← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5438–5477 · переход к 5443.

стр. 5438

والولِيدُ بن مُسلِم (١)، وعتِيقُ بن يعقُوبَ الزُّبيرِيُّ (٢)، وعبدُ الله بن يُوسُف التِّنِّيسِيُّ (٣)، وابنُ بُكيرٍ، وأبو مُصعبٍ الزُّهرِيُّ (٤) (٥). حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الخَضِرِ، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ المدنِيُّ القاسمُ بن عبدِ الله بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا أبو مُصعبٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رأى في بعضِ مَغازِيهِ امرأةً مقتُولةً، فأنكَرَ ذلك، ونَهَى عن قتلِ النِّساءِ والوِلدانِ (٦). وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن الخضِرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال: أخبرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ مرَّ بامرأةٍ مَقْتُولةٍ. فذكر الحديثَ (٧). وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمّادٍ المدنِيُّ الضَّرِيرُ، سنةَ ستٍّ وعِشرِينَ ومئَتينِ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رأى في بعضِ مَغازِيهِ امرأةً مقتُولةً، فأنكَرَ ذلك، ونَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ (٨).

стр. 5439

حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال حدَّثنا مالكُ بن عيسى. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حَمْزةَ الحُسَينيُّ، قال حدَّثنا الطَّحاوِيُّ (١). قالا: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا مالكٌ وغيرُهُ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والصبيانِ. وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنَسٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلْدانِ. وكذلك رواهُ جماعةُ أصحابِ نافع، عن نافع (٢)، عنِ ابنِ عُمر، عنِ النَّبيِّ ﷺ . حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا يزِيدُ بن خالدِ بن مَوْهَبٍ وقُتيبةُ بن سعِيدٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُوسى بن داود الضَّبِّيُّ، قالوا: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ امرأةً وُجِدَتْ في بعضِ مَغازِي رسُولِ الله ﷺ مَقْتُولةً، فأنكَرَ رسُولُ الله ﷺ قتلَ النِّساءِ والوِلْدانِ.

стр. 5440

وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي حازِم، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ امرأةً وُجِدَتْ في بعضِ مَغازِي رسُولِ الله ﷺ مَقْتُولةً، فكرِهَ ذلك، ونَهى عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ (١). قال أبو عُمر: رُوِي عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والصبيانِ في دارِ الحَرْبِ من وُجُوهٍ: منها حديثُ ابنِ عُمرَ هذا. وحديثُ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ (٢). وحديثُ ابنِ عبّاسٍ (٣). وحديثُ عائشةَ. وحديثُ الأسْوَدِ بن سَرِيع. وأجمعَ العُلماءُ على القولِ بجُملةِ هذا الحديثِ، ولا يجُوزُ عندَهُم قَتْلُ نِساءِ الحَرْبِيِّينَ، ولا أطفالِهِم؛ لأنَّهُم ليَسُوا مِمَّن يُقاتِلُ في الأغْلَبِ، والله يقولُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] (٤).

стр. 5441

واختَلَفُوا في النِّساءِ والصِّبيانِ إذا قاتَلُوا. فجُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّهُم إذا قاتَلُوا، قُتِلُوا. ومِمَّن رأى ذلك: الثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ، واللَّيثُ، والشّافعيُّ، وأبو حَنِيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وكلُّ هؤُلاءِ وغيرُهُم ينهونَ عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ إذا لم يُقاتِلُوا، اتِّباعًا للحديثِ، والله أعلمُ. واختلفُوا في طَوائفَ مِمَّن لا يُقاتِلُ، فجُملةُ مذهبِ مالكٍ، وأبي حنِيفةَ، وأصحابِهِما: أَنهُ لا يُقتلُ الأعْمَى، والمعتُوهُ، ولا المُقعدُ، ولا أصحابُ الصَّوامِع، الذين طيَّنُوا البابَ عليهم، ولا يُخالِطُونَ النّاس. قال مالكٌ: وأرَىَ أن يُترَكَ لهم من أموالِهِم ما يعِيشُونَ به، ومن خِيفَ منهُ شيءٌ، قُتِل. وقال الثَّورِيُّ: لا يُقتلُ الشَّيخُ، ولا المرأةُ، ولا المُقعَدُ، ولا الطِّفلُ. وقال الأوزاعِيُّ: لا يُقتلُ الحُرّاثُ، والزُّرّاعُ، ولا الشَّيخُ الكبِيرُ، ولا المجنُونُ، ولا راهِبٌ، ولا امرأةٌ. وقال اللَّيثُ: لا يُقتَلُ الرّاهِبُ في صَوْمعتِهِ، ويُترَكُ لهُ من مالِهِ القُوتُ. وعن الشّافعيِّ قولانِ، أحدُهُما: أَنهُ يُقتَلُ الشَّيخُ، والرّاهِبُ. وهُو عندَهُ أولى القولينِ. وقال الطَّبرِيُّ: يُقتَلُ الأعْمَى، وذُو الزَّمانةِ، والمُقعَدُ، والشَّيخُ الفانِي، والرّاعِي، والحرّاثُ، والسّائحُ، والرّاهِبُ، وكلُّ مُشْرِكٍ، حاشى ما اسْتَثناهُ اللهُ ، على لسانِ رسُولِهِ ﷺ من النِّساءِ، والوِلدانِ، وأصحابِ الصَّوامِع. قال: والمغلُوبُ على عَقلِهِ في حُكم الطِّفلِ. قال: وإنْ قاتَلَ الشَّيخُ، والمرأةُ، والصبِيُّ، قُتِلُوا.

стр. 5442

واحتجَّ بما رواهُ الحجّاجُ، عنِ الحَكَم، عن مِقْسم، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: رأى رسُولُ الله ﷺ امرأةً مقتُولةً، فقال: "من قتلَ هذه؟ ". فقال رجُلٌ: أنا يا رسُولَ الله، نازَعَتْني قائمَ سيفي (١). فسكتَ (٢). وذكَرَ قولَ الضَّحّاكِ بن مُزاحِم، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ، إلّا من سَعَى بالسَّيفِ (٣). وذهَبَ قومٌ من أصحابِ مالكٍ مذهَبَ الطَّبرِيِّ في هذا البابِ، وبه قال سُحنُونٌ. قال أبو عُمر: أحادِيثُ هذا البابِ التي منها نَزَعَ العُلماءُ بما نَزَعُوا، من أقاوِيلِهِمُ التي ذكَرْناها عنهُم. منها ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ (٤). وحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٥). قالا: حدَّثنا أبو الولِيدِ الطَّيالِسِيُّ هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن المُرقِّع بن صيفِيِّ بن رَباح (٦)، قال: حدَّثني أبي، عن جدِّهِ

стр. 5443

رباحِ بن (١) الرَّبِيع، قال: كُنّا مع رسُولِ الله ﷺ في غَزْوةٍ، فرأى النّاسَ مجُتمِعِينَ على شيءٍ، فبعَثَ رجُلًا، فقال: "انظُر علامَ اجتمَعَ هؤُلاءِ". فجاءَ فقال: امرأةٌ قتيلٌ، فقال: "ما كانت هذه لتُقاتِلَ". قال: وعلى المُقدِّمةِ خالدُ بن الولِيدِ، فبعَثَ رجُلًا فقال: "قُلْ لخالدٍ: لا تَقتُلُوا (٢) امرأة ولا عَسِيفًا (٣) ". ولفظُ الحديثِ وسِياقُهُ لأبي داود، وقال أحمدُ بن زُهَيرٍ في حديثهِ: "الحَقْ خالذا، فقُل لهُ: لا تقتلوا ذرِّيّةً، ولا عسِيفًا". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٤): حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَهدِيّ، عن

стр. 5444

سُفيانَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ المُرقِّع بن صيفيِّ، عن حَنْظلةَ الكاتِبِ، قال: كُنّا معَ رسُولِ الله ﷺ في غَزاةٍ، فمَرْرنا بامرأةٍ مَقْتُولةٍ والنّاسُ مجُتمِعُونَ عليها، ففَرَجُوا لهُ، فقال: "ما كانت هذه تُقاتِلُ، الْحَق خالدًا فقُل لهُ: لا تَقتُل ذرِّيّةً، ولا عَسِيفاً". لم يُخرِّج أبو داودَ هذا الإسنادَ، وخرَّج الأوَّلَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن إسماعيلَ بن أبي حبِيبةَ الأشهلي (١)، عن داودَ بن الحُصينِ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا بعَثَ جُيُوشَهُ قال: "اخرُجُوا باسْم الله، تُقاتِلُونَ في سبِيلِ الله، لا تَغدِرُوا، ولا تُمثِّلُوا، ولا تَقْتُلُوا الوِلدانَ، ولا أصحابَ الصَّوامِع" (٢).

стр. 5445

وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سلمةَ (٢). وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ (٣)، قالا: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرِ بن الزُّبيرِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: لم يُقتَل من نِسائهِم، يعني نِساءَ بني قُرَيظةَ، إلّا امرأةٌ واحِدةٌ، قالت عائشةُ: والله إنَّها لعِندِي تحدَّثُ مَعِي، وتضحكُ ظهرًا وبطنًا ورسُولُ الله ﷺ يَقتُلُ رِجالَهُم بالسُّوق (٤) إذ هتَفَ هاتِفٌ باسْمِها: أينَ فُلانةُ؟ قالت: أنا والله. قلتُ: ويلَكِ، ما لكِ، وما شانُكِ؟ قالت: أُقتلُ. قلتُ: ولِمَ؟ قالت: حدث أحدَثتُهُ. فانطُلِقَ بها، فضُرِبت عُنُقُها. فكانت عائشةُ تقولُ: ما أنَسَى عَجَبِي من طِيبِ نَفسِها، وكَثْرةِ ضَحِكِها، وقد عَرفَتْ أنَّها تُقتَلُ. ولفظُ الحديثِ لحديثِ إبراهيم بن سعدٍ، والمعنى واحِدٌ سواءٌ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 5446

قال (١): حدَّثنا سعِيدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عنِ الحَسنِ، عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "اقتُلُوا شُيُوخَ المُشرِكِينَ، واسْتَحيُوا شَرْخَهُم". قال أبو عُمر: "شرخَهُم"، يعني: غِلْمانَهُم وشُبّانَهُمُ الذين لم يبلُغُوا الحُلُم، ولم يُنبِتُوا. وأجمعُوا أنَّ رسُولَ الله ﷺ قتَلَ دُريدَ بن الصَّمّةِ يوم حُنينٍ (٢)؛ لأنَّهُ كان ذا رأيٍ ومَكِيدةٍ في الحرب. فمن كان هكذا من الشُّيُوخ، قُتِلَ عندَ الجميع، ومن لم يكُن كذلك، فمُختلفٌ في قَتلِهِ من الشُّيُوخ. واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في رَمْيِ الحِصنِ بالمنجنِيقِ إذا كان فيه أطفالُ المُشرِكِينَ، أو أُسارَى مسلِمِينَ (٣). فقال مالكٌ: لا يُرمَى الحِصنُ، ولا تُحرَقُ سَفِينةُ (٤) الكُفّارِ، إذا كان فيها (٥)

стр. 5447

أُسارَى المُسلِمِينَ، لقولِ الله : ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ [الفتح: ٢٥]. قال: وإنَّما صُرِفَ النَّبيُّ ﷺ عنهُم، لما كان فيهم من المُسلِمِينَ، لو تزيَّلَ الكُفّارُ من المُسلِمِينَ، لعذَّبَ الكُفّار. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ، والثَّورِيُّ: لا بألسَ برميِ حُصونِ المُشرِكِينَ، وإن كان فيهم أُسارَى من المُسلِمِينَ وأطفالٌ من المُسلِمِينَ، أوِ المُشرِكِينَ، ولا بأسَ أن يُحرقَ الحِصنُ، ويُقصَدَ به المُشرِكُونَ، فإن أصابُوا واحِدًا من المُسلِمِينَ، فلا دِيةَ ولا كفّارةَ. وقال الثَّورِيُّ: إن أصابُوهُ، ففيه الكفّارةُ، ولا دِيةَ (١). وقال الأوزاعِيُّ: إذا تترَّلسَ الكُفّارُ بأطفالِ المُسلِمِينَ، لم يُرمَوْا، لقولِ الله : ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥]. قال: ولا يُحرَقُ المركبُ فيه أُسارَى من المُسلِمِين. قال: ويُرمَى الحِصْنُ بالمَنْجنِيقِ، وإن كان فيه أُسارَى مُسلِمُونَ، فإن أصابَ أحدًا من المُسلِمِينَ، فهُو خطأٌ، فإن جاؤُوا مُتترِّسِينَ بهم رُمُوا، وقُصِدَ بالرَّميِ العدو. وهُو قولُ اللَّيثِ. وقال الشّافعيُّ: لا بأسَ برَمْيِ الحِصْنِ وفيه أُسارَى وأطفالٌ، ومن أُصيبَ، فلا شيءَ فيه. وإن تترَّسُوا، ففيه قولانِ، أحدُهُما: يُرْمَونَ، والآخرُ: لا يُرْمَونَ. إلّا أن يكونَ يَقْصدُ المُشْركَ، وُيتوخَّى جُهدَهُ، فإن أصابَ في هذه الحالِ مُسلِمًا، وعلِمَ أنَّهُ مُسلِمٌ، فالدِيةَ (٢) مع الرَّقبةِ، وإن لم يعلمهُ مُسلِمًا، فالرَّقبةُ وحدَها.

стр. 5448

قال أبو عُمر: من سُنّةِ رسُولِ الله ﷺ الغارةُ على المُشرِكِينَ صباحًا وليلًا، وبه عمِلَ الخُلفاءُ الرّاشِدُونَ. ورَوَى جُندُبُ بن مَكيثٍ الجُهَنِىُّ، قال: بعثَ رسُولُ الله ﷺ غالِبَ بن عبدِ الله اللَّيثيَّ، ثُمَّ أحدَ بني خالدِ بن عَوْفٍ في سرِيّةٍ كنتُ فيهم، وأمرَهُ أن يشنَّ (١) الغارةَ على بني المُلوَّح لالكديد. قال: فشَننّا عليهمُ الغارةَ ليلًا (٢). ومعلُومٌ أنَّ الغارةَ يَتلَفُ فيها من دَنا أجلُهُ، مُسلِمًا كان أو مُشرِكًا، وطِفلًا وامرأةً، ولم يَمْنع رسُولَ الله ﷺ قولُ الله : ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ الآيةَ ونهيُهُ عن قتلِ النِّساءِ والوِلدانِ، من الغارةِ. وهذا عِندِي محمُولٌ على أنَّ الغارةَ إنَّما كانت، واللهُ أعلمُ، في حِصْنٍ وبَلَدٍ لا مُسلِمَ فيه في الأغلَبِ. وأمّا الأطفالُ من المُشرِكِينَ في الغار، فقد جاءَ فيهم حديثُ الصعبِ بن جَثّامةَ، وهُو حديث ثابت صحِيحٌ: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن السَّرح، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عنِ الصَّعبِ بن جثّامةَ، أَنَّهُ سألَ رسُولَ الله ﷺ

стр. 5449

عنِ الدّارِ من المُشرِكِينَ، يُبيّتُونَ، فيُصابُ من ذَرارِيهِم ونِسائهِم، فقال رسُولُ الله ﷺ : "هُم منهُم". قال: وكان عَمرُو بن دِينارٍ يقولُ: هُم من آبائهِم. قال الزُّهرِيُّ: نَهى رسُولُ الله ﷺ بعدَ ذلك عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ. قال أبو عُمر: جعلَ الزُّهرِيُّ حديثَ الصَّعبِ بن جثّامةَ منسُوخًا، بنهيِ رسُولِ الله ﷺ عن قَتلِ النِّساءِ والوِلدانِ. وغيرُهُ يجعلُهُ محُكمًا غير منسُوخ، ولكِنَّهُ محصُوصٌ بالغار، وتركِ القَصدِ إلى قَتْلِهِم، فيكونُ النَّهيُ حِينئذٍ يتَوجَّهُ إلى من قصدَ قتلهُم، وأمّا من قصدَ قتلَ آبائهِم، على ما أُمِرَ به من ذلك، فأصابَهُم وهو لا (١) يُرِيدُهُم، فليسَ مِمَّن تُوجَّهُ إليه الخطابُ (٢) بالنَّهيِ عن قتلِهِم، على مِثلِ تِلك الحالِ. ومِن جِهةِ النَّظرِ، لا يجِبُ أن يتَوجَّه النَّهيُ إلّا إلى القاصِدِ؛ لأنَّ الفاعِلَ لا يستحِقُّ اسمَ الفعل حقِيقةً دُونَ مجازٍ، إلّا بالقَصدِ والنّيةِ والإرادةِ، ألا تَرى أنَّهُ لو وجَبَ عليه فِعلُ شيءٍ ففَعلهُ، وهُو لا يُرِيدُهُ، ولا يَنْوِيهِ، ولا يقصدُهُ، ولا يَذكُرُهُ، هل كان ذلك يُجزِئُ عنهُ من فِعلِهِ، أو يُسمَّى فاعِلًا لهُ؟ وهذا أصلٌ جسِيمٌ في الفِقهِ، فافهمهُ. وأمّا قولُهُ ﷺ : "من آبائهِم". فمعناهُ: حُكمُهُم حُكمُ آبائهِم، لا دِيةَ فيهم ولا كفّارةَ، ولا إثمَ فيهم أيضًا، لمن لم (٣) يَقْصِد إلى قَتلِهِم. وأمّا أحكامُ أطفالِ المُشرِكِينَ في الآخِرةِ، فليسَ من هذا البابِ في شيءٍ. وقدِ اختلفَ العُلماءُ في حُكم أطفالِ المُشرِكِين في الآخِرةِ، وقد ذكَرْنا اختِلافَهُم، واختِلافَ الآثارِ في ذلك، في بابِ أبي الزِّنادِ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

стр. 5450

نافعُ بن مالكٍ أبو سُهَيلٍ عمُّ مالكِ بن أنسٍ ﵀ وهُو نافعُ (١) بن مالكِ بن أبي عامرٍ الأصبَحِيُّ. قد ذكَرْنا نَسبَهُ في ذِكرِ نسبِ مالكٍ، في صَدرِ هذا الكِتابِ. وهُو من ثِقاتِ أهلِ المدِينةِ، روى عن أبيه مالكِ بن أبي عامرٍ، والقاسم بن محمدٍ، وعليِّ بن حُسينٍ. ويُقالُ: إنَّهُ رأى ابنَ عُمر، وأنَسَ بن مالكٍ، وسهلَ بن سعدٍ، وروى عنهُم (٢). ورَوَى عنهُ من أهلِ المدِينةِ جماعة، منهُم: مالكٌ، ويحيى بن سعِيدٍ، وعاصِمُ بن عبدِ العزيزِ الأشجعِيُّ، وإسماعيلُ بن جعفرٍ، وأخُوهُ محمدُ بن جعفرٍ، وعبدُ العزيزِ بن أبي حازِم، والدَّراورديُّ. وقد روى عنهُ الزُّهرِيُّ أيضًا، وهَذا غايةٌ في جَلالتِهِ وفضلِهِ (٣). أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا القاضِي أبو عبدِ الله محمدُ بن أحمد بن محمدِ بن عَمْرٍ والمالكِيُّ، قال: حدَّثنا بعضُ أصحابِنا، قال: حدَّثنا جعفرُ بن ياسِين، قال: حدَّثنا حَرْملةُ بن يحيى، قال: سَمِعتُ ابن وَهْب يقولُ: سُئلَ (٤) مالكٌ، فقيل لهُ: ما تقولُ في أبِيكَ؟ قال: كان عمِّي أبو سُهَيل نافع (٥) بن مالكٍ ثِقةً. لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" حديثانِ، أحدُهُما مُسندٌ، والآخرُ موقُوفٌ في "المُوطَّأ"، وهُو مرفُوعٌ من وُجُوهٍ صِحاح.

стр. 5451

حديثٌ أوَّلُ لأبي سُهَيلِ بن مالكٍ مالكٌ (١)، عن عمِّهِ أبي سُهَيل بن مالكٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنَّهُ قال: إذا دخلَ رَمضانُ، فُتِّحت أبوابُ الجنّةِ، وغُلِّقت أبوابُ النّارِ، وصُفِّدتِ الشَّياطينُ. ذكَرنا هذا الحديث هاهُنا لأنَّ مِثلهُ لا يكونُ رأيًا، ولا يُدرَكُ مِثلُهُ إلّا توقِيفًا. وقد رُوِي مرفُوعًا عنِ النَّبيِّ ﷺ من حديثِ أبي سُهَيلٍ هذا وغيرهِ، من رِوايةِ مالكٍ وغيره. ولا أعلمُ أحدًا رفعهُ عن مالكٍ، إلّا معنَ بنَ عِيسى، إن صحَّ عنهُ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن أحمد بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو شُعَيبٍ عبدُ الله بن الحَسَنِ الواشِحِيُّ (٢)، قال: حدَّثنا أبو (٣) موسى الأنصارِيُّ، عن مَعْنٍ، عن مالكٍ، عن أبي سُهَيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا دخلَ رمضانُ، فُتِحَتْ أبوابُ الجِنانِ، وأُغْلِقَتْ أبوابُ النّارِ، وصُفِّدتِ الشَّياطِينُ" (٤). ومعنُ بن عِيسى أوثقُ أصحابِ مالكٍ، أو من أوثقِهِم وأتقنِهِم (٥).

стр. 5452

حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا قالُونُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرِ بن أبي كثيرٍ القارِئُ، عن نافع، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا استهلَّ رمضانُ، فُتِحَت أبوابُ الجنّةِ، وغُلِقَت أبوابُ النّارِ، وصُفِّدتِ الشَّياطِينُ" (١). قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: ونافعٌ هذا، هُو أبو سُهيل بن مالكِ بن أبي عامرٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرتِيُّ، قال: حدَّثنا القَعنبِيُّ عبدُ الله بن مَسْلمةَ (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، يعني: ابن محمدٍ، عن أبي سُهَيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا اسْتَهلَّ رمضانُ، غُلِقَت أبوابُ النّارِ، وفتحَتْ أبوابُ الجنّةِ، وصُفِّدتِ الشَّياطِينُ" (٣). وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبَرنا عليُّ بن حُجْرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا أبو سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا دخلَ شهرُ رمضانَ، فُتِحَت أبوابُ الجنّةِ، وغُلِقَت أبوابُ النّارِ، وصُفِّدتِ الشَّياطِينُ".

стр. 5453

وأمّا رِوايةُ الزُّهرِيِّ لهذا الحديثِ عن أبي سُهَيل: فحدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا إبراهيمُ بن يعقُوبَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبرنا نافعُ بن يزِيدَ، عن عُقَيلٍ، عنِ ابنِ شِهاب، قال: أخبَرني أبو سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا دخلَ رمضانُ، فتّحَتْ أبوابُ الجنّةِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النّارِ، وصُفِّدتِ الشَّياطِينُ". ورواهُ عبدُ الرَّزّاق (٢)، عن مَعْمرٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنِ ابنِ أبي أنَسٍ (٣)، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا دخلَ شَهْرُ رمضانَ، فُتِّحَتْ أبوابُ الجنّةِ (٤)، وغُلِّقَتْ أبوابُ جَهنَّم، وسُلسِلَتِ الشَّياطِينُ". وعندَ مَعْمرٍ فيه إسنادٌ آخرُ عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٥). وقال صالحُ بن كَيْسانَ، عنِ ابنِ شِهاب، قال: حدَّثني نافعُ بن أبي أنسٍ، أنَّ أباهُ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ، يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ . فذكرَ مِثلَ حديثِ مَعْمرٍ حرفًا بحرفٍ (٦).

стр. 5454

وقال شُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ، عنِ الزُّهرِيِّ، قال: حدَّثني ابنُ أبي أنَسٍ مولى التَّيمِيِّين، أنَّ أبا حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ . فذكَرَ مِثلهُ سَواءً (١). وكذلك قال يُونُسُ، عنِ ابنِ شِهاب، عنِ ابنِ أبي أنَسٍ. فذكر مِثلَهُ، ولم يَقُل: مولى التَّيمِيِّينَ (٢). ورَواهُ محمدُ بن إسحاقَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عنِ ابنِ أبي أنسٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٣). ومرّةً قال فيه: من عدِيدِ (٤) بني تيم (٥). ومرّةً لم يقُل ذلك. قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا أنَّ مالك بن أنسٍ وأباهُ وعمَّهُ لَيْسُوا بموالي لبني تَيْم، ولكِنَّهُم حُلفاؤُهُم، وكان الزُّهرِيُّ يجعلُهُم مَوالي لهم، وكان ابنُ إسحاق يقولُ ذلك، وليس بشيءٍ، ومالكٌ أعلَمُ بنَسبِهِ، وهُو صرِيحٌ في أصبَحَ (٦) من حِميَر على ما ذكَرْنا في صَدْرِ هذا الكِتابِ، والله أعلمُ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "فُتِّحَتْ أبوابُ الجنّةِ" فمعناهُ، واللهُ أعلمُ، أنَّ اللهَ يتَجاوزُ فيه للصّائمِين عن ذُنُونوبِهِم، ويُضاعِفُ فيه لهم حَسَناتِهِم، فبذلك تُغلَّقُ عنهُم أبوابُ الجحِيم وأبوابِ جَهنَّم؛ لأنَّ الصَّومَ جُنّةٌ يَسْتجِنُّ بها العَبدُ من النّارِ، وتُفتَّحُ لهم أبوابُ الجنّةِ، لأنَّ أعمالهُم تزكُو فيه لهم، وتُتَقبَّلُ منهُم. هذا مذهبُ من حملَ الحديثَ على الاستِعارر والمجازِ، ومن حملَهُ على

стр. 5455

الحَقِيقةِ، فلا وجهَ لهُ عِندِي، إلّا أن يرُدَّهُ إلى هذا المعنى، وقد جاءَ ذِكْرُ ذلك مُفسَّرًا، في غيرِ مَوْضِع من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله. وأمّا قولُهُ: "وصُفِّدت فيه الشَّياطِينُ" أو "سُلسِلَتْ فيه الشَّياطِينُ"، فمعناهُ عِندِي، واللهُ أعلمُ، أنَّ اللهَ يَعصِمُ فيه المُسلِمِينَ، أو أكثرَهُم في الأغلَبِ من المعاصِي، فلا تخلُصُ إليهم فيه الشَّياطِينُ، كما كانوا يخلُصُونَ إليه منهُم في سائرِ السَّنةِ. وأمّا الصفْدُ، بتخفِيفِ الفاءِ، في كلام العَربِ، فهُو الغُلُّ، فعَلَى هذا سواءٌ قولُه (١): صُفِّدتِ الشَّياطِينُ، أو سُلسِلَتِ الشَّياطِينُ. يُقالُ: صفَّدتُهُ، أُصفِّدُهُ صَفْدًا وصُفُودًا، إذا أوثقتُهُ، والاسمُ الصِّفادُ، والصِّفادُ أيضًا: حَبْلٌ يُوثَقُ به، وهُو الصَّفَدُ أيضًا، والجمعُ أصفادٌ، والصَّفَدُ: الغُلُّ. وفي غيرِ هذا المعنى الصَّفَدُ: العَطاءُ، يُقالُ منهُ: أصْفَدتُ (٢) الرَّجُلَ، إذا أعطيتَهُ مالًا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (٣): حدَّثنا يزِيدُ بن هارُونَ، قال: أخبرنا هشامُ بن أبي هشام، عن محمدِ بن محمدِ بن الأسودِ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أُعطِيَتْ أُمَّتِي خمسَ خِصالٍ في رمضانَ، لم تُعطَهُنَّ أُمّةٌ قبلها: خُلُوفُ فم الصّائم أطيَبُ عندَ الله من

стр. 5456

رِيحِ المِسْكِ. وتَسْتغفِرُ لهمُ الملائكةُ حتّى يُفْطِرُوا. ويُزيِّنُ اللهُ لهم كلَّ يوم جَنَّتهُ، ثُمَّ يقولُ: يُوشِكُ عِبادِيَ الصّائمُونَ أن يُلقُوا عنهُمُ المُؤنةَ والأذَى، ثمَّ يصِيرُونَ إليكِ. وتُصفَّدُ فيه مَرَدةُ الشَّياطِينِ، فلا يخلُصونَ إلى ما كانوا يخلُصُونَ إليه في غيره. ويُغفَرُ لهم آخِرَ ليلةٍ". قيل: يا رسُولَ الله، أهِي ليلةُ القدرِ؟ قال: "لا، ولكِنَّ العامِلَ إنَّما يُوفَّى أجرَهُ، إذا انْقَضَى عملُهُ". قال أبو عُمر: هشامُ بن أبي هشام هذا، هُو هشامُ بن زِياب أبو المِقدام، وفيه ضعفٌ، ولكِنَّهُ محُتَملٌ فيما يَرْوِيهِ من الفضائل (١). وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبرنا بِشرُ بن هِلالٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أتاكُم رَمَضانُ، شهرٌ مُباركٌ، فرَضَ اللهُ عليكُم فيه صِيامَهُ، تُفْتَحُ فيه أبوابُ السَّماءِ، وتُغْلَق فيه أبوابُ الجحِيم، وتُغلُّ فيه مَرَدةُ الشَّياطِينِ، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، من حُرِمَ خيرها، فقد حُرِمَ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا حامِدُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ بن سُليمانَ، عن أيُّوبَ السَّختِيانِيِّ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النَّبيُّ ﷺ وهُو يُبشِّرُ أصحابهُ: "جاءَكُم شَهرٌ مُباركٌ، فرضَ اللهُ عليكُم صِيامَهُ، تُفتَّحُ فيه أبوابُ الجنّةِ، وتُغلَّقُ فيه أبوابُ الجحِيم، وتُغلُّ فيه الشَّياطِينُ، فيه ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، من حُرِم خيرَها، فقد حُرِمَ" (٣).

стр. 5457

أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا محمدُ بن بشّارٍ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عطاءِ بن السّائبِ، عن عَرْفجةَ، قال: كنتُ في بيتٍ فيه عُتبةُ بن فرْقدٍ، فأردتُ أن أُحدِّثَ بحديثٍ، وكان رجُل من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، كأنَّهُ أولى بالحديثِ، فحدَّثَ الرَّجُلُ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "في رمضانَ تُفْتَحُ لهُ أبوابُ الجَنّة، وتُغْلَقُ فيه أبوابُ النّارِ، ويُصفَّدُ فيه كلُّ شَيْطانٍ مرِيدٍ، ويُنادِي فيه مُنادٍ كلَّ ليلةٍ: يا طالِبَ الخيرِ هَلُمَّ، ويا طالِبَ الشَّرِّ أمْسِكْ". قال أبو عُمر: رَوَى هذا الحديثَ سُفيانُ بن عُيينةَ، عن عَطاءِ بن السّائبِ، عن عَرْفجةَ، عن عُتبةَ بن فرْقدٍ، قال: سمِعتُ رسُول الله ﷺ فذكَرَهُ (٣). وهُو عِندهُم خطأٌ، وليسَ الحديثُ لعُتبةَ، إنَّما هُو لرجُل من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ غيرِ عُتبةَ. وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيَبْةَ، قال (٤): حدَّثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن عَطاءِ بن السّائبِ، عن عَرْفجةَ، قال: كنتُ عندَ عُتبةَ بن فرْقدٍ

стр. 5458

وهُو يُحدِّثُنا عن رمضانَ، قال: فدخلَ علينا رجُلٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ فسكتَ عُتبةُ، كأنَّهُ هابَهُ، فلمّا جلسَ، قال لهُ عُتبةُ: يا أبا فُلانٍ، حدِّثنا بما سمِعتَ من رسُولِ الله ﷺ يقولُ في رمضانَ، قال: سمِعتُ رسُول الله ﷺ يقولُ: "تُغْلَقُ (١) فيه أبوابُ النّارِ، وتُفْتَحُ (٢) فيه أبوابُ الجنّةِ، وتُصفَّدُ فيه الشَّياطِينُ، ويُنادِي مُنادٍ كلَّ ليلةٍ: يا باغِيَ الخيرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَّرِّ أقْصِرْ". قال أبو عُمر: هذه الأحادِيثُ كلُّها، تُفسِّرُ حديثَ أبي سُهَيلٍ، على المعنى الذي وصفنا، وهِي كلُّها مُسنَدةٌ. ولهذا ذكَرْنا (٣) هذا الحديث في المُسندِ؛ لأنَّ توقِيفَهُ لا وجهَ لهُ، إذ لا يكونُ مِثلُهُ رأيًا، وبالله التَّوفيقُ. أخبرنا يحيى بن يُوسُفَ (٤)، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ أبو ذرٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عِيسى أبو عيسى التِّرمذِيُّ، قال (٥): حدَّثنا الحُسينُ بن الأسودِ العِجلِيُّ البغدادِيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن آدمَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن صالح، عن أبي بِشْرٍ، عنِ الزُّهرِيِّ، قال: تَسبِيحةٌ في رمضانَ، أفضلُ من ألفِ تَسبِيحةٍ في غيرِهِ (٦).

стр. 5459

حديثٌ ثانٍ لأبي سُهَيل بن مالكٍ مالكٌ (١)، عن عمِّهِ أبي سُهَيل بن مالكٍ، عن أبيه، أَنَّهُ سمِعَ طلحةَ بن عُبيدِ الله، يقولُ: جاءَ رجُلٌ إلى رسُولِ الله ﷺ من أهلِ نَجْدٍ، ثائرُ الرَّأسِ، يُسمَعُ دَوِيُّ صوتهِ، ولا نَفقهُ ما يقولُ، حتّى دَنا، فإذا هُو يَسْألُ عنِ الإسلام، فقال رسُولُ الله ﷺ : "خمسُ صَلواتٍ في اليوم واللَّيلةِ". فقال: هل عليَّ غيرُهُنَّ؟ قال: "لا، إلّا أن تطَّوَّعَ". قال رسُولُ الله ﷺ : "وصِيامُ شَهْرِ رمضانَ". قال: هل عليَّ غيرُهُ؟ قال: "لا، إلّا أن تطَّوَّعَ". قال: وذكَرَ لهُ رسُولُ الله ﷺ الزَّكاةَ، فقال: هل عليَّ (٢) غيرُها؟ قال: "لا، إلّا أن تطَّوَّعَ". فأدبَرَ الرَّجُلُ وهُو يقولُ: والله لا أزِيدُ على هذا ولا أنقُصُ منهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أفلَحَ إنْ صدَقَ". هذا حديثٌ صحِيحٌ، لم يُختَلف في إسنابٍ ولا في مَتنِهِ. إلّا أنَّ إسماعيلَ بن جعفرٍ رواهُ عن أبي سُهَيلٍ نافع بن مالكِ بن أبي عامرٍ، عن أبيه، عن طَلْحةَ بن عُبيدِ الله: أنَّ أعرابِيًّا جاءَ إلى رسُولِ الله ﷺ . فذكَرَ معناهُ سَواءً (٣). قال في آخِرِهِ: "أفلَحَ وأبيه إن صدَقَ" أو"دخلَ الحنّةَ وأبيه إن صدَقَ". وهذه لفظةٌ إن صحَّت، فهي منسُوخةٌ، لنهيِ رسُولِ الله ﷺ عنِ الحلِفِ بالآباءِ، وبغيرِ الله. وقد ذكَرْنا ذلك فيما سلَفَ من كِتابِنا. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال:

стр. 5460

حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ (١) بن شُعَيب، قال (٢): أخبَرنا عليُّ بن حُجْرٍ، قالا جميعًا: أخبرنا إسماعيلُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثني أبو سُهَيلٍ نافعُ بن مالكِ بن أبي عامرٍ، ولم يَنْسُبه في حديثِ علي بن حُجْرٍ (٣)، وإنَّما قال: حدَّثنا أبو سُهيلٍ (٤) عن أبيه (٥)، عن طَلْحةَ بن عُبيدِ الله: أنَّ أعرابِيًّا جاءَ إلى رسُولِ الله ﷺ ثائرَ الرَّأسِ، فقال: يا رسُولَ الله، أخبِرني ماذا فرَضَ اللهُ عليَّ من الصلاةِ؟ قال: "الصَّلواتُ الخَمْسُ، إلّا أن تطَّوَّعَ شيئًا". قال: أخبِرني بما افترضَ اللهُ عليَّ من الصِّيام. قال: "صِيامُ شهرِ رمضانَ، إلّا أن تطَّوَّعَ". قال: أخبِرني بما افترضَ اللهُ عليَّ من الزَّكاةِ. فأخبرَهُ رسُولُ الله ﷺ بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرَمكَ لا أتطوَّعُ شيئًا غيرَهُ، ولا أنتقصُ مِمّا فَرَضَ اللهُ عليَّ شيئًا. فقال رسُولُ الله ﷺ : "أفلَحَ وأبيه إن صدَقَ"، أو: "دخلَ الجنّةَ وأبيه إن صدَقَ". قال أبو عُمر: قد رُوِي عنِ النَّبيِّ ﷺ معنَى حديثِ طَلْحةَ بن عُبيدِ الله هذا، من حديثِ أنَسٍ (٦)، ومن حديثِ ابنِ عبّاسٍ، ومن حديثِ أبي هريرةَ، عنِ

стр. 5461

النَّبيِّ ﷺ بأتمِّ ألفاظٍ، وأكملِ مَعانٍ، وفيها ذِكرُ الحجِّ، وليسَ ذلك في حديثِ طَلْحةَ بن عُبيدِ الله، وسَنذكُرُها بعدُ في هذا البابِ إن شاءَ الله. وقد جاءَ في حديثِ إسماعيل بن جعفرٍ، عن أبي سُهَيلٍ، عن أبيه، عن طَلْحةَ بن عُبيدِ الله، قال: فأخبَرهُ رسُولُ الله ﷺ بشرائع الإسلام. وهذا يَقْتضِي الحجَّ، مع ما في حديثِ طَلْحةَ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: فإذا هُو يَسْألُ عنِ الإسلام، فقال لهُ رسولُ الله ﷺ : "خمسُ صَلَواتٍ". فإنَّ الأحادِيث عنِ النَّبيِّ ﷺ في الإسلام تقتضِي: شهادةَ أن لا إلهَ إلّا الله، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله، والإيمانَ بالله، وملائكتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، ثُمَّ الصَّلواتِ الخمسَ، والزَّكاةَ، وصومَ رمضانَ، والحجَّ. وقد مَضَى ما للعُلماءِ في معنى الإسلام، ومعنى الإيمانِ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن سالم، من هذا الكِتابِ. ومن الأحادِيثِ في ذلك، ما (١) حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن عُثمانَ بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (٢): حدَّثنا عُبَيدُ الله بن موسى، قال: أخبَرنا حَنْظلةُ بن أبي سُفيانَ، عن عِكْرِمةَ بن خالدٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "بُنِي

стр. 5462

الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلّا اللَّه، وأنَّ محمدًا رسُولُ اللَّه، وإقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحجِّ، وصَوْم رمضانَ". وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ، عنِ ابنِ لِهيعةَ وحَيْوةَ بن شُرَيح، عن بكرِ بن عَمرٍو المَعافِرِيِّ، أنَّ بُكَير بن الأشجِّ حدَّثهُ، عن نافع، أنَّ رجُلًا أتَى ابنَ عُمرَ، فقال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، ما حَملكَ (١) على الحجِّ عامًا، وتُقِيمُ عامًا، وتترُكُ (٢) الجِهادَ في سبِيلِ اللَّه، وقد علِمتَ ما رغَّب اللَّهُ فيه؟ فقال: يا ابنَ أخِي، بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ: إيمانٌ باللَّه ورُسُولهِ (٣)، والصَّلواتُ الخمسُ، وصِيامُ رمضانَ، وأداءُ الزَّكاةِ، وحجُّ البيتِ. وذكَرَ تمامَ الحديثِ (٤). وعلى هذا أكثرُ العُلماءِ، أنَّ أعمدةَ الدِّينِ التي بُنِي عليها خَمْسٌ، على ما في خبرِ ابنِ عُمر هذا، إلّا أنَّهُ جاءَ عن حُذيفةَ ﵀ خبرٌ، يُخالِفُ ظاهِرُهُ خبرَ ابنِ عُمرَ هذا في الإسلام؛ رواهُ شُعبةُ وغيرُهُ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلةَ بن زُفَرَ، عن حُذَيفةَ، قال: الإسلامُ ثمانِيةُ أسْهُم: الشَّهادةُ سهمٌ، والصَّلاةُ سَهْمٌ، والزَّكاةُ سهمٌ، وحجُّ البيتِ سَهْمٌ، وصومُ رمضانَ سهمٌ، والجِهادُ سهمٌ، والأمرُ بالمعرُوفِ سهمٌ، والنَّهيُ عنِ المُنكرِ سهمٌ، وقد خابَ من لا سهمَ لهُ (٥). وقد ذكَرْنا فرضَ الجِهادِ، وما يتعيَّنُ منهُ على كلِّ مُكلَّفٍ، وما منهُ فرضٌ

стр. 5463

على الكِفايةِ، وأَنَّهُ لا يَجْرِي مجرَى الصَّلاةِ والصَّوم، في غيرِ هذا المَوْضِع، فلا معنَى لإعادتِهِ هاهُنا (١). وأمّا الأمرُ بالمعرُوفِ، والنَّهيُ عنِ المُنكرِ، فليسَ يجرِي أيضًا مجرَى الخَمْسِ المذكُورةِ في حديثِ ابنِ عُمرَ (٢)، لقولِ اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، ولِقولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيهِ، فعليكَ بخاصّةِ نفسِكَ" (٣). ورُوِيَ عنِ ابنِ مسعُودٍ، وجماعةٍ من الصَّحابةِ والتّابِعِين، ﵏ أنَّهُم كانوا يقولُونَ في تأوِيلِ قولِ اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) الآيةَ. قالوا (٥): إذا اختلفَتِ القُلُوبُ في آخِرِ الزَّمان، وأُلبِس النّاسُ شِيَعًا، وأُذِيقَ

стр. 5464

بعضُهُم بأسَ بعضٍ، وكان الهوى مُتَّبعًا، والشُّحُّ مُطاعًا، وأُعجِبَ كلُّ ذي رأيٍ برأيِه، فحينئذٍ تأوِيلُ هذه الآيةِ (١). وقد قيلَ في تأوِيلِ الآيةِ (٢): ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ من غيرِ أهلِ دِينِكُم، إذا أدَّى الجِزيةَ إليكُم. وهذا الاختِلافُ في تأوِيلِ الآيةِ، يُخرِجُها من أن تجريَ مجرَى الخَمْسِ التي بُنِي الإسْلامُ عليها. وقد رُوِي عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ أعمِدةَ الإسلام ثلاثةٌ: الشَّهادةُ، والصَّلاةُ، وصومُ رمضانَ. حدَّثنا أبو محمدٍ إسماعيلُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عليٍّ ﵀، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ محمدُ بن القاسم بن شعبانَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا أبو رَجاءٍ سعِيدُ (٣) بن حَفْصٍ البُخاريُّ (٤)، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن مالكٍ النُّكرِيُّ (٥)، عن أبي الجَوْزاءِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال حمّادٌ: لا أظُنُّهُ إلّا رَفَعهُ، قال: "عُرَى الإسلام، وقَواعِدُ الدِّينِ ثلاثةٌ بُنِي الإسلامُ عليها، من تركَ منهُنَّ واحِدةً، فهُو حلالُ الدَّم: شَهادةُ أن لا إله إلّا اللَّه، والصَّلاةُ، وصِيامُ رمضانَ". قال ابنُ عبّاس: نجِدُهُ كثِيرَ المالِ ولا يُزكِّي،

стр. 5465

فلا نقولُ لهُ بذلك: كافِرٌ، ولا حَلالٌ دمُهُ، ونَجِدُهُ كثِيرَ المالِ ولا يحُجُّ، فلا نَراهُ بذاك كافِرًا، ولا حلَّ دمُهُ (١). قال أبو عُمر: في حديثِ مالكٍ من الفِقهِ: أنَّهُ لا فرضَ من الصَّلاةِ إلّا الخمسُ الصلوات، في اليوم واللَّيلةِ. وأنَّهُ لا فرضَ من الصِّيام، إلّا صومُ شهرِ رمضانَ. وفيه: أنَّ الزَّكاةَ فرِيضةٌ، على حسبِ سُنَّتها (٢) المعلُومةِ. وقد بيَّنّا ذلك في غيرِ موضِع من كِتابِنا هذا، وفي سائرِ كُتُبِنا. ولم يُذكر في حديثِ مالكٍ: الحجُّ. وقد قال بعضُ من تكلَّمَ في "المُوطَّأ" من أصحابِنا ومن قبلهُ منهُم: إنَّ الحجَّ لم يَكُن حِينئذٍ مُفتَرضًا، وأنَّهُ بعدَ ذلك نزل فرضُهُ. ومن قال هذا القولَ، زعمَ أنَّ فرضَ الحجِّ على منِ استطاعَ السَّبِيلَ إليه، يجِبُ في فورِ الاستِطاعةِ، على حَسَبِ المُمكِنِ. وهذه مسألةٌ ليسَ فيها لمالكٍ جَوابٌ، وقدِ اختلَفَ فيها المالكِيُّونَ: فطائفةٌ منهُم قالت: وُجُوبُ الحجِّ على الفورِ، ولا يجُوزُ تأخِيرُهُ، مع القُدرر عليه. وإلى هذا ذهب بعضُ البغدادِيِّين المُتأخِّرِين من المالكِيِّين، وهُو قولُ داود. وقالت طائفةٌ منهُم: بل ذلك على التَّراخِي. وعلى هذا القولِ أكثرُ المالكِيِّين من أهلِ المغرِبِ، وبعضِ العِراقِيِّينَ منهُم، وإليه ذهبَ أبو عبدِ اللَّه محمدُ بن أحمد بن خُوَيْزمَنْداد البصرِيُّ المالكِيُّ، ولهُ احتجَّ في كِتابِ "الخِلافِ"، وجاءَتِ الرِّوايةُ عن مالكٍ ﵀: أَنَّهُ سُئلَ عنِ المرأةِ تكونُ صَرُورةً (٣) مُسْتطِيعةً على الحجِّ، تَسْتأذِنُ

стр. 5466

زَوْجَها في ذلك، فيأبى أن يأذنَ لها، هل يُجبَرُ على الإذنِ (١) لها؟ قال: نعم ولكِنْ لا يُعجَّلُ عليه، ويُؤَخَّرُ العامَ بعد العام. وهذه الرِّوايةُ عن مالكٍ، تدُلُّ على أنَّ الحجَّ عندَهُ ليسَ على الفَورِ، بل على التَّراخِي، واللَّهُ أعلمُ. واختلَفَ قولُ أبي يُوسُف في هذه المسألةِ، فرُوِي عنهُ: أَنَّهُ على الفَوْرِ. ورُوِي عنهُ: أَنَّهُ في سَعةٍ من تأخِيرِهِ أعوامًا. وهُو قولُ محمدِ بن الحسنِ، والشّافعيِّ. قال الشّافعيُّ (٢): يجُوزُ تأخِيرُ الحجِّ بعدَ الاستِطاعةِ، العامَ بعد العام. ولم يحدَّ. وقال سحنُونٌ، وسُئل عنِ الرَّجُلِ يجِدُ ما يحُجُّ به، فيُؤَخِّرُ ذلك سِنِينَ كثِيرةً، مع قُدْرتهِ على ذلك، هل يُفسَّقُ بتأخِيرِهِ الحجَّ، وتردُّ شهادتُهُ؟ قال: لا يُفسَّقُ، ولا (٣) تُردُّ شهادتُهُ، وإن مَضَى من عُمرِهِ سِتُّونَ سنةً، فإذا زادَ على السِّتِّينَ، فُسِّقَ ورُدَّت شَهادتُهُ. قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا قال: إنَّهُ يُفسَّقُ، وتُردُّ شَهادتُهُ إذا جاوزَ السِّتِّينَ غير سحنُونٍ، وهذا توقِيتٌ لا يجِبُ إلّا بتوقِيفٍ، مِمَّن يجِبُ التَّسلِيمُ لهُ، وكلُّ من قال بالتَّراخِي في هذه المسألةِ، لا يحدُّ في ذلك حدًّا، والحُدُودُ في الشَّرع لا تُؤخَذُ إلّا عمَّن لهُ أن يُشرِّع، واللَّهُ أعلمُ. وكلُّ هؤلاءِ يأبَونَ أن يكونَ الحجُّ على الفورِ، خِلافًا لمن قال ذلك من المُتأخِّرينَ (٤).

стр. 5467

وقدِ اختلَفَ في هذينِ الوَجهينِ أصحابُ مالكٍ وأصحابُ أبي حَنِيفةَ وأصحابُ الشّافعيِّ، إلّا أنَّ جُمهُورَ أصحابِ الشّافعيِّ: أنَّهُ على التَّراخِي. وهُو تحصِيلُ مذهبِهِ. وقال أبو العبّاسِ أحمدُ بن عُمرَ بن سُرَيج (١) محُتجًّا لقولِ الشّافعيِّ ومن تابَعهُ، على أنَّ الحجَّ ليسَ على الفَورِ عندَ الاستِطاعةِ، قال: وَجهُ الأمرِ في ذلك، أنّا وجدنا المُسلِمِينَ في مَشارِقِ الأرضِ ومَغارِبِها، لا يُفسِّقُونَ من تأخَّرَ عامًا، أو عامينِ بعدَ بُلُوغِهِ، مع استِطاعتِهِ على الحجِّ، ولا يُسقِطُونَ شَهادتهُ، ولا يزعُمُونَ أنَّهُ قد تركَ أداءَ الحجِّ في وَقْتِهِ، وأنَّهُ ليسَ كتارِكِ الصَّلاةِ، حتّى خرجَ وَقتُها، فيكونُ قاضِيًا لها بعد خُرُوج وقتِها، ووجَدْنا هذا من شأنِهِم، ليسَ مِمّا يحدُثُ في عَصرٍ دُونَ عصرٍ، فعَلِمنا أنَّ ذلك مِيراثُ الخَلَفِ عنِ السَّلفِ، ووجَدْنا فرائضَ كثِيرةً سَبِيلُها كَسبِيلِ الحجِّ في ذلك، منها: قَضاءُ الصَّوم، والصَّلاةِ، فلم نَرهُم ضيَّقُوا على الحائضِ إذا طَهُرَتْ في قَضاءِ الصلاةِ في أوَّلِ وَقتِها، ولها أن تُؤَخِّرَهُ ما دامَ في وَقتِها سَعةٌ، ولا في قَضاءِ ما عَليها من الصَّوم، ولا على المُسافِرِ إذا انصرفَ من سَفرِهِ، وكلُّهُم لا يُؤمَنُ عليه هَجْمةُ الموتِ، وقالت عائشةُ: إنَّهُ ليكونُ عليَّ الصَّومُ من رمضانَ، فما أقْضِيهِ حتّى يدخُل شَعبانُ (٢). فتبيَّنَ بذلك: أنَّ هذه أُمُورٌ لم يُضيِّقها المُسلِمُونَ، فبطلَ بذلك قولُ من شذَّ فضَيَّقها. ثُمَّ نظَرْنا في أمرِ الحجِّ، إذا أخَّرهُ المرءُ المُدّةَ الطَّوِيلةَ، كَرجُلٍ تركَ أن يحُجَّ خمسِينَ سنةً، وهُو مُستطِيعٌ في ذلك كلِّهِ، فوجَدْنا ذلك مُسْتنكرًا، لا يأمُرُ بذلك

стр. 5468

أحدٌ من أهلِ العِلم، غيرَ أنَّهُ إذا حجَّ بعد المُدّةِ الطَّوِيلةِ، لم يكُن قاضِيًا للحجِّ، كقضاءِ من تركَ الصَّلاةَ حتّى خرجَ وقتُها، فقُلنا: الوَقتُ ممدُودٌ بعدُ، وإن كان قد أخَّرَ تأخِيرًا مُسْتنكرًا، فإذا ماتَ عَلِمنا أنَّهُ قد أخَّر الفرضَ حتّى فاتَ بموتِهِ، وصارَ الموتُ علامةً لتَفرِيطِهِ، حِينَ فاتَ وقتُ حجِّهِ. فإن قال قائلٌ: فمتى يكونُ عاصِيًا؟ وبماذا عَصَى؟ قُلنا: أمّا المَعْصِيةُ، فتأخِيرُهُ الفرضَ حتّى خرجَ وقتُهُ، ويَقعُ عِصْيانُهُ بالحالِ التي عَجزَ فيها عن (١) النُّهُوضِ إلى الحجِّ، وبانَ ذلك بالموتِ، وكذلك قال عُمرُ بن الخطّابِ: من ماتَ ولم يحُجَّ، فليَمُتْ يهُودِيًّا إن شاءَ، أو نصرانِيًّا (٢). فعلَّقَ الوقت بالموتِ، أي: يمُوتُ كما يمُوتُ اليهُودِيُّ والنَّصرانيُّ دُونَ أن يحُجَّ، والنَّصرانِيُّ واليهُودِيُّ يمُوتُ كافِرًا بكُفرِهِ، وهذا يمُوتُ عاصِيًا بتَركِهِ الحجَّ مُسْتطِيعًا لهُ. قال أبو عُمر: الذي عِندِي في ذلك، واللَّهُ أعلمُ: أنَّهُ إذا جازَ لهُ التَّأخِيرُ، وكان مُباحًا لهُ، وهُو مُغَيَّبٌ عنهُ موتُهُ، فلم يَمُت عاصِيًا، إذا كانت نِيَّتُهُ مُنْعقِدةً على أداءِ ما وجَبَ من ذلك عليه، وهُو كمَنْ ماتَ في آخِرِ وقتِ صَلاةٍ، لم يَظُنَّ أنَّهُ يفُوتُهُ كلُّ الوَقْتِ، واللَّه أعلمُ. وقدِ احتجَّ بعضُ النّاسِ لسُحنُونٍ، بما رُوي في الحديثِ المأثُورِ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "مُعترَكُ أُمَّتِي من السِّتِّينَ إلى السَّبعِينَ" (٣). وقلَّ من يُجاوِزُ ذلك.

стр. 5469

وهذا لا حُجّةَ فيه؛ لأنَّهُ كلامٌ خرجَ على الأغلَبِ من أعمارِ أُمَّتِهِ، لو صَحَّ الحديثُ. وفيه: دليلٌ على التَّوسِعةِ إلى السَّبعِينَ، لأنَّهُ من الأغلَبِ أيضًا. ولا يَنْبغِي أن يُقطَع بتَفسِيقِ من صحَّتْ عَدالتُهُ ودِينُهُ وأمانتُهُ، بمِثلِ هذا من التَّأوِيلِ الضَّعِيفِ، وباللَّه التَّوفيقُ. ومِمّا احتجَّ به ابنُ خُوَيْز مَنْداد، في جَوازِ تأخِيرِ الحجِّ، وأنَّهُ ليسَ على الفورِ، حديثُ ضِمام بن ثَعْلبةَ السَّعدِيِّ، من بني سَعدِ بن بكرٍ، قدِمَ على النَّبيِّ ﷺ ، فسألهُ عنِ الإسلام، فذكَرَ الشَّهادةَ، والصَّلاةَ، والزَّكاةَ، وصومَ رمضانَ، والحجَّ، وقال في آخِرِ الحديثِ: هل عليَّ غيرُها؟ قال: "لا إلّا أن تطَّوَّعَ. . . " الحديثَ. على نحوِ ما ذكَرَهُ مالكٌ من حديثِ طلحةَ بن عُبيدِ اللَّه، في الأعرابِيِّ من أهلِ نجدٍ، إلّا أنَّهُ ليسَ في حديثِ مالكٍ ذِكرُ الحجِّ. وقد رَوَى حديثَ ضمام هذا: عبدُ اللَّه بن عبّاسٍ (١)، وأبو هريرةَ، وأنسُ بن مالكٍ، وفيها كلِّها ذِكرُ الحجِّ، وحديثُ أنسٍ أحسَنُها سِياقةً وأتمُّها، ونَحوُهُ حديثُ ابنِ عبّاسٍ. واختُلِفَ في وَقتِ قُدُومِهِ، فقيل: قدِمَ ضِمامُ بن ثَعْلبةَ على رسُولِ اللَّه ﷺ في سنةِ خَمْسٍ. وقيل: في سَنةِ سبع. وقال ابنُ هشام، عن أبي عُبيدةَ في سَنةِ تِسع: سَنةِ وَفدِ أكْثَرِ (٢) العربِ. وذكَرَ ابنُ إسحاق قُدُومَ ضِمام بن ثَعْلبةَ على النَّبيِّ ﷺ ، ولم يذكُرِ العامَ الذي قدِمَ فيه (٣).

стр. 5470

وقال الواقِدِيُّ: قدِمَ ضِمامُ بن ثعلبةَ وافِدُ بني سعدِ بن بكرٍ عامَ الخندقِ، بعدَ انصِرافِ الأحزابِ، فأسلَمَ، فكانَ أوَّلَ من قدِمَ من وفدِ العربِ. ويُقالُ: أوَّلُ من قدِمَ وافِدًا على النَّبيِّ ﷺ بلالُ بن الحارثِ المُزنِيُّ، من وفدِ مُزينةَ. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قِراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرِ بن حربٍ وعُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ البزّارُ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدِ بن إبراهيمَ، عن محمدِ (١) بن إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بن الولِيدِ بن نُوَيفِع (٢) مولى آل الزُّبيرِ (٣)، عن كُرَيبِ مولى ابنِ عبّاسٍ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ ضِمامَ بن ثَعْلبةَ، أخا بني سَعْدِ بن بكرٍ لمّا أَسلمَ، سألَ رسُولَ اللَّه ﷺ عن فرائضِ الإسلام، فعدَّ عليه رسُولُ اللَّه ﷺ الصَّلواتِ الخَمْسَ، فلم يَزِدْ عليهِنَّ، ثُمَّ الزَّكاةَ، ثُمَّ صِيامَ رمضانَ، ثُمَّ حجَّ البيتِ، ثُمَّ أعلَمهُ بما حرَّمَ اللَّهُ عليه، فلمّا فرغَ قال: أشهدُ أن لا إله إلّا اللَّه، وأنَّكَ رسُولُ اللَّه، وسأفعَلُ ما أمرتَني به ولا أزِيدُ ولا أنقُصُ. ثُمَّ ولَّى، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إن يَصْدُقْ يدخلِ الجنّةَ" (٤).

стр. 5471

حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ (١). وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): حدَّثنا أبو بكر بن علي (٣). وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سعِيدِ بن بشِيرٍ (٤)، قال (٥): حدَّثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيلَ، قال: حدَّثنا أبو عُمارةَ حمزةُ بن الحارثِ بن عُمَيرٍ، قال: سمِعتُ أبي يَذْكُرُ عن عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، عن سَعِيدِ بن أبي سَعِيدٍ المقبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: بينما النَّبيُّ ﷺ مع أصحابِهِ، جاءَهُم رَجُلٌ من أهلِ البادِيةِ، فقال: أيَّكُمُ ابنُ عبدِ المُطَّلِبِ؟ قالوا: هذا الأمغرُ المُرتفِقُ. قال: إنِّي سائلُكَ فمُشتَدٌّ عليكَ في المسألةِ، قال: "سَلْ عمّا بدا لك". قال: أنشُدُكَ بربِّ من قبلكَ، وربِّ من بعدِكَ، آللَّهُ أرسلكَ؟ قال: "اللَّهُمَّ نعم". قال: فأنشُدُكَ باللَّه، آللَّه أمركَ أن نُصلِّيَ خمسَ صلواتٍ في كلِّ يوم وليلةٍ؟ قال: "اللَّهُمَّ نعم". قال: أنشُدُكَ باللَّه، آللَّه أمركَ أن تأخُذ من أموالِ أغنِيائنا، فترُدَّهُ على فُقرائنا؟ قال: "اللَّهُمَّ نعم". قال: وأنشُدُكَ باللَّه آللَّهُ أمركَ أن نصُومَ هذا

стр. 5472

الشَّهرَ من اثْنَي عشَرَ شهرًا؟ قال: "اللَّهُمَّ نعم". قال: وأنشُدُكَ باللَّه، آللَّهُ أمركَ أن نحُجَّ هذا البيتَ منِ استطاعَ إليه سبِيلًا؟ قال: "اللَّهُمَّ نعم". قال: فإنِّي آمنتُ وصدَّقتُ، وأنا ضِمامُ بن ثَعْلبةَ. قال أبو عُمر: قولُهُ في هذا الحديثِ: الأمغرُ المُرتفِقُ. يُرِيدُ الأبيض المُتَّكِئَ، والأمغرُ: هُو الذي يشُوبُ بياضَهُ حُمرةٌ. وأصلُ الأمغرِ: الأبيضُ الوَجْهِ والثَّوبِ، وقد يكونُ الأحمرُ، كِنايةً عنِ الأبيضِ، كما قال ﷺ : "بُعِثتُ إلى الأحمرِ والأسودِ" (١). يُرِيدُ الأبيضَ والأسودَ. وفي خَبرِ ضِمام هذا، دليلٌ على أنَّ فرضَ الحجِّ قد كان تقدَّمَ قبلَ وقتِ وِفادتِهِ على النَّبيِّ ﵇، وأنَّ ذلك قد كان اشتهَرَ، وانتشرَ في قَبائلِ العربِ، وظهَرَ ظُهُور الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، التي كان يخرُجُ فيها السُّعاةُ (٢) إليهمْ، ويأخُذُونها منهُم على مِياهِهِم. وكظُهُورِ صوم شهرِ رمضانَ؛ لأنَّهُ على ذلك كلِّهِ وقَفهُ وسألهُ عنهُ، لتقدُّم عِلْم ضِمام بأنَّ ذلك كلَّهُ دِينُهُ الذي بُعِثَ به، وإليه (٣) يدعُو، وأنَّهُ الإسلامُ، ومَعانِيهِ وشرائعُهُ التي كان يُقاتِلُ من أبَى منها. وقد رَوَى هذا الحديثَ أنسُ بن مالكٍ، وعبدُ اللَّه بن عبّاسٍ بأكملِ سِياقِهٍ من حديثِ طَلْحةَ، ومن حديثِ أبي هريرةَ أيضًا. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن

стр. 5473

وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا شبّابةُ، عن سُليمانَ بن المُغِير، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ، قال: كُنّا قد نُهِينا أن نسألَ رسُولَ اللَّه ﷺ ، وكانَ يُعجِبُنا أن يأتيَ الرَّجُلُ من أهلِ البادِيةِ العاقِلُ، فيَسْألهُ ونحنُ نسمعُ، فجاءَهُ رجُل من أهلِ البادِيةِ، فقال: يا محمدُ، أتانا رسُولُكَ، فزعمَ لنا أنَّكَ تزعُمُ، أنَّ اللَّه أرسلكَ. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "صدقَ". فقال: من خلَقَ السَّماواتِ؟ قال: "اللَّه". قال: فمن خلَقَ الأرضَ؟ قال: "اللَّه". قال: فمَنْ نصبَ الجِبالَ؟ قال: "اللَّه". قال: فبالذي خلَقَ السَّماواتِ، وخلقَ الأرضَ، ونصبَ الجِبالَ، آللَّه أرسلكَ؟ قال: "نعم". قال: وزعَمَ رسُولُكَ أنَّ علينا خمسَ صَلَواتٍ في يومِنا وليلتنا (٢). قال: "صدقَ". قال: فبالذي خلقَ السَّماءَ، وخلقَ الأرضَ، ونصبَ الجِبال، آللَّه أمركَ بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعَمَ رسُولُكَ أنَّ علينا صومَ شَهْرٍ في سَنتِنا. قال: "صدقَ". قال: فبالذي خلَقَ السَّماءَ، وخلَقَ الأرضَ، ونصَبَ الجِبالَ، آللَّه أمركَ بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعَمَ رسُولُكَ أنَّ علينا الحجَّ، منِ استطاع إليه سبِيلًا. قال: "صَدَقَ" قال: فبالذي خلَقَ السَّماءَ، وخلقَ الأرضَ، ونصبَ الجِبالَ، آللَّه أمركَ بهذا؟ قال: "نعم". فقال: والذي بعثكَ بالحقِّ، لا أزِيدُ عليها شيئًا، ولا أنقُصُ منها.

стр. 5474

فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إن صدَقَ، دخلَ الجنّةَ". وهذا (١) الحديث حُجّةٌ في إجازةِ العَرْض والقراءةِ على المُحَدِّث. وحدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ، عن عَطاءِ بن السّائبِ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: السَّلامُ عليكَ يا غُلام بني عبدِ المُطَّلِبِ. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "وعليكَ" فقال: إنِّي رجُلٌ من أخْوالِك من بني سَعْدِ بن بكرٍ، وأنا رسُولُ قومِي إليكَ ووافِدُهُم، وأنا سائلُكَ فمُشتدّةٌ مَسْألتِي إيّاكَ، وناشِدُكَ فمُشتدّةٌ مُناشدتِي إيّاكَ. قال: "قُلْ يا أخا بني سَعْدٍ". قال: من خَلقَكَ، وهُو خالِقُ من قَبلكَ، وخالِقُ من بعدَكَ؟ قال: "اللَّه" قال: فنَشدتُكَ بذلك، أهو أرسلكَ؟ قال: "نعم". قال: من خلَقَ السَّماواتِ السَّبعَ، والأرضِينَ السَّبعَ، وأجْرَى بينهُنَّ الرِّزقَ؟ قال: "اللَّه". قال: فأنشُدُكَ بذلك، أهو أرسلَكَ؟ قال: "نعم". قال: وإنّا قد وجَدْنا في كِتابِكَ، وأتَتْنا رُسُلُكَ: أن نُصلِّي في اليوم واللَّيلةِ خمسَ صَلَواتٍ لمواقِيتِها، فأنشُدُكَ بذلك، أهُو أمركَ به؟ قال: "نعم". قال (٣): فإنّا قد وجَدْنا في كِتابِكَ، وأتتنا رُسُلُكَ أن نأخُذَ من حَواشِي أمْوالِنا، فتُردَّ على فُقرائنا، فنَشدتُكَ بذلك، أهو أمركَ بذلك؟ قال: "نعم". قال: ووجَدْنا في كِتابِكَ، وأتتنا رُسُلُكَ، أن نصُومَ شهرًا من السَّنةِ، شهرَ رمضانَ، فنَشدتُكَ بذلك، آللَّه أمركَ به؟ قال: "نعم". ثُمَّ قال: وأمّا الخامِسةُ، يعني الحجَّ، فلستُ أسألُكَ عنها. قال: ثُمَّ قال:

стр. 5475

أما والذي بعثكَ بالحقِّ، لأعمَلَنَّ بها، ولآمُرَنَّ أطاعني من قومِي. ثُمَّ رجَعَ. فضحِكَ رسُولُ اللَّه ﷺ حتّى بدَتْ نَواجِذُهُ، ثُمَّ قال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، لئنْ صدَقَ، ليدخُلنَّ الجنّةَ". قال أبو عُمر: في هذه الأحادِيثِ كلِّها ذِكْرُ الحجِّ، وهِي أحادِيثُ ثابتةٌ حِسانٌ صحِيحةٌ. وقولُهُ في حديثِ ابنِ عبّاس: وأمّا الخامِسةُ، فلا أسألُكَ عنها، يعني الحجَّ. بعد أن جَعلَها خامِسةً، ففيه دليل على أنَّ الإسلامَ، ودِينهُ على خمسةِ أعْمِدةٍ عِندهُ (١)، فمنها الحجُّ. والمعنى في قولِهِ ذلك، أنَّ العربَ كانت تعرِفُ الحجَّ، وتحُجُّ كلَّ عام في الأغْلَبِ، فلم يرَ في ذلك ما يحتاجُ فيه إلى المُناشَدةِ، وكان ذلك مِمّا ترغَبُ فيه العَربُ لأسواقِها، وتَبرُّرِها، وتَحنُّفِها، فلم يحتَجْ في الحجِّ، إلى ما احتاجَ في غيرِهِ من السُّؤالِ والمُناشدةِ، واللَّه أعلمُ. وأظُنُّ سُقُوط ذِكْرِ الحجِّ من حديثِ مالكٍ، حديثِ طَلْحةَ بن عُبيدِ اللَّه، كان على ما في حَدِيثِ ابنِ عبّاسٍ، فلم يذكُرهُ أحدُ رُواتِهِ فيه، واللَّه أعلمُ. ومِن الدَّليلِ على جَوازِ تأخِيرِ الحجِّ: إجماعُ العُلماءِ على تَرْكِ تفسِيقِ القادِرِ على الحجِّ، إذا أخَّرهُ العامَ والعامينِ، ونحوهُما، وأنَّهُ إذا حجَّ بعدَ أعوام من حِينِ اسْتِطاعتِهِ، فقد أدَّى الحَجَّ الواجِب عليه في وَقْتِهِ. وليسَ عندَ الجميع، كمن فاتَتهُ الصَّلاةُ، حتّى خرجَ وَقْتُها، فقَضاها بعدَ خُرُوجِ وقتِها، ولا كمَنْ فاتهُ صِيامُ رمضانَ، لمرَضٍ أو سَفَرٍ فقَضاهُ، ولا عَمّنْ أفسدَ حَجَّهُ، فلزِمهُ قَضاؤُهُ.

стр. 5476

فلمّا أجمعُوا أنَّهُ لا يُقالُ لمن حجَّ (١) بعدَ أعوام، من وقتِ استِطاعتِهِ: أنتَ قاضٍ لما كان وجبَ عليكَ، ولم تأتِ بالحجِّ في (٢) وقتِهِ. عَلِمنا أنَّ وقتَ الحجِّ مُوسَّعٌ فيه، وأنَّهُ على التَّاخِيرِ والتَّراخِي، لا على الفَورِ، وباللَّه التَّوفيقُ. ومِمّا نزعَ به من رآهُ على التَّراخِي، ما ذكَرَ اللَّه في كِتابِهِ من أمرِ الحجِّ، في سُورةِ الحجِّ، وهِي مكِّيّةٌ. ومِن ذلك أيضًا أنَّ قول اللَّه : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ونزلت في عام أُحُدٍ، وذلك سنةَ ثلاثٍ من الِهجْرةِ، ولم يحُجَّ رسُولُ اللَّه ﷺ إلّا سَنةَ عَشْرٍ. فإن قيلَ: إنَّ مَكّةَ كانت ممنُوعةً منهُ، ومن المُسلِمِينَ، قيلَ: قدِ افْتَتحها سنةَ ثمانٍ في رمضانَ، ولم يحُجَّ حَجَّتهُ التي لم يحُجَّ بعد فرْضَ الحجِّ عليه غيرَها، إلّا في سنةِ عَشْرٍ، وأمرَ عتّابِ بن أُسيدٍ إذ ولّاهُ مكّةَ سَنةَ ثمانٍ أن يُقِيم الحجَّ للنّاسِ، وبعَثَ أبا بكرٍ الصَّدِّيق، ﵁، سنةَ تِسْع (٣). فأقامَ للنّاسِ الحجَّ، وحجَّ هُو ﷺ سنةَ عَشْرٍ من الهِجرةِ، فصادَفَ الحجَّ في ذي الحِجّةِ، وأخبَرَ أنَّ الزَّمانَ قدِ اسْتَدارَ كهيئَتِهِ يومَ خلقَ اللَّه السَّماواتِ والأرضَ (٤). وأنَّ الحجَّ في ذي الحِجّةِ إلى يوم القِيامةِ، إبطالًا لما كانتِ العربُ في جاهِلِيَّتِها عليه في تأخِيرِ الحجِّ

стр. 5477

للنَّسيء (١) الذي كانوا يُنسِؤُونهُ (٢) لهُ عامًا بعد عام، فأنزلَ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ الآية [التوبة: ٣٧]. نقلَتْ ذلك كلَّهُ الكافّةُ، لم يختلِفُوا فيه، واستقرَّ الحجُّ من حِجّةِ النَّبيِّ ﷺ في ذي الحِجّةِ إلى يوم القِيامةِ إن شاءَ اللَّه. وأمّا قولُهُ في حديثِ مالكٍ: واللَّه لا أزِيدُ على هذا ولا أنقُصُ منهُ، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أفلَحَ إن صدَقَ". ففيه دليلٌ -واللَّهُ أعلمُ- على أنَّ من أدَّى فرائضَ اللَّه وجبَتْ لهُ الجنّةُ إذا اجتنَبَ محارِمهُ، لأنَّ الفلاحَ مَعناهُ البقاءُ في نعِيم الجنّةِ التي أُكُلُها دائمٌ وظِلُّها، وفاكِهتُها لا مَقْطُوعةٌ ولا ممنُوعةٌ، وعلى أداءِ فرائضِ اللَّه واجتِنابِ محارِمِهِ وعَدَ اللَّه المُؤمِنِين بالجنّةِ، واللَّه لا يُخلِفُ المِيعادَ. كان عُمرُ بن عبدِ العزيزِ ﵀ يقولُ في خُطبتِهِ: ألا إنَّ أفضَلَ الفَضائلِ أداءُ الفرائضِ، واجتِنابُ المَحارِم (٣). وشكا رجُلٌ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ: أنَّهُ لا يَقدِرُ على القِيام باللَّيلِ. فقال لهُ: يا ابن أخِي، لا تَعْصِ اللَّه بالنَّهارِ، تَسْتغنِ عنِ القِيام باللَّيل (٤). وأصلُ الفَلاح في اللُّغةِ: البَقاءُ والدَّوامُ، قال الشّاعِرُ (٥):
следующие страницы →