بن خبّابِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ ضُباعَةَ بنتَ الزُّبيرِ بن عبدِ المُطَّلِبِ أتَتْ رسُولَ الله ﷺ فقالت: يا رسُولَ الله، إنِّي أُريدُ الحجَّ أأشترِطُ؟ قال: "نعم"، قالت: وكيفَ أقولُ؟ قال: "قُولي: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، ومحِلِّي من الأرْضِ حيثُ حَبَسْتني". قال أبو عُمر: الإحصارُ عندَ أهلِ العِلم على وُجُوهٍ، مِنْها: الحصرُ بالعدُوِّ، ومنها: بالسُّلطان الجائرِ، ومنها: بالمرَضِ، وشِبهِهِ. وأصلُ الحَصرِ في اللُّغةِ، الحَبْسُ والمنعُ، قال الخليلُ (١)، وغيرُهُ: حصرتُ الرَّجُلَ حصرًا: مَنعتَهُ وحبستَهُ، وأُحصِرَ الحاجُّ عن بُلُوغ المناسِكِ من مَرضٍ، أو نحوِهِ. هكذا قال، جَعَل الأوَّلَ ثُلاثيًّا، من حَصرتُ، وجَعل الثّانيَ في المَرضِ رُباعيًّا، وعلى هذا خرجَ قولُ ابن عبّاسٍ: لا حصرَ إلّا حصرُ العَدُوِّ (٢). ولم يَقُل: لا إحصارَ (٣) إلّا إحْصارُ العدُوِّ. وقالت طائفة: يُقالُ: أُحصِرَ فيهما جميعًا، من الرُّباعيِّ. وقال منهُم جماعةٌ: حُصِرَ، وأُحصِرَ، بمعنًى واحدٍ (٤) في المرضِ والعدُوِّ جميعًا، ومعناهُ حُبِسَ. واحتجَّ من قال بهذا من الفُقهاءِ، بقولِ الله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وإنَّما نزلت هذه الآيةُ في الحُدَيبيةِ. وعلى نحوِ ذلك اختَلَف (٥) أهل العِلم في أحكام المحبُوسِ بعدُوٍّ، والمحبُوسِ

стр. 5180

بمَرَضٍ، إلّا أنَّ أكثرَ عُلماءِ اللُّغةِ يقولُونَ في هذا الفِعلِ من العدُوِّ: حَصَرهُ العدُوُّ، فهُو محصورٌ، وأحصَرهُ المرضُ، فهُو محُصرٌ. وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في هذا المعنى، فقال مالكٌ (١) والشّافِعيُّ (٢) وأصحابُهُما: كلُّهُمُ اتَّفقُوا على أنَّ من أحصَرهُ المرضُ، فلا يُحِلُّهُ إلّا الطَّوافُ بالبيتِ، ومن حُصِرَ بعدُوٍّ، فإنَّهُ يَنْحرُ هَدْيَهُ حَيْثُ حُصرَ، ويتَحلَّلُ وينصرِفُ، ولا قَضاءَ عليه، إلّا أن يكونَ صرُورةً (٣) فيحُجَّ (٤) حجَّةَ الفَريضةِ. ولا خِلافَ بين الشّافِعيِّ ومالكٍ في شيءٍ من ذلك. واحتجَّ مالكٌ بأنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يأمُر أحدًا من أصحابِهِ عامَ الحُديبيةِ بقَضاءِ العُمرةِ التي صُدَّ فيها عن البيتِ. وقال ابنُ وَهْب وغيرُهُ، عن مالك (٥): من أُحصِرَ بعدُوٍّ، وحِيلَ بينهُ وبينَ البيتِ، حلَّ من كلِّ شيءٍ، ونحَرَ هَدْيهُ، وحلقَ رأسَهُ حَيْثُ حُبِسَ، وليسَ عليه قَضاءٌ، إلّا أن يكونَ لم يحُجَّ حجَّةً (٦) قطُّ، فعليه أن يحُجَّ حجَّةَ الإسلام. قال: وأمّا من أُحصِرَ بغيرِ عدُوٍّ، فإنَّهُ لا يحِلُّ دُونَ البيت (٧). قال: وكذلكَ كلُّ من حُبسَ عن الحجِّ بعدما يُحرِمُ، إمّا بمَرضٍ، أو خطأ من العَددِ، أو خَفِيَ عليه الهِلالُ، فهُو محُصَرٌ، عليه ما على المُحصرِ، وكذلك من أصابَهُ كسرٌ، أو بطنٌ مُنْخَرِقٌ (٨).

стр. 5181

وقال مالكٌ: أهلُ مكَّةَ في ذلك، كأهلِ الآفاقِ؛ لأنَّ الإحصارَ عندَهُ في المكِّيِّ (١): الحَبْسُ عن عَرَفةَ خاصَّةً. قال: فإن احتاجَ المُحصَرُ بمرضٍ إلى دواءٍ، تَداوى به وافتَدَى، ويبقَى على إحْرامِهِ لا يحِلُّ من شيءٍ منهُ حتّى يبرَأ من مَرضِهِ، فإذا بَرِئَ من مَرضِهِ، مَضَى إلى البيتِ فطافَ به سبعًا، وسَعَى بين الصَّفا والمروةِ، وحلَّ من حَجِّهِ، أو من عُمْرتِهِ. قال أبو عُمر: وهذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ (٢) أيضًا. قال مالكٌ (٣): وقد أمرَ عُمرُ بن الخطّابِ أبا أيُّوبَ الأنصاريَّ وهبّارَ بن الأسودِ حينَ فاتهُما الحجُّ، وأتيا يومَ النَّحرِ، أن يحِلّا بعُمرةٍ، ثُمَّ يَرْجِعانِ حَلالينِ، ثُمَّ يحُجّان عامًا قابِلًا، ويُهْديانِ. قال مالكٌ: فمن لم يجِد هَدْيًا، فصيامُ ثلاثةِ أيام في الحجِّ، وسَبْعةٍ إذا رجعَ إلى أهلِهِ. قال مالكٌ (٤): وبَلَغني أنَّ رسُولَ الله ﷺ حلَّ هُو وأصْحابُهُ بالحُديبيةِ، فنَحَرُوا الهَدْيَ، وحَلقُوا رُءُوَسهُم، وحَلُّوا من كلِّ شيءٍ قبلَ أن يطُوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أن يصِلَ إليه الهديُ. قال: ثُمَّ لم يُعْلَمْ (٥) أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ أحدًا من أصْحابِهِ، ولا مِمَّن كان معَهُ، أن يقضُوا شيئًا، ولا يعُودُوا لشيءٍ. قال مالكٌ (٦): وعلى هذا الأمرُ عندَنا فيمن أُحصِرَ بعدُوٍّ، كما أُحصِرَ النَّبيُّ ﷺ وأصحابُهُ، فأمّا من أُحصِر بغيرِ عدُوٍّ، فإنَّهُ لا يحِلُّ دُونَ البيتِ.

стр. 5182

قال أبو عُمر: بمِثلِ هذا كلِّهِ قال الشّافِعيُّ أيضًا، ذهَبا جميعًا فيمَنْ حَصَرهُ (١) العَدُوُّ إلى قِصَّةِ الحُدَيبيةِ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ نحَرَ الهَدْيَ في مَكانِهِ الذي أُحصِرَ فيه، وحلَ ورجَعَ. وذهَبا في المُحصَرِ (٢) بمَرَضٍ، إلى ما رُوي عن عُمرَ، وابن عبّاسٍ، وعائشةَ، وابن عُمرَ، وابن الزُّبيرِ، أنَّهُم قالوا في المُحصرِ بمَرضٍ، أو خطأ في العَددِ، أنَّهُ لا يُحِلُّهُ إلّا الطَّوافُ بالبيت (٣). وحُكمُ من كانت هذه حالَهُ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ، أن يكونَ بالخيارِ إذا خافَ فوتَ (٤) الوُقُوفِ بعرَفةَ لمرَضه (٥)، إن شاءَ مَضَى إذا أفاقِ إلى البيتِ، فطافَ به، وتحلَّلَ بعُمرةٍ، وإن شاءَ أقامَ على إحْرامِهِ إلى قابِلٍ، فإن تحلَّل بالطَّوافِ بالبيتِ فعليه دمٌ، ويَقْضي حجَّهُ من قابِل، وإن أقامَ على إحرامِهِ ولم يُواقِعْ شيئًا مِمّا نُهي عنهُ الحجاجُ، فلا هديَ عليه (٦). ومن حُجَّتِهِ في ذلك: الإجماعُ من الصَّحابةِ على من أخطَأ العددَ، أنَّهُ هكذا حُكمُهُ، لا يُحِلُّهُ إلّا الطَّوافُ بالبيتِ. قال مالكٌ (٧): إذا تحلَّل المريضُ والذي تَفُوتُهُ عَرَفةُ بالطَّوافِ بالبيتِ، فعليهما القَضاءُ وإن كانا مُتطوِّعَينِ، وكذلك المُعتمرُ.

стр. 5183

والحصرُ عندَ مالكٍ ومن تابَعهُ، إنَّما يكونُ عن عَرَفةَ فقط، فإذا عَلِمَ المُحصَرُ بعدُوٍّ، أو غيرِهِ، أنَّهُ قد فاتَهُ الوُقُوفُ بعرَفةَ في وَقْتٍ (١)، أوِ انكشَفَ لهُ العدُوُّ في زَمَن لا يَصِلُ فيه إلى البيتِ إلّا بعدَ فَوْتِ عَرَفةَ، أو غلبَ ذلك على ظنِّهِ، تحلَّل مكانَهُ، وانصرفَ (٢). وأمّا من وقَفَ بعرَفةَ، وصُدَّ عن مَكَّةَ، فهُو على إحْرامِهِ، حتّى ينكشفَ (٣) العدُوُّ، ثُمَّ يطُوفُ ويُتِمُّ حجَّهُ، فرضًا كان أو تطوُّعًا، وإن خافَ طُولَ الزَّمانِ انصرفَ إلى بَلدِهِ، فمَتَى أمكَنهُ الرُّجُوعُ إلى البيتِ عادَ، فإن كان مسَّ النِّساءَ، دخلَ محُرِمًا، وطافَ وأهدى، وإن لم يَمسَّ النِّساءَ، ولا الصَّيدَ، طافَ وتمَّ حجُّهُ. وكان ابنُ القاسم يقولُ: ليس على من صُدَّ عن البيتِ في حج، أو عُمرةٍ هديٌ، إلّا أن يكونَ ساقَهُ معهُ. وهُو قولُ مالكٍ. وقال أشهبُ: عليه الهديُ إذا صُدَّ عن البيتِ بعدَ أن أحرمَ، لا بُدَّ لهُ منهُ، ينحر كما نحرَ رسُولُ الله ﷺ الهديَ بالحُديبيةِ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ. ومِن حُجَّةِ من ذهَبَ مذهبَ مالكٍ، وابن القاسم في ذلك: أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما نحَرَ يومَ الحُدَيبيةِ هديًا قد كان أشعَرهُ وقلَّدهُ، حينَ أحرمَ بعُمرتِهِ، فلمّا لم يبلُغْ ذلك الهديُ محِلَّهُ للصَّدِّ، أمرَ به رسُولُ الله ﷺ فنُحِرَ؛ لأنَّهُ كان هديًا قد وجَبَ بالإشعارِ والتَّقليدِ وخرجَ لله، فلم يجُزِ الرُّجُوعُ فيه، ولم يَنْحرهُ رسُولُ الله ﷺ من أجلِ الصَّدِ (٤)، فلهذا لا يجِبُ عندَهُ على من صُدَّ عن البيتِ هَدْيٌ.

стр. 5184

وقال الشّافِعيُّ (١): لو أُحصِرَ مُوسِرٌ لا يجِدُ هَدْيًا مكانَهُ، أو مُعسِرٌ بهديٍ، ففيها قولانِ، أحدُهُما: لا يحِلُّ إلّا بهديٍ، والآخرُ: أنَّهُ مأمُورٌ بأن يأتيَ بما يَقدِرُ عليه، فإن لم يَقْدِر على شيءٍ، خرجَ مِمّا عليه، وكان عليه أن يأتي به (٢) إذا قدرَ عليه، ومن قال هذا قال (٣): يحِلُّ مكانَهُ، ويذبحُ إذا قدرَ، فإن قدرَ على أن يكون الذَّبحُ بمكَّةَ، لم يجزئه أن يذبحَ إلّا بها، وإن لم يقدِرْ، ذبَحَ حيثُ قدر. قال الشّافِعيُّ: ويُقالُ: لا يُجزِئُهُ إلّا هديٌ، ويُقالُ: يُجزِئُهُ إذا لم يجِد هديًا، طعامٌ، أو صيامٌ، فإن لم يجِدِ الطَّعام، كان كمَنْ لم يجِد هديًا ولا طعامًا، وإذا قدرَ، أدَّى أيَّ هديٍ كان عليه. فهذا يُبيِّنُ لك أنًّ الهَدْيَ عندَ الشّافِعيِّ على المُحصَرِ واجِبٌ لإحلالِهِ، وبه قال أشْهَبُ، وعليه أكثرُ العُلماءِ. والحُجَّةُ في ذلك أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يحِلَّ يومَ الحُديبيةِ، ولم يحلِقْ رأسَهُ حتّى نحَرَ الهَدْي، فدلَّ ذلك على أنَّ مِن شَرْطِ إحْلالِ المُحصَرِ بعدُوٍّ: ذبْحَ هَدْيٍ متى وجدهُ وقدرَ عليه، والكلامُ في هذه المسألةِ يطُولُ، وفيما ذكَرْنا كِفايةٌ. وأمّا من أُحصِرَ بغيرِ عدُوٍّ من مَوانِع الأمراضِ وشِبْهِها، فحُكمُهُ عندَ أهلِ الحِجازِ في ذلك ما قد رَوَى مالكٌ (٤)، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن ابن عُمرَ، قال: من حُبِسَ دُونَ البيتِ بمرَضٍ، فإنَّهُ لا يحِلُّ حتّى يَطُوفَ بالبيتِ، ويسعَى بين الصَّفا والمروةِ. فإن اضطُرَّ إلى شيءٍ من لُبسِ الثِّيابِ التي لا بُدَّ لهُ منها، أو إلى الدَّواءِ صنعَ ذلك وافتَدَى.

стр. 5185

ومالكٌ (١)، عن أيُّوبَ بن أبي تمَيمةَ، عن رَجُلٍ من أهْلِ البَصْرةِ كان قَدِيمًا قال: خَرجتُ إلى مكَّةَ، حتّى إذا كُنتُ ببعضِ الطَّريقِ، كُسِرت فَخِذي، فأرسلتُ إلى مكَّةَ، وبِها عبدُ الله بن عبّاسٍ، وعبدُ الله بن الزُّبير (٢) والنّاسُ، فلم يُرخِّصْ لي أحدٌ في أن أحِلَّ، فأقَمْتُ على ذلك الماءِ سبعَةَ أشهُرٍ، ثُمَّ حَلَلتُ بعُمرةٍ. ومالكٌ (٣)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ: أنَّ ابنَ حُزابةَ (٤) المخزُوميَّ صُرِع ببعضِ طريقِ مكَّةَ وهُو محُرِم بالحجِّ، فسألَ على الماءِ الذي كان عليه، فوَجَدَ عليه عبدَ الله بنَ عُمرَ وعبدَ الله بن الزُّبيرِ ومروانَ بن الحَكَم، فذكَرَ لهمُ الذي عرضَ لهُ، فكلُّهُم أمرَهُ أن يتَداوى بما لا بُدَّ منهُ ويَفْتدي، فإذا صحَّ، اعتمَرَ فحلَّ من إحرامِهِ، ثُمَّ عليه أن يحُجَّ قابِلًا ويُهدي. قال مالكٌ: وعلى ذلك الأمرُ عندَنا فيمَنْ حُبِس بغيرِ عدُوٍّ. قال مالكٌ: والمُحصَرُ الذي أرادَ اللهُ بقولِهِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] هُو: المريضُ. قال: وإنَّما جَعلنا للمُحصَرِ (٥) بالعدُوِّ أن يحِلَّ بالسُّنَّةِ، وذلكَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ حَصرَهُ العدُوُّ فحلَّ. قال مالكٌ: ولم نَجْعل لهُ الإحلالَ بالكِتابِ، وإنَّما جعلَناهُ بالسُّنَّةِ في ذلك. ذكر ذلك أحمدُ بن المُعذَّلِ، عن مالكٍ، وهُو قولُ الشّافِعيِّ.

стр. 5186

وذكر مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، قِصَّةَ أبي أيُّوبَ، إذ فاتَهُ الحجُّ. وذكَرَ (٢) عن نافع، عن سُليمانَ بن يسارٍ، قِصَّةَ هبّارِ بن الأسودِ، إذ فاتَهُ الحجُّ أيضًا، فأمَرَ (٣) عُمرُ بن الخطّابِ كلَّ واحدٍ منهُما أن يحِلَّ بعمَلِ عُمق، ثُمَّ يحُجَّ من قابِلٍ ويُهدي، فمن لم يجِدْ صامَ ثلاثةَ أيام في الحجِّ، وسَبْعةً إذا رجَعَ. وهذا أمرٌ مجُتَمَعٌ عليه فيمَنْ فاتهُ الحجُّ، بعدَ أن أحرمَ به، ولم يُدرِك عَرَفةَ، إلّا يومَ النَّحرِ. والمُحصَرُ عن عَرَفةَ بمرضٍ عندَ مالكٍ والشّافِعيِّ: كذلك. وهُو قولُ الأوزاعيِّ؛ ذكرهُ الوليدُ بن مَزْيَدٍ (٤) عنهُ، قال: من أُحصِرَ بمرضٍ، فلا يحِلُّ من شيءٍ حتّى يحِلَّ بالبيتِ. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٥): أخبرني عليُّ بن ميمُونٍ الرَّقيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ السَّخْتيانيِّ وأيُّوبَ بن موسى وإسماعيلَ بن أُميَّةَ وعُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، قال: خرجَ عبدُ الله بن عُمر، فلمّا أتَى ذا الحُلَيفةِ أهَلَّ بالعُمْرةِ، فسارَ قليلًا، فخَشِيَ أن يُصدَّ عن البيتِ، فقال: إن صُدِدتُ، صَنعتُ كما صنَعَ رسُولُ الله ﷺ . قال: والله ما سَبيلُ الحجِّ، إلّا سبيلُ العُمرةِ، أُشهِدُكُم أنِّي قَدْ أوجَبتُ مع عُمرتي

стр. 5187

حجًّا. فسارَ حتّى أتَى قُدَيْدًا، فاشْتَرى منها هديًا، ثُمَّ قدِمَ مكَّةَ فطافَ بالبيتِ سَبْعًا، وبين الصفا والمروةِ، وقال: هكذا رأيتُ رسُولَ الله ﷺ فعَلَ. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: سمِعتُ عُبيدَ الله بن عُمرَ وعبدَ العزيزِ بن أبي رَوّادٍ، يُحدِّثانِ عن نافع، قال: خرَجَ ابنُ عُمرَ يُريدُ الحجَّ، زمانَ نزَلَ الحجّاجُ بابنِ الزُّبيرِ، فقيل لهُ: إن كان بَيْنهُما قِتالٌ، خِفْنا أن نُصدَّ عن (٢) البيتِ، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، إذَنْ أصنَعَ كما صنَعَ رسُولُ الله ﷺ ، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوجَبْتُ عُمرةً. حتّى إذا كان بظهرِ البَيْداءِ، قال: ما شأنُ الحجِّ والعُمْرةِ إلّا واحدٌ، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوجتُ حَجًّا مع عُمرةٍ. وأهْدَى هديًا اشْتَراهُ بقُدَيدٍ. فانطلقَ، فقدِمَ مَكَّةَ فطافَ بالبيتِ، وبالصَّفا والمَرْوةِ، ولم يزِدْ على ذلك، لم يحلِقْ، ولم يُقصِّرْ، ولم يحللْ من شيءٍ كان أحرَمَ منهُ، حتّى كان يومُ النَّحرِ، فنحَرَ وحلَقَ، ورأى أنْ قد قَضَى طَوافَهُ للحَجِّ والعُمرةِ، بطوافِهِ الأوَّلِ، وقال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله ﷺ . وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع: أنَّ ابنَ عُمرَ أرادَ أن يحُجَّ عامَ نزلَ الحجّاجُ بابن الزُّبيرِ، فقيل لهُ: إنَّ النّاسَ كائنٌ بينهُم شيءٌ، وإنّا نخافُ أن يصدُّونا، فقال: إذَنْ نَصْنَعُ كما صنَعَ رسُولُ الله ﷺ ، أُشهِدُكُم أنِّي قد

стр. 5188

أوجَبتُ حجًّا مع عُمْرتي. قال: فانطلَقَ يُهِلُّ بهما جميعًا، حتّى قدِمَ مكَّةَ، فطافَ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمروةِ، ولم يزِدْ على ذلك، ولم ينحَرْ، ولم يحلق (١)، ولم يُقصِّر، ولم يحِلَّ من شَيءٍ حرَّمَهُ اللهُ عليه، حتّى كان يومُ النَّحرِ، فنحرَ، وحلَقَ، ورأى أنَّهُ قَدْ قَضَى طوافَ الحجِّ والعُمرةِ بطَوافِهِ ذلك الأوَّلِ، ثُمَّ قال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله ﷺ (٢). فعلى هذا، وعلى ما ذكَرْنا عن الصحابةِ في هذا البابِ (٣) من الآثارِ، مذهبُ الحِجازِّيينَ في الإحصارِ. وذكَرْنا هاهُنا رِوايةَ السَّختيانيِّ، وأيُّوب بن موسى، وإسماعيل بن أُميَّةَ، وعُبيدِ الله بن عُمر، وعبدِ العزيزِ بن أبي روّادٍ، وموسى بن عُقبةَ، عن نافع لهذا الحديثِ؛ لأنَّ في رِوايةِ جَميعِهِم فيه -عن نافع، عن ابن عُمرَ-: أنَّهُ طافَ بالبيتِ، وسَعَى بين الصَّفا والمروةِ وهُو قارِنٌ، ثُمَّ قال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله ﷺ . وليسَ ذلك في رِواية مالكٍ، عن نافع، وهي زيادةُ قوم حُفّاظٍ ثِقاتٍ، وفيها حُجَّة قاطِعة لمالكٍ ومن تابَعهُ، في القارِنِ أنَّهُ لا يطُوفُ إلّا طوافًا واحدًا، ولا يَسْعَى إلّا سعيًا واحدًا، وسَنذكُرُ هذه المسألةَ في مَوْضِعِها من هذا البابِ إن شاءَ الله. وقال أبو حَنيفةَ: المُحصَرُ بالعدُوِّ والمرَضِ سواءٌ، يَذْبحُ هديَهُ في الحَرم، ويحِلُّ قبلَ (٤) يوم النَّحرِ إن ساق هديًا، وعليه حجَّة وعُمرةٌ (٥). وهُو قولُ الطَّبريِّ.

стр. 5189

وقال أبو يوسُف ومحمدٌ: ليسَ ذلك لهُ، ولا يتحلَّلُ دُونَ يوم النَّحرِ. وهُو قولُ الثَّوريِّ، والحسن بن صالح. واتَّفق أبو حنيفةَ وأصحابُهُ في المُحصَرِ بعُمرةٍ: أنّهُ يتَحلَّلُ منها مَتَى شاءَ، ويَنْحرُ هَدْيَهُ، سواءٌ بَقِيَ الإحصارُ إلى يوم النَّحرِ، أو زالَ عنهُ. هكذا روى محمدٌ، عن أبي يوسُفَ، عن أبي حَنِيفةَ. ورَوَى زُفَرُ، عن أبي حَنِيفةَ: أنَّهُ إن بَقِيَ الإحْصارُ إلى يوم النَّحرِ، أجزَأ ذلك عنهُ، وكان عليه قَضاءُ حَجَّةٍ وعُمرةٍ، وإنْ صَحَّ قبلَ فَوْتِ الحجِّ لم يُجزِئهُ ذلك، وكان مُحرِمًا بالحجِّ على حالِهِ. قال: ولو صَحَّ في العُمرةِ بعدَ أن بعثَ بالهَدْي، فإن قدرَ على إدراكِ الهَدْيِ قبلَ أن يذبَحَ، مضَى حتّى يقضيَ عُمرتَهُ، فإن لم يقدِرْ، حلَّ إذا نُحِرَ عنهُ الهَدْيُ. وقال لسُفيانُ الثَّوريُّ: إذا أُحصِرَ المُحرِمُ بالحجِّ، بعثَ بهديِ فنُحِر عنهُ يوم النَّحرِ، وإن نُحِرَ قبلَ ذلك لم يُجزِئه (١). وجُملةُ قولِ أصحابِ الرَّأيِ، أنَّهُ إذا أُحصِرَ الرَّجُلُ، بعَثَ بهديِهِ، وواعدَ المبعُوثَ معَهُ يومًا يَذبَحُ فيه، إذا كان ذلك اليومُ، حلقَ -عندَ أبي يوسُف- أو قَصَّر، وحلَّ ورجعَ، فإن كان مُهِلًّا بحَجٍّ، قفَى حجَّةً وعُمرةً؛ لأنَّ إحرامهُ بالحجِّ صارَ عُمرةً، وإن كان قارِنًا، قَضَى حجَّةً وعُمْرتينِ، وإن كان مُهِلًّا بعُمرةٍ، قَضَى عُمرةً، وسواءٌ عندَهُمُ المُحصَرُ بالعدُوِّ، والمرَض (٢). وذكَرَ الجُوزْجانيُّ (٣)، عن محمدِ بن الحسنِ، قال: قال أبو حنيفةَ، وأبو

стр. 5190

يوسُف، ومحمدٌ: من أهلَّ بحَجٍّ فأُحصِرَ، فعليه أن يبعثَ بثَمَنِ هَدْيٍ، فيُشتَرى لهُ بمكَّةَ، فيُذبحُ عنهُ يومَ النَّحرِ ويحِلُّ وعليه عُمْرةٌ وحجَّةٌ، وليسَ عليه تَقْصيرٌ في قولِ أبي حَنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ التَّقصيرَ نُسُكٌ، وليسَ عليه من النُّسُكِ شيءٌ. وقال أبو يوسُف: يُقصِّرُ، وإن لم يَفْعل، فلا شيءَ عليه. وقالوا: إذا بعثَ بالهديِ، فإن شاءَ أقامَ مَكانهُ، وإن شاءَ انصرفَ، وإن كان مُهِلًّا بعُمرةٍ، بعثَ فاشتُري لهُ الهديُ، ويُواعِدُهُم يومًا، فإذا كان ذلك اليومُ حلَّ، وكانت عليه عُمْرةٌ مكانَها. وقالوا: إذا كان المُحصرُ قارِنًا، فإنَّهُ يَبْعثُ فيُشتَرى لهُ هديانِ فيُنحرانِ، ويحِلُّ، وعليه عُمرتانِ وحجَّة، فإن شاءَ قَضَى العُمْرتين مُتفرِّقتينِ، والحَجَّةَ بعدَ ذلك، وإن شاءَ ضمَّ إحْدَى العُمرتين إلى الحَجَّةِ. ورُوي (١) عن ابن مَسعُودٍ وعَلْقمةَ نحوُ قولِ أبي حَنيفةَ، فيمَنْ أُحصِرَ بمَرضٍ في الحجِّ والعُمرةِ سواءٌ، على اختِلافٍ عنهُما في ذلك أيضًا، وهُو قولُ الحَكَم، وحمّادٍ، وإبراهيمَ، وجماعةٍ من الكُوفيِّين (٢). وقال أبو ثَوْرٍ، فيمَنْ أُحصِرَ بعدُوٍّ، مِثلَ قولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ سواءً، وقال في المُحصَرِ بالكسرِ، أوِ المرضِ، أوِ العرَج: إنَّهُ يَحِلُّ في الموضِع الذي عرضَ لهُ ذلك فيه، ولا هَدْيَ عليه، وعليه القَضاءُ. قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من أوجَبَ القَضاءَ على المُحصرِ بعدُوٍّ: ما أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا

стр. 5191

النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عَمرِو بن ميمُونٍ، قال: سمِعتُ أبا حاضِرٍ الحِمْيريَّ (١) يُحدِّثُ، أنَّ (٢) ميمُونَ بن مِهرانَ قال: خَرَجتُ مُعتمِرًا عامَ حاصرَ أهلُ الشّام ابن الزُّبيرِ بمَكَّةَ، وبعَثَ معي رِجالٌ من قومي بهديٍ، فلمّا انتهَيتُ إلى أهلِ الشّام، مَنعُونا أن ندخُلَ الحرمَ، فنَحَرتُ الهدي مكاني، ثُمَّ حَلَلتُ، ثُمَّ رَجعتُ، فلمّا كان من العام المُقبِلِ، خَرَجتُ لأقْضِيَ عُمرتي، فأتَيتُ ابن عبّاسٍ فسألتُهُ، فقال: أبدِلِ الهديَ، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ أصحابَهُ أن يُبدِلُوا الهديَ الذي نَحرُوا عامَ الحُدَيبيةِ في عُمْرةِ القَضاءِ. وأمّا الحُجَّةُ لأبي ثَوْرٍ، ومن ذهَبَ مَذْهبَهُ، في المُحصَرِ بمرَضٍ يحِلُّ في مَوْضِعِهِ، ولا هديَ عليه، وعليه القَضاءُ؛ فما حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن حجّاج الصَّوّافِ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عِكْرِمةَ، قال: سمِعتُ الحجّاجَ بن عَمرٍو الأنصاريَّ، قال: قال رَسُولُ الله ﷺ :

стр. 5192

"من كُسِرَ، أو عرِجَ، فقد حلَّ، وعليه الحجُّ من قابِلٍ". قال عِكرِمةُ: فسألتُ ابن عبّاسٍ، وأبا هريرةَ، فقالا: صدَقَ. وأخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: أخبرنا محمدُ بن جَرير، قال (١): حدَّثني يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا (٢) إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن الحجّاج بن أبي عُثمانَ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كَثيرٍ، قال: حدَّثني عِكْرِمةُ، قال: حدَّثني الحجّاجُ بن عَمرٍو، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "من كُسِرَ، أو عرِجَ، فقد حلَّ، وعليه حَجَّةٌ أُخرَى". فحدَّثتُ به ابنَ عبّاسٍ، وأبا هريرةَ، فقالا: صدَقَ. هكذا رواهُ الحجّاجُ بن أبي عُثمان الصَّوّافُ. ورواهُ مُعاويةُ بن سلّام ومَعْمرٌ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عِكْرِمةَ، قال: قال عبدُ الله بن رافِع مولى أُمِّ سلَمةَ: أنا (٣) سألتُ الحجّاجَ بن عَمرٍو عمَّن حُبِسَ وهُو مُحرِمٌ، فقال: قال رسُولُ الله ﷺ ، فذكَر الحديثَ مِثلَهُ سواءً. قال: فحدَّثتُ بذلك ابنَ عبّاسٍ وأبا هريرةَ، فقالا: صدقَ (٤). ورواهُ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن عِكْرِمةَ، عن عبدِ الله بن رافع (٥)، عن الحجّاج بن عَمرٍو، عن النَّبيِّ ﷺ مثلهُ بمعناه إلى آخِرِهِ، من قولِ ابن عبّاسٍ، وأبي هريرةَ: صدَقَ (٦).

стр. 5193

فهذه حُجَّةُ أبي ثورٍ، ومن ذهبَ مذهبَهُ، في أنَّ المُحرِمَ إذا حبَسهُ المرضُ والكسرُ (١)، عن البَيتِ: حلَّ، ولا شيءَ عليه من هَدْي، ولا غير إلى القضاءِ في العام المُقبِل. ومِن الحُجَّةِ عليه لسائرِ العُلماءِ، الذين أوجَبُوا عليه الهديَ، ولم يُجيزُوا لهُ أن يحِلَّ ويحلِقَ حتّى ينحَرَ الهَدْيَ: القياسُ على حصرِ العدُوِّ؛ لأنَّهُ كلَّهُ مَنْعٌ عن الوُصُولِ إلى البيتِ (٢)، لقولِ الله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦]، فلمّا أمرَ اللهُ المُحصَرَ بأنْ لا يحلِقَ رأسَهُ، حتّى يبلُغَ الهديُ محِلَّهُ، عُلِي بذلكَ أنَّهُ لا يحِلُّ المُحصَرُ من إحرامِهِ، إلّا إذا حلَّ لهُ حَلْقُ رأسِهِ، ولا يحِلّ لهُ ذلك، حتّى ينحَرَ الهدي. واستدلُّوا بفِعلِ رسُولِ الله ﷺ يومَ الحُديبيةِ، أنَّهُ لم يحلِقْ رأسَهُ حتّى نحرَ، ولم يحِلَّ حتّى نحَرَ الهَدْي. أخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جَعْفرِ بن الوَردِ، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوب بن بادِي، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الله بن بُكيرٍ، قال: حدَّثني ميمُونُ بن يحيى، عن مَخْرمةَ بن بُكَيرٍ، عن أبيهِ، قال: سمِعتُ نافعًا مولى ابن عُمرَ يقولُ: إذا عرَضَ للمُحرِم عدُوٌّ، فإنَّهُ يحِلُّ حينئذٍ، وقد فعلَ ذلك رسُولُ الله ﷺ ، حَبَسهُ كُفّارُ قُريشٍ في عُمْرِة عن البيتِ، فنحَرَ هديَهُ وحلَقَ وحلَّ هُو وأصحابُهُ، ثُمَّ رَجعُوا حتّى اعْتَمرُوا من العام المُقبِل (٣). قالوا: ومَعنَى قولِ رسُولِ الله ﷺ في حَديثِ الحجّاج بن عَمرٍو: "من كُسِرَ، أو عرِجَ فقد حلَّ"، أي: فقد حلَّ لهُ أن يحِلَّ بما يحِلُّ به المُحصَرُ، من

стр. 5194

النَّحرِ أوِ الذَّبح، لا أنَّهُ قد حلَّ بذلكَ من إحرامِهِ. قالوا: وإنَّما هذا مِثلُ قولِهِم: قد حلَّت فُلانةُ للرِّجالِ: إذا انقضت عِدَّتُها، والمعنى في ذلك أنَّها تحِلُّ لهم بما يجِبُ أن تحِلَّ به من الصَّداقِ وغير من شُرُوطِ النِّكاح. قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ فيمَنْ كُسِرَ، أو عرِجَ، أنَّهُ يحِلُّ، ولكِن اختَلفُوا فيما به يحِلُّ، فقول مالك: إنَّهُ يحِلُّ بالطَّوافِ بالبيتِ، لا يحِلُّهُ غيرُهُ (١). ومن خالَفَ مالكًا في ذلك من الكُوفيِّينَ، يقولُ: يحِلُّ بالنِّيَّةَ، وفِعلِ ما يُتحلَّلُ به. على ما وَصَفنا عنهُم، وأبو ثورٍ يقولُ بظاهِرِ حديثِ الحجّاج بن عَمرٍو (٢)، على ما ذَكَرنا عنهُ، ولم يَقُل أحدٌ: إنه بنَفسِ الكَسْرِ يكونُ حلالًا، غيرُ أبي ثورٍ، وتابَعهُ داودُ، وبعضُ أصحابِهِ. قمال أبو عُمر: من زعمَ أنَّ على المُحصرِ بعُمْرةٍ قَضاءَ عُمرتِهِ التي صُدَّ فيها عن البيتِ، بعدُوٍّ كان حصرهُ، أو بغيرِ عدُوٍّ، زعمَ أنَّ اعتِمارَ رسُولِ الله ﷺ وأصحابِهِ في العام المُقبِلِ من عام الحُديبيةِ، إنَّما كان قَضاءً لتلكَ العُمرةِ. قالوا: ولذلكَ قيلَ (٣) لها: عُمرةُ القَضاءِ. واسْتَدلُّوا بقولِهِ ﷺ : "من كُسِرَ، أو عرِج فقد حلَّ، وعليه حجَّةٌ أُخرَى، أو عُمرةٌ أُخرَى". ومن زعَمَ أنَّ المُحصَرَ بعدُوٍّ، يَنْحرُ هديَهُ، ويحلِقُ رأسَهُ، وقد حَلَّ بفِعلِهِ ذلك من كلِّ شيءٍ، ولا شيءَ عليه، احتجَّ بأنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَقُل لأحدٍ منهُم: عليكُم قَضاءُ هذه العُمرةِ، ولا حُفِظَ ذلك عنهُ بوَجهٍ من الوُجُوهِ، ولا قال في العام المُقبِلِ: إنَّ عُمْرتي هذه قَضاءٌ عن العُمرةِ التي حُصِرتُ فيها، ولم يَقُل ذلك عنهُ أحدٌ. قالوا: والعُمرةُ المُسمّاةُ بعُمْرةِ القَضاءِ، هي عُمرةُ القَضيَّةِ عندَنا.

стр. 5195

قالوا: وعُمرةُ القَضاءِ وعُمرةُ القَضيَّةِ سواءٌ، وإنَّما قيل ذلك، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قاضَى قُرَيشًا وصالحهُم في ذلك العام على الرُّجُوع عن البيتِ، وقَصدِهِ من قابِلٍ إن شاءَ، فسُمِّيت بذلك عُمرةَ القَضيَّةِ. قال أبو عُمر: كلُّ ما ذكَرْنا قد قيلَ فيما وصفنا، وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في وُجُوبِ القَضاءِ على (١) المُحصَرِ بعدُوٍّ على حسَبِ ما قدَّمنا في هذا البابِ واجْتَلَبنا، ومِن جِهَةِ النَّظرِ: إيجابُ القَضاء (٢) إيجابُ فَرْضٍ، والفُرُوضُ لا تجِبُ أن تَثبُت إلّا بدليل (٣) لا مُعارِضَ لهُ، وبالله التَّوفيقُ. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا النُّفيليُّ وقُتيبةُ، قالا: حدَّثنا داودُ بن عبدِ الرَّحمن العطّارُ، عن

стр. 5196

عَمرِو بن دينارٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: اعتمَرَ رسُولُ الله ﷺ أربعَ عُمَرٍ: عُمْرةَ الحُديبيةِ، والثّانيةَ حيثُ تَواطؤوا على عُمْرةِ قابِلٍ، والثّالثةَ من الجِعرانةِ، والرّابعةَ التي قرَنَ مع حَجَّتِهِ. قال أبو عُمر: ليس في قولِهِ: "حيثُ تواطؤوا على عُمرةِ قابِلٍ" دليلٌ على أنَّها على جِهَةِ القَضاءِ، وحسبُكَ أنَّهُ قد جعَلَ عُمرةَ الحُديبيةِ -وهي التي حُصِرَ عنها رسُولُ الله ﷺ -عُمْرةً من عُمَرِهِ، وقد أجمَعُوا على أنَّ تلكَ عُمرَةٌ من عُمَرِهِ، وإنَّما اختلفُوا في العُمرةِ الرّابعةِ، فمن زعَمَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان مُفرِدًا، يقولُ: لم يَعْتمِرْ رسُولُ الله ﷺ إلّا ثلاثَ عُمَرٍ: عُمْرةَ الحُدَيبيةِ، والعُمْرةَ من قابِل، وعُمْرةَ الجِعِرّانةِ. وهُو مذهَبُ مالكٍ، وعُرْوةَ بن الزُّبيرِ، وجَماعةٍ، وسنَذكُرُ الآثارَ في ذلك، في بابِ هشام بن عُروةَ، وفي بابِ بلاغ مالكٍ إن شاءَ الله. ومن زعَمَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ تمتَّعَ في حَجَّةِ الوداع بالعُمرةِ إلى الحجِّ، أو قرَنَ الحجَّ مع العُمْرةِ، زعمَ أنَّ عُمَرَهُ كانت أربعًا ﷺ . وقد ذكَرْنا ما اعتلَّ به من جِهَةِ الأثرِ من قال: إنَّهُ كان مُفْرِدًا، وما اعتلَّ به من قال: إنَّهُ تمتَّعَ، ومن قال: إنَّهُ قرَنَ. كلُّ ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عُرْوةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله. واختلَفَ الفُقهاءُ في المُحصرِ بعدُوٍّ، أينَ ينحرُ هَدْيَهُ؟ فقال مالكٌ (١): يَنْحرُ هديَهُ حيثُ حُصِرَ في الحَرَم، وغيرِهِ. وبذلك قال الشّافِعيُّ (٢). وقال أبو حَنيفةَ (٣): لا يَنْحر إلّا في الحَرَم. وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ مجُوَّدةً، في بابِ أبي الزُّبيرِ.

стр. 5197

وكذلكَ اختَلفُوا في وُجُوبِ الحِلاقِ على المُحصَرِ. وسَنذكُرُ ذلك في البابِ الذي بعدَ هذا. وأمّا قولُ ابن عُمرَ في حديثِ هذا البابِ: ما أمرُهُما إلّا واحدٌ، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوْجَبتُ الحجَّ مع العُمرةِ، ففيه دليل على أنَّ الحجَّ يَنْعقِدُ بالنِّيَّةِ، وأنَّ العِبارةَ عن تلكَ النِّيَّةِ تكونُ بالتَّلبيةِ، وبغيرِ التَّلبيةِ. وقد تقدَّم هذا المعنى مجُوَّدًا في حديثِ نافع والحمدُ لله. وفيه: إدخالُ الحجِّ على العُمْرةِ، وذلكَ بيِّن عنهُ (١) في الأحاديثِ المذكُورةِ في هذا البابِ، من رِوايةِ مالكٍ وغيرِهِ، عن نافع، عنهُ. ولا خِلافَ بين العُلماءِ، في أنَّ للمُحرم بالعُمْرةِ إدخالَ الحجِّ على العُمرةِ، ما لم يَبْتدِئ الطَّوافَ بالبيتِ لعُمْرَتِهِ، هذا إذا كان ذلك في أشْهُرِ الحجِّ. على أنَّ جَماعةً منهُم، وهُم أكثرُ أهلِ الحِجازِ، يَسْتحِبُّونَ أن لا يُدخِلَ المُحرِمُ الحَجَّ على العُمرةِ حتّى يَفْرُغَ من عَملِها ويَفْصِلَ بينَها وبينَ العُمرةِ، ولهذا اسْتَحبُّوا العُمرةَ في غيرِ أشهُر الحجِّ. وروى مالكٌ (٢)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ قال: افْصِلُوا بين حجِّكُم وعُمْرتِكُم، فإنَّ ذلك أتمُّ لحجِّ أحَدِكُم، وأتمُّ لعُمرتِهِ أن يعتمِرَ في غيرِ أشهُرِ الحجِّ. قال أبو عُمر: هذا إفراطٌ من عُمرَ ﵀ في اسْتِحبابِ الإفْرادِ في الحجِّ، ولذلكَ قال هذا القولَ -واللهُ أعلمُ- لئلّا يَتَمتَّعَ أحدٌ بالعُمرة إلى الحجِّ، ولا يجمعَ بَيْنهُما، ويُفرِدَ كلَّ واحدٍ منهُما، فإنَّ ذلك أتمُّ لهما عندَهُ، ولا نعلمُ أحدًا من أهلِ العِلم
следующие страницы →