← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5263–5302 · переход к 5268.

стр. 5263

نُمَيرٍ ومحمدُ بن بِشرٍ، قالا: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا كان ثَلاثة، فلا يَتَناجَى اثْنانِ دُونَ الآخرِ". وأخبرنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قال: كان رسولُ الله ﷺ يَنْهَى إذا كان ثلاثةُ نَفَرٍ أن يَتَناجى اثنانِ دُون الثّالث (١). وعندَ اللَّيثِ في هذا إسنادٌ آخرُ، عن ابن الهادِ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قالط: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ الفِريابيُّ (٢)، قال: حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا كان ثلاثةُ نَفَرٍ، فلا يَتَناجَى اثنانِ دُونَ الثّالثِ" (٣). وحدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن مَرْوانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليِّ بن داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محُمدِ بن يُوسفَ المكِّيُّ أبو غسّانَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن

стр. 5264

المُنذرِ (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عَجْلانَ، عن أبيهِ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ كان يقولُ: هؤُلاءِ لا يُبالُونَ بسفكِ الدِّماءِ بَيْنهُم، وقال رسُولُ الله ﷺ لعظَم حُرْمةِ المُؤمِنِ: "إذا كان ثلاثةٌ، فلا يَتَناجى اثنانِ دُونَ واحدٍ". قال نافعٌ: فرُبَّما كان لعبدِ الله حاجةٌ ومعَهُ رَجُلانِ، إلى أحدِهِما، فلا يُكلِّمْهُ حتّى يأتي رابعٌ، فإذا جاءَ، قال: شأنَكَ وصاحِبَكَ، فإنَّ لي إلى صاحِبي هذا حاجَةً (٢). قال أبو عُمر: هذا لئلّا يظُنَّ به أَنَّهُ ينالُ منهُ، أو يتكلَّمُ فيه، وهُو معنى حديثِ ابن مَسْعُودٍ: "فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ" (٣)، قال الشّاعِرُ (٤): يُروِّعُهُ السِّرارُ بكلِّ أمرٍ (٥) ... مخافةَ أن يكونَ به السِّرارُ وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يَتَناجى اثنانِ دُون الثّالثِ" (٦).

стр. 5265

وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ. قال: وحدَّثنا مِنْجابُ بن الحارِثِ، قال: أخبرنا ابنُ مُسْهِرٍ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا كُنتُم ثلاثةً، فلا يَتَناجى اثنانِ دُونَ صاحِبِهِما". فقُلنا لابن عُمرَ: وإن كانوا أربعةً؟ قال: فلا يضُرُّهُ (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسَى بن يونُس، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي صالح، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ ، فذكرهُ. قال أبو صالح: فقلتُ لابن عُمر: وإن كانوا أربعةً؟ قال: لا يضُرُّكَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهيثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيم أبو يعقُوب الحُنَيْنيُّ (٣) بِطَرَسُوس، عن داود بن قَيْسٍ والعُمَريِّ، عن سعيدِ بن أبي سَعيدٍ المقبُريِّ، قال: جِئتُ ابن عُمرَ وهُو يُناجي رجُلًا، فجَلَستُ إليه، فدفعَ في صَدْري، وقال: ما لكَ؟ أما سمِعتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا تناجَى اثْنانِ، فلا يَدْخُل معهُما غيرُهُما حتّى يَسْتأذِنَهُما" (٤).

стр. 5266

قال أبو عُمر: هذا معنًى غيرُ المعنى الذي قبلهُ، وعلى هذا لا يجُوزُ لثلاثةِ نَفَرٍ أن يَتَناجى منهُما اثنانِ، دُونَ الثّالثِ، ولا يجُوزُ لأحَدٍ أن يدخُلَ على المُتناجِيَينِ في حالِ تَناجيهِما. وأمّا حديثُ ابن مسعُودٍ: فحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن المُستفاضِ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا كُنتُم ثلاثةً، فلا يَتَناجَى اثنانِ دُونَ الآخرِ، فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ" (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ. قال (٤) أبو داودَ (٥): وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسَى بن يونُسَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ (٦)، عن شَقيقِ بن سلَمةَ، عن عبدِ الله، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يَتَناجى اثنانِ دُونَ صاحِبِهِما، فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ".

стр. 5267

وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا جَريرٌ وأبو الأحْوَصِ. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن منصُورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا كُنتُم ثلاثةً، فلا يَتَناجى اثنانِ دُونَ الآخرِ، حتّى يختلِطَ بالنّاسِ، من أجلِ أن يُحزِنهُ، ولا تُباشِرِ المرأةُ المرأةَ في ثَوْبٍ واحدٍ، من أجلِ أن تَصِفها لزَوجِها، حتّى كأنَّهُ يَنْظُرُ إليها". ومعنى الحديثين واحدٌ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا ابنُ لَهِيعَةَ، قال: حدَّثنا ابنُ هُبَيرةَ، عن أبي سالم الجَيْشانيِّ -واسمُهُ سُفيانُ بن هانئ (٢) الجَيْشانيُّ- عن عبدِ الله بن عَمرٍو، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يحِلُّ لثلاثةِ نَفرٍ يكونُون بأرضِ فَلاةٍ أن يَتَناجَى اثنانِ دُونَ صاحِبِهِما" (٣).

стр. 5268

حديثٌ مُوَفّي سِتِّينَ حديثًا لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمر، أنَّهُ قال: كلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكلُّ مُسكِرٍ حرامٌ. قال أبو عُمر: وهذا الحديثُ موقُوفٌ في "المُوطَّأ" على ابن عُمرَ، لم يختلِف فيه الرُّواةُ، عن مالكٍ، إلّا عبدَ الملكِ بن الماجِشُونِ، فإنَّهُ رواهُ عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "كلُّ مُسكِرٍ خمرٌ، وكلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ". فرفعهُ. وقد رُوي مرفُوعًا من حديثِ نافع، من نقلِ الثِّقاتِ الحُفّاظِ الأثباتِ، ولا يُقالُ مِثلُهُ من جِهَةِ الرَّأيِ، وما أعلمُ أحدًا من أصحابِ نافع أوقَفهُ غيرَ مالكٍ، والله أعلمُ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا سُليمانُ بنُ داودَ ومحمدُ بن عيسى، في آخرينَ، قالوا: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "كلُّ مُسكِرٍ خمرٌ (٣)، وكلُّ مُسكِرٍ حرامٌ، ومن ماتَ وهُو يَشْربُ الخمرَ يُدمِنُها، لم يَشْرَبها في الآخِرةِ".

стр. 5269

أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ، قال: حدَّثني محمدُ بن عَجْلانَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "كلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وكلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ" (١). وكذلك رواهُ عُبيدُ الله بن عُمر (٢)، وموسى بن عُقْبةَ (٣)، وعِكرِمةُ بن عمّار (٤)، عن نافع، عن ابن عُمرَ مرفُوعًا. والأحاديثُ في تحريم المُسْكِرِ من أثبتِ ما يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ من أخبارِ الآحادِ، رواها جماعةٌ من الصَّحابةِ، منهُم: عبدُ الله بن عَمرِو بن العاص (٥)، وابنُ عبّاسٍ، وعائشةُ (٦)، وجابرٌ، وأنسٌ (٧)، وأبو مالكٍ الأشعريُّ. وقد مَضَى القولُ مُمهَّدًا في تحريم المُسكِرِ، في بابِ إسحاق بن أبي طَلْحةَ، والحمدُ لله.

стр. 5270

حديثٌ حادي ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ، أنَّها فالت لرسُولِ الله ﷺ : ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، وأنتَ لم تَحِلَّ من عُمْرتِكَ (٢)؟ فقال: "إنِّي لبَّدتُ رأسي، وقلَّدتُ هَدْي، فلا أحِلُّ حتّى أنحَرَ". قال أبو عُمر: هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، وأنت لم تحِلَّ من عُمرتِكَ؟ وتابَعهُ جماعةٌ من الرُّواةِ، منهُم: عتيقٌ الزُّبيريُّ، وعبدُ الله بن يوسُف التِّنِّيَسيُّ (٣)، والقَعْنبيُّ (٤)، وابنُ بُكَير (٥)، وأبو مُصعب (٦). وقال ابنُ القاسم (٧)، وابنُ وَهْب (٨)، عن مالكٍ في هذا الحديثِ: ما شأنُ النّاسِ حلُّوا بعُمرةٍ، ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ والمعنى واحدٌ عندَ أهل العِلم. ولم يختلفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في قولِهِ: ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ وزعَمَ بعضُ النّاس: أنَّهُ لم يقُل أحدٌ في هذا الحديثِ عن نافع: ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ إلّا مالكٌ وحدَهُ، وجعلَ هذا القولَ جوابًا لسائلِهِ عن معنى هذا الحديثِ.

стр. 5271

قال أبو عُمر: فلا أدري مِمَّن أتَعجَّبُ من المسؤُولِ الذي اسْتَحيا أن يقول: لا أدري. أو من السّائلِ، الذي قنعَ بمِثلِ هذا الجوابِ، والله المُستعانُ. وهذه اللَّفظةُ قد قالها عن نافع جماعةٌ، منهُم: مالكٌ، وعُبيدُ الله بن عُمرَ (١)، وأيُّوبُ السَّختيانيُّ، وهؤُلاءِ هم (٢) الحُفّاظُ أصحابُ نافع، والحُجَّةُ فيه على من خالَفهُم. ورواهُ ابنُ جُرَيج، عن نافع، فلم يَقُل: من عُمرتِكَ. أخبرنا عبدُ الرَّحمن بن مروانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن يحيى القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زَيْدِ بن هارونَ (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى بن أبي عُمرَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن سُليمانَ وعبدُ المجيدِ، عن ابن جُرَيج، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: حدَّثتني حَفْصةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ أزواجَهُ أن يَحْللْنَ عامَ حجَّةِ الوداع. قالت حَفْصةُ: فقلتُ: ما يمنعُكَ أن تحِلَّ؟ قال: "إنِّي قلَّدتُ هَدْيي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحِلُّ حتّى أنحَرَ هَدْيي" (٤). قال أبو عُمر: قد علِمَ كلُّ ذي عِلم بالحديثِ، أنَّ مالكًا في نافع وغيرِهِ، زيادتُهُ مقبُولةٌ، لموضِعِهِ من الحِفظِ والإتقانِ والتَّثبُّتِ، ولو زادَ هذه اللَّفظةَ مالكٌ وحدَهُ، لكانت زيادةً مقبُولةً، لفِقهِهِ وفَهمِهِ وحِفظِهِ وإتقانِهِ، وكذلك كلُّ عدلٍ حافِظٍ، فكيفَ وقد تابَعهُ من ذكَرْنا؟

стр. 5272

ولكِنَّ المسؤُولَ لمّا رأى حديثَ حَفْصةَ هذا يُوجِبُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان مُتمتِّعًا في حَجَّتِهِ، أو قارِنًا، ولا بُدَّ من إحدَى هاتين الحالتَيْنِ، على حديثِ حَفْصةَ هذا، وعرفَ أنَّ مالكًا كان يَذْهبُ إلى أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان مُفرِدًا في حَجَّتِهِ تلكَ- لحديثهِ عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ (١)، ولحديثهِ عن أبي الأسودِ وابن شِهاب، جميعًا عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أفردَ الحجَّ (٢) - دَفعَ حديثَ حَفْصةَ بما لا وجهَ لهُ، وزعمَ أنَّ مالكًا انفردَ بقولِهِ: "ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ ". قال أبو عُمر: فلم ينفرِد بها مالكٌ، ولوِ انفردَ بها، ما نسَبَ أحدٌ إليه الوهمَ فيها؛ لأنَّها لَفْظةٌ لا يدفعُها أصلٌ، ولا نَظَر من أصلٍ، ولو جُوِّزَ لهُ أن يدفَعَ حديث حَفْصةَ هذا، بمِثلِ ذلك من خَطَلِ القولِ، كيفَ كان يصنعُ في أحاديثِ التَّمتُّع كلِّها، التي رُوي فيها: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان في حجَّتِهِ مُتمتِّعًا. وفي أحاديثِ القِرانِ، التي صرَّحت (٣) أو دَلَّتْ على أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يومئذٍ قارِنًا. وهي كلُّها آثارٌ صِحاحٌ ثابتةٌ، قد خرَّجها (٤) البُخاريُّ، ومُسلِمٌ، وأبو داود، وغيرُهُم. قال أبو عُمر: الذي عليه أهلُ العِلم فيما اختَلَف من الآثارِ، المصيرُ إلى أقوى ما رَوَوهُ، وكان أثبتَ عندَهُم من جِهَةِ النَّقلِ والمعنى، وأشبَهَ بالأُصُولِ المُجتَمع عليها.

стр. 5273

هذا (١) إذا تعارَضَتِ الآثارُ في مَحظُورٍ ومُباح، ولم يَقُم دليلٌ على نَسْخ شيءٍ منها، ولم يُمكِن ترتيبُ بَعضِها على بعضٍ، فكيفَ والأحاديثُ في القِرانِ والإفْرادِ، والتَّمتُّع، لم تَخْتَلِف إلّا في وُجُوهٍ مُباحةٍ كلُّها، لا يختلِفُ العُلماءُ في ذلك، ولا أحدٌ من الأُمَّةِ، بأنَّ الإفرادَ والتَّمتُّعَ والقِرانَ، كلَّ ذلك مُباحٌ، بالسُّنَّةِ الثّابِتةِ المُتواتِرةِ النَّقل، وبإجماع العُلماءِ. وإنَّما اختَلَفتِ الآثارُ، واختَلَف العُلماءُ، فيما كان به رسُولُ الله ﷺ مُحُرِمًا في خاصَّةِ نَفسِهِ، وهذا لا يضُرُّ جهلُهُ، لِما وَصَفنا. ولمّا لم يكُن لأحَدٍ من العُلماءِ سبيلٌ إلى الأخَذِ بكلِّ ما تعارَضَ وتدافَعَ من الآثارِ في هذا البابِ، ولم يكُن بُدٌّ من المصيرِ إلى وجهٍ واحدٍ (٢) منها، صارَ كلُّ واحدٍ منهُم إلى الأصحِّ عندَهُ، بمبلغ اجتِهادِهِ. فصارَ مالكٌ إلى تَفْضيلِ الإفْرادِ على التَّمتُّع، وعلى القِرانَ، لوُجُوهٍ: منها: أنَّهُ روَى ذلك أيضًا (٣) عن عائشةَ من وُجُوه (٤). فكانت تِلك الوُجُوهُ أولَى عندَهُ من حديثِ حَفْصةَ هذا. ومنها (٥): أنَّهُ الثّابِتُ في حَديثِ جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ (٦). ومنها: أنَّهُ اختيارُ أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ.

стр. 5274

ومنها: أنَّ ذلك أتمُّ، ولذلكَ لم يُحتَجْ فيه إلى جَبْرِ شيءٍ بدَم. ومنها، من جِهةِ النَّظرِ، حُجَجٌ مخالفةٌ مُعارضَها بمِثلِها من جِهةِ النَّظرِ أيضًا، ليسَ بنا حاجةٌ هاهُنا إلى ذِكرِ شيءٍ منها. وذهَبَ غيرُهُ إلى أنَّ التَّمتُّعَ أفْضَلُ، لآثارٍ رَوَوها، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ تمتَّعَ. وكان ابنُ عُمرَ يذهبُ إلى التَّمتُّع، ويزعُمُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ تمتَّع في حَجَّتِهِ. وكان ابنُ عُمرَ من أعلم الصَّحابةِ بالحجِّ. وذهَبَ آخرُونَ إلى أنَّ رسُولَ الله ﷺ قرَنَ بينَ الحجِّ والعُمرةِ في حَجَّتِهِ، لآثارٍ رَوَوها صِحاح عندَهُم أيضًا بذلك. والآثارُ في التَّمتُّع والقِرانِ كثيرةٌ جِدًّا، وقد ذكَرْنا منها في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، من كِتابِنا هذا ما فيه كِفايةٌ. وفي بابِ نافع أيضًا ما فيه شِفاءٌ. وما أعلمُ أحدًا قي قَديم الدَّهرِ، ولا حَديثهِ، ردَّ حديثَ حَفْصةَ هذا، بأن قال: إنَّ مالكًا انفردَ منهُ بقولِهِ: "ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ". إلّا هذا الرَّجُل، واللهُ يغفِرُ لنا، ولهُ برحمتِهِ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ. قالا: حدَّثنا القَعْنبيُّ، عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ زوج النَّبيِّ ﷺ ، أنَّها قالت لرسُولِ الله ﷺ : ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ قال: "إنِّي لبَّدتُ رأسي، وقلَّدتُ هَدْيي، فلا أحِلُّ حتّى أنحَرَ".

стр. 5275

وحدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، يعني: ابنَ سَعيدٍ القطّان، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافع، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ، قالت: قلتُ للنَّبيِّ ﷺ : ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، ولم تحِلَّ من عُمرتِكَ؟ قال: "إنِّي قلَّدتُ هَدْيي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحِلُّ حتّى أحِلَّ (١) من الحَجِّ" (٢). فهذا عُبيدُ الله بن عُمرَ، وهُو من أثْبَتِ النّاسِ في نافع، قد قال كما قال مالكٌ سَواءً. وهُو أمرٌ مُجتمَع عليه في القارِنِ: أنَّهُ لا يحِلُّ حتّى يحِلَّ منهُما جميعًا، بآخِرِ عَملِ الحجِّ. وزعَمَ بعضُ أصحابِنا: أنَّ حديثَ حَفْصةَ هذا ليسَ فيه ما يدُلُّ على أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يومئذٍ مُتمتِّعًا، ولا قارِنًا. وقال: في جوابِهِ لها، ما يدُلُّ على أنَّهُ كان مُفرِدًا، لقولِهِ: "لبَّدتُ رأسي، وقلَّدتُ هَدْيي". ولم يعرِف أنَّ هَدْي المُفرِدِ تَطَوُّعٌ لا يمنعُ من إحلالٍ لمن أُمِرَ بفَسْخ حجِّهِ في عُمرةٍ، كما أمَرَ رسُولُ الله ﷺ يَومئذٍ أصحابَهُ. وسنُبيِّنُ هذا المعنى فيما بعدُ من هذا البابِ إن شاءَ الله، وإنَّما حَمَلهُ على ذلك، واللهُ أعلمُ، تَقْصيرُ (٣) البُخاريِّ عنهُ، في رِوايةِ عُبيدِ الله. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ. وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ وأحمدُ بن سعيدٍ وأحمدُ بن قاسم، قالوا: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ. قالا جميعًا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ،

стр. 5276

قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ حَفْصةَ زوجَ النَّبيِّ ﷺ قالت: قلتُ: يا رسُولَ الله، ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ قال: "إنِّي لبَّدتُ رأسي، وقَلَّدتُ هَدْيي، فلا أحِلُّ حتّى أحِلَّ من الحَجِّ" (١). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ وعبدُ الرَّحمن بن عبدِ الله، قالا (٢): حدَّثنا أحمدُ بن جَعْفرِ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ، قالت: قلتُ: يا رسُولَ الله، ما شأنُ النّاسِ حَلُّوا ولم تحِلَّ من عُمرتِكَ؟ فذكَرَهُ حرفًا بحرفٍ إلى آخِرِهِ. قال أبو عُمر؟ معلُومٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ أصحابهُ في حَجَّتِهِ: أنَّهُ من لم يَكُن منهُم معَهُ هديٌ، أن يفسخَ حَجَّهُ في عُمرةٍ. وهذا ما لم يُختَلفْ في نقلِهِ، وإنَّما اختُلِف في خُصُوصِهِ، وعِلَّتِهِ، وعلى هذا خرَجَ سُؤالُ حفصةَ، وقولهُا: ما شأنُ النّاسِ حلُّوا ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِك؟ فجاوبها بما جَرَى ذِكرُهُ. ولم يُختَلَفْ عنهُ ﷺ أنَّهُ لمّا قدِمَ مكَّةَ، أمرَ أصحابهُ أن يحِلُّوا، إلّا من كان قد ساق هديًا، وثبتَ هُو على إحرامِهِ، فلم يحِلَّ منهُ، إلّا وقتَ ما يحِلُّ

стр. 5277

الحاجُّ من حجِّهِ، وقال: "لوِ اسْتَقبلتُ من أمْرِي ما اسْتَدبرتُ، ما سُقتُ الهَدْي، ولَجعلْتُها عُمرةً، فمن كان ليسَ معَهُ هديٌ، فليحِلَّ، ولْيَجعلْها عُمْرةً" (١). وهذا عندَنا خُصُوصٌ، واللهُ أعلمُ، لأنَّهُ ﷺ علِمَ أنَّهُ لا يحُجُّ بعدَها، وكان قد عرفَ من أمْرِ جاهِليَّتهِم أنَّهُم لا يرونَ العُمرةَ في أشْهُرِ الحجِّ إلّا فُجُورًا، ونسَخَ اللهُ ذلك من أمرِهِم، فأرادَ ﷺ أن يُريَهُم أنَّ العُمرةَ في أشْهُرِ الحجِّ ليسَ بها بأسٌ، فأمَرَ أصحابَهُ أن يحِلُّوا بعُمْرةٍ يتمتَّعُونَ بها. ومِمّا استدلَّ به من فضَّلَ القِرانَ والتَّمتُّع على الإفْرادِ، أنْ قال في (٢) حديثِ حَفْصةَ هذا عن النَّبيِّ ﷺ ، قولَهُ: "إنِّي قلَّدتُ هَدْيي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحِلُّ حتّى أنحَرَ الهَدْي"، يدُلُّ أنَّهُ كان قارِنًا ﷺ ، بقولِهِ (٣): "حتّى أحِلَّ من الحجِّ"؛ كذلك رواهُ الحُفّاظُ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ. وقال أحمدُ بن حَنْبل: عُبيدُ الله بن عُمرَ أقْعَدُ بنافع من أيُّوب، ومالكٍ (٤)، وكلُّهُم ثَبْتٌ. لأنَّهُ لو كان مُفرِدًا لحجِّهِ، لكان هَدْيُهُ تطوُّعًا، والهديُ التَّطوُّعُ لا يَمْنعُ من الإحلالِ الذي يحِلُّهُ الرَّجُلُ، إذا لم يكُن معَهُ هديٌ، ولو كان هَدْيُهُ تطوّعًا، لكان حُكْمُهُ كحُكْمِ من لم يَسُق هديًا، ولَجعلَها عُمْرةً على حِرْصِه على ذلك، بدليل قولِهِ: "لوِ اسْتَقبلتُ من أمْرِي ما اسْتَدبرتُ، ما سُقتُ الهَدْي". والهديُ الذي يَمْنعُ من ذلك، هديُ قِرانٍ، أو هَدْيُ مُتعةٍ، هذا ما لا شكَّ فيه عندَ أهلِ العِلم.

стр. 5278

ألا (١) تَرَى لو أنَّ رجُلًا خرجَ يُريدُ التَّمتُّع، وأحرمَ بعُمرةٍ: أنَّهُ إذا طافَ لها وسَعَى، وحلقَ، حلَّ منها بإجماع، إلّا أن يكونَ معَهُ هديٌ لمُتعتِهِ، فإن كان ساقَ هديًا لمُتعتِهِ، لم يحِلَّ حتّى يوم النَّحرِ، ولو ساقَ هديًا تطوُّعًا، حلَّ قبلَ يوم النَّحرِ، بعدَ فَراغِهِ من العُمرةِ. قالوا: فثبتَ بذلك أنَّ هَدْيَ النَّبيِّ ﷺ لمّا كان قد مَنعهُ من الإحلالِ، وأوجَبَ ثُبُوتَهُ على الإحرام إلى يوم النَّحرِ، لم يكُن هَدْيَ تطوُّع، وإنَّما كان هديًا لسَببِ عُمْرةٍ، يُرادُ بها قِرانٌ أو تمتُّعٌ. هذا كلُّهُ قولُ من نَفَى أن يكونَ النَّبيُّ ﷺ يومئذٍ مُفْرِدًا، وعوَّل على حديثِ حَفْصةَ هذا، وما كان في معناهُ. قالوا: ونَظَرنا في حديثِ حَفْصةَ هذا، فإذا حديثُها قد دلَّنا على أنَّ ذلك القولَ من رسُولِ الله ﷺ كان بمَكَّةَ؛ لأنَّه (٢) كان منهُ بعدَما حلَّ النّاسُ، ألا ترَى إلى قولىِ حَفْصةَ: ما شأنُ النّاسِ حلُّوا، ولم تحِلَّ أنتَ من عُمرتِكَ؟ ولا يخلُو النَّبيُّ ﷺ حينَ قال لحَفْصةَ مُجاوِبًا لها عن قولِها: "إنِّي قلَّدتُ هَدْيي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحِلُّ حتّى أنحَرَ الهَدْي" من أن يكونَ قال ذلك قبلَ أن يطُوفَ، أو بعدَ الطَّوافِ، فإن كان قد طافَ قبلَ ذلك، ثُمَّ أحرمَ بالحجِّ من بعدُ، فإنَّما (٣) كان

стр. 5279

يكونُ (١) مُتمتِّعًا، ولم يكُن قارِنًا، إذ أحرمَ بالحجِّ بعدَ فَراغِهِ من الطَّوافِ للعُمرةِ، وإن كان قد أحرمَ بالحجِّ قبلَ طَوافِهِ للعُمرةِ، فإنَّما كان قارِنًا، وهذا أشْبَهُ إن شاءَ الله (٢). وعلى أيِّ الوَجْهينِ كان، فإنَّ حديثَ حَفْصةَ هذا يَنْفي أن يكونَ النَّبيُّ ﷺ كان مُفرِدًا بحَجَّةٍ لم تتَقدَّمها عُمرةٌ، ولم يكُن معَها عُمرةٌ. وإذا كان ذلك كذلكَ، فحُكمُ حَديثِ حَفْصةَ هذا، كحُكم سائرِ الأحاديثِ المأثُورةِ عنهُ ﷺ : أنَّهُ قرنَ. أو كحُكم الأحاديثِ عنهُ: أنَّهُ تمتَّعَ (٣). ومالكٌ ﵀ لا يُنكِرُها، ولكِنَّهُ قال: إنَّ المصيرَ إلى رِوايةِ من رَوَى أنَّ رسُولَ الله ﷺ أفردَ الحجَّ أولى؛ لأنَّهُ قد صَحَّ عنهُ ذلك من طريقِ النَّقلِ، كما صحَّت تلكَ الوُجُوهُ. ورَجَّحنا اختيارنا الإفرادَ، بأنَّهُ عَملُ أبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ، وحسبُكَ بقولِ عُمر: افصِلُوا بين حَجِّكُم وعُمْرتِكُم (٤). وكان لا يزيدُ على الإفرادِ. ومُحالٌ أن يجهلَ هؤُلاءِ الخُلفاءُ الأفضَلَ والأصحَّ، مِمّا رُوي في ذلك، مع مَوْضِعِهِم من العِلم والجَلالة (٥)، والفَهْم (٦).

стр. 5280

وقد صحَّ عن عائشةَ، من (١) وُجُوهٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أفردَ الحجَّ (٢). وصَحَّ مِثلُ ذلك عن جابرٍ. وجابرٌ ساقَ الحديثَ في الحجِّ سِياقَةَ مَن حَفِظهُ من أوَّلِ الإهلالِ به، إلى آخِرِهِ، عنهُ ﷺ (٣). ورَوَى الأوزاعيُّ، عن ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: حدَّثني جابرُ بن عبدِ الله، قال: أهْلَلنا معَ رسُولِ الله ﷺ بالحجِّ خالِصًا لا يُخالِطُهُ شَيءٌ (٤). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا قتيبةُ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: أقْبَلْنا مُهِلِّينَ مع رسُولِ الله ﷺ بالحجِّ مُفْرَدًا، وأقْبَلت عائشةُ مُهِلَّةً بعُمْرةٍ. وذكر الحديثَ. والآثارُ في الإفرادِ كثيرةٌ أيضًا، وكلُّ ذلك مُجتَمَعٌ على جَوازِهِ، وبالله العونُ والتَّوفيقُ والتَّسديدُ، لا شريكَ لهُ.

стр. 5281

حديثٌ ثاني ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ حَفْصةَ زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ أخْبَرتهُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان إذا سكَتَ المُؤَذِّنُ من الأذانِ لصلاةِ الصُّبح، وبَدا الصُّبحُ، صلَّى رَكْعتيِن خَفِيفتينِ قبلَ أن تُقامَ الصَّلاةُ. في هذا الحديثِ، مع رِوايةِ الصّاحِبِ عن الصّاحِبِ، والمثلِ عن المثلِ، من الفِقْهِ: الأذانُ للصُّبح معَ انفِجارِ الصُّبح. وفيه: تخفيفُ رَكْعتيِ الفَجْرِ، وكذلك قال عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ، قالت: كان رسُولُ الله ﷺ يُخفِّفُ رَكْعتيِ الفَجْر (٢). وقد جاءَ عن عائشَةَ، أنَّها قالت: كان رسُولُ الله ﷺ يُخفِّفُ رَكْعتي الفَجْرِ حتّى إنِّي لأقولُ: أقَرَأ فيهما بأُمِّ القُرآنِ أم لا (٣)؟ وسيأتي ذِكرُ القِراءةِ فيهما، عندَ ذِكرُ ذلك الحديثِ، في كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٤): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثني من لا أُحصي من أصْحابِ نافع، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: أخبرتني حَفْصةُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان إذا طلَعَ الفجرُ، صلَّى رَكْعَتينِ. حدَّثنا سعيدٌ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن المِنْهالِ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن

стр. 5282

عُبيدِ الله، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ، قالت: كان رسُولُ الله ﷺ يُخفِّفُ رَكْعتيِ الفَجْر (١). وحدَّثني عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا زكريّا بن عديٍّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عَمرٍو (٢)، عن عبدِ الكريم الجَزَريِّ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ، قالت: كان رسُولُ الله ﷺ إذا سمِعَ أذانَ الصُّبح صلَّى ركعتينِ، ثُمَّ خرجَ إلى المسجدِ، وحرَّمَ الطَّعامَ، وكان لا يُؤَذَّنُ لهُ حتّى يُصْبِحَ (٣). وفي هذه الأحاديثِ ما يدُلُّ على أنَّ رَكْعتيِ الفَجْرِ من السُّننِ المُؤَكَّدة (٤)؛ لأنَّ السُّنّةَ لا يُعرفُ منها مُؤَكَّدُها، إلّا بمُواظَبةِ رسُولِ الله ﷺ عليها، وكان رسُولُ الله يُواظِبُ على رَكْعتيِ الفجرِ، ويندُبُ إليهما. وقد قال بعضُ أصحابِنا: إنَّهُما من الرَّغائبِ، وليسَتا من السُّننِ. وهذا قولٌ ضعيفٌ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن

стр. 5283

حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن ابن جُريج (١)، قال: حدَّثني عَطاءٌ، عن عُبَيدِ بن عُمَير (٢)، عن عائشةَ، قالت: إنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَكُن على شيءٍ من النَّوافِلِ، أشَدَّ مُعاهد منهُ على الرَّكعتينِ قبلَ الصُّبح (٣). قال أبو عُمر: كلُّ ما ليسَ بفريضةٍ، فهُو نافِلةٌ وفَضِيلةٌ، إذا سَنَّ ذلك رسُولُ الله ﷺ بقولِهِ، أو فِعلِهِ، وسُنَّتُهُ طريقتُهُ التي كان عليها، عامِلًا بها، ونادِبًا (٤) إليها (٥).

стр. 5284

حديثٌ ثالث ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ دخَلَ الكَعْبةَ هُو وأُسامةُ بن زيدٍ وعُثمانُ بن طَلْحةَ الحَجَبيُّ وبِلالٌ، فأغْلَقَها عليه، ومكَثَ فيها. قال عبدُ الله بن عُمرَ: فسألتُ بلالًا حينَ خرجَ: ماذا صنَعَ رسُولُ الله ﷺ ؟ فقال: جعَلَ عمُودًا عن يَمينِهِ، وعَمُودينِ عن يَساره، وثلاثةَ أعْمِدَةٍ وَراءَهُ، وكان البيتُ يَومَئذٍ على سِتَّةِ أعْمِدةٍ، ثُمَّ صلَّى. هكذا رَواهُ جماعةٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، قالوا فيه: عمُودًا عن يَمينِهِ، وعمُودَيْنِ عن يَسارِهِ. منهُم: يحيى بن يحيى النَّيسابُوريُّ (٢)، وبِشرُ بن عُمر الزَّهرانيُّ (٣)، وكذلك رواهُ الرَّبيعُ، عن الشّافِعيِّ (٤)، عن مالكٍ. ورواهُ عُثمانُ بن عُمرَ، عن مالكٍ، فقال فيه: جعلَ عَمُودينِ عن يَمينِهِ، وعمُودَيْن عن يَسارِه (٥). ورَوَى أبو قِلابةَ، عن بِشْرِ بن عُمرَ، عن مالك (٦): عَمُودًا عن يَمينِهِ، وعمُودًا عن يَسارِه (٧). وكذلك رواهُ إسحاقُ بن الطَّباع، عن مالك (٨).

стр. 5285

وقد رُوي ذلك عن ابن مهديٍّ، عن مالكٍ في هذا الحديثِ: وجعَلَ عمُودينِ عن يَمييهِ، وعمُودًا عن يَسارِه (١)؛ وكذلك رواهُ بُندارٌ عنهُ. وكذلكَ رواهُ الزَّعفرانيُّ، عن الشّافِعيِّ، عن مالكٍ. وكذلك رواه القَعْنبيُّ (٢)، وأبو مُصعب (٣)، وابنُ بُكَير (٤)، وابنُ القاسم (٥)، ومحمدُ بن الحسن الفقيهُ (٦) عن مالك. ورَوَتْ طائفةٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ هذا الحديث، وانتهى حديثُهُم (٧) إلى: ثُمَّ صلَّى. وزادَ ابنُ القاسم في هذا الحديثِ عن مالكٍ بإسنابٍ هذا: وجعلَ بينَهُ وبينَ الجِدارِ نحوَ ثلاثةِ أذرُع. ورواهُ ابنُ عُفَير (٨) وابنُ وَهْب (٩) وابنُ مهديٍّ، عن مالكٍ، كما رواهُ ابنُ القاسم، إلّا أنَّهُم قالوا: ثلاثةَ أذرُع. ولم يقولُوا: نحوَ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١٠): حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن إسحاق الأذرميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن

стр. 5286

مهديٍّ، عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمر، بهذا الحديثِ، لم يذكُرِ السَّواري. قال: ثُمَّ صلَّى وبينَهُ وبينَ القِبلَةِ ثلاثةُ أذْرُع. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عليُّ بن الحَسَن بن علّانَ (١) الحرّانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرِ بن عيسَى بن رزينٍ العَطّارُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن الجرّاح، قال: حدَّثنا شَبابَةُ بن سَوّارٍ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: صلَّى رسُولُ الله ﷺ في الكَعْبةِ، وبَيْنَهُ وبينَ الحائطِ ثلاثةُ أذْرُع. ورَوَى هُشيمٌ هذا الخبرَ، عن ابن عَوْنٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، فزادَ فيه: الفضلَ بنَ عبّاسٍ؛ حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا ابنُ عَوْنٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: دخلَ رسُولُ الله ﷺ البيتَ ومعَهُ الفَضلُ بن عبّاسٍ، وأُسامةُ بن زيدٍ، وعُثمانُ بن طَلْحةَ، وبِلالٌ، فأجافُوا (٣) عليهمُ الباب، فمكَثَ فيه ما شاءَ الله، ثُمَّ خرجَ. قال ابنُ عُمرَ: فكان أوَّلَ من لقيتُ بلالٌ، فقلتُ: أينَ صلَّى رسُولُ الله ﷺ ؟ فقال: بينَ الأُسْطُوانتينِ. ورواهُ خالدُ بن الحارِثِ، عن ابن عَوْنٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، مثلَهُ بمعناه، ولم يذكُرِ (٤) الفضلَ بن عبّاسٍ. وقال فيه: فقلتُ: أين صلَّى رسُولُ الله ﷺ ؟ فقالوا: هاهُنا. ونسيتُ أن أسألَهُ كم صلَّى (٥).

стр. 5287

ورَوَى هذا الخبرَ ابنُ أبي مُلَيكةَ، عن ابن عُمرَ، قال فيه: فسألتُ بلالًا: هل صلَّى رسُولُ الله ﷺ في الكعبةِ؟ فقال: نعم، رَكْعتينِ بينَ السّاريتينِ. ففي هذا الحديثِ أنَّهُ صلَّى فيها رَكْعتينِ، وهذا خِلافُ ما تَقدَّمَ. ورواهُ يحيى القطّانُ، عن السّائبِ بن عُمرَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ (١). وفي هذا الحديثِ أيضًا: رِوايةُ الصاحِبِ، عن الصّاحِبِ. ورَوَى عبدُ الله بن عبّاس، عن أُسامةَ بن زَيْدٍ، قال: دخَلَ رسُولُ الله ﷺ الكعبةَ، فسبَّحَ، أو كبَّر في نَواحيها، ولم يُصلِّ فيها، ثُمَّ خرَج فصلَّى خلفَ المَقام قِبَلَ الكعبةِ رَكْعتينِ، ثُمَّ قال: "هذه القِبْلةُ" (٢). قال أبو عُمر: رِوايةُ ابن عُمرَ، عن بلال، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ صلَّى في الكعْبةِ، أولى من رِوايةِ ابن عبّاسٍ، عن أُسامةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يُصلِّ فيها؟ لأنَّها زيادةٌ مَقبُولةٌ، وليسَ قولُ من قال: لم يَفْعل بشهادةٍ، وهذا أصلٌ من أُصُولِ الفِقهِ في الشَّهادَةِ، إذا تعارَضَتْ في نحوِ هذا، فأثبتَ قومٌ شيئًا، ونفاهُ آخرُونَ، كان القولُ قول المُثبِتِ، دُونَ النّافي؛ لأنَّ النّافي ليسَ بشاهِدٍ. هذا إذا اسْتَويا في العَدالةِ والإتقانِ، والقولُ في قبُولِ زيادةِ الزّائدِ في الأخبارِ، على نحوِ هذا، لأنَّ الزِّيادةَ، كشَهادَةٍ مُسْتأنفةٍ.

стр. 5288

أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ (١) بن محمدٍ. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبرنا أحمدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم (٣)، قال: حدَّثنا سيفُ بن سُليمانَ، قال: سمِعتُ مجُاهِدًا يقولُ: أُذِنَ (٤) ابنُ عُمرَ في مَنْزِلِهِ، فقيلَ: هذا رسُولُ الله ﷺ قد دخَلَ الكعبةَ. قال: فأقبلتُ، فأجِدُ رسُولَ الله ﷺ قد خرَجَ، وأجِدُ بلالًا على البابِ قائمًا، فقلتُ: يا بلالُ، أصلَّى (٥) رسُولُ الله ﷺ في الكَعْبةِ؟ قال: نعم. قلتُ: أينَ؟ قال: ما بينَ هاتين الأُسْطُوانَتَينِ رَكْعتينِ، ثُمَّ خرجَ فصلَّى رَكْعتينِ في وَجْهِ الكَعبةِ. وعندَ مجُاهِدٍ في هذا حديثٌ آخرُ: حدَّثناهُ عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكير، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦): حدَّثنا زُهَيرُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن يزيد بن أبي زياب، عن مجُاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ (٧) بن صَفْوانَ،

стр. 5289

قال: قلتُ لعُمرَ بن الخطّابِ: كيفَ صنَعَ رسُولُ الله ﷺ حينَ دخَلَ الكعبةَ؟ قال: صلَّى رَكْعتينِ. فهذه آثارٌ تَشْهدُ لصِحَّةِ قولِ ابن عُمرَ، عن بلال: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى فيها. الصَّلاةَ المعهُودةَ، لا الدُّعاءَ. واختلَفَ الفُقهاءُ في الصَّلاةِ في الكَعْبةِ، الفَرِيضةِ والنّافِلةِ. فقال مالكٌ (١): لا يُصلَّى فيها الفَرْض، ولا الوِتْرُ، ولا رَكْعتا الفَجْرِ، ولا رَكْعتا الطَّوافِ، ويُصلَّى فيها التَّطوُّعُ. وذكر ابنُ خُويزِمَنْداد، عن مالكٍ وأصحابِهِ، فيمَنْ صلَّى في الكعبةِ الفَريضةَ، أو صلَّى على ظَهْرِها، أعادَ ما دامَ في الوقتِ، في المسألتينِ جميعًا. وقال الشّافِعيُّ (٢)، وأبو حنيفةَ (٣)، والثَّوريُّ: يُصَلَّى في الكَعْبةِ الفرضُ والنَّوافِلُ كلُّها (٤). وقال الشّافِعيُّ (٥): إن صلَّى في جَوْفِها مُستقبِلًا حائطًا من حِيطانِها، فصلاتُه جائزةٌ، وإن صلَّى نحوَ البابِ، والبابُ مفتُوحٌ، فصلاتُه باطِلٌ؛ لأنَّهُ لم يَسْتقبِلَ منها شيئًا. قال: ومَن صَلّى على ظهرِها، فصلاتُه باطِلٌ؛ لأنه لم يستقبلْ منها شيئًا.

стр. 5290

وقال مالكٌ: من صلَّى على ظَهرِ الكَعْبةِ مَكْتُوبةً، أعادَ في الوَقْت (١). وقد رُوي عن بعضِ أصحابِ مالكٍ: يُعيدُ أبدًا (٢). وقال أبو حَنِيفةَ: من صلَّى على ظهرِ الكَعْبةِ، فلا شيءَ عليه (٣). واختلَفَ أهلُ الظّاهِرِ فيمَنْ صلَّى في الكعبةِ، فقال بعضُهُم: صَلاتُهُ جائزةٌ. وقال بعضُهُم: لا صلاةَ لهُ في نافِلةٍ، ولا في فَرِيضةٍ؛ لأنَّهُ قدِ استدبَرَ بعضَ الكعبةِ (٤). واحتجَّ قائلُ هذه المَقالةِ بقولِ ابن عبّاسٍ: أُمِرَ النّاسُ أن يُصلُّوا إلى الكَعْبةِ، ولم يُؤمرُوا أن يُصلُّوا فيها (٥). قال أبو عُمر: لا يصِح في هذه المسألةِ إلّا أحَدُ قولينِ: إمّا أن يكونَ من صلَّى في الكَعْبةِ فصلاتُه تامَّةٌ، فَرِيضةً كانت أو نافِلةً؛ لأنَّهُ قدِ استقبلَ بعضَها، وليسَ عليه إلّا ذلك، أو تكونُ صلاتُهُ فاسِدةً، فريضةً كانت أو نافِلةً، من أجلِ أنَّهُ لم يحصُل لهُ استِقبالُ بَعضِها، إذا صلَّى داخِلها، إلّا باسْتِدبارِ بعضِها. ولا يجُوزُ ذلك عندَ من ذهَبَ إلى أنَّ الأمرَ بالشَّيءِ، نهي عن جميع أضْدادِهِ، في كلِّ بابٍ. والصَّوابُ من القولِ في هذا البابِ عِندي، قولُ من أجازَ الصَّلاةَ كلَّها في الكعبةِ، إذا استقبلَ شيئًا منها؛ لأنَّهُ قد فعَلَ ما أُمِر به، ولم يأتِ ما نُهِيَ عنهُ، لأنَّ

стр. 5291

اسْتِدبارَها هاهُنا، ليس بضِدِّ استِقبالِها، لأنَّهُ ثابت معَهُ في بعضِها، والضِّدُّ لا يثبُتُ مع ضِدِّهِ، ومعلُومٌ أنَّ المأمُورَ باستِقبالِ الكَعْبةِ، لم يُؤمر باسْتِقبالِ جَميعها، وإنَّما تَوجَّه الخِطابُ إليه، باسْتِقبالِ بَعضِها، والمُصلِّي في جَوْفِها قدِ استقبلَ جِهةً منها، وقِطْعةً، وناحيةً (١)، فهُو مُستقبِلٌ لها بذلك. وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ صلَّى فيها رَكْعتينِ، وهُو المُبيِّنُ عن الله مُرادَهُ. وكلُّ مَوْضِع تجُوزُ فيه صلاةُ النّافِلةِ، جازت فيه صلاةُ الفَريضةِ، قياسًا ونظرًا، إلّا أن يمنعَ من ذلك ما يجِبُ التَّسليمُ لهُ، على أنَّهُ لا يجِبُ لأحَدٍ أن يتعمَّدَ صلاةَ الفَرِيضةِ فيها. ولو صلَّى فيها رَكْعتين نافِلةً، لم يكُن بذلك بأسٌ، فإن صلَّى أحَدٌ فيها فَريضةً، فلا حرجّ، ولا إعادةَ. فإن قيل: إنَّ النّافِلةَ قد تجُوزُ على الدّابَّةِ للمُسافِرِ إلى غَيرِ القِبْلةِ، ولا تجُوزُ كذلكَ الفريضةُ، فلِمَ قِسْتَ النّافِلةَ على الفَرِيضةِ؟ قيل لهُ: ذلك مَوْضِعُ خُصُوصٍ بالسُّنَّةِ لضرُورةِ السَّفرِ، كما تجُوزُ صَلاةُ الفَريضةِ للخائفِ المطلُوبِ، راكِبًا مُستقبِلَ القِبلةِ وغيرَ مُستقبِلِها، لضرُورةِ الخوفِ، وليس ذلك بمُبيح لهُ الصلاةَ المفرُوضةَ على الدّابَّةِ في حالِ الأمنِ من غيرِ ضرُورة، ولا بمُبيح ذلك لهُ تَرْكَ استِقبالِ القِبلةِ من غيرِ ضرُورة، وكذلكَ الصَّلاةُ على الدّابَّةِ للمُتطوِّع المُسافِرِ، ليسَ ذلك بمُبيح لهُ الصَّلاةَ النّافِلةَ، ولا الفَرِيضةَ على الأرضِ إلى غيرِ القِبلةِ في الحَضَرِ، لأنَّها في السَّفرِ حالُ ضرُورةٍ، خُصت بالسُّنَّةِ والإجماع.

стр. 5292

وأمّا غيرُ ذلك مِمّا تنازع فيه العُلماءُ من هذا البابِ، فالواجِبُ أن لا يُفرِّقَ فيه بين صلاةِ النّافِلةِ والفريضةِ، كما أنَّها لا تَفْترِقُ في الطَّهارةِ، واستِقبالِ القِبلَةِ، وقِراءةِ القُرآنِ، والسَّهوِ، وسائرِ الأحكام، وبالله التَّوفيقُ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ الدَّراوَرْديُّ، عن عَلْقمةَ بن أبي عَلْقمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كُنتُ أُحِبُّ أن أدخُلَ البيت وأُصَلِّي فيه، فأخذَ رسُولُ الله ﷺ بيَدِي فأدْخَلَني في الحِجْرِ، فقال: "فصلِّي في الحِجْرِ (٢) إذا أرَدْتِ دُخُول البيتِ، فإنَّما هُو قِطعة من البيتِ، فإنَّ قومَكِ اقْتَصرُوا حينَ بنوُا الكعبةَ فأخْرَجُوهُ من البيتِ". قال أبو عُمر: لو مِلْتُ إلى قولِ أُسامةَ وابن عبّاسٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ حينَ دخلَ الكعبةَ دَعا فيها، ولم يُصلِّ، لم أُجِزْ فيها نافِلةً ولا فَرِيضةً، من جِهَةِ اسْتِدبارِ بَعضِها، ولكِنَّ القول بالزِّيادةِ المُفسِّرةِ لمعنَى الصَّلاةِ أولى، ورِوايةُ من أثبتَ، أولَى من رِوايةِ من نَفَى، واللهُ (٣) أعلمُ، وبه التَّوفيقُ لا شريكَ لهُ.

стр. 5293

حديثٌ رابعُ ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن زيدِ بن ثابتٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رَخَّصَ لصاحِبِ العَرِيَّةِ أن يَبِيعها بخَرْصِها. هكذا رَوَى هذا الحديثَ في "المُوطَّأ" جماعةُ الرُّواةِ فيما علِمتُ، لم يزيدُوا على: أن يَبِيعها بخَرْصِها (٢). ورَواهُ اللَّيثُ بن سعدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: حدَّثني زيدُ بن ثابتٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أرخَصَ في بيع العَرايا بخرصِها تمرًا (٣). وهو عندَ يحيى بن سعيدٍ في العَرايا أيضًا حديثُهُ، عن بُشَيْر بن يَسارٍ، عن سَهْلِ بن أبي حثمَةَ. وقد ذكَرْناهُ في بابِ داود بن الحُصَينِ، من هذا الكِتابِ.

стр. 5294

ورَوَى الأوزاعيُّ ويونُسُ، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، عن زيدِ بن ثابتٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أرخصَ في بَيْع العَرايا بالرُّطَب (١). والمحفُوظُ في هذا الحديثِ وغيرِهِ في العرايا، ذِكرُ التَّمرِ، لا ذِكرُ الرُّطَبِ. وقد مَضَى القولُ في حُكْم العَرايا، ومَعانيها، وما للعُلماءِ من الأقاويلِ في ذلك مُستوعبًا، في بابِ داود بن الحُصَينِ، من كِتابِنا هذا، فلا وجه لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 5295

حديثٌ خامسُ ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ عائشَةَ أُمَّ المُؤمنينَ أرادَتْ أن تَشْتري جاريةً تُعْتِقُها، فقال أهلُها: نَبِيعُكُها على أنَّ وَلاءَها لنا، فذَكَرت ذلك لرسُولِ الله ﷺ ، فقال: "لا يَمْنَعُكِ (٢) ذلك، فإنَّما الوَلاءُ لمن أعتَقَ". هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ أكثرِ الرُّواةِ عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ (٣) عائشةَ (٤). ورَواهُ (٥) يحيى بن يحيى النَّيسابُوريُّ، عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن عائشةَ؛ حدَّثناهُ عبدُ الرَّحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسَنُ بن الخَضِرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن فضالةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأتُ على مالكٍ، فذكرهُ (٦).

стр. 5296

قال أبو عُمر: قد مَضَى منَ القولِ في حديثِ بَرِيرةَ وُجُوهٌ ومعانٍ حِسانٌ، في بابِ رَبيعةَ من هذا الكِتابِ، وسيأتي القولُ مُستَقصًى مُمهَّدًا مُوعَبًا في معاني حديثِ بَرِيرةَ، في بابِ هشام بن عُرْوةَ إن شاءَ الله. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "لا يَمْنَعُكِ ذلك"، فمَعناهُ: لا يَمْنَعُكِ ما ذكَرُوا من اشْتِراطِ الولاءِ، أن تحتَرِم شراءَها، وقلْ (١) لهم: "الوَلاءُ لمن أعتَقَ". فلا سَبِيلَ إلى ما ذَكَرتُمُوهُ، إن أرَدْتُم بَيْعَها، فإنَّ الحُكمَ فيها، وفي غيرِها: أنَّ الوَلاءَ لمن أعْطَى الثَّمنَ، إذا أعتَقَ، وإنْ لم تريدُوا بيعَها على حُكم السُّنَّةِ، فشأنكُم بها. هذا معنَى هذا الحديثِ عندَ أهلِ العِلم، ولا يجُوزُ غيرُ هذا التَّأويلِ، ومِثلُهُ عندَ من عرفَ الله، وعرفَ رسُولَهُ ﷺ ، وعرفَ أحكامَهُما (٢) في كِتابِ الله، وسُنَّةِ نبيِّهِ ﷺ . وقد بَيّنا (٣) هذا المعنَى بالحُجَّةِ الواضِحةِ، في بابِ هشام بن عُروةَ، والحمدُ لله. وفي ظاهِرِ هذا الحديثِ دَلِيلٌ على أنَّ الشَّرطَ الفاسِدَ، لا يقدحُ في البَيْع، ولا يُفسِدُهُ، ولا يُبطِلُهُ، وأنَّ البيعَ يصِحّ معَهُ، ويبطُلُ الشَّرطُ. ولكِن قد جاءَت آثارٌ، منها ما يدُلُّ على جَوازِ البيع والشَّرطِ، ومنها ما يدُلُّ على إبطالِ البيع من أجْلِ الشَّرطِ الفاسِدِ، ولكلِّ حديثٍ منها وجهٌ، وأصَحُّها من جِهةِ النَّقلِ حديثُ ابن عُمر هذا في قِصَّةِ بَرِيرةَ، وقد رَوَتهُ عائشةُ أيضًا، وهُو يَدُلُّ على ما ذكَرْنا. ولتَلْخيصِ معاني الآثارِ المُتعارِضةِ في هذا البابِ موضِعٌ غيرُ هذا، ومن حملَ الحديثَ على ما تأوَّلناهُ عليه، لم يكُن فيه دليلٌ على جَوازِ البيع، وبُطلان

стр. 5297

الشَّرطِ؛ لأنَّهُ يحتَمِلُ أن يكونَ البيعُ لم يَنْعقِد، على ظاهِرِ هذا الحديثِ، والله أعلمُ. ولعلَّهُ انعقَدَ على ما يجِبُ في ذلك، بتَرْكِ أهلِ بَرِيرةَ لذلك الشَّرطِ، وإذا احتمَلَ هذا الإدخالَ، ارتفعَ القَطْعُ عليه بوجهٍ من تِلك الوُجُوهِ، ورُدَّ الأمرُ في ذلك إلى الأصْلِ، وهُو نَهْيُ رسُولِ الله ﷺ عن بَيعْ الولاءِ وهِبتِهِ. والآثارُ في قِصَّةِ بَرِيرةَ مَرْويَّةٌ بألفاظٍ مُختلِفةٍ، وقد ذكَرْناها (١)، وذكَرْنا ما فيها من الأحكام والمعاني، مُستقصاةً مبسُوطةً، في بابِ هشام بن عُروةَ من هذا الكِتابِ، فهُناك يتأمَّلُها من ابتغاها بحولِ الله، وذكَرْنا منها عُيُونًا وأُصُولًا، في بابِ ربيعةَ أيضًا والحمدُ لله. وأمّا قولُهُ: إنَّ عائشَةَ أرادَتْ أن تَشْتريَ جاريةً فتُعتِقَها. فإنَّ الفُقَهاءَ اختلفُوا فيمَنْ اشْتَرى عبدًا، على أن يُعتِقَهُ. فذهَبَ مالكٌ (٢) إلى أنَّهُ لا بأسَ بذلك، وأنَّهُ يلزمُهُ العِتقُ، إذا وقعَ في شرطِ البَيعْ؛ قال ابنُ القاسم، وابنُ عبدِ الحكم عنهُ: لو باعَهُ على أن يُدبِّرهُ، أو يُعتِقهُ إلى سِنينَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك من الغَررِ، ويُفسَخُ البيعُ. قال ابنُ الموّازِ: فإن فاتَ بالتَّدبيرِ، أو بالعِتقِ إلى أجلٍ، كان للباع ما وضَعَ من الثَّمنِ. قال: ولوِ اشْتَراهُ على أن يُعتِقهُ، فأبى من ذلك، كان للبائع نقضُ البيع. وقال الثَّوريُّ: إذا باع (٣) عَبدَهُ على أن يُعتِقهُ، ويكونَ الولاءُ لهُ، فإنَّما يكونُ الوَلاءُ لمن أعتَقهُ. وهذا أجاز البيعَ، وأبطل الشَّرط. وقال أبو حنيفةَ فيمَنْ اشْتَرى عبدًا على أن يُعتِقهُ: إنَّ البيعَ فاسِدٌ، فإنْ قَبَضهُ وأعتَقهُ فعليه الثَّمنُ، في قولِ أبي حنيفةَ (٤).

стр. 5298

وقال أبو يوسُف، ومحمدٌ: عليه القيمةُ (١). وقال ابنُ أبي ليلى: إذا ابتاعَ عبدًا، وشرَطَ أن يُعتِقَهُ، فالبيعُ جائزٌ، والشَّرطُ باطِلٌ (٢). وقال ابنُ شُبرُمةَ: البيعُ فاسِدٌ (٣). وذكر الرَّبيعُ، عن الشّافِعيِّ (٤): إن باعَ العبدَ على أن يُعتِقَهُ، أو على أن يَبِيعَهُ من فُلانٍ، أو على أن لا يَهَبهُ، أو يَهَبهُ (٥)، أو على مَنعْ شيءٍ من التَّصرُّفِ، فالبيعُ في هذا كلِّهِ فاسِدٌ، ولا يجُوزُ الشَّرطُ في شَيءٍ من هذا، إلّا في مَوْضِع واحدٍ، وهُو العِتقُ، اتِّباعًا للسُّنَّةِ، فإذا اشْتَراهُ على أن يُعتِقهُ، فالبيعُ جائزٌ. وحَكَى أبو ثورٍ، عن الشّافِعيِّ: أنَّ البيعَ في هذه المسائلِ كلِّها جائزٌ، والشَّرطُ باطِلٌ (٦). وقال الحسنُ بن حيٍّ: كلُّ شَرْطٍ في بيع هَدَمَهُ البيعُ، إلّا العَتاقةَ، وكلُّ شَرْطٍ في نِكاح هَدَمَهُ النِّكاحُ، إلّا الطَّلاق. وهُو قولُ إبراهيمَ. وقال اللَّيثُ فيمَنْ اشْتَرى عبدًا، على أن يُعتِقهُ، فهُو حُرٌّ حينَ اشْتَراهُ، فإن أبَى من عِتقِهِ، جُبِرَ على عِتْقِهِ، وليس لواحدٍ منهُما أن ينصرِفَ عن ذلك. قال أبو عُمر: في حديثِ ابن عُمرَ المذكُورِ في قِصَّةِ بَرِيرةَ، جَوازُ بيع العَبْدِ على أن يُعتَقَ. والقولُ به أولَى ما ذُهِبَ إليه في هذا البابِ، وبالله التَّوفيقُ (٧).

стр. 5299

حديثٌ سادِسُ ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ خطَبَ النّاسَ في بَعضِ مَغازيهِ. قال عبدُ الله بن عُمرَ: فأقبَلتُ نحوهُ، فانصرَفَ قبلَ أن أبْلُغَهُ، فسألتُ: ماذا قالَ؟ فقيلَ لي: نَهَى أن يُنبَذَ في الدُّبّاءِ والمُزفَّت (٢). قال أبو عُمر: كان عبدُ الله بن عُمرَ يَرَى أنَّ النَّهي عن الانْتِباذِ في الظُّرُوفِ نحوَ الدُّبّاءِ والمُزفَّتِ، غيرَ منسُوخ. وكان مالكٌ يذهبُ إلى هذا، وتابَعهُ طائفةٌ من أهلِ العِلم. وقد مَضَى القولُ في هذا البابِ مُمهَّدًا مبسُوطًا، بما فيه من اختِلافِ الآثارِ، وتنازُع عُلماءِ الأمْصارِ، في بابِ رَبِيعةَ من هذا الكِتابِ، والحمدُ لله، فلا وجهَ لتَكْريرِ ذلك هاهُنا. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الإمامَ يخطُبُ رَعِيّتَهُ ويُعلِّمُهُم في خُطبتِهِ ما بهمُ الحاجةُ إليه من أحكامِهِم، في دينِهِم ودُنياهُم. وأمّا الدُّبّاءُ، فهُو القَرْعُ المعرُوفُ، وهُو إذا يبِسَ، وصُنِع (٣) منهُ ظرفٌ، يُسرِعُ فيه النَّبيذُ إلى الشِّدَّةِ، مزفَّتًا كان أو غير مُزفَّتٍ، ولذلكَ جاءَ في هذا الحديثِ وغيرِهِ ذِكرُ الدُّبّاءِ مُطلقًا، ثُمَّ عطفَ عليه المُزفَّت منهُ، ومِن غيرِهِ، والله أعلمُ.

стр. 5300

أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يونُسَ، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن فُضَيل (٢)، عن المُختارِ بن فُلفُلٍ، قال: سألتُ أنسَ بن مالكٍ، عن النَّبيذِ، فقال: اجْتَنِب مُسكِرَهُ في كلِّ شيءٍ، واجْتَنِب ما سِوَى ذلك فيما زُفِّتَ، أو في (٣) قَرْعةٍ. وهذا يُوضِّحُ ما قُلنا، ويُفسِّرُ حديثَ ابن عُمرَ ومذهبَهُ، ومذهبَ مالكٍ في هذا البابِ، والله المُوفِّقِ للصَّوابِ. وأمّا (٤) حديثُ مالك (٥)، عن نافع وعبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ قدِمَ الكُوفَةَ على سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ، وهُو أميرُها، فراص يَمْسحُ على الخُفَّينِ، فأنكَرَ ذلك عليه، فقال لهُ سعدٌ: سَلْ أباكَ إذا قدِمتَ عليه. فقدِمَ عبدُ الله بن عُمرَ، فنَسِيَ أن يسألَ عُمرَ عن ذلك، حتّى قدِمَ سعدٌ، فقال: سَألتَ أباكَ؟ فقال: لا. قال: فسَلْهُ. فسألهُ عبدُ الله بن عُمرَ. فقال عُمرُ: إذا أدخلتَ رِجْلَيكَ في الخُفَّينِ وهُما طاهِرتانِ، فامسَحْ عليهما. فقال عبدُ الله بن عُمرَ: وإن جاءَ أحَدُنا من الغائطِ؟ فقال عُمرُ: وإن جاءَ من الغائطِ. فهذا موقُوفٌ على عُمرَ في "المُوطَّأ" ولم يختلِف رُواةُ "المُوطَّأ" في ذلك، ولا عن مالكٍ فيه خِلافٌ.

стр. 5301

وقد تابَعهُ على ذلك جماعةٌ، وهُو الصَّحيحُ إن شاءَ الله. وقد رُوي عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ مرفُوعًا. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ ومحمدُ بن إبراهيمَ، قالا: أخبرنا محمدُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال (١): حدَّثنا عِمرانُ بن موسى، قال: حدَّثنا ابنُ سَواءٍ (٢)، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن عُمرَ (٣): أنَّ النَّبيَّ ﷺ توضَّأ، ومسحَ على خُفَّيهِ. وقد رُوِيَ عن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ في المَسْح على الخُفَّينِ: من حديثِ سالم، عن ابن عُمرَ، عن عُمر (٤). ومِن حديثِ محُارِبِ ين دِثارٍ، عن ابن عُمر، عن عُمرَ (٥). ومِن حديثِ عاصِم بن عُبيدِ الله، عن أبيهِ، أو عمِّهِ، عن عُمرَ (٦). ومِن حديثِ البراءِ بن عازِبِ، عن عُمرَ (٧). كلُّها عن النَّبيِّ ﷺ .

стр. 5302

وقد رُوي موقُوفًا على عُمرَ من وُجُوهٍ أيضًا (١). وإذا صحَّ رفعُهُ، فلا يَضُرُّهُ توقيفُ من وَقَفهُ؛ لأنَّهُ أفْتَى بما علِمَ. وقد رُوي المسحُ على الخُفَّينِ أيضًا عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، من طُرُق (٢). وقد ذكَرْنا طُرُقَ المسح على الخُفَّينِ، والقائلينَ به من الصَّحابةِ، ومن بعدَهُم مُسْتَوعبًا، في بابِ ابن شِهاب، والحمدُ لله (٣).
следующие страницы →