← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5403–5442 · переход к 5408.

стр. 5403

والإسنادُ الذي يجِبُ العملُ به في هذا الحديثِ، وتقُومُ به الحُجّةُ، إسنادُ مالكٍ في ذلك، وبالله التَّوفيقُ. واختلفَ العُلماءُ في المعنى المقصُودِ بهذا الحديثِ. فقالت طائفةٌ: إنَّما عَنَى رسُولُ الله ﷺ بقولِه: "الذي يشرَبُ في آنِيةِ الفِضّةِ، إنَّما يُجرجِرُ في بطنِهِ نار جَهنَّمَ": المُشرِكِينَ الذين كانوا يشربُونَ فيها، فأخبرَ عنهُم، وحذَّرنا أن نفعلَ مِثلَ ذلك من فِعْلِهِم، وأن نتشبَّه بهم. وقال آخرُونَ: كلُّ من علِمَ بتحرِيم رسُولِ الله ﷺ الشَّرابَ في آنِيةِ الفِضّةِ، ثُمَّ يشربُ فيها، استوجَبَ النّار، إلّا أن يعفُوَ اللهُ عنهُ، بما ذكَرَ من مَغفِرتِهِ لمن يشاءُ، مِمَّن لا يُشرِكُ به شيئًا. وأجمعَ العُلماءُ، على أنَّهُ لا يجُوزُ الشُّربُ بها. واختلفُوا في جَوازِ اتِّخاذِها، فقال قومٌ: تُتَّخذُ، كما يُتَّخذُ الحرِيرُ والدِّيباجُ، وتُزكَّى ولا تُستعملُ. وقال الجُمهُورُ: لا تُتَّخذُ ولا تُستعملُ، ومنِ اتَّخذها زكّاها. وأمّا الجرجرةُ في كلام العربِ، فمعناها: هَدِيرٌ يُردِّدُهُ الفحلُ، ويُصوِّتُ به، ويُسمَعُ من حلقِهِ. والمقصُودُ ها هنا إلى صوت جَرْعِهِ إذا شرِبَ. قال الشّاعِرُ، يصِفُ فحلًا من الإبِل: وهُو إذا جَرْجَرَ عندَ الهبِّ جَرْجَرَ في حَنْجَرةٍ كالجُبِّ (١) وهامةٍ كالمِرْجَلِ المُنكَبِّ

стр. 5404

وقال امرُؤُ القيسِ بن حُجْرٍ (١): إذا سافَهُ العَوْدُ الدِّيافي (٢) جَرْجَرا أي: رَغا لبُعدِ الطَّرِيقِ وصُعُوبتِهِ. وأمّا قولُهُ في الحديثِ: "يُجرجِرُ في بطنِهِ نارَ جهنَّمَ". فإنَّما معناهُ: الزَّجرُ والتَّحذِيرُ والتَّحرِيمُ، فجاءَ بهذا اللَّفظِ، كما قال اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. وهذا الحديثُ يَقْتضِي الحظَرَ والمنعَ من اتِّخاذِ أواني الفِضّةِ، واستِعمالِها في الشُّربِ، والأكلِ فيها، واتِّخاذِها. والعُلماءُ كلُّهُم لا يُجِيزُونَ استِعمالَ الأواني من الذَّهَبِ، كما لا يُجِيزُونَ ذلك من الفِضّةِ؛ لأنَّ الذهَبَ لو لم يكُنِ الحديثُ وردَ فيه، لكان داخِلًا في معنَى الفِضّةِ، لأنَّ العِلّةَ في ذلك، واللهُ أعلمُ، التَّشبُّهُ بالجبابِرةِ، ومُلُوكِ الأعاجِم، والسَّرَفِ، والخُيَلاءِ، وأذَى الصّالحِينَ، والفُقراءِ الذينَ لا يجِدُونَ من ذلك ما بهم الحاجة إليه. ومعلُومٌ أنَّ الذَّهبَ أعظمُ شأنًا من الفِضّةِ، فهُو أحرَى بذلك المعنى، ألا تَرى أنَّ النَّهيَ لمّا وردَ عنِ البولِ في الماءِ الرّاكِدِ، كان الغائطُ أحْرَى أن يُنهَى عنهُ في ذلك؟ فكيفَ وقد وردَ النَّهيُ عن ذلك منصُوصًا!

стр. 5405

حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا حفصُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عنِ الحَكَم، عن ابن (٢) أبي ليلى، قال: كان حُذَيفةُ بالمدائنِ، فاسْتَسقَى، فأتاهُ دِهقانٌ (٣) بآنيةٍ من فِضّةٍ، فرَماهُ به، وقال: إنِّي لم أرمِهِ إلّا أنِّي نَهَيتُهُ فلم يَنْتهِ، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عنِ الحرِيرِ والدِّيباج، وعن الشُّربِ في آنِيةِ الذَّهَبِ والفِضّةِ، وقال: "هِي لهم في الدُّنيا، ولكُم في الآخِرةِ". حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن روح المدائنِيُّ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ بن فارِسٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عنِ الأشعثِ بن سُلَيم، عن مُعاوِيةَ بن سُوَيدِ بن مُقرِّنٍ، عنِ البَراءِ، قال: أمَرَنا رسُولُ الله ﷺ بسَبْع ونهانا عن سَبع، أمَرَنا باتِّباع الجَنائزِ، وعِيادةِ المرِيضِ، ورَدِّ السَّلام، وإجابةِ الدّاعِي، ونَصْرِ المظلُوم، وتَشْمِيتِ العاطِسِ، وإبرارِ القَسَم. ونهانا عن خاتَم الذَّهَبِ أو حَلْقةِ الذَّهَبِ، وعن آنِيةِ الفِضّةِ، وعن لُبسِ الحرِيرِ، والدِّيباج، والإسْتَبْرَقِ، والمِيثَرةِ (٤)، والقَسِّيِّ (٥).

стр. 5406

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُونُسَ الكُدَيمِيُّ، قال: حدَّثنا أبو زيدٍ الهَرَويُّ (١) وهشامٌ أبو الولِيدِ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، قال: أخبرني أشْعَثُ بن سُلَيم، عن مُعاوِيةَ بن سُوَيدِ بن مُقرِّنٍ، عنِ البَراءِ، قال: أُمِرْنا بسَبعْ ونُهِينا عن سَبعْ. فذكر مِثلهُ (٢). وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن العبّاسِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن أبي المُثنَّى، قال: حدَّثنا جعفرُ بن عَوْنٍ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الشَّيبانِيُّ، عن أشعثَ بن أبي الشَّعثاءِ، عن مُعاوِيةَ بن سُوَيدِ بن مُقرِّنٍ، عنِ البَراءِ بن عازِب، قال: أمَرَنا رسُولُ الله ﷺ بسَبْع، ونَهانا عن سَبْع. فذكرَ الحديث بمعْنَى ما تقدَّمَ، وقال فيه: ونَهانا عنِ الشُّربِ في الفِضّةِ، فإنَّهُ من شَرِبَ فيها في الدُّنيا، لم يَشْرَبْ فيها في الآخِرةِ (٣). حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا الطَّحاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزنِيُّ، قال: حدَّثنا الشّافعيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عنِ ابنِ أبي نَجِيح، عن مجُاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، قال: اسْتَسقَى حُذَيفةُ

стр. 5407

من دِهْقانٍ بالمدائنِ، فسَقاهُ في إناءٍ من فِضّةٍ، فحَذَفهُ به (١)، ثُمَّ اعتذَرَ إلى القَوم، فقال: إنِّي كنتُ نَهيتُهُ أن يَسْقِيني (٢) فيه. ثُمَّ قال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ قامَ فينا فقال: "لا تَشْربُوا في آنِيةِ الفِضّةِ والذَّهب، ولا تلبسُوا الدِّيباجَ والحرِيرَ، فإنَّها لهم في الدُّنيا، ولكُم في الآخِرةِ" (٣). وقد رُوِي عن بعضِ أصحابِ داودَ: أنَّهُ كرِهَ الشُّربَ في إناءِ الفِضّةِ، ولم يكرَهْ ذلك في الذَّهبِ، وهذا لا يُشتغِلُ به، لما وصفنا، والحمدُ لله. وقال الأثرمُ: سمِعتُ أبا عبدِ الله، يعني: أحمدَ بن حَنْبل -وقيل لهُ: رجُلٌ دعا رجُلًا إلى طَعام، فدخَلَ فرأى آنِيةَ فِضّةٍ؟ - فقال: لا يدخُلُ إذا رآها. وعلَّظَ (٤) فيها وفي كسبِها، واستِعمالِها. وذكرَ حديثَ حُذيفةَ المذكُور، وحديثَ أُمِّ سلمةَ، حديثَ هذا البابِ، وذكرَ حديثَ البَراءِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن آنِيةِ الفِضّةِ، في سَبعْ أشياءَ نَهَى عنها (٥). واختلَفَ العُلماءُ في الشُّربِ في الإناءِ المُفضَّضِ، بعدَ إجماعِهِم على تحرِيم استِعمالِ إناءِ الفِضّةِ والذَّهَبِ، في شُربٍ أو غيرِهِ (٦).

стр. 5408

فذكرَ ابنُ وَهْبِ، عن مالكٍ واللَّيثِ بن سَعدٍ: أنَّهُما كانا يَكْرهانِ الشُّربَ والأكلَ في القَدَحِ المُضبَّبِ بالفِضّةِ، والصُّحْفةِ التي قد ضُبِّبَتْ بالوَرِقِ. وقال ابنُ القاسم، عن مالكٍ: لا أُحِبُّ أن يدَّهِنَ أحدٌ في مَداهِنِ الوَرِقِ، ولا يستجمِرَ في مجامِرِ الوَرِقِ. قال: وسُئلَ مالكٌ عن ثُلمةِ القدح، وما يَلي الأُذُنَ، فقال مالكٌ: قد سمِعتُ سماعًا -كأنَّهُ يُضعِّفُهُ- وما عَلِمتُ فيه بنَهي. وقال الشّافعيُّ: أكرَهُ المُضبَّب بالفِضّةِ، لئَلّا يكون شارِبًا على الفِضّةِ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: لا بأسَ أن يشربَ الرَّجُلُ في القَدحِ المُفضَّضِ، إذا لم يجعل فاهُ على الفِضّةِ، كالشُّربِ بيدِهِ وفيها الخاتمُ. قال أبو عُمر: اختلَفَ السَّلفُ أيضًا في هذه المسألةِ، على نحوِ اختِلافِ الفُقهاءِ. فرَوَى خُصَيفٌ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ لم يشرَبْ في القَدَحِ المُفضَّضِ، لمّا سمِعَ رسُولَ الله ﷺ ينْهَى عنِ الشُّربِ في آنِيةِ الفِضّةِ والذَّهبِ (١). هكذا قال خُصيفٌ في هذا الحديثِ: لمّا سمِعَ رسُولَ الله ﷺ . وزاد فيه: الذَّهبَ. وقولُهُ: لمّا سمِعَ رسُولَ الله ﷺ . خطأٌ، وصوابُهُ: لمّا سمِعَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عنِ الشُّربِ في آنِيةِ الفِضّةِ والذَّهبِ. ورَوَى ابنُ عونٍ، عنِ ابنِ سِيرِينَ، عن أبي عَمرٍو مولى عائشةَ، قال: أبَتْ عائشةُ أن تُرخِّصَ لنا في تَفضِيضِ الآنِيةِ (٢).

стр. 5409

وعن عِمرانَ بن حُصَينٍ، وأنسِ بن مالكٍ، وطاوُوسٍ، ومحمدِ بن عليِّ بن الحُسينِ، والحَكَم بن عُتَيبةَ، وإبراهيمَ، وحمّادٍ، والحسنِ، وأبي العالِيةِ: أنَّهُم كانوا يشربُونَ في الإناءِ المُفضَّضِ (١). قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ مُتَّخِذَ الآنِيةِ من الفِضّةِ أوِ الذَّهبِ، عليه الزَّكاةُ فيها، إذا بَلغَتْ من وَزْنِها ما تجِبُ فيها الزَّكاةُ، وليسَ ذلك عندَهُم من بابِ الحُلِيِّ المُتَّخذِ لزِينةِ النِّساءِ، ولا من بابِ السَّيفِ المُحلَّى، ولا المُصْحَفِ المُحلَّى في شيءٍ، فقِفْ على هذا الأصلِ، واعلَمْ أنَّ ما أجمعُوا عليه فهُو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه، وبالله التَّوفيقُ (٢).

стр. 5410

نافعٌ، عن إبراهيمَ بن عبدِ الله بن حُنينٍ حديثٌ واحِدٌ وهُو حديثٌ سادِسُ سبعين لنافع مالكٌ (١)، عن نافع، عن إبراهيمَ بن عبدِ الله بن حُنَينٍ، عن أبيه، عن عليٍّ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن لُبسِ القَسِّيِّ، والمُعصفَرِ، وعن تَختُّم الذَّهَبِ، وعن قِراءةِ القُرآنِ في الرُّكُوع (٢). روى هذا الحديثَ عن نافع جماعةٌ، وعن إبراهيمَ بن عبدِ الله بن حُنَينٍ جماعةٌ، وعن عليِّ بن أبي طالِبٍ جماعةٌ، وأكثرُ من رواهُ يقولُ فيه: عن عليِّ: نَهاني (٣) رسُولُ الله ﷺ . وبعضُهُم يقولُ: ولا أقولُ: نَهاكُم. وهُو حديثٌ اختُلِفَ في إسنادِهِ ولفظِهِ على نافع، وعلى إبراهيمَ بن عبدِ الله بن حُنَينٍ اختِلافًا كثِيرًا (٤). وحُنينٌ جدُّ إبراهيمَ هذا، مولى العبّاسِ بن عُبِدِ المُطَّلِبِ. وقيل: مولى عليِّ بن أبي طالِبٍ. وقيل: بل حُنينٌ هذا مولى مثقبٍ، ومثقبٌ (٥) مولى مِسْحَل، ومِسحلٌ مولى شَمّاس، وشَمّاسٌ مولى العبّاسِ.

стр. 5411

والحديثُ الصَّحِيحُ (١) كما رواهُ مالكٌ ومن تابعهُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا بِشرُ بن المُفضَّلِ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ حُنَينٍ مولى عليٍّ، عن عليٍّ، قال: نَهاني رسُولُ الله ﷺ عن أربَع: عن تختُّم الذَّهَبِ، وعن لُبْسِ القَسِّيِّ، وعن قِراءةِ القُرآنِ وأنا راكِعٌ، وعن لُبْسِ المُعْصفَرِ (٢). كذا قال عُبيدُ الله بن عُمر: عن نافع، عنِ ابنِ حُنَينٍ مولى عليٍّ، عن عليٍّ. لم يَقُل فيه: عن أبيه. والصَّوابُ فيه: عن أبيه. وكذلك رواهُ أيُّوبُ (٣). ولم يُقِمهُ (٤) عُبيدُ الله ولا أيُّوبُ. ورواهُ الزُّهرِيُّ، فجوَّد إسنادهُ. حدَّثنا خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جَعْفرِ بن الوَردِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليِّ بن راشِدِ بن زُولان (٥)، قال: حدَّثنا أبو الأسودِ النَّضرُ بن عبدِ الجبّارِ، قال: أخبرنا نافعُ بن يزِيد، عن يُونُسَ بن يزِيدَ، عنِ ابنِ شِهاب، قال:

стр. 5412

حدَّثني إبراهيمُ بن حُنَينٍ، أنَّ أباهُ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ عليَّ بن أبي طالِبٍ يقولُ: نَهاني رسُولُ الله ﷺ عنِ القِراءةِ وأنا راكِعٌ، وعن لُبسِ الذَّهَبِ، والمُعصفَرِ (١). هكذا قال: لُبسُ الذَّهَبِ. وحديثُ نافع يُفسِّرُهُ: أنَّهُ تختُّمُ الذَّهبِ. وليس في هذا الحديثِ عنِ ابنِ شِهابٍ ذِكرُ القَسَّيِّ. وهُو فيه محفُوظٌ. ورواهُ مَعْمرٌ، عنِ ابنِ شِهاب، بإسنابٍ مِثلهُ. وزاد: وعن قِراءةِ القُرآنِ في الرُّكُوع والسُّجُودِ (٢). فزاد: السُّجُودَ. وكذلك قال داودُ بن قيسٍ، عن إبراهيمَ بن عبدِ الله بن حُنينٍ، عن أبيه، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عن عليِّ بن أبي طالِبٍ، قال: نَهاني حِبِّي (٣) ﷺ عن ثلاثٍ، لا أقولُ: ونهى النّاسَ، نهاني عن تختُّم الذَّهَبِ، وعن لُبسِ القَسِّيِّ والمُعصفَرةِ المُفدَّمةِ، وأن أقرَأ (٤) ساجِدًا، ولا (٥) راكِعًا (٦). وكذلك رَوَى ابنُ وَهْبٍ، عن يُونُس، عنِ ابنِ شِهاب، عن إبراهيمَ بن

стр. 5413

عبدِ الله بن حُنَينٍ، عن أبيه، سمِع عليًّا، قال: نَهاني رسُولُ الله ﷺ أن أقرَأ راكِعًا أو ساجِدًا (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن محمدِ بن عَجْلانَ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن عبدِ الله بن حُنينٍ، عن أبيه، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عن عليٍّ، قال: نَهاني رسُولُ الله ﷺ عن خاتم الذَّهَبِ، وعن قِراءةِ القُرآنِ راكِعًا، وعن القَسِّيّةِ، والمُعَصْفَر (٢). هكذا قال ابنُ عَجْلان وداودُ بن قَيْسٍ والضَّحاكُ بن عُثمانَ في هذا الحديثِ: عن إبراهيمَ، عن أبيه، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عن عليٍّ. فزادُوا ذِكرَ ابنِ عبّاس. وفي حديثِ ابنِ شِهاب وغيرِهِ: أنَّ عبدَ الله بن حُنَينٍ سَمِعهُ من عليٍّ. وقد يجُوزُ أن يسمعهُ من ابنِ عبّاسٍ، عن عليٍّ، ثُمَّ يسمعُهُ (٣) من عليٍّ، ويجُوزُ أن يَسْمعَهُ منهُما (٤) معًا. وقد ذَكَرَ عليُّ بن المدِينيّ، عن يحيى بن سعِيدٍ: أَنَّهُ كان يذهبُ إلى أنَّ عبد الله بن حُنَينٍ سَمِعهُ من ابنِ عبّاسٍ، ومن عليٍّ، ويقولُ: كان مجلِسُهُما واحِدًا، وتَحَفَّظاهُ جميعًا؛ حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يزِيدُ بن أبي حبِيبٍ، عن إبراهيمَ بن حُنَينٍ، أنَّ أباهُ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ عليَّ بن أبي طالِبٍ، يقولُ: نَهاني

стр. 5414

رسُولُ الله ﷺ عن خاتم الذَّهبِ، ولبُوسِ القَسِّيِّ والمُعَصفَرِ، وقِراءةِ القُرآنِ وأنا راكِعٌ (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن إبراهيمَ بن عبدِ الله بن حُنَينٍ، عن أبيه، عن عليِّ بن أبي طالِبِ، قال: نَهاني رسُولُ الله ﷺ ، ولا أقولُ: نهاكُم. وذكر مِثلهُ. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا حفصُ بن عُمرَ ومُسلِمُ بن إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن هُبَيرةَ، عن عليٍّ، قال: نَهاني رسُولُ الله ﷺ عن خاتم الذَّهَبِ، وعن القَسِّيِّ، وعن المِيثَرةِ الحمراءِ. قال أبو عُمر: النَّهيُ عن لباسِ الحرِيرِ، وتختُّم الذَّهَبِ، إنَّما قُصِدَ به إلى الرِّجالِ، دُونَ النِّساءِ. وقد أوضَحْنا هذا المعنى فيما تقدَّمَ من حديثِ نافع (٤).

стр. 5415

ولا نعلمُ خِلافًا بين عُلماءِ الأمصارِ، في جَوازِ تختُّم الذَّهَبِ للنِّساءِ، وفي ذلك ما يدُلُّ على أنَّ الخبرَ المروِيَّ من حديثِ ثوبانَ، ومن حديثِ أُختِ حُذيفةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، في نهيِ النِّساءِ عنِ التَّختُّم بالذَّهبِ، إمّا أن يكونَ منسُوخًا بالإجماع وبأخبارِ العُدُولِ في ذلك، على ما قدَّمنا ذِكرهُ في حديثِ نافع، أو يكونَ غيرَ ثابتٍ. فأمّا حديثُ ثوبانَ، فإنَّهُ يروِيهِ يحيى بن أبي كثِيرٍ، قال: حدَّثنا أبو سلّام، عن أبي أسماءَ الرَّحبِيِّ، عن ثوبانَ (١). ولم يسمعهُ يحيى من (٢) أبي سلّام، ولا يصِحُّ. وأمّا حديثُ أُختِ حُذَيفةَ، فيروِيهِ منصُورٌ، عن رِبعِيِّ بن حِراشٍ (٣)، عنِ امرأتِهِ، عن أُختِ حُذَيفةَ، قالت: قامَ رسُولُ الله ﷺ فحمِدَ الله، وأثْنَى عليه، ثُمَّ قال: "يا معشَرَ النِّساءِ، أمَا لكُنَّ في الفِضّةِ ما تَحلَّينهُ، أما إنَّكُنَّ ليسَ منكُنَّ امرأةٌ تَحَلَّى ذَهَبًا تُظهِرُهُ، إلّا عُذِّبت به" (٤). والعُلماءُ على دَفْع هذا الخبرِ؛ لأنَّ امرأةَ رِبعِيٍّ مجهُولةٌ، لا تُعرَفُ بعدالةٍ. وقد تأوَّلهُ بعضُ من يَرى الزَّكاةَ في الحُليِّ، من أجلِ مَنع الزَّكاةِ منهُ، إن مُنِعت، ولو كان ذلك لَذُكِرَ، وهُو تأوِيلٌ بعِيدٌ.

стр. 5416

وقد رَوَى محمدُ بن إسحاقَ، عن يحيى بن عبّادِ بن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن أبيه عن عائشةَ: أنَّ النَّجاشِيَّ أهْدَى إلى النَّبيِّ ﷺ حِليةً فيها خاتَمٌ من ذهَبٍ، فصُّهُ حَبَشِيٌّ (١)، فأخذَهُ رسُولُ الله ﷺ بعُودٍ، أو ببعضِ أصابِعِهِ وإنَّهُ لَمُعرِضٌ عنهُ، فدَعا ابنةَ ابنتِهِ أُمامةَ بنتَ أبي العاصِ، فقال: "تَحَلَّيْ بهذا يا بُنيّةُ" (٢). وعلى هذا النّاسُ (٣)، للنِّساءِ خاصّةً، واللهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ. رَوَى عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن سعِيدِ بن أبي هِندٍ، عن أبي موسى الأشعرِيِّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ أحلَّ لإناثِ أُمَّتِي الحرِيرَ والذَّهبَ، وحَرَّمهما على ذُكُورِها (٤) " (٥). وقد ذكَرْنا هذا الخبَر من طُرُقٍ، في بابِ نافع. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهى عن لُبسِ القَسِّيِّ. فإنَّها ثِيابٌ مُضلَّعةٌ بالحرِيرِ، يُقالُ لها: القَسِّيّةُ، تُنسبُ إلى مَوْضِع يُقالُ لهُ: قَسُّ، ويُقالُ: إنَّها قَرْيةٌ من قُرى مِصرَ، وهِي ثِيابٌ يَلْبسُها أشرافُ (٦) النِّساءِ.

стр. 5417

قال النُّميرِيُّ الشّاعِرُ (١): ولمّا رأت ركبَ النُّميرِيِّ راعَها ... وكُنَّ من أنْ يَلْقينهُ حَذِراتِ فأدنَيْنَ حتّى جاوزَ الرَّكبُ دُونَها ... حِجابًا من القَسِّيِّ والحِبَراتِ (٢) وقد مَضَى القولُ في لباسِ الحرِيرِ، قليلِهِ وكثِرِهِ، وما خالَط الثِّيابَ منهُ، فيما تقدَّم من حديثِ نافع (٣) في هذا الكِتابِ، وقد مضى هنالكَ ما للعُلماءِ في ذلك من الكراهِيةِ لهُ (٤) جُملةً والإباحةِ، وقد مهَّدنا القول وبَسطناهُ بالآثارِ، وأوضحناهُ في تختُّم الذَّهبِ وغيرِهِ، مِمّا يجُوزُ أن يُتَخَتَّمَ (٥) به، في بابِ عبدِ الله بن دِينارٍ (٦)، فتأمَّلهُ تراهُ (٧) هُناك إن شاءَ الله، إلّا أنّا لم نذكُر هُناك شَدَّ الأسنانِ بالذَّهب. وقدِ اختُلِفَ في شَدِّ الأسنانِ بالذَّهبِ، فكرِههُ قومٌ، وأباحَهُ آخرُونَ. حدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الحمِيدِ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ، قال: حدَّثنا الأثرمُ، قال: سمِعتُ أحمدَ بن حَنْبل يُسألُ: هل يُضبِّبُ الرَّجُلُ أسنانَهُ بالذَّهبِ؟ فقال: لا بأسَ بذلك، قد فعلَ ذلك بالذَّهبِ خاصّةً جَماعةٌ من العُلماءِ. وذكَرهُ الأثرمُ، عنِ المُغِيرةِ بن عبدِ الله، وأبي جَمْرةَ (٨) الضُّبعِيِّ، وأبي

стр. 5418

رافِع، وموسى (١) بن طَلْحةَ، وإسماعيلَ بن زيدِ بن ثابتٍ: أنَّهُم شدُّوا أسنانَهُم بالذَّهبِ (٢). وعن إبراهيمَ والحسنِ والزُّهرِيِّ: أنَّهُم لم يَرْوا بذلك بأسًا (٣). قال: وحدَّثني ابنُ الطَّبّاع، قال: رأيتُ شرِيكًا وحفصَ بن غِياثٍ قد شَدّا أسنانَهُما بالذَّهَبِ. قال: وسمِعتُ أحمد بن حَنْبل يُسألُ عن رِجلٍ سقطَتْ ثنِيَّتُهُ، فبانَتْ منهُ، فأخذَها وأعادَها فثَبَتتْ (٤)، فقال: أرجُو ألّا يكونَ به بأسٌ، ولم يَرَها مَيْتةً، وكان يَكْرهُ مُشط العاجِ، ويقولُ: هُو مَيْتةٌ لا يُستَعملُ. وأمّا قِراءةُ القُرآنِ في الرُّكُوع، فمُجتمَعُ أيضًا أنَّهُ (٥) لا يجُوزُ، وقال ﷺ : "أمّا الرُّكُوعُ فعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ، وأمّا السُّجُودُ فاجتهِدُوا فيه في الدُّعاءِ، فقَمِنٌ أن يُستجابَ لكُم" (٦). وأجمعُوا أنَّ الرُّكُوع مَوْضِعُ تعظِيم لله بالتَّسبِيح والتَّقدِيسِ، ونحوِ ذلك من الذِّكرِ، وأنَّهُ ليسَ بمَوْضِع قِراءةٍ. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 5419

شُعَيب، قال (١): أخبرنا عليُّ بن حُجرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن سُحَيم، عن إبراهيمَ بن عبدِ الله بن مَعْبدِ بن عبّاسٍ، عن أبيه، عن عبدِ الله بن عبّاسٍ، قال: كشفَ رسُولُ الله ﷺ السِّترَ، ورأسُهُ معصُوبٌ، في مَرضِهِ الذي مات فيه، فقال: "اللَّهُمَّ هل بلَّغتُ؟ " ثلاث مرّاتٍ "إنَّهُ لم يبقَ من مُبشِّراتِ النُّبُوّةِ إلّا الرُّؤيا الصّالحِةُ، يَراها العبدُ، أو تُرَى لهُ، ألا وإنِّي قد نُهِيتُ عنِ القِراءةِ في الرُّكُوع والسُّجُودِ، فإذا رَكعتُم فعظِّمُوا الرَّبَّ، وإذا سَجَدتُم فاجْتهِدُوا في الدُّعاءِ، فإنَّهُ قَمِنٌ أن يُستجابَ لكُم". واختلَفَ (٢) الفُقهاءُ في تسبِيح الرُّكُوع والسُّجُودِ (٣). فقال ابنُ القاسم، عن مالكٍ: إنَّهُ لم يَعرِف قولَ النّاسِ في الرُّكُوع: سُبحانَ ربِّي العظِيم، وفي السُّجُودِ: سُبحانَ ربِّي الأعلى. وأنكرهُ، ولم يَحُدَّ (٤) في الرُّكُوع والسُّجُودِ دُعاءً مُؤَقَّتًا ولا تَسبِيحًا، وقال: إذا أمكَنَ يديهِ من رُكبَتيهِ في الرُّكُوع، وجَبْهتهُ من الأرضِ في السُّجُودِ، فقد أجزَأ عنهُ (٥). وقال الشّافعيُّ وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُما والثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ وأبو ثَوْرٍ

стр. 5420

وأحمدُ وإسحاقُ: يقولُ في الرُّكُوع: سُبحانَ ربَّي العَظِيم، وفي السُّجُودِ: سُبحانَ ربَّي الأعلى، ثلاثًا (١). وقال الثَّورِيُّ: أُحبُّ (٢) للإمام أن يقولَها خَمسًا في الرُّكُوع والسُّجُودِ، حتّى يُدرِكَ الذي خلفَهُ ثلاثَ تسبِيحاتٍ. ويحتمِلُ أن يكونَ قولُهُ ﷺ : "أمّا الرُّكُوعُ فعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ". يقولُ: سُبحانَ ربِّي العظِيم، فيكونُ حديثُ عُقبةَ مُفسِّرًا لحديثِ ابنِ عبّاسٍ. ويحتمِلُ أن يكونَ بما وقعَ عليه معنى التَّعظِيم، من التَّسبِيح والتَّقدِيسِ، ونحوِ ذلك. والآثارُ في هذا البابِ تحتمِلُ الوَجْهينِ جميعًا، والله أعلمُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يزِيد المُقرِئُ، قال: حدَّثنا موسى بن أيُّوبَ، عن عمَّهِ إياسِ بن عامرٍ الغافِقِيَّ، عن عُقبةَ بن عامرٍ الجُهَنيِّ، أنه قال: لمّا نَزَلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤] قال لنا رسُولُ الله ﷺ : "اجعلُوها في رُكُوعِكُم". فلمّا نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قال لنا: "اجعلُوها في سجُودِكُم" (٣).

стр. 5421

وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر بن داسةَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا حفصُ بن عُمرَ (٢)، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: قلتُ لسُليمانَ، يعني الأعمش: أدعُو في الصَّلاةِ إذا مَرَرتُ بآيةِ تخوُّفٍ؟ فحدَّثني عن سَعْدِ بن عُبَيدةَ، عن مُستَوْرِدٍ، عن صِلةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ: أنَّهُ صلَّى مع رسُولِ الله ﷺ ، فكان يقولُ في رُكُوعِهِ: "سُبحان ربِّي العظِيم"، وفي سُجُودِهِ: "سُبحانَ ربِّي الأعلى". وما مرَّ بآيةِ رَحْمةٍ، إلّا وقفَ عندَها فسألَ، ولا بآيةِ عذابٍ، إلّا وقفَ عندَها فتعوَّذَ. وروى الشَّعبِيُّ، عن صِلةَ بن زُفر، عن حُذيفةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقولُ في رُكُوعِهِ: "سُبحانَ ربِّي العظِيم وبحمدِهِ" ثلاثًا، وفي سُجُودِهِ: "سُبحانَ ربِّي الأعلى وبحمدِهِ" ثلاثًا (٣). وروى نافعُ بن جُبيرِ بن مُطعِم، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٤).

стр. 5422

ورَوَى السَّعدِيُّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (١). قال أبو عُمر: وقد رُوِي عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ كان يقولُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ أنواعًا من الذِّكرِ. منها حديثُ مُطرِّفٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ الله ﷺ يقولُ في رُكُوعِهِ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكةِ والرُّوح" (٢). ومنها حديثُ أبي بَكْرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يدعُو في سُجُودِهِ، يقولُ: "اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ من الكُفرِ، والفَقرِ، وعَذابِ القَبرِ" (٣).

стр. 5423

ومنها حديثُ عَوْفِ بن مالكٍ، أنَّهُ سمِعَ النَّبيَّ ﷺ ، يقولُ في رُكُوعِهِ وفي سُجُودِهِ: "سُبحانَ ذي الجَبرُوتِ والملكُوتِ، والكِبرِياءِ والعَظَمةِ" (١). وهذا كلُّهُ يدُلُّ على أنْ لا تحدِيدَ فيما يُقالُ في الرُّكُوع والسُّجُودِ، من الذِّكرِ والدُّعاءِ، ولكِنَّ أكثرَ الفُقهاءِ في صَلاةِ الفَرِيضةِ، على التَّسبِيحِ بـ "سبِّح اسمَ ربِّكَ العظِيم" ثلاثًا في الرُّكُوع، وبـ "سبِّح (٢) اسمَ ربِّك الأعلى" ثلاثًا في السُّجُودِ، وحَملُوا سائرَ الأحادِيثِ على النّافِلةِ. وأمّا مالكٌ وأصحابُهُ، فالدُّعاءُ أحبُّ إليهم في السُّجُودِ، وتعظِيمُ الله وتحميدهُ في الرُّكُوع، على حديثِ ابنِ عبّاسٍ. وكلُّ ذلك حسنٌ، والحمدُ لله. وأمّا لباسُ المُعَصفَرِ المُفدَّم وغيرِهِ من صِباغ (٣) المُعصفرِ للرِّجالِ، فمُختلفٌ فيه، أجازَهُ قومٌ من أهلِ العِلم، وكَرِههُ آخرُونَ. ولا حُجّةَ معَ من أباحَهُ، إلّا أن يدَّعِيَ أنَّ ذلك خُصوصٌ لعليٍّ، لقولِهِ: نَهاني، ولا أقولُ: نَهَى النّاسَ. وبعضُهُم يقولُ فيه: ولا أقولُ: نَهاكُم. وهذا اللَّفظُ محفُوظٌ في حديثِ عليٍّ هذا من وُجُوهٍ.

стр. 5424

وليسَ دَعوى الخُصُوصِ فيه بشيءٍ؛ لأنَّ الحديثَ في النَّهيِ عنهُ صحِيحٌ من حديثِ عليٍّ وغيرِهِ، والحُجّةُ في سُنّةِ رسُولِ الله ﷺ ، لا فيما خالفها. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا مَخْلَدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عنِ الحسنِ، عن عِمرانَ بن حُصَينٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا أركَبُ الأُرجُوانَ (٢)، ولا ألبسُ المُعصفَرَ، ولا ألبسُ القمِيصَ المُكفَّفَ بالحرِيرِ". قال: وأومَأ الحسنُ إلى جَيْبِ قمِيصِهِ، قال: وقال: "ألا وطِيبُ الرِّجالِ رِيحٌ لا لونَ لهُ، ألا وطِيبُ النِّساءِ لونٌ لا رِيح لهُ". قال سعِيدٌ: أُراهُ قال: إنَّما حملُوا قولَهُ في طِيبِ النِّساءِ، على أنَّها إذا أرادَتْ أن تخرُجَ، وأمّا إذا كانت عند زوجِها، فلْتَطَّيَّب بما شاءَتْ. وحدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينِيِّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عنِ الحسنِ، عن عِمْران بن حُصينٍ، أنَّ نبِيَّ الله ﷺ قال: "لا أركبُ الأُرجُوانَ، ولا ألبَسُ المُعَصفرَ (٣) ولا ألبَسُ القَمِيصَ المُكفَّفَ بالحرِيرِ" (٤).

стр. 5425

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا داودُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، عن شُرَحبِيلُ (١) بن مُسلِم، عن شُفْعةَ السَّمعِيِّ، عن عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ، قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ وعليَّ ثَوْبانِ مُعصفَرانِ، فلمّا رآني قال: "من يحُولُ بَيْني وبين هذه النار (٢)؟ " فقلتُ: يا رسُول الله، ما أصنَعُ بهما؟ قال: "احرِقْهُما" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو الأحوَصِ، قال: حدَّثنا ابنُ بُكَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ، عن خالدِ بن يزِيدَ، عن سعِيدِ بن أبي هِلالٍ، عن عَطاءِ بن أبي رَباح، عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ، أنَّهُ قال: دَخَلتُ يومًا على رسُولِ الله ﷺ وعليَّ ثوبانِ مُعصفَرانِ، فقال لي رسُولُ الله ﷺ : "ما هذانِ الثَّوبانِ؟ " قلتُ: صبَغَتْهُما أُمُّ عبدِ الله. فقال رسُولُ الله ﷺ : "أقسَمتُ عليكَ إلّا رجعتَ فأمَرْتَها أن تُوقِدَ لهما التَّنُّورَ، ثُمَّ تطرحَهُما". قال: فرجَعتُ إليها، ففعَلَتْ (٤). قال أبو عُمر: هذا يحتمِلُ أن يكونَ عُقُوبةً لنَهيِهِ عن ذلك، لئَلّا يعُودَ رجُلٌ إلى لباسِها، وعن الثِّيابَ المُعصفَرةَ. وقولُهُ: "أقسمتُ عليكَ" دليلٌ على أنَّ حَرْقَها ليسَ (٥) بواجِبٍ، ولكِنَّ الكَراهةَ فيها صحِيحةٌ للرِّجالِ خاصّةً.

стр. 5426

وأمّا النِّساءُ، فإنَّ العُلماءَ لا يختلِفُونَ في جَوازِ لباسِهِنَّ المُعصفَرَ المُفدَّمَ، والمُورَّدَ والمُمشَّقَ. وقد رُوِي عن مالكٍ، وبعضِ المدنِيِّين: أنَّهُم كانوا يُرخِّصُونَ للرِّجالِ في لباسِ المُورَّدِ والمُمشَّقِ (١). وقال ابنُ القاسم، عن مالكٍ: أكرَهُ المُعصفر المُفدَّم للرِّجالِ والنِّساءِ أن يُحرِمُوا فيه؛ لأنَّةٌ ينتفِض (٢). قال مالكٌ: وأكرهُهُ أيضًا للرِّجالِ في غيرِ الإحرام. قال أبو عُمر: المُفدَّمُ عندَ أهلِ اللُّغةِ: المُشبَّعُ حُمرةً، والمُورَّدُ دُونهُ في الحُمرةِ، كأَنَّهُ، واللهُ أعلمُ، مأخُوذٌ من لونِ الوَردِ. وأمّا المشقُ (٣) فطِينٌ أحمرُ يُصبغُ به، هُو المغرةُ أو شبهُها، يُقالُ للثَّوبِ المصبُوغ به: مُمشَّقٌ. وقد ذكرَ الضَّحّاكُ بن عُثمان في هذا الحديثِ: المُعصفَرَ المُفدَّمَ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ ومحمدُ بن محمدٍ وأحمدُ بن عبدِ الله، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا يحيى بن المُغِير أبو سَلَمةَ المخزُومِيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، عنِ الضَّحّاكِ، يعني ابن عُثمانَ، عن إبراهيم بن عبدِ الله بن حُنينٍ، عن أبيه، عن عبدِ الله بن عبّاسٍ، عن عليِّ بن أبي طالِبٍ، أنَّهُ قال: نَهاني رسُولُ الله ﷺ ،

стр. 5427

ولا أقولُ: نَهاكُم، عن تختُّم الذَّهَبِ، وعن لُبسِ القَسِّيِّ، وعن لُبسِ المُفدَّم المُعصفَرِ، وعن القِراءةِ راكِعًا (١). قال أبو عُمر: لم يذكُرِ المُفدَّم غيرُ الضَّحّاكِ بن عُثمان هذا (٢)، وليسَ بحُجّةٍ. والذي يَقْتضِيهِ حديثُ عليٍّ، وعبدِ الله بن عَمرٍو، النَّهيُ عن لباسِ كلِّ ثَوْبٍ مُعصفَرٍ للرِّجالِ؛ لأنَّهُ لم يُخصَّ فيه نوعٌ من صِباغِ المُعصفَرِ من نوع، والنَّبيُّ ﷺ إنَّما بُعِثَ مُبيّنًا مُعلِّمًا، فلو كان منهُ نوع تَقْتضِيهِ الإباحةُ، لبيَّنهُ ولم يُهملهُ (٣) ويُشكِلْ (٤) به، لأنَّهُ كان قد أُؤتيَ جَوامِعَ الكلام، ونصحَ لأُمَّتِهِ، وبلَّغهُم، وعلَّمهُم مِمّا عَلَّمهُ الله (٥) ﷺ .

стр. 5428

نافعٌ، عن رجُلٍ من الأنصارِ حديثانِ، وهُما تتِمّةُ ثمانِيةٍ وسبعِينَ حديثًا مالكٌ (١)، عن نافع، أنَّ رجُلًا من الأنصارِ أخبرَهُ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ نَهى أن تُستقبَلَ القِبلةُ لغائطٍ أو بَوْلٍ. هكذا رَوَى هذا الحديثَ يحيى، عن مالكٍ، عن نافع، عن رَجُلٍ منِ الأنصارِ، سمِعَ رسُولَ الله ﷺ . وأمّا سائرُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، فإنَّهُم يقولُون فيه: عن مالكٍ، عن نافع، عن رجُلٍ من الأنصارِ، عن أبيه، سمِعَ رسُولَ الله ﷺ . إلّا أنَّهُ اختُلِفَ عنِ ابنِ بُكيرٍ في ذلك، فرُوِيَ عنهُ كرِوايةِ يحيى، ليس فيها: عن أبيه. ورُوِي عنهُ كما رَوتِ الجماعةُ: عن مالكٍ، عن نافع، عن رجُلٍ من الأنصارِ، عن أبيه (٢). وهُو الصوابُ إن شاءَ الله. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن يحيى المُزنِيُّ، قال: حدَّثنا الشّافعيُّ، قال (٣): أخبرنا مالكٌ، عن نافع، أنَّ رجُلًا من الأنصارِ أخبَرهُ، عن أبيه، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ يَنْهَى أن تُستقبلَ القِبلةُ لغائطٍ أو بَوْلٍ. ورَوَى هذا الحديثَ ابنُ عُليّةَ، عن أيُّوب، عن نافع، عن رجُلٍ من

стр. 5429

الأنصارِ، عن أبيه: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى أن تُستَقبلَ واحِدةٌ من القِبْلتينِ لغائطٍ، أو بَوْلٍ (١). قال أبو عُمر: القِبلتانِ: الكعبةُ، وبيتُ المقدِسِ. وقد مَضَى القولُ في استِقبالِ القِبلةِ واستِدبارِها بالبَولِ والغائطِ، وما للعُلماءِ في ذلك من الأقوالِ، والاعتِلالِ لها، والمذاهِبُ، في بابِ إسحاق بن أبي طَلْحةَ، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 5430

والحديثُ الآخَرُ مالكٌ (١)، عن نافع، عن رَجُلٍ من الأنصارِ، عن سَعْدِ بن مُعاذٍ، أو مُعاذِ بن سَعْدٍ، أنَّهُ أخبَرهُ: أنَّ جارِيةً لكعبِ بن مالكٍ كانت تَرعَى غنمًا بسَلْع، فأُصِيبَتْ منها شاةٌ فأدْرَكَتْها فذَكلتها بحجَرٍ، فسُئلَ رسُولُ الله ﷺ عن ذلك، فقال: "لا بأسَ بها، فكُلُوها". قال أبو عُمر: قد رُوِي هذا الحديثُ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. وليسَ بشيءٍ، وهُو خطأٌ، والصَّوابُ: رِوايةُ مالكٍ، ومن تابَعهُ على هذا الإسنادِ. وأمّا الاختِلافُ فيه عن نافع، فرواهُ مالكٌ كما تَرى، لم يُختَلَف عليه فيه، عن نافع، عن رجُلٍ من الأنصارِ، عن مُعاذِ بن سعدٍ، أو سعدِ بن مُعاذٍ. ورواهُ مُوسى بن عُقبةَ (٢)، وجرِيرُ بن حازِم (٣)، ومحمدُ بن إسحاقَ (٤)، واللَّيثُ بن سعدٍ (٥)؛ كلُّهُم عن نافع، أنَّهُ سمِعَ رجُلًا من الأنصارِ يُحدِّثُ (٦) ابنَ عُمرَ، أنَّ جارِيةً، أو أمةً لكعبِ بن مالكٍ ... الحديثَ.

стр. 5431

ورواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع: أنَّ (١) كعبَ بن مالكٍ سألَ النَّبيَّ ﷺ عن مملُوكةٍ ذبحَتْ شاةً بمَرْوةٍ، فأمَرهُ النَّبيُّ ﷺ بأكْلِها (٢). ورَواهُ يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ (٣)، وصخرُ بن جُوَيرِيَةَ (٤)، جميعًا عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. وهُو وهمٌ عندَ أهلِ العِلم، والحديثُ لنافع، عن رجُلٍ من الأنصارِ، لا عنِ ابنِ عُمرَ، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ. وأمّا قولُهُ: ترعَى غنمًا بسَلْع. فسَلْع موضِعٌ، وإيّاهُ أرادَ الشّاعِر (٥) بقولِهِ: إنَّ بالشِّعبِ إلى (٦) جَنْبَ سَلْعٍ ... لقتِيلًا دمُهُ ما يُطلُّ (٧) وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إجازةُ ذبِيحةِ المرأةِ، وعلى إجازة ذلك جُمهُورُ (٨) العُلماءِ والفُقهاءِ بالحِجازِ والعِراقِ (٩).

стр. 5432

وقد رُوِي عن بعضِهِم: أنَّ ذلك لا يجُوزُ منها، إلّا على حالِ الضَّرُورةِ. وأكثرُهُم يُجِيزُونَ ذلك، وإن لم تكُن ضرُورةً، إذا أحْسَنتِ الذَّبحَ، وكذلك الصَّبِيّ إذا أطاقَ الذَّبحَ وأحْسَنهُ. وهذا كلّهُ قولُ مالكٍ، والشّافعيِّ، وأبي حنِيفةَ، وأصحابِهِم، والثَّورِيِّ، واللَّيثِ بن سعدٍ، والحسنِ بن حيٍّ (١)، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ (٢). ورُوِي ذلك عنِ ابنِ عبّاسٍ، وجابرٍ، وعَطاءٍ (٣)، وطاوُوسٍ، ومجُاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ (٤). وأمّا التَّذكِيةُ بالحَجَرِ فمُجتَمعٌ أيضا عليها، إذا فرَى الأوْداجَ، وأنْهَرَ الدَّمَ. وقد مَضَى القولُ مُستوعبًا فيما يُذكَّى به، وما لا يجُوزُ الذَّكاةُ به، وفيما يُذكَّى من الحَيوانِ الذي قد أدرَكَهُ الموتُ، وما لا يُذكَّى منهُ، وما للعُلماءِ في ذلك كلِّهِ من المذاهِبِ، وتأوِيلُ قولِ الله : ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] مُستوعبًا ذلك كلُّهُ، مُمهَّدًا مُهذَّبًا، في بابِ زيدِ بن أسلم، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا. (٥) وقد مَضَى هُناك حديثُ الشَّعبِيِّ، عن محمدِ بن صفوانَ، أو صيفِيٍّ، قال: اصْطَدتُ أرْنَبينِ فذكَّيتُهُما بمَرْوةٍ، فأتيتُ بهما النَّبيَّ ﷺ ، فأمَرني بأكْلِهِما (٦). وحديثُ عدِيِّ بن حاتِم، قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، أرأيتَ إن أصابَ أحدُنا

стр. 5433

صيدًا وليسَ معهُ سِكِّينٌ، أيذبحُ بالمروة، وبشقِّ العَصا؟ قال: "أنْهِرِ الدَّمَ، أو أنزِلِ الدَّمَ بما شِئتَ، واذكُرِ اسمَ الله" (١). والمروةُ: فلقةُ الحجرِ، لا خِلاف في ذلك. وحديثُ رافِع بن خدِيج، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "ما أنهرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسمُ الله عليه فكُلُوا، ما خَلا السِّنَّ والعظمَ ... " الحديثَ. وقد أجمَعُوا على أنَّ ما مرَّ مُرُورَ الحدِيدِ، ولم يُثْرِدْ (٢)، فجائزٌ الذَّكاةُ به. وأجمعُوا على أنَّ الظُّفر إذا لم يكُن منزُوعًا، وكذلك السِّنُّ، فلا يجُوزُ الذَّكاةُ به؛ لأنَّهُ خَنْقٌ، وهذا أصلُ البابِ، والحمدُ لله. وأولى ما قيلَ به في ذلك عِندنا: ما أخبَرناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: أخبرنا يوسُفُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو العُقيليُّ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن موسى، قال: حدَّثنا حُسينُ بن عيسى، قال: حدَّثنا أصْرَمُ بن حَوْشبٍ الهَمْدانيُّ، عنِ الحَسنِ بن عَطاءٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليِّ بن أبي طالِبٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من لم يُدرِكْ أحدَ الثَّلاثةِ، فلا ذَكاةَ لهُ: أن تَطْرِفَ بعينٍ، أو تَرْكُضَ برِجل، أو تَمْصَعَ بالذَّنَب". وهذا الحديثُ وإن كان إسنادُهُ لا تقُومُ به حُجّةٌ، فإنَّ قولَ جُمهُورِ العُلماءِ بمعناهُ، على ما ذكَرْنا في بابِ زيدِ بن أسلمَ، يُوجِبُ السُّكُونَ إليه. واستدلَّ جَماعةٌ من أهلِ العِلم بهذا الحديثِ، على صِحّةِ ما ذهَبَ إليه فُقهاءُ الأمصارِ. وهُم: مالكٌ، وأبو حنِيفةَ، والشّافعيُّ، والأوزاعِيُّ، والثَّورِيُّ (٣)،

стр. 5434

من جَوازِ أكلِ ما ذُبِح بغيرِ إذنِ مالكِهِ، ورَدُّوا به على من أبَى من أكْلِ ذبِيحةِ السّارِقِ والغاصبِ، إذا ذَبَحا بغيرِ إذنِ المالكِ. ومِمَّن ذهبَ إلى كراهيةِ أكلِ ذَبِيحةِ السّارقِ (١) ومن أشْبَههُ: داودُ، وإسْحاقُ. وتقدَّمهُم إلى ذلك: عِكْرِمةُ (٢). وهذا قولٌ شاذٌّ عندَ أهلِ العِلم، لم يُعرِّج عليه فُقهاءُ الأمْصارِ، لحديثِ نافع هذا. وقد ذكَرَ ابنُ وَهْبٍ في "مُوطَّئهِ" -بإثرِ حديثِ مالكٍ عن نافع هذا- قال ابنُ وَهْبٍ: وأخبَرني أُسامةُ بن زيدٍ اللَّيثيُّ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كَعْبِ بن مالكٍ، عن أبيه: أنَّهُ سألَ رسُولَ الله ﷺ عنها، فلم يَرَ بها بأسًا (٣). ومِمّا يُؤَكِّدُ هذا المذهب: حديثُ عاصِم بن كُليب الجَرْمِيِّ (٤)، عن أبيه، عن رجُلٍ من الأنصارِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ في الشّاةِ التي ذُبِحَتْ بغيرِ إذْنِ ربِّها، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أطْعِمُوها الأُسارَى" (٥). وهُم مِمَّن تجُوزُ عليهمُ الصَّدقةُ بمِثلِها، ولو لم تكُن ذكِيّةً، ما أطْعَمها رسُولُ الله ﷺ .

стр. 5435

نافعٌ، عن سائبةَ مَوْلاةِ عائشةَ حديثٌ واحِدٌ، وهُو حديثٌ تاسِعُ سبعين لنافع مالكٌ (١)، عن نافع، عن سائبةَ، مَوْلاةِ عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهى عن قَتْلِ الجِنّانِ التي في البُيُوتِ، إلّا ذا الطُّفْيَتينِ والأبترَ، فإنَّهُما يَخْطِفانِ البصرَ، ويطرَحانِ ما في بُطُونِ النِّساءِ. هكذا روى هذا الحديثَ يحيى، عن مالكٍ، عن نافع، عن سائبةَ، مُرسلًا، لم يذكُر عائشةَ. وليسَ هذا الحديثُ عندَ القَعْنبِيِّ، ولا عندَ ابنِ بُكَيرٍ، ولا عندَ ابنِ وَهْبٍ، ولا عندَ ابنِ القاسم، لا مُرسلًا، ولا غيرَ مُرسلٍ، وهُو معرُوفٌ من حديثِ مالكٍ مُرسلًا، ومن حديثِ نافع أيضًا. وأكثرُ أصحابِ نافع وحُفّاظِهُم، يروُونهُ عن نافع، عن سائبةَ، عن عائشةَ، مُسندًا مُتَّصِلًا. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ نُميرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافع، عن سائبةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن قتلِ الجِنّانِ التي تكونُ في البُيُوتِ، إلّا الأبترَ وذا الطُّفْيتينِ، فإنَّهُما يخطِفانِ البصرَ، ويطرَحانِ ما في بُطُونِ النِّساءِ، فمَنْ تركهُنَّ فليسَ منّا" (٢). ورَوَى المُعتمِرُ بن سُليمانَ، قال: سمِعتُ عُبيد الله بن عُمرَ، عن نافع، عن سائبةَ، عن عائشةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ.

стр. 5436

ورَوَى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ وعبدِ الرَّحمنِ، جميعًا عن نافع، عن سائبةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "اقتُلُوا ذا الطُّفْيتينِ والأبترَ، فإنَّهُما يَطْمِسانِ الأبصارَ (١)، ويقتُلانِ أولادَ النِّساءِ في بُطُونِ أُمَّهاتِهِم، من ترَكهُما فليسَ منّا". قال عبدُ الرَّحمنِ: فقلتُ لنافع: فما ذُو الطُّفْيتينِ؟ قال: ذُو الخَطَّينِ في ظَهْرِهِ (٢). والدَّليلُ على هذا أنَّ الحديثَ عن سائبةَ، عن عائشةَ، مُسندًا، أنَّ هشامَ بن عُروةَ يروِيهِ، عن أبيه، عن عائشةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٣). وقد مَضَى القولُ في قَتْلِ الحيّاتِ، وما للعُلماءِ في ذلك من الأقْوالِ والرِّواياتِ، فيما سلَفَ من حديثِ نافع في هذا الكِتابِ، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا، وباستِعمالِ ما في هذا الحديثِ، تُستعملُ جميعُ الآثارِ على التَّربيبِ الذي ذكَرْنا في ذلك البابِ، واللهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ. وقال النَّضرُ بن شُمَيلٍ: الأبترُ من الحيّاتِ: صِنْفٌ أزرقُ مقطُوعُ الذَّنبِ، لا تنظُرُ إليه حامِل، إلّا ألقَتْ ما في بَطْنِها. وقال المهرِيُّ: الواحِدُ جِنُّ، والاثنانِ والجميعُ (٤): جِنّان، مِثلَ صِنوٍ وصِنوان، للاثنينِ، وللجَميع (٥) صِنوانٌ أيضًا (٦).

стр. 5437

حديثٌ مُوَفِّي ثمانينَ حديثًا لنافع مُرسلٌ، يتَّصِلُ من وُجُوهٍ مالكٌ (١)، عن نافع: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رأى في بعضِ مَغازِيهِ امرأةً مقتُولةً، فأنكَرَ ذلك، ونَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ. هكذا رواهُ يحيى، عن مالكٍ، عن نافع مُرسلًا. وتابَعهُ أكثرُ رُواةِ "المُوطَّأ". ووَصَلهُ عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، مرفُوعًا، جماعةٌ (٢)، منهُم: محمدُ بن المُباركِ الصُّورِيُّ، وعبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ (٣)، (٤) وابنُ المبارَكِ (٥)، ومحمدُ بن الحسنِ الشَّيبانيُّ (٦)، ويحيى بن صالح الوحاظيُّ، وعُثمانُ بن عُمرَ (٧)، وإبراهيمُ بن حمّادٍ (٨). ومن أصحابِ "الموطَّأ": مَعْنُ بن عيسى، وإسحاقُ بن سُليمانَ الرّازِيُّ (٩)،

стр. 5438

والولِيدُ بن مُسلِم (١)، وعتِيقُ بن يعقُوبَ الزُّبيرِيُّ (٢)، وعبدُ الله بن يُوسُف التِّنِّيسِيُّ (٣)، وابنُ بُكيرٍ، وأبو مُصعبٍ الزُّهرِيُّ (٤) (٥). حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الخَضِرِ، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ المدنِيُّ القاسمُ بن عبدِ الله بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا أبو مُصعبٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رأى في بعضِ مَغازِيهِ امرأةً مقتُولةً، فأنكَرَ ذلك، ونَهَى عن قتلِ النِّساءِ والوِلدانِ (٦). وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن الخضِرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال: أخبرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ مرَّ بامرأةٍ مَقْتُولةٍ. فذكر الحديثَ (٧). وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمّادٍ المدنِيُّ الضَّرِيرُ، سنةَ ستٍّ وعِشرِينَ ومئَتينِ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رأى في بعضِ مَغازِيهِ امرأةً مقتُولةً، فأنكَرَ ذلك، ونَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ (٨).

стр. 5439

حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال حدَّثنا مالكُ بن عيسى. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حَمْزةَ الحُسَينيُّ، قال حدَّثنا الطَّحاوِيُّ (١). قالا: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا مالكٌ وغيرُهُ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والصبيانِ. وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنَسٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلْدانِ. وكذلك رواهُ جماعةُ أصحابِ نافع، عن نافع (٢)، عنِ ابنِ عُمر، عنِ النَّبيِّ ﷺ . حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا يزِيدُ بن خالدِ بن مَوْهَبٍ وقُتيبةُ بن سعِيدٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُوسى بن داود الضَّبِّيُّ، قالوا: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ امرأةً وُجِدَتْ في بعضِ مَغازِي رسُولِ الله ﷺ مَقْتُولةً، فأنكَرَ رسُولُ الله ﷺ قتلَ النِّساءِ والوِلْدانِ.

стр. 5440

وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي حازِم، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ امرأةً وُجِدَتْ في بعضِ مَغازِي رسُولِ الله ﷺ مَقْتُولةً، فكرِهَ ذلك، ونَهى عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ (١). قال أبو عُمر: رُوِي عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والصبيانِ في دارِ الحَرْبِ من وُجُوهٍ: منها حديثُ ابنِ عُمرَ هذا. وحديثُ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ (٢). وحديثُ ابنِ عبّاسٍ (٣). وحديثُ عائشةَ. وحديثُ الأسْوَدِ بن سَرِيع. وأجمعَ العُلماءُ على القولِ بجُملةِ هذا الحديثِ، ولا يجُوزُ عندَهُم قَتْلُ نِساءِ الحَرْبِيِّينَ، ولا أطفالِهِم؛ لأنَّهُم ليَسُوا مِمَّن يُقاتِلُ في الأغْلَبِ، والله يقولُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] (٤).

стр. 5441

واختَلَفُوا في النِّساءِ والصِّبيانِ إذا قاتَلُوا. فجُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّهُم إذا قاتَلُوا، قُتِلُوا. ومِمَّن رأى ذلك: الثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ، واللَّيثُ، والشّافعيُّ، وأبو حَنِيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وكلُّ هؤُلاءِ وغيرُهُم ينهونَ عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ إذا لم يُقاتِلُوا، اتِّباعًا للحديثِ، والله أعلمُ. واختلفُوا في طَوائفَ مِمَّن لا يُقاتِلُ، فجُملةُ مذهبِ مالكٍ، وأبي حنِيفةَ، وأصحابِهِما: أَنهُ لا يُقتلُ الأعْمَى، والمعتُوهُ، ولا المُقعدُ، ولا أصحابُ الصَّوامِع، الذين طيَّنُوا البابَ عليهم، ولا يُخالِطُونَ النّاس. قال مالكٌ: وأرَىَ أن يُترَكَ لهم من أموالِهِم ما يعِيشُونَ به، ومن خِيفَ منهُ شيءٌ، قُتِل. وقال الثَّورِيُّ: لا يُقتلُ الشَّيخُ، ولا المرأةُ، ولا المُقعَدُ، ولا الطِّفلُ. وقال الأوزاعِيُّ: لا يُقتلُ الحُرّاثُ، والزُّرّاعُ، ولا الشَّيخُ الكبِيرُ، ولا المجنُونُ، ولا راهِبٌ، ولا امرأةٌ. وقال اللَّيثُ: لا يُقتَلُ الرّاهِبُ في صَوْمعتِهِ، ويُترَكُ لهُ من مالِهِ القُوتُ. وعن الشّافعيِّ قولانِ، أحدُهُما: أَنهُ يُقتَلُ الشَّيخُ، والرّاهِبُ. وهُو عندَهُ أولى القولينِ. وقال الطَّبرِيُّ: يُقتَلُ الأعْمَى، وذُو الزَّمانةِ، والمُقعَدُ، والشَّيخُ الفانِي، والرّاعِي، والحرّاثُ، والسّائحُ، والرّاهِبُ، وكلُّ مُشْرِكٍ، حاشى ما اسْتَثناهُ اللهُ ، على لسانِ رسُولِهِ ﷺ من النِّساءِ، والوِلدانِ، وأصحابِ الصَّوامِع. قال: والمغلُوبُ على عَقلِهِ في حُكم الطِّفلِ. قال: وإنْ قاتَلَ الشَّيخُ، والمرأةُ، والصبِيُّ، قُتِلُوا.

стр. 5442

واحتجَّ بما رواهُ الحجّاجُ، عنِ الحَكَم، عن مِقْسم، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: رأى رسُولُ الله ﷺ امرأةً مقتُولةً، فقال: "من قتلَ هذه؟ ". فقال رجُلٌ: أنا يا رسُولَ الله، نازَعَتْني قائمَ سيفي (١). فسكتَ (٢). وذكَرَ قولَ الضَّحّاكِ بن مُزاحِم، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ، إلّا من سَعَى بالسَّيفِ (٣). وذهَبَ قومٌ من أصحابِ مالكٍ مذهَبَ الطَّبرِيِّ في هذا البابِ، وبه قال سُحنُونٌ. قال أبو عُمر: أحادِيثُ هذا البابِ التي منها نَزَعَ العُلماءُ بما نَزَعُوا، من أقاوِيلِهِمُ التي ذكَرْناها عنهُم. منها ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ (٤). وحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٥). قالا: حدَّثنا أبو الولِيدِ الطَّيالِسِيُّ هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن المُرقِّع بن صيفِيِّ بن رَباح (٦)، قال: حدَّثني أبي، عن جدِّهِ
следующие страницы →