← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5298–5337 · переход к 5303.

стр. 5298

وقال أبو يوسُف، ومحمدٌ: عليه القيمةُ (١). وقال ابنُ أبي ليلى: إذا ابتاعَ عبدًا، وشرَطَ أن يُعتِقَهُ، فالبيعُ جائزٌ، والشَّرطُ باطِلٌ (٢). وقال ابنُ شُبرُمةَ: البيعُ فاسِدٌ (٣). وذكر الرَّبيعُ، عن الشّافِعيِّ (٤): إن باعَ العبدَ على أن يُعتِقَهُ، أو على أن يَبِيعَهُ من فُلانٍ، أو على أن لا يَهَبهُ، أو يَهَبهُ (٥)، أو على مَنعْ شيءٍ من التَّصرُّفِ، فالبيعُ في هذا كلِّهِ فاسِدٌ، ولا يجُوزُ الشَّرطُ في شَيءٍ من هذا، إلّا في مَوْضِع واحدٍ، وهُو العِتقُ، اتِّباعًا للسُّنَّةِ، فإذا اشْتَراهُ على أن يُعتِقهُ، فالبيعُ جائزٌ. وحَكَى أبو ثورٍ، عن الشّافِعيِّ: أنَّ البيعَ في هذه المسائلِ كلِّها جائزٌ، والشَّرطُ باطِلٌ (٦). وقال الحسنُ بن حيٍّ: كلُّ شَرْطٍ في بيع هَدَمَهُ البيعُ، إلّا العَتاقةَ، وكلُّ شَرْطٍ في نِكاح هَدَمَهُ النِّكاحُ، إلّا الطَّلاق. وهُو قولُ إبراهيمَ. وقال اللَّيثُ فيمَنْ اشْتَرى عبدًا، على أن يُعتِقهُ، فهُو حُرٌّ حينَ اشْتَراهُ، فإن أبَى من عِتقِهِ، جُبِرَ على عِتْقِهِ، وليس لواحدٍ منهُما أن ينصرِفَ عن ذلك. قال أبو عُمر: في حديثِ ابن عُمرَ المذكُورِ في قِصَّةِ بَرِيرةَ، جَوازُ بيع العَبْدِ على أن يُعتَقَ. والقولُ به أولَى ما ذُهِبَ إليه في هذا البابِ، وبالله التَّوفيقُ (٧).

стр. 5299

حديثٌ سادِسُ ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ خطَبَ النّاسَ في بَعضِ مَغازيهِ. قال عبدُ الله بن عُمرَ: فأقبَلتُ نحوهُ، فانصرَفَ قبلَ أن أبْلُغَهُ، فسألتُ: ماذا قالَ؟ فقيلَ لي: نَهَى أن يُنبَذَ في الدُّبّاءِ والمُزفَّت (٢). قال أبو عُمر: كان عبدُ الله بن عُمرَ يَرَى أنَّ النَّهي عن الانْتِباذِ في الظُّرُوفِ نحوَ الدُّبّاءِ والمُزفَّتِ، غيرَ منسُوخ. وكان مالكٌ يذهبُ إلى هذا، وتابَعهُ طائفةٌ من أهلِ العِلم. وقد مَضَى القولُ في هذا البابِ مُمهَّدًا مبسُوطًا، بما فيه من اختِلافِ الآثارِ، وتنازُع عُلماءِ الأمْصارِ، في بابِ رَبِيعةَ من هذا الكِتابِ، والحمدُ لله، فلا وجهَ لتَكْريرِ ذلك هاهُنا. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الإمامَ يخطُبُ رَعِيّتَهُ ويُعلِّمُهُم في خُطبتِهِ ما بهمُ الحاجةُ إليه من أحكامِهِم، في دينِهِم ودُنياهُم. وأمّا الدُّبّاءُ، فهُو القَرْعُ المعرُوفُ، وهُو إذا يبِسَ، وصُنِع (٣) منهُ ظرفٌ، يُسرِعُ فيه النَّبيذُ إلى الشِّدَّةِ، مزفَّتًا كان أو غير مُزفَّتٍ، ولذلكَ جاءَ في هذا الحديثِ وغيرِهِ ذِكرُ الدُّبّاءِ مُطلقًا، ثُمَّ عطفَ عليه المُزفَّت منهُ، ومِن غيرِهِ، والله أعلمُ.

стр. 5300

أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يونُسَ، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن فُضَيل (٢)، عن المُختارِ بن فُلفُلٍ، قال: سألتُ أنسَ بن مالكٍ، عن النَّبيذِ، فقال: اجْتَنِب مُسكِرَهُ في كلِّ شيءٍ، واجْتَنِب ما سِوَى ذلك فيما زُفِّتَ، أو في (٣) قَرْعةٍ. وهذا يُوضِّحُ ما قُلنا، ويُفسِّرُ حديثَ ابن عُمرَ ومذهبَهُ، ومذهبَ مالكٍ في هذا البابِ، والله المُوفِّقِ للصَّوابِ. وأمّا (٤) حديثُ مالك (٥)، عن نافع وعبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ قدِمَ الكُوفَةَ على سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ، وهُو أميرُها، فراص يَمْسحُ على الخُفَّينِ، فأنكَرَ ذلك عليه، فقال لهُ سعدٌ: سَلْ أباكَ إذا قدِمتَ عليه. فقدِمَ عبدُ الله بن عُمرَ، فنَسِيَ أن يسألَ عُمرَ عن ذلك، حتّى قدِمَ سعدٌ، فقال: سَألتَ أباكَ؟ فقال: لا. قال: فسَلْهُ. فسألهُ عبدُ الله بن عُمرَ. فقال عُمرُ: إذا أدخلتَ رِجْلَيكَ في الخُفَّينِ وهُما طاهِرتانِ، فامسَحْ عليهما. فقال عبدُ الله بن عُمرَ: وإن جاءَ أحَدُنا من الغائطِ؟ فقال عُمرُ: وإن جاءَ من الغائطِ. فهذا موقُوفٌ على عُمرَ في "المُوطَّأ" ولم يختلِف رُواةُ "المُوطَّأ" في ذلك، ولا عن مالكٍ فيه خِلافٌ.

стр. 5301

وقد تابَعهُ على ذلك جماعةٌ، وهُو الصَّحيحُ إن شاءَ الله. وقد رُوي عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ مرفُوعًا. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ ومحمدُ بن إبراهيمَ، قالا: أخبرنا محمدُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال (١): حدَّثنا عِمرانُ بن موسى، قال: حدَّثنا ابنُ سَواءٍ (٢)، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن عُمرَ (٣): أنَّ النَّبيَّ ﷺ توضَّأ، ومسحَ على خُفَّيهِ. وقد رُوِيَ عن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ في المَسْح على الخُفَّينِ: من حديثِ سالم، عن ابن عُمرَ، عن عُمر (٤). ومِن حديثِ محُارِبِ ين دِثارٍ، عن ابن عُمر، عن عُمرَ (٥). ومِن حديثِ عاصِم بن عُبيدِ الله، عن أبيهِ، أو عمِّهِ، عن عُمرَ (٦). ومِن حديثِ البراءِ بن عازِبِ، عن عُمرَ (٧). كلُّها عن النَّبيِّ ﷺ .

стр. 5302

وقد رُوي موقُوفًا على عُمرَ من وُجُوهٍ أيضًا (١). وإذا صحَّ رفعُهُ، فلا يَضُرُّهُ توقيفُ من وَقَفهُ؛ لأنَّهُ أفْتَى بما علِمَ. وقد رُوي المسحُ على الخُفَّينِ أيضًا عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، من طُرُق (٢). وقد ذكَرْنا طُرُقَ المسح على الخُفَّينِ، والقائلينَ به من الصَّحابةِ، ومن بعدَهُم مُسْتَوعبًا، في بابِ ابن شِهاب، والحمدُ لله (٣).

стр. 5303

نافعٌ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، حديثٌ واحِدٌ وهُو حديثٌ سابع ستِّين لنافع واسمُ أبي سعِيدٍ (١) هذا: سعدُ بن مالكِ بن سِنانٍ، وقد ذكَرْناهُ في "الصَّحابةِ" (٢) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهنا من التَّعرِيفِ، والرَّفع في النَّسبِ. مالكٌ (٣)، عن نافع، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا تبِيعُوا الذَّهبَ بالذَّهبِ، إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بَعْضٍ، ولا تبِيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقِ، إلا مِثلًا بمِثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ، ولا تبِيعُوا شيئًا منها غائبًا بناجِزٍ". لم يختلِفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في هذا الحديثِ (٤)، وكذلك رواهُ أَيُّوبُ (٥)، وعُبيدُ الله (٦) عن نافع، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، كما رواهُ مالكٌ، وهُو الصَّحِيحُ في ذلك.

стр. 5304

ورواهُ ابنُ عَوْنٍ، عن نافع، قال: جاءَ رجُل إلى عبدِ الله بن عُمرَ، فحدَّثهُ عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . فذكَرَ الحديثَ في الصَّرف (١). هكذا رواهُ جماعةٌ عنِ ابنِ عَوْنٍ، ليسَ فيه سماعٌ لنافع من أبي سعِيدٍ، ولا لابنِ عُمرَ من أبي سعِيدٍ، وإنَّما فيه: أنَّ رجُلًا حدَّثهُ عن أبي سعِيدٍ، بهذا الحديثِ. والرَّجُلُ قد سمّاهُ يحيى بن سعِيدٍ، في حديثهِ عن نافع؛ رواهُ يزِيدُ بن هارُون، عن يحيى بن سعِيدٍ، أنَّهُ أخبَرهُ، أنَّ نافعًا أخبَرهُ، أنَّ عَمرَو بن ثابتٍ العُتوارِيَّ ذكرَ لعبدِ الله بن عُمرَ، أنَّهُ سمِعَ أبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ، يُحدِّثُ بهذا الحديثِ (٢). ولم يُجوِّد يحيى بن سعِيدٍ، ولا ابنُ عونٍ هذا الحديث، لأنَّ فيه: أنَّ ابن عُمرَ لمّا حدَّثهُ هذا الرَّجُلُ بهذا الحديثِ عن أبي سعِيدٍ، قامَ إلى أبي سعِيدٍ، ومَضَى معَهُ نافع، فسَمِعا الحديثَ من أبي سعِيدٍ. وقد جوَّدَ (٣) ذلك عُبيدُ الله بن عُمرَ. ورواهُ خُصَيفٌ الجَزَرِيُّ (٤)، وعبدُ العزيزِ بن أبي روّادٍ المكِّيُّ (٥)، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ. وليس بشيءٍ، وإنَّما الحديثُ لنافع، عن أبي سعِيدٍ، سَمِعهُ معهُ ابنُ عُمرَ، على ما قال عُبيدُ الله.

стр. 5305

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: أخبَرني نافعٌ، قال: بلغَ عبدَ الله بن عُمرَ: أنَّ أبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ يأثُرُ عن رسُولِ الله ﷺ في الصَّرفِ، فأخذَ بيدِي، وبيدِ رجُلٍ، فأتينا أبا سعِيدٍ، فقال لهُ عبدُ الله بن عُمرَ: شيءٌ تأثُرُهُ عن رسُولِ الله ﷺ في الصَّرفِ؟ قال: سمِعَتهُ أُذُناي، ووَعاهُ قلبِي من رسُولِ الله ﷺ ، قال: "لا تَبِيعُوا الذَّهبَ بالذَّهبِ، إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا الفِضّةَ بالفِضّةِ، إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا تُفضِّلُوا بعضَها على بعضٍ، ولا تبِيعُوا منها غائبًا بناجِزٍ" (١). وهذا من أصحِّ حديثٍ يُروَى في الصَّرفِ، وهُو (٢) يُوجِبُ تحرِيمَ الازدِيادِ والنَّساءِ جميعًا في الذَّهبِ والوَرِقِ، تِبرِهِما وعَيْنِهِما، وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، إلّا فِرْقةٌ شذَّت وأباحَتْ فيهما الازدِيادَ والتَّفاضُلَ يدًا بيدٍ، وما قال بهذا القولِ أحَدٌ منَ الفُقهاءِ الذين تدُورُ عليهمُ الفتوَى في أمْصارِ المُسلِمِينَ، فلا وَجهَ للاشتِغالِ بالشُّذُوذِ. والشِّفُّ في كلام العربِ، بالكسرِ: الزِّيادةُ، يُقالُ: الشَّيءُ يشِفُّ، ويستشِفُّ، أي: يزِيدُ. وفي قولِهِ ﷺ في هذا الحديثِ: "ولا تبِيعُوا منها غائبًا بناجِزٍ" دليلٌ على أنَّهُ لا يجُوزُ في الصَّرفِ شيءٌ من التَّأخِيرِ، ولا يجُوزُ حتّى يَحضُرَ العينُ منهُما جميعًا. وهذا أمرٌ مجُتَمعٌ عليه، إلّا أنَّ من معنَى هذا البابِ، مِمّا اختلفَ فيه العُلماءُ، الصَّرفَ على ما ليسَ عندَ المُتصارِفَيْنِ، أو عندَ أحدِهِما في حِينِ العَقدِ. قال مالكٌ: لا يجُوزُ الصَّرفُ، إلّا أن يكونَ العينانِ حاضِرتينِ (٣).

стр. 5306

وقال الشّافعيُّ (١) وأبو حنِيفةَ: يجُوزُ أن يشترِي دنانير بدراهِمَ ليست عندَ واحِدٍ منهُما، ثُمَّ يَسْتقرِض، فيدفع قبلَ الافتِراقِ (٢). ورَوَى الحسنُ بن زِيادٍ، عن زُفرَ: أنَّهُ لا يجُوزُ الصَّرفُ حتّى تحضُرَ (٣) إحْدَى العينينِ، وتُعيَّن، فإن لم يكُن ذلك، لم يجُز، نحو أن يقول: اشْتَريتُ منكَ (٤) ألفَ دِرهم بمئةِ دِينارٍ، وسواءٌ أكانَ ذلك عندَهُما أم لم يكُن، فإن عيَّنَ أحدُهُما جازَ، وذلك مِثلَ أن يقول: اشْتَريتُ منكَ ألفَ دِرْهم، بهذه الدَّنانيرِ، إذا دَفعها قبلَ أن يَفْترِقا. ورُوِي عن مالكٍ مِثلُ قولِ زُفر، إلّا أنَّهُ قال: يحتاجُ أن يكون قبضُهُ لما لم يُعيِّنهُ، قرِيبًا مُتَّصِلًا، بمَنزِلةِ النَّفقةِ، يحُلّها من كيسِه (٥). وقال الطحاوِيُّ (٦): واتَّفقُوا، يعني هؤُلاءِ الفُقهاءَ الثَّلاثةَ، على جَوازِ الصَّرفِ، إذا كان أحدُهُما دينًا، وقبضهُ في المجلِسِ. فدلَّ على اعتِبارِ القَبضِ في المجلِسِ، دُون كونِهِ عينًا. واختلَفَ الفُقهاءُ، أيضًا، في تصارُفِ الدَّينينِ، وتطارُحِهِما، مِثلَ أن يكونَ لرجُلٍ على رجُلٍ دنانيرُ، ولآخرَ عليه دراهِمُ. فمذهبُ مالكٍ وأبي حنِيفةَ: أنَّهُ لا بأسَ أن يَشْترِي أحدُهُما ما عليه، بما على الآخرِ، ويتَطارحانِها (٧) صرفًا.

стр. 5307

ومن حُجّةِ من ذهَبَ هذا المذهب، حديثُ سِماكِ بن حربٍ، عن سعِيدِ بن جُبير (١)، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: سألتُ النَّبيَّ ﷺ قلتُ: يا رسُولَ الله، إنِّي أبِيعُ الإبِلَ بالبقيع (٢)، أبِيعُ بالدَّنانيرِ، وآخُذُ الدَّراهِم، وأبِيعُ بالدَّراهِم وآخُذُ الدَّنانير؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا بأسَ بذلك ما لم تَفْترِقا وبينكُما شيءٌ" (٣). ففي هذا الحديثِ دليلٌ على جَوازِ الصَّرفِ إذا كان أحدُهُما دينًا. قالوا: فكذلك إذا كانا دَيْنينِ؛ لأنَّ الذِّمّةَ الحاضِرةَ كالعَيْنِ الحاضِرةِ، وصارَ الطَّرحُ عندَهُم في ذلك، كالمقبُوضِ من العينِ الحاضِرةِ، ومعنى الغائبِ عندَهُم، هُو الذي يحتاجُ إلى قبضٍ، ولا يُمكِنُ قبضُهُ حتّى يَفْترِقا، بدليلِ حديثِ عُمرَ: لا تُفارِقْهُ حتّى تَقْبِضَهُ (٤). وقال الشّافعيُّ وجماعة، وهُو قولُ اللَّيثِ: لا يجُوزُ تَصارُفُ الدَّينينِ، ولا تَطارُحُهُما؛ لأنَّهُ لمّا لم يجُز غائبٌ بناجِزٍ، كان الغائبُ بالغائبِ أحْرَى أن لا يجُوز (٥). وأجازَ الشّافعيُّ وأصحابُهُ قَضاءَ الدَّنانيرِ عنِ الدَّراهِم، وقضاءَ الدَّراهِم عنِ الدَّنانيرِ. وسواءٌ كان ذلك من بَيع، أو من قرضٍ، إذا كان حالًّا، وتقابَضا قبلَ أن يَفْترِقا، بأيِّ سِعرٍ شاءا (٦)، فإن تفرَّقا قبلَ أن يَتَقابضا، بطلَ الصَّرفُ بينهُما، ورجَعَ كلُّ واحِدٍ منهُما إلى أصلِ ما كان لهُ على صاحِبِهِ.

стр. 5308

واتَّفقَ الشّافعيُّ (١) وأصحابُهُ، على كَراهةِ قِصاصِ الدَّنانيرِ من الدَّراهِم، إذا كانتا جميعًا في الذِّمم، مِثلَ أن يكون لرجُلٍ على رَجُلٍ دنانيرُ، ولهُ عليه دَراهِمُ، فأرادا أن يجعلا الدَّنانير قِصاصًا بالدَّراهِم، فهذا لا يجُوزُ عندَهُم، لأنَّهُ دينٌ بدينٍ. وكذلك لو تسلَّف رجُلٌ من رجُلٍ دِينارًا (٢)، أو تسلَّف الآخرُ منهُ دراهِمَ، على أن يكونَ هذا بهذا، لم يجُز عندَهُم، وكان على من تسلَّفَ الدِّينار دِينارٌ مِثلُهُ، وعلى من تسلَّفَ الدَّراهِم دَراهِمُ مِثلُها، وأمّا إذا كان لرجُلٍ على رجُلٍ دِينارٌ، فأخذَ منهُ فيه دراهِم صَرْفًا ناجِزًا، كان ذلك جائزًا. وأجاز أبو حَنِيفةَ أخذَ الدَّنانيرِ عنِ الدَّراهِم، والدَّراهِم عنِ الدَّنانيرِ، إذا تقابَضا في المجلِسِ، وسَواءٌ كان الدَّينُ حالًّا، أو آجِلًا. وحُجَّتُهُم عُمومُ (٣) حديثُ ابنِ عُمرَ هذا؛ لأنَّهُ لمّا لم يَسْألهُ عن دينِهِ: أحالٌّ هُو أم مُؤَجَّلٌ، دلَّ على اسْتِواءِ الحالِ عندَهُ. وقال مالكٌ: لا يجُوزُ ذلك، إلّا أن يكونا جميعًا حالَّينِ، لأنَّهُ لمّا لم يستحِقَّ قبضَ الآجِلِ (٤) إلّا إلى أجَلِهِ، صارَ كأنَّهُ صارِفُهُ إلى ذلك الأجلِ. وهذا هُو المشهُورُ من قولِ الشّافعيِّ (٥). ورَوَى الشَّيبانِيُّ، عن عِكرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّهُ كرِهَ اقتِضاءَ الذَّهبِ من الوَرِقِ، والوَرِقِ من الذَّهَب (٦).

стр. 5309

وعنِ ابنِ مَسعُودٍ مِثلُهُ (١). وعنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ لا بأسَ به (٢). وقال ابنُ شُبرُمةَ: لا يجُوزُ أن يأخُذَ عن دَراهِمَ دنانيرَ، ولا عن دنانيرَ دراهِمَ، وإنَّما يأخُذُ ما أقرضَ (٣). ويشهدُ (٤) لمذهبِ ابنِ شُبرُمةَ ويُؤَيِّدُهُ، حديثُ أبي سعِيدٍ في هذا البابِ، وهُو قولُ ابنِ عبّاسٍ وابنِ مسعُودٍ، ويشهدُ (٥) لقولِ سائرِ الفُقهاءِ حديثُ ابنِ عُمر، إلّا أنَّ فيه: "بِسِعرِ يومِكُما". وقال عُثمانُ البتِّيُّ (٦): يأخُذُها بسِعرِ يومِهِ (٧). وقال داودُ وأصحابُهُ: إذا كان لرجُل على رَجُل عشَرةُ دراهِم، فباعَهُ الذي عليه العشَرةُ دراهِمَ بها دِينارًا، فالبيعُ باطِلٌ، لنهيِ رسُولِ الله ﷺ عنِ الذهبِ بالوَرِقِ، إلّا هاءً وهاءً، وعن بيع أحدِهِما بالآخرِ غائبًا بناجِزٍ. قال: ولو أخذ بذلك قِيمة للعَشَرة دراهِم لاسْتِهلاكها، كان جائزًا؛ لأنَّ القِيمةَ غيرُ البَيعْ، وإنَّما وردَ النَّهيُ عنِ البَيع، لا عنِ القِيمةِ. واحتَجُّوا بحديثِ ابنِ عُمرَ: كنتُ أبِيعُ الإبِلَ بالبَقِيع، فآخُذُ منَ الدَّنانيرِ دراهِم ... الحديثَ (٨). على ما نَذكُرُهُ هاهُنا إن شاءَ الله. ومِن هذا البابِ أيضًا: أن يبِيع السِّلعةَ بدنانيرَ، على أن يُعطِيهُ بها دراهِمَ.

стр. 5310

فقال مالكٌ (١) في مِثلِ هذا: لا يُلتَفتُ إلى اللَّفظِ الفاسِدِ، إذا كان يَعلَمُها (٢) حَلالًا، وكأنَّهُ باعَهُ السِّلْعةَ بتلك الدَّراهِم، التي ذكَرا أنَّهُ يأخُذُها في الدَّنانيرِ. وقال أبو حَنِيفةَ والشّافعيُّ (٣)، فيمَنْ باعَ سِلْعةً بدنانيرَ معلُومةٍ، على أن يُعطِيهُ المُشترِي بها دراهِمَ، فالبيعُ فاسِدٌ. وهُو قولُ جُمهُورِ أهلِ العِلم؛ لأنَّهُ من بابِ بَيْعتينِ في بَيْعةٍ، ومن بابِ بيع صَرْفٍ (٤) لم يُقبَضْ. ومِن هذا البابِ أيضًا، الصَّرفُ يُوجَدُ فيه زُيُوفٌ، وهُو مِمّا اختَلفُوا فيه أيضًا. فقال مالكٌ (٥): إذا وجَدَ في دراهِم الصَّرفِ دِرهمًا زائفًا، فرَضِي به جازَ، وإن ردَّهُ انتَقَضَ صرفُ الدِّينارِ (٦) كلِّهِ، وإن وجَدَ فيها أحَدَ عَشَرَ دِرهمًا ردِيئةً، انتقضَ الصَّرفُ في دِينارينِ، وكذلك ما زادَ على صَرْفِ دِينارٍ، انتقضَ الصَّرفُ في دِينارٍ آخر. وقال زُفَرُ والثَّورِيُّ: يَبْطُلُ الصَّرفُ فيما ردَّ، قلَّ أو كثُرَ (٧). وقد رُوِي عنِ الثَّورِيِّ: أنَّهُ إن شاءَ اسْتَبدَلهُ، وإن شاءَ كان شَرِيكهُ في الدِّينارِ بحِسابٍ.

стр. 5311

وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ والأوزاعِيُّ واللَّيثُ بن سعدٍ والحسنُ بن حيٍّ: يستبدِلُهُ كلَّهُ (١). وهُو قولُ ابنِ شِهاب، ورَبِيعةَ وكذلك قال الحسنُ وابنُ سِيرِين وقتادةُ: يرُدُّ عليه ويأخُذُ البَدَلَ، ولا ينتقِضُ من الصَّرفِ شيءٌ (٢). وهُو قولُ أحمدَ بن حَنْبل (٣)، وهُو أحدُ أقاوِيلِ الشّافعيِّ. واختارَهُ المُزنِيُّ، قِياسًا على العَيبِ يُوجَدُ في السَّلَم، أنَّ على صاحِبِهِ أن يأتِيَ بمِثلِهِ. وأقاوِيلُ الشّافعيِّ (٤) في هذه المسألةِ، أحدُها أنَّهُ قال: إذا اشْتَرى ذهَبًا بورِقٍ، عينًا بعَينٍ، ووجدَ أحدُهُما ببعضِ ما اشْتَرى عيبًا قبلَ التَّفرُّقِ أو بَعدهُ، فليسَ لهُ إلّا ردُّ الكلِّ، أوِ التَّمسُّكُ به. قال: وإذا تبايَعا ذلك بغيرِ عَينِهِ، فوجَدَ أحدُهُما، قبلَ التَّفرُّقِ، ببعضِ ما اشْتَرى عَيْبًا، فلَهُ البَدَلُ، وإن وجَدَهُ بعدَ التَّفرُّقِ، ففيها أقاوِيلُ، منها: أنَّها كالعَينِ، ومنها البَدلُ، ومنها ردُّ المعِيبِ بحِصَّتِهِ من الثَّمنِ. قال: ومتى افترَقَ المُضْطرِفانِ قبلَ التَّقابُضِ، فلا بيعَ بينهُما. وقال أبو حَنِيفةَ: إذا افتَرَقا، ئُمَّ وجدَ النِّصف زُيُوفًا أو أكثرَ فردَّهُ، بطلَ الصَّرفُ في المردُودِ، وإنْ كان أقلَّ من النِّصفِ اسْتَبدلهُ (٥). وقد مَضَى القولُ مُجوَّدًا في تحرِيم الازدِيادِ في بيع الوَرِقِ بالوَرِقِ، والذَّهَبِ بالذَّهبِ، في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ، وهُو أمرٌ اجتمعَ عليه فُقهاءُ الأمصارِ من أهلِ

стр. 5312

الرَّأي والأثرِ، وكَفَى بذلك حُجّةً، مع ثُبُوتِهِ من جِهةِ نَقلِ الآحادِ العُدُولِ، عن النَّبيِّ ﷺ . وقد مَضَى القولُ في تحرِيم النَّسِيئةِ في الصَّرفِ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن مالكِ بن أوَسِ بن الحَدَثانِ، من هذا الكِتابِ مُجوَّدًا أيضًا مُمهَّدًا، وفي ذلك البابِ أُصُولٌ من هذا البابِ. ولا خِلافَ بينِ عُلماءِ المُسلِمِينَ في تحرِيم النَّسِيئةِ في بَيع الذَّهبِ بالذَّهبِ، والوَرِقِ بالورِقِ، وبَيع الورِقِ بالذَّهبِ، والذَّهبِ بالورِقِ، فإنَّ الصَّرفَ كلَّهُ لا يجُوزُ إلّا هاءَ وهاءَ، قبلَ الافتِراقِ. هذه جُملةٌ اجتمَعُوا عليها، وثبتَ قولُهُ ﷺ في ذلك: "إلّا هاءَ وهاءَ" (١) بنقلِ الآحادِ العُدُولِ أيضًا. وما أجمَعُوا عليه من ذلك وغيرِهِ، فهُو الحقُّ، وكذلك كلُّ ما كان في معناهُ، ما لم يُخرِجهُ عن ذلك الأصلِ دَليلٌ يجِبُ التَّسلِيمُ لهُ، فقدِ اختَلفُوا من هذا الأصْلِ في المسائلِ التي أوردناها في هذا البابِ، على حَسَبِ ما ذكَرْناهُ عنهُم فيه، مِمّا نَزعُوا به، وذهَبُوا إليه، وبالله العِصْمةُ والتَّوفيقُ. قال أبو عُمر: حديثُ ابنِ عُمر في اقتِضاءِ الدَّنانيرِ من الدَّراهِم، والدَّراهِم من الدَّنانيرِ، جَعلَهُ قومٌ مُعارِضًا لحديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ في هذا البابِ، لقولِه: "ولا تَبِيعُوا منها غائبًا بناجِزٍ". وليسَ الحديثانِ مُتَعارِضَيْنِ عندَ أكثرِ الفُقهاءِ، لأنَّهُ مُمكِنٌ استِعمالُ كلِّ واحِدٍ منهُما، وحديثُ ابنِ عُمرَ مُفسَّرٌ، وحديثُ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ مُجمَلٌ، فصارَ مَعناهُ: لا تَبِيعُوا منها غائبًا، ليسَ في ذِمّةٍ بناجِزٍ، وإذا حُمِلا على هذا، لم يتعارَضا.

стр. 5313

وهذا الحديثُ حدَّثناهُ: خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ بن (١) عُبيدِ بن آدم بن أبي إياسٍ، قال: حدَّثني ثابتُ بن نُعيم، قال: حدَّثنا آدمُ بن أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمةَ، قال: حدَّثنا سِماكُ بن حَرْبٍ، عن سعِيدِ بن جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: كنتُ أبِيعُ الإبِل بالبَقِيع، فآخُذُ مكانَ الدَّنانير دَراهِمَ، ومكانَ الدَّراهِم دَنانيرَ، فسألتُ رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فقال: "لا بأسَ به إذا افْتَرقتُما وليسَ بينكُما شيءٌ" (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ وجعفرُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمةَ، قال: حدَّثنا سِماكُ بن حَرْبٍ، عن سعِيدِ بن جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: كنتُ أبِيعُ الإبِل بالبقِيع بالدَّنانيرِ وآخُذُ الدَّراهِم، وأبِيعُ بالدَّراهِم وآخُذُ الدَّنانير، فأتيتُ رسُول الله ﷺ وهُو في بيتِ حَفْصةَ فقلتُ: يا رسُول الله رُويدَك أسألْكَ، أبِيعُ الإبِل بالدَّنانيرِ، فآخُذُ الدَّراهِم، وأبِيعُ بالدَّراهِم، فآخُذُ الدَّنانير، وآخُذُ هذه من هذه؟ فقال: "لا بأسَ أن تأخُذها (٣) بسِعرِ يومِها" (٤). وحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا مُوسى بن إسماعيل ومحمدُ بن محبُوبٍ، المعنَى واحِدٌ، قالا: حدَّثنا حمّادٌ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عُمر، قال: كنتُ أبِيعُ الإبِلَ بالبقِيع، فذكرَهُ سواءً بمعناهُ إلى آخِرِهِ.

стр. 5314

قال أبو داود (١): وحدَّثنا الحُسَينُ بن الأسودِ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ بإسنادِهِ ومَعناهُ، والأوَّلُ أتَمُّ، لم يذكُر: "بسِعرِ يومِكما (٢) ". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِقٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن سعِيدِ بن جُبير، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: كنتُ أبِيعُ الإبِلَ ببقِيع الغَرْقدِ، فكنتُ أبِيعُ البعِير بالدَّنانيرِ وآخُذُ الدَّراهِم، وأبِيعُ بالدَّراهِم وآخُذُ بالدَّنانير، فأتيتُ رسُول الله ﷺ وهُو يُرِيدُ أن يدخُلَ حُجرَتهُ، فأخذتُ بثوبِهِ، فقلتُ: يا رسُولَ الله، إنِّي أبيعُ ببقِيع الغَرقدِ البعِيرَ بالدَّنانيرِ، وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبِيعُ بالدَّراهم، وآخُذُ الدَّنانيرَ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إذا أخَذْتَ أحدَهُما بالآخرِ، فلا تُفارِقهُ وبينكَ وبينَهُ بيعٌ" (٣). قال أبو عُمر: لم يروِ هذا الحديثَ أحدٌ غيرُ سِماكِ بن حربٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مُسندًا، وسِماكٌ ثِقةٌ عندَ قوم، مُضعَّفٌ عندَ آخرِينَ، كان ابنُ المُباركِ، يقولُ: سِماكُ بن حربٍ ضعِيفُ الحديثِ، وكان مذهبُ عليٍّ فيه نحو هذا، وقد رُوِي عنِ ابنِ عُمر مَعناهُ، من قولِهِ وفتواهُ (٤). ورَوَى أبو الأحوصِ هذا الحديثَ عن سِماكٍ، فلم يُقِمهُ، قال فيه: عن سِماكٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عُمرَ: كنتُ أبِيعُ الذَّهب بالفِضّةِ، والفِضّةَ

стр. 5315

بالذَّهبِ، فأتيتُ رسُول الله ﷺ فقال: "إذا بايَعتَ (١) صاحِبكَ، فلا تُفارِقهُ وبينكَ وبينهُ لَبْسٌ (٢) " (٣). وكذلك رواهُ وكِيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، كما قال أبو الأحوصِ (٤). ولم يَقُصه فجوَّدهُ، إلّا حمّاد بن سلَمةَ وإسرائيلَ، في غير رِوايةِ وكِيع. وهذا الحديثُ مِمّا فاتَ شُعبةَ عن سِماكٍ، ولم يسمعهُ منهُ، فعزَّ عليه، وجَرَى بينهُ وبينَ حمّادِ بن سلمةَ في ذلك كلامٌ فيه بعضُ الخُشُونةِ، ثُمَّ سَمِعهُ منهُ بعدُ. ذكَرَ عليُّ بن المدِينِيِّ قال: قال أبو داودَ الطَّيالِسِيُّ: سمِعتُ خالد بن طَلِيقٍ وأبا الرَّبِيع يَسْألانِ شُعبةَ، وكان الذي يَسْألُهُ خالدٌ، فقال: يا أبا بسِطام، حدِّثني حديثَ سماكٍ، في اقْتِضاءِ الذَّهَبِ من الوَرِقِ، حديثَ ابنِ عُمرَ. فقال شُعبةُ: أصلَحكَ الله، هذا حديثٌ ليسَ يرفعُهُ أحدٌ إلّا سماكٌ، وقد حَدَّثنِيهِ قَتادةُ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عنِ ابنِ عُمرَ، ولم يرفعهُ. وأخبَرنيهِ أيُّوبُ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، ولم يرفعهُ. ورفعهُ سماكٌ، وأنا أفرقُ منهُ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "بسِعرِ يومِكُما" فلم يُعوِّل عليه جماعةُ الفُقهاءِ، وقد ذكَرْنا ذلك عنهُم في هذا البابِ. وكان أحمدُ بن حَنْبل يقولُ: يأخُذُ الدَّنانيرَ من الدَّراهِم، والدَّراهمَ (٥) من الدَّنانيرِ، في الدَّينِ وغيرهِ، بالقِيمةِ. وقال إسحاقُ: يأخُذُها بقِيمةِ سِعْرِ يومِهِ.

стр. 5316

نافعٌ، عن أبي لُبابةَ، حديثٌ واحِدٌ وهُو ثامِنُ ستِّين اسمُ أبي لُبابةَ (١) هذا: بشِيرٌ، ويُقالُ: رِفاعةُ بن عبدِ المُنذِرِ. وقد ذكَرْناهُ في "الصَّحابةِ" (٢) ونَسبناهُ. مالكٌ (٣)، عن نافع، عن أبي لُبابةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن قَتلِ الجِنّانِ (٤) التي في البُيُوتِ. هكذا قال يحيى، عن مالكٍ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ. وتابَعهُ أكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ. وقال ابنُ وَهْبٍ: عن مالكٍ، عن نافع (٥)، عنِ ابنِ عُمرَ، عن أبي لُبابةَ (٦). والصَّحِيحُ ما قالهُ يحيى، وغيرُهُ، عن مالكٍ، عن نافع (٧)، عن أبي لُبابةَ؛ لأنَّ نافعًا سمِعَ هذا الحديث مع ابنِ عُمرَ من أبي لُبابةَ، وكذلك سمِعَ حديثَ الصَّرفِ من أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (٨).

стр. 5317

وكان دُخُولُهُ عليه مع ابنِ عُمرَ، فحدَّثهُما بحديثِ الصَّرفِ المذكُورِ (١). وفي رواية يحيى: نهى عن قتل الحيّات، وسائرُ رواته يقول: الجِنّانُ (٢). والجِنّانُ: الحيّاتُ. أنشدَ نِفْطُوية للخَطَفَى جدِّ جرِيرٍ، واسمُهُ حُذيفةُ (٣): يرفعن للَّيلِ إذا ما أسدَفا أعناقَ جِنّانٍ وهامًا رُجَّفا (٤) وعَنَقًا باقِي الرَّسِيم خَيْطَفا قال نِفطُوية: وبهذه الأبياتِ سُمِّي الخَطَفَى. قال: وقال قُطرُبٌ: السُّدفةُ من الأضْدادِ، تكونُ الظُّلمةَ، وتكونُ الضِّياءَ. قال أبو عُبَيدٍ: هي الضِّياءُ في لُغةِ قَيْسٍ، والظُّلمةُ في لُغةِ تمِيم. وقال ابنُ الأعرابيِّ: هي الظُّلمةُ يُخالِطُها الضِّياءُ. قال: والجِنّانُ: ضَربٌ من الحيّاتِ. وقولُهُ: رُجَّفًا (٥)، أي: متحرِّكةً. والعَنَقُ: ضربٌ من السَّيرِ والرَّسِيمُ مِثلُهُ. والخَطَفا والخَيْطَفَى (٦): هي السُّرعةُ. وقال الخليلُ بن أحمدَ (٧): الجِنّانُ: الحيّةُ. قال: والجِنّانُ أيضًا أبو الجِنِّ، وجمعُهُ: الجِنّةُ، والجِنّانُ.

стр. 5318

وقال الشّاعر (١): تبدَّلَ حالٌ بعدَ حالٍ عَهِدتُها ... تُناوحُ جِنّانٌ بهنَّ وخُيَّلُ قال ابنُ أبي ليلى: الجِنُّ: الذينَ لا يعترَضُونَ (٢) للنّاسِ. والخُيَّلُ (٣): الذين يتخيَّلُونَ للنّاسِ ويُؤذُونهُم. ويُروَى عنِ ابنِ عبّاس: الجِنّانُ: مَسخُ الجِنِّ، كما مُسِختِ القِردةُ من بني إسرائيلَ (٤). أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهِرِ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني أُسامةُ بن زيدٍ اللَّيثيُّ، عن نافع، أنَّ أبا لُبابةَ مرَّ بعبدِ الله بن عُمرَ، وهُو عندَ الأُطم (٥) الذي عندَ دارِ عُمرَ بن الخطّابِ يَرصُدُ حيّةً، فقال أبو لُبابةَ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ يا أبا عبدِ الرَّحمنِ قد نَهَى عن قَتلِ عَوامِرِ البُيُوتِ. فانتَهَى عبدُ الله بن عُمرَ عن ذلك، ثُمَّ وجدَ بعدَ ذلك (٦) في بيتهِ حيّةً، فأمرَ بها فطُرِحت ببُطحانَ (٧)، قال نافعٌ: ثُمَّ رأيتُها بعد ذلك في بيتهِ (٨).

стр. 5319

قال ابنُ وَهْبٍ: عوامِرُ البُيُوتِ، تتمثَّلُ في صِفةِ حيّةٍ رقِيقةٍ في البُيُوتِ بالمدِينةِ وغيرِها (١)، ففيها جاءَ النَّهيُ عن قَتْلِها حتّى تُنذرَ. قال: وأمّا التي في الصَّحارِي، فلا تُنذَر (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ القطّانُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمر، قال: أخبرني نافعٌ، أَنَّهُ سمِعَ أبا لُبابةَ يُحدِّثُ ابن (٤) عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن قتلِ الجِنّانِ. لم يَقُلِ القطّانُ: التي في البُيُوتِ. وقاله غيرُهُ (٥). قال أبو عُمر: كلُّ من رَوَى هذا الحديثَ عن مالكٍ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ، لم يَزِد فيه على قولِهِ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن قتلِ الجِنّانِ التي في البُيُوتِ. إلّا القَعْنبِيَّ وحدَهُ، فإنَّهُ زادَ فيه: عن مالكٍ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن قَتلِ الجِنّانِ التي تكونُ في البُيُوتِ، إلّا أن يكونَ ذا الطُّفْيَتَيْنِ والأبتَرَ، فإنَّهُما يَخْطِفانِ البصرَ، ويَطْرَحانِ ما في بُطُونِ النِّساءِ (٦). وهذه الزِّيادةُ قولُهُ: "إلّا أن يكونَ ذا الطُّفْيَتَيْنِ ... " إلى آخِرِ الحديثِ، لم يَقُلهُ أحدٌ في حديثِ أبي لُبابةَ، إلّا القَعْنبِيُّ وحدَهُ.

стр. 5320

وليسَ بصحِيح في حديثِ أبي لُبابةَ، وهُو وَهَمٌ، وإنَّما هذا اللَّفظُ محفُوظٌ من حديثِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (١). ومِن حديثِ سائبةَ، عن عائشةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . ومِنهُم (٢) من يجعلُهُ (٣) عن سائبةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مُرسلًا (٤). وأمّا حديثُ أبي لُبابةَ، فليسَ فيه (٥) إلّا: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن قتلِ الجِنّانِ التي في البُيُوتِ، لا غيرَ، إلّا ما زادَ القَعْنبِيُّ. وهُو غلطٌ، واللهُ أعلمُ، في حديثِ أبي لُبابةَ، وهُو محفُوظٌ من حديثِ ابنِ عُمرَ، وعائشةَ، كما وصفتُ لك. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: أخبرنا محمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفر بن الأعْجَم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الأعْلَى، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ (٦)، قال: سمِعتُ عُبيدَ الله يُحدِّثُ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ، عنِ النَّبيِّ- ﷺ قال: "لا تقتُلُوا الجِنّانَ التي في البُيُوتِ" (٧). وأخبَرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبيدِ بن

стр. 5321

حِسَاب (١)، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوب، عن نافع: أنَّ ابن عُمرَ كان يَقتُلُ الحيّاتِ كلَّها، ويقولُ: إنَّ الجِنّانَ مَسْخُ الجِنِّ، كما مُسِختِ القِردةُ من بني إسرائيلَ. حتّى حَدَّثهُ أبو لُبابةَ البدرِيُّ: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن قَتلِ الجِنّانِ التي تكونُ في البُيُوتِ. قال: فوجَدَ ابنُ عُمرَ بعدَ ذلك حيّةً في دارر، فأمَرَ بها فأُخرِجَتْ إلى البَقِيع (٢). قال أبو عُمر: هذا هُو الصَّحِيحُ في حديثِ أبي لُبابةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن قَتْلِ الجِنّانِ التي تكونُ في البُيُوتِ لا غيرَ، وأمّا حديثُ ابنِ عُمرَ، ففيه ذكرُ ذي الطُّفيتينِ والأبترِ. رَوَى مَعْمرٌ وغيرُهُ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سالم، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "اقتُلُوا الحيّاتِ، واقتُلُوا ذا الطُّفْيتَينِ والأبتَرِ، فإنَّهُما يُسْقِطانِ الحَبَلَ، وَيطْمِسانِ البصَرَ". قال ابنُ عُمرَ: فرآني أبو لُبابةَ -أو زيدُ بن الخطّابِ- وأنا أُطارِدُ حيّةً لأقتُلَها، فنَهانِي، فقلتُ: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد أمَرَ بقتلِهِنَّ، فقال له: إنَّهُ قد نَهَى بعدَ ذلك عن قَتْلِ ذَواتِ البُيُوتِ (٣). فقد بانَ في حديثِ الزُّهرِيِّ رِوايةُ ابنِ عُمرَ، من رِوايةِ أبي لُبابةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ .

стр. 5322

وكذلك رواهُ يُونُسُ (١)، واللَّيثُ (٢)، وابنُ عُيينةَ (٣)، وغيرُهُم بمعنى حديثِ مَعْمرٍ عنهُ سَواءً. وقال فيه بُكيرُ بن الأشجِّ: عن سالم، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "مَنْ وجَدَ ذا الطُّفْيتَينِ والأبتَرَ فلم يَقْتُلهُما، فليسَ منّا". وهذا الحديثُ لم يَسْمعهُ بُكيرٌ من سالم. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أصبَغُ بن الفَرج، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن عَمرِو بن الحارثِ، أنَّهُ أخبَرهُ، أنَّ بُكيرًا حدَّثهُ، أنَّ عبد الملكِ (٤) بن عبدِ الرَّحمنِ حدَّثهُ، عن سالم بن عبدِ الله، عن أبيه، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "اقتُلُوا الحيّاتِ، ومن وجَدَ ذا الطُّفْيتَينِ والأبتَرَ، فلم يَقْتُلهُما، فليسَ منّا، فإنَّهُما اللَّذانِ يَخْطِفانِ البَصَرَ، ويُسقِطانِ ما في بُطُونِ النِّساءِ" (٥). قال أبو عُمر: يُقالُ: إنَّ ذا الطُّفْيَتينِ، حَنَشٌ يكونُ على ظَهرِهِ خَطّانِ أبيضانِ. ويُقالُ: إنَّ الأبتَرَ: الأفْعَى. وقيل: إنَّهُ حَنشٌ أبترُ، كأنَّهُ مقطُوعُ الذَّنَبِ.

стр. 5323

وقال النَّضرُ بن شُمَيلٍ: الأبترُ منَ الحيّاتِ، صِنفٌ أزرقُ، مَقْطُوعُ الذَّنبِ، لا تنظُرُ إليه حامِلٌ إلّا ألقَتْ ما في بَطْنِها، والله أعلمُ. قال أبو عُمر: اختلَفَ العُلماءُ في قتلِ الحيّاتِ جُملةً، فقال منهُم قائلُونَ: تُقتلُ الحيّاتُ كلُّها، في البُيُوتِ، والصَّحارِي، بالمدِينةِ (١) وغيرِ المدِينةِ، لم يَسْتثنُوا منها نَوعًا ولا جِنسًا، ولا اسْتَثنوا في قَتْلِهِنَّ مَوْضِعًا، وسَنذكُرُ اختِلافهُم في إذنِها بالمدِينةِ وغيرِها، في بابِ صيفِيٍّ، إن شاءَ الله. ومن حُجَّتِهِم: حديثُ عبدِ الله بن مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قال: "مَنْ قتَلَ حيّةً، فكأنَّما قتَلَ كافِرًا" (٢). ولم يخُصَّ حيّةً من حيّةٍ. وحديثُ ابنِ مسعُودٍ، وأبي (٣) هريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ : "من تركَ الجِنّانَ، فلم يقتُلهُنَّ مَخافةَ ثأرِهِنَّ، فليسَ منّا". ومن حُجَّتِهِم، أيضًا، ما مَضَى منَ الأحادِيثِ، فيما سلَفَ من هذا الكتاب في قَتْلِ الحيّةِ، في الحِلِّ والحَرَم. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن قُدامةَ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصُورٍ، عن حبِيبِ بن أبي ثابتٍ، عن زِرِّ (٤) بن حُبَيْشٍ، عن عبدِ الله، قال: "من قتَلَ حيّةً أو عَقْربًا، قتَلَ كافِرًا" (٥).

стр. 5324

ورُوِي من حديثِ (١) أبي الأحْوَصِ، عنِ ابنِ مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مرفُوعًا (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الحمِيدِ بن بَيانٍ (٤) السُّكَّرِيُّ، عن إسحاق بن يُوسف، عن شرِيكٍ، عن أبي إسحاق، عنِ القاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عنِ ابنِ مسعُودٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ :"اقتُلُوا الحيّاتِ كلَّهُنَّ، فمَنْ خافَ ثأرهُنَّ، فليسَ منّا (٥) ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ :

стр. 5325

"ما سالَمناهُنَّ مُنذُ حارَبْناهُنَّ، فمَنْ (١) ترَكَ شيئًا منهُنَّ خِيفةً، فليسَ منّا (٢) ". يعني: الحيّاتِ (٣). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ ابنِ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ ﷺ : "ما سالمَناهُنَّ مُنذُ حارَبناهُنَّ، ومن تركَ شيئًا منهُنَّ خِيفةً، فليسَ منّا".

стр. 5326

أخبرنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن جعفرِ بن الوَردِ وأبو يُوسُفَ يعقُوبُ بن المُباركِ، قالا: حدَّثنا أبو زكرِيّا يحيى بن أيُّوبَ بن بادِي العلّافُ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن أبي مريمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: أخبرني محمدُ بن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ الله ﷺ قال في الحيّاتِ: "ما سالَمناهُنَّ مُنذُ عادَيْناهُنَّ، ومن تركَ منهُنَّ شيئًا خِيفةً، فليسَ منّا" (١). قال يحيى بن أيُّوبَ: سُئلَ أحمدُ بن صالح، عن تَفسِيرِ: "ما سالمَناهُنَّ مُنذُ عاديناهُنَّ"، فقيل لهُ: متى (٢) كانتِ العَداوةُ؟ قال: حِينَ أُخرِجَ آدمُ من الجنّةِ، قال اللهُ : ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣]. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عَمرٍو الحَرّانيُّ (٣)، قال: قرأنا على مَعقِلِ بن عُبيدِ الله، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قامَ رسُولُ الله ﷺ فقال: "اقتُلُوا الحيّاتِ، واقتُلُوا ذا الطُّفيتينِ والأبتَرَ، فإنَّهُما يَطْمِسانِ البَصَرَ، ويُسقِطانِ الحَبالَى، ويُوضِعانِ الغَنَمَ". قالوا: ففي هذه الأحادِيثِ قَتْلُ الحيّاتِ جُملةً، ذي الطُّفْيتَينِ وغيرِهِ، وكذلك الأحادِيثُ التي قبلها، لم تَخُصَّ (٤) شيئًا دُونَ شيءٍ. وقال آخرُونَ: لا يُقتَلُ من الحيّاتِ ما كان في البُيُوتِ بالمدِينةِ خاصّةً، إلّا أن يُنْذَرَ (٥) ثلاثًا، وما كان في غيرِها فيُقتَلُ، في البُيُوتِ وغيرِ البُيُوتِ، ذا الطُّفْيتَينِ كان أو غيرَهُ.

стр. 5327

ومِن حُجَّتِهِم: حديثُ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، من رِوايةِ صَيْفِيٍّ، عن أبي السّائبِ، عن أبي سعِيدٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: "إنَّ نفرًا من الجِنِّ بالمدِينةِ أسْلَمُوا، فإذا رَأيتُم أحدًا منهُم، فحذِّرُوهُ ثلاثةَ أيام، ثُمَّ إن بَدا لَكُم بعد ذلك فاقتُلُوهُ" (١). ورَوَى أبو حازِم، عن سَهْلِ بن سعدٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، نحوهُ بمعناهُ (٢). ومِن حديثِ سَهْلِ بن سعدٍ أيضًا، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ لهذه البُيُوتِ عَوامِرَ، فإذا رأيتُم منها شيئًا، فتَعَوَّذُوا منهُ، فإن عادَ فاقتُلُوهُ" (٣). وهذا يحتَمِلُ أن تكونَ إشارَتهُ (٤) إلى بُيُوتِ المدِينةِ، وهُو الأظْهَرُ، ويحتَمِلُ أن يكونَ إلى جِنْسِ البُيُوتِ، والله أعلمُ. وسيأتي ذِكرُ حديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، وحديثِ سَهْلِ بن سَعْدٍ، في تَخْصِيصِ حيّاتِ المدِينةِ بالإذنِ، في بابِ صَيْفِيٍّ، من هذا الكِتابِ، إن شاءَ الله. وقال آخرُونَ: لا تُقتَلُ حيّاتُ البُيُوتِ بالمدِينةِ (٥)، ولا بغَيْرِها، حتّى تُؤذَنْ، فإنْ عادَتْ قُتِلتْ. ومِن حُجَّتِهِم: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦): حدَّثنا سعِيدُ بنُ سُليمانَ، عن عليِّ بن هاشِم، قال:

стр. 5328

حدَّثنا ابنُ أبي ليلى، عن ثابتٍ البُنانِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن أبيه (١)، أنَّ رسُولَ الله ﷺ سُئلَ عن حيّاتِ البُيُوتِ، فقال: "إذا رأيتُم منهُنَّ شيئًا في مَساكِنِكُم، فقولُوا: أنشُدُكُمُ (٢) العَهدَ الذي أخَذَ عليكُم سُليمانُ بن داودَ أن تُؤذُونا (٣)، فإن عُدْنَ فاقتُلُوهُنَّ". فلم يَخُصَّ في هذا الحديثِ بُيُوتَ المدِينةِ من غيرِها. وهُو عِندِي محُتَمِلٌ للتَّأوِيلِ، والأظْهَرُ فيه العُمُومُ. وقال آخرُونَ: لا تُقتَلُ ذواتُ البُيُوتِ من الحيّاتِ بالمدِينةِ ولا بغيرِ المدِينةِ. واحتجُّوا بظاهِرِ حديثِ أبي لُبابةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عن قَتلِ الجِنّانِ التي في البُيُوتِ. لم يَخُصَّ بيتًا من بيتٍ، ولا مَوْضِعًا من موضِع، ولم يذكُرِ الإذْنَ فيهنَّ. وقال آخرُونَ: يُقتلُ من حيّاتِ البُيُوتِ: ذُو الطُّفْيتَينِ، والأبترُ، خاصّةً، بالمدِينةِ وغيرِها منَ المواضِع، دُونَ إذْنٍ ولا إنذارٍ، ولا يُقتلُ من ذَواتِ البُيُوتِ غيرُ هذينِ الجِنْسينِ من الحيّاتِ. واحتجُّوا بما حدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبِيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ

стр. 5329

نَهَى عن قَتْلِ الجِنّانِ التي تكونُ في البُيُوتِ، إلّا أن يكونَ ذا الطُّفْيتَينِ والأبتَرَ، فإنَّهُما يخطِفانِ البصَرَ، ويَطْرحانِ ما في بُطُونِ النِّساءِ (١). ومن حديثِ نافع، عن سائبةَ (٢)، مِثلَ هذا سواءً، وسيأتي في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ وعبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن خالدٍ (٣)، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ ربِّهِ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أَنَّهُ كان يأمُرُ بقَتْلِ الحيّاتِ كلِّها، فقال لهُ أبو لُبابةَ: أما بلغَكَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن قَتْلِ ذَواتِ البُيُوتِ، وأمَرَ بقَتْلِ ذي الطُّفْيتَينِ والأبتَر؟ قال أبو عُمر: هذا نصُّ رِوايةِ القَعْنبِيِّ في المتنِ، ورِواية ابنِ وَهْبٍ في الإسنادِ، وأجمعَ (٥) العُلماءُ على جَوازِ قَتْلِ حيّاتِ الصَّحارِي، صِغارًا كُنَّ أو كِبارًا، أيَّ نَوْع كُنَّ من (٦) الحيّاتُ، وأمّا قتلُهُنَّ في الحَرم، فقد مَضَى فيما سلفَ من كِتابِنا هذا، وبالله تَوْفِيقُنا.

стр. 5330

قال أبو عُمر: ترتِيبُ هذه الأحادِيثِ كلِّها، المذكُورة في هذا البابِ وتَهذِيبُها، باستِعمال حديثِ أبي لُبابةَ، والاعتِمادِ عليه، فإنَّ فيه بيانًا لنَسْخِ قَتْلِ حيّاتِ البُيُوتِ، وأنَّ (١) ذلك كان بعدَ الأمرِ بقَتْلِها جُملةً، وفيه استِثناءُ ذي الطُّفْيتَينِ والأبْتَرِ، فهُو حديثٌ مُفسَّرٌ، لا إشكالَ فيه لمن فهِمَ وعلِمَ، وبالله التَّوفيقُ. ومِمّا يدُلُّك على ذلك: أنَّ ابن عُمرَ كان قد سمِعَ من النَّبيِّ ﷺ الأمرَ بقتلِ الجِنّانِ جُملةً، فكانَ يقتُلُهُنَّ حيثُ وجَدَهُنَّ، حتّى أخبَرهُ أبو لُبابةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى بعدَ ذلك عن قتلِ عَوامِرِ البُيُوتِ منهُنَّ، فانْتَهى عبدُ الله بن عُمرَ، ووقفَ عندَ الآخِرِ من أمرِ ﷺ على حَسَبِ ما أخبَرهُ أبو لُبابةَ، وقد بانَ ذلك في رِوايةِ أُسامةَ بن زيدٍ، وغير، عن نافع، على حَسَبِ ما تقدَّمَ في هذا البابِ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيه، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "اقتُلُوا الحيّاتِ، وذا الطُّفيتينِ، والابتَرَ، فإنَّهُما يَلْتمِسانِ البصَرَ، ويُسقِطانِ الحَبَلَ". قال: وكان عبدُ الله (٣) يقتُلُ كلَّ حيّةٍ وجَدَها، فأبْصَرَهُ أبو لُبابةَ، أو زيدُ (٤) بن الخطّابِ، وهُو يُطارِدُ حيّةً، فقال: إنَّهُ قد نُهِيَ عن ذَواتِ البُيُوتِ.

стр. 5331

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهرِيُّ، عن سالم، عن أبيه. فذكَرَهُ سواءً. وزادَ: قال سُفيانُ: كان الزُّهْرِيُّ يشُكُّ فيه: زيدٌ، أو أبو لُبابةَ. قال أبو عُمر: هُو أبو لُبابةَ صحِيحٌ، لم يَشُكَّ فيه نافعٌ وغيرُهُ. وقد رواهُ بُكَيرُ (٢) بن الأشجِّ، عن سالم، فاسْتَثنَى من ذواتِ البُيُوتِ: ذا الطُّفْيتَينِ والأبْتَرَ (٣). وهُو مُوافِقٌ لرِوايةِ عَبْدِ ربِّهِ بن سَعِيدٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، ولِرِوايةٍ القَعْنبِيِّ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، وهُو الصَّوابُ في هذا البابِ، وعليه يصِحُّ ترتِيبُ الآثارِ فيه، والحمدُ لله. وقد رُوِي، عنِ ابنِ مسعُودٍ في هذا البابِ قولٌ غرِيبٌ حَسنٌ: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا عَمرُو بن عَوْنٍ، قال: أخبرنا أبو عَوانةَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قال: اقتُلُوا الحيّاتِ كلَّها، إلّا الجِنّان الأبيضَ، الذي كأنَّهُ قَضِيبُ فِضّةٍ، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 5332

ولنافع، عن أبي هريرةَ في "المُوطَّأ" حَدِيثانِ موقُوفانِ يستنِدانِ من غير ما وَجْهٍ أحدُهُما، وهُو حديثٌ تاسِع ستِّين مالكٌ (١)، عن نافع، أنَّ أبا هريرةَ، قال: أسْرِعُوا بجَنائزِكُم، فإنَّما هُو خَيْرٌ تُقدِّمُونَهُ (٢) إليه، أو شَرٌّ تطرحونَهُ عن رِقابِكُم. هكذا رَوَى هذا الحديث جُمهُورُ رُواةِ "المُوطَّأ" موقُوفًا على أبي هريرةَ. ورواهُ الولِيدُ بن مُسلِم، عن مالكٍ، عن نافع، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . ولم (٣) يُتابَعْ على ذلك عن مالكٍ. ولكِنَّهُ مرفُوعٌ من غيرِ رِوايةِ مالكٍ، من حديثِ نافع، عن أبي هريرةَ، من طُرُقٍ ثابتةٍ. وهُو محفُوظٌ أيضًا من حَدِيثِ الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، مرفُوعًا. فأمّا حديثُ نافع: فحدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ ويعِيشُ بن سعِيدٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد القاضِي البِرْتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع مولى ابنِ عُمرَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أسِرعُوا بجَنائزِكُم، فإن يَكُن خيرًا، عَجَّلتُمُوهُ إليه، وإن يكُن غير ذلك، قَذَفتُمُوهُ (٤) عن أعناقِكُم (٥).

стр. 5333

ورُوي عن الأوزاعِيِّ، عن نافع، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﵇ مرفُوعًا، ولا يصِحُّ سماعُ (١) الأوزاعِيِّ (٢) من نافع، كذلك قال أبو زُرْعةَ، وقال (٣): حدَّثنا إسحاقُ بن خالد الخُتَّليُّ (٤)، قال: حدَّثنا عَمرُو بن أبي سلمةَ، قال: قلتُ للأوزاعِيِّ: يا أبا عَمرٍو، نافع أو (٥) رجُل عن نافع؟ قال: رجُلٌ عن نافع. قلتُ: فعَمرُو بن شُعَيب، أو رجُلٌ عن عَمرِو بن شُعيبٍ؟ قال: عَمرُو بن شُعيبٍ، قلتُ: فالحسنُ، أو رَجُل عنِ الحَسَنِ؟ قال: رجُلٌ عنِ الحَسَنِ. وأمّا حَدِيثُ الزُّهرِيِّ: فحدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٦): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ عن أبي هريرةَ،

стр. 5334

عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "أسْرِعُوا بالجِنارةِ، فإن تَكُن صالحةً، فخَيرٌ تُقدِّمُونها إليه، وإن تكُن غيرَ ذلك، فشَرٌّ تَضَعُونهُ عن رِقابِكُم". قال أبو عُمر: تأوَّل قومٌ في هذا الحديثِ تَعجِيلَ الدَّفْنِ، لا المشيِ، وليسَ كما ظنُّوا، وفي قولِهِ: "شرٌّ تَضَعُونهُ عن رِقابِكُم" ما يَرُدُّ قولهُم، مع أنَّهُ قد رُوِيَ عن أبي هريرةَ، وهُو راوِيةُ (١) الحديثِ، ما يُغْني عن قَولِ كلِّ قائل. رَوَى شُعبةُ، عن عُيينةُ (٢) بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عن أبي بَكْرةَ، أَنَّهُ أسرَعَ المَشْيَ في جِنازةِ عُثمانَ بن أبي العاصِ، وأمَرَهُم بذلك، وقال: لقد رأيتُنا معَ النَّبيِّ ﷺ نرمُلُ رَمَلًا (٣). وروى أبو ماجِدٍ (٤)، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، قال: سألْنا نبِيَّنا ﷺ عن المَشْيِ معَ الجِنازةِ، فقال: "دُونَ الخَبَبِ، إن يكُن خيرًا يُعجَّل إليه، وإن يكُن غيرَ ذلك، فبُعدًا لأهلِ النّارِ". وذكر الحديثَ (٥). وحديثُ أبي هريرةَ أثبتُ من جِهةِ الإسنادِ، ومعناهُما مُتقارِبٌ.

стр. 5335

والذي عليه جماعةُ العُلَماءِ في ذلك (١)، تَرْكُ التَّراخِي، وكراهةُ المُطَيْطاء (٢)، والعَجَلةُ أحبُّ إليهم من الإبطاءِ، ويُكرَهُ الإسراعُ الذي يَشُقّ على ضَعَفةِ من يَتبَعُها، وقد قال إبراهيمُ النَّخعِيُّ: بطِّئُوا بها قليلًا، ولا تدُبُّوا (٣) دبِيبَ اليهُودِ والنَّصارَى (٤). ورُوِي (٥) عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، وأبي هريرةَ، وجَماعةٍ من السَّلفِ: أنَّهُم أمَرُوا أن يُسرَعَ بهم (٦)، وهذا على ما اسْتَحبَّهُ الفُقهاءُ، وهُو أمرٌ خَفِيفٌ إن شاءَ الله. وقد رُوِي عنِ النَّبيِّ ﷺ ما يُفسِّرُ الإسراعَ من حديثِ أبي مُوسى، ويُوافِقُ حديث ابنِ مسعُودٍ، وقولَ إبراهيم. حدَّثنا يعِيشُ بن سعيدٍ (٧) وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا لَيْثٌ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أبصَرَ جِنازةً يُسْرَعُ بها وهِي تُمْخَضُ (٨) كما يُمخَضُ الزِّقُّ، فقال: "عليكُم بالقَصْدِ في جَنائزِكُم إذا مَشَيتُم" (٩).

стр. 5336

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زِيادٍ، عن ليثٍ، بإسنادِهِ ومعناهُ (١). وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح المدائنِيُّ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ بن فارِس (٢)، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن ليثِ بن أبي سُلَيم، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى: أنَّهُم كانوا مع النَّبيِّ ﷺ في جِنازةٍ، فكأنَّهُم أسْرَعُوا في السَّيرِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "عليكُم السَّكِينةَ" (٣). وهذه الآثارُ تُوضِّحُ لكَ معنى الإسْراع، وأنَّهُ على حَسَبِ ما يُطاقُ، وما لا يضُرُّ بالمُتَّبِعِ الماشِي معَها، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 5337

والثّاني لنافع، عن أبي هريرةَ، قولُهُ وفِعلُهُ، موقُوفًا عليه في "المُوطَّأِ" وهُو يستنِدُ من وُجُوهٍ شَتَّى وهُو الحديثُ المُوَفِّي سبعِينَ لنافع مالكٌ (١)، عن نافع، أنَّهُ قال: شَهِدتُ الأضْحَى، والفِطْرَ مع أبي هريرةَ، فكبَّر في الرَّكعةِ الأُولى سبعَ تكبِيراتٍ قبلَ القِراءةِ، وفي الآخِرةِ خَمْسَ تكبِيراتٍ قبلَ القِراءةِ. قال أبو عُمر: مِثلُ هذا لا يكونُ رأيًا، ولا يكونُ إلّا تَوْقِيفًا؛ لأنَّهُ لا فرقَ بين سبع، وأقلَّ وأكثرَ، من جِهةِ الرَّأيِ والقِياسِ، والله أعلمُ. وقد رُوِي عنِ النَّبيِّ ﵇: أنَّهُ كبَّر في العِيدينِ سبعًا في الأُولى، وخَمْسًا في الثّانِيةِ، منْ طُرُقٍ كثِيرةٍ حِسان: مِن حديثِ عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ؛ رواهُ عَمرُو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ (٢). ومِن حديثِ جابرٍ؛ رواهُ ابنُ لَهيعةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ (٣). ومِن حديثِ عائشةَ؛ رواهُ أبو الأسودِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ (٤).
следующие страницы →