← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5193–5232 · переход к 5198.

стр. 5193

فهذه حُجَّةُ أبي ثورٍ، ومن ذهبَ مذهبَهُ، في أنَّ المُحرِمَ إذا حبَسهُ المرضُ والكسرُ (١)، عن البَيتِ: حلَّ، ولا شيءَ عليه من هَدْي، ولا غير إلى القضاءِ في العام المُقبِل. ومِن الحُجَّةِ عليه لسائرِ العُلماءِ، الذين أوجَبُوا عليه الهديَ، ولم يُجيزُوا لهُ أن يحِلَّ ويحلِقَ حتّى ينحَرَ الهَدْيَ: القياسُ على حصرِ العدُوِّ؛ لأنَّهُ كلَّهُ مَنْعٌ عن الوُصُولِ إلى البيتِ (٢)، لقولِ الله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦]، فلمّا أمرَ اللهُ المُحصَرَ بأنْ لا يحلِقَ رأسَهُ، حتّى يبلُغَ الهديُ محِلَّهُ، عُلِي بذلكَ أنَّهُ لا يحِلُّ المُحصَرُ من إحرامِهِ، إلّا إذا حلَّ لهُ حَلْقُ رأسِهِ، ولا يحِلّ لهُ ذلك، حتّى ينحَرَ الهدي. واستدلُّوا بفِعلِ رسُولِ الله ﷺ يومَ الحُديبيةِ، أنَّهُ لم يحلِقْ رأسَهُ حتّى نحرَ، ولم يحِلَّ حتّى نحَرَ الهَدْي. أخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جَعْفرِ بن الوَردِ، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوب بن بادِي، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الله بن بُكيرٍ، قال: حدَّثني ميمُونُ بن يحيى، عن مَخْرمةَ بن بُكَيرٍ، عن أبيهِ، قال: سمِعتُ نافعًا مولى ابن عُمرَ يقولُ: إذا عرَضَ للمُحرِم عدُوٌّ، فإنَّهُ يحِلُّ حينئذٍ، وقد فعلَ ذلك رسُولُ الله ﷺ ، حَبَسهُ كُفّارُ قُريشٍ في عُمْرِة عن البيتِ، فنحَرَ هديَهُ وحلَقَ وحلَّ هُو وأصحابُهُ، ثُمَّ رَجعُوا حتّى اعْتَمرُوا من العام المُقبِل (٣). قالوا: ومَعنَى قولِ رسُولِ الله ﷺ في حَديثِ الحجّاج بن عَمرٍو: "من كُسِرَ، أو عرِجَ فقد حلَّ"، أي: فقد حلَّ لهُ أن يحِلَّ بما يحِلُّ به المُحصَرُ، من

стр. 5194

النَّحرِ أوِ الذَّبح، لا أنَّهُ قد حلَّ بذلكَ من إحرامِهِ. قالوا: وإنَّما هذا مِثلُ قولِهِم: قد حلَّت فُلانةُ للرِّجالِ: إذا انقضت عِدَّتُها، والمعنى في ذلك أنَّها تحِلُّ لهم بما يجِبُ أن تحِلَّ به من الصَّداقِ وغير من شُرُوطِ النِّكاح. قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ فيمَنْ كُسِرَ، أو عرِجَ، أنَّهُ يحِلُّ، ولكِن اختَلفُوا فيما به يحِلُّ، فقول مالك: إنَّهُ يحِلُّ بالطَّوافِ بالبيتِ، لا يحِلُّهُ غيرُهُ (١). ومن خالَفَ مالكًا في ذلك من الكُوفيِّينَ، يقولُ: يحِلُّ بالنِّيَّةَ، وفِعلِ ما يُتحلَّلُ به. على ما وَصَفنا عنهُم، وأبو ثورٍ يقولُ بظاهِرِ حديثِ الحجّاج بن عَمرٍو (٢)، على ما ذَكَرنا عنهُ، ولم يَقُل أحدٌ: إنه بنَفسِ الكَسْرِ يكونُ حلالًا، غيرُ أبي ثورٍ، وتابَعهُ داودُ، وبعضُ أصحابِهِ. قمال أبو عُمر: من زعمَ أنَّ على المُحصرِ بعُمْرةٍ قَضاءَ عُمرتِهِ التي صُدَّ فيها عن البيتِ، بعدُوٍّ كان حصرهُ، أو بغيرِ عدُوٍّ، زعمَ أنَّ اعتِمارَ رسُولِ الله ﷺ وأصحابِهِ في العام المُقبِلِ من عام الحُديبيةِ، إنَّما كان قَضاءً لتلكَ العُمرةِ. قالوا: ولذلكَ قيلَ (٣) لها: عُمرةُ القَضاءِ. واسْتَدلُّوا بقولِهِ ﷺ : "من كُسِرَ، أو عرِج فقد حلَّ، وعليه حجَّةٌ أُخرَى، أو عُمرةٌ أُخرَى". ومن زعَمَ أنَّ المُحصَرَ بعدُوٍّ، يَنْحرُ هديَهُ، ويحلِقُ رأسَهُ، وقد حَلَّ بفِعلِهِ ذلك من كلِّ شيءٍ، ولا شيءَ عليه، احتجَّ بأنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَقُل لأحدٍ منهُم: عليكُم قَضاءُ هذه العُمرةِ، ولا حُفِظَ ذلك عنهُ بوَجهٍ من الوُجُوهِ، ولا قال في العام المُقبِلِ: إنَّ عُمْرتي هذه قَضاءٌ عن العُمرةِ التي حُصِرتُ فيها، ولم يَقُل ذلك عنهُ أحدٌ. قالوا: والعُمرةُ المُسمّاةُ بعُمْرةِ القَضاءِ، هي عُمرةُ القَضيَّةِ عندَنا.

стр. 5195

قالوا: وعُمرةُ القَضاءِ وعُمرةُ القَضيَّةِ سواءٌ، وإنَّما قيل ذلك، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قاضَى قُرَيشًا وصالحهُم في ذلك العام على الرُّجُوع عن البيتِ، وقَصدِهِ من قابِلٍ إن شاءَ، فسُمِّيت بذلك عُمرةَ القَضيَّةِ. قال أبو عُمر: كلُّ ما ذكَرْنا قد قيلَ فيما وصفنا، وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في وُجُوبِ القَضاءِ على (١) المُحصَرِ بعدُوٍّ على حسَبِ ما قدَّمنا في هذا البابِ واجْتَلَبنا، ومِن جِهَةِ النَّظرِ: إيجابُ القَضاء (٢) إيجابُ فَرْضٍ، والفُرُوضُ لا تجِبُ أن تَثبُت إلّا بدليل (٣) لا مُعارِضَ لهُ، وبالله التَّوفيقُ. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا النُّفيليُّ وقُتيبةُ، قالا: حدَّثنا داودُ بن عبدِ الرَّحمن العطّارُ، عن

стр. 5196

عَمرِو بن دينارٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: اعتمَرَ رسُولُ الله ﷺ أربعَ عُمَرٍ: عُمْرةَ الحُديبيةِ، والثّانيةَ حيثُ تَواطؤوا على عُمْرةِ قابِلٍ، والثّالثةَ من الجِعرانةِ، والرّابعةَ التي قرَنَ مع حَجَّتِهِ. قال أبو عُمر: ليس في قولِهِ: "حيثُ تواطؤوا على عُمرةِ قابِلٍ" دليلٌ على أنَّها على جِهَةِ القَضاءِ، وحسبُكَ أنَّهُ قد جعَلَ عُمرةَ الحُديبيةِ -وهي التي حُصِرَ عنها رسُولُ الله ﷺ -عُمْرةً من عُمَرِهِ، وقد أجمَعُوا على أنَّ تلكَ عُمرَةٌ من عُمَرِهِ، وإنَّما اختلفُوا في العُمرةِ الرّابعةِ، فمن زعَمَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان مُفرِدًا، يقولُ: لم يَعْتمِرْ رسُولُ الله ﷺ إلّا ثلاثَ عُمَرٍ: عُمْرةَ الحُدَيبيةِ، والعُمْرةَ من قابِل، وعُمْرةَ الجِعِرّانةِ. وهُو مذهَبُ مالكٍ، وعُرْوةَ بن الزُّبيرِ، وجَماعةٍ، وسنَذكُرُ الآثارَ في ذلك، في بابِ هشام بن عُروةَ، وفي بابِ بلاغ مالكٍ إن شاءَ الله. ومن زعَمَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ تمتَّعَ في حَجَّةِ الوداع بالعُمرةِ إلى الحجِّ، أو قرَنَ الحجَّ مع العُمْرةِ، زعمَ أنَّ عُمَرَهُ كانت أربعًا ﷺ . وقد ذكَرْنا ما اعتلَّ به من جِهَةِ الأثرِ من قال: إنَّهُ كان مُفْرِدًا، وما اعتلَّ به من قال: إنَّهُ تمتَّعَ، ومن قال: إنَّهُ قرَنَ. كلُّ ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عُرْوةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله. واختلَفَ الفُقهاءُ في المُحصرِ بعدُوٍّ، أينَ ينحرُ هَدْيَهُ؟ فقال مالكٌ (١): يَنْحرُ هديَهُ حيثُ حُصِرَ في الحَرَم، وغيرِهِ. وبذلك قال الشّافِعيُّ (٢). وقال أبو حَنيفةَ (٣): لا يَنْحر إلّا في الحَرَم. وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ مجُوَّدةً، في بابِ أبي الزُّبيرِ.

стр. 5197

وكذلكَ اختَلفُوا في وُجُوبِ الحِلاقِ على المُحصَرِ. وسَنذكُرُ ذلك في البابِ الذي بعدَ هذا. وأمّا قولُ ابن عُمرَ في حديثِ هذا البابِ: ما أمرُهُما إلّا واحدٌ، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوْجَبتُ الحجَّ مع العُمرةِ، ففيه دليل على أنَّ الحجَّ يَنْعقِدُ بالنِّيَّةِ، وأنَّ العِبارةَ عن تلكَ النِّيَّةِ تكونُ بالتَّلبيةِ، وبغيرِ التَّلبيةِ. وقد تقدَّم هذا المعنى مجُوَّدًا في حديثِ نافع والحمدُ لله. وفيه: إدخالُ الحجِّ على العُمْرةِ، وذلكَ بيِّن عنهُ (١) في الأحاديثِ المذكُورةِ في هذا البابِ، من رِوايةِ مالكٍ وغيرِهِ، عن نافع، عنهُ. ولا خِلافَ بين العُلماءِ، في أنَّ للمُحرم بالعُمْرةِ إدخالَ الحجِّ على العُمرةِ، ما لم يَبْتدِئ الطَّوافَ بالبيتِ لعُمْرَتِهِ، هذا إذا كان ذلك في أشْهُرِ الحجِّ. على أنَّ جَماعةً منهُم، وهُم أكثرُ أهلِ الحِجازِ، يَسْتحِبُّونَ أن لا يُدخِلَ المُحرِمُ الحَجَّ على العُمرةِ حتّى يَفْرُغَ من عَملِها ويَفْصِلَ بينَها وبينَ العُمرةِ، ولهذا اسْتَحبُّوا العُمرةَ في غيرِ أشهُر الحجِّ. وروى مالكٌ (٢)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ قال: افْصِلُوا بين حجِّكُم وعُمْرتِكُم، فإنَّ ذلك أتمُّ لحجِّ أحَدِكُم، وأتمُّ لعُمرتِهِ أن يعتمِرَ في غيرِ أشهُرِ الحجِّ. قال أبو عُمر: هذا إفراطٌ من عُمرَ ﵀ في اسْتِحبابِ الإفْرادِ في الحجِّ، ولذلكَ قال هذا القولَ -واللهُ أعلمُ- لئلّا يَتَمتَّعَ أحدٌ بالعُمرة إلى الحجِّ، ولا يجمعَ بَيْنهُما، ويُفرِدَ كلَّ واحدٍ منهُما، فإنَّ ذلك أتمُّ لهما عندَهُ، ولا نعلمُ أحدًا من أهلِ العِلم

стр. 5198

كَرِهَ العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ غيرَ عُمرَ ﵁، وقد ثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم تكُن عُمَرُهُ كلُّها إلّا في شوّالٍ، وقيل: في ذي القَعْدةِ، وهُما جميعًا من أشهُرِ الحجِّ. وستأتي الآثارُ في عُمَرِهِ ﷺ ، في بابِ هشام بن عُروةَ إن شاءَ الله. قال أبو عُمر: العُلماءُ مُجمِعُونَ، على أنَّهُ إذا أدخَلَ الحجَّ على العُمرةِ في أشْهُرِ الحجِّ، على ما وصَفْنا قبلَ الطَّوافِ بالبيتِ، أنَّهُ جائزٌ لهُ ذلك، ويكونُ قارِنًا بذلك (١)، يلزمُهُ ما يلزمُ الذي أنشَأَ الحجَّ والعُمرةَ معًا. وقالت طائفةٌ من أصحابِ مالكٍ: إنَّ لهُ أن يُدخِلَ الحجَّ على العُمرةِ وإن كان قد طافَ، ما لم يَرْكعْ رَكْعتيِ الطَّوافِ. وقال بعضُهُم: ذلك لهُ بعد الطَّوافِ، ما لم يُكمِلِ السَّعيَ بين الصَّفا والمروةِ (٢). وقال أشهبُ: من (٣) طافَ لعُمرتِهِ، ولو شَوْطًا واحدًا، لم يكُن لهُ إدخالُ الحجِّ عليها (٤)، وهذا هُو الصَّوابُ إن شاءَ الله. فإن فعلَ وأدخَلَ الحجَّ على العُمرةِ بعدَ ذلك، فقدِ اختَلفُوا فيما يَلْزمُ من ذلك: فقال مالكٌ: من أدخَلَ الحجَّ على العُمرةِ، بعدَ أن يَفْتتِحَ الطَّوافَ، لزِمهُ ذلك وصارَ قارِنًا (٥). ورُوي مِثلُ ذلك عن أبي حَنِيفةَ، والمشهُورُ عنهُ: أنَّهُ لا يجُوزُ إلّا قبلَ الأخذِ في الطَّوافِ، على ما قدَّمنا.

стр. 5199

وقال الشّافِعيُّ (١): لا يكونُ قارِنًا. وذكَرَ أنَّ ذلك قولُ عطاءٍ، وبه قال أبو ثَوْرٍ، وغيرُهُ. واختَلفُوا في إدخالِ العُمْرةِ على الحجِّ (٢). فقال مالكٌ: يُضافُ الحجُّ إلى العُمرةِ، ولا تُضافُ العُمرةُ إلى الحجِّ، فإن أهلَّ أحدٌ بالحجِّ، ثُمَّ أضافَ العُمرةَ إليه، فلَيْستِ العُمرةُ بشيءٍ، ولا يَلْزمُهُ شيءٌ. وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ، وهُو المشهُورُ عنهُ، قالهُ بمِصرَ. قال: من أهَلَّ بالحجِّ، لم يُدخِلِ العُمرةَ على الحجِّ، حتّى يُكمِلَ عمَلَ الحجِّ، وهُو آخِرُ أيام التَّشريقِ، إن أقامَ إلى آخِرِها، وإنْ نفرَ النَّفرَ الأوَّل، واعتمرَ يومئذٍ، لَزِمتهُ العُمرةُ؛ لأنَّهُ لم يبقَ عليه للحجِّ عَملٌ. قال: ولو أخَّرهُ كان أحبَّ إليَّ. قال: ولو أهلَّ بعُمْرةٍ من يوم النَّفرِ الأوَّلِ، كان إهلالُهُ باطِلًا؛ لأنَّهُ مَعكُوفٌ على عَملٍ من عملِ (٣) الحجِّ، ولا يخرُجُ منهُ إلّا بإكمالِهِ، والخُرُوج منهُ. وقال ببغدادَ: إذا بَدَأ فأهلَّ بالحجِّ، فقد قال بعضُ أصحابِنا: لا يُدخِلُ العُمرةَ على الحجِّ. قال: والقياسُ أنَّ أحدَهُما إذا جازَ أن يدخُل على الآخَرِ، فهُما سَواءٌ. قال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: من أهلَّ بحجَّةٍ، ثُمَّ أضافَ إلى الحجِّ عُمرةً، فهُو قارِنٌ، ويكونُ عليه ما على القارِن. قالوا: ولو طافَ لحجَّتِهِ شوطًا، ثُمَّ أهلَّ بعُمرةٍ لم يكُن قارِنًا (٤)؛ لأَنَّهُ قد عمِلَ في الحجِّ. قالوا: فإن كان إهلالُهُ بعُمرةٍ فطافَ لها شوطًا،

стр. 5200

ثُمَّ أهلَّ بحجَّةٍ لزِمتهُ، وكان قارِنًا إذا طافَ لعُمرتِهِ في أشْهُرِ الحجِّ. قالوا: والفرقُ بينهُما، أنَّ الحجَّ يدخُلُ على العُمرةِ، ولا تدخُلُ العُمرةُ على الحجِّ. قالوا: وإن أهلَّ بعُمرةٍ، وقد طافَ للحجِّ، فإنَّهُ يرفُضُها (١)، وعليه لرَفْضِها دمٌ، وعُمرةٌ مكانَها. وقال الأوزاعيُّ: لا بأسَ أن يُضيفَ العُمرةَ إلى الحجِّ بعدَما يُهِلُّ بالحجِّ. وقال أبو ثَوْرٍ: إذا أحرمَ بحجَّةٍ، فليسَ لهُ أن يُضيفَ إليها عُمرةً، ولا يُدخِلَ إحرامًا على إحرام، كما لا يُدخِلُ صَلاةً على صَلاة. قال أبو عُمر: قولُ أبي ثَوْرٍ: لا يَدْخُلُ إحرامٌ على إحْرام، كما لا تَدْخُلُ صَلاةٌ على صَلاةٍ (٢)، يَنْفي دُخُولَ الحجِّ على العُمرةِ، وهذا شُذُوذٌ، وفِعلُ ابن عُمرَ في إدخالِهِ الحجَّ على العُمْرةِ، ومعَهُ على ذلك جُمهُورُ العُلماءِ، خير من قولِ أبي ثَوْرٍ الذي لا أصلَ لهُ إلّا القياسُ الفاسِدُ في هذا الموضِع، والله المُستعانُ. ومِن هذا البابِ اختِلافُهُم فيمَنْ أهلَّ بحجَّتينِ، أو (٣) بعُمْرَتينِ، أو أدخلَ حَجَّةً على حجَّةٍ، أو عُمْرةً على عُمرِة. فقال مالكٌ: الإحرامُ بحجَّتينِ أو عُمْرتين لا يجُوزُ، ولا يلزمُهُ إلّا واحدةٌ. وبذلك قال الشّافِعيُّ، ومحمدُ بن الحسنِ (٤). قال الشّافِعيُّ: وكذلكَ لو أحرمَ بحجٍّ، ثُمَّ أدخلَ عليه حجًّا آخرَ قبلَ أن يُكمِلَ، فهُو مُهِلٌّ بحجٍّ واحدٍ، ولا شيءَ عليه في الثّاني، من فِديةٍ، ولا قضاءٍ، ولا غيرِهِ (٥).

стр. 5201

وقال أبو حنيفةَ: تَلزمُهُ الحجَّتانِ، ويصيرُ رافِضًا لإحداهما حينَ يتوجَّهُ إلى مكَّةَ (١). وقال أبو يوسُف: تلزمُهُ الحجَّتانِ، ويصيرُ رافِضًا ساعتَئذٍ. وذكر الجُوزجانيُّ (٢)، عن محمدٍ، قال: وقال أبو حنيفةَ وأبو يوسُف ومحمدٌ: من أهلَّ بحجَّتين معًا أو أكثرَ، فإنَّهُ إذا تَوَجَّه إلى مكَّةَ، وأخذَ في العَملِ، فهُو رافِضٌ لها كلِّها إلّا واحدةً، وعليه لكلِّ حَجَّةٍ رفَضَها دمٌ وحجَّة وعُمرةٌ. وأمّا قولُهُ في حديثِ ابن عُمر: ثُمَّ نفَذَ حتّى جاءَ البيتَ، فطافَ به طَوافًا واحدًا، ورأى أنَّ ذلك مجُزِئٌ عنهُ، وأهْدَى. ففيه حُجَّة لمالكٍ في قولِهِ: إنَّ طوافَ الدُّخُولِ إذا وصلَ بالسَّعيِ، يُجزِئُ عن طَوافِ الإفاضَةِ لمن تَرَكهُ جاهِلًا، أو نَسِيهُ ولم يَذْكُرْهُ حتّى رجَعَ إلى بلد، وعليه الهديُ. ولا أعلمُ أحدًا قالهُ غيرَهُ، وغيرَ أصحابِهِ، واللهُ أعلمُ. وفي رِوايةِ موسى بن عُقبةَ (٣)، وعُبيدِ الله بن عُمرَ، في حديثِ هذا البابِ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قولُهُ: ما أمرُهُما إلّا واحدٌ، وانطلقَ يُهِلُّ بهما جَميعًا حتّى قدِمَ مكَّةَ، فطافَ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمروةِ، ولم يزِدْ على ذلك، ولم يحلِقْ ولم يُقصِّرْ، ولم يحِلَّ، حتّى كان يومُ النَّحرِ، فنحَرَ وحلقَ، ورأى أنْ قد قَضَى طوافَ الحجِّ والعُمْرةِ بطوافِهِ ذلك الأوَّلِ. فهذا يُبيِّنُ لكَ أنَّ الطَّوافَ في الحجِّ واحدٌ واجِبٌ للقارِنِ وغَيرِهِ، وأنَّ من اقتَصرَ عليه، لم يُسقِط فرضًا.

стр. 5202

ولمّا أجمعُوا أنَّ من لم يَطُفْ للدُّخُولِ، وطافَ للإفاضَةِ وسَعَى، أنَّهُ يُجزِئُهُ الدَّمُ، كان -بذلكَ معَ فِعْلِ ابن عُمرَ هذا- معلُومًا أنَّ فرضَ الحجِّ طوافٌ واحدٌ، ويُعتَبرُ هذا بالمكِّيِّ أنَّهُ ليسَ عليه إلّا طَوافٌ واحدٌ، وينُوبُ أيضًا عندَ مالكٍ وأصحابِهِ في الحجِّ الطَّوافُ التَّطوُّعُ عن الواجِبِ؛ لأَنَّهُ عملٌ يُعمَلُ في زَمنٍ واحدٍ. وأمّا سائرُ الفُقهاءِ فطَوافُ الإفاضَةِ يومَ النَّحرِ واجِبٌ عندَهُم فرضًا، لقولِ الله : ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فلم يُوجِبِ الطَّوافَ إلّا بعدَ قَضاءِ التَّفَث، وذلكَ إنَّما يَتِمُّ برَمْيِ جَمْرةِ العَقَبةِ. وقد قال في الشَّعائرِ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] فجَعَلهُ بعدَها. قالوا: وأمّا طوافُ الدُّخُولِ، فسُنَّةٌ ساقِطةٌ عن المكِّيِّ والمُراهِقِ، كسُقُوطِ طَوافِ الوَداع عن الحائضِ. وفي هذا الحديثِ أيضًا حُجَّة لمالكٍ ومن قال بقولِهِ -في القارِنِ-: أنَّهُ يُجزِئُهُ طَوافٌ واحدٌ لحجِّهِ وعُمرتِهِ. وهذا موضِع اختلَفَ فيه العُلماءُ قديمًا وحديثًا، وقد ذكَرْناهُ في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، ونُعيدُ منهُ هاهُنا طَرَفًا كافيًا بعونِ الله. قال مالكٌ (١): من أهلَّ بحجَّةٍ وعُمْرةٍ، أو أدخَلَ الحجَّ على العُمرةِ، طافَ لهما طوافًا واحدًا بالبيتِ (٢)، وسَعَى لهما بينَ الصَّفا والمروةِ سعيًا واحدًا. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ. والحُجَّةُ لمن ذهَبَ هذا المذهبَ، حديثُ مالك (٣)، عن ابن شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ ... الحديثَ، قالت: وأمّا الذينَ أهلُّوا بالحجِّ، أو جَمعُوا الحجَّ،

стр. 5203

والعُمْرةَ، فإنَّما طافُوا طَوافًا واحدًا. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، والحمدُ لله. وما حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن حجّاج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرَنَ بين الحجِّ والعُمْرةِ، وطافَ لهما طَوافًا واحدًا. ورَوَى رباحُ بن أبي مَعرُوفٍ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ: أنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ لم يزيدُوا على طَوافٍ واحد (٢). وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): أخبرنا محمدُ بن منصورٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ بن موسى، عن نافع: أنَ ابنَ عُمرَ قرَنَ بين الحجِّ والعُمرةِ، وطافَ لهما طوافًا واحدًا، ثُمَّ قال: هكذا رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يفعلُ. وقد تَقدَّم في هذا البابِ حديثُ ابن عُمرَ هذا من طُرُقٍ.

стр. 5204

ورَوَى الدَّراوَرْديُّ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من قرَنَ بين الحجِّ والعُمرةِ، كفاهُ لهما طوافٌ واحدٌ، وسَعْيٌ واحدٌ، ثُمَّ لا يحِلُّ حتّى يحِلَّ منهُما جميعًا" (١). ورَوَى يحيى بن يمانٍ، عن سُفيانَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ بمَعناهُ (٢). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا الرَّبيعُ بن سُليمانَ المُؤَذِّنُ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ (٤)، عن ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجيح، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: "طَوافُكِ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمَرْوةِ، يَكْفيكِ لحجِّكِ وعُمرتِكِ". قال أبو عُمر: هذا قولُ ابن عُمرَ، وابن عبّاسٍ، وجابرٍ، وعائشةَ. وقال سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بن حيٍّ، والأوزاعيُّ: على القارِنِ طوافانِ وسَعْيانِ (٥).

стр. 5205

ومِن حُجَّتِهِم أنْ قالوا في حديثِ عائشةَ، وقولِها فيه: وأمّا الذين جَمعُوا الحجَّ والعُمْرةَ، فإنَّما طافُوا لهما طوافًا واحدًا. قالوا: أرادت جمعَ مُتعةٍ، لا جمعَ قِرانٍ. تعني أنَّهُم طافُوا طوافًا واحدًا بعد جَمعِهِم بين الحجِّ والعُمرةِ التي قد كانوا طافُوا لها: لأنَّ حَجَّتَهُم تلكَ كانت مكِّيَّةً، والحَجَّةُ المكِّيَّةُ لا يُطافُ لها قبلَ عرفةَ، وإنَّما يُطافُ لها بعدَ عرَفةَ طوافًا واحدًا. واحتجُّوا بما ذكَرهُ أبو داود، قال (١): حدَّثنا قُتَيبةُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ الذينَ كانوا معَهُ لم يطُوفُوا حتّى رَموُا الجَمْرةَ. ودَفعُوا حديثَ أبي مُعاويةَ، عن الحجّاج بن أرطاةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، بأنَّ ابنَ جُرَيج (٢)، والأوزاعيَّ (٣)، وعَمرَو بن دينار (٤)، وقَيْسَ بن سعْد (٥)، رَوَوْا عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ أصحابَهُ بفَسْخ الحجِّ في العُمرةِ وهُم على الصَّفا في آخِرِ الطَّوافِ.

стр. 5206

فهذا تمتُّع لا قِرانٌ؛ لأنَّهُم حجُّوا يَومئذٍ بعدَ ذلك، والطَّوافُ للحَجِّ بعد ذلك إنَّما يكون طوافًا واحدًا. ودَفعُوهُ أيضًا بأنَّ جعفرَ بن محمدٍ رَوَى، عن أبيهِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أفردَ الحجَّ (١). قالوا: فكيف يُقبَلُ حديثُ حجّاج بن أرطاةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قرَنَ بين الحجِّ والعُمرةِ، وطاف لهما طوافًا واحدًا، والحجّاجُ ضعيفٌ عندَهُم ليس بحُجَّةٍ؟ ودفعُوا أيضًا حديثَ الحجّاج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، بأنْ قالوا: رواهُ ابنُ جُرَيج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: لم يَطُفِ النَّبيُّ ﷺ أصحابُهُ بينَ الصَّفا والمروةِ إلّا طوافًا واحدًا (٢). قالوا: وإنَّما معنى هذا، أنَّ السَّعيَ بين الصَّفا والمروةِ لا يُصنَعُ إلّا في طوافِ القُدُوم خاصَّةً مرَّةً واحدةً. واعتَلُّوا في حديثِ الدَّراوَرْديِّ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمر، بأن قالوا: أخطأ فيه الدَّراوَرْديُّ؛ لأنَّ الجماعةَ رَوَوهُ عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قولَهُ، ولم يرفعُوهُ (٣). قالوا: وأمّا قولُ ابن عُمرَ حينَ طاف طوافًا واحدًا، وقال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله ﷺ ، فإنَّهُ أرادَ: هكذا صنَعَ رسُولُ الله ﷺ في حجَّتِهِ، طوافًا واحدًا بعدَ رُجُوعِهِ من مِنًى، ورَمْي الجَمْرةِ؛ لأنَّهُ كان في حَجَّتِهِ مُتمتِّعًا عندَ ابن عُمرَ،

стр. 5207

وقد كان طافَ لعُمرتِهِ عندَ الدُّخُولِ، وأمرَ من لم يَكُن معَهُ هدي أن يحِلَّ، ولم يحِلَّ هُو؛ لأنَّهُ (١) ساقَ الهَدْي. قالوا: فإن كان ابنُ عُمرَ جعلَ طوافَ القارِنِ، كطوافِ المُتمتِّع، فقد خالَفهُ في ذلك عليٌّ، وابنُ مسعُودٍ. وذكَرُوا ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن سُفيانَ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمن بن أُذَينةَ، أنَّهُ سألَ عليًّا عمَّن جمَعَ بينَ الحجِّ والعُمرةِ، فقال: إذا قدِمتَ مكَّةَ فطُفْ طَوافينِ بالبيتِ، وطَوافينِ بينَ الصَّفا والمروةِ، ولا تحِلَّ حتّى تنحَرَ. أو قال: حتّى يوم النَّحر (٢). وقد (٣) ذكَرْنا عليٍّ خبرَ وابن مسعودٍ من طرُقٍ، في بابِ ابن شِهابٍ. قال أبو عُمر: أمّا قولُهُم: إنَّ عائشةَ أرادَتْ بقولهِا: وأمّا الذينَ جَمعُوا الحجَّ مع العُمرةِ، فإنَّما طافُوا لهما طَوافًا واحدًا، أرادت: جمعَ مُتْعةٍ، لا جمعَ قِرانٍ، فدعَوَى لا بُرهانَ عليها. وظاهِرُ حديثِ عائشةَ وسياقُهُ يدُلُّ على أنَّها أرادتِ الذين قَرنُوا الحجَّ والعُمرةَ؛ لأنَّها فصَلَتْ بالواوِ بينَ من أهلَّ بحجّ (٤)، وبين من أهلَّ بعُمرهٍ فتمتَّعَ بها. وبين من جمَعَ الحجَّ والعُمرةَ. ثُمَّ قالت: فأمّا الذين أهلُّوا بعُمْرةٍ، فإنَّهُم طافُوا بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمروةِ، ثُمَّ حلُّوا، ثُمَّ طافُوا طوافًا آخَرَ بعد أن رَجَعُوا من مِنًى لحَجِّهِم (٥)، وأمّا الذينَ كانوا أهلُّوا بالحجِّ، أو جَمعُوا الحجَّ والعُمرةَ، فإنَّما

стр. 5208

طافُوا لهما طَوافًا واحدًا. ولم تَقُل: وأمّا الذين أهلُّوا بعُمرةٍ. تعني من تمتَّعَ، فدلَّ على أنَّها أرادت مَن قَرَنَ، واللهُ أعلمُ. وقد رَفَعَ الإشكالَ في ذلك ما أورَدْنا من الآثارِ عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ قرنَ بين الحجِّ والعُمْرةِ، وطافَ لهما طوافًا واحدًا، ولم يزِد على ذلك، وقال: هكذا صنَعَ رسولُ الله ﷺ (١). وليسَ حملُهُم على الدَّراوَرْديِّ بشيءٍ؛ لأنّهُ قد تابَعَ الدَّراوَرْديَّ: يحيى بنُ يَمانٍ، عن الثَّوريِّ، عن عُبيدِ الله، بمعنى رِوايتهِ. والدَّليلُ على صِحَّةِ ما رواهُ الدَّراوَرْديُّ، أنَّ أيُّوبَ السَّخْتيانيَّ وأيُّوبَ بن موسى وموسى بن عُقْبةَ وإسماعيلَ بن أُميَّةَ روَوْا، عن نافع، عن ابن عُمرَ، معنى ما رواهُ الدَّراوَرْديُّ، وقد ذكَرْنا أحاديثَهُم فيما مَضَى من هذا البابِ. وأمّا قولُهُم: إنَّ عائشةَ وابنَ عُمرَ أرادا بقولِهِما ذلك، جمعَ مُتعةٍ، لا جمعَ قِرانٍ، فقد مَضَى القولُ، عن عائشةَ، في ذلك. وكيفَ يجُوزُ أن يتأوَّلُوا ذلك في حديثِ ابن عُمرَ وهُم يزعُمُونَ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان قارِنًا، لا مُتمتِّعًا؟ فإن اعتلُّوا بأنَّ حديثَ ابن عُمرَ، في حَجَّةِ رسُولِ الله ﷺ ، مُختلِفٌ، قد رُوي عنهُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ تمتَعّ في حَجَّةِ الوداع. رواهُ عُقَيلٌ، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيه (٢)، ورُوي عنهُ أنَّهُ أهلَّ هُو وأصحابُهُ بالحجِّ؛ رواهُ حُميدٌ، عن بكرٍ المُزنيِّ، عنهُ (٣).

стр. 5209

قيل لهم: لمّا اضطربتِ الآثارُ عنهُ في ذلك قضَيْنا (١) برِوايةِ جابر (٢)، وعائشةَ (٣) أنَّ رسولَ الله ﷺ أفرَدَ الحجَّ، وتركنا ما سوَى ذلك. فإن ذكرُوا أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ وعبدَ الله بن مسعُودٍ كانا يقولانِ: القارِنُ يطُوفُ طَوافينِ، وَيسْعَى سَعْيين (٤). قيل لهم (٥): قد خالَفهُما ابنُ عُمر، وجابرٌ، وابنُ عبّاسٍ، وعائشةُ، فوجبَ النَّظرُ. فإن ذكَرُوا ما رواهُ الحكمُ، عن ابن أبي ليلى، عن عليٍّ، قال: أهلَّ رسُولُ الله ﷺ بعُمْرةٍ وحَجَّةٍ، فطافَ بالبيتِ لعُمرتِهِ، ثُمَّ عادَ فطافَ لحَجَّتِه (٦) (٧). قيل لهم: هذا حديثٌ مُنكرٌ، إنَّما رواهُ الحسنُ بن عُمارةَ، عن الحَكَم، فرَفَعهُ. والحسنُ بن عُمارةَ مترُوكُ الحديثِ لا يُحتجُّ بمِثلِهِ. ومِن جِهَةِ النَظرِ، قد أجمعُوا أنَّ المُحرِمَ إذا قتَلَ الصَّيدَ في الحرَم، لم يجِب عليه إلّا جزاءٌ واحدٌ. وهُو قدِ اجتمَعَ عليه حُرْمتانِ: حُرمةُ الإحرام، وحُرمةُ الحَرَم، فكذلك الطوافُ للقارِنِ. وكذلك أجمعُوا أنَّ القارِنَ يحِلُّ بحَلْقٍ واحدٍ، فكذلك الطَّوافُ أيضًا قياسًا، والله أعلمُ.

стр. 5210

وفي قوله (١): ثم نفَذَ حتى جاء البيتَ، فطاف به طوافًا واحدًا، ورأى أنه مُجزئٌ، دليلٌ واضح على أنّ الحاجَّ قارنًا كان أو غيرَ قارن، ليس عليه إلّا طوافٌ واحد، يقضي به فَرْضَه، فإن شاء جَعَله عندَ الدخول، ووَصَله بالسعي، وإن شاء جَعَله يومَ النحر، ووَصَله أيضًا بالسعي، وأنّ الإتيانَ بالطّوافَيْنِ جميعًا كمال، واتّباعٌ للسُّنّة، لا أنّ في الحجِّ طوافَيْنِ واجبَيْنِ فرضًا. ويبيِّنُ لك ما قلتُ: ما قد مضَى ذكرُه في هذا الباب، في حديث الدّراوَرْدي، عن ابن عمر: أنه لم يزدْ على ذلك الطواف. وهذا التوجيهُ يَخرُجُ على مذهب مالك وأكثر أصحابه فيمن لم يطُفْ للإفاضة، يومَ النَّحر، أو طافَه على غير وضوء ثم لم يذكُرْ حتى بَعُد جدًّا، أو بَلَغ بلدَه، أنه يُهدي، ويُجزئُه الطوافُ الأول الموصولُ بالسعي. وقالت طائفةٌ من أصحاب مالك وغيرُهم من الفقهاء: إنه ينصرفُ إليه من بلاده، إلّا أن يكونَ طافَ بعدَ رَمْي جمرة العقَبة تطوعًا، أو وَدَّع البيتَ، فإنه إنْ فَعَل ذلك أجْزأَ عنه، ويستحبُّونَ له معَ ذلك الهَدْيَ، ويُجزئُ عندَهم من عَمَل الحجِّ، التطوّعُ عن الواجب. وفيما ذكَرْنا في هذا الباب من حُجّة العراقيِّينَ والمدنيِّين ما تقومُ به (٢) الحُجّةُ لكلا الوجهَيْن، وفي سقوطِ الطواف الواحد عن المكيِّ، ما يشهدُ لما وَجّهناهُ أولًا، وقد يحتجُّ بذلك مَن أوْجَبَ طوافَ الإفاضة دونَ غيرِه. وهذه جملة يأتي بَسْطُها والاحتجاجُ بوجوهِها في غير هذا الموضع إن شاء الله. قال أبو عُمر: أمّا الأحاديثُ عن النَّبيِّ ﷺ في الحجِّ، ففي تهذيبِها وتَلْخيصِها وتمهيدِها ما يحتمِلُ أن يُفرَدَ لها كِتابٌ كبيرٌ لا يُذكَرُ فيه غيرُ ذلك، ولا سبيلَ إلى

стр. 5211

اجْتِلابِها في كِتابِنا هذا، وقد مَضَى من ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، ما فيه هِدايةٌ، وإنَّما الغَرضُ في هذا الكِتابِ أن نذكُرَ ما للعُلماءِ في معنى الحديثِ من الأقوالِ والوُجُوهِ، والأُصُولِ التي بها نَزعُوا، ومنها قالوا، وأمّا الاعتِلالُ، والإدخالُ، والمُدافعاتُ (١)، فتطويلٌ، وتكثيرٌ، وخُرُوجٌ عن تأليفِنا وشَرْطِنا لو تعرَّضنا لهُ، وبالله التَّوفيقُ، والعِصمةُ والرَّشادُ. وأمّا قولُهُ في حديثنا المذكُورِ في هذا البابِ: وأهدى، فإنَّ أهلَ العِلم اختَلَفُوا فيما على القارِنِ من الهديِ، والصيام. فرُوي عن ابن عُمرَ: أنَّ القارِنَ والمُتمتِّع على كلِّ واحدٍ منهُما هَدْي: بدنةٌ أو بقرةٌ، وكان يقولُ: ما اسْتَيسرَ من الهدي: بدنةٌ، أو بَقَرةٌ (٢). وقد رُوي عن عُمرَ (٣)، وعليٍّ، وابن عبّاسٍ، في قولِهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: شاةٌ، وعليه جُمهُورُ العُلماءِ، وجماعةُ الفُقهاءِ. وكان مالكٌ يقولُ في القارِنِ: فإن لم يَجِد، صامَ ثلاثةَ أيام في الحجِّ، وسَبْعةً إذا رجَعَ، هُو والمُتمتِّعُ في ذلك سواءٌ (٤). وكذلك قال الشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ. قال الشّافِعيُّ: يُجزِئُ القارِنَ شاةٌ. قياسًا على المُتمتِّع. قال: وهُو أخفُّ شأنًا من المُتمتِّع.

стр. 5212

وقال أبو حنيفةَ وأبو يوسُف ومحمدٌ: تجزئه شاةٌ، والبَقَرةُ أفضلُ. ولا يُجزِئُ عندَهُم إلّا الدَّمُ عن المُعسِرِ وغيرِهِ، ولا مدخلَ عِندهُم للصِّيام في هذا الموضِع، قياسًا على من جاوزَ الميقاتَ غيرَ محُرم، أو تركَ رَمْيَ الجِمارِ حتّى مضت أيامُها. قال أبو عُمر: هذا بَعِيدٌ من القياسِ، والقِرانُ بالتَّمتُّع أشبَهُ وأوْلَى أن يُقاسَ بعضُها على بعضٍ، وقد نَصَّ اللهُ في المُتمتِّع الصيامَ ثلاثةَ أيام في الحجِّ، وسَبْعةً إذا رجَعَ، إن لم يجِد هديًا، والقارِنُ مِثلُهُ، ولهُ حُكمُهُ، قياسًا ونظرًا، وبالله التَّوفيقُ. وقال مالكٌ: من حصَرهُ العدُوُّ بمكَّةَ تحلَّل بعمَلِ عُمْرةٍ، إلّا أن يكونَ مكِّيًّا، فيخرُجُ إلى الحِلِّ، ثُمَّ يتحلَّلُ بعُمْرةٍ. وقال الشّافِعيُّ: الإحصارُ بمَكَّةَ وغيرِها سواءٌ. (١) وقال أبو حَنيفةَ: إذا أتَى مكَّةَ مُحرِمًا بالحجِّ، فلا يكونُ محُصرًا. وقال مالكٌ: من وقفَ بعرَفةَ، فليسَ بمُحصَرٍ، ويُقيمُ على إحْرامِهِ حتّى يطُوفَ بالبيتِ، ويُهدي. ونحوُ ذلك قولُ أبي حنيفةَ، وهو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ، ولهُ قولٌ آخَرُ: أنَّهُ يكونُ محُصرًا. وهُو قولُ الحسنِ. وقد تَكرَّر هذا المعنَى، ومضى كثيرٌ من معاني هذا البابِ، في بابِ ابن شِهابٍ، والحمدُ لله.

стр. 5213

حديثٌ ثالث خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحلِّقينَ"، قالوا: والمُقصِّرينَ يا رسُولَ الله؟ قال: "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحلِّقينَ"، قالوا: والمُقصِّرينَ يا رسُولَ الله؟ قال: "والمُقصِّرينَ". هكذا هذا الحديثُ عندَهُم جميعًا: عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ (٢). وكذلك رواهُ سائرُ أصحابِ نافع، لم يذكُرْ واحدٌ من رُواتِهِ فيه: أنَّهُ كان يومَ الحُدَيبيةِ. وهُو تَقْصير، وحذفٌ. والمحفُوظُ في هذا الحديثِ، أنَّ دُعاءَ رسُولِ الله ﷺ -للمُحلِّقينَ ثلاثًا، وللمُقصِّرين مرَّةً- إنَّما جَرَى يومَ الحُدَيبيةِ، حين صُدَّ عن البيتِ، فنحرَ وحلَقَ، ودَعا للمُحلِّقينَ. وهذا معرُوفٌ مشهُورٌ محفُوظٌ من حديثِ ابن عُمرَ (٣)، وابن عبّاس (٤)، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، وأبي هريرةَ، وحُبْشيِّ بن جُنادةَ (٥)، وغيرِهِم.

стр. 5214

أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي إبراهيمَ الأنصاريِّ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ الخُدريُّ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يَسْتغفِرُ يومَ الحُدَيْبيةِ للمُحلِّقينَ ثلاثًا، وللمُقصِّرين مرَّةً. أخبرنا (٢) أحمدُ بن سعيدِ بن بِشرٍ، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بن قاسم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الأصْبَهانيُّ، قال: حدَّثنا يونُسُ بن حَبيبٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالِسيُّ، قال (٣): حدَّثنا هشالم، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي إبراهيمَ الأنْصاريِّ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ وأصحابَهُ حَلَقُوا رُؤُوسَهُم يومَ الحُدَيْبيةِ، إلّا عُثمانَ بن عفّانَ وأبا قَتادةَ، واستغفَرَ رسُولُ الله ﷺ للمُحلِّقينَ ثلاثًا، وللمُقصِّرينَ مرَّةً. ووجَدَتُ في أصْلِ سَماع أبي بخَطِّهِ ﵀: أنَّ محمدَ بن أحمدَ بن قاسم بن هِلالٍ حَدَّثهُم، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثمانَ الأعْناقيُّ، قال: حدَّثنا نَصْرُ بن مَرزُوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا يحيى بن زَكَريّا بن أبي زائدةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن أبي نَجيح، عن مجُاهِدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: حلَقَ رِجالٌ يومَ الحُدَيبيةِ، وقصَّرَ آخرُونَ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "رحِمَ الله المُحلِّقينَ"، قالوا: يا رسُولَ الله، والمُقصِّرين؟ قال: "رحِمَ الله المُحلِّقِينَ"،

стр. 5215

قالوا: يا رسُولَ الله، والمُقصِّرينَ (١)؟ قال: "رحِمَ الله المُحلِّقينَ"، قالوا: يا رسُولَ الله، والمُقصِّرينَ (٢)؟ قال: "والمُقصِّرينَ". قالوا: فما بالُ المُحلِّقين ظاهرتَ لهم بالتَّرحُّم؟ قال: "لم يشُكُّوا" (٣). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُف، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زياد (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الجبّارِ العُطارِديُّ، قال: حدَّثنا يونُسُ بن بُكيرٍ، قال: أخبرنا ابنُ إسحاق، فذكر بإسنادِهِ مِثلهُ (٥). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٦): حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ، عن

стр. 5216

عُمارةَ بن القَعْقاع، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ ، فذكرهُ بمعناه. فقد ثبتَ أنَّ ذلك كان عامَ الحُدَيبيةِ حينَ حُصِرَ النَّبيّ ﷺ ومُنِعَ من النُّهُوضِ إلى البيتِ، وصُدَّ عنهُ. وهذا مَوْضِعٌ اختلَف فيه العُلماءُ، فقال منهُم قائلُونَ: إذا نحَرَ المُحصَرُ هَدْيَهُ، فليسَ عليه أن يحلِقَ رأسهُ؛ لأنَّهُ قد ذهبَ عنهُ النُّسُكُ كلُّهُ. واحتجُّوا بأنَّهُ لمّا سقَطَ عنهُ بالإحصارِ جميعُ المناسِكِ، كالطَّوافِ بالبيتِ، والسَّعيِ بين الصَّفا والمرور، وذلك مِمّا يحِلّ به المُحرِمُ من إحرامِهِ، لأنَّهُ إذا طافَ بالبيتِ، حلَّ لهُ أن يحلِقَ، فيحِلّ لهُ بذلكَ الطِّيبُ واللِّباسُ، فلمّا سقطَ عنهُ ذلك كلُّهُ بالإحصارِ، سقطَ عنهُ سائرُ ما يحِلُّ به المُحرِمُ، من أجلِ أَنَّهُ محُصرٌ. ومِمَّن قال بهذا القولِ، واحتجَّ بهذه الحُجَّةِ: أبو حنيفةَ، ومحمدُ بن الحسنِ، قالا: ليسَ على المُحصَرِ تقصيرٌ ولا حِلاقٌ (١). وقال أبو يوسُف: يحلِقُ المُحصَرُ، فإن لم يحلِقْ، فلا شيءَ عليه. وخالفهُما آخرُونَ، فقالوا: يحلِقُ المُحصَرُ رأسَهُ بعدَ أن ينحرَ هَدْيَهُ، وذلكَ واجِب عليه، كما يجِبُ على الحاجِّ والمُعتمِرِ سواءً. ومن الحُجَّةِ لهم: أنَّ الطَّوافَ بالبيتِ، والسَّعيَ بين الصَّفا والمرور، ورَمْيَ الجِمارِ، قد مُنِعَ من ذلك كلِّهِ المُحصَرُ، وقد صُدَّ عنهُ، فسقَطَ عنهُ ما قد حيلَ بينهُ وبينهُ، وأمّا الحِلاقُ، فلم يُحَلْ بَيْنهُ وبينهُ، وهُو قادِر على أن يفعلَهُ، وما كان قادِرًا على أن يَفْعلَهُ فهو غيرُ ساقِطٍ عنهُ، وإنَّما يسقُطُ عنهُ ما حِيلَ بينهُ وبين عَملِهِ. وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ في الحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ، ما يَدُلُّ على

стр. 5217

أنَّ حُكْمَ الحَلْقِ باقٍ على المُحصَرينَ، كما هُو على من قد وصلَ إلى البيتِ سَواءً، لدُعائهِ للمُحلِّقين ثلاثًا، وللمُقصِّرينَ واحدةً، وهُو الحُجَّةُ القاطِعةُ (١). وإلى هذا ذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ، الحِلاقُ عندَهُم نُسُكٌ يجِبُ على الحاجِّ الذي قد أتمَّ حجَّهُ، وعلى من فاتَهُ الحجُّ، والمُحْصَرِ (٢) بعدُوٍّ، والمُحصَرِ بمرَض. وقد حكى ابنُ أبي عِمرانَ، عن ابن سماعةَ، عن أبي يوسُفَ في "نَوادِرِهِ": أنَّ عليه الحِلاقَ، أوِ التَّقصيرَ، لا بُدَّ لهُ منهُ. واختَلَف قولُ الشّافِعيِّ في هذه المسألةِ على قولين، أحدُهما: أنَّ الحِلاقَ للمُحصَرِ من النُّسُكِ. والآخرُ: ليسَ من النُّسُك. واختلَفَ العُلماءُ في المُحصَرِ، هل لهُ أن يحلِقَ، أو يحِلُّ بشيءٍ من (٣) الحِلِّ قبلَ أن ينحَرَ ما اسْتَيسرَ من الهدي؟ فقال مالكٌ (٤): السُّنّة الثّابِتةُ التي لا اختِلافَ فيها عندَنا، أَنَّهُ لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يأخُذَ من شَعْرِهِ حتّى ينحَرَ هَدْيَهُ، قال اللهُ في كِتابِه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومعنى هذا من قولِهِ فيمَنْ أتمَّ حَجَّهُ، لا في المُحصَرِ؛ لأنَّهُ قد تَقدَّم قولُهُ في المُحصَرِ: أَنَّهُ لا هَدْيَ عليه إن لم يكُن ساقَهُ معَهُ. والحِلاقُ عندَهُ للحاجِّ وللمُعْتَمِرِ سُنَّةٌ، وعلى تارِكِهِ الدَّمُ، والتَّحلُّلُ في مَذهبِهِ عندَ أصحابِهِ لا يتعلَّقُ بالحِلاق لم، وإنَّما التَّحلُّلُ الرَّميُ، أو ذهابُ زمانِهِ، أو طوافُ الإفاضَةِ، فمن (٥) تحلَّل في الحِلِّ من المُحصَرينَ، كان حِلاقُهُ فيه، ومن تحلَّل في الحَرَم، كان حِلاقُهُ فيه.

стр. 5218

والاختيارُ أن يكونَ الحِلاقُ بمِنًى، فإن لم يَكُن فبِمَكَّةَ، وحيثُما حلَقَ أجزأهُ من حِلٍّ وحَرَم. ويجِبُ حِلاقُ جميع الرَّأسِ، أو تَقْصيرُ جميعِهِ، والحِلاقُ أفْضَلُ. إلّا أنَّ النِّساءَ لا يجُوزُ لهنَّ غيرُ التَّقصيرِ، وحِلاقُهُنَّ مَعْصيةٌ عندَهُ، إن لم يكُن لضرُورةٍ. ويجُوزُ للمَريضِ أن يحلِقَ، ويَفْتدي، ولا (١) يَنْقُضُ ذلك إحرامَهُ. وجميعُ محُرَّماتِ الحجِّ لا يُفسِدُها إلّا الجِماعُ. وقد ذكَرْنا أحكامَ الفِديةِ على مَن حلقَ رأسَهُ من مَرضٍ وغير، في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ، والحمدُ لله. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: إذا حلَّ المُحصرُ قبلَ أن ينحَرَ هَدْيَهُ، فعليه دمٌ، ويعُودُ حَرامًا كما كان، حتّى ينحرَ هَدْيَهُ، وإن أصابَ صيدًا قبلَ أن ينحرَ الهَدْي، فعليه الجزاءُ (٢). قالوا: وسواءٌ (٣) المُوسِرُ في ذلك والمُعسِرُ، لا يحِلُّ أبدًا حتّى ينحرَ، أو يُنحَرَ عنهُ. قالوا: وأقلُّ ما يُهْديهِ شاةٌ، لا عمياءَ، ولا مقطُوعةِ الأُذُنينِ، وليسَ هذا عندَهُم موضِعَ صيام، ولا إطعام. وقال الشّافِعيُّ (٤) في المُحصرِ إذا أعسَرَ بالهديِ، فيه قولانِ، أحدُهُما (٥): لا يحِلُّ أبدًا إلّا بهدي. والقولُ الآخر: أنَّهُ مأمُور بأن يأتيَ بما قدرَ عليه، فإن لم يَقْدِرْ على شيءٍ، خرجَ ممّا عليه، وكان عليه أن يأتيَ به إذا قدرَ عليه. قال:

стр. 5219

ومن قال هذا قال: يحِلُّ مكانَهُ، ويذبحُ إذا قدرَ، فإن قدرَ على أن يكونَ الذَّبحُ بمَكَّةَ، لم يُجزِئهُ أن يذبحَ إلّا بها، وإن لم يقدِرْ ذبَحَ حيثُ قدرَ. قال: ويُقالُ: لا يجزئه إلّا هديٌ، ويُقالُ: إذا لم يجِد هديًا، كان عليه الإطعامُ أوِ الصِّيامُ، فإن لم يجِد واحدًا من هذه الثَّلاثة، أتى بواحدٍ منها إذا قدرَ. وقال (١) في العبدِ: لا يجزئهُ إلّا الصَّومُ إذا أُحصِرَ، تُقوَّمُ لهُ الشّاةُ دراهِمَ، ثُمَّ الدَّراهِمُ طعامًا، ثُمَّ يصُومُ عن كلِّ مُدٍّ يومًا. قال: والقولُ في إحلالِهِ قبلَ الصَّوم واحدٌ من قولينِ، أحدُهُما: يحِلُّ. والآخرُ: لا يحِلُّ حتّى يصُوم. والأوَّلُ أشبهُهُما بالقياسِ؛ لأنَّهُ أُمِرَ بالإحلالِ للخوفِ، فلا يُؤمَرُ بالإقامةِ على خَوْفٍ، والصَّومُ يُجزِئُهُ. هذا كلُّهُ، قولُهُ بمصرَ، رواهُ المُزنيُّ والرَّبيعُ عنهُ. وقال ببغدادَ في العبدِ يُعطيهِ سيِّدُهُ في التَّمتُّع والقِرانِ هَدْيًا: ذكرَ فيها الوَجْهينِ جميعًا. قال: وفيها قولٌ آخرُ: إن أَذِنَ لهُ بالتَّمتُّع، ليسَ يلزمُهُ الدَّمُ. رواهُ الحسنُ بن محمدٍ الزَّعفرانيُّ عنهُ. وذكر الرَّبيعُ عنهُ في المُحصَرِ: أَنَّهُ لو ذبَحَ ولم يحلِقْ حتّى زالَ خوفُ العدُوِّ، لم يَكُن لهُ الحِلاقُ، وكان عليه الإتمامُ؛ لأنَّهُ لم يحِلَّ حتّى صارَ غيرَ محصُور. قال: وهذا قولُ من قال: لا يَكمُلُ إحلالُ المُحرِم إلّا بحِلاقٍ. قال: ومن قال: يَكمُلُ إحلالُهُ قبلَ الحِلاقِ، والحِلاقُ أوَّلُ (٢) الإحلالِ، فإنَّهُ يقولُ: إذا ذبحَ فقد حلَّ، وليسَ عليه أن يَمْضيَ إلى وجهِهِ إذا ذبَحَ.

стр. 5220

حديثٌ رابع خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان إذا قَفَلَ من غَزْوٍ، أو حَجٍّ، أو عُمرةٍ، يُكبِّرُ على كلِّ شَرفٍ من الأرضِ ثلاثَ تَكْبيراتٍ، ثُمَّ يقولُ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ، وهُو على كلِّ شيءٍ قَديرٌ، آيِبُونَ تائبُونَ عابِدُونَ ساجِدُونَ، لربّنا حامِدُونَ، صدَقَ اللهُ وعدَهُ، ونصَرَ عبدَهُ، وهزَمَ الأحزابَ وحدَهُ". وهذا الحديثُ عندَ سالم، عن ابن عُمرَ (٢)، كما هُو عِند نافع. وقال فيه عُبيدُ الله، عن نافع، عن ابن عُمرَ: كان رسُولُ الله ﷺ إذا قفَلَ من الجُيُوشِ، أوِ السَّرايا، أوِ الحجِّ، أوِ العُمرةِ. ثُمَّ ذكر مِثلَهُ سَواءً (٣). (٤) وفي هذا الحديثِ: الحَضُّ على ذِكرِ الله وشُكرِهِ للمُسافِرِ على أوَبْتِهِ ورَجْعتِهِ. وشُكرُ الله ﵎ والثَّناءُ عليه بما هُو أهلُهُ واجِبٌ، وذِكرُ الله حَسَنٌ على كلِّ حالٍ، والحمدُ لله الكبيرِ المُتعال (٥).

стр. 5221

حديثٌ خامس خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أناخَ بالبَطْحاءِ التي بذي الحُلَيفةِ، فصلَّى بها. قال نافعٌ: وكان عبدُ الله بن عُمرَ يَفْعلُ ذلك. قال أبو عُمر: وهذا عندَ مالكٍ وغير من أهلِ العِلْم مُسْتَحَبٌّ مُسْتَحسَنٌ مرغُوبٌ فيه، كما يستحِبُّونَ أن لا يكونَ إهْلالُ المُحْرِم من ذي الحُلَيفةِ وغيرِها، إلّا بإثرِ صَلاةٍ؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ كذلك كان إحرامُهُ بإثرِ صَلاةٍ صلّاها يَومئذٍ. وليس شيءٌ ملامِمّا في هذا الحديثِ من سُنَنِ الحجِّ، ومناسِكِهِ التي يجِبُ فيها على تارِكِها فِديةٌ، أو دمٌ عندَ أهلِ العِلم، ولكِنَّهُ حَسَنٌ كما ذكرتُ لكَ عندَ جَميعِهِم، إلّا ابن عُمرَ، فإنَّهُ جَعلهُ سُنَّةً. وهذه البَطْحاءُ المذكُورةُ في هذا الحديثِ، يُعرِّفُها أهلُ المدينةِ بالمُعرَّسِ. وقال مالكٌ في "المُوطَّأ" (٢): لا يَنْبغي لأحَدٍ أن يُجاوِزَ المُعرَّسَ إذا قفَلَ راجِعًا إلى المدينةِ حتّى يُصلِّي [فيه، وإن مرَّ به في غيرِ وَقْتِ صلاةٍ، فلْيقم حتّى تحلَّ الصَّلاةُ، ثمَّ يُصلِّي] (٣) بهِ ما بَدا لهُ؛ لأنَّهُ بَلَغني أنَّ رسُولَ الله ﷺ عرَّسَ به. وقال أبو حَنِيفةَ: من مرَّ بالمُعرَّسِ من ذي الحُلَيفةِ راجِعًا من مَكَّةَ، فإن أحَبَّ أن يُعرِّسَ به حتّى يُصلِّي فعَلَ، وليسَ عليه ذلك بواجِب (٤). وقال محمدُ بن الحسنِ مُحتجًّا لهُ: بَلَغنا أنَّ رسُولَ الله ﷺ عرَّسَ به، وأنَّ ابنَ عُمرَ أناخَ به. وليسَ ذلك عندَنا من الأمرِ الواجِب، إنَّما هُو مِثلُ المنازِلِ التي نزلَ بها رسُولُ الله ﷺ من مَنازِلِ طريقِ مكَّةَ. وبَلَغنا أنًّ ابنَ عُمرَ كان يتَّبِعُ آثارهُ

стр. 5222

تلكَ، فينزِلُ بها، فلذلكَ فعلَ مِثلَ ذلك بالمُعرَّسِ، لا أنَّهُ كان يَراهُ واجِبًا على النّاسِ، ولو كان واجِبًا لقالَ فيه رسُولُ الله ﷺ وأصحابُهُ للنّاسِ ما يقِفُونَ عليه. وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ: ليسَ نُزُولُهُ ﷺ بالمُعرَّسِ، كسائرِ مَنازِلِ طريقِ مكَّةَ؛ لأنَّهُ كان يُصلِّي الفَرِيضةَ حَيْثُ أمْكَنهُ، والمُعرَّسُ إنَّما كان يُصلِّي فيه (١) نافِلةً، ولا وجهَ لمن زهَّدَ النّاسَ في الخيرِ. قال: ولو كان المُعرَّسُ كسائرِ المنازِلِ، ما أنكَرَ ابنُ عُمرَ على نافع ما تَوهَّمهُ عليه من التَّأخُّرِ عنهُ. قال: وحدَّثنا أبو ثابتٍ، عن ابن أبي حازِم، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، أنَّ ابنَ عُمرَ سَتقهُ إلى المُعرَّسِ، وأبْطَأ عليه نافعٌ، فقال لهُ: ما حبَسكَ؟ قال: فأخبرتُهُ، فقال: ظَننتُ أنَّكَ أخذتَ الطَّريقَ الأُخرَى، ولو فعلتَ لأوجَعتُكَ ضربًا. وروى اللَّيثُ، عن نافع مِثلَهُ. قال إسماعيلُ: وحدَّثنا إبراهيمُ بن الحجّاج، عن عبدِ العزيزِ بن المُختارِ، عن موسى بن عُقبةَ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَزَلَ في المُعرَّسِ من ذي الحُلَيفةِ في بَطْنِ الوادي، فقيل لهُ: إنَّكَ ببطحاءَ مُبارَكة (٢). قال أبو عُمر: وأمّا المُحصَّبُ، فمَوْضِعٌ قُربَ مكَّةَ في أعْلَى المدينة (٣)، نزَلهُ أيضًا رسُولُ الله ﷺ ، وكان مالكٌ وغيرُهُ يستحِبُّونَ النُّزولَ به، والمبيتَ والصَّلاةَ فيه، وجعلَهُ بعضُ أهلِ العِلْم من المناسِكِ التي يَنْبغي للحاجِّ نُزُولُها والمبيتُ فيها.

стр. 5223

وأكثرُهُم على أنَّ ذلك ليس من مناسِكِ الحجِّ ومَشاعِرِهِ في شيءٍ، وهُو الصَّوابُ. والمُحصَّبُ يُعرَفُ بالأبطح وبالبَطْحاءِ أيضًا، وهو خَيْفُ بني كِنانةَ، والخَيْفُ: الوادي. وروى مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أَنَّهُ كان يُصلِّي الظُّهرَ والعصرَ والمغرِبَ والعِشاءَ بالمُحصَّبِ، ثُمَّ يدخُلُ مكَّةَ من اللَّيلِ ويطُوفُ بالبيتِ. ورواهُ أيُّوبُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى الظُّهرَ والعصرَ والمغرِبَ والعِشاءَ بالبَطْحاءِ، ثُمَّ هجَعَ بها هَجْعةً، ثُمَّ دخلَ مكَّةَ. وكان ابنُ عُمرَ يفعلُهُ (٢). وروى أيُّوبُ وحُميدٌ الطَّويلُ، عن بكرِ بن عبدِ الله المُزنيِّ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ سَواءً حرفًا بحرفٍ؛ ذكَرهُ حمّادُ بن سَلَمةَ، عن أيُّوبَ وحُميدٍ جميعًا (٣). ورَوَى الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال حينَ أرادَ أن ينفِرَ من مِنًى: "نحنُ نازِلُونَ غدًا إن شاءَ اللهُ بخيفِ بني كِنانةَ، يعني المُحصَّبَ، وذلك أنَّ بني كِنانةَ تَقاسمُوا على بني هاشِم وبني المُطَّلِب". وذكر الحديثَ (٤).

стр. 5224

وروَى معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عليِّ بن حُسَينٍ، عن عَمرِو بن عُثمان، عن أُسامةَ بن زيدٍ، قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، أينَ تنزِلُ غدًا؟ في حجَّتِهِ، قال: "هل تركَ لنا عَقِيلٌ مَنْزِلًا؟ ". ثُمَّ قال: "نحنُ نازِلُونَ بخَيْفِ بني كِنانةَ، حيثُ تقاسَمَتْ قُريشٌ على الكُفرِ". يعني: المُحصَّبَ. وذكَرَ الحديثَ (١). وروى هشامُ بن عُرْوةَ، عن أبيه (٢)، عن عائشةَ، قالت: المُحصَّبُ ليسَ بسُنَّةٍ، وإنَّما هو مَنْزلٌ نَزَلهُ رسُولُ الله ﷺ ليكونَ أسمَحَ لخُرُوجِهِ، فمن شاءَ نَزَلهُ، ومن شاءَ لم يَنْزِلهُ (٣).

стр. 5225

حديثٌ سادِس خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال وهُو على المِنْبرِ، وهُو يذكُرُ الصَّدَقةَ، والتَّعفُّفَ عن المسألةِ: "اليَدُ العُلْيا خيرٌ من اليَدِ السُّفلى، واليَدُ العُلْيا هي المُنفِقةُ، والسُّفْلَى السّائلةُ". لا خِلافَ عَلِمتُهُ في إسنادِ هذا الحديثِ ولفظِهِ. واختُلِفَ فيه على أيُّوبَ، عن نافع: فرواهُ حمّادُ بن زيدٍ وعبدُ الوارث (٢)، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، فقال فيه: "اليدُ العُلْيا المُتَعفِّفةُ (٣) ". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدُ بن مُسَرهَد، قال (٤): حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "اليدُ العُلْيا خيرٌ من اليَدِ السُّفلى، اليدُ العُليا المُتعفِّفةُ، واليدُ السُّفلى السّائلةُ". قال أبو عُمر: رِوايةُ مالكٍ في قولِهِ: "اليَدُ العُليا المُنفِقةُ" أولى وأشْبَهُ بالأُصُولِ من قولِ من قال: "المُتعفِّفةُ"، بدليل حديثِ (٥) طارِقٍ المُحارِبيِّ، قال: قَدِمنا المدينةَ، فإذا رسُولُ الله ﷺ قائم على المِنْبرِ يخطُبُ النّاس، ويقولُ: "يدُ المُعطي العُلْيا، وابْدَأْ بمَن تَعُولُ، أُمَّكَ (٦) وأباكَ، وأُختَكَ وأخاكَ، ثُمَّ أدناكَ أدناكَ"؛

стр. 5226

ذكرهُ النَّسويُّ (١)، عن يوسُفَ بن عيسَى، عن الفَضْلِ بن موسى، عن يزيدَ بن زيادِ بن أبي الجَعْدِ، عن جامِع بن شدّادٍ، عن طارِقٍ المُحارِبيِّ. وفي قولِهِ: "المُنفِقةُ" آدابٌ، وفُرُوضٌ، وسُننٌ: فمِنَ الإنفاقِ فرضًا: الزَّكواتُ، والكفّاراتُ، ونَفَقةُ البنينَ، والآباءِ، والزَّوجاتِ، وما كان مِثلَ ذلك من النَّفقاتِ. ومِن الإنفاقِ سُنّةً: الأضاحيُّ، وزكاةُ الفِطرِ عندَ من رآها سُنّة لا فرضًا، وغيرُ ذلك كثيرٌ. والتَّطوُّعُ كلُّهُ أدَبٌ وسُنّةٌ مندُوب إليها، قال رسُولُ الله ﷺ : "كلُّ معرُوفٍ صَدَقة" (٢). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا أشعثُ، عن أبيهِ، عن رجُلٍ من بَني يَربُوع، قال: بَيْنا رسولُ الله ﷺ يخطُبُ النّاسَ، فسمِعتهُ (٣) يقولُ: "يَدُ المُعْطِي العُليا، أُمَّكَ وأباكَ، وأُختكَ وأخاكَ، وأدناكَ أدناكَ" (٤).

стр. 5227

ومثلُهُ حديثُ عطيَّةَ السَّعديِّ، ذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (١)، عن مَعْمرٍ، عن سِماكِ بن (٢) الفَضْلِ، عن عُرْوةَ بن محمدِ بن عَطيَّةَ السَّعديِّ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "اليَدُ العُلْيا المُعْطيةُ". ومِثلُهُ حَديثُ أبي الأحْوَصِ، عن أبيهِ مالكِ بن نَضْلةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الأيدي ثَلاثةٌ: فيَدُ الله العُلْيا، وَيدُ المُعطي التي تَلِيها، وَيدُ السّائلِ السُّفلى، أعْطِ الفَضْلَ، ولا تَعْجِزْ عن نفسِكَ"؛ ذكرهُ أبو داودَ (٣)، عن أحمد بن حَنْبل، قال (٤): حدَّثنا عَبِيدةُ (٥) بن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا أبو الزَّعراءِ، عن أبي الأحْوَصِ. وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على صِحَّةِ ما نقلَ مالكٌ، من قولِهِ: "واليَدُ العُليا المُنفِقةُ"؛ لأنَّ العُلُوَّ في الإعْطاءِ لا في التَّعفُّفِ، وقد بانَ في هذه الآثارِ ما ذكَرْنا، وبالله التَّوفيقُ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدِ بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن أبي سُليمانَ، قال: حدَّثنا سُحنُونُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني حَيْوةُ بن شُريح وابنُ لَهيعةَ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، قال: سمِعتُ القَعْقاعَ بن حَكيم، يُحدِّث عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ عبدَ العزيزِ بن مروانَ كتَبَ إليه: أن ارْفَعْ إليَّ حاجتَكَ. فكتَبَ إليه عبدُ الله بن عُمرَ يقولُ: إنِّي سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "اليَدُ العُلْيا خيرٌ من اليَدِ السُّفلى، وابْدَأْ بمَن تَعُولُ". وإنِّي

стр. 5228

لا أحسَبُ اليَدَ العُليا إلّا المُعطيةَ، ولا السُّفلى إلّا السّائلةَ، وإنِّي غيرُ سائلِكَ شيئًا، ولا رادٍّ رِزقًا ساقَهُ اللهُ إليَّ مِنكَ، والسَّلامُ (١). وقد رَوَى عن النَّبيِّ ﷺ : "اليَدُ العُليا خَيْرٌ من اليَدِ السُّفلى"، جماعةٌ من أصحابِهِ، منهُم: حَكيمُ بن حِزام (٢)، وأبو هريرةَ (٣). وهي آثارٌ صِحاحٌ كلُّها. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إباحَةُ الكلام للخَطيبِ بكلِّ ما يَصْلُحُ، مِمّا يكونُ مَوْعِظةً، أو عِلمًا، أو قُرْبةً إلى الله . وفيه: الحضُّ على الاكتِسْابِ والإنْفاقِ، ومعلُولم أنَّ الإنفاقَ لا يكونُ إلّا معَ الاكتِسابِ، وهذا كلُّهُ مُقيَّدٌ بقولِهِ ﷺ : "أجْمِلُوا في الطَّلبِ، خُذُوا ما حَلَّ، ودَعُوا (٤) ما حَرُمَ". وفيه: ذمُّ المسألةِ وعَيْبُها. وَيقْتضي ذلك حمدَ اليَأسِ، وذمَّ الطَّمَعِ فيما في أيدي الناسِ. ذَكَر عبدُ الرَّزّاقِ، عن جعفرِ بن سُليمانَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن عِكرِمَةَ بن خالدٍ، أنَّ سعدًا قال لابنِهِ حينَ حَضرهُ الموتُ: يا بُنيَّ، إنَّكَ لن تلقَى أحدًا هُو لكَ أنصَحَ مِنِّي، إذا أردتَ أن تُصلِّي، فأحسِنْ وُضُوءَكَ، ثُمَّ صلِّ صَلاةً لا تَرَى

стр. 5229

أنَّك تُصلِّي بعدَها (١)، وإيّاكَ والطَّمعَ، فإنَّهُ فَقْر حاضِرٌ، وعليكَ باليأسِ، فإنَّهُ الغِنَى، وإيّاكَ وما تَعتذرُ منهُ من العَملِ والقولِ، ثُمَّ اعمَلْ ما بَدا لكَ (٢). ورَوَى العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يَفْتحُ إنسان على نَفسِهِ بابَ مسألةٍ، إلّا فَتحَ اللهُ عليه بابَ فَقْرٍ، ولأنْ يأخُذَ الرَّجُلُ حَبْلًا فيَعْمِدَ إلى الجَبلِ فيَحْتطِبَ على ظهرِهِ، ويأكُلُ منهُ، خيرٌ لهُ من أن يسألَ النّاسَ مُعطًى، أو ممنُوعًا" (٣). وقد رُوي معنى قولِ سَعْدٍ المذكُورِ في هذا البابِ، مرفُوعًا عن النَّبيِّ ﷺ ، حدَّثناهُ سَلَمةُ بن سعيدِ بن سلمةَ بن حَفْصٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ بن أحمدَ بن مهديٍّ البَغْداديُّ، المعرُوفُ بالدّارقُطنيِّ الحافِظِ، إملاءً بمِصرَ سنةَ سِتٍّ وخمسينَ وثلاثِ مئةٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا الحَسنُ بن راشِدِ بن عبدِ ربِّهِ الواسِطيُّ، قال: حدَّثني أبي راشِدُ بن عبدِ ربِّهِ، قال: حدَّثنا نافعٌ، عن ابن عُمرَ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسُولَ الله، حدِّثني حديثًا واجعَلْهُ مُذكِّرًا لي، قال: "صلِّ صَلاةَ مُودعِّ كأنَّك تَراهُ، فإن لم تكُن تَراهُ، فإنَّهُ يراكَ، وعليكَ باليأسِ مِمّا في أيْدِي النّاسِ، تَعِشْ غنيًّا، وإيّاكَ وما تَعتذرُ منهُ" (٤). وقد مَضَى فيما يجُوزُ من السُّؤالِ، ومن يجُوزُ لهُ، ما فيه كِفاية، في بابِ زيدِ بن أسلم، عن عَطاءِ بن يسارٍ. وسيأتي تمامُ هذا البابِ بما فيه من الآثارِ، في بابِ أبي الزِّنادِ، إن شاءَ الله.

стр. 5230

حديثٌ سابعُ خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أَنَّهُ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يُسافَرَ بالقُرآنِ إلى أرْضِ العدُوِّ. قال مالكٌ: أرَى (٢) ذلك مخافَةَ أن ينالَهُ العدُوُّ. هكذا قال يحيى، والقَعْنبيُّ (٣)، وابنُ بُكيرٍ، وأكثرُ الرُّواةِ. ورواهُ ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، فقال في آخِرِهِ: "خَشْيةَ أن ينالَهُ العدُوُّ" (٤). قي سياقة الحديثِ، لم يجعلهُ من قولِ مالكٍ. وكذلك قال عُبيدُ الله بن عُمرَ (٥)، وأيُّوبُ (٦)، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى أن يُسافَرَ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ مخافَةَ أن ينالَهُ العدُوُّ. ورواهُ اللَّيثُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن رسولِ الله ﷺ : أنَّهُ كان يَنْهَى أن يُسافَرَ بالقُرآنِ إلى أرضِ العدُوِّ، يخافُ (٧) أن ينالَهُ العدُوُّ (٨).

стр. 5231

وقال إسماعيلُ بن أُميَّةَ، وليثُ بن أبي سُليم، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تُسافِرُوا بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ، فإنِّي أخافُ أن ينالَهُ العدُوُّ" (١). وكذلكَ قال شُعبةُ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ (٢). وهُو صحيحٌ مرفُوعٌ. وأجمَعَ الفُقهاءُ أنْ لا يُسافَرَ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ في السَّرايا والعَسْكرِ الصَّغيرِ المَخُوفِ عليه. واختلفُوا في جَوازِ ذلك في العَسْكرِ الكبيرِ المأمُونِ عليه (٣). فقال مالكٌ: لا يُسافَرُ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ. ولم يُفرِّق بين العَسْكرِ الكبيرِ والصَّغيرِ. وقال أبو حَنيفةَ: يُكرَهُ أن يُسافَرَ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ، إلّا في العَسْكرِ العَظيم، فإنَّهُ لا بأسَ بذلك. واختلفُوا من هذا البابِ في تَعْليم الكافِرِ القُرآنَ. فمذهبُ أبي حنيفةَ: أنَّهُ لا بأسَ بتعليم الحربيِّ والذِّمِّيِّ القُرآنَ والفِقهَ. وقال مالكٌ: لا يُعلَّمُوا القُرآنَ، ولا الكِتابَ. وكرِهَ رُقيةَ أهلِ الكِتابِ. وعن الشّافِعيِّ رِوايتانِ، إحداهُما: الكَراهةُ، والأُخرى: الجَوازُ.

стр. 5232

قال أبو عُمر: الحُجَّةُ لمن كرِهَ ذلك، قولُ الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقولُ رسُولِ الله ﷺ : "لا يَمَسَّ القُرآنَ إلّا طاهِرٌ" (١). ومعلُومٌ أنَّ من تَنْزيهِ القُرآنِ وتَعْظيمِهِ، إبعادَهُ عن الأقْذارِ والنَّجاساتِ، وفي كَوْنِهِ عندَ أهلِ الكُفرِ، تعريضٌ لهُ بذلك وإهانةٌ لهُ، وكلُّهُم أنْجاسٌ لا يَغْتسِلُونَ من جنابةٍ، ولا يَعافُونَ مَيْتةً. وقد كرِهَ مالكٌ وغيرُهُ أن يُعطَى الكافِرُ دِرْهمًا أو دينارًا فيه سُورةٌ أو آيةٌ من كِتابِ الله. وما أعلمُ في هذا خِلافًا، إذا كانت آيةً تامَّةً، أو سُورةً، وإنَّما اختَلَفُوا في الدِّينارِ والدِّرهم، إذا كان في أحدِهِما اسمٌ من أسماءِ الله، فأمّا الدَّراهِمُ التي كانت على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ، فلم يكُن عليها قُرآنٌ، ولا اسمُ الله، ولا ذِكرٌ؛ لأنَّها كانت من ضَرْبِ الرُّوم وغيرِهِم من أهلِ الكُفرِ، وإنَّما ضُرِبت دراهِمُ الإسلام في أيام عبدِ الملكِ بن مروان. وذكَرَ أحمدُ بن المُعذَّلِ، عن عبدِ الملكِ بن عبدِ العزيزِ الماجِشُونِ: أَنَّهُ سُئلَ عن الرَّجُلِ يَدخُلُ بالمُصْحَفِ أرضَ العدُوِّ، لِما لهُ في ذلك من اسْتِذكارِ القُرآنِ، والتَّعليم، ولما يخشَى أن يطُولَ به السَّفرُ فيَنْسى. فقال عبدُ الملكِ: لا يُدخَلُ أرضُ العدُوِّ بالمصاحِفِ، لِما يُخشَى من التَّعبُّثِ بالقُرآنِ، والامتِهانِ لهُ، مع أنَّهُم أنجاسٌ، ومع ما جاءَ في ذلك من النَّهيِ الذي لا يَنْبغي أن يُتعَدَّى. فإن قال قائل: أفَيجُوزُ أن يَكتُبَ المُسلِمُ إلى الكافِرِ كِتابًا فيه آيةٌ من كِتابِ الله؟ قيل لهُ: أمّا إذا دُعِيَ إلى الإسلام، أو كانت ضَرُورةٌ إلى ذلك، فلا بأسَ به،
следующие страницы →