← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5228–5267 · переход к 5233.

стр. 5228

لا أحسَبُ اليَدَ العُليا إلّا المُعطيةَ، ولا السُّفلى إلّا السّائلةَ، وإنِّي غيرُ سائلِكَ شيئًا، ولا رادٍّ رِزقًا ساقَهُ اللهُ إليَّ مِنكَ، والسَّلامُ (١). وقد رَوَى عن النَّبيِّ ﷺ : "اليَدُ العُليا خَيْرٌ من اليَدِ السُّفلى"، جماعةٌ من أصحابِهِ، منهُم: حَكيمُ بن حِزام (٢)، وأبو هريرةَ (٣). وهي آثارٌ صِحاحٌ كلُّها. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إباحَةُ الكلام للخَطيبِ بكلِّ ما يَصْلُحُ، مِمّا يكونُ مَوْعِظةً، أو عِلمًا، أو قُرْبةً إلى الله . وفيه: الحضُّ على الاكتِسْابِ والإنْفاقِ، ومعلُولم أنَّ الإنفاقَ لا يكونُ إلّا معَ الاكتِسابِ، وهذا كلُّهُ مُقيَّدٌ بقولِهِ ﷺ : "أجْمِلُوا في الطَّلبِ، خُذُوا ما حَلَّ، ودَعُوا (٤) ما حَرُمَ". وفيه: ذمُّ المسألةِ وعَيْبُها. وَيقْتضي ذلك حمدَ اليَأسِ، وذمَّ الطَّمَعِ فيما في أيدي الناسِ. ذَكَر عبدُ الرَّزّاقِ، عن جعفرِ بن سُليمانَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن عِكرِمَةَ بن خالدٍ، أنَّ سعدًا قال لابنِهِ حينَ حَضرهُ الموتُ: يا بُنيَّ، إنَّكَ لن تلقَى أحدًا هُو لكَ أنصَحَ مِنِّي، إذا أردتَ أن تُصلِّي، فأحسِنْ وُضُوءَكَ، ثُمَّ صلِّ صَلاةً لا تَرَى

стр. 5229

أنَّك تُصلِّي بعدَها (١)، وإيّاكَ والطَّمعَ، فإنَّهُ فَقْر حاضِرٌ، وعليكَ باليأسِ، فإنَّهُ الغِنَى، وإيّاكَ وما تَعتذرُ منهُ من العَملِ والقولِ، ثُمَّ اعمَلْ ما بَدا لكَ (٢). ورَوَى العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يَفْتحُ إنسان على نَفسِهِ بابَ مسألةٍ، إلّا فَتحَ اللهُ عليه بابَ فَقْرٍ، ولأنْ يأخُذَ الرَّجُلُ حَبْلًا فيَعْمِدَ إلى الجَبلِ فيَحْتطِبَ على ظهرِهِ، ويأكُلُ منهُ، خيرٌ لهُ من أن يسألَ النّاسَ مُعطًى، أو ممنُوعًا" (٣). وقد رُوي معنى قولِ سَعْدٍ المذكُورِ في هذا البابِ، مرفُوعًا عن النَّبيِّ ﷺ ، حدَّثناهُ سَلَمةُ بن سعيدِ بن سلمةَ بن حَفْصٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ بن أحمدَ بن مهديٍّ البَغْداديُّ، المعرُوفُ بالدّارقُطنيِّ الحافِظِ، إملاءً بمِصرَ سنةَ سِتٍّ وخمسينَ وثلاثِ مئةٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا الحَسنُ بن راشِدِ بن عبدِ ربِّهِ الواسِطيُّ، قال: حدَّثني أبي راشِدُ بن عبدِ ربِّهِ، قال: حدَّثنا نافعٌ، عن ابن عُمرَ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسُولَ الله، حدِّثني حديثًا واجعَلْهُ مُذكِّرًا لي، قال: "صلِّ صَلاةَ مُودعِّ كأنَّك تَراهُ، فإن لم تكُن تَراهُ، فإنَّهُ يراكَ، وعليكَ باليأسِ مِمّا في أيْدِي النّاسِ، تَعِشْ غنيًّا، وإيّاكَ وما تَعتذرُ منهُ" (٤). وقد مَضَى فيما يجُوزُ من السُّؤالِ، ومن يجُوزُ لهُ، ما فيه كِفاية، في بابِ زيدِ بن أسلم، عن عَطاءِ بن يسارٍ. وسيأتي تمامُ هذا البابِ بما فيه من الآثارِ، في بابِ أبي الزِّنادِ، إن شاءَ الله.

стр. 5230

حديثٌ سابعُ خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أَنَّهُ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يُسافَرَ بالقُرآنِ إلى أرْضِ العدُوِّ. قال مالكٌ: أرَى (٢) ذلك مخافَةَ أن ينالَهُ العدُوُّ. هكذا قال يحيى، والقَعْنبيُّ (٣)، وابنُ بُكيرٍ، وأكثرُ الرُّواةِ. ورواهُ ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، فقال في آخِرِهِ: "خَشْيةَ أن ينالَهُ العدُوُّ" (٤). قي سياقة الحديثِ، لم يجعلهُ من قولِ مالكٍ. وكذلك قال عُبيدُ الله بن عُمرَ (٥)، وأيُّوبُ (٦)، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى أن يُسافَرَ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ مخافَةَ أن ينالَهُ العدُوُّ. ورواهُ اللَّيثُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن رسولِ الله ﷺ : أنَّهُ كان يَنْهَى أن يُسافَرَ بالقُرآنِ إلى أرضِ العدُوِّ، يخافُ (٧) أن ينالَهُ العدُوُّ (٨).

стр. 5231

وقال إسماعيلُ بن أُميَّةَ، وليثُ بن أبي سُليم، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تُسافِرُوا بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ، فإنِّي أخافُ أن ينالَهُ العدُوُّ" (١). وكذلكَ قال شُعبةُ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ (٢). وهُو صحيحٌ مرفُوعٌ. وأجمَعَ الفُقهاءُ أنْ لا يُسافَرَ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ في السَّرايا والعَسْكرِ الصَّغيرِ المَخُوفِ عليه. واختلفُوا في جَوازِ ذلك في العَسْكرِ الكبيرِ المأمُونِ عليه (٣). فقال مالكٌ: لا يُسافَرُ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ. ولم يُفرِّق بين العَسْكرِ الكبيرِ والصَّغيرِ. وقال أبو حَنيفةَ: يُكرَهُ أن يُسافَرَ بالقُرآن إلى أرضِ العدُوِّ، إلّا في العَسْكرِ العَظيم، فإنَّهُ لا بأسَ بذلك. واختلفُوا من هذا البابِ في تَعْليم الكافِرِ القُرآنَ. فمذهبُ أبي حنيفةَ: أنَّهُ لا بأسَ بتعليم الحربيِّ والذِّمِّيِّ القُرآنَ والفِقهَ. وقال مالكٌ: لا يُعلَّمُوا القُرآنَ، ولا الكِتابَ. وكرِهَ رُقيةَ أهلِ الكِتابِ. وعن الشّافِعيِّ رِوايتانِ، إحداهُما: الكَراهةُ، والأُخرى: الجَوازُ.

стр. 5232

قال أبو عُمر: الحُجَّةُ لمن كرِهَ ذلك، قولُ الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقولُ رسُولِ الله ﷺ : "لا يَمَسَّ القُرآنَ إلّا طاهِرٌ" (١). ومعلُومٌ أنَّ من تَنْزيهِ القُرآنِ وتَعْظيمِهِ، إبعادَهُ عن الأقْذارِ والنَّجاساتِ، وفي كَوْنِهِ عندَ أهلِ الكُفرِ، تعريضٌ لهُ بذلك وإهانةٌ لهُ، وكلُّهُم أنْجاسٌ لا يَغْتسِلُونَ من جنابةٍ، ولا يَعافُونَ مَيْتةً. وقد كرِهَ مالكٌ وغيرُهُ أن يُعطَى الكافِرُ دِرْهمًا أو دينارًا فيه سُورةٌ أو آيةٌ من كِتابِ الله. وما أعلمُ في هذا خِلافًا، إذا كانت آيةً تامَّةً، أو سُورةً، وإنَّما اختَلَفُوا في الدِّينارِ والدِّرهم، إذا كان في أحدِهِما اسمٌ من أسماءِ الله، فأمّا الدَّراهِمُ التي كانت على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ، فلم يكُن عليها قُرآنٌ، ولا اسمُ الله، ولا ذِكرٌ؛ لأنَّها كانت من ضَرْبِ الرُّوم وغيرِهِم من أهلِ الكُفرِ، وإنَّما ضُرِبت دراهِمُ الإسلام في أيام عبدِ الملكِ بن مروان. وذكَرَ أحمدُ بن المُعذَّلِ، عن عبدِ الملكِ بن عبدِ العزيزِ الماجِشُونِ: أَنَّهُ سُئلَ عن الرَّجُلِ يَدخُلُ بالمُصْحَفِ أرضَ العدُوِّ، لِما لهُ في ذلك من اسْتِذكارِ القُرآنِ، والتَّعليم، ولما يخشَى أن يطُولَ به السَّفرُ فيَنْسى. فقال عبدُ الملكِ: لا يُدخَلُ أرضُ العدُوِّ بالمصاحِفِ، لِما يُخشَى من التَّعبُّثِ بالقُرآنِ، والامتِهانِ لهُ، مع أنَّهُم أنجاسٌ، ومع ما جاءَ في ذلك من النَّهيِ الذي لا يَنْبغي أن يُتعَدَّى. فإن قال قائل: أفَيجُوزُ أن يَكتُبَ المُسلِمُ إلى الكافِرِ كِتابًا فيه آيةٌ من كِتابِ الله؟ قيل لهُ: أمّا إذا دُعِيَ إلى الإسلام، أو كانت ضَرُورةٌ إلى ذلك، فلا بأسَ به،

стр. 5233

لِما رواهُ الزُّهريُّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ابن عبّاسٍ، قال: أخبرني أبو سُفيان بن حَرْبٍ، فذكَرَ قِصَّةَ هِرَقلَ، وحديثَهُ بطُولِهِ، وفيه قال: فقَرَأ كِتابَ رسُولِ الله ﷺ ، وإذا فيه: "بِسْم الله الرَّحمن الرَّحيم، من محمدٍ عبدِ الله ورسُولِهِ، إلى هِرَقلَ عَظيم الرُّوم، سلامٌ على من اتَّبعَ الهُدى، أمّا بعدُ: فإنِّي أدعُوكَ بدعايةِ (١) الإسلام، أسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسلِمْ يُؤتِكَ اللهُ أجرَكَ مرَّتينِ، فإن تَولَّيتَ، فعليكَ إثمُ الأرِيسيِّينَ (٢)، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ الآيةَ (٣) (٤) [آل عمران: ٦٤].

стр. 5234

حديثٌ ثامِنُ خمسين لنافع، عن ابن عُمر مالكٌ (١)، عن نافع: أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ كان إذا سُئلَ عن صَلاةِ الخوفِ قال: يتَقدَّمُ الإمامُ بطائفةٍ من النّاسِ، فيُصلِّي بهم رَكعةً، وتكونُ طائفة منهُم بَيْنهُ وبين العدُوِّ لم يُصلُّوا، فإذا صَلَّى الذين معَهُ ركعةً، اسْتَأخرُوا مكان الذينَ لم يُصلُّوا، ولا يُسلِّمُونَ، ويتقدَّمُ الذين لم يُصلُّوا فيُصلُّونَ معَهُ رَكعةً، ثُمَّ ينصرِفُ الإمامُ وقد صَلَّى رَكعتين، فيقومُ كلُّ واحدٍ من الطّائفتينَ، فيُصلُّونَ لأنفُسِهِم رَكْعةً رَكْعةً بعدَ أن ينصرِفَ الإمامُ، فيكونُ كلُّ واحدٍ من الطّائفتينِ قد صلَّوا رَكْعتينِ، فإن كان خوفًا هُو أشدُّ من ذلك، صلَّوا رِجالًا قيامًا على أقدامِهِم، أو رُكبانًا مُسْتقبِلي القِبلَةِ، أو غيرَ مُسْتقبِليها. قال مالكٌ: قال نافعٌ: لا أرَى ابنَ عُمرَ حدَّثهُ إلّا عن رسُولِ الله ﷺ . هكذا روى مالكٌ هذا الحديثَ، عن نافع، على الشَّكِّ في رَفْعِهِ. ورواهُ عن نافع جَماعة، ولم يشُكُّوا في رَفْعِهِ، ومِمَّن رواهُ كذلك مرفُوعًا، عن نافع، عن ابن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ : ابنُ أبي ذِئبٍ، وموسى بن عُقبةَ، وأيُّوبُ بن موسى (٢). وكذلك رواهُ الزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ (٣). وكذلك رواهُ خالدُ بن مَعْدانَ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ (٤).

стр. 5235

أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (١) بن عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا محبُوبُ بن موسى، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدٍ الفَزاريُّ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قامَ رسُولُ الله ﷺ بطائفةٍ من أصْحابِهِ خلفَهُ، وقامَتْ طائفةٌ بينهُ وبين العَدُوِّ، فصلَّى بالذينَ خلفَهُ ركعةً وسَجْدَتينِ، ثُمَّ انطلَقُوا فقامُوا في مَقام أُولئكَ، وجاءَ الآخرُونَ، فصلَّى بهمْ ركعةً وسَجْدَتينِ، ثُمَّ سلَّمَ رسُولُ الله ﷺ وقد تمَّت صَلاتُهُ، ثُمَّ صلَّتِ الطّائفتانِ كلُّ واحدةٍ منهُما رَكْعةً، رَكْعةً (٢). أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ؛ قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريع. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): حدَّثنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، عن يزيدَ بن زُريع، قال: حدَّثنا مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى بإحْدَى الطّائفتينِ رَكْعةً، والطّائفةُ الأُخْرَى مُواجِهةُ العدُوِّ، ثُمَّ

стр. 5236

انصرَفُوا فقامُوا في مَقام أُولئكَ، وجاءَ أُولئكَ فصَلَّى بهم رَكْعةً أُخرَى، ثُمَّ سلَّمَ عليهم، ثُمَّ قامَ هؤُلاءِ يَقْضُونَ رَكْعتَهُم، وقامَ هؤُلاءِ يَقْضون رَكْعتَهُم. قال أبو داودَ (١): وكذلكَ رَوَى نافعٌ وخالدُ بن مَعْدانَ، عن ابن عُمرَ. قال: وكذلكَ قولُ مسرُوقٍ ويوسُفَ بن مِهرانَ، عن ابن عبّاسٍ. وكذلك رَوَى الحسنُ، عن أبي موسى فِعْلَهُ. ورواهُ أبو حُرَّة، عن الحسنِ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ (٢). قال: وكذلك رِوايةُ أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: ورَوَى أبو العاليةِ الرِّياحيُّ، عن أبي موسى مِثلَهُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن بِشرٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ: أنَّ أبا موسى كان بالدّارِ من أصْبَهانَ، وما كان بها يومَئذٍ كبيرُ خوفٍ، ولكِن أحبَّ أن يُعلِّمَهُم دينَهُم وسُنّةَ نبيِّهِم ﷺ ، فجَعلهم صفَّينِ، طائفةً معَها السِّلاحُ مُقبِلةٌ على عدُوِّها، وطائفةً من وَرائهِ، فصلَّى بالذينَ يَلُونهُ رَكْعةً، ثُمَّ نَكَصُوا على أدبارِهِم حتّى قامُوا مقامَ الآخَرينَ يَتَخلَّلُونهُم، وجاءَ الآخرُونَ حتّى قامُوا وَراءَهُ، فصلَّى بهم رَكْعةً أُخرَى، ثُمَّ سلَّمَ، فقامَ الذينَ يلُونهُ والآخرُونَ فصلَّوا ركعةً ركعةً، ثمَّ سلَّمَ بعضُهُم على بعضٍ، فتمَّت للإمام ركعتانِ في جماعةٍ، وللنّاسِ رَكْعةٌ، رَكْعةٌ. قال أبو عُمر: يعني: معَ الإمام، وقضَوْا رَكْعةً رَكْعةً.

стр. 5237

وبحديثِ ابن عُمرَ هذا المذكُورِ في هذا البابِ وما كان مِثلَهُ، مِثلُ حديثِ أبي موسى هذا وشِبهِهِ في صلاةِ الخوفِ، قال جماعةٌ من أهلِ العِلم، منهُم: الأوزاعيُّ، وإليه ذهَبَ أشهبُ بن عبدِ العزيزِ صاحِبُ مالكٍ. وأمّا مالكٌ وسائرُ أصحابِهِ غيرَ أشهبَ، فإنَّهُم كانوا يَذْهبُونَ في صَلاةِ الخوفِ إلى حَديثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمَةَ، وهُو ما رواهُ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خَوّاتٍ الأنصاريِّ، أنَّ سهلَ بنَ أبي حثمةَ حدَّثهُ: أنَّ صَلاةَ الخوفِ: أن يقومَ الإمامُ ومعَهُ طائفةٌ من أصحابِهِ، وطائفةٌ مُواجِهة العَدُوَّ، فيَرْكعُ الإمامُ رَكْعةً، ويسجُدُ بالذين معَهُ، ثُمَّ يقومُ، فإذا اسْتَوَى قائمًا ثَبَت (٢) وأتمُّوا لأنفُسِهِمُ الرَّكعةَ الباقيةَ، ثُمَّ سلَّمُوا وانصرفُوا والإمامُ قائمٌ، فكانوا وِجاهَ العدُوِّ، ثُمَّ يكبِلُ الآخرُونَ الذين لم يُصلُّوا فيُكبِّرُونَ وراءَ الإمامَ، فيَرْكعُ (٣) بهم، وَيسْجُدُ، ثُمَّ يُسلِّمُ، فيقومُونَ، فيَرْكعُونَ لأنفُسِهِمُ الرَّكعةَ الباقيةَ ويُسلِّمُونَ. وقال ابنُ القاسم وابنُ وَهْب وأشهبُ وغيرُهم، عن مالكٍ: أَنَّهُ سُئلَ فقيل لهُ: أيُّ الحديثين أحبُّ إليكَ أن يُعمَلَ به، حديثُ صالح بن خَوّاتٍ، أو حديثُ سهلِ بن أبي حَثْمةَ؟ فقال: أحبُّ إليَّ أن يُعمَلَ بحديثِ سهلِ بن أبي حَثْمةَ، يقومُونَ بعد سلام الإمام فتقْضُون الرَّكعةَ التي عليهم، ثُمَّ يُسلِّمُونَ لأنفُسِهِم. وقال ابنُ القاسم: العملُ عندَ مالكٍ في صَلاةِ الخوفِ، على حديثِ القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خوّاتٍ. قال: وقد كان مالكٌ يقولُ بحديثِ يزيدَ بن رُومانَ، ثُمَّ رَجَع إلى هذا (٤).

стр. 5238

قال أبو عُمر: حديثُ القاسم، وحديثُ يزيدَ بن رُومانَ، كِلاهُما عن صالح بن خوّاتٍ. إلّا أنَّ بينهُما فَصْلًا في السَّلام، ففي حديثِ القاسم: أنَّ الإمامَ يُسلِّمُ بالطّائفةِ الثّانيةِ، ثُمَّ يقومُونَ فيقضُونَ الرَّكعةَ. وفي حديثِ يزيدَ بن رُومانَ: أنَّهُ ينتظِرُهُم، ويُسلِّمُ بهم. وقد تقدَّم في هذا البابِ حديثُ القاسم، من رِوايةِ مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم (١). وأمّا حديثُ يزيدَ بن رُومانَ، فذكَرهُ أيضًا في "المُوطَّأ" (٢) مالكٌ، عن يزيدَ بن رُومانَ، عن صالح بن خوّاتٍ، عمَّن صلَّى مع النَّبيِّ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ يومَ ذاتِ الرِّقاع: أنَّ طائفةً صفَّتْ (٣) معَهُ، وطائفةً وِجاهَ العدُوِّ، فصلَّى بالذين معَهُ ركعةً، ثُمَّ ثبتَ قائمًا، وأتمُّوا لأنفُسِهِم، ثُمَّ جاءَتِ الطّائفةُ الأُخرى فصلَّى بهم، ثُمَّ ثبتَ جالِسًا فأتمُّوا لأنفُسِهِم، ثُمَّ سلَّمَ بهم. وبهذا الحديثِ، قال الشّافِعيُّ وإليه ذهبَ. قال الشّافِعيُّ (٤): حديثُ صالح بن خوّاتٍ هذا أشبَهُ الأحاديثِ في صَلاةِ الخَوْفِ بظاهِرِ كِتابِ الله ، وبه أقول. ومن حُجَّتِهِ: أنَّ اللهَ ذكَرَ استِفتاحَ الإمام ببَعضِهِم، لقولِهِ: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، ثُمَّ قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].

стр. 5239

وذكَرَ انصِرافَ الطّائفتينِ والإمام من الصَّلاةِ معًا بقولِهِ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، وذلك للجميع لا للبعضِ، ولم يذكُر أنَّ على واحدٍ منهُم قَضاءً. وفي الآيةِ أيضًا دليل على أنَّ الطّائفةَ الثّانيةَ لا تَدخُلُ في الصَّلاةِ إلّا بعد انصِرافِ الطّائفةِ الأُولى، بقولِهِ: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا﴾ [النساء: ١٠٢]. وهُو خِلافُ ظاهِرِ حديثِ أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ (١)، وما كان مِثلَهُ في صلاةِ الخَوْفِ. وفي قولِهِ: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ دليلٌ على أنَّ الطّائفةَ الثّانيةَ تَنْصرِفُ ولم يبقَ عليها من الصَّلاةِ شيءٌ تَفْعلُهُ بعدَ الإمام. بهذا كلِّهِ نزعَ بعضُ من يحتجُّ للشّافِعيِّ، لأخذ بحديثِ يزيدَ بن رُومانَ، لِما فيه من انتِظارِ الإمام الطّائفةَ الثّانيةَ، حتّى يُسلِّمَ بهم. ومن حُجَّةِ مالكٌ -في اختياره حديثَ القاسم بن محمدٍ، في سَلام الإمام قبلَ الطّائفةِ الثّانيةِ، وقَضائها الرَّكْعةَ الثّانية بعد سَلامِهِ -القياسُ على سائرِ الصَّلواتِ، في أنَّ الإمامَ ليسَ لهُ أن ينتظِرَ أحدًا سَبقهُ بشيءٍ، وأنَّ السُّنّةَ المُجتَمَعَ عليها، أن يَقْضيَ المأمُومُونَ ما سُبِقُوا به بعدَ سلام الإمام. وقولُ أبي ثَوْرٍ في ذلك، كقولِ مالكٍ، بحديثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ في رِوايةِ القاسم، عن صالح بن خَوّاتٍ، قال: يُسلِّمُ الإمامُ، ثُمَّ تقومُ الطّائفةُ الأُخْرَى فتَقْضي رَكْعتَها. ولم يختلِفْ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، أنَّ الإمامَ إذا قَرَأ في الرَّكعةِ الثّانيةِ بأُمِّ القُرآنِ وسُورةٍ، قبلَ أن تأتيَ الطّائفةُ الأُخرَى، ثُمَّ أتَتهُ فركَعَ بها حينَ

стр. 5240

دخلَتْ معَهُ قبلَ أن يقرؤُوا شيئًا، أنَّهُ يُجْزئهُمْ، إلّا أنَّ الشّافِعيَّ قال: إذا أدركُوا معَهُ ما يُمكِنُهُم فيه قِراءةُ أُمِّ القُرآنِ، فلا يُجْزئهُمْ إلّا أن يقرؤُوها. وقولُ أحمد بن حَنْبل في صَلاةِ الخَوْفِ، كقولِ الشّافِعيِّ سواءً، على حديثِ يزيدَ بن رُومانَ، هُو المُختارُ عندَ أحمد، وكان لا يَعِيبُ من فعَلَ شيئًا من الأوجُهِ المرويَّةِ في صَلاةِ الخوفِ. قال الأثرمُ (١): قلتُ لأحمدَ بن حَنْبل: صلاةُ الخَوْفِ تقولُ فيها بالأحاديثِ كلِّها، كلُّ حديثٍ في مَوْضِعِهِ، أم تختارُ (٢) واحدًا منها؟ فقال: أنا أقولُ: من ذهَبَ إلى واحدٍ منها، أو ذهَبَ إليها كلِّها، فحسنٌ، وأمّا حديثُ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ، فأنا أختارُهُ، لأنَّهُ أنْكَأُ للعدُوِّ. قلتُ لهُ: حديثُ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ تَسْتعمِلُهُ مُسْتقبِلي القِبْلةِ كان العدُوُّ، أو مُستدبِريها؟ قال: نعم، هُو أنكأُ فيهم؟ لأنَّهُ يُصلِّي بطائفةٍ، ثُمَّ يذهبُونَ، ويُصلِّي بطائفةٍ أُخرى، ثُمَّ يذهبُونَ. واختارَ داودُ، وطائفةٌ من أصحابِهِ حديثَ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ أيضًا في صلاةِ الخَوْف (٣). وكان عبدُ الرَّحمن بن مَهْديٍّ، ويحيى بن يحيى النَّيسابُوريُّ يختارُونَ في صلاةِ الخَوْفِ حديثَ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ. رواهُ (٤) شُعبةُ، عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن صالح بن خوّاتٍ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ، عن النَّبيِّ ﷺ (٥)، مِثلَ حديثِ مالكٍ، عن يزيدَ بن رُومانَ،

стр. 5241

عن صالح بن خوّاتٍ سَواءً، حرفًا بحرفٍ. كذلكَ رواهُ مُعاذُ بن مُعاذٍ العَنْبريُّ، عن شُعبَةَ. وأمّا أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، إلّا أبا يوسُفَ، فإنَّهُم ذهَبُوا إلى ما رواهُ الثَّوريُّ وشَريكٌ وزائدةُ وابنُ فُضَيلٍ، عن خُصيفٍ، عن أبي عُبَيدةَ بن عبدِ الله بن مسعُودٍ، عن أبيهِ، قال: صلَّى رسُولُ الله ﷺ صلاةَ الخوفِ بطائفةٍ، وطائفةٌ مُسْتَقبِلي العدُوِّ، فصلَّى بالذينَ وراءَهُ رَكْعةً وسَجْدتينِ وانصرَفُوا ولم يُسلِّمُوا، فوَقَفُوا بإزاءِ العدُوِّ، ثُمَّ جاءَ الآخرُونَ فقامُوا مَقامَهُم، فصلَّى بهم رَكْعةً ثُمَّ سلَّمَ، فقامَ هؤُلاءِ فصلَّوا لأنفُسِهِم رَكْعةً، ثُمَّ سلَّمُوا، وذهَبُوا فقامُوا مقامَ أُولئكَ مُسْتقبِلي العدُوِّ، ورجعَ أُولئكَ إلى مَراتِبِهِم، فصلَّوا لأنفُسِهِم رَكْعةً، ثُمَّ سلَّمُوا (١). ورَوَى أبو الأسودِ، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن مَرْوانَ، عن أبي هريرةَ، قال: صلَّيتُ مع رسُولِ الله ﷺ عامَ نَجْدٍ صلاةَ الخَوْفِ، قال: فقامَتْ طائفةٌ معَهُ، وطائفةٌ أُخرَى مُقابِلَ العدُوِّ وظُهُورُهُم إلى القِبْلة (٢). فذكَرَ مِثلَ حديثِ ابن مسعُودٍ سَواءً، إلّا أنَّهُ ليسَ في حديثِ ابن مسعُودٍ: وظُهُورُهُم إلى القِبلةِ، ولا فيه ما يُخالِفُ ذلك.

стр. 5242

فالمَعْنى عِندي في حديثِ ابن مسعُودٍ، وحديثِ أبي هريرةَ، وحديثِ ابن عُمر المذكُورِ في هذا البابِ واحدٌ، في أنَّ الطّائفتين كِلْتَيهِما لا تَقْضي كلُّ واحدةٍ مِنْهُما رَكْعتَها، إلّا بعد سَلام الإمام. وكان الثَّوريُّ مرَّةً يقولُ بحديثِ ابن مسعُودٍ، كقولِ أبي حَنِيفةَ. ومرَّةً بحديثهِ عن منصُورٍ، عن مجُاهِدٍ، عن أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ، قال: كُنّا معَ رسُولِ الله ﷺ بعُسْفانَ، وعلى المُشرِكين خالدُ بن الوَليدِ. فذكر الحديث (١). وفيه: والعدُوُّ بينهُم وبين القِبْلةِ. قال: فأمَرَهُم رسُولُ الله ﷺ فأخَذُوا السِّلاح، ثُمَّ قامُوا خلفَهُ صفَّينِ: صفٌّ بعدَ صَفٍّ، فكبَّرَ رسُولُ الله ﷺ ، وكبَّرُوا جميعًا، ثُمَّ ركَعَ ورَكَعُوا جميعًا، ثُمَّ رفَعَ ورَفعُوا جميعًا، ثُمَّ سجَدَ وسجَدَ الذين يلُونَهُ والآخرُونَ قيام يحرُسُونهُم، فلمّا سَجَدُوا سَجْدتينِ، قامُوا وسجَدَ الآخرُونَ الذينَ كانوا خَلْفَهُم، ثُمَّ تأخَّرَ الذينَ سَجَدُوا مع رسُولِ الله ﷺ ، إلى مَقام الذينَ كانوا يحرُسُونهُم (٢)، وتقدَّمَ الآخرُونَ، فقامُوا في مَقامِهِم، ثُمَّ ركَعَ النَّبيُّ ﷺ ورَكَعُوا، ثُمَّ رفَعَ، فرفعُوا جميعًا، ثُمَّ سجَدَ وسجَدَ الذين يلُونهُ في الصَّفِّ الذي يليهِ والآخرُونَ قِيامٌ يحرُسُونهُم، فلمّا رفَعَ رسُولُ الله ﷺ رأسَهُ من سُجُودِهِ، وجلَسَ، سجَدَ الآخرُونَ، ثُمَّ جَلسُوا جميعًا، ثُمَّ سلَّمَ عليهم. قال: فصَلّاها رسُولُ الله ﷺ مرَّةً بعُسْفانَ، ومرَّةً بأرضِ بني سُلَيم (٣).

стр. 5243

قال سُفيانُ: وحدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلّاها بنَخْلَةَ مِثلَ ذلك (١). قال أبو عُمر: رواهُ أيُّوبُ وجَماعةٌ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابر (٢). كما رواهُ الثَّوريُّ. وكذلكَ رواهُ عبدُ الملكِ بن أبي سُليمانَ، عن عَطاءٍ، عن جابر (٣). وكذلك رواهُ داودُ بنُ حُصينٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس (٤). وكذلك رواهُ قتادةُ، عن الحسنِ، عن حِطّان الرَّقاشيِّ، عن أبي موسى فِعْلَهُ (٥). ومِن مُرسلِ مجُاهِد (٦)، وعُروةَ (٧) مِثلهُ. وإلى هذا الوَجْهِ في صلاةِ الخَوْفِ ذهَبَ ابنُ أبي ليلى.

стр. 5244

قال الثَّوريُّ (١): وبلَغَنا أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى بذي قَرَدٍ (٢) فصفَّ خلفَهُ صفًّا، وقامَ صفٌّ بإزاءِ العَدُوِّ، فصلَّى بالذينَ خلفَهُ ركعةً، ثُمَّ انصَرفُوا، فقامُوا مقامَ أصْحابِهم، وجاءَ الآخرُونَ فصلَّى بهم رَكْعةً، ثُمَّ سلَّمَ عليهم، فكانت للنَّبيِّ ﷺ رَكْعتانِ، ولكلِّ صفٍّ رَكْعةٌ. قال سُفيانُ: قد جاءَ هذا، وهذا، وأيَّ ذلك فعلتَ، رَجَوتُ أن يُجزِئَ. قال أبو عُمر: فخيَّر الثَّوريُّ في صَلاةِ الخوفِ على ثلاثةِ أوجُهٍ: أحدُها: حديثُ ابن مسعُودٍ الذي ذهَبَ إليه أبو حنيفةَ. والثّاني: حديثُ أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ. وإليه ذهَبَ ابنُ أبي ليلى جُملةً، وذهَبَ إليه أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، إذا كان العدُوُّ في القِبْلةِ. والثّالثُ: الوجهُ الذي بَلَغهُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى بذي قَرَدٍ. وهُو وإن كان أرسلَهُ في "جامِعِهِ" فإنَّهُ محفُوظٌ من حديثهِ، عن الأشْعَثِ بن سُلَيم، عن الأسودِ بن هِلالٍ، عن ثَعْلبةَ بن زَهْدَم (٣): أنَّهُم كانوا مع سَعيدِ بن العاصِ بطَبَرِستانَ، فسأل سعيدٌ حُذيفةَ عن صَلاةِ الخَوْفِ، فقال حُذَيفةُ: شهِدتُ رسُولَ الله ﷺ صَلّاها بهؤُلاءِ رَكْعةً، وبههؤُلاءِ رَكْعةً، ولم يَقْضُوا (٤). ورَوَى الثَّوريُّ أيضًا عن أبي بكر بن أبي الجَهْم، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن

стр. 5245

عُتْبةَ، عن عبدِ الله بن عبّاس (١)، مِثلَ حَديثِ حُذيَفةَ، وذكَرَ أنَّ ذلك كان بذي قَرَدٍ. فبلاغُ الثَّوريِّ قد بانَ أنَّهُ مُسندٌ عندَهُ صحيحٌ. ورواهُ مجُاهِدٌ، عن ابن عبّاس (٢). وروى سِماكٌ الحنفيُّ، عن ابن عُمرَ مِثلهُ (٣). والقاسمُ بن حسّانَ (٤)، عن زيدِ بن ثابتٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٥). ويزيدُ الفَقِيرُ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مثلَهُ (٦) (٧).

стр. 5246

إلّا أنَّ بعضَ رُواةِ حديثِ يزيدَ الفقيرِ، قال فيه: إنَّهُم قَضَوْا رَكْعةً (١). وقال أحمدُ بن حَنْبل: لا أعلمُ أَنَّهُ رُوي في صَلاةِ الخوفِ إلّا حديثٌ ثابتٌ، هي كلُّها ثابتة، فعَلَى أيِّ حَديثٍ صلَّى المُصلِّي صَلاةَ الخوفِ، أجْزَأهُ إن شاءَ الله. وكذلكَ قال الطَّبريُّ. قال أبو عُمر: في صلاةِ الخوفِ عن النَّبيِّ ﷺ وُجُوهٌ كثيرةٌ: مِنْها: حديثُ ابن عُمرَ المذكُورُ في أوَّلِ هذا البابِ، وما كان مِثلهُ، على حسَبِ ما تقدَّمَ في هذا البابِ ذِكرُهُ، ومِن القائلينَ به من أئمَّةِ فُقهاءِ الأمصارِ: الأوزاعيُّ، وإليه ذهَبَ أشهبُ صاحِبُ مالكٍ. ووجهٌ ثانٍ، وهُو حديثُ صالح بن خوّاتٍ، من رِوايةِ مالكٍ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خوّات (٢). ومِن رِوايتهِ أيضًا، عن يزيد بن رُومان، عن صالح بن خوّاتٍ. على حسَبِ ما بينهُما من الاختِلافِ، في انتِظارِ الإمام الطّائفةَ الأُخرى بالسَّلام، ومن القائلين بذلكَ: مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ، على اختِلافِ ما بينهُم في السَّلام، على حسَبِ ما وصفناهُ. ووجهٌ ثالِثٌ، وهُو حديثُ ابن مسعُودٍ، على ما تَقدَّم ذِكر في هذا البابِ، ومِن القائلين به: أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، إلّا أبا يوسُف، وهُو أحدُ الوُجُوهِ التي خيَّر الثَّوريُّ فيها، وبه قال بعضُ أصحابِ داود أيضًا. ووجهٌ رابعٌ، وهُو حديثُ أبي عيّاشٍ الزُّرقيِّ، وما كان مِثلهُ، على حسَبِ ما ذكَرْناهُ في هذا البابِ، ومِن القائلين به: ابنُ أبي ليلى، والثَّوريُّ أيضًا في تخيُّرِهِ، وقد قالت به طائفة من الفُقهاءِ، إذا كان العدُوُّ في القِبلةِ.

стр. 5247

ووجهٌ خامِسٌ، وهُو حديثُ حُذَيفةَ، وما كان مِثلَهُ، على ما قد مَضَى في هذا البابِ ذِكرُهُ، وهُو أحدُ الأوجُهِ الثَّلاثةِ التي خيَّر الثَّوريُّ ﵀ في العَملِ بها في صلاةِ الخوفِ. ومِن حُجَّةِ من قال: بهذا الوجهِ، ما رواهُ بُكَيرُ بن الأخنسِ، عن مجُاهِدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: فرضَ اللهُ الصلاةَ على لِسانِ نبيِّكُم ﷺ في الحَضَرِ أربعًا، وفي السَّفرِ رَكْعتينِ، وفي الخَوْفِ رَكْعةً (١). وزعَمَ بعضُ من قال بهذا (٢) الوجه من الفُقهاءِ: أنَّ للقَصرِ في الخَوفِ خُصُوصًا، ليسَ في غَيرِ الخوفِ، لقولِ الله : ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُو﴾ [النساء: ١٠١]. قالوا: فيَنْبغي أن تكونَ الصلاةُ في السَّفرِ بشَرْطِ الخَوْفِ، خِلافَ الصلاةِ في السَّفرِ في حالِ الأمنِ. وذكرُوا عن جماعةٍ من الصَّحابةِ، منهُم: ابنُ عبّاسٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، وجابرُ بن عبدِ الله، أنَّهُم قالوا: الصَّلاةُ في الحَضَرِ أربعٌ، وفي السَّفرِ رَكْعتانِ، وفي الخوفِ رَكْعةٌ. قالوا: ولو كان القَصْرُ في حالِ الأمنِ وحالِ الخَوْفِ سواءً، ما كان لقولِهِ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ معنًى، وقد جلَّ اللهُ عن ذلك.

стр. 5248

قال أبو عُمر: هذا القولُ خِلافُ ما عليه جُمهُورُ الفُقهاءِ، وقد يجُوزُ في حُكم لِسانِ العربِ أن يكونَ المسكُوتُ عنهُ، في معنى المذكُورِ، كما يجُوزُ أن يكونَ بخِلافِهِ، وقد بيَّنّا ذلك في مواضِعَ، والحمدُ لله. ومِمّا يدُلّ على أنَّ صلاةَ السَّفرِ في الخَوْفِ، وفي الأمنِ سَواءٌ، حديثُ ابن عُمرَ، حينَ قال لهُ رجُلٌ من آلِ خالدِ بن أسِيد: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، إنّا نجِدُ صَلاةَ الحَضَرِ، وصلاةَ الخَوْفِ في القُرآنِ، ولا نجِدُ صلاةَ السَّفرِ، يعني في حالِ الأمنِ، فقال: يا ابن أخي، إنَّ اللهَ بعَثَ إلينا محمدًا ﷺ ونحنُ لا نعلَمُ شيئًا، فإنَّما نَفْعلُ كما رأيناهُ يَفْعلُ (١). أي: رأيناهُ يَفْعلُ في حالِ الخَوْفِ، وحالِ الأمنِ في السَّفرِ فِعلًا واحدًا، فنحنُ نفعلُ كما كان ﷺ يفعلُ. وفي ذلك ما يدُلّ على أنَّ مُرادَ الله في ذلك من عِبادِهِ واحدٌ ببيانِ السُّنَّةِ في ذلك. كما صارَ قتلُ الصَّيدِ خَطأً بالسّنَّةِ، يجِبُ فيه من الجَزاءِ، كما يجِبُ على من قتَلَهُ عَمْدًا، مع قولِ الله : ﴿الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقد عجِبَ عُمرُ بن الخطّابِ ويعلَى بن أُميَّةَ من هذا المعنى أيضًا، حينَ قال يعلَى لعُمر: يا أميرَ المُؤمِنين، ما بالنا نَقْصُرُ الصَّلاةَ، وقد أمِنّا، واللّهُ يقولُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾؟ فقال: عجِبتُ مِمّا عجِبتَ منهُ، فسألتُ رسُولَ الله ﷺ عن ذلك، فقال (٢): "تلكَ صَدَقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكُم، فاقبَلُوا صَدَقتَهُ" (٣).

стр. 5249

وهذا أيضًا بيِّنٌ في أنَّ صلاةَ السَّفرِ في الأمْنِ وفي الخَوْفِ سواءٌ، وبذلك جَرَى العملُ والفَتْوَى في أمصارِ المُسلِمين عندَ جُمهُورِ الفُقهاءِ. وقد يحتمِلُ أن تكون رِوايةُ من رَوَى: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى بهم رَكْعةً، ولم يقضُوا. أي: في عِلْم من روى ذلك؛ لأنَّهُ قد رَوَى غيرُهُ: أنَّهُم قَضَوْا رَكْعةً في تلكَ الصَّلاةِ بعينِها، وشهادَةُ من زادَ أولى. ويحتمِلُ أن يكون أرادَ بقولِهِ: لم يَقْضُوا. أي: لم يَقْضُوا إذ أمِنُوا، وتكونُ فائدتُهُ أنَّ الخائفَ إذا أمِنَ، لا يَقْضي ما صلَّى على تلكَ الهيئةِ من الصلواتِ في الخَوْفِ. وقد يحتمِلُ قولُهُ: صَلَّوا في الخوفِ رَكْعةً. أي: في جماعةٍ معَ رسُولِ الله ﷺ ، وسكتَ عن الثّانيةِ، لأنَّهُم صلَّوها أفذاذًا. وحديثُ ابن عبّاسٍ انفردَ به بُكيرُ بن الأخْنَسِ، وليسَ بحُجَّةٍ فيما يَنْفرِدُ به. والصَّلاةُ أوْلى ما احتيطَ فيه، ومن صلَّى رَكْعتينِ في خوفِهِ وسَفرِهِ، خرجَ من الاختِلافِ إلى اليَقينِ. ووجهٌ سادِسٌ، وهُو حديثُ أبي بَكْرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بهم في صَلاةَ الخَوْفِ رَكْعتينِ بطائفةٍ، ورَكْعتينِ بطائفةٍ فكانت للنَّبيِّ ﵇ أربعٌ، ولكلِّ طائفةٍ رَكْعتانِ. رَواهُ الأشْعَثُ، وغيرُهُ، عن الحَسَنِ، عن أبي بَكْرةَ: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُعاذِ بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأشْعَثُ،

стр. 5250

عن الحَسَنِ، عن أبي بَكْرةَ، قال: صلَّى رسُولُ الله ﷺ الظُّهرَ في خَوْفٍ، فصفَّ بعضَهُم خلَفهُ، وبعضهُم (١) بإزاءِ العدُوِّ، فصلَّى رَكْعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فانطلقَ الذين صلَّوا فوَقفُوا مَوْقِفَ أصحابِهِم، ثُمَّ جاءَ أُولئكَ فصفُّوا خَلْفهُ، فصلَّى بهم رَكْعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فكانت لرسُولِ الله ﷺ أربعٌ، ولأصحابِهِ رَكْعتانِ رَكْعتانِ. وبذلكَ كان يُفتي الحَسَنُ. ورَوَى يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن جابرٍ، مثله بمعناه. حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا أبانُ بن يزيد، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن جابرٍ، قال: أقبَلْنا معَ رسُولِ الله ﷺ حتّى إذا كُنّا بذاتِ الرِّقاع. فذكَرَ الحديث. وفيه قال: فنُودِيَ بالصَّلاةِ. قال: فصلَّى رسُولُ الله ﷺ -بطائفةٍ رَكْعتينِ، ثُمَّ تأخَّرُوا، وصلَّى بالطّائفةِ الأُخْرَى رَكْعتينِ. قال: فكانتْ لرسُولِ الله ﷺ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، وللقَوم رَكْعتين. قال أبو عُمر: كلُّ من أجازَ اختِلافَ نيَّةِ الإمام والمأمُوم في الصَّلاةِ، وأجازَ لمن صَلَّى في بَيْتِهِ أن يؤُمَّ في تلكَ الصلاةِ غيرَهُ، وأجازَ أن تُصلَّى الفَرِيضةُ خلفَ المُتنفِّل: يُجيزُ هذا الوَجْهَ في صلاةِ الخوفِ.

стр. 5251

وهُو مذهبُ الأوزاعيِّ، والشّافِعيِّ، وابن عُليَّةَ، وأحمد بن حَنْبل، وداود. وصلاةُ الخَوْفِ إنَّما وُضِعَتْ على أخفِّ ما يُمكِنُ وأحوطِهِ للمُسلِمينَ. ولا وجهَ لقولِ من قال: إنَّ حديثَ أبي بَكْرةَ، وما كان مثلَهُ كان (١) في الحَضَرِ؛ لأنَّ فيه سلامَهُ (٢) في كلِّ رَكْعتينِ منها، وغيرُ محفُوظٍ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ صلَّى صَلاةَ الخوفِ في الحَضَرِ. وقد حَكَى المُزنيُّ، عن الشّافِعيِّ (٣) قال: ولو صلَّى في الخَوْفِ بطائفةٍ رَكْعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فصلَّى بالطّائفةِ الأُخْرَى ركعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، كان جائزًا. قال: وهكذا صلَّى النَّبيُّ ﷺ ببَطْن نَخْلةَ. قال أبو عُمر: قد رُوي أنَّ صَلاتَهُ هكذا كانت يومَ ذاتِ الرِّقاع. ولكن ذلك عندي لا يَثْبُت والله أعلم، لروايةِ صالح بن خَوّاتٍ في يوم ذات الرِّقاع (٤)، ويحتمِلُ أن يكونَ صلّاها مرَّتين على الهيئَتين هُناكَ (٥). فهذه ستَّةُ (٦) أوجُهٍ كلُّها ثابتةٌ من جِهَةِ النَّقلِ، قد قال بكلِّ وجهٍ منها طائفةٌ من أهلِ العِلم. وقال أحمدُ بن حَنْبل والطَّبريُّ وبعضُ أصحابِ الشّافِعيِّ بجَوازِ كلِّ وجهٍ منها.

стр. 5252

والوَجْهُ المُختارُ في هذا البابِ، على أنَّهُ لا يَحْرَجُ (١) عِندي من صلَّى بغير (٢) مِمّا قد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ : هو الوَجْهُ المذكُورُ في حديثِ ابن عُمرَ، حديثِ هذا البابِ، وما كان مِثلَهُ؛ لأنَّهُ وردَ بنقلِ أئمَّةِ أهلِ المدينةِ، وهُمُ الحُجَّةُ على من خالَفهُم، ولأنَّهُ أشبهُ بالأُصُولِ، لأنَّ الطّائفةَ الأُولى والثّانيةَ لم يَقْضوا الرَّكعةَ، إلّا بعد خُرُوج رسُولِ الله ﷺ من الصَّلاةِ، وهُو المعرُوفُ من سنُتَّهِ (٣) المُجتَمع عليها في سائرِ الصَّلواتِ. وأمّا صَلاةُ الطّائفةِ الأُولى رَكْعتَها قبلَ أن يُصلِّيَها إمامُها، فهُو مخُالِفٌ للسُّنَّةِ المُجتَمع عليها في سائرِ الصَّلواتِ، ومخُالِفٌ لقولِهِ ﷺ : "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به" (٤). وقد رَوَى الثِّقاتُ حديثَ صالح بن خوّاتٍ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ، على مِثلِ معنَى حديثِ ابن عُمرَ، فصارَ حديثُ سهلٍ مخُتلَفًا فيه، ولم يُختلَف في حديثِ ابن عُمرَ، إلّا ما جاءَ من شكِّ مالكٍ ﵀ في رَفْعِهِ، وقد رَفَعهُ من غير شكٍّ جماعةٌ عن نافع، ورَفَعهُ الزُّهريُّ، عن سالم، والشَّكُّ لا يُلتَفتُ إليه، والتقِينُ معمُولٌ عليه. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (٥): حدَّثنا أبو اليمانِ، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهريِّ: أنَّهُ

стр. 5253

سألَهُ: هل صلَّى النَّبيُّ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ؟ فقال: أخبرنا سالمٌ، أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ قال: غَزَوتُ مع رسُولِ الله ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ فوازينا العدُوَّ، فصفَفْنا لهم، فقامَ رسُولُ الله ﷺ يُصلِّي لنا، فقامَتْ طائفة معهُ، وأقبَلَتْ طائفةٌ على العدُوِّ، فركَعَ رسُولُ الله ﷺ بمَنْ معَهُ رَكْعةً وسجَدَ سَجْدتينِ، ثُمَّ انْصَرفُوا مكان الطّائفةِ التي لم تُصلِّ، فجاؤُوا فركَعَ رسُولُ الله ﷺ بهم رَكْعةً، وسَجْدتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فقامَ كلّ واحدٍ منهُم فركَعَ لنفسِهِ رَكْعةً، وسجَدَ سَجْدتينِ. وأمّا الرِّوايةُ التي جاءَت في حَديثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ بنحوِ حَديثِ ابن عُمرَ؛ فحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، يعني القطّانَ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن صالح بن خوّاتٍ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى بهم صَلاةَ الخَوْفِ، فصفَّ صفًّا خلفهُ، وصفًّا مُصافِّي العدُوِّ، فصلَّى بهم ركعةً، ثُمَّ ذهَبَ هؤُلاءِ، وجاءَ أُولئكَ، فصلَّى بهم رَكْعةً، ثُمَّ قامُوا فقَضوا رَكْعةً رَكْعةً. فإن قيلَ: إنَّ يحيى القطّانَ قد خُولِفَ عن شُعبةَ في ذلك. فالجوابُ، أنَّ الذي خالَفهُ، لا يُقاسُ به حِفظًا وإتقانًا وإمامَةً في الحديثِ. وما اختَرْناهُ في هذا البابِ، فهُو اختيارُ أشهبَ، وإليه ذهَبَ الأوزاعيُّ، وقال به بعضُ أصحابِ داود. والحُجَّةُ في اختيارِنا هذا الوجْهَ من بين سائرِ الوُجُوهِ المرويَّةِ في صلاةِ الخَوْفِ، أنَّهُ أصحُّها إسنادًا، وأشبهُها بالأُصُولِ المُجتَمع عليها.

стр. 5254

وفي صَلاةِ رسُولِ الله ﷺ في الخَوْفِ بأصحابِهِ رَكْعةً ركعةً، وأتمَّت كلُّ طائفةٍ لأنْفُسِها (١)، دليل على أنَّ حديثٌ جابرٍ في قِصَّةِ مُعاذٍ -وصلاتِهِ بقَومِهِ، بعدَ صَلاتِهِ مع النَّبيِّ ﷺ (٢) تلكَ الصلاةَ -منسُوخٌ، لأنَّهُ لو جازَ أن تُصلَّى الفَرِيضةُ خلفَ المُتنفِّلِ، لصلَّى بهم رسُولُ الله ﷺ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، والله أعلمُ. قدِ احتجَّ بهذا أبو الفَرج، وغيرُهُ من أصحابِنا، ومن الكُوفيِّين أيضًا، إلّا (٣) أنَّهُ يَعترِضُ عليهم حديثُ أبي بَكْرةَ، وحديثُ جابرٍ، وفي ذلك نظرٌ، وبالله التَّوفيقُ. وقالت طائفة من أهلِ العِلْم، منهُم أبو يوسُف، وابنُ عُليَّةَ: لا تُصلَّى صَلاةُ الخَوْفِ بعدَ النَّبيِّ ﷺ بإمام واحدٍ، وإنَّما تُصلَّى (٤) بإمامَيْنِ، يُصلِّي كلُّ إمام بطائفةٍ رَكْعتينِ، واحتجُّوا بقولِ الله : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآيةَ [النساء: ١٠٢]. قالوا: فإذا لم يكُن فيهمُ النَّبيُّ ﷺ لم يكُن ذلك لهم، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ ليسَ كَغير في ذلك، ولم يَكُن من أصحابِهِ من يُؤثِرُ بنَصيبِهِ منهُ غيرَهُ، وكلُّهُم كان يُحِبُّ أن يأتَمَّ به ويُصَلِّي خلَفهُ، وليسَ أحَدٌ بعدَهُ يقومُ في الفَضْلِ مقامَهُ، والنّاسُ بعدهُ تَسْتوي أحوالُهُم، أو تتقاربُ، فلذلكَ يُصلِّي الإمامُ بفريق منهُم، ويأمُرُ من يُصلِّي بالفَريقِ الآخرِ، وليسَ بالنّاسِ اليومَ حاجةٌ إلى صَلاةِ الخَوْفِ، إذا كان لهم سَبيلٌ أن يُصلُّوا فوجًا فوجًا، ولا يَدَعُوا فرضَ القِبْلةِ ولهم إليها سبيلٌ.

стр. 5255

قال أبو عُمر: هذه جُملةُ ما احتجَّ به القائلُونَ بأنْ لا تُصلَّى صَلاةُ الخوفِ بإمام واحدٍ لطائفتين، بعدَ النَّبيِّ ﷺ . ومِن الحُجَّةِ عليهم لسائرِ العُلماءِ، أنَّهُ لمّا كان قولُ الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] لا يُوجِبُ الاقتِصارَ على النَّبيِّ ﷺ وحدَهُ، وأنَّ من بعدَهُ يقومُ في ذلك مقامَهُ، فكذلك قولُهُ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ سواءٌ. ألا ترَى أنَّ أبا بكرٍ الصدِّيق في جماعةِ الصَّحابةِ قاتَلُوا من تأوَّل في الزَّكاةِ، مِثلَ تأويلِ هؤُلاءِ في صَلاةِ الخَوْفِ؟ قال أبو عُمر: ليسَ في أخذِ الزَّكاةِ التي قدِ اسْتَوى فيها النَّبيُّ ﷺ ومن بعدَهُ من الخُلفاءِ، ما يُشبِهُ صَلاةَ من صلَّى خلفَ النَّبيِّ ﷺ ، وصلَّى غيرُهُ خلفَ غيرِهِ؛ لأنَّ أخذَ الزَّكاةِ، فائدتُها توصيلُها للمساكينِ، وليسَ في هذا فضلٌ للمُعطَى، كما في الصَّلاةِ فَضْلٌ للمُصلِّي خلفَهُ. وأمّا مُراعاةُ القِبْلةِ للخائفِ في الصَّلاةِ، فساقِطةٌ عنهُ عندَ أهلِ المدينةِ، والشّافِعيِّ (١)، إذا اشتدَّ خَوْفُهُ، كما يسقُطُ عنهُ (٢) النُّزولُ إلى الأرضِ، لقولِ الله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. قال ابن عُمر: مُسْتقبِلي القِبلةِ، وغيرَ مُستقبِليها. وهذا لا يجُوزُ لمُصلِّي الفَرْضِ في غيرِ الخَوْفِ. ومِن الدَّليلِ على أنَّ ما خُوطِبَ به النَّبيُّ ﷺ دخلت فيه أُمَّتُهُ، إلّا أن يتبيَّنَ خُصُوصٌ في ذلك، قولُ الله : ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٣٧]. ومِثلُ ذلك قولُ الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾

стр. 5256

[الأنعام: ٦٨]. هُو المُخاطبُ به، وأُمَّتُهُ داخِلةٌ في حُكْمِهِ، ومِثلُ هذا كثيرٌ (١)، وبالله التَّوفيقُ. وأمّا قولُ ابن عُمرَ في حديثهِ هذا: فإن كان خوفًا هُو أشدَّ من ذلك، صلَّوا رِجالًا قيامًا (٢) على أقدامِهِم، أو رُكبانًا مُسْتقبِلي القِبلةِ، وغيرَ مُستقبِليها. فإليه ذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُما، وجماعةٌ غيرُهُم. قال مالكٌ والشّافِعيُّ (٣): يُصلِّي (٤) المُسافِرُ، والخائفُ على قَدْرِ طاقتِهِ، مُسْتَقبِلَ القِبْلةِ ومُستدبِرَها. وبذلكَ قال أهلُ الظّاهِرِ. وقال ابنُ أبي ليلى، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ: لا يُصلِّي الخائفُ إلّا إلى القِبْلةِ، ولا يُصلِّي أحدٌ في حالِ المُسايَفة (٥). وقولُ الثَّوريّ نحوُ قولِ مالكٍ، ومِن قولِ مالكٍ والثَّوريِّ: إنَّهُ إن لم يَقْدِر على الرُّكُوع والسُّجُودِ، فإنَّهُ يُصلِّي قائمًا، ويُومِئُ. قال الثَّوريُّ: إذا كُنت خائفًا، فكُنت راكِبًا أو قائمًا، أومأت إيماءً حيثُ كان وجهُكَ رَكْعتينِ، تجعلُ السُّجُودَ أخفَضَ من الرُّكُوع، وذلكَ عندَ السَّلَّةِ. والسَّلَّةُ: المُسايَفةُ. وقال الأوزاعيُّ: إذا كان القومُ مُواجِهي العدُوِّ، وصلَّى بهم إمامُهُم صَلاةَ الخوفِ، فإنْ شَغَلهمُ القِتالُ، صلَّوا فُرادى، فإن اشتَدَّ القِتالُ، صلَّوا رِجالًا ورُكبانًا إيماءً، حيثُ كانت وُجُوهُهُم، فإن لم يَقدِرُوا، تَركُوا الصَّلاةَ حتّى يأمَنُوا.

стр. 5257

وقال الشّافِعيُّ (١): لا بأسَ أن يضرِبَ في الصَّلاةِ الضَّربةَ، ويطعَنَ الطَّعنةَ، وإن تابَع الضَّربَ، أوِ الطَّعنَ، أو عمِلَ عملًا، بَطَلت صلاتُهُ (٢). واسْتَحبَّ الشّافِعيُّ أن يأخُذَ المُصلِّي سِلاحَهُ في الصَّلاةِ، ما لم يكُن نَجِسًا، أو يَمنَعْهُ من الصَّلاةِ، أو يُؤْذِ أحدًا. قال: ولا يأخُذُ الرُّمح، إلّا أن يكون في حاشِيةِ النّاسِ. وأكثرُ أهلِ العِلم يَسْتحِبُّون للمُصلِّي أخذَ سِلاحِهِ، إذا صلَّى في الخَوْفِ، ويحمِلُونَ قولهُ: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] على النَّدبِ، لأنَّهُ شيءٌ لولا الخوفُ، لم يجِب أخذُهُ، فكان الأمرُ به ندبًا. وقال أهلُ الظّاهِرِ: أخذُ السِّلاح في صَلاةِ الخوفِ واجِبٌ، لأمرِ الله به، إلّا لمن كان به أذًى من مَطرٍ، أو مَرَضٍ، فإن كان ذلك، جازَ لهُ وضعُ سِلاحِهِ. قال أبو عُمر: الحالُ التي يجُوزُ فيها للخائفِ أن يُصلِّي راكِبًا وراجِلًا، مُستقبِلَ القِبلةِ وغيرَ مُسْتقبِلِها، هي حالُ شدَّةِ الخوفِ، والحالُ الأُولى التي وَرَدتِ الآثارُ فيها هي غيرُ هذه الحال، وأحسنُ النّاسِ صِفةً للحالينِ جميعًا من الفُقهاءِ: الشّافِعيُّ ﵀. ونحنُ نذكُرُ هاهُنا قولهُ في ذلك، لنُبيِّن به المُرادَ من الحديثِ، وبالله التَّوفيقُ (٣). قال الشّافِعيُّ: لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يُصلِّي صَلاةَ الخَوْفِ، إلّا بأن يُعايِنَ عدُوًّا قريبًا غيرَ مأمُونٍ أن يحمِلَ عليه من مَوْضِع يراهُ، أو يأتيهُ من يُصدِّقُهُ بمِثلِ

стр. 5258

ذلك من قُربِ العدُوِّ منهُ، ومَسيرِهِم (١) جادِّين إليه، فإن لم يكُن واحدًا من هذين المَعْنيينِ، فلا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ صلاةَ الخوفِ، فإن صلَّوا بالخَبرِ صَلاةَ الخوفِ، ثُمَّ ذهبَ، لم يُعيدُوا. وقال أبو حنيفةَ: يُعيدُونَ (٢). وقال الشّافِعيُّ: إن كان بينهُم وبين العدُوِّ حائل يأمنُونَ وُصُولَ العدُوِّ إليهم، لم يُصلُّوا صلاةَ الخوفِ، وإن كانوا لا يأمنُونهُم صلَّوا. وقال الشّافِعيُّ: الخَوْفُ الذي تجوزُ فيه الصَّلاةُ رِجالًا ورُكبانًا، إطلالُ العدُوِّ عليهم، فيتراءَونَ معًا والمُسلِمُونَ في غيرِ حِصنٍ، حتّى ينالهمُ السِّلاحُ من الرَّميِ، أو أكثرُ (٣) من أن يَقرُب العدُوُّ فيه منهُم من الطَّعن والضَّربِ، فإذا كان هكذا، والعدُوُّ من وجهٍ واحدٍ، أو محُيطُونَ بالمُسلِمينَ، والمُسلِمُونَ كثيرٌ، والعدُوُّ قليلٌ، تَسْتقِلُّ كلُّ طائفةٍ وَليها العدُوُّ بالعدوِّ، حتّى تكونَ من بين الطَّوائفِ التي يَلِيها العدُوُّ في غَير شِدَّةِ خَوْفٍ منهُم، صلَّى الذينَ لا يلُونهُم صلاةً غيرَ شِدَّةِ الخوفِ، لا يُجزِئُ غيرُ ذلك. ولغيرِ الشّافِعيِّ قريبٌ من هذا المعنى في الوَجْهين جميعًا. وقال مالكٌ: إن صلَّى آمِنًا رَكْعةً، ثُمَّ خافَ، ركِبَ وبَنَى، وكذلكَ إن صلَّى ركعةً راكِبًا وهُو خائفٌ، ثُمَّ أمِنَ، نزلَ وبنى. وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ، وبه قال المُزنيُّ.

стр. 5259

وقال أبو حنيفةَ: إذا افتتحَ الصَّلاةَ آمِنًا، ثُمَّ خافَ، استقبلَ ولم يبنِ، فإن صلَّى خائفَّاَ، ثُمَّ أمِنَ، بَنَى. وقال الشّافِعيُّ: يبني النّازِلُ، ولا يبني الرّاكِبُ. وقال أبو يوسُفَ: لا يبني في شيءٍ من هذا كلِّهِ. وللفُقهاءِ اختِلافٌ فيمَنْ ظنَّ بالعَدوَّ، أو رآهُ، فصلَّى صلاةَ خائفٍ، ثُمَّ انكشَفَ لهُ أنَّهُ لم يكُن عدُوٌّ، وفي (١) الخوفِ من السِّباع وغيرِها، وفي الصَّلاةِ في حين المُسايَفةِ، وفي أخذِ السِّلاح في الحَرْبِ مسائلُ كثيرةٌ من فروع (٢) صَلاةِ الخَوْفِ، لا يجمُلُ بي إيرادُها، لخُرُوجِنا بذلك عن تأليفِنا، وفيما ذكَرْنا من الأُصُولِ التي في معنَى الحديثِ، ما يُستَدلُّ به على كثيرٍ من الفُرُوع، وللفُرُوع كُتُبٌ غَيرُ هذه، وبالله العِصمةُ والتَّوفيقُ. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرَّحمن الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن أبي سَلَمةَ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني سابِقٌ البَرْبَريُّ، قال: كُنتُ مع مَكْحُولٍ بدابِقَ (٣)، قال: فكتَبَ إلى الحسن يسألُهُ عن الرَّجُلِ يَطْلُبُ عَدُوَّهُ. فلم يَبْرح حتّى جاءَ كِتابُهُ، فقرأتُ كِتابَ الحسنِ: إن كان هُو الطّالِبَ، نزلَ فصلَّى على الأرضِ، وإن كان هُو المطلُوب صَلَّى على ظَهْرٍ. قال الأوزاعيُّ: فوَجَدْنا الأمرَ على غيرِ ذلك (٤).

стр. 5260

قال شُرحبيلُ بن حَسَنةَ لأصحابِهِ: لا تُصلُّوا الصُّبحَ إلّا على ظَهْرٍ. فنزلَ الأشترُ، فصَلَّى على الأرْضِ، فمرَّ به شُرَحبيلُ، فقال: مخُالِفٌ، خالَف اللهُ به. قال: فخرجَ الأشْتَرُ في الفِتنة (١). وكان الأوزاعيُّ يأخُذُ بهذا الحديثِ في طَلَبِ العدُوِّ. قال أبو عُمر: أكثرُ العُلماءِ على ما قال الحسنُ في صَلاةِ الطّالِبِ والهارِبِ، وما أعلمُ أحدًا قال بما جاءَ عن شُرَحبيل بن حَسَنةَ في هذا الحديثِ، إلّا الأوزاعيَّ وحدَهُ والله أعلمُ. والصَّحيحُ ما قالَهُ الحسنُ، وجماعَةُ الفُقهاءِ؛ لأنَّ الطَّلبَ تَطوُّعٌ، والصَّلاةَ المكتُوبةَ فَرْضُها أن تُصلَّى بالأرْضِ حَيْثُ ما أمكنَ ذلك، ولا يُصلِّيها راكِبًا إلّا خائفٌ شديدٌ خوفُهُ، وليسَ كذلك حالُ الطّالِبِ، واللهُ أعلمُ، وهو الموفِّقُ للصواب، لا شَريكَ له (٢) (٣).

стр. 5261

حديثٌ تاسِعُ خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا كانوا (٢) ثلاثةً فلا يَتَناجَى اثْنانِ دُونَ واحدٍ". قال أبو عُمر: التَّناجي: التَّسارُّ، وذلك مُكالمةُ الرَّجُلِ أخاهُ عندَ أُذُنِهِ بما يُسِرُّهُ من غيرِهِ. والنَّهيُ إنَّما وردَ كما ترَى، إذا كانوا ثلاثةً، وأمّا إذا كانوا أربعةً فما فوقهُم، فلا بأسَ به. أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سحنُون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن عُقَيلٍ، عن ابن شِهاب، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا كان ثلاثةٌ، فلا يَتَناجى اثنانِ دُونَ الثّالثِ، لا تدعُوا صاحِبكُم نَجيًّا للشَّيطانِ". قال ابنُ شِهابٍ: وقال سعيدُ بن المُسيِّبِ: إلّا أن يَسْتأذِناهُ (٣). وقولُهُ: "نجيًّا للشَّيطانِ" يُريدُ لأنَّهُ يُوسوِسُ في صَدرِهِ من جِهَتِهِما ما يُحزِنُهُ، واللهُ أعلمُ. وقد أتَى في الحديثِ أنَّ النَّهيَ عن ذلك إنَّما وردَ لئلّا يحزنَ الثّالثُ ويسُوءَ ظنُّهُ، ونحوِ ذلك. وهذا التَّفسيرُ موجُودٌ في حديثِ ابن مسعُودٍ، عن النَّبيِّ- ﷺ (٤).

стр. 5262

وقد قيلَ: إنَّ هذا (١) إنَّما يُكرَهُ في السَّفرِ، لا في الحَضَرِ، وذلكَ موجُودٌ في (٢) حديثِ عبدِ الله بن عَمرو (٣)، عن النَّبيِّ ﷺ (٤). وأمّا حديثُ ابن عُمرَ هذا، فقد رواهُ عنهُ: نافع، وعبدُ الله بن دينار (٥)، وأبو صالح (٦)، والقاسمُ بن محمدٍ، وغيرُهُم. ورواهُ عن نافع جَماعة، منهُم: مالكٌ، واللَّيثُ، وعُبيدُ الله وأيُّوبُ. ورِوايةُ عبدِ الله بن دينارٍ مُفسَّرةٌ؛ لأنَّهُ قال: كُنتُ مع عبدِ الله بن عُمرَ عندَ دارِ عُقْبةَ بن خالدٍ بالسُّوقِ، فجاءَ رجُل يُريدُ أن يُناجِيَهُ، وليسَ معَهُ غيري، فدعا ابنُ عُمرَ رجُلًا آخرَ، فصِرنا أربعةً، فقال لي وللرَّجُلِ: استأخِرا، أوِ انتظِرا، فإنِّي سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَتَناجى اثنانِ دُونَ واحدٍ". رواهُ مالكٌ (٧) عنهُ، وسيأتي في بابِهِ إن شاءَ الله. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٨): حدَّثنا ابنُ

стр. 5263

نُمَيرٍ ومحمدُ بن بِشرٍ، قالا: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا كان ثَلاثة، فلا يَتَناجَى اثْنانِ دُونَ الآخرِ". وأخبرنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قال: كان رسولُ الله ﷺ يَنْهَى إذا كان ثلاثةُ نَفَرٍ أن يَتَناجى اثنانِ دُون الثّالث (١). وعندَ اللَّيثِ في هذا إسنادٌ آخرُ، عن ابن الهادِ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قالط: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ الفِريابيُّ (٢)، قال: حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا كان ثلاثةُ نَفَرٍ، فلا يَتَناجَى اثنانِ دُونَ الثّالثِ" (٣). وحدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن مَرْوانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليِّ بن داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محُمدِ بن يُوسفَ المكِّيُّ أبو غسّانَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن

стр. 5264

المُنذرِ (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عَجْلانَ، عن أبيهِ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ كان يقولُ: هؤُلاءِ لا يُبالُونَ بسفكِ الدِّماءِ بَيْنهُم، وقال رسُولُ الله ﷺ لعظَم حُرْمةِ المُؤمِنِ: "إذا كان ثلاثةٌ، فلا يَتَناجى اثنانِ دُونَ واحدٍ". قال نافعٌ: فرُبَّما كان لعبدِ الله حاجةٌ ومعَهُ رَجُلانِ، إلى أحدِهِما، فلا يُكلِّمْهُ حتّى يأتي رابعٌ، فإذا جاءَ، قال: شأنَكَ وصاحِبَكَ، فإنَّ لي إلى صاحِبي هذا حاجَةً (٢). قال أبو عُمر: هذا لئلّا يظُنَّ به أَنَّهُ ينالُ منهُ، أو يتكلَّمُ فيه، وهُو معنى حديثِ ابن مَسْعُودٍ: "فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ" (٣)، قال الشّاعِرُ (٤): يُروِّعُهُ السِّرارُ بكلِّ أمرٍ (٥) ... مخافةَ أن يكونَ به السِّرارُ وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يَتَناجى اثنانِ دُون الثّالثِ" (٦).

стр. 5265

وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ. قال: وحدَّثنا مِنْجابُ بن الحارِثِ، قال: أخبرنا ابنُ مُسْهِرٍ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا كُنتُم ثلاثةً، فلا يَتَناجى اثنانِ دُونَ صاحِبِهِما". فقُلنا لابن عُمرَ: وإن كانوا أربعةً؟ قال: فلا يضُرُّهُ (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسَى بن يونُس، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي صالح، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ ، فذكرهُ. قال أبو صالح: فقلتُ لابن عُمر: وإن كانوا أربعةً؟ قال: لا يضُرُّكَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهيثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيم أبو يعقُوب الحُنَيْنيُّ (٣) بِطَرَسُوس، عن داود بن قَيْسٍ والعُمَريِّ، عن سعيدِ بن أبي سَعيدٍ المقبُريِّ، قال: جِئتُ ابن عُمرَ وهُو يُناجي رجُلًا، فجَلَستُ إليه، فدفعَ في صَدْري، وقال: ما لكَ؟ أما سمِعتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا تناجَى اثْنانِ، فلا يَدْخُل معهُما غيرُهُما حتّى يَسْتأذِنَهُما" (٤).

стр. 5266

قال أبو عُمر: هذا معنًى غيرُ المعنى الذي قبلهُ، وعلى هذا لا يجُوزُ لثلاثةِ نَفَرٍ أن يَتَناجى منهُما اثنانِ، دُونَ الثّالثِ، ولا يجُوزُ لأحَدٍ أن يدخُلَ على المُتناجِيَينِ في حالِ تَناجيهِما. وأمّا حديثُ ابن مسعُودٍ: فحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن المُستفاضِ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا كُنتُم ثلاثةً، فلا يَتَناجَى اثنانِ دُونَ الآخرِ، فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ" (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ. قال (٤) أبو داودَ (٥): وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسَى بن يونُسَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ (٦)، عن شَقيقِ بن سلَمةَ، عن عبدِ الله، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يَتَناجى اثنانِ دُونَ صاحِبِهِما، فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ".

стр. 5267

وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا جَريرٌ وأبو الأحْوَصِ. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن منصُورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا كُنتُم ثلاثةً، فلا يَتَناجى اثنانِ دُونَ الآخرِ، حتّى يختلِطَ بالنّاسِ، من أجلِ أن يُحزِنهُ، ولا تُباشِرِ المرأةُ المرأةَ في ثَوْبٍ واحدٍ، من أجلِ أن تَصِفها لزَوجِها، حتّى كأنَّهُ يَنْظُرُ إليها". ومعنى الحديثين واحدٌ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا ابنُ لَهِيعَةَ، قال: حدَّثنا ابنُ هُبَيرةَ، عن أبي سالم الجَيْشانيِّ -واسمُهُ سُفيانُ بن هانئ (٢) الجَيْشانيُّ- عن عبدِ الله بن عَمرٍو، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يحِلُّ لثلاثةِ نَفرٍ يكونُون بأرضِ فَلاةٍ أن يَتَناجَى اثنانِ دُونَ صاحِبِهِما" (٣).
следующие страницы →