← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5368–5407 · переход к 5373.

стр. 5368

وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عنِ الثَّورِيِّ، عن مَنصُورٍ، [عن إبراهيم] (٢) قال: لا (٣) تصُومُ، ولا يأتيها زَوْجُها، ولا تمسُّ المُصحفَ. وعن مَعْمرٍ، عن أيُّوبَ، قال: سُئلَ (٤) سُليمانَ بن يَسارٍ: أيُصِيبُ المُسْتَحاضةَ زَوْجُها؟ فقال: إنَّما سَمِعتُ بالرُّخصةِ لها في الصلاة (٥). قال مَعْمرٌ: وسألتُ الزُّهريَّ: أيُصيبُّ المُسْتحاضةَ زوجُها؟ فقال (٦): إنَّما سَمِعنا بالصَّلاةِ. وذكرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: أخبرنا أبو مُصعبٍ، قال: سمِعتُ المُغِيرةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، وكان من أعلى أصحابِ مالكٍ، يقولُ: قولُنا في المُسْتحاضةِ، إذا استمرَّ بها الدَّمُ بعد انقِضاءِ أيام حَيْضتِها، أنّا لا نَدْرِي هل ذلك انتِقالُ دم حَيْضتها، إلى أيام (٧) أكثرَ منها، أم ذلك استِحاضةٌ؟ فنأمُرُها أن تَغتسِلَ إذا مَضَت أيامَ حَيْضتِها، وتُصلِّيَ وتصُومَ، ولا يَغْشاها زَوْجُها احتِياطًا، ينظُر إلى ما تصِيرُ إليه حالهُا بعد ذلك، فإن (٨) كانت حَيْضةً، انتقلت من أيام إلى أكثرَ منها، عمِلَتْ فيما تَسْتَقيلُ على الأيام التي انتقلَتْ إليها، ولم يضُرَّها ما كانتِ احتاطَتْ من الصَّلاةِ والصِّيام، وإن كان ذلك الدَّمُ الذي استمرَّ بها استِحاضةً، كانت قدِ احتاطَتْ للصَّلاةِ والصِّيام (٩).

стр. 5369

قال أبو مُصعبٍ: وهذا قولُنا، وبه نُفتِي. وقال جُمهُورُ العُلماءِ: المُسْتحاضةُ تصومُ، وتُصلِّي، وتطُوفُ، وتقرأُ، ويأتيها زوجُها (١). ومِمَّن رُوِي عنهُ إجازةُ وَطْءِ المُستحاضةِ: عبدُ الله بن عبّاسٍ، وابنُ المُسيِّبِ، والحسنُ، وسعِيدُ بن جُبيرٍ، وعطاءٌ (٢). وهُو قولُ مالكٍ، والشّافعيِّ (٣)، وأبي حنِيفةَ، وأصحابِهِم، والثَّورِيِّ، والأوزاعِيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ (٤). وكان أحمدُ بن حَنْبل يقولُ: أحبُّ إليَّ ألّا يطأها، إلّا أن يطُولَ ذلك بها. ذكرَ ابنُ المُباركِ، عنِ الأجْلَح، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال في المُسْتحاضةِ: لا بأسَ أن يُجامِعها زوجُها (٥). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٦)، عن مَعْمرٍ، عن إسماعيلَ بن شَرُوسٍ، قال: سمِعتُ عِكْرِمةَ مولى ابنِ عبّاسٍ يُسْألُ عنِ المُسْتحاضةِ: أيُصِيبُها زَوْجُها؟ قال: نعم، وإن سالَ الدَّمُ على عَقِبيها. وعنِ الثَّورِيِّ، عن سُميٍّ، عنِ ابنِ المُسيِّبِ. وعن يُونُس، عنِ الحسنِ، قالا في المُستحاضةِ: تصُومُ وتُصلِّي ويُجامِعُها زوجُها (٧).

стр. 5370

وعنِ الثَّورِيِّ، عن سالم الأفطَسِ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، أنَّهُ سألَهُ عنِ المُستحاضةِ: أتُجامَعُ؟ فقال: الصَّلاةُ أعظَمُ من الجِماع (١). وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ، عن عَمرِو بن الحارثِ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّهُ قال: المُستحاضةُ تصُومُ وتُصلِّي ويَطؤُها زوجُها. قال ابنُ وَهْبٍ: وقال مالكٌ: أمرُ أهلِ الفِقهِ والعِلم على ذلك، وإن كان دَمُها كثِيرًا. وقال مالكٌ: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما ذلك عِرْقٌ وليسَ بالحَيْضةِ". وإذا لم تكُن حَيْضةً، فما يَمنعُه (٢) أن يُصِيبَها، وهِي تُصلِّي وتصُومُ؟ قال أبو عُمر: أمّا (٣) حكم الله في دم المُستحاضةِ بأنَّهُ لا يمنعُ من الصَّلاةِ، وتعبَّدَ فيه بعِبادةٍ غيرِ عِبادةِ الحَيْضِ، وَجَبَ أن لا يُحكَمَ لهُ بشيءٍ من حُكم الحيضِ، إلّا فيما أجمعُوا عليه من غَسلِهِ، كسائرِ الدِّماءِ. وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في أكثرِ الحَيْضِ، وفي أقلِّهِ، وفي أقلِّ الطُّهرِ، فواجِبٌ الوُقُوفُ عليه ها هنا (٤)؛ لأنَّ الأصلَ في الاستِحاضةِ زِيادةُ الدَّم على مِقْدارِ أمَدِ الحيضِ، أو نُقصانُ مُدّةِ الطُّهرِ عن أقلِّهِ، فبِهذا تُعرَفُ الاسْتِحاضةُ. فأمّا اختِلافُهُم في أكثرِ الحَيْضِ وأقلِّهِ، فإنَّ فُقهاءَ أهلِ المدِينةِ يقولُون: إنَّ الحيضَ لا يكونُ أكثرَ من خمسةَ عشرَ يومًا، وجائزٌ عندَهُم أن يكونَ خمسةَ عشر يومًا فما دُونَ، وأمّا ما زادَ على خمسةَ عشرَ يومًا، فلا يكونُ حيضًا، وإنَّما هُو المُسْتَحاضة، وهذا مذهبُ مالكٍ، وأصحابِهِ في الجُملةِ.

стр. 5371

وقد رُوِيَ عن مالكٍ أنَّهُ قال: لا وقتَ لقليلِ الحَيضِ ولا لكثِيرِهِ، والدَّفعةُ عندَهُ (١) من الدَّم، وإن قلَّتْ، تمنعُ من الصَّلاةِ، وأكثرُ الحيضِ عندَهُ خمسةَ عشَرَ يومًا، إلّا أن يُوجدَ في النِّساءِ أكثرُ من ذلك. فكأنَّهُ تركَ قولهُ: خمسةَ عشَرَ، وردَّهُ إلى عُرفِ النِّساءِ في الأكثرِ. وأمّا الأقلُّ، فقليلُ الدَّم عِندهُ حيضٌ بلا توقِيتٍ، يمنعُ من الصَّلاةِ، وإن لم تكُنِ المُطلَّقةُ تعُدُّهُ قُرءًا. هذه جُملةُ رِوايةِ ابنِ القاسم، وأكثرِ المِصرِيِّين عنهُ. ورَوَى الأندلُسِيُّونَ، عن مالكٍ: أقلُّ الطُّهرِ عَشْرٌ، وأقلُّ الحيضِ خمسٌ. وقال ابنُ الماجِشُونِ، عن مالكٍ: أقلُّ الطُّهرِ خمسةُ أيام، وأقلُّ الحيضِ خمسةُ أيام. وهُو قولُ عبدِ الملكِ بن الماجِشُونِ. وقال الشّافعيُّ: أقلُّ الحَيْضِ يومٌ وليلةٌ. ورُوِي عنهُ: يومٌ بلا ليلةٍ. وأكثرُهُ عندَهُ خمسةَ عَشَر يومًا. وللشّافِعِيِّ قولٌ آخرُ كقولِ مالكٍ في عُرفِ النِّساءِ. وقال محمدُ بن مسلمةَ: أكثرُ الحيضِ خمسةَ عشَرَ (٢)، وأقلُّهُ ثلاثةُ أيام. وقال الأوزاعِيُّ: أقلُّ الحيضِ يومٌ. قال: وعندَنا امرأةٌ تحِيضُ غُدْوةً، وتطهُرُ عشِيّةً. وقال الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: أقلُّ الحَيْضِ ثلاثةُ أيام، وأكثرُهُ عشَرةُ أيام. فما نقصَ عندَ هؤلاء من ثلاثةِ أيام، فهُو استِحاضةٌ، وما زادَ على عشَرةِ أيام فهُو استِحاضةٌ.

стр. 5372

وكذلك ما كان أقلَّ من يوم أو يوم (١) وليلةٍ عندَ الشّافعيِّ، فهُو استِحاضةٌ، وما زادَ على خمسةَ عشَر يومًا، فمِثلُ ذلك. وكذلك ما نقصَ عن أقلِّ الطُّهرِ، فهُو استِحاضةٌ عندَ أكثرِهِم. وأمّا اختِلافُهُم في أقلِّ الطُّهرِ (٢)، فإنَّ مالكًا وأصحابَهُ اضطربُوا في ذلك، فرُوِي عنِ ابنِ القاسم: عشَرةُ أيام. ورُوِي عنهُ: ثمانِيةُ أيام. وهُو قولُ سحنُونٍ. وقال عبدُ الملكِ بن الماجِشُونِ: أقلُّ الطُّهرِ خمسةُ أيام، ورواهُ عن مالكٍ. وقال محمدُ بن مسلمةَ: أقلُّ الطُّهرِ خمسةَ عشَر يومًا. وهُو قولُ أبي حنِيفةَ، والثَّورِيِّ، والشّافعيِّ. قال الشّافعيُّ (٣): إلّا أن يُعلَمَ طُهرُ امرأةٍ أقلَّ من خَمْسةَ عشَرَ، فيكونَ القولُ قولَها. وحكَى ابنُ أبي عِمرانَ، عن يحيى بن أكثمَ: أنَّ أقلَّ الطُّهرِ تِسعةَ عشَرَ. واحتجَّ بأنَّ اللهَ تعالى جعلَ عِدْلَ كلِّ حيضةٍ وطُهرٍ شهرًا، والحيضُ في العادةِ أقلُّ من الطُّهرِ، فلم يجُز أن يكونَ الحيضُ خمسةَ عشَرَ يومًا، ووجبَ أن يكون عَشَرةٌ حيضًا، وباقِي الشَّهرِ طُهرًا، وهُو تِسعةَ عشَرَ؛ لأنَّ الشَّهرَ قد يكونُ تِسعةً وعِشرِينَ. وقولُ أحمدَ بن حَنْبل وإسحاقَ وأبي ثَوْرٍ وأبي عُبيدٍ والطَّبرِيِّ في أقلِّ الحَيْضِ وأكثرِهِ، كقولِ الشّافعيِّ. وأمّا أقلُّ الطُّهرِ، فقال أحمدُ وإسحاقُ: لا تحدِيدَ في ذلك. وأنكرا على من وقَّتَ في ذلك خمسةَ عشَرَ يومًا، وقالا: باطِلٌ.

стр. 5373

وقال الثَّورِيُّ: أقلُّ ما بينَ الحيضتينِ من الطُّهرِ، خمسةَ عشَرَ يومًا. وذكر أبو ثورٍ أنَّ ذلك لا يختلِفُونَ فيه. وحكاهُ عنِ الشّافعيِّ، وأبي حنِيفةَ. وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في أقلِّ النِّفاسِ وأكثرِهِ (١)، فلا أعلمُهُم يختلِفُونَ، أعني: فُقهاءَ الحِجازِ والعِراقِ: أنَّ النُّفساءَ إذا رأتِ الطُّهرَ، ولو بعدَ ساعةٍ، أنَّها تغتسِلُ. واختَلَفُوا في أكثرِ مُدَّتِهِ، فقال مالكٌ وعُبيدُ الله بن الحسنِ والشّافعيُّ: أكثرُهُ سِتُّونَ يومًا. ثُمَّ رجعَ مالكٌ، فقال: يُسألُ النِّساءُ عن ذلك وأهلُ المعرِفةِ. وذَكرَ اللَّيثُ: أنَّ من النّاسِ من يقولُ: سبعِينَ (٢) يومًا. وقال الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ والأوزاعِيُّ: أكثرُهُ أربعُونَ يومًا. قال أبو عُمر: ما زادَ عندَهُم على أكثرِ مُدّةِ الحَيْضِ، وأكثرِ مُدّةِ النِّفاسِ، فهُو استِحاضةٌ، لا يختلِفُونَ في ذلك، فقِفْ على أُصُولِهِم في هذا البابِ، لتعرِفَ الحُكم في المُسْتَحاضةِ، وتعرِفَ من قادَ أصلَهُ منهُم، ومن خالَفهُ، إن شاءَ الله. فأمّا أقاوِيلُ الصَّحابةِ، والتّابِعِينَ في صَلاةِ المُستحاضةِ: فإنَّ ابن سِيرِينَ، رَوَى عنِ ابنِ عبّاسٍ في المُستحاضةِ، قال: إذا رأتِ الدَّم البحرانِيَّ (٣) فلا تُصلِّي، وإذا رأتِ الطُّهرَ ولو ساعةً، فلتغتسِل ولتُصَلِّ (٤).

стр. 5374

وقال مكحُولٌ: إنَّ النِّساءَ لا تخفَى عليهنَّ الحيضةُ، أنَّ دمها أسودُ غلِيظٌ، فإذا ذهَبَ ذلك، وصارَتْ صُفرةً رقِيقةً، فإنَّها مُستَحاضةٌ (١)، فلتَغْتسِل ولتُصلِّ (٢). ورَوَى حمّادُ بن زيدٍ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عنِ القَعْقاع بن حكِيم، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ في المُستحاضةِ: إذا أقبلَتِ الحيضةُ، تركتِ الصَّلاةَ، وإذا أدبرتِ، اغتسلَتْ وصلَّتْ (٣). وقد رُوِي عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ في المُستحاضةِ: تجلِسُ أيام أقرائها. رواهُ حمّادُ بن سلمةَ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عنهُ (٤). ورَوَى يُونُسُ، عنِ الحسنِ، قال: الحائضُ إذا مرَّ (٥) بها الدَّمُ، تمُسِكُ بعدَ حَيْضها يومًا، أو يومينِ، وهِي مُستحاضةٌ (٦). وقال التَّيمِيُّ، عن قَتادةَ: إذا زادت على أيام حَيْضتِها خمسةَ أيام، فلتُصلِّ. قال التَّيمِيُّ: فجعلتُ أُنقِصُ، حتّى إذا بلغتُ يومينِ، قال: إذا كان يومينِ، فهُو من حَيْضِها. وسألتُ (٧) ابنَ سِيرِين فقال: النِّساءُ أعلمُ بذلك (٨). قال أبو عُمر: فهذه أقاوِيلُ فُقهاءِ التّابِعِين في هذا البابِ، وأمّا أقاوِيلُ من بعدَهُم من أئمّةِ الفتوى بالأمصارِ.

стр. 5375

فقال مالكٌ، في المرأةِ إذا ابتدَأها حيضُها، فاستمرَّ بها الدَّمُ، أو كانت مِمَّن قد حاضَتْ، فاستمرَّ الدَّمُ بها، قال في المُبتدأةِ: تقعُدُ ما تقعُدُ نحوُها من النِّساءِ من أسْنانِها وأترابِها ولِداتِها (١)، ثُمَّ هي مُستحاضةٌ بعد ذلك. رواهُ عليُّ بن زِيادٍ، عن مالكٍ. وقال ابنُ القاسم: ما رأتِ المرأةُ بعد بُلُوغِها من الدَّم، فهُو حيضٌ، تترُكُ لهُ الصَّلاةَ، فإن تمادَى بها، قعدَتْ عنِ الصَّلاةِ خمسةَ عشَر يومًا، ثُمَّ اغتسلت، وكانت مُستحاضةً، تُصلِّي وتصُومُ وتُوطأُ، إلّا أن تَرى دمًا لا تشُكُّ أنَّهُ دمُ حيضٍ، فتدعُ لهُ (٢) الصَّلاةَ. قال (٣): والنِّساءُ يعرِفنَ ذلك برِيحِهِ ولونِهِ. وقال: إذا عَرَفتِ المُسْتَحاضةُ إقبالَ الحَيْضةِ وإدبارها، وميَّزَتْ دَمَها، اعتدَّت به من الطَّلاقِ. وقد رُوِي عن مالكٍ في المُسْتحاضةِ: عِدَّتُها سنةٌ، وإن رأتْ دمًا (٤) تُنكِرُهُ (٥). وقال مالكٌ، في المرأةِ تَرى الدَّمَ دَفعةً واحِدةً، لا تَرى غيرَها، في ليلٍ أو نهارٍ: أنَّ ذلك حَيْضٌ، تكُفُّ لهُ عنِ الصَّلاةِ، فإن لم تكُن غيرُ تِلك الدَّفعةِ، اغْتَسلَتْ وصلَّت، ولا تعتدُّ بتلك الدَّفعةِ من طلاقٍ. والصُّفرةُ والكُدرةُ عندَ مالكٍ، في أيام الحيضِ وفي غيرِها، حيضٌ. وقال مالكٌ: المُسْتحاضةُ إذا ميَّزت بين الدَّمينِ، عمِلَتْ على التَّميِيزِ في إقبالِ الحَيْضةِ وإدبارِها، ولم تلتفتْ إلى عَددِ اللَّيالي والأيام، وكفَّتْ عنِ الصَّلاةِ عندَ إقبالِ حَيْضتِها، واغْتَسلَتْ عندَ إدبارِها.

стр. 5376

وقال مالكٌ في المرأةِ يزِيدُ دمُها على أيام عادتِها: إنَّها تُمسِكُ عنِ الصَّلاةِ خمسةَ عشَرَ يومًا، فإنِ انقطَعَ، وإلّا صنعَتْ ما تصنعُ المُستحاضةُ. ثُمَّ رجع، فقال: تستظهِرُ بثلاثةِ أيام بعد أيام حَيْضتِها المُعتادةِ، ثُمَّ تُصلِّي. وتركَ قولَهُ: خمسةَ عشَر يومًا. وأخذَ بقولِهِ الأوَّلِ المدنِيُّون من أصحابِهِ، وأخذَ بقولِهِ الآخِرِ المِصرِيُّونَ من أصحابِهِ. وقال اللَّيثِ في هذه المسألةِ كلِّها، مِثلُ قولِ مالكٍ الأخير. ولمالكٍ وغيرِهِ من العُلماءِ في المرأةِ ينقطِعُ دمُ حيضِها، فتَرى دمًا يومًا أو يومينِ، وطُهرًا يومًا أو يومينِ، مذاهِبُ سنذكُرُها في بابِ هشام بن عُروةَ إن شاءَ الله. وذكَرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: قال محمدُ بن مسلمةَ: أقْصَى ما تحِيضُ النِّساءُ عندَ عُلماءِ أهلِ المدِينةِ، مالكٍ وغيرِهِ: خمسةَ عشَرَ يومًا، فإذا رأتِ المرأةُ الدَّمَ، أمسكَتْ عنِ الصَّلاةِ خمسةَ عشَرَ يومًا، فإنِ انقطَعَ عنها عندَ انقِضاءِ الخمسةَ عشَرَ وفيما دُونَها، عَلِمنا أنَّهُ حيضٌ، واغتسلَتْ عندَ انقِطاعِهِ، وصلَّتْ، وليست مُسْتحاضةً، فإن تمادَى بها الدَّمُ أكثرَ من خمسةَ عشَرَ يومًا، اغتسلَتْ عندَ انقِضاءِ (١) الخَمسةَ عشَر، وعَلِمنا أنَّها مُسْتحاضةٌ، فأمرناها بالغُسلِ، لأنَّها طاهِرٌ، وتُصلِّي من يومِها ذلك، ولا تُصلِّي ما كان قبلَ ذلك، لأنَّها تركتِ الصَّلاةَ باجتِهادٍ في أمرٍ يُختَلَفُ فيه، وقد ذهَبَ وقتُ تِلك الصَّلاةِ، وقُلنا: أقِيمِي طاهِرةً حتّى تُقبِل الحيضةُ، كما قال رسُولُ الله ﷺ ، وذلك أنْ تأتِيَها دَفعةٌ من دَم تُنكِرُهُ بعدَ خمسةَ عشَرَ يومًا، من يوم غُسْلِها، لأنَّهُ أقلُّ الطُّهرِ عندَنا، فإذا رأتِ الدفعةَ بعد خمسةَ عشَرَ من الطُّهرِ، كفَّت عنِ الصَّلاةِ، ما دامَتْ تَرى الدَّمَ إلى خمسَ عشْرَةَ (٢)، ثُمَّ اغْتَسلت وصلَّت فيما يُسْتقبَلُ كما ذكرنا، فإن لم يكُن بين الدَّفعةِ وبين الطُّهرِ قدرُ

стр. 5377

خمسةَ عشَرَ يومًا، فهي امرأةٌ حاضَتْ في الشَّهرِ أكثرَ مِمّا تحِيضُ النِّساءُ، فلا تعتدُّ به، ولا تترُكُ الصَّلاةَ لتلك الدَّفعةِ، ولا تزالُ تُصلِّي حتّى يأتيها ودفعةٌ (١) بعد خمسةَ عشَرَ، أو أكثرَ من الطُّهرِ. قال محمدُ بنُ مسلمةَ: إنَّما أمرَ رسُولُ الله ﷺ المُستحاضةَ أن تترُكَ الصَّلاةَ إذا أقبلَتِ الحيضةُ، فإذا ذهَبَ قدرُها، اغتسلَتْ وصلَّت، وقدرُها عندَنا على ما جاءَ في حديثِ أُمِّ سلمةَ: لتنظُر عددَ اللَّيالي والأيام التي كانت تحِيضُهُنَّ منَ الشَّهرِ، قبلَ أن يُصِيبَها الذي أصابَها، فلتترُكِ الصَّلاةَ قدرَ ذلك من الشَّهرِ، فإنْ جاوزَتْ ذلك فلتَغتسِل، ولتَسْتثفِر بثَوبٍ، ولتُصلِّي، وإنَّما تترُكُ الصَّلاةَ عددَ اللَّيالي والأيام التي كانت تحِيضُهُنَّ، وحيضُها مُستقِيمٌ، قلَّتْ أو كثُرَتْ، لا تزِيدُ عليها، ثُمَّ تغتسِلُ وتُصلِّي وهِي طاهِرٌ حتّى ترى دَفْعةً، فتكُفَّ عددَ اللَّيالي والأيام، فإن رأتْ (٢) دفعةً قبلَ وقتِ حيضِها، لم تكُفَّ عنِ الصَّلاةِ، لأنَّها لو كفَّتْ عنِ الصَّلاةِ بتلك الدَّفعةِ قبلَ وقتِ حَيْضتِها، كانت قد خالفَتْ قولَ رسُولِ الله ﷺ ، فقعدت عنِ الصَّلاةِ أكثرَ من أيام حَيْضِها، والدَّفعةُ في غيرِ أيام الحيضِ عِرْقٌ، لن تُقبلَ معهُ حيضةٌ، وإنَّما أُمِرَتْ أن تكُفَّ عنِ الصَّلاةِ عندَ إقبالِ الحيضةِ، فرأينا إقبالها في غيرِ مَوْضِعها، مخُالِفًا للحديثِ في عددِ اللَّيالي والأيام، فجعلنا ذلك اسْتِحاضةً. قال محمدُ بن مسلمةَ: وكان المُغِيرةُ يأخُذُ بالحديثِ، الذي جاءَ فيه عددُ اللَّيالي والأيام (٣)، وكان مالكٌ يحتاطُ بعد ذلك بثلاثٍ.

стр. 5378

قال: وقولُ المُغِيرةِ في ذلك أحسنُ، وأحبُّ إليَّ. وقال أحمدُ بن المُعذَّلِ: أمّا قولُ مالكٍ (١) في المرأةِ التي لم تحِضْ قطُّ، ثُمَّ حاضَتْ فاستمرَّ بها الدَّمُ: فإنَّها تترُكُ الصَّلاةَ إلى أن تُتِمَّ خمسةَ عشَرَ يومًا، فإنِ انقطعَ عنها قبلَ ذلك، علِمنا أنَّهُ حيضٌ واغتسلَتْ، وإنِ انقطَعَ عنها لخمسَ عشْرةَ، فكذلك أيضًا، وهِي حيضةٌ قائمةٌ، تصِيرُ قُرءًا (٢) لها، وإن زادَ الدَّمُ على خمسةَ عشَرَ، اغتسلَتْ عندَ انقِضاءِ الخمسَ عشرةَ، وتوضَّأت لكلِّ صَلاةٍ وصلَّتْ، وكانَ ما بعدَ خمسةَ عشَرَ من دَمِها استِحاضةً، يَغْشاها فيه زَوْجُها، وتُصلِّي فيه، وتصُومُ، ولا تَزالُ بمَنْزِلةِ الطّاهِرِ، حتّى تَرى دمًا قد أقبَلَ غيرَ الدَّم الذي كان بها وهي تُصلِّي، فإن رأتهُ بعدَ خمسِ ليالٍ من يومَ اغتسلَتْ، فهُو حيضٌ مُقبِلٌ، تَترُكُ لهُ الصَّلاةَ خمسَ عشْرةَ ليلةً، لأنَّها ليسَتْ مِمَّن كان لها حيضٌ معرُوفٌ ترجِعُ إليه، وتترُكُ الصَّلاةَ قدرَ أيامِها، إنَّما وقتُها أكثرُ الحيضِ، وهِي خمسَ عشْرةَ، وإذا رأتِ الدَّم المُقبِلَ بعدَما اغتسلَتْ بأقلَّ من خمس ليالٍ، لم تترُك لهُ الصَّلاةَ، وكانتِ استِحاضةً، لأنَّها لم تُتِمَّ من الطُّهرِ أيامها، فيكونُ الذي يُقبِلُ حيضًا مُستأنفًا. فهذا حُكمُ التي ابتُدِئَتْ (٣) في أوَّلِ ما حاضَتْ بالاسْتِحاضةِ. قال: وأمّا التي لها حيضٌ معرُوفٌ مُستقِيمٌ، وزادَها الدَّمُ على أيامِها، فإنَّها تنتظِرُ إلى تمام خَمْس عَشْرةَ، فإنِ انقطَعَ عنها الدَّمُ قبلَ ذلك، اغتسلَتْ وصلَّت، وكان حَيْضُها مُسْتقِيمًا، وإنِ انقطَعَ الدَّمُ مع تمام خمسةَ عشرَ، فكذلك أيضًا،

стр. 5379

وإنَّما هي امرأةٌ انتقلَ حيضُها إلى أكثرَ مِمّا كان، وكلُّ ذلك حيضٌ؛ لأنَّ حيضَ المرأةِ يختلِفُ (١) أحيانًا فيَقِلُّ ويكثُرُ، وإن زادَها الدَّمُ على خمسةَ عشرَ، اغتسلَتْ عندَ تمامِها، فصلَّتْ، وكانَتْ مُسْتَحاضةً، وتُصلِّي، وتصومُ، ويأتيها زَوْجُها، حتّى تَرى دمًا قد أقبَلَ سِوَى الدَّم الذي تُصلِّي فيه، فإن رأتهُ قبلَ خمسِ ليالٍ من حِينَ اغتسلَتْ، مضَتْ على حالِ الطَّهارةِ، فإنَّها مُسْتحاضةٌ، وإن رأتهُ بعدَ خمسِ ليالٍ، فأكثرَ، فهُو دَمُ حيضٍ مُسْتأنفٌ، تترُكُ لهُ الصَّلاةَ أيامَها التي كانت تحِيضُها قبلَ أن يختلِط عليها أمرُها، وتزِيدُ ثلاثةَ أيام على ما كانت تَعرِفُ من أيامِها، إلّا أن تكونَ أيامُها والثَّلاثةُ التي تحتاطُ بها، أكثر من خمسَ عشْرةَ، فإن كان كذلك لم تُجاوِز خمسَ عشْرةَ، واغتسلت عندَ تمامِها وصلَّت، فهذا فرقٌ بين المُبتدأةِ بالاستِحاضةِ، وبينَ التي كان لها وقتٌ معلُومٌ. وقال أحمدُ بن المُعذَّلِ: الذي كان عليه الجملةُ (٢) من العُلماءِ في القدِيم: أنَّ الحيضَ يكونُ خمسَ عشْرةَ ليلةً، لا يُجاوِزُ ذلك، وما جاوَزهُ، فهُو استِحاضةٌ. قال: وعلى هذا كان قولُ أهلِ المدِينةِ القدِيمُ، وأهلِ الكُوفةِ، حتّى رجعَ عنهُ أبو حنِيفةَ، لحديثٍ بلَغهُ عنِ الجَلْدِ بن أيُّوب، عن مُعاوِيةَ بن قُرّةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّهُ قال في المُستحاضةِ: تَنْتظِرُ عشرًا، لا تُجاوِزُ (٣). فقال أبو حنِيفةَ: لم أزَلْ أرى أن يكونَ أقلُّ الطُّهرِ أكثرَ من أكثرِ الحَيْضِ، وكنتُ أكرَهُ خِلافهُم، يعني فُقهاءَ الكُوفةِ، حتّى سمِعتُ هذا الحديث عن أنسٍ، فأنا آخُذُ به.

стр. 5380

قال أحمدُ بن المُعذَّل: واختلفَ قولُ أصحابِهِ في علل (١) الحَيْضِ وانقِطاعِهِ وعودتِهِ، اختِلافًا يدُلُّكَ على أنَّهُم لم يأخُذُوهُ عن أثَرٍ قوِيٍّ، ولا إجماع. قال: واختلَفَ أيضًا قولُ مالكٍ وأصحابِهِ في عللِ (٢) الحَيْضِ، رَجَع فيها من قولٍ إلى قولٍ، وثبتَ هُو وأهلُ بلدِهِ على أصْلِ قولِهِم في الحيضِ: أنَّهُ خمسَ عشْرةَ. قال: وإنَّما ذكرتُ لك (٣) اختِلافَ أمرِ الحيضِ، واختِلاطَهُ على العُلماءِ، لتعلمَ أنَّهُ أمرٌ أُخِذَ أكثرُهُ بالاجتِهادِ، فلا يكونُ عِندكَ سُنّةً قولُ أحدٍ من المُختلِفِينَ، فيضيقُ على النّاسِ خِلافُهم. قال أبو عُمر: قدِ احتجَّ الطَّحاوِيُّ (٤) لمذهبِ الكُوفيِّين في تحدِيدِ الثَّلاثِ، والعشر، في أقلِّ الحيضِ وأكثرِهِ، بحديثِ أُمِّ سَلَمةَ، إذ سألَتْ رسُولَ الله ﷺ عنِ المرأةِ التي كانت تُهراقُ الدَّمَ، فقال: "لتنظُرْ عددَ اللَّيالي والأيام التي كانت تحِيضُهُنَّ منَ الشَّهرِ، فلتَتْرُكْ قدرَ ذلك من الشَّهرِ، ثُمَّ تغتسِلُ، وتُصلِّي" (٥). قال: فأجابَها بذِكرِ عَددِ الأيام واللَّيالي، من غيرِ مسألةٍ، لها عن مِقدارِ حَيْضِها قبلَ ذلك. قال: وأكثرُ ما يَتناولُهُ أيامٌ عشَرةٌ، وأقلُّهُ ثلاثةٌ. قال أبو عُمر: ليسَ هذا عِندِي حُجّةً تمنعُ من (٦) أن يكونَ الحيضُ أقلَّ من ثلاثٍ؛ لأَنَّهُ كلامٌ خَرجَ في امْرأةٍ قد عُلِمَ أنَّ حَيْضها أيامٌ، فخرَجَ جَوابُه (٧) على

стр. 5381

ذلك، وجائزٌ أن يكونَ الحيضُ أقلَّ من ثلاثٍ، لأنَّ ذلك موجُودٌ في النِّساءِ، غيرُ مدفُوع، وأمّا الجَلْدُ بن أيُّوبَ، فإنَّ الحُمَيدِيَّ ذكرَ عنِ ابنِ عُيَينةَ: أنَّهُ كان يُضعِّفُهُ، ويقولُ: من جَلْدٌ! ومن كان جلدٌ! وقال ابنُ المُباركِ: الجَلْدُ بن أيُّوب يُضعِّفُهُ أهلُ البصرةِ، ويقولُونَ: ليس بصاحِبِ حديثٍ. يعني: رِوايتَهُ في قِصّةِ الحيضِ عن أنسٍ. قال أبو عُمر: للجَلْدِ بن أيُّوبَ أيضًا، حديثٌ آخرُ عن مُعاوِيةَ بن قُرّةَ، عن عائذِ (١) بن عَمرو، أنَّهُ قال لامرأتِهِ: إذا نُفِستِ، لا تغُرِّيني عن دِينِي، حتّى تَمْضِي أربعُونَ ليلةً (٢). وروى عنِ الجَلْدِ بن أيُّوبَ، هشامُ بن حسّانٍ، وعُمرُ بن المُغِيرةِ، وعبدُ العزيزِ بن عبدِ الصَّمدِ، وغيرُهُم، ولهُ سماعٌ منِ الحسنِ ونُظَرائهِ، ولكِنَّهُم يُضعِّفُونهُ في حديثِهِ في الحَيْضِ. وأمّا الاستِظهارُ، فقد قال مالكٌ باستِظهارِ ثلاثةِ أيام (٣). وقال غيرُهُ: تَسْتظهِرُ يومينِ. وحكى عبدُ الرَّزّاقِ (٤) عن مَعْمرٍ، قال: تَسْتظهِرُ يومًا واحِدًا على حَيْضتِها، ثُمَّ هي مُسْتحاضةٌ. وذكرَ عنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، وعَمرِو بن دِينارٍ: تَسْتظهِرُ بيوم واحِدٍ (٥).

стр. 5382

قال أبو عُمر: احتجَّ بعضُ أصحابِنا في الاسْتِظهارِ بحديثٍ رَواهُ حَرامُ بن عُثمانَ، عن ابني (١) جابر، عن جابرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢). وهُو حديثٌ لا يصِحُّ، وحرامُ بن عُثمانَ ضعِيفٌ مترُوكُ الحديثِ (٣). واحتجُّوا فيه من جِهةِ النَّظرِ بالقِياسِ على المُصرّاةِ في اختِلاطِ اللَّبنينِ، فجعَلُوا كذلك اختِلاطَ الدَّمَينِ: دم الاستِحاضةِ، ودم الحيضِ. وفي السُّنّةِ، من حديثِ ابنِ سِيرِينَ، وغيرِهِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ المُصرّاةَ تُستَبرأُ ثلاثةَ أيام (٤). ليُعلَم بذلك مِقدارُ لَبنِ التَّصرِيةِ، من لَبنِ العادةِ. فجَعلُوا كذلك التي (٥) يزِيدُ دمُها على عادتِها، ليُعْلَمَ بذلك أحَيْضٌ هُو أم اسْتِحاضةٌ؟ استِبراءً واستِظهارًا. وفي هذا المعنى نظرٌ؛ لأنَّ الاحتِياط إنَّما يجِبُ أن يكونَ في عَملِ الصَّلاةِ، لا في تَرْكِها، وسيأتي هذا المعنى بأوضحَ من هذا في بابِ هشام بن عُروةَ، إن شاءَ الله.

стр. 5383

وأمّا الشّافعيُّ، فإنَّهُ قال (١): الحيضُ أقلُّ ما يكونُ يومٌ وليلةٌ، وأكثرُهُ خمسةَ عشرَ يومًا، فإن تمادَى بالمُبتدأةِ الدَّمُ أكثرَ من خمسةَ عشَرَ يومًا، اغتسلَتْ، وقَضتِ صلاةَ أربَعةَ عشَرَ يومًا، لأنَّها مُستحاضةٌ بيقينٍ إذا زادَتْ على خمسةَ عشَرَ يومًا، فإنَّ حيضَها أقلُّ الحَيْضِ احتِياطًا للصَّلاةِ، وإنِ انقطَعَ دمُها لخمسةَ عشرَ يومًا، أو دُونها، فهُو كلُّهُ حيضٌ. وقال الشّافعيُّ (٢): إذا زادتِ المرأةُ على أيام حَيْضِها نظرَتْ، فإن كان الدَّمُ ثخِينًا محُتدِمًا، فتلك الحيضةُ، تدَعُ لها الصَّلاةَ، فإذا جاءَها الدَّمُ الأحمرُ، فذلك الاستِحاضةُ، تَغتسِلُ وتُصلِّي، ولا تَسْتظهِرُ بثلاثةِ أيام ولا بشيءٍ. قال: فإن لم يكُنِ الدَّمُ بالوصفِ الذي وصَفنا، تركتِ الصَّلاةَ أيامَ (٣) أقرائها ثمَّ تغتسِلُ وتُصلِّي، تعملُ عِندهُ على التَّميِيزِ، فإن لم تُميِّز، فعلى الأيام، فإن لم تعرِف، رجعَتْ إلى العُرفِ والعادةِ واليقِينِ. وقولُ أبي ثورٍ في هذا كلِّهِ، مِثلُ قولِ الشّافعيِّ سَواءً. قال أبو عُمر: الدَّمُ المُحتدِمُ، هُو الذي ليسَ برقِيقٍ، ولا بمُشرِقٍ، وهُو إلى الكُدْرةِ، والدَّمُ الأحمرُ المشرِقُ تقولُ لهُ العربُ: دمٌ عبِيطٌ. والعَبِيطُ هُو الطَّرِيُّ، غيرُ المُتغيِّرِ، تقولُ العربُ: اعتبطَ ناقَتَهُ، وبعِيرَهُ: إذا نحرَهُما من غيرِ عِلّةٍ، ومن هذا قولُهُم (٤): من لم يمُتْ عَبْطةً يمُتْ هَرَمًا

стр. 5384

أي: من لم يمُت في شبابِهِ وصِحَّتِهِ، مات هَرَمًا، يقولُون: اعتبطَ الرَّجُلُ، إذا ماتَ شابًّا صحِيحًا. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ والثَّورِيُّ في التي يزِيدُ دمُها على أيام عادتِها: إنَّها تُرَدُّ إلى أيامِها المعرُوفةِ، فإن زادَتْ، فإلى أقصى مُدّةِ الحيضِ. وذلك عندَهُم عشرةُ أيام، تترُكُ الصَّلاةَ فيها، فإنِ انقطعَ، وإلّا فهي مُسْتحاضةٌ. والعمَلُ عندَهُم على الأيام، لا على التَّميِيزِ، تجلِسُ عندَهُم أيام أقرائها، إلى آخِرِ مُدّةِ الحيضِ. وذكرَ بِشرُ بن الولِيدِ، عن أبي يُوسُف، عن أبي حنِيفةَ في المُبتدَأةِ (١) ترى الدَّمَ ويستمِرُّ بها، أنَّ حيضَها عشرٌ، وطُهرها عِشرُونَ (٢). وأكثرُ الحيضِ عندَهُ عشَرَةُ أيام، وأقلُّهُ ثلاثةٌ (٣). وقال أبو يُوسُف: تأخُذُ في الصَّلاةِ بالثَّلاثةِ أقلِّ الحيضِ، وفي الأزواجِ بالعشرِ، ولا تقضِي صومًا عليها إلّا بعد العشَرةِ، وتصُومُ العشْرَ (٤) من رمضان، وتقضِي سبعًا (٥). وقال الأوزاعِيُّ، وسُئلَ -فيمن تَسْتطهِرُ بيوم أو يومينِ، بعد أيام حَيْضِها، إذا تطاولَ بها الدَّمُ- فقال: يجُوزُ. ولم يُوقِّت للاسْتِطهارِ وقتًا. وقال أحمدُ بن حَنْبل (٦): أقلُّ الحيضِ يومٌ وليلةٌ، وأكثرُهُ خمسةَ عشَرَ يومًا، فمن (٧) طبق بها الدَّمُ، وكانت مِمَّن تُميِّزُ، وعلِمَتْ إقبالهُ بأنَّهُ أسودُ ثخِينٌ،

стр. 5385

أو أحمرُ يضرِبُ إلى السَّوادِ، وفي إدبارِهِ يصيرُ إلى الرِّقّةِ والصُّفرةِ، تَرَكتِ الصَّلاةَ في إقبالِهِ، فإذا أدبَرَ اغتسلَتْ وصلَّت، وتوضَّأت لكلِّ صلاةٍ، فإن لم يكُن دَمُها مُنْفصِلًا، وكانت لها أيامٌ من الشَّهرِ تَعرِفُها، أمسكَتْ عنِ الصَّلاةِ فيها، واغتسلَتْ إذا جاوَزَتها، وإن كانت لا تَعرِفُ أيامها، بأن تكون أُنسِيتها، وكان دمُها مُشكلًا لا ينفصِلُ، قعدَتْ سِتّةَ أيام أو سبعةً في كلِّ شهرٍ، على حديثِ حمنةَ بنتِ جَحشٍ. وأمّا المُبتدأةُ بالدَّم، فإنَّها تحتاطُ، فتجلِسُ يومًا وليلةً، وتغتسِلُ، وتتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، وتُصلِّي، فإنِ انقطَعَ عنها الدَّمُ في خمسةَ عشرَ اغتسلَتْ عندَ انقِطاعِهِ، وتفعلُ من ذلك مِثلَ ذلك ثانيةً وثالِثةً، فإن كان بمعنًى واحِدٍ، عمِلَتْ عليه، وأعادَتِ الصَّومَ إن كانت صامَتْ، وإنِ استمرَّ بها الدَّمُ، ولم تُميِّز قعدَتْ في كلِّ شهرٍ سِتًّا أو سبعًا؛ لأنَّ الغالِبَ من النِّساءِ أنَّهُنَّ هكذا يحِضنَ. وقولُ إسحاقَ بن راهُوية وأبي عُبيدٍ في هذا البابِ، نحوُ قولِ (١) أحمدَ بن حَنْبل في استِعمالِ الثَّلاثةِ الأحاديث: حديثِ فاطِمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ، في تميِيزِ إقبالِ حَيْضتِها، وإدبارِها. وحديثِ أُمِّ سَلَمةَ في عَددِ اللَّيالي والأيام المعرُوفةِ لها، إذا كانت لا تُميِّزُ انفِصالَ دَمِها. وحديثِ حمنةِ بنتِ جحشٍ فيمَنْ لا تعرِفُ أيامَها، ولا تُميِّزُ دَمها (٢). وقال الطَّبرِيُّ: أقلُّ الحيضِ يومٌ وليلةٌ، وأكثرُهُ خمسةَ عشَرَ يومًا، فإن تمادَى بها الدَّمُ أكثرَ من خمسةَ عشَرَ يومًا، قضَتْ صلاةَ أربعةَ عشرَ يومًا، وخمسَ عشْرةَ ليلةً، إلّا أن يكونَ لها عادةٌ، فتَقْضِي ما زادَ على عادتِها (٣).

стр. 5386

واختلفُوا في الحامِلِ تَرى الدَّم، هل ذلك استِحاضةٌ لا تمنعُها من الصَّلاةِ، أم هُو حيضٌ تَكُفُّ معهُ عنِ الصَّلاةِ (١)؟ فقال مالكٌ (٢)، والشّافعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ، والطَّبرِيُّ: هُو حيضٌ، وتدعُ الصَّلاةَ. هذا هُو المشهُورُ من مذهبِ الشّافعيِّ، وقد رُوِي عنهُ: أنَّهُ ليسَ بحيضٍ. والمشهُورُ من مذهبِ مالكٍ أيضًا: أنَّهُ حيضٌ يمنعُها من الصلاةِ إلّا ابنَ خُوَيْزمَنْدادَ قال: إنَّ هذا في مذهبِ مالكٍ، إذا رأتِ الدَّم في أيام عادتِها، فحِينئذٍ يكونُ حيضًا. واختلفَ قولُ مالكٍ وأصحابِهِ في حُكم الحامِلِ إذا رأتِ الدَّم، فرُوِي عنهُ الفَرقُ بين أوَّلِ الحملِ وآخِرِهِ، ورُوِي عنهُ، وعن أصحابِهِ في ذلك رِواياتٌ، لم أرَ لذِكْرِها وَجهًا، وأصحُّ ما في ذلك على مذهبِه روايةُ (٣) أشهبَ عنهُ: أنَّ الحامِلَ في رُؤيتِها الدَّمَ، كغيرِ الحامِلِ سواءً. وقال الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ والحسنُ بن حيٍّ وعُبيدُ الله (٤) بن الحسنِ والأوزاعِيُّ: ليسَ بحيضٍ، وإنَّما هُو اسْتِحاضةٌ، لا تكُفُّ به عنِ الصَّلاةِ. وهُو قولُ ابنِ عُليّةَ وداودَ.

стр. 5387

وحُجّةُ هؤُلاءِ، ومن قال بقولِهِم: أنَّ الأُمّةَ مُجمعةٌ على أنَّ الحامِلَ تُطلَّقُ للسُّنّةِ إذا استبانَ حملُها، من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، وأنَّ الحملَ كلَّهُ كالطُّهرِ الذي لم يُجامَعْ فيه. ومن حُجَّتِهِم أيضًا، قولُهُ ﷺ : "لا تُوطأُ حامِلٌ حتّى تضعَ، ولا حائلٌ حتّى تحِيضَ" (١). قالوا: فهذا دليلٌ على أنَّ الحملَ ينفِي الحيضَ. ومن حُجّةِ مالكٍ، ومن ذهبَ مذهبهُ، في أنَّ الحامِلَ تحِيضُ، ما يُحِيطُ به العِلمُ بأنَّ الحائضَ قد تحمِلُ، فكذلك جائزٌ أن تحِيضَ، كما جائزٌ أن تحمِلَ، والأصلُ في الدَّم الظّاهِرِ من الأرحام، أن يكونَ حيضًا، حتّى يتجاوزَ المِقدارَ الذي لا يكونُ مِثلُهُ حيضًا، فيكونُ حِينَئذٍ اسْتِحاضةً؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما حكَمَ بالاسْتِحاضةِ في دم زائدٍ على مِقدارِ الحيضِ، وليسَ في قولِهِ ﷺ : "لا تُوطَأُ حامِلٌ حتّى تضعَ، ولا حائلٌ حتّى تحِيضَ" ما يَنْفِي أن يكونَ حيضٌ على حَملٍ، لأنَّ الحديثَ إنَّما وردَ في سَبْيِ أوطاسٍ، حِين أرادُوا وطئَهُنَّ، فأُخبرُوا أنَّ الحامِلَ لا براءةَ لرحِمِها بغيرِ الوَضْع، والحائل لا براءةَ لرحِمِها بغيرِ الحَيضِ، لا أنَّ (٢) الحامِلَ لا تحِيضُ، والله أعلمُ. ومِمَّن قال: إنَّ الحامِل إذا رأتِ الدَّمَ، كفَّت عنِ الصلاةِ، كالحائضِ سواءً: ابنُ شِهابٍ الزُّهرِيُّ (٣)، وقَتادةُ، واللَّيثُ بن سعدٍ، وإسحاقُ بن راهُوية، وابنُ مهدِيٍّ، وجماعةٌ. واختُلِف فيه على عائشةَ، فرُوِي عنها (٤) مِثلُ قولِ مالكٍ، والزُّهرِيِّ.

стр. 5388

ورُوِي عنها: أنَّها لا تَدَعُ الصَّلاةَ على حالٍ. رواهُ سُليمانُ بن مُوسى، عن عطاءٍ، عن عائشةَ (١). وهُو قولُ جُمهُورِ التّابِعِين بالحِجازِ والعِراقِ، وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، وأبو عُبيدٍ. وأمّا غُسلُ المُستحاضةِ ووُضُوؤُها (٢)، فأجمعُوا أنَّ عليها، إذا كانت مِمَّن تُميِّزُ دمَ حَيْضَتِها، من دَم استِحاضتِها، أن تغتسِلَ عندَ إدبارِ حَيْضتِها، وكذلك إذا لم تعرِف ذلك وقعدَتْ ما أُمِرَتْ به من عَدَدِ اللَّيالي والأيام، التي كانت تحِيضُهُنَّ من الشَّهرِ، اغتسلَتْ عندَ انقِضاءِ ذلك، على حسَبِ ما جاءَ منصُوصًا في حديثِ أُمِّ سلَمةَ، وغيرِهِ، على مذاهِبِ العُلماءِ في ذلك، مِمّا قد ذكَرْناهُ في هذا البابِ، والحمدُ لله. ثُمَّ اختلفُوا فيما علَيها بعد ذلك من غُسلٍ، أو وُضُوءٍ. فذهَبَت طائفةٌ من أهلِ العِلْم، إلى أنَّ المُسْتَحاضةَ تغتسِلُ لكلِّ صلاةٍ، بحديثِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ وعمرةَ، جميعًا عن عائشةَ: أنَّ أُمَّ حبِيبةَ بنت جَحشٍ -وبعضُ أصحابِ ابنِ شِهابٍ يقولُ عنهُ فيه: حَمْنةَ بنتَ جَحشٍ، ولا يصِحُّ عنهُ. وقال معمرٌ وابنُ عُيينةَ وإبراهيمُ بن سعدٍ ويُونُسُ بن يزِيد وغيرُهُم: أُمَّ حبِيبةَ بنتَ جَحْش (٣)، وهو الصواب- استُحِيضت، فاسْتَفتَتْ رسُولَ الله ﷺ ، فقال لها: "إنَّما ذلك عِرقٌ، فاغتسِلِي، ثُمَّ صلِّي". فكانت تغتسِلُ لكلِّ صلاةٍ (٤).

стр. 5389

قالوا: فهي أعلمُ بما أُمِرَتْ به، وقد فهِمَتْ ما جُووِبَتْ عنهُ. قالوا: وقد قال محمدُ بن إسحاقَ في هذا الحديثِ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ أُمَّ حبِيبةَ ابنةَ جَحشٍ استُحِيضَتْ في عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ، فأمَرَها رسُولُ الله ﷺ بالغُسلِ لكلِّ صلاةٍ ... وساق الحديثَ (١). واحتجُّوا أيضًا بما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا مُسلِمٌ، قال: حدَّثنا أبانُ وهشامٌ الدِّسْتوائيُّ، قالا: حدَّثنا يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ. قال أبانُ: عن أُمِّ حبِيبةَ. وقال هشامٌ: إنَّ أُمَّ حبِيبةَ سألَتْ رسُولَ الله ﷺ قالت: إنِّي أُهراقُ الدِّماءَ، فأمَرَها أن تغتسِلَ عندَ كلِّ صَلاةٍ وتُصلِّي (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتِيُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ. قال أبو داودَ: عبدُ الله بن عَمرِو بن أبي الحجّاجِ أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن حُسينٍ المُعلِّم،

стр. 5390

عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، قال: أخبَرتني زينبُ بنتُ أُمِّ سلمةَ: أنَّ امرأةً كانت تُهراقُ الدِّماء على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ، وكانت تحتَ عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمَرَها أن تغتسِلَ عندَ كلِّ صلاةٍ. قال أبو داود: وفي حديثِ ابنِ عَقِيلٍ في قِصّةِ حَمْنةَ الأمرانِ (١) جميعًا، قال: "إن قَوِيتِ فاغتسِلي لكلِّ صلاةٍ، وإلّا فاجمَعِي بينَ الصَّلاتينِ بغُسلٍ واحِدٍ". قال: وكذلك رَوَى سعِيدُ بن جُبيرٍ -عنِ ابنِ عبّاسٍ وعليٍّ- أنَّها تغتسِلُ لكلِّ صلاةٍ. قال أبو عُمر: هذا الحديثُ رواهُ همّامٌ، عن قَتادةَ، عن أبي حسّانٍ، عن سعِيدِ بن جُبَيرٍ: أنَّ امرأةً أتتِ ابن عبّاسٍ بكِتابٍ، بعدما ذهَبَ بصرُهُ، فدفَعهُ إلى ابنِهِ فتبرَّأ منهُ، فدفَعهُ إليَّ، فقرأتُهُ، فقال لابنِه: أَلا هَذْرَمتهُ (٢) كما هذرمهُ الغُلامُ المُضَرِيُّ (٣) فإذا فيه: بسم الله الرَّحمنِ الرَّحِيم، منَ امرأةٍ من المُسلِمِينَ، أنَّها استُحِيضَتْ، فاستفتَتْ عليًّا، فأمَرَها أن تغتسِلَ وتُصلِّي. فقال ابنُ عبّاس: اللَّهُمَّ لا أعلَمُ القولَ، إلّا ما قال عليٌّ. ثلاث مرّاتٍ (٤). قال قَتادةُ: وأخبَرني عَزْرةُ (٥)، عن سعِيدٍ، أنَّهُ قيلَ لهُ: إنَّ الكُوفةَ أرضٌ بارِدةٌ، وإنَّهُ يشُقُّ عليها الغُسلُ لكلِّ صلاةٍ. فقال: لو شاءَ اللهُ لابتَلاها بما هُو أشدُّ منهُ (٦).

стр. 5391

وقال يزِيدُ بن إبراهيمَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ: إنَّ امرأةً من أهلِ الكُوفةِ استُحِيضَتْ، فكتبَتْ إلى عبدِ الله بن عُمرَ، وعبدِ الله بن عبّاسٍ، وعبدِ الله بن الزُّبيرِ، تُناشِدُهُمُ اللهَ، وتقولُ: إنِّي امرأةٌ مُسلِمةٌ، أصابني بَلاءٌ، وإنَّها استُحِيضَتْ مُنذُ سِنِينَ، فما ترونَ في ذلك؟ فكان أوَّلَ من وقعَ الكِتابُ في يَدِهِ ابنُ الزُّبيرِ، فقال: ما أعلمُ لها إلّا أن تدَعَ قُرأها، وتغتسِلَ عندَ كلِّ صلاةٍ، وتُصلِّي. فتتابعُوا على ذلك (١). فهذا كلُّهُ حُجّةُ من جعلَ على المُستحاضةِ الغُسل لكلِّ صلاةٍ. وقال آخرُونَ: يجِبُ عليها أن تغتسِلَ للظُّهرِ والعصرِ غُسلًا واحِدًا، تُصلِّي به الظُّهرَ في آخِرِ وقتِها، والعصرَ في أوَّلِ وقتِها، وتغتسِلَ للمغرِب والعِشاءِ غُسلًا واحِدًا، تُقدِّمُ الأُولى، وتُؤَخِّرُ الآخِرةَ (٢)، وتغتسِلَ للصُّبحِ غُسلًا. واحتجُّوا بما رواهُ محمدُ بن إسحاقَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: إنَّما هي سَهْلةُ بنتُ سُهيلِ بن عَمرٍو استُحِيضَتْ، وإنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يأمُرُها بالغُسلِ عندَ كلِّ صلاةٍ، فلمّا جهَدَها ذلك، أمرَها أن تجمعَ الظُّهرَ والعصرَ في غُسلٍ واحِدٍ، والمغرِبَ والعشاءَ في غُسلٍ واحِدٍ، وتغتسِلَ للصُّبح (٣).

стр. 5392

ورواهُ شُعبةُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: استُحِيضتِ امرأةٌ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ، فأُمِرَتْ أن تُعجِّلَ العصرَ، وتُؤَخِّرَ الظُّهر، وتغتسِلَ لهما غُسلًا واحِدًا، وتُؤَخِّرَ المغرِب، وتُعجِّلَ العِشاءَ، وتغتسِلَ لهما غُسلًا واحِدًا (١)، وتغتسِلَ لصلاةِ الصُّبح غُسْلًا. قال شُعبةُ: قلتُ لعبدِ الرَّحمنِ: أعَنِ النَّبيِّ ﷺ ؟ قال: لا أُحدِّثُكَ عنِ النَّبيِّ ﷺ بشيءٍ (٢). ورواهُ الثَّورِيُّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه، عن زَيْنب ابنةِ جَحشٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَها بذلك (٣). ورواهُ ابنُ عُيينةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه مُرسلًا (٤). ورَوَى سُهَيلُ بن أبي صالح، عنِ الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بمِثلِ ذلك فاطِمةَ ابنةَ أبي حُبَيشٍ (٥). قالوا: فقد بانَ في حديثِ ابنِ إسحاقَ وغيرِهِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم في هذا الحديثِ أنَّ (٦) النّاسِخَ من الحُكم (٧) في ذلك، جمعُ الصَّلاتينِ بغُسل واحِد: صلاتي اللَّيلِ، وصلاتيِ النَّهارِ، وتغتسِلُ للصُّبحِ غُسلًا واحِدًا، فصارَ القولُ بهذا أوْلَى من القولِ بإيجابِ الغُسلِ لكلِّ صلاةٍ، لقولِهِ: فلمّا جهدَها،

стр. 5393

أمرَها أن تجمعَ الظُّهر والعصرَ في غُسلٍ واحِدٍ، والمغرِبَ والعِشاءَ بغُسلٍ واحِدٍ، وتغتسِلَ للصُّبح. قالوا: وقد رُوِيَ عن عليٍّ وابنِ عبّاسٍ مِثلُ ذلك، خِلافَ الرِّوايةِ الأُولى عنهُما. فذكرُوا ما حدَّثنا به عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جُحادةَ، عن إسماعيلَ بن رَجاءٍ، عن سعِيدِ بن جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاس، قال: جاءَتهُ امرأةٌ مُسْتحاضةٌ تسألُهُ، فلم يُفتِها، وقال لها: سَلِي. قال: فأتَتِ ابنَ عُمرَ، فسألتهُ، فقال لها: لا تُصلِّي ما رأيتِ الدَّمَ. فرجَعَتْ إلى ابنِ عبّاسٍ، فأخبَرتهُ، فقال: ﵀، إن كادَ ليُكفِّرُكِ. قال: ثُمَّ سألَتْ عليَّ بن أبي طالِبٍ، فقال: تلك وكزةٌ (١) من الشَّيطانِ، أو قُرْحةٌ في الرَّحِم، اغْتَسِلي عندَ كلِّ صَلاتينِ مرّةً، وصلِّي. قال: فلقِيَتِ ابن عبّاسٍ بعدَ ذلك، فسألَتهُ، فقال: ما أجِدُ لكِ إلّا ما قال عليٌّ (٢). وروى حمّادُ بن سلمةَ، عن قَيْسِ بن سعدٍ، عن مجُاهِدٍ، قال: قيلَ لابنِ عبّاس: إنَّ أرضَها بارِدةٌ. قال: تُؤَخِّرُ الظَّهرَ، وتُعجِّلُ العصرَ، وتغتسِلُ لهما غُسلًا، وتُؤَخِّرُ المغرِبَ، وتُعجِّلُ العِشاءَ، وتغتسِلُ لهما غُسلًا، وتغتسِلُ للفَجرِ غُسلًا (٣). وروى إبراهيمُ النَّخَعِيُّ، عنِ ابنِ عبّاسٍ مِثلَهُ (٤). وهُو قولُ إبراهيم النَّخعِيِّ (٥)، وعبدِ الله بن شدّادٍ (٦)، وفِرقةٍ.

стр. 5394

وقال آخرُونَ: تغتسِلُ كلَّ يوم مرّةً، في أيِّ وَقْتٍ شاءَت؛ رواهُ مَعقِلٌ الخَثْعمِيُّ، عن عليٍّ، قال: المُسْتَحاضةُ إذا انقَضَى حَيْضُها، اغْتَسلَتْ كلَّ يوم، واتَّخذَتْ صُوفةً فيها سمنٌ أو زيتٌ (١). وقال آخرُونَ: تغتسِلُ من ظُهْرٍ إلى ظُهْرٍ، وتَوَضَّأُ لكلِّ صلاةٍ؛ رواهُ مالكٌ (٢)، عن سُميٍّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ. وهُو قولُ سالم، وعَطاءٍ، والحسنِ (٣). ورُوِي مِثلُ ذلك عنِ ابنِ عُمرَ، وأنسِ بن مالكٍ. وهِي رِوايةٌ عن عائشةَ (٤). وقال آخرُونَ: لا تَغتسِلُ إلّا من طُهرٍ إلى طُهرٍ (٥). رُوِي ذلك عن طائفةٍ من أهلِ المدِينةِ. وقال آخرُونَ: لا تتوضَّأُ إلّا عندَ الحدَثِ. وهُو قولُ عِكْرِمةَ، ومالكِ بن أنسٍ. إلّا أنَّ مالكًا يستحِبُّ لها الوُضُوءَ عندَ كلِّ صلاةٍ (٦). وقال آخرُونَ: تَدَعُ المُسْتَحاضةُ الصلاةَ أيامَ أقرائها، ثُمَّ تَغتسِلُ، وتَتَوضَّأُ لكلِّ صَلاةٍ وتُصلِّي. واحتَجُّوا بحديثِ شَرِيكٍ، عن أبي اليَقْظانِ، عن عدِيِّ بن ثابتٍ، عن

стр. 5395

أبيه، عن جَدِّهِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ في المُسْتَحاضةِ: "تَدَعُ الصَّلاةَ أيام أقرائها، ثُمَّ تغتسِلُ، وتُصلِّي، وتتوضَّأُ عندَ كلِّ صلاةٍ، وتصومُ، وتُصلِّي" (١). وبحديثِ حبِيبِ بن أبي ثابتٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ فاطِمةَ ابنة أبي حُبَيشٍ أتَتْ رسُولَ الله ﷺ فقالت: يا رسُولَ الله، إنِّي أُسْتَحاضُ فلا ينقطِعُ عنِّي، فأمَرَها أن تَدَع الصَّلاةَ أيام أقرائها، ثُمَّ تغتسِلَ وتَتَوضَّأَ لكلِّ صَلاةٍ، وتُصلِّيَ وإن قطَرَ الدَّمُ على الحَصِيرِ (٢). وبما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن هاشِم، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: جاءَت فاطِمةُ ابنةُ أبي حُبَيشٍ إلى رسُولِ الله ﷺ فقالت: يا رسُولَ الله، إنِّي امرأةٌ أُسْتَحاضُ، فلا أطهُرُ، أفأدَعُ الصَّلاةَ؟ قال: "لا، إنَّما هُو عِرْقٌ، وليسَ بالحَيْضةِ، فإذا أقْبَلتِ الحَيْضةُ، فدَعِي الصَّلاةَ، وإذا أدبرَتْ فاغسِلي عنكِ الدَّم، وتَوضَّئي عندَ كلِّ صَلاةٍ وصلِّي" (٣).

стр. 5396

ورِوايةُ أبي حنِيفةَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ لهذا الحديثِ، كرِوايةِ يحيى بن هاشم (١) سواءً، قال فيه: "وتَوضَّئي لكلِّ صَلاةٍ". وكذلك رِوايةُ حمّادِ بن سَلَمةَ، عن هشام أيضًا، بإسنادِهِ مِثلهُ (٢). وحمّادُ بن سلمةَ في هشام بن عُروةَ ثَبْتٌ ثِقةٌ. وأمّا سائرُ الرُّواةِ لهُ عن هشام بن عُروةَ، فلم يذكُرُوا فيه: الوُضُوءَ لكلِّ صلاةٍ: لا مالكٌ، ولا اللَّيثُ، ولا ابنُ عُيينةَ، ولا غيرُهُم، إلّا من ذكرتُ لك، فيما عَلِمت. وروى شُعبةُ قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن مَيْسرةَ، والمُجالِدُ بن سعِيدٍ، وبيانٌ، قالوا: سمِعنا عامرًا الشَّعبِي يُحدِّثُ، عن قُمَيرَ امرأةِ مسرُوقٍ، عن عائشةَ، أنَّها قالت في المُسْتَحاضةِ: تَدَعُ الصَّلاةَ أيامَ حَيْضتِها وتغتسِلُ غُسلًا واحِدًا، ثُمَّ تتوضَّأُ عندَ كلِّ صَلاةٍ (٣). ورَوَى الثَّورِيُّ، عن فِراسٍ وبيانٍ، عنِ الشَّعبِيِّ، عن قُمَيرَ، عن عائشةَ مِثلهُ (٤). قالوا: فلمّا رُوِي عن عائشةَ: أنَّها أفتَتْ بعدَ رسُولِ الله ﷺ في المُستحاضةِ: أنَّها تتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ -فقد كان رُوِي عنها مرفوعًا ما تقدَّمَ ذِكرُهُ، من حُكم المُستحاضةِ: أنَّها تَغْتسِلُ لكلِّ صلاةٍ. ومن حُكمِها أنَّها تجمعُ بينَ الصَّلاتينِ بغُسل واحِدٍ- عَلِمنا بفتواها وجَوابِها، بعدَ وفاةِ رسول الله ﷺ : أنَّ الذي أفتَتْ به، هُو النّاسخُ عندَها؛ لأنَّهُ لا يجُوزُ عليها أن تدَعَ النّاسِخَ، وتُفتِيَ بالمنسُوخ، ولو فعلَتْ لسقطَتْ رِوايتُها. فهذا وجهُ تهذِيبِ الآثارِ في هذا المعنى.

стр. 5397

قالوا: وأمّا حديثُ أُمِّ حبِيبةَ وقِصَّتُها، فمُختَلَفٌ فيه، وأكثرُهُم يقولُون فيه: إنَّها كانت تغتسِلُ، من غيرِ أن يأمُرها بذلك رسُولُ الله ﷺ . وهذا قد يَجُوزُ أن تكونَ أرادَتْ به العِلاج، ويَجُوزُ أن تكونَ مِمَّن لا تعرِفُ أقراءَها، ولا إدبارَ حَيْضتِها، ويكونُ دمُها سائلًا، وإذا كان كذلك، فليسَتْ صلاةٌ إلّا وهي تَحتمِلُ أن تكونَ عندَها طاهِرًا من حيضٍ، فليسَ لها أن تُصلِّيها إلّا بعدَ الاغتِسالِ، فلِذلك أُمِرَتْ بالغُسلِ. والمُسْتحاضةُ قد تكونُ استِحاضتُها على مَعانٍ مخُتلِفة: فمنها: أن تكونَ مُسْتحاضةً قدِ استَمرَّ بها الدَّمُ، وأيامُ حَيْضتِها معرُوفةٌ، فسبِيلُها أن تدَعَ الصَّلاةَ أيام حَيْضتِها، ثُمَّ تغتسِلَ وتتوضَّأَ بعد ذلك لكلِّ صلاةٍ. ومنها: أن تكونَ مُسْتحاضةً، قدِ استمرَّ بها دمُها، فلا ينقطِعُ عنها، وأيامُ حَيْضتِها قد خفِيَتْ عليها، فسبِيلُها أن تغتسِلَ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّهُ لا يأتي عليها وقتٌ، إلّا احتملَ أن تكون فيه حائضًا، أو طاهِرًا من حيضٍ، أو مُستحاضةً، فيُحتاطُ لها، فتُؤمرُ بالغُسلِ. ومنها: أن تكونَ مُسْتحاضةً، قد خفِيَتْ عليها أيامُ حَيْضتِها، ودَمُها غيرُ مُستمِرٍّ بها، يَنْقطِعُ ساعةً، ويعُودُ بعدَ ذلك، تكونُ هكذا في أيامِها كلِّها، فتكونُ قد أحاطَ عِلمُها: أنَّها في وَقْتِ انقِطاع دَمِها طاهِرٌ من محيضٍ طُهْرًا يُوجِبُ عليها غُسلًا، فلَها إذا اغتسلت أن تُصلِّي في حالِها تلك ما أرادَتْ من الصَّلواتِ، بذلك الغُسلِ، إن أمكَنَها ذلك. قالوا: فلمّا وجَدْنا المرأةَ قد تكونُ مُسْتحاضةً لكلِّ وَجْهٍ من هذه الوُجُوهِ التي مَعانِيها وأحكامُها مُختلِفةٌ، واسمُ الاسْتِحاضةِ يجمعُها، ولم يكُن في حديثِ عائشةَ تِبيانُ اسْتِحاضةِ تِلك المرأةِ، لم يَجُز لنا أن نحمِلَ ذلك على وجهٍ من تلك الوُجُوهِ،

стр. 5398

دُونَ غيرِها إلّا بدليلٍ، ولا دليلَ إلّا ما كانت عائشةُ تُفتِي به في المُستحاضةِ: أنَّها تَدَعُ الصَّلاةَ أيام حَيْضتِها، ثُمَّ تغتسِلُ غُسلًا واحِدًا، ثُمَّ تتوضَّأُ عندَ كلِّ صلاةِ. هذا كلُّهُ من حُجّةِ من يَنْفِي إيجابَ الغُسلِ على (١) كلِّ مُستحاضةٍ لكلِّ صلاةٍ. وهِي (٢) جُملةُ مَذهبِ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ، والثَّورِيِّ، ومالكٍ، واللَّيثِ، والشّافعيِّ، والأوزاعِيِّ، وعامّةِ فُقهاءِ الأمْصارِ. إلّا أنَّ مالكًا (٣) يَسْتحِبُّ للمُسْتحاضةِ الوُضُوءَ لكلِّ صلاةٍ، ولا يُوجِبُهُ عليها، وسائرُ من ذكَرْنا يُوجِبُ الوُضُوءَ عليها لكلِّ صلاةٍ فرضًا، كما يُوجِبُهُ على سَلِسِ البَوْلِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد تَعبَّدَ من ليسَ على وُضُوءٍ من عِبادِهِ المُؤمِنِينَ، إذا قامَ إلى الصَّلاةِ أن يتوضَّأ، وسَلِسُ البَوْلِ والمُسْتحاضةُ ليسا على وُضُوءٍ، فلمّا أُمِرا جميعًا بالصَّلاةِ، ولم يَكُن حدَثُهُما الدّائمُ بهما يَمْنعُهُما من الصَّلاةِ، وكان عليهما أن يُصلِّيا على حالِهِما، فكذلك يتوضَّآنِ للصَّلاةِ، لأنَّ الحدَثَ يقطعُ الصَّلاةَ بإجماع من العُلماءِ، وعلى صاحِبِهِ أن ينصرِفَ من صلاتِهِ من أجلِهِ، والمُستحاضةُ مأمُورةٌ بالصَّلاةِ، وكذلك سَلِسُ البولِ، لا ينصرِفُ واحِدٌ منهُما عن صِلاتِهِ، بل يُصلِّي كلُّ واحِدٍ منهُما على حالِهِ، فكذلك يتَوضَّأُ وهُو على حالِهِ، لا يضُرُّهُ دوامُ حَدَثِهِ لوُضُوئهِ، كما لا يضُرُّهُ لصَلاتِهِ، لأنَّهُ أقْصَى ما يَقدِرُ عليه، فكما لا تسقُطُ عنهُ الصَّلاةُ، فكذلك لا يسقُطُ عنهُ الوُضُوءُ لها. هذا أقوَى ما احتجَّ به من أوجبَ الوُضُوءَ على هؤُلاءِ لكلِّ صلاةٍ. وأمّا مالكٌ، فإنَّهُ لا يُوجِبُ على المُستحاضةِ، ولا على صاحِبِ السَّلَسِ وُضُوءًا؛ لأنَّهُ لا يرفع به حَدَثًا.

стр. 5399

وقد قال عِكرِمةُ وأيُّوبُ وغيرُهُما: سواءٌ دمُ الاستِحاضةِ، أو دمُ جُرح، لا يُوجِبُ شيءٌ من ذلك وُضُوءًا. وروى مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه أنَّهُ قال: ليسَ على المُستحاضةِ إلّا أن تغتسِلَ (٢) غُسلًا واحِدًا، ثُمَّ تتوضَّأ بعد ذلك لكلِّ صلاةٍ. قال مالكٌ (٣): والأمرُ عندَنا على حديثِ هشام بن عُروةَ، عن أبيه، وهُو أحبُّ ما سَمِعتُ إليَّ. والوُضُوءُ عليها عندَهُ استِحبابٌ، على ما ذكَرْنا عنهُ؛ لأنَّهُ لا يرفعُ الحدَثَ الدّائم، فوَجْهُ الأمرِ به الاستِحبابُ، والله أعلمُ. وقدِ احتجَّ بعضُ أصحابِنا على سُقُوطِ الوُضُوءِ، بقولِ رسُولِ الله ﷺ لفاطِمةَ بنتِ أبي حُبَيشٍ: "فإذا ذهَبَ قدرُ الحَيْضةِ، فاغْتَسِلي وصلِّي" (٤). ولم يذكُر وُضُوءًا، ولو كان الوُضُوءُ واجِبًا عليها، لما سكتَ عن أن يأمُرَها به. ومِمَّن قال بأنَّ الوُضُوءَ على المُستحاضةِ غيرُ واجِبٌ: رَبِيعةُ، وعِكرِمةُ (٥)، وأيُّوبُ، وطائفةٌ، واللهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ. وأمّا الأحادِيثُ المرفُوعةُ في إيجابِ الغُسلِ لكلِّ صلاةٍ، وفي الجمع بين الصَّلاتينِ بغُسلٍ واحِدٍ، وفي الوُضُوءِ (٦) لكلِّ صَلاةٍ على المُستحاضةِ، فكلُّها مُضطرِبةٌ، لا تجِبُ بمِثلِها حُجّةٌ.

стр. 5400

نافعٌ، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ حديثٌ واحِدٌ، وهُو حديثٌ خامِسُ سبعين لنافع مالكٌ (١)، عن نافع، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، عن أمِّ سلَمةَ زوجِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الذي يشرَبُ في آنِيةِ الفِضّةِ، إنَّما يُجرجِرُ في بَطنِهِ نارَ جهنَّم". هكذا روى مالكٌ هذا الحديثَ، بهذا الإسنادِ، بلا شكٍّ في شيءٍ منهُ (٢)، إلّا ابنَ وَهْبٍ، رواهُ عن مالكٍ، عن نافع، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ (٣). فلم يصنع ابنُ وَهْبٍ شيئًا. والصَّوابُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، ما رواهُ يحيى، وجُمهُورُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، عن نافع، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكر، عن أُمِّ سلَمةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وكذلك رواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، كما رواهُ مالكٌ سَواءً؛ أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، قال: أخبرني نافعٌ، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ، عن أُمِّ سلمةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "الذي يَشْربُ في إناءٍ من فِضّةٍ، فإنَّما يُجرجِرُ في بَطنِهِ نارَ جهنَّمَ" (٤).

стр. 5401

قال عليٌّ: عبدُ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ، كانت عائشةُ عمَّتَهُ لأبيه وأُمِّهِ، وكانت أُمُّ سلَمةَ خالَتَهُ، أُختَ أُمِّهِ لأبِيها وأُمِّها، أمُّهُ قُرَيْبةُ (١) بنتُ أبي أُميّةَ. قال عليٌّ: ولا أعلمُ أحدًا كان يدخُلُ على زَوْجتينِ من أزواجِ النَّبيِّ ﷺ ، إحداهُما عمَّتُهُ، والأُخرَى خالتُهُ، غيرَهُ. ورواهُ ابنُ عُليّةَ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الرَّحمنِ، أو عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّ سلمةَ، على الشَّكِّ (٢). والصَّوابُ ما قالهُ مالكٌ، إلّا (٣) أنَّهُ اختُلِفَ عنهُ في: عبدِ الله بن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، أو عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ. وقال القعنبِيُّ (٤)، وطائفةٌ فيه كما قال يحيى. وإن كان عبدَ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، فهُو أبو عَتِيقٍ (٥)، وأُمُّ سلَمةَ خالتُهُ.

стр. 5402

ورَوَى هذا الحديثَ شُعبةُ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، عن نافع، عنِ امْرأةِ ابنِ عُمرَ، عن عائشةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "الذي يشرَبُ في إناءِ الفِضّةِ، أو إناءٍ من فِضّةٍ، إنَّما يُجرجِرُ في بَطنِهِ نارًا". حدَّثناهُ أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا البَغوِيُّ (١)، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا غُندرٌ، قال: حدَّثنا شُعبةُ. فذكرهُ بإسنادِهِ. وحدَّثناهُ أحمدُ بن قاسم أيضًا، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: حدَّثنا البَغوِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ وعليُّ بن مُسلِم، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ. فذكرهُ (٢). ورواهُ خُصَيفٌ وهشامُ بن الغازِي، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من شرِبَ في آنِيةِ الفِضّةِ، فإنَّما يُجرجِرُ في بَطنِهِ نارَ جهنَّمَ" (٣). وهذا عِندِي خطأٌ لا شكَّ فيه، ولم يروِ ابنُ عُمر هذا الحديثَ قطُّ، واللهُ أعلمُ، ولا رواهُ نافعٌ عنِ ابنِ عُمرَ، ولو رَواهُ عنِ ابنِ عُمرَ، ما احتاجَ أن يُحدِّث به عن ثلاثةٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وأمّا إسنادُ شُعبةَ في هذا الحديثِ، فيحتمِلُ أن يكونَ إسنادًا آخرَ، ويحتمِلُ أن يكونَ خطأً، وهُو الأغلبُ، والله أعلمُ.

стр. 5403

والإسنادُ الذي يجِبُ العملُ به في هذا الحديثِ، وتقُومُ به الحُجّةُ، إسنادُ مالكٍ في ذلك، وبالله التَّوفيقُ. واختلفَ العُلماءُ في المعنى المقصُودِ بهذا الحديثِ. فقالت طائفةٌ: إنَّما عَنَى رسُولُ الله ﷺ بقولِه: "الذي يشرَبُ في آنِيةِ الفِضّةِ، إنَّما يُجرجِرُ في بطنِهِ نار جَهنَّمَ": المُشرِكِينَ الذين كانوا يشربُونَ فيها، فأخبرَ عنهُم، وحذَّرنا أن نفعلَ مِثلَ ذلك من فِعْلِهِم، وأن نتشبَّه بهم. وقال آخرُونَ: كلُّ من علِمَ بتحرِيم رسُولِ الله ﷺ الشَّرابَ في آنِيةِ الفِضّةِ، ثُمَّ يشربُ فيها، استوجَبَ النّار، إلّا أن يعفُوَ اللهُ عنهُ، بما ذكَرَ من مَغفِرتِهِ لمن يشاءُ، مِمَّن لا يُشرِكُ به شيئًا. وأجمعَ العُلماءُ، على أنَّهُ لا يجُوزُ الشُّربُ بها. واختلفُوا في جَوازِ اتِّخاذِها، فقال قومٌ: تُتَّخذُ، كما يُتَّخذُ الحرِيرُ والدِّيباجُ، وتُزكَّى ولا تُستعملُ. وقال الجُمهُورُ: لا تُتَّخذُ ولا تُستعملُ، ومنِ اتَّخذها زكّاها. وأمّا الجرجرةُ في كلام العربِ، فمعناها: هَدِيرٌ يُردِّدُهُ الفحلُ، ويُصوِّتُ به، ويُسمَعُ من حلقِهِ. والمقصُودُ ها هنا إلى صوت جَرْعِهِ إذا شرِبَ. قال الشّاعِرُ، يصِفُ فحلًا من الإبِل: وهُو إذا جَرْجَرَ عندَ الهبِّ جَرْجَرَ في حَنْجَرةٍ كالجُبِّ (١) وهامةٍ كالمِرْجَلِ المُنكَبِّ

стр. 5404

وقال امرُؤُ القيسِ بن حُجْرٍ (١): إذا سافَهُ العَوْدُ الدِّيافي (٢) جَرْجَرا أي: رَغا لبُعدِ الطَّرِيقِ وصُعُوبتِهِ. وأمّا قولُهُ في الحديثِ: "يُجرجِرُ في بطنِهِ نارَ جهنَّمَ". فإنَّما معناهُ: الزَّجرُ والتَّحذِيرُ والتَّحرِيمُ، فجاءَ بهذا اللَّفظِ، كما قال اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. وهذا الحديثُ يَقْتضِي الحظَرَ والمنعَ من اتِّخاذِ أواني الفِضّةِ، واستِعمالِها في الشُّربِ، والأكلِ فيها، واتِّخاذِها. والعُلماءُ كلُّهُم لا يُجِيزُونَ استِعمالَ الأواني من الذَّهَبِ، كما لا يُجِيزُونَ ذلك من الفِضّةِ؛ لأنَّ الذهَبَ لو لم يكُنِ الحديثُ وردَ فيه، لكان داخِلًا في معنَى الفِضّةِ، لأنَّ العِلّةَ في ذلك، واللهُ أعلمُ، التَّشبُّهُ بالجبابِرةِ، ومُلُوكِ الأعاجِم، والسَّرَفِ، والخُيَلاءِ، وأذَى الصّالحِينَ، والفُقراءِ الذينَ لا يجِدُونَ من ذلك ما بهم الحاجة إليه. ومعلُومٌ أنَّ الذَّهبَ أعظمُ شأنًا من الفِضّةِ، فهُو أحرَى بذلك المعنى، ألا تَرى أنَّ النَّهيَ لمّا وردَ عنِ البولِ في الماءِ الرّاكِدِ، كان الغائطُ أحْرَى أن يُنهَى عنهُ في ذلك؟ فكيفَ وقد وردَ النَّهيُ عن ذلك منصُوصًا!

стр. 5405

حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا حفصُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عنِ الحَكَم، عن ابن (٢) أبي ليلى، قال: كان حُذَيفةُ بالمدائنِ، فاسْتَسقَى، فأتاهُ دِهقانٌ (٣) بآنيةٍ من فِضّةٍ، فرَماهُ به، وقال: إنِّي لم أرمِهِ إلّا أنِّي نَهَيتُهُ فلم يَنْتهِ، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عنِ الحرِيرِ والدِّيباج، وعن الشُّربِ في آنِيةِ الذَّهَبِ والفِضّةِ، وقال: "هِي لهم في الدُّنيا، ولكُم في الآخِرةِ". حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن روح المدائنِيُّ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ بن فارِسٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عنِ الأشعثِ بن سُلَيم، عن مُعاوِيةَ بن سُوَيدِ بن مُقرِّنٍ، عنِ البَراءِ، قال: أمَرَنا رسُولُ الله ﷺ بسَبْع ونهانا عن سَبع، أمَرَنا باتِّباع الجَنائزِ، وعِيادةِ المرِيضِ، ورَدِّ السَّلام، وإجابةِ الدّاعِي، ونَصْرِ المظلُوم، وتَشْمِيتِ العاطِسِ، وإبرارِ القَسَم. ونهانا عن خاتَم الذَّهَبِ أو حَلْقةِ الذَّهَبِ، وعن آنِيةِ الفِضّةِ، وعن لُبسِ الحرِيرِ، والدِّيباج، والإسْتَبْرَقِ، والمِيثَرةِ (٤)، والقَسِّيِّ (٥).

стр. 5406

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُونُسَ الكُدَيمِيُّ، قال: حدَّثنا أبو زيدٍ الهَرَويُّ (١) وهشامٌ أبو الولِيدِ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، قال: أخبرني أشْعَثُ بن سُلَيم، عن مُعاوِيةَ بن سُوَيدِ بن مُقرِّنٍ، عنِ البَراءِ، قال: أُمِرْنا بسَبعْ ونُهِينا عن سَبعْ. فذكر مِثلهُ (٢). وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن العبّاسِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن أبي المُثنَّى، قال: حدَّثنا جعفرُ بن عَوْنٍ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الشَّيبانِيُّ، عن أشعثَ بن أبي الشَّعثاءِ، عن مُعاوِيةَ بن سُوَيدِ بن مُقرِّنٍ، عنِ البَراءِ بن عازِب، قال: أمَرَنا رسُولُ الله ﷺ بسَبْع، ونَهانا عن سَبْع. فذكرَ الحديث بمعْنَى ما تقدَّمَ، وقال فيه: ونَهانا عنِ الشُّربِ في الفِضّةِ، فإنَّهُ من شَرِبَ فيها في الدُّنيا، لم يَشْرَبْ فيها في الآخِرةِ (٣). حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا الطَّحاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزنِيُّ، قال: حدَّثنا الشّافعيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عنِ ابنِ أبي نَجِيح، عن مجُاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، قال: اسْتَسقَى حُذَيفةُ

стр. 5407

من دِهْقانٍ بالمدائنِ، فسَقاهُ في إناءٍ من فِضّةٍ، فحَذَفهُ به (١)، ثُمَّ اعتذَرَ إلى القَوم، فقال: إنِّي كنتُ نَهيتُهُ أن يَسْقِيني (٢) فيه. ثُمَّ قال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ قامَ فينا فقال: "لا تَشْربُوا في آنِيةِ الفِضّةِ والذَّهب، ولا تلبسُوا الدِّيباجَ والحرِيرَ، فإنَّها لهم في الدُّنيا، ولكُم في الآخِرةِ" (٣). وقد رُوِي عن بعضِ أصحابِ داودَ: أنَّهُ كرِهَ الشُّربَ في إناءِ الفِضّةِ، ولم يكرَهْ ذلك في الذَّهبِ، وهذا لا يُشتغِلُ به، لما وصفنا، والحمدُ لله. وقال الأثرمُ: سمِعتُ أبا عبدِ الله، يعني: أحمدَ بن حَنْبل -وقيل لهُ: رجُلٌ دعا رجُلًا إلى طَعام، فدخَلَ فرأى آنِيةَ فِضّةٍ؟ - فقال: لا يدخُلُ إذا رآها. وعلَّظَ (٤) فيها وفي كسبِها، واستِعمالِها. وذكرَ حديثَ حُذيفةَ المذكُور، وحديثَ أُمِّ سلمةَ، حديثَ هذا البابِ، وذكرَ حديثَ البَراءِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن آنِيةِ الفِضّةِ، في سَبعْ أشياءَ نَهَى عنها (٥). واختلَفَ العُلماءُ في الشُّربِ في الإناءِ المُفضَّضِ، بعدَ إجماعِهِم على تحرِيم استِعمالِ إناءِ الفِضّةِ والذَّهَبِ، في شُربٍ أو غيرِهِ (٦).
следующие страницы →