← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5333–5372 · переход к 5338.

стр. 5333

ورُوي عن الأوزاعِيِّ، عن نافع، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﵇ مرفُوعًا، ولا يصِحُّ سماعُ (١) الأوزاعِيِّ (٢) من نافع، كذلك قال أبو زُرْعةَ، وقال (٣): حدَّثنا إسحاقُ بن خالد الخُتَّليُّ (٤)، قال: حدَّثنا عَمرُو بن أبي سلمةَ، قال: قلتُ للأوزاعِيِّ: يا أبا عَمرٍو، نافع أو (٥) رجُل عن نافع؟ قال: رجُلٌ عن نافع. قلتُ: فعَمرُو بن شُعَيب، أو رجُلٌ عن عَمرِو بن شُعيبٍ؟ قال: عَمرُو بن شُعيبٍ، قلتُ: فالحسنُ، أو رَجُل عنِ الحَسَنِ؟ قال: رجُلٌ عنِ الحَسَنِ. وأمّا حَدِيثُ الزُّهرِيِّ: فحدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٦): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ عن أبي هريرةَ،

стр. 5334

عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "أسْرِعُوا بالجِنارةِ، فإن تَكُن صالحةً، فخَيرٌ تُقدِّمُونها إليه، وإن تكُن غيرَ ذلك، فشَرٌّ تَضَعُونهُ عن رِقابِكُم". قال أبو عُمر: تأوَّل قومٌ في هذا الحديثِ تَعجِيلَ الدَّفْنِ، لا المشيِ، وليسَ كما ظنُّوا، وفي قولِهِ: "شرٌّ تَضَعُونهُ عن رِقابِكُم" ما يَرُدُّ قولهُم، مع أنَّهُ قد رُوِيَ عن أبي هريرةَ، وهُو راوِيةُ (١) الحديثِ، ما يُغْني عن قَولِ كلِّ قائل. رَوَى شُعبةُ، عن عُيينةُ (٢) بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عن أبي بَكْرةَ، أَنَّهُ أسرَعَ المَشْيَ في جِنازةِ عُثمانَ بن أبي العاصِ، وأمَرَهُم بذلك، وقال: لقد رأيتُنا معَ النَّبيِّ ﷺ نرمُلُ رَمَلًا (٣). وروى أبو ماجِدٍ (٤)، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، قال: سألْنا نبِيَّنا ﷺ عن المَشْيِ معَ الجِنازةِ، فقال: "دُونَ الخَبَبِ، إن يكُن خيرًا يُعجَّل إليه، وإن يكُن غيرَ ذلك، فبُعدًا لأهلِ النّارِ". وذكر الحديثَ (٥). وحديثُ أبي هريرةَ أثبتُ من جِهةِ الإسنادِ، ومعناهُما مُتقارِبٌ.

стр. 5335

والذي عليه جماعةُ العُلَماءِ في ذلك (١)، تَرْكُ التَّراخِي، وكراهةُ المُطَيْطاء (٢)، والعَجَلةُ أحبُّ إليهم من الإبطاءِ، ويُكرَهُ الإسراعُ الذي يَشُقّ على ضَعَفةِ من يَتبَعُها، وقد قال إبراهيمُ النَّخعِيُّ: بطِّئُوا بها قليلًا، ولا تدُبُّوا (٣) دبِيبَ اليهُودِ والنَّصارَى (٤). ورُوِي (٥) عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، وأبي هريرةَ، وجَماعةٍ من السَّلفِ: أنَّهُم أمَرُوا أن يُسرَعَ بهم (٦)، وهذا على ما اسْتَحبَّهُ الفُقهاءُ، وهُو أمرٌ خَفِيفٌ إن شاءَ الله. وقد رُوِي عنِ النَّبيِّ ﷺ ما يُفسِّرُ الإسراعَ من حديثِ أبي مُوسى، ويُوافِقُ حديث ابنِ مسعُودٍ، وقولَ إبراهيم. حدَّثنا يعِيشُ بن سعيدٍ (٧) وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا لَيْثٌ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أبصَرَ جِنازةً يُسْرَعُ بها وهِي تُمْخَضُ (٨) كما يُمخَضُ الزِّقُّ، فقال: "عليكُم بالقَصْدِ في جَنائزِكُم إذا مَشَيتُم" (٩).

стр. 5336

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زِيادٍ، عن ليثٍ، بإسنادِهِ ومعناهُ (١). وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح المدائنِيُّ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ بن فارِس (٢)، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن ليثِ بن أبي سُلَيم، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى: أنَّهُم كانوا مع النَّبيِّ ﷺ في جِنازةٍ، فكأنَّهُم أسْرَعُوا في السَّيرِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "عليكُم السَّكِينةَ" (٣). وهذه الآثارُ تُوضِّحُ لكَ معنى الإسْراع، وأنَّهُ على حَسَبِ ما يُطاقُ، وما لا يضُرُّ بالمُتَّبِعِ الماشِي معَها، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 5337

والثّاني لنافع، عن أبي هريرةَ، قولُهُ وفِعلُهُ، موقُوفًا عليه في "المُوطَّأِ" وهُو يستنِدُ من وُجُوهٍ شَتَّى وهُو الحديثُ المُوَفِّي سبعِينَ لنافع مالكٌ (١)، عن نافع، أنَّهُ قال: شَهِدتُ الأضْحَى، والفِطْرَ مع أبي هريرةَ، فكبَّر في الرَّكعةِ الأُولى سبعَ تكبِيراتٍ قبلَ القِراءةِ، وفي الآخِرةِ خَمْسَ تكبِيراتٍ قبلَ القِراءةِ. قال أبو عُمر: مِثلُ هذا لا يكونُ رأيًا، ولا يكونُ إلّا تَوْقِيفًا؛ لأنَّهُ لا فرقَ بين سبع، وأقلَّ وأكثرَ، من جِهةِ الرَّأيِ والقِياسِ، والله أعلمُ. وقد رُوِي عنِ النَّبيِّ ﵇: أنَّهُ كبَّر في العِيدينِ سبعًا في الأُولى، وخَمْسًا في الثّانِيةِ، منْ طُرُقٍ كثِيرةٍ حِسان: مِن حديثِ عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ؛ رواهُ عَمرُو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ (٢). ومِن حديثِ جابرٍ؛ رواهُ ابنُ لَهيعةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ (٣). ومِن حديثِ عائشةَ؛ رواهُ أبو الأسودِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ (٤).

стр. 5338

ورواهُ عُقَيلٌ وابنُ مُسافِرٍ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ (١). ومِن حديثِ عَمرِو بن عَوْفٍ المُزنِيِّ؛ رواهُ كثِيرُ بن عبدِ الله بن عَمرِو بن عَوْفٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ (٢). ومِن حديثِ ابنِ عُمرَ؛ رواهُ عبدُ الله بن عامرٍ الأسلمِيُّ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ (٣). ومِن حديثِ أبي واقدٍ اللَّيثِيِّ (٤). كلُّها عنِ النَّبيِّ ﷺ (٥)، وفي حديثِ ابنِ عَمرِو بن العاصِ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "التَّكبِيرُ في الفِطرِ: سَبْعٌ في الأُولى، وخَمسٌ في الآخِرةِ، والقِراءةُ بعدَها في كِلْتَيهِما". وبهذا قال مالكٌ (٦)، والشّافعيُّ (٧) وأصحابُهُما، واللَّيثُ بن سعدٍ (٨). إلّا أنَّ

стр. 5339

مالكًا قال: سبعًا في الأولى، بتكْبِيرةِ الإحرام. وقال الشّافعيُّ: سِوَى تكبِير الإحرام. واتَّفقا في الثّانيةِ على خَمْسٍ، سِوَى تكبير القِيام والرُّكُوع. وقال أحمدُ بن حَنْبل كقولِ مالكٍ: سبعًا بتكبِير الإحرام في الأُولى، وخمسًا في الثّانِيةِ، إلّا أَنَّهُ لا يُوالِي بين التَّكبِيرِ، ويجعلُ بينَ كلِّ تكبِيرتينِ ثَناءً على الله، وصَلاةً على النَّبيِّ ﷺ (١). وقال الثَّورِيُّ، وأبو حَنيفةَ وأصحابُهُ: التَّكبِيرُ في العِيدَينِ: خَمْسٌ في الأُولى، وأرْبَعٌ في الثّانيةِ، بتكبِير الافتِتاح والرُّكوع، يُحرِمُ في الأُولى، ويَسْتفتِحُ، ثُمَّ يُكبِّرُ ثلاثَ تكبِيراتٍ، ويرفعُ فيها يَدَيهِ، ثُمَّ يَقْرأُ أُمَّ القُرآنِ، وسُورةً، ثُمَّ يُكبِّرُ، ولا يَرْفعُ يَدَيهِ، ويسجُدُ، فإذا قامَ للثّانيةِ كبَّر، ولم يَرْفع يَدَيهِ، وقرأ فاتِحةَ الكِتابِ، وسُورةً، ثُمَّ كبَّر ثلاثَ تكبِيراتٍ، يرفعُ فيها يَدَيهِ، ثُمَّ يُكبِّرُ أُخْرَى يركعُ بها، ولا يَرْفعُ يَدَيهِ فيها، يُوالِي بينَ القِراءَتينِ (٢). قال أبو عُمر: ليسَ يُروى عنِ النَّبيِّ ﷺ من وَجْهٍ قوِيٍّ ولا ضَعِيفٍ، مِثلُ قولِ هؤُلاءِ. وأمّا الصَّحابةُ ﵃، فإنَّهُمُ اختَلَفُوا في التَّكبِيرِ (٣) في العِيدَينِ اختِلافًا كثيرًا (٤). وكذلك اختِلافُ التّابِعِين في ذلك.

стр. 5340

وفِعلُ أبي هريرةَ، مع ما رَوَى عنِ النَّبيِّ ﷺ في هذا البابِ، أوْلَى ما قيلَ به في ذلك، واللهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ. قال (١) الشّافعيُّ: فِعلُ أبي هريرةَ بينَ ظَهْرانيِ المُهاجِرِين والأنصارِ أوْلَى؛ لأنَّهُ لو خالَفَ ما عَرفُوهُ ووَرِثُوهُ، أنكرُوهُ عليه وعلَّمُوهُ، وليسَ ذلك كفِعلِ رَجُلٍ في بَلَدٍ كلُّهُم يَتَعلَّمُ منهُ. قال: والتَّكبِيرُ في كِلْتا الرَّكعتينِ قبلَ القِراءةِ، أشبَهُ بسُننِ الصَّلاةِ (٢). قال: وكما لم يُدخِلُوا تكبِيرةَ القِيام في تكبِيرةِ العِيدِ، فكذلك تكبِيرةُ الإحرام، بل هي أولى بذلك؛ لأنَّها لا يُدخَلُ في الصَّلاةِ إلّا بها، وتكبِيرةُ القِيام لو تَرَكها، لم تفسُدْ صلاتهُ (٣). وقال المُزنِيُّ: إجماعُهُم على أنَّ تكبِيرَ العِيدِ في الأُولى قبلَ القِراءةِ، يَقْضِي بأنَّ الرَّكعةَ في الآخِرةِ كذلك؛ لأنَّ حُكْمَ الرَّكعتينِ في القِياسِ سَواءٌ. حدَّثنا سعِيدٌ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح المدائنِيُّ، قال: حدَّثنا شَبابةُ بن سوّارٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عُمارةَ، عن سَعْدِ بن إبراهيم، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، قال: كان النَّبيُّ ﷺ تُخرَجُ لهُ الحَرْبةُ، فيُصلِّي إليها، فيُكبِّرُ ثِنْتَي عَشْرةَ تكبِيرةً، ثُمَّ كان أبو بكرٍ وعُمرُ وعُثمانُ والأئمّةُ يفعلُونَ ذلك (٤).

стр. 5341

نافعٌ، عن صفِيّةَ بنتِ أبي عُبيدٍ الثَّقفِيِّ حديثٌ واحِدٌ، وهُو حديثٌ حادي سبعين لنافع مالكٌ (١)، عن نافع، عن صفِيّةَ بنتِ أبي عُبيدٍ، عن عائشةَ وحَفْصةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ بالله واليوم الآخِرِ أن تَحُدَّ (٢) على ميِّتٍ فوقَ ثلاثِ ليالٍ، إلّا على زَوْج". هكذا رَوَى يحيى هذا الحديث، فقال فيه: عن عائشةَ وحَفْصةَ، جميعًا. وتابَعهُ أبو المُصعبِ الزُّهرِيُّ (٣)، ومُصعبُ بن عبدِ الله الزُّبيريُّ (٤)، ومحمدُ بن المُباركِ الصُّورِيُّ، وعبدُ الرَّحمنِ بن القاسم في رِوايةِ سُحْنُونٍ. ورَواهُ القَعْنبِيُّ (٥)، وابنُ بُكيرٍ، وسَعِيدُ بن عُفَيرٍ، ومَعْنُ بن عيسى، وعبدُ الله بن يُوسُف التِّنِّيسِيُّ، فقالوا فيه: عن عائشةَ، أو حَفْصةَ. على الشَّكِّ. وكذلك رواهُ الحارِثُ بن مِسكِينٍ، ومحمدُ بن سلمةَ، عنِ ابنِ القاسم. ورواهُ ابنُ وَهْب، فقال: عن عائشةَ، أو حفصةَ، أو عن كِلْتيهِما (٦). وكان ابن وَهْبٍ إذا حدَّثَ به عن مالكٍ وحدَهُ، قال فيه: عن عائشةَ، أو

стр. 5342

حفصةَ، على الشَّكِّ. وإذا أدخلَ مع مالكٍ غيرَهُ عن نافع، قال فيه حينئذٍ: عن عائشةَ، أو حَفْصةَ، أو عن كِلْتَيهما (١). وقال فيه أبو مُصعبٍ: "إلّا على زَوْج، أربَعةَ أشْهُرٍ وعشرًا". ولم يقُل ذلك غيرُهُ، وانتهى الحديثُ عندَ غيرِهِ، إلى قولِهِ: "إلّا على زوج". قرأتُ على أحمد بن قاسم بن عيسى، أنَّ عُبيد الله بن محمدِ بن حَبابةَ (٢) حدَّثهُم ببغدادَ (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ البَغَوِيُّ، قال (٤): حدَّثنا مُصعبُ بن عبدِ الله الزُّبيريُّ، قال: حدَّثني مالكُ بن أنسٍ، عن نافع، عن صفِيّةَ، عن عائشةَ وحَفْصةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "لا يحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ بالله واليوم الآخِرِ أن تحُدَّ على مَيِّتٍ، إلّا على زَوْج". وأمّا سائرُ أصحابِ نافع، غير مالكٍ، فإنَّهُمُ اختَلَفُوا في هذا الحديثِ أيضًا عن نافع اختِلافًا كثِيرًا (٥). فرواهُ صَخْرُ بن جُويرِيَةَ، عن نافع، عن صفِيّةَ، عن بعضِ أزْواجِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يحِلُّ لامرأةٍ ... " الحديثَ (٦).

стр. 5343

وكذلك رواهُ حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن صفِيّةَ، عن بعضِ أزواج النَّبيِّ ﷺ قالت: قال رسُولُ الله ﷺ . فذكَرَهُ (١). ورواهُ سعِيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن صفِيّةَ، عن بعضِ أزواجِ النَّبيِّ ﷺ ، وهِي أُمُّ سلَمةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢). ورَواهُ ابنُ عُليّةَ، عن أيُّوبَ بإسنادينِ، أحدُهُما: كما رواهُ حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع. وصخرٌ، عن نافع (٣). والآخَرُ: عن أيُّوبَ، قال: حدَّثني رَجُلٌ، عن أُمِّ حبِيبةَ، أنَّها سمِعَتْ رسُولَ الله ﷺ . فذكَرَهُ (٤). ورَواهُ يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ، عن نافع، عن صفِيّةَ، عن حَفْصةَ بنتِ عُمر زوجِ النَّبيِّ ﷺ . فذكَرهُ. حدَّثناهُ إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُثمان، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن خُمَيرٍ (٥) وسعِيدُ بن عُثمانَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن هارُونَ، قال: أخبرنا يحيى بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا (٦) نافعٌ،

стр. 5344

أنَّ صفِيّةَ بنت أبي عُبيدٍ أخْبَرتهُ، أنَّها سمِعَتْ حَفْصةَ زوجَ النَّبيِّ ﷺ تُحدِّثُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ بالله واليوم الآخِرِ، أو بالله ورسُولِهِ، أن تحُدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلّا على زَوْج" (١). ورواهُ اللَّيثُ، قال: حدَّثني نافعٌ، أنَّ صفِيّةَ حدَّثتهُ، عن حَفْصةَ أو عن عائشةَ، أو عن كِلْتَيهِما، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، فذكرهُ؛ حدَّثناهُ أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا البَغَوِيُّ، قال (٢): حدَّثني جدِّي، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، فذكَرَهُ. قال البَغوِيُّ (٣): وحدَّثنا ابنُ زنجُويةَ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يزِيدُ بن الهادِ، عن عبدِ الله بن دِينارٍ، عن نافع، عن صفِيّةَ، عن حفصةَ، أو عن عائشةَ، أو عن كِلْتَيهِما، عن رسُولِ الله ﷺ . فذكَرَهُ. وكذلك رواهُ ابنُ أبي ذِئبٍ، عن نافع، عن صفِيّةَ، عن عائشةَ أو حفصةَ، أو كِلْتَيهِما (٤).

стр. 5345

ورواهُ محمدُ بن إسحاقَ، عن نافع، عن صفِيّةَ، عن عائشةَ وأُمِّ سَلَمةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ ... " فذكرهُ، وزاد في آخِرِهِ: "والإحْدادُ: ألّا تَمْتشِطَ، ولا تَكْتحِلَ، ولا تَخْتضِبَ، ولا تلبسَ ثوبًا مَصْبُوغًا، ولا تخرُجَ من بَيْتها" (١). قال أبو عُمر: هذه الزِّيادةُ، عِندِي، من قولِ ابنِ إسحاقَ، والله أعلمُ، وعليه الفُقهاءُ، ولا يختلِفُونَ في أنَّ الإحدادَ ما ذكَرَ ابنُ إسحاق. وسيأتي شرحُ الإحدادِ في اللُّغةِ، وما للفُقهاءِ فيه من الأقاوِيلِ والمعاني مبسُوطًا، في بابِ عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن حُميدِ بن نافع، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله.

стр. 5346

نافعٌ، عن نُبيهِ بن وَهْبٍ حديثٌ واحِدٌ، وهُو حديثٌ ثاني سبعين لنافع مالكٌ (١)، عن نافع، عن نُبيهِ بن وَهْبٍ أخِي بني عبدِ الدّارِ، أنَّ عُمرَ بن عُبَيدِ الله (٢) أرسَلَ إلى أبانَ بن عُثمانَ، وأبانُ يومئذٍ أمِيرُ الحاجِّ، وهُما مُحرِمانِ: إّني أردتُ أن أُنكِحَ طَلْحةَ بن عُمرَ، بنتَ شيبةَ بن جُبيرٍ، وأرَدْتُ أن تحضُرَ ذلك. فأنكَرَ عليه أبانَ، وقال: سمِعتُ عُثمانَ بن عفّانَ، يقولُ: قال رسُولُ الله- ﷺ : "لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، ولا يُنْكَحُ، ولا يخطُبُ". هذا حديثٌ صحِيحٌ، احتجَّ به وذهَبَ إليه جماعةٌ من أئمّةِ أهلِ الحِجازِ، منهُم: مالكٌ، واللَّيثُ، والشّافعيُّ، وهُو قولُ عُمرَ بن الخطّابِ وعبد الله (٣) بن عُمرَ، وسعِيدِ بن المُسيِّبِ، وجماعةٍ (٤). وقال عبّاسٌ (٥)، وغيرُهُ، عنِ ابنِ مَعِينٍ: نُبيهُ بن وَهْبٍ ثِقةٌ. قال أبو عُمر: نُبيهُ بن وَهْبٍ، نَسَبهُ ابنُ إسحاق، فقال فيه: نُبيهُ بن وَهْبِ بن عامرِ بن عِكْرِمةَ بن عامرِ (٦) بن هاشِم بن عَبدِ مَنافِ بن عبدِ الدّارِ بن قُصيٍّ.

стр. 5347

ونَسَبهُ الزُّبيرُ بن أبي بكرٍ القاضِي، فقال: نُبيهُ بن وَهْبِ بن عُثمانَ بن أبي طَلْحةَ بن عبدِ العُزَّى (١) بن عُثمانَ بن عبدِ الدّارِ بن قُصيٍّ. والزُّبيرُ أعلمُ بأنسابِ قُرَيشٍ، والقَلْبُ إلى ما قالهُ أميلُ، والله أعلمُ. وعُمرُ بن عُبيدِ الله بن مَعْمرٍ التَّيمِيُّ، مشهُورٌ، وهُو مولى أبي النَّضرِ، من فوق (٢)، إلّا أنَّهُ لم يقُل أحدٌ في هذا الحديثِ، فيما عَلِمتُ: ابنةُ شيبةَ (٣) بن جُبيرٍ، إلّا مالكٌ، عن نافع. ورواهُ أيُّوبُ وغيرُهُ، عن نافع، فقال فيه: ابنةُ شَيْبةَ بن عُثمانَ. ذكرهُ أبو داود، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داود أبو الرَّبِيع، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، عن نُبيهِ بن وَهْبٍ، أنَّ عُمرَ بن عُبَيدِ الله أرادَ أن يُنكِحَ ابنَهُ طَلْحةَ بن عُمرَ، منِ ابنةِ شَيْبةَ بن عُثمانَ. وساقَ الحديثَ بمعنَى حديثِ مالكٍ سَواءً (٤). وكذلك رواهُ عُثمانُ بن عُمرَ، عن عُمرَ بن عُبيدِ الله: أنَّهُ أرادَ أن يُنكِحَ ابنهُ طلحةَ، ابنةَ شَيْبةَ بن عُثمانَ. وقد مَضَى القولُ في نِكاحِ المُحرِم، وما في ذلك من اختِلافِ السَّلفِ والخَلَفِ، واختِلافِ الآثارِ في نِكاحِ رسُولِ الله ﷺ مَيْمُونةَ، في بابِ ربِيعةَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا.

стр. 5348

وجماعةُ الفُقهاءِ يقولُون: إنَّ (١) للمُحرِم أن يُراجِعَ امرأتهُ، إن لم تَكُن بائنةً منهُ (٢). إلّا أحمدَ بن حَنْبل، فإنَّهُ قال: المُراجَعةُ عِندِي تَزْوِيجٌ، ولا يُراجِعُ امرأتهُ (٣). وبحديثِ مالكٍ هذا يقولُ مالكٌ، والشّافعيُّ، وأصحابُهما. وهو مذهبُ أهلِ الحِجازِ، وهو الصَّحيح، وبالله التوفيق (٤).

стр. 5349

نافعٌ، عنِ القاسم بن محمدٍ حديثٌ واحِدٌ، وهُو ثالثُ سبعين لنافع وهُو القاسمُ (١) بن محمدِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ. ذكرَ الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانِيُّ، قال: حدَّثنا أشهلُ، عنِ ابنِ عونٍ (٢)، قال: قال محمدُ بن سِيرِينَ: ماتَ القاسمُ بن محمدٍ، ولم يَكُن أحدٌ أرْضَى عندَ النّاسِ منهُ. قال: وحدَّثنا القَعْنبِيُّ، قال: سمعتُ مالكًا، قال (٣): ذكَرَ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ القاسم بن محمدٍ، فقال: إنَّهُ لها. يعني: الخِلافةَ. وذكَرَ ابنُ البرقِيِّ: أنَّ القاسمَ بن محمدٍ، تُوُفِّي سنةَ ثمانٍ ومئةٍ، وهُو قولُ الواقِدِيِّ، ويُكْنَى أبا محمدٍ، وكان قد ذهَبَ بصرُهُ. قال ابنُ عونٍ: رأيتُ ثلاثةً لم أرَ مِثلهُم: ابن سِيرِينَ بالعِراقِ، والقاسم بن محمدٍ بالحِجازِ، ورجاءَ بن حَيْوةَ بالشّام. وقال ضمرةُ، عن رجاء بن أبي سلمةَ: مات القاسمُ بن محمدٍ فيما بين مكّةَ والمدِينةِ، حاجًّا أو مُعتمِرًا. وقال لابنِهِ: سُنَّ التُّرابَ عليَّ سنًّا، وسوِّ عليَّ قَبْرِي، والحَقْ بأهلِكَ، وإيّاك أن يغُرَّك: كان وكان. قال ضَمْرةُ: وتُوُفِّي القاسمُ بن محمدٍ (٤) في سنةِ إحْدَى أوِ اثنتينِ ومئةٍ، في خِلافةِ يزِيد بن عبدِ الملكِ.

стр. 5350

مالكٌ (١)، عن نافع، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، أنَّها أخبرتهُ: أنَّها اشْترَتْ نُمرُقةً فيها تصاوِيرُ، فلمّا رآها رسُولُ الله ﷺ قامَ على الباب، فلَمْ يدخُلْ، فعرَفَتْ في وجهِهِ الكَراهِيةَ، وقالت: يا رسُولَ الله، أتُوبُ إلى الله (٢)، ماذا أذْنَبتُ؟ فقال رسُولُ الله- ﷺ : "ما بالُ هذه النُّمرُقةِ؟ ". قالتِ: اشْتَريتُها، لتَقْعُد عليها وتَوسَّدَها، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ أصحابَ هذه الصُّورِ يومَ القِيامةِ يُعذَّبُون، يُقالُ لهم: أحْيُوا ما خَلَقْتُم". وقال- ﷺ : "إنَّ البيتَ الذي فيه الصُّورُ، لا تدخُلُهُ الملائكةُ". قال أبو عُمر: النُّمرُقةُ: الوِسادةُ. وقال الخليلُ (٣): والنُّمرُوقُ: الوِسادةُ أيضًا. وهذا الحديثُ يَقْتضِي تحرِيمَ استِعمالِ ما فيه التَّصاوِيرُ من الثِّيابِ، وامتهانَها (٤)، والاستِمتاع بها، في ثوبٍ كانت أو غيرِ ثَوْبٍ، كان الثَّوبُ مِمّا يُوطَأُ أو لم يكُن؛ لأنَّ النُّمرُقةَ مِمّا يُوطَأُ ويُمتَهَنُ، وقد وردَ فيها ما رأيتَ في هذا الحديثَ (٥)، ولم يخُصَّ بيتًا فيه نوعُ تصاويرَ من نَوْع ما، ولا في مَوْضِع ما، ولا خَصَّ ثوبًا من ثَوْبٍ، وحُكمُ كلِّ ثوبٍ، حُكمُ النُّمرُقةِ. وليسَ في شيءٍ من أحادِيثِ هذا البابِ، أحسنُ إسنادًا من هذا الحديثِ. وقد رَواهُ الزُّهرِيُّ، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، مِثله (٦) سواءً. إلّا أنَّهُ

стр. 5351

جعلَ في موضِع النُّمرُقةِ: قِرامًا. والقِرامُ: جمعُ قُرامةَ. قال الخليلُ (١): القُرامةُ: ثوبُ صُوفٍ مُلوَّنٌ. والمعنَى في ذلك كلِّهِ واحِدٌ؛ لأنَّها كلَّها ثِيابٌ تمُتهنُ، ولم يُرخَّص في شيءٍ منها في هذا الحديثِ، وإن كانتِ الرُّخْصةُ قد ورَدَتْ في غيرِهِ في هذا المعنَى، فإنَّ ذلك مُتعارِضٌ. وحديثُ عائشةَ هذا من أصحِّ ما يُروَى في هذا البابِ، إلّا أنَّ عُبيدَ الله بن عُمرَ رَوَى هذا الحديث، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، فخالَفَ في معناهُ، وذكَرَ فيه الرُّخصةَ، فيما يُرتَفقُ ويُتَوسَّدُ. وقد مَضَى في الصورِ وكَراهِيتها في الثِّيابِ وغَيْرِها ذِكرٌ، في بابِ إسحاقَ بن أبي طَلْحةَ، من كِتابِنا هذا، وسيأتي القولُ في هذا البابِ، وما للعُلماءِ فيه من الوُجُوهِ والمذاهِبِ، في بابِ أبي النَّضرِ، من كِتابِنا هذا مُمهَّدًا مُوعَبًا، إن شاءَ الله. حدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا بَحْرُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا بِشرُ بن بكرٍ. وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّانٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحمِيدِ بن حبِيبٍ. قالا: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، عنِ ابنِ شِهاب، قال: أخبرني القاسمُ بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: دخَلَ عليَّ النَّبيُّ ﷺ وأنا مُسْتتِرةٌ لا بقِرام فيه صُوَرٌ، فهَتَكهُ، وقال: "إنَّ أشدَّ النّاسِ عذابًا يومَ القِيامةِ، الذينَ يُشبِّهُونَ بخلقِ الله" (٢).

стр. 5352

وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى وأحمدُ بن فتْح، قالا: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن سعِيدِ بن عُثمانَ بن عبدِ السَّلام السَّرّاجُ، قال: حدَّثنا أبو صالح عبدُ الله (١) بن صالح، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن سعدٍ، عنِ ابنِ شِهاب، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: دخَلَ عليَّ رسُولُ الله ﷺ وأنا مُسْتتِرةٌ بقِرام فيه صُوَرٌ، فتَلَوَّنَ وجهُهُ، وتناوَلَ السِّتر فهَتَكهُ، ثُمَّ قال: "إنَّ من أشَدِّ النّاسِ عذابًا يومَ القِيامةِ الذين يُشبِّهُون بخلقِ الله" (٢). ورواهُ ابنُ عُيَينةَ، عنِ ابنِ شِهاب، بإسنادهِ مِثلهُ (٣). ففي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ القِرامَ سِترٌ. ويحتَمِلُ أنَّهُ إذ هتكَهُ وخَرَّقهُ، قد أبطَلَ الانتِفاعَ به، ويحتَمِلُ أن يكونَ أباحَ الانتِفاعَ منهُ، بما كان يُوطأُ ويُمتَهنُ، وكرِهَ ما يُنصَبُ نصبًا، كالسِّترِ وشِبْهِهِ، ولهِذا، واللهُ أعلمُ، قال من قال من العُلماءِ: ما قُطِعَ رأسُهُ، فليسَ بصُورةٍ، وما لم يُنْصَب وبُسِطَ، فليسَ به بأسٌ. ويدُلُّ حديثُ عُبيدِ الله بن عُمرَ، على نحوِ ما ذكَرْنا من الاحتِمالِ. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن حَبابةَ (٤)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَوِيُّ، قال (٥): حدَّثنا بِشْرُ بن الوَلِيدِ،

стр. 5353

قال: حدَّثنا عبدُ العَزِيزِ بن عبدِ الله (١) بن أبي سَلَمةَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: دخَلَ عليَّ رسُولُ الله ﷺ وفي البَيْتِ سِترٌ مَنْصُوبٌ، عليه تصاوِيرُ، فعرَفْتُ (٢) الغضَبُ في وَجهِهِ. قالت: فهَتكتُهُ، وأخذتُهُ فجَعَلتُهُ مِرْفَقتينِ، فكانَ يَرْتفِقُ بهما في بيتهِ ﷺ . فرِوايةُ عُبيدِ الله بن عُمرَ هذه، عنِ القاسم، مُخالِفةٌ لرِوايةِ الزُّهرِيِّ، ونافع، عنِ القاسم. وعُبيدُ الله ثِقةٌ حافِظٌ، وسَماعُهُ من القاسم ومن سالم صحِيحٌ، والزَّهرِيُّ ونافعٌ أجلُّ منهُ، والله أعلمُ بالصَّحِيح من ذلك. ومِن جِهةِ النَّظرِ، لا يجِبُ أن يقَعَ المنعُ والحَظْرُ إلّا بدليلٍ لا مُنازع لهُ، وحديثُ سَهْلِ بن حُنَيفٍ، مع أبي طَلْحةَ الأنصارِيِّ (٣)، يَعْضُدُ ما رَواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ في ذلك، وسيأتي ذِكرُ حديثِ سَهْلِ بن حُنيفٍ وأبي طَلْحةَ، في بابِ أبي النَّضرِ، من كِتابِنا هذا في حرفِ السِّينِ. وقد مَضَى ما للفُقهاءِ، في هذا البابِ من المذاهِبِ، في بابِ إسحاق بن أبي طلحةَ، ويأتي في بابِ أبي النَّضرِ سالم، ما فيه أيضًا عنِ التّابِعِينَ، إن شاءَ اللهُ .

стр. 5354

نافعٌ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ حديثٌ واحِدٌ، وهُو حديثٌ رابعُ سبعين لنافع مالكٌ (١)، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ: أنَّ امرأة كانت تُهراقُ الدِّماءَ على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ ، فاسْتَفتَتْ لها أُمُّ سلمةَ رسُولَ الله ﷺ فقال: "لِتنظُرْ عَدَدَ (٢) اللَّيالي والأيام التي كانت تحِيضُهُنَّ من الشَّهرِ قبلَ أن يُصِيبَها الذي أصابَها، فلتَتْرُكِ [الصَّلاةَ] (٣) قدرَ ذلك من الشَّهرِ، فإذا خلَّفَتْ (٤) ذلك، فلتَغْتسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثفِر (٥) بثَوْبٍ، ثُمَّ لتُصلِّي". هكذا رواهُ مالكٌ، عن نافع، عن سُليمانَ، عن أُمِّ سَلَمةَ. وكذلك رواهُ أيُّوبُ السِّختِيانِيُّ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ (٦)، كما رواهُ مالكٌ، عن نافع سَواءً. ورواهُ اللَّيثُ بن سَعْدٍ وصخرُ بن جُويرِيَةَ وعُبيدُ الله بن عُمرَ، على اختِلافٍ عنهُم، عن نافع، عن سُليمانَ بن يسارٍ: أنَّ رجُلًا أخبَرَهُ عن أُمِّ سَلَمةَ. فأدخَلُوا بينَ سُليمانَ بن يَسارٍ وبين أُمِّ سَلَمةَ رجُلًا. وذكَرَ حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ في هذا الحديثِ: أنَّ المرأةَ المذكُورةَ في هذا الحديثِ، التي كانت تُهراقُ الدِّماءَ، فاسْتَفتَتْ لها أُمُّ سَلَمةَ رسُولَ الله ﷺ عن

стр. 5355

ذلك، هي فاطِمةُ بنتُ أبي حُبَيْشٍ. وكذلك ذكر ابنُ عُيينةَ أيضًا، عن أيُّوبَ في هذا الحديثِ. وحديثُ فاطِمةَ ابْنةِ أبي حُبَيشٍ، رواهُ هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ (١). بخِلافِ هذا اللَّفظِ، وسنَذكُرُهُ هاهنا، وفي بابِ هشام بن عُروةَ، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله. وأمّا حديثُ سُليمان بن يسارٍ هذا (٢): فحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ: أنَّ فاطِمةَ ابنةَ أبي حُبَيشٍ اسْتُحِيضَتْ، حتّى كان المِرْكَنُ (٣) يُنقلُ من تحتِها وعاليه (٤) الدَّمُ، فأمرَتْ أُمَّ سلَمةَ أن تسألَ لها النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "تَدَعُ أيامَ أقرائها، وتَغْتسِلُ وتَسْتثفِرُ، وتُصلِّي". قال أيُّوبُ: فقلتُ لسُليمانَ بن يَسارٍ: أيغشاها زَوْجُها؟ قال: إنَّما نُحدِّثُ بما سَمِعنا. أو: لا نُحدِّثُ إلّا بما سَمِعنا (٥). وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ،

стр. 5356

قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ السِّختِيانِيُّ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، أَنَّهُ سَمِعهُ يُحدِّثُ، عن أُمِّ سَلَمةَ، أنَّها قالت: كانت فاطِمةُ ابنةُ أبي حُبَيشٍ تُسْتَحاضُ، فسألَتْ رسُولَ الله ﷺ فقال: "إنَّهُ ليسَ بالحَيْضةِ، ولكِنَّهُ عِرْقٌ"، وأمَرَها أن تَدَعَ الصَّلاةَ قدرَ أقْرائها، أو قدرَ حَيْضتِها، ثُمَّ تغتسِلُ، فإن غَلَبها الدَّمُ، اسْتَثفرَتْ بثَوبٍ وصلَّتْ. وكذلك رواهُ وُهَيبٌ، عن أيُّوبَ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، مِثلهُ؛ أخبَرناهُ أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: أخبرنا أحمدُ بن جعفرِ بن حَمْدانَ (٢) بن مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا وُهيبٌ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ، أنَّ فاطِمةَ اسْتُحِيضَتْ، وكانت تَغْتسِلُ في مِرْكَنٍ لها، فتَخرُجُ وهو عالِيهِ الصُّفْرةُ والكُدْرة، فاسْتَفتَتْ لها أُمُّ سَلَمةَ رسُولَ الله ﷺ فقال: "تَنتَظِرُ (٤) أيامَ قُرُوئها، أو أيامَ حَيْضتِها، فتَدَعُ فيها الصَّلاةَ، وتَغْسِلُ فيما سِوَى ذلك، وتَسْتثفِرُ بثوبٍ وتُصلِّي (٥) ".

стр. 5357

قال أبو عُمر: قولُهُ: "تَدَعُ الصلاةَ أيامَ أقْرائها، أو أيامَ حَيْضتِها" يُضارعُ حديث هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، في قِصّةِ فاطِمةَ ابنةِ أبي حُبَيشٍ، حِينَ قال لها رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما ذلك عِرقٌ، وليسَ بالحَيْضةِ، فإذا أقْبَلتِ الحَيْضةُ فاترُكِي الصَّلاةَ، فإذا ذهبَتْ عَنكِ، فاغْتَسِلي وصلِّي" (١). ويُضارعُ حديث نافع هذا، في قولِهِ: "لتنظُر عددَ اللَّيالي والأيام التي كانت تحِيضُهُنَّ من الشَّهرِ ... " الحديثَ. وفي هذينِ المعنيينِ تنازُعٌ بينَ العُلماءِ، سَنذكُرُهُ هاهُنا في هذا البابِ، بعد الفَراغِ من طُرُقِ هذا الحديثِ وألفاظِهِ، بعونِ الله، إن شاءَ الله. وأمّا الاختِلافُ على نافع في هذا الحديثِ: فإنَّ أسدَ بن موسى ذكَرَ في مُسندِهِ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا نافعٌ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ: أنَّ امرأةً كانت تُهراقُ الدِّماءَ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ . وساقَ الحديث بمعنَى حديثِ مالكٍ سَواءً، ولم يُدخِل في إسنادِهِ بينَ سُليمانَ وبينَ أُمِّ سلمةَ أحدًا. وكذلك رواهُ أسدٌ أيضًا، عن أبي خالدٍ الأحمرِ سُليمانَ بن حيّان، عنِ الحجّاج بن أرطأةَ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ (٢). وكذلك رواهُ أبو أُسامةَ وابنُ نُمَيرٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ، قالت: سألَتِ امرأةٌ رسُولَ الله ﷺ . بهذا الحديثِ، ليسَ بينَ سُليمانَ وأُمِّ سَلَمةَ فيه أحَدٌ. ذكَرهُ ابنُ أبي شيبةَ في "مُسندِهِ" (٣)، عن أبي (٤) أُسامةَ وابنِ نُميرٍ، جميعًا، بالإسنادِ المذكُورِ.

стр. 5358

وخالَفهُما عن عُبيدِ الله بن عُمرَ: أنسُ بن عِياضٍ، فأدخَلَ بينَ سُليمانَ بن يَسارٍ وبينَ أُمِّ سلمةَ رَجُلًا. حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبِيُّ، قال: حدَّثنا أنسُ بن عِياضٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن رجُلٍ من الأنصارِ: أنَّ امرأةً كانت تُهراقُ الدَّمَ، فاسْتَفتَتْ لها أُمُّ سلَمةَ رسُولَ الله ﷺ . فذكَرَ مِثلَ حديثِ مالكٍ، بمَعناهُ. وأمّا رِوايةُ من رَوَى عنِ اللَّيثِ هذا الحديث، فأدخَلَ في إسنادِهِ بينَ سُليمانَ بن يَسارٍ وبينَ أُمِّ سلَمةَ رجُلًا: فأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعِيدٍ ويزِيدُ بن خالدِ بن عبدِ الله بن مَوْهبٍ، قالا: حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يسارٍ، عن رَجُلٍ أخبَرَهُ، عن أُمِّ سلمةَ: أنَّ امرأةً كانت تُهراقُ الدَّمَ. فذكَرَ معنى حديثِ مالكٍ. قال: فإذا خلَّفَتْ (٣) ذلك، وحَضَرتِ الصَّلاةُ، فلتَغْتسِلْ". قال: أبو داودَ (٤): وحدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، قال: حدَّثنا صَخْرُ بن جُوَيْرِيةَ، عن نافع، بإسنادِ اللَّيثِ ومعناهُ. قال: "فلتَتْرُكِ الصَّلاةَ قدرَ ذلك، ثُمَّ إذا حَضَرت الصّلاةُ فلتَغْتسِل، ولتَسْتثفِر بثوبٍ، وتُصلِّي".

стр. 5359

وعندَ اللَّيثِ في هذا أيضًا: عن يزِيد بن أبي حبِيبٍ، عن جَعْفرِ بن ربِيعةَ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ أُمَّ حبِيبةَ سألَتْ رسُولَ الله ﷺ عنِ الدَّم (١)، فقال لها رسُولُ الله ﷺ : "امْكُثِي قدرَ ما كانت تحبِسُكِ حَيْضتُكِ، ثُمَّ اغتسِلي". قالت عائشةُ: رأيتُ مِرْكنها ملآنَ دمًا (٢). وعندَ اللَّيثِ أيضًا، عن يزِيدَ بن أبي حبِيبٍ، عن بُكَيرِ بن عبدِ الله بن الأشَجِّ، عنِ المُنذِرِ بن المُغِير، عن عُرْوةَ بن الزُّبيرِ، أنَّ فاطِمةَ بنت أبي حُبَيشٍ حدَّثتهُ: أنَّها سألَتْ رسُولَ الله، وشكَتْ إليه الدَّمَ، فقال لها رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما ذلك عِرقٌ، فانْظُرِي، إذا أتاكِ قُرؤُكِ فلا تُصلِّي، فإذا مرَّ قُرؤُكِ فتَطَهَّرِي، ثُمَّ صلِّي ما بينَ القُرءِ إلى القُرءِ". ذكر ذلك كلَّهُ أبو داودَ (٣). وقال أبو داودَ: سمِعتُ أحمد بن حَنْبل يقولُ: في الحَيْضِ حديثانِ، والآخرُ في نَفْسي منهُ شيءٌ. قال أبو داودَ: يعني أنَّ في الحيضِ ثلاثةَ أحادِيثَ، هي أُصُولُ هذا البابِ، أحدُها: حديثُ مالكٍ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ. والآخرُ: حديثُ هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ. والثالثُ الذي في قلبِهِ منهُ شيءٌ، هُو حديثُ حَمْنةَ بنتِ جَحْشٍ، الذي يروِيهِ ابنُ عَقيل (٤).

стр. 5360

قال أبو عُمر: أمّا حديثُ نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، فقد مَضَى في هذا البابِ مجُوَّد الإسنادِ، والحمدُ لله. وأمّا حديثُ عائشةَ، في قِصّةِ فاطِمةَ ابنةِ أبي حُبيشٍ: فحدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ فاطِمةَ بنت أبي حُبَيش الأسدِيّةَ كانت تُسْتَحاضُ، فسألَتْ رسُولَ الله ﷺ فقال لها: "إنَّما هو عِرقٌ وليسَ بالحَيْضةِ، فإذا أقْبَلتِ الحَيْضةُ، فاترُكِي الصلاةَ، وإذا أدْبرَتْ فاغْتَسِلي وصلِّي". أو (٢) قال: "اغْسِلي عنكِ الدَّمَ وصلِّي". وهذا حديثٌ رواهُ عن هشام جماعةٌ كثِيرةٌ، منهُم: حمّادُ بن سَلَمةَ، وحمّادُ بن زيدٍ، ومالكُ بن أنسٍ، وأبو حَنِيفةَ، ومحمدُ بن كُناسةَ، وابنُ عُيينةَ. وزادَ بعضُهُم فيه ألفاظًا لها أحكامٌ، سنذكُرُها إن شاءَ الله في بابِ هشام بن عُرْوةَ، من هذا الكِتابِ. وأمّا الحديثُ الذي ذكَرَ أنَّهُ الثالثُ، حديثُ حَمْنةَ: فأخبَرناهُ أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا زكرِيّا بن عدِيٍّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عَمرٍو، عن عبدِ الله بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن طَلْحةَ، عن عِمران بن طَلْحةَ، عن أُمِّهِ حَمْنةَ بنتِ جَحْشٍ (٣).

стр. 5361

وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا زُهَيرُ بن حربٍ وغيرُهُ، قالا: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا زُهَيرُ بن محمدٍ، عن عبدِ الله بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن طلحةَ، عن عمِّهِ عِمرانَ بن طَلْحةَ، عن أُمِّهِ حَمْنةَ ابنةِ جَحَشٍ، بمعنًى واحِدٍ، قالت: كنتُ أُسْتَحاضُ حَيْضةً كثِيرةً شدِيدةً، فأتيتُ رسُولَ الله ﷺ أسْتَفتِيهِ وأُخبِرُهُ، فوَجَدتُهُ في بيتِ زَيْنبَ بنتِ جَحْشٍ، فقلتُ: يا رسُولَ الله، إنِّي أُسْتَحاضُ حَيْضةً كثِيرةً شَدِيدةً قد مَنعتني من الصَّلاةِ والصَّوم، فماذا تَرى فيها (٢)؟ فقال: "أنعَتُ لكِ الكُرسُفَ (٣)، فإنَّهُ يُذهِبُ الدَّمَ". قلتُ: هُو أكثرُ من ذلك. قال: "فتَلجَّمِي (٤) ". قلتُ: هُو أكثَرُ من ذلك. قال: "فاتَّخِذِي ثوبًا". قلتُ: هُو أكثَرُ من ذلك، إنَّما أثُجُّ ثجًّا. قال رسُولُ الله ﷺ : "سآمُرُكِ أمرين، أيَّهُما فعَلتِ أجزَأ عنكِ من الآخرِ، وإن قَويتِ عليهما، فأنتِ أعلمُ، إنَّما هي رَكْضةٌ من الشَّيطانِ،

стр. 5362

فتَحَيَّضِي سِتّةَ أيام، أو سَبْعةً في عِلم الله، ثُمَّ اغْتَسِلِي، حتّى إذا رأيتِ أنَّكِ قد طَهُرتِ واسْتَنْقَيْتِ فصلِّي أربعًا وعِشرِينَ ليلةً، أو ثلاثًا وعِشرِينَ ليلةً وأيامها، وصُومِي، فإنَّ ذلك يُجزِئكِ، وكذلك فافعلي كلَّ شَهْرٍ كما تحِيضُ النِّساءُ، وكما يَطْهُرنَ لمِيقات حيضِهِنَّ وطُهرِهِنَّ، وإن قَويتِ على أن تُؤَخِّرِي الظُّهرَ، وتُعجِّلِي العصرَ، ثُمَّ تَغْتسِلِينَ، وتجمعِينَ بين الصَّلاتينِ: [الظُّهرِ والعَصرِ، وتُؤَخِّرِينَ المغرِبَ، وتُعجِّلِينَ العِشاءَ، ثُمَّ تَغْتسِلِينَ وتجمعِين بين الصَّلاتينِ] (١) فافعلي، ثُمَّ تَغْتسِلِينَ مع الفَجْرِ، فافعلي، وصُومِي، إن قَدرتِ على ذلك". قال رسُولُ الله ﷺ : "وهذا أحبُّ الأمرينِ إليَّ". قال أبو داودَ: وما عَدا هذه الثَّلاثةَ الأحادِيثِ، ففيها اختِلافٌ واضطِرابٌ. قال: وأمّا حديثُ عدِيِّ بن ثابتٍ، والأعمشِ، عن حبِيبِ بن أبي ثابتٍ. وحديثُ أيُّوبَ أبي (٢) العَلاءِ، فهي كلُّها ضعِيفةٌ لا تَصِحُّ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي عدِيٍّ، عن محمدِ بن عَمرٍو، قال: حدَّثني ابنُ شِهاب، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن فاطِمةَ ابنةِ أبي حُبَيشٍ: أنَّها كانت تُستحاضُ، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : "إذا كان دَمُ الحَيْضِ فإنَّهُ دَمٌ أسودُ يُعرَفُ، فإذا كان ذلك فأمْسِكِي عنِ الصَّلاةِ، وإذا كان

стр. 5363

الآخَرُ فتَوَضَّئي وصلِّي، فإنَّما هُو عِرقٌ". قال ابنُ المُثنَّى: حدَّثنا به ابنُ أبي عدِيٍّ من كِتابِهِ هكذا، ثُمَّ حدَّثنا به من حِفظِهِ، فقال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، عنِ الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ فاطِمةَ كانت تُسْتَحاضُ. وذكرهُ. قال أبو عُمر: اختُلِف عنِ الزُّهرِيِّ في هذا الحديثِ اختِلافًا كثِيرًا، فمرّةً يروِيهِ عن عَمْرةَ عن عائشةَ، ومرّةً عن عُروةَ عن عائشة، ومرّةً عن عُرْوةَ وعَمْرةَ عن عائشةَ، ومرّةً عن عُرْوةَ، عن فاطِمةَ بنتِ أبي حُبَيشٍ. وقد ذكَرْنا كثِيرًا من ذلك في بابِ هشام بن عُروةَ. وقال فيه سُهَيلُ بن أبي صالح، عنِ الزُّهرِيِّ، عن عُرْوةَ: حدَّثتني فاطِمةُ ابنةُ أبي حُبيشٍ، أنَّها أمرَتْ أسماءَ أن تسألَ رسُولَ الله ﷺ . وأسماءُ حدَّثتنِي: أنَّها أمرَتْ فاطِمةَ ابنةَ أبي حُبَيشٍ تسألُ رسُولَ الله ﷺ عنِ الحَيْضِ، فأمَرَها أن تَقعُدَ أيامها التي كانت تقعُدُ، ثُمَّ تَغْتسِلَ (١). وأكثرُ أصحابِ ابنِ شِهابٍ يقولُونَ فيه: عن عُروةَ وعَمْرةَ، عن عائشةَ: أنَّ أُمَّ حبِيبةَ بنت جَحْشٍ، خَتَنةَ رسُولِ الله ﷺ ، وهي تحتَ عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، استُحِيضت (٢). هكذا يقولُونَ عنِ ابنِ شِهابٍ في هذا الحديثِ: أُمُّ حبِيبةَ، لا يذكُرُونَ فاطِمةَ بنت أبي حُبَيشٍ. وحديثُ ابنِ شِهابٍ في هذا البابِ مُضْطرِبٌ.

стр. 5364

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن يحيى، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: اسْتَفتت أُمُّ حَبِيبةَ بنتُ جَحشٍ رسُولَ الله ﷺ ، قالت: إنِّي أُسْتَحاضُ، فقال: "إنَّما ذلك عِرقٌ، فاغْتَسِلِي ثُمَّ صلِّي". فكانت تَغتسِلُ عندَ كلِّ صَلاةٍ (١). ورواهُ عِراكُ بن مالكٍ، عن عُروةَ، بخِلافِ رِوايةِ هشام والزُّهرِيِّ. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزِيدَ بن أبي حبِيبٍ، عن جَعْفرِ بن ربِيعةَ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ أُمَّ حبِيبةَ سألَتْ رسُولَ الله ﷺ عنِ الدَّم. قالت عائشةُ: لقد رأيتُ مِرْكَنها ملآن دمًا. فقال لها رسُولُ الله ﷺ : "امكُثِي قدرَ ما تحبِسُكِ حَيْضتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي" (٢). وبِإسنادِهِ، عنِ اللَّيثِ، عن يزِيدَ بن أبي حبِيبٍ، عن بُكَيرِ بن الأشجِّ، عنِ المُنذِرِ بن المُغِيرةِ، عن عُرْوةَ بن الزُّبيرِ، أنَّ فاطِمةَ بنتَ أبي حُبَيشٍ حدَّثتهُ: أنَّها أتَتِ النَّبيَّ ﷺ ، فشكَتْ إليه الدَّمَ، فقال لها رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما ذلك عِرقٌ،

стр. 5365

فانظُرِي، فإذا أتاكِ قُرْؤُكِ فلا تُصلِّي، فإذا مرَّ القُرءُ فتَطهَّرِي، ثُمَّ صلِّي ما (١) بينَ القُرءِ إلى القُرْءِ" (٢). قال أبو عُمر: لهذا الاختِلافِ ومِثلِهِ عن عُروةَ، واللهُ أعلمُ، ضعَّفَ أهلُ العِلْم بالحديثِ ما عَدا حديثَ هشام بن عُروةَ، وسُليمانَ بن يَسارٍ، من أحادِيثِ الحَيْضِ والاسْتِحاضةِ. فهذه الأحادِيثُ المرفُوعةُ في هذا البابِ. وأمّا أقاوِيلُ الصَّحابةِ، والتّابِعِينَ، وسائرِ فُقهاءِ المُسلِمِينَ، فسنوردُ منها ها هنا ما فيه شِفاءٌ واكتِفاءٌ، إن شاءَ الله. قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في حديثِ مالكٍ في هذا البابِ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سلمةَ: أنَّ امرأةً كانت تُهراقُ الدِّماءَ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ . فمعناهُ عندَ جميع العُلماءِ: أنَّها كانتِ امرأةً لا يَنْقطِعُ دمُها، ولا تَرى منهُ طُهرًا ولا نقاءً، وقد زادَها ذلك على أيامِها المعرُوفةِ لها، وتمادَى بها، فسألَتْ عن ذلك، لتعلَمَ هل حُكمُ ذلك الدَّم، كحُكم دم الحيضِ، أو هل هُو حيضٌ، أو غيرُ حيضٍ؟ فأجابَها رسُولُ الله ﷺ بجَوابٍ مَنَعها به من الصَّلاةِ في أيام حَيْضتِها، فبانَ بذلك أنَّ الحائضَ لا تُصلِّي، وهو إجماعٌ. وأمَرَها ﷺ أن تغتسِلَ وتُصلِّي، إذا خلَّفت ذلك.

стр. 5366

واحتملَتْ ألفاظُ هذه الأحادِيثِ من التَّأوِيلِ، ما أوجبَ اختِلافَ العُلماءِ في هذا البابِ، على ما نذكُرُهُ عنهُم، إن شاءَ الله. والذي أجمَعُوا عليه: أنَّ المرأةَ لها ثَلاثةُ أحكام في رُؤيتِها الدَّمَ الظّاهرَ (١) السّائلَ من فرْجِها، فمِن ذلك دمُ الحيضِ المعرُوفُ، تَترُكُ لهُ الصَّلاةَ، إذا كان حَيْضًا. وللحَيضِ عندَهُم مِقدارٌ اختَلَفُوا فيه، وكلُّهُم يقولُ: إذا جاوزَ الدَّمُ ذلك المِقدارَ، فليسَ بحيضٍ. والحيضُ خِلْقةٌ في النِّساءِ، وطبعٌ (٢) مُعتادٌ معرُوفٌ منهُنَّ، وحُكْمُهُ ألّا تُصلِّي معهُ المرأةُ ولا تصُومَ، فإذا انقطَعَ عنها، كان طُهرُها منهُ الغُسلَ. ومِن ذلك أيضًا الوجهُ الثّانِي، وهُو دَمُ النِّفاسِ عندَ الوِلادةِ، ولهُ أيضًا عندَ العُلماءِ حَدٌّ محدُودٌ اختلفُوا فيه على ما نَذكُرُهُ عنهُم إن شاءَ الله، وطُهرُها عندَهُمُ انقِطاعُهُ، والغُسلُ منهُ، كالغُسلِ من الحَيْضِ سواءً (٣). والوجهُ الثّانِي (٤): دمٌ ليسَ بعادةٍ، ولا طبع منهُنَّ، ولا خِلْقةٍ، وإنَّما هُو عِرقٌ انقطَعَ سائلُ دمِهِ، لا انقِطاعَ لهُ إلّا عندَ البُرءِ منهُ. فهذا حُكمُهُ أن تكونَ المرأةُ فيه طاهِرًا، لا يَمْنعُها من صلاةٍ ولا صَوْم، بإجماع من العُلماءِ، واتِّفاقٍ من الآثارِ المرفُوعةِ، إذا كان معلُومًا أنَّهُ دمُ العِرْقِ، لا دمُ الحيضِ. وأمّا وطءُ الزَّوجِ، أوِ السَّيِّدِ، للمرأةِ التي هذه حالهُا، فمُختَلَفٌ فيه من أهلِ العِلم؛ جماعةٌ قالوا: لا سبِيلَ لزوجِها إلى وَطْئها، ما دامت تلك حالَها. قالوا: لأنَّ

стр. 5367

كلَّ دَم أذًى، يجِبُ غَسْلُهُ من الثَّوبِ والبَدَنِ، ولا فرقَ في المُباشَرةِ بينَ دم الحيضِ، ودم الاستِحاضةِ، لأنَّهُ كلَّهُ رِجْسٌ، وإن كان التَّعبُّدُ (١) منهُ مخُتلِفًا، كما أنَّ ما خرجَ من السَّبِيلينِ، سَواءٌ في النَّجاسةِ، وإنِ اختلفَتْ عِباداتُهُ (٢) في الطَّهارةِ. قالوا: وأمّا الصَّلاةُ، فرُخصةٌ ورَدَت بها السُّنّةُ، كما يُصلِّي سَلِسُ (٣) البولِ. ومِمَّن قال: إنَّ المُسْتَحاضةَ لا يُصِيبُها زَوْجُها: إبراهيمُ النَّخعِيُّ، وسُليمانُ بن يَسارٍ، والحَكَمُ، وعامرٌ الشَّعبِيُّ، وابنُ سِيرِين، والزُّهرِيُّ (٤). واختُلِفَ فيه عنِ الحسنِ (٥). ورُوِي عن عائشةَ في المُستحاضةِ: أنَّهُ لا يأتيها زوجُها (٦). وبه قال ابنُ عُليّةَ. وذُكِر عن شرِيكٍ، عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ، قال: المُستحاضةُ تصُوم وتُصلِّي، ولا يأتيها زوجُها (٧). وعن حمّادِ بن زَيْدٍ، عن حَفْصِ بن سُليمانَ، عنِ الحَسَنِ، مِثلُهُ (٨). وعن عبدِ الواحِدِ بن سالم، عن حُرَيثٍ، عنِ الشَّعبِيِّ، مِثلُهُ.

стр. 5368

وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عنِ الثَّورِيِّ، عن مَنصُورٍ، [عن إبراهيم] (٢) قال: لا (٣) تصُومُ، ولا يأتيها زَوْجُها، ولا تمسُّ المُصحفَ. وعن مَعْمرٍ، عن أيُّوبَ، قال: سُئلَ (٤) سُليمانَ بن يَسارٍ: أيُصِيبُ المُسْتَحاضةَ زَوْجُها؟ فقال: إنَّما سَمِعتُ بالرُّخصةِ لها في الصلاة (٥). قال مَعْمرٌ: وسألتُ الزُّهريَّ: أيُصيبُّ المُسْتحاضةَ زوجُها؟ فقال (٦): إنَّما سَمِعنا بالصَّلاةِ. وذكرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: أخبرنا أبو مُصعبٍ، قال: سمِعتُ المُغِيرةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، وكان من أعلى أصحابِ مالكٍ، يقولُ: قولُنا في المُسْتحاضةِ، إذا استمرَّ بها الدَّمُ بعد انقِضاءِ أيام حَيْضتِها، أنّا لا نَدْرِي هل ذلك انتِقالُ دم حَيْضتها، إلى أيام (٧) أكثرَ منها، أم ذلك استِحاضةٌ؟ فنأمُرُها أن تَغتسِلَ إذا مَضَت أيامَ حَيْضتِها، وتُصلِّيَ وتصُومَ، ولا يَغْشاها زَوْجُها احتِياطًا، ينظُر إلى ما تصِيرُ إليه حالهُا بعد ذلك، فإن (٨) كانت حَيْضةً، انتقلت من أيام إلى أكثرَ منها، عمِلَتْ فيما تَسْتَقيلُ على الأيام التي انتقلَتْ إليها، ولم يضُرَّها ما كانتِ احتاطَتْ من الصَّلاةِ والصِّيام، وإن كان ذلك الدَّمُ الذي استمرَّ بها استِحاضةً، كانت قدِ احتاطَتْ للصَّلاةِ والصِّيام (٩).

стр. 5369

قال أبو مُصعبٍ: وهذا قولُنا، وبه نُفتِي. وقال جُمهُورُ العُلماءِ: المُسْتحاضةُ تصومُ، وتُصلِّي، وتطُوفُ، وتقرأُ، ويأتيها زوجُها (١). ومِمَّن رُوِي عنهُ إجازةُ وَطْءِ المُستحاضةِ: عبدُ الله بن عبّاسٍ، وابنُ المُسيِّبِ، والحسنُ، وسعِيدُ بن جُبيرٍ، وعطاءٌ (٢). وهُو قولُ مالكٍ، والشّافعيِّ (٣)، وأبي حنِيفةَ، وأصحابِهِم، والثَّورِيِّ، والأوزاعِيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ (٤). وكان أحمدُ بن حَنْبل يقولُ: أحبُّ إليَّ ألّا يطأها، إلّا أن يطُولَ ذلك بها. ذكرَ ابنُ المُباركِ، عنِ الأجْلَح، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال في المُسْتحاضةِ: لا بأسَ أن يُجامِعها زوجُها (٥). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٦)، عن مَعْمرٍ، عن إسماعيلَ بن شَرُوسٍ، قال: سمِعتُ عِكْرِمةَ مولى ابنِ عبّاسٍ يُسْألُ عنِ المُسْتحاضةِ: أيُصِيبُها زَوْجُها؟ قال: نعم، وإن سالَ الدَّمُ على عَقِبيها. وعنِ الثَّورِيِّ، عن سُميٍّ، عنِ ابنِ المُسيِّبِ. وعن يُونُس، عنِ الحسنِ، قالا في المُستحاضةِ: تصُومُ وتُصلِّي ويُجامِعُها زوجُها (٧).

стр. 5370

وعنِ الثَّورِيِّ، عن سالم الأفطَسِ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، أنَّهُ سألَهُ عنِ المُستحاضةِ: أتُجامَعُ؟ فقال: الصَّلاةُ أعظَمُ من الجِماع (١). وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ، عن عَمرِو بن الحارثِ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّهُ قال: المُستحاضةُ تصُومُ وتُصلِّي ويَطؤُها زوجُها. قال ابنُ وَهْبٍ: وقال مالكٌ: أمرُ أهلِ الفِقهِ والعِلم على ذلك، وإن كان دَمُها كثِيرًا. وقال مالكٌ: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما ذلك عِرْقٌ وليسَ بالحَيْضةِ". وإذا لم تكُن حَيْضةً، فما يَمنعُه (٢) أن يُصِيبَها، وهِي تُصلِّي وتصُومُ؟ قال أبو عُمر: أمّا (٣) حكم الله في دم المُستحاضةِ بأنَّهُ لا يمنعُ من الصَّلاةِ، وتعبَّدَ فيه بعِبادةٍ غيرِ عِبادةِ الحَيْضِ، وَجَبَ أن لا يُحكَمَ لهُ بشيءٍ من حُكم الحيضِ، إلّا فيما أجمعُوا عليه من غَسلِهِ، كسائرِ الدِّماءِ. وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في أكثرِ الحَيْضِ، وفي أقلِّهِ، وفي أقلِّ الطُّهرِ، فواجِبٌ الوُقُوفُ عليه ها هنا (٤)؛ لأنَّ الأصلَ في الاستِحاضةِ زِيادةُ الدَّم على مِقْدارِ أمَدِ الحيضِ، أو نُقصانُ مُدّةِ الطُّهرِ عن أقلِّهِ، فبِهذا تُعرَفُ الاسْتِحاضةُ. فأمّا اختِلافُهُم في أكثرِ الحَيْضِ وأقلِّهِ، فإنَّ فُقهاءَ أهلِ المدِينةِ يقولُون: إنَّ الحيضَ لا يكونُ أكثرَ من خمسةَ عشرَ يومًا، وجائزٌ عندَهُم أن يكونَ خمسةَ عشر يومًا فما دُونَ، وأمّا ما زادَ على خمسةَ عشرَ يومًا، فلا يكونُ حيضًا، وإنَّما هُو المُسْتَحاضة، وهذا مذهبُ مالكٍ، وأصحابِهِ في الجُملةِ.

стр. 5371

وقد رُوِيَ عن مالكٍ أنَّهُ قال: لا وقتَ لقليلِ الحَيضِ ولا لكثِيرِهِ، والدَّفعةُ عندَهُ (١) من الدَّم، وإن قلَّتْ، تمنعُ من الصَّلاةِ، وأكثرُ الحيضِ عندَهُ خمسةَ عشَرَ يومًا، إلّا أن يُوجدَ في النِّساءِ أكثرُ من ذلك. فكأنَّهُ تركَ قولهُ: خمسةَ عشَرَ، وردَّهُ إلى عُرفِ النِّساءِ في الأكثرِ. وأمّا الأقلُّ، فقليلُ الدَّم عِندهُ حيضٌ بلا توقِيتٍ، يمنعُ من الصَّلاةِ، وإن لم تكُنِ المُطلَّقةُ تعُدُّهُ قُرءًا. هذه جُملةُ رِوايةِ ابنِ القاسم، وأكثرِ المِصرِيِّين عنهُ. ورَوَى الأندلُسِيُّونَ، عن مالكٍ: أقلُّ الطُّهرِ عَشْرٌ، وأقلُّ الحيضِ خمسٌ. وقال ابنُ الماجِشُونِ، عن مالكٍ: أقلُّ الطُّهرِ خمسةُ أيام، وأقلُّ الحيضِ خمسةُ أيام. وهُو قولُ عبدِ الملكِ بن الماجِشُونِ. وقال الشّافعيُّ: أقلُّ الحَيْضِ يومٌ وليلةٌ. ورُوِي عنهُ: يومٌ بلا ليلةٍ. وأكثرُهُ عندَهُ خمسةَ عَشَر يومًا. وللشّافِعِيِّ قولٌ آخرُ كقولِ مالكٍ في عُرفِ النِّساءِ. وقال محمدُ بن مسلمةَ: أكثرُ الحيضِ خمسةَ عشَرَ (٢)، وأقلُّهُ ثلاثةُ أيام. وقال الأوزاعِيُّ: أقلُّ الحيضِ يومٌ. قال: وعندَنا امرأةٌ تحِيضُ غُدْوةً، وتطهُرُ عشِيّةً. وقال الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: أقلُّ الحَيْضِ ثلاثةُ أيام، وأكثرُهُ عشَرةُ أيام. فما نقصَ عندَ هؤلاء من ثلاثةِ أيام، فهُو استِحاضةٌ، وما زادَ على عشَرةِ أيام فهُو استِحاضةٌ.

стр. 5372

وكذلك ما كان أقلَّ من يوم أو يوم (١) وليلةٍ عندَ الشّافعيِّ، فهُو استِحاضةٌ، وما زادَ على خمسةَ عشَر يومًا، فمِثلُ ذلك. وكذلك ما نقصَ عن أقلِّ الطُّهرِ، فهُو استِحاضةٌ عندَ أكثرِهِم. وأمّا اختِلافُهُم في أقلِّ الطُّهرِ (٢)، فإنَّ مالكًا وأصحابَهُ اضطربُوا في ذلك، فرُوِي عنِ ابنِ القاسم: عشَرةُ أيام. ورُوِي عنهُ: ثمانِيةُ أيام. وهُو قولُ سحنُونٍ. وقال عبدُ الملكِ بن الماجِشُونِ: أقلُّ الطُّهرِ خمسةُ أيام، ورواهُ عن مالكٍ. وقال محمدُ بن مسلمةَ: أقلُّ الطُّهرِ خمسةَ عشَر يومًا. وهُو قولُ أبي حنِيفةَ، والثَّورِيِّ، والشّافعيِّ. قال الشّافعيُّ (٣): إلّا أن يُعلَمَ طُهرُ امرأةٍ أقلَّ من خَمْسةَ عشَرَ، فيكونَ القولُ قولَها. وحكَى ابنُ أبي عِمرانَ، عن يحيى بن أكثمَ: أنَّ أقلَّ الطُّهرِ تِسعةَ عشَرَ. واحتجَّ بأنَّ اللهَ تعالى جعلَ عِدْلَ كلِّ حيضةٍ وطُهرٍ شهرًا، والحيضُ في العادةِ أقلُّ من الطُّهرِ، فلم يجُز أن يكونَ الحيضُ خمسةَ عشَرَ يومًا، ووجبَ أن يكون عَشَرةٌ حيضًا، وباقِي الشَّهرِ طُهرًا، وهُو تِسعةَ عشَرَ؛ لأنَّ الشَّهرَ قد يكونُ تِسعةً وعِشرِينَ. وقولُ أحمدَ بن حَنْبل وإسحاقَ وأبي ثَوْرٍ وأبي عُبيدٍ والطَّبرِيِّ في أقلِّ الحَيْضِ وأكثرِهِ، كقولِ الشّافعيِّ. وأمّا أقلُّ الطُّهرِ، فقال أحمدُ وإسحاقُ: لا تحدِيدَ في ذلك. وأنكرا على من وقَّتَ في ذلك خمسةَ عشَرَ يومًا، وقالا: باطِلٌ.
следующие страницы →