← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 573–612 · переход к 578.

стр. 573

المِصريِّينَ، إلَّا ابنَ وَهْبٍ فإنَّه قال في الماءِ بقَولِ المدنيِّينَ مِن أصحابِ مالكٍ، وقَولُهم ما حكَاه أبو المُصعَبِ عنهم وعن أهلِ المَدِينَةِ أنَّ الماءَ لا تُفسِدُه النَّجاسَةُ الحالَّةُ فيه (١)، قليلًا كان أو كثيرًا إلَّا أنْ تظْهَرَ فيه النَّجاسَةُ وتُغيِّرَ منه طَعمًا أو رِيحًا أو لَونًا. وكذلك ذكَرَ أحمدُ بنُ المعذَّلِ (٢) أنَّ هذا قولُ مالكِ بنِ أنسٍ في الماء. وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ (٣)، عن ابنِ لَهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، أنَّه سألَ القاسمَ بنَ محمدٍ وسالِمَ بنَ عبدِ اللَّه عن الماءِ الرَّاكدِ الذي لا يجري تموتُ فيه الدَّابَّةُ، أيشرَبُ منه وَيغتسِل ويَغسِلُ منه الثِّيابَ؟ فقالا: انظُرْ بعَينِكَ، فإن رأيتَ ماءً لا يُدنِّسُه ما وقَعَ فيه، فنَرجُو ألّا يكُونَ به بأسٌ. قال: وأخبَرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ قال: كُلُّ ماءٍ فيه فَضلٌ عمَّا يُصيبُه مِن الأذَى، حتى لا يُغيِّرُ ذلك طعمَه ولا لونَه ولا ريحَه، فهو طاهرٌ يُتَوضَّأُ به (٤). قال: وأخبَرني عبدُ الجبَّارِ بنُ عمرَ، عن ربيعَةَ، قال: إذا وقَعتِ المَيتَةُ في البئرِ فلم يتَغيَّرْ طَعمُها ولا لَونُها ولا ريحُها، فلا بَأسَ أنْ يتَوضَّأَ منها وإن رأى فيها المَيتة. قال: وإن تغيَّرت نزَعَ منها قَدْرَ ما يُذهِبُ الرائحةَ عنها (٥). وهو قولُ ابنِ وَهْبٍ. وإلى هذا ذهَب إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، ومحمدُ بنُ بُكيرٍ، وأبو الفَرَجِ، والأبهَرِيُّ، وسائرُ المُنتَحِلينَ لمذهَبِ مالكٍ مِن البَغدادِيِّينَ.

стр. 574

ورُوِيَ هذا المعنى عن عبدِ اللَّه بنِ عبَّاسٍ، وابنِ مسعودٍ، وسعيدِ بنِ المُسيِّب، على اختِلافٍ عنه، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ (١). وهو قولُ الأوزاعِيِّ، والليثِ بنِ سعدٍ، والحسنِ بنِ صالح (٢)، وداودَ بنِ عليٍّ (٣). وهو مذهَبُ أهلِ البصرَةِ أيضًا، وهو الصَّحيحُ في النَّظَرِ وجيِّدِ الأثَرِ. وأمَّا الكُوفيُّونَ، فالنَّجاسَةُ عندَهم تُفسِدُ قليلَ الماءِ وكَثِيرَه إذا حلَّتْ فيه، إلَّا الماءَ المستَبْحِرَ الكثيرَ الذي لا يَقدِرُ آدَمِيٌّ على تَحريكِ جَمِيعِه (٤)؛ قِياسًا على البحرِ الذي قال فيه رسولُ اللَّه ﷺ : "هو الطَّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيتَتُه" (٥). وأمَّا الشَّافعيُّ، فمَذهَبُه في الماءِ نحوُ مَذهَبِ المِصريِّين مِن أصحابِ مالكٍ، وروايَتُهم في ذلك عن مالكٍ أنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسَةِ، ولا يفسِدُ كثيرَه إلَّا ما غلَبَ عليه فغيَّرَ طعمَه أو رائحتَه أو لَونَه (٦). إلَّا أنَّ مالِكًا في هذه الرِّوايَةِ عنه لا يَحُدُّ حدًّا بينَ قليلِ الماءِ الذي تَلحَقُه النَّجاسةُ وبينَ كثيرِه الذي لا تَلحقُه النَّجاسَةُ إلَّا بالغَلَبةِ عليه، إلَّا ما غلَبَ على

стр. 575

النُّفُوسِ أنَّه قليلٌ، وما الأغلبُ عندَ الناسِ أنَّه كثيرٌ. وهذا لا يُضبَطُ؛ لاختلافِ آراءِ الناسِ وما يقعُ في نُفُوسِهم. وأمَّا الشَّافعيُّ (١)، فحدَّ في ذلك حدًّا بينَ القَليلِ والكثيرِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ : "إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم تَلحقْه نجاسةٌ". أو: "لم يَحمِلْ خبَثًا". وهو حديثٌ يَرويه محمدُ بنُ إسحاقَ والوَليدُ بنُ كثيرٍ جميعًا، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبير (٢). وبعضُ رُواةِ الوليدِ بنِ كثيرٍ يقولُ فيه: عنه، عن محمدِ بنِ عبَّادِ بنِ جَعفَرٍ (٣).

стр. 576

ولم يُختلَفْ عن الوليدِ بنِ كثيرٍ أنَّه قال فيه: عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه يَرفَعُه (١). ومحمدُ بنُ إسحاقَ يقوُل فيه: عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه مرفوعًا أيضًا (٢). فالوَليدُ يجعَلُه عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، ومحمدُ بنُ إسحاقَ يجعلُه عن عُبَيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه (٣).

стр. 577

ورواه عاصِمُ بنُ المُنذِرِ، فاختُلِفَ فيه عليه أيضًا؛ فقال حمَّادُ بنُ سلَمَةَ: عاصم بنِ المُنذِرِ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه (١). وقال فيه حمَّادُ بنُ زيدٍ: عن عاصم بنِ المُنذِرِ، عن أبي بكر بنِ عُبيدِ اللَّه، عبدِ اللَّه بنِ عمرَ (٢). وقال حمَّادُ بنُ سلمَةَ فيه: "إذا كان الماءُ قُلَّتَينِ أو ثلاثًا لم يُنجِّسْه شيءٌ" (٣).

стр. 578

وبعضُهم يقولُ فيه: "إذا كان الماءُ قُلَّتَينِ لم يَحمِلِ الخبَثَ". وهذا اللَّفظُ مُحتمِلٌ للتَّأويلِ، ومثلُ هذا الاضطِرابِ في الإسنادِ يُوجِبُ التوقُّفَ عن القولِ بهذا الحدِيثِ، إلَّا أنَّ القُلَّتينِ غيرُ مَعرُوفتينِ، ومحالٌ أنْ يَتَعبَّدَ اللَّهُ عِبادَه بما لا يَعرِفُونه (١).

стр. 579

وأمَّا حَدِيثُ وُلُوغ الكَلبِ في الإناء (١)، وحديثُ النهي عن إدخالِ اليدِ في الإناءِ قبلَ غسلِها لمَنِ انتَبَه مِن نَومِه (٢)، وحديثُ النهي عن البولِ في الماءِ الدَّائم الرَّاكدِ (٣)، فقد عارضَها ما هو أقوَى منها. والأصلُ في الماءِ الطَّهارةُ، فالواجبُ ألَّا يُقضَى بنجاستِه إلَّا بدليلٍ لا تَنازُعَ فيه ولا مَدفَعَ له، ونحنُ نذكُرُ ما نختارُه مِن المذاهبِ في الماءِ هاهُنا، ونذكُرُ معنَى حديثِ وُلُوغ الكَلبِ، وغَسلِ اليدِ في بابِ أبي الزنادِ إن شاءَ اللَّه (٤). قال أبو عُمر: الدَّليلُ على أنَّ الماءَ لا يَفسُدُ إلَّا بما ظهرَ فيه مِن النَّجاسَةِ، أنَّ اللَّهَ سمَّاه طَهُورًا، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. وفي طَهُورٍ مَعنَيان. أحدُهما: أنْ يكونَ طهُورٌ بمَعنَى طاهرٍ، مثلَ صَبُورٍ وصابرٍ، وشكُورٍ وشاكرٍ، وما كان مثلَه. والآخرُ: أنْ يكونَ بمَعنَى فَعُولٍ، مثلَ قتُولٍ وضَرُوبِ، فيكونَ فيه مَعنَى التَّعدِّي والتَّكثِيرِ؛ يدُلُّ على ذلك قولُه : ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً

стр. 580

لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. وقد أجمعتِ الأمَّةُ أنَّ الماءَ مُطهِّر للنَّجاساتِ، وأنَّه ليسَ في ذلك كسائرِ المائِعاتِ الطَّاهِراتِ، فثبَتَ بذلك هذا التأويلُ، وما كانَ طاهِرًا مُطَهِّرًا، استَحالَ أنْ تَلحَقَه النَّجاسَةُ؛ لأنَّه لو لَحِقَته النَّجاسةُ لم يكنْ مُطهِّرًا أبدًا، لأنَّه لا يُطَهِّرُها إلَا بمُمازَجَتِه إيَّاهَا، واختِلاطِه بها، فلو أفسَدَتْه النَّجاسةُ مِن غيرِ أنْ تغلِبَ عليه، وكان حُكمُه حُكمَ سائرِ المائِعاتِ التي تنجُسُ بمُماسَّةِ النَّجاسَةِ لها، لم تَحصلْ لأحدٍ طهارةٌ، ولا استنجَى أَبَدًا. والسُّنَنُ شاهدةٌ لما قُلنا بمِثلِ ما شَهِدَ به النَّظرُ مِن كتابِ اللَّه ، فَمِن ذلك أمرُ رسولِ اللَّه ﷺ أنْ يُصبَّ على بَولِ الأعرابيِّ دَلوٌ مِن ماءٍ، أو ذَنُوبٌ مِن ماءٍ، وهو أصحُّ حديثٍ يُروَى في الماءِ عن النبيِّ ﷺ ، ومعلومٌ أنَّ البَولَ إذا صُبَّ عليه الماءُ مازَجَه، ولكنَّه إذا غلَبَ الماءُ عليه طهَّرَه ولم يَضُرَّه مُمازجةُ البَولِ له. أخبرنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: أخبَرَنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ (١)، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا يونُسُ بنُ يزيدَ، عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثني عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه، أنَّ أبا هريرةَ أخبَرَه أنَّ أعرَابيًّا بال في المسجدِ، فثارَ الناسُ إليه ليَمنَعوه، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "دعُوهُ، وأهْرِيقوا على بَولِهِ ذَنوبًا مِن ماءٍ -أو قال: سَجْلًا مِن ماء- فإنَّما بُعثتُم مُيسِّرين، ولم تُبعَثوا مُعسِّرين" (٢).

стр. 581

وهكذا روَاه شُعيبُ بنُ أبي حَمزَةَ ومحمدُ بنُ الوَليدِ الزُّبيديُّ، عن الزُّهريِّ (١)، كما روَاه يُونُسُ بنُ يزيدَ بإسنادِه. وكذلك رواه النُّعمانُ بنُ راشدٍ بهذا الإسناد (٢). وروَاه ابنُ عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ (٣)، وتابَعَه سفيانُ بنُ حسينٍ علَى هذا الإسنادِ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة (٤).

стр. 582

ورواه محمدُ بنُ أبي حَفصةَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . وكلُّ ذلك صحيحٌ؛ لأنَّه مُمكنٌ أنْ يكونَ الحديثُ عندَ ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ اللَّه وسعيدٍ وأبي سَلمةَ، فحدَّث به مرَّةً عن هذا، ومرَّةً عن هذا، وربَّما جمعَهَم، وهذا موجودٌ لابنِ شِهابٍ، معروفٌ له، كثيرٌ جدًّا (١)، وقد روَى أنسُ بنُ مالكٍ قصَّةَ الأعرابيِّ هذا، وسنذكُرُ طُرُقَ حديثِه في ذلك، في بابِ مُرسَلِ يحيى بنِ سعيدٍ مِن كتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه. ومِن ذلك أيضًا قولُه ﷺ إذ سُئِلَ عن بئرِ بُضَاعةَ فقِيلَ له: إنَّه يُطرَحُ فيها لُحُومُ الكِلابِ والعَذِرةُ وأوساخُ الناسِ. فقال: "الماءُ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ" (٢)؛ يعني:

стр. 583

ما لم يُغيِّرْه أو يَظهَرْ فيه، واللَّهُ أعلمُ؛ لأنَّه قد رُويَ عنه ﷺ : "الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ، إلَّا ما غلَب عليهِ فغيَّرَ طَعمَه أو لَونَه أو رِيحَه" (١). وهذا إجماعٌ في الماءِ المُتغيِّرِ بالنَّجاسةِ، وإذا كان هذا هكذا، فقد زالَ عنه اسمُ الماءِ مُطلقًا. وحدِيثُ بئرِ بُضاعةَ ذكَرَه أبو داودَ (٢) مِن حَديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ ﷺ . وذكرَ أحمدُ بنُ حنبل (٣)، قال: حدَّثنا حُسينُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا الفُضيلُ، يعني ابنَ سُليمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي يحيى، عن أُمِّه، قالت: سمِعتُ سهلَ بنَ سعدٍ السَّاعديَّ يقولُ: سَقَيتُ رسولَ اللَّه ﷺ بيدي مِن بئرِ بُضاعةَ. وذكرَه إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ محمدُ بنُ عُبيدِ اللَّه، قال: حدَّثني حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن محمدِ بنِ أبي يحيَى، عن أُمِّه، قالت: دَخَلْنا

стр. 584

على سَهْلِ بنِ سَعْدٍ في نِسوةٍ، فقال: لو أنِّي سَقَيتُكم مِن بئرِ بُضَاعَةَ لكَرِهتُم ذلك، وقد واللَّه سقَيتُ رسولَ اللَّه ﷺ بيدِي منها (١). ومن ذلك أيضًا قولُه ﷺ إذ سُئلَ عن ماءٍ اغتَسلَتْ منه امرأةٌ من نسائِه وهي جُنُبٌ، فقال: "الماءُ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ". روَاه جماعةٌ عن سِماكٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ منهم شُعبةُ والثَّوري، إلَّا أنَّ جُلَّ أصحابِ شُعبةَ يَروُونَه عنه، عن سِماك، عن عِكرمَةَ مُرسلًا (٢)، ووصلَه عنه محمدُ بنُ بكرٍ (٣)، وقد وصلَه جماعةٌ عن سماك؛ منهم الثوريُّ، وحسبُكَ بالثوريِّ حفظًا وإتقانًا (٤). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن سماكٍ، عن عِكرمَةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ امرأةً مِن أزوَاج النبيِّ ﷺ اغتَسلَتْ مِن جَنابةٍ، فاغتسَل النبيُّ ﷺ وتوضَّأَ مِن فضلِها، وقال: "الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ" (٥).

стр. 585

وهكذا روَاه أبو الأحوصِ وشريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباس مرفُوعًا (١). وكلُّ مَن أرسَل هذا الحديثَ فالثوريُّ أحفظُ منه، والقولُ فيه قولُ الثَّورِيِّ ومَن تابَعه على إسنادِه. وذكَرَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، عن الحِمّانِيِّ، عن شَرِيكٍ، عن المِقدام ابنِ شُريح، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الماءُ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ" (٢). قال: وحدَّثنا عليُّ بنُ المَدينِيِّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن توبَةَ العَنبَرِيِّ، أنَّه سَمِعَ سَلْم بن غياث (٣) يُحدِّثُ عن جدِّه، قال: سأَلتُ أبا هريرةَ قلتُ: إنَّا نَرى الحَوضَ يكونُ فيه السُّؤرُ مِن الماءِ، فيلَغُ فيه الكلبُ، ويشربُ منه الحمارُ، فقال: الماءُ لا يُحرِّمُه شيءٌ (٤).

стр. 586

قال أبو عُمر: حَسبُكَ بجوابِ أبي هريرةَ في هذا البابِ، وهو الذي روَى حديثَ وُلُوغِ الكَلبِ في الإناءِ، وحديثَ غسل اليَدِ قبلَ إدخالِها فيه. ورُويَ عن ابنِ عباسٍ مِن وُجوهٍ، أنَّ الماءَ لا يُنجِّسُه شيءٌ (١). وقال ابنُ عباسٍ: الماءُ يُطهِّرُ ولا يُطَهَّرُ (٢). وقال سعيدُ بنُ المُسيِّب: الماءُ طهُورٌ لكُلِّ ما أصابَ (٣). وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلى وجَماعةٍ مِن التَّابعينَ: الماءُ لا يُنجِّسُه شيءٌ (٤). وروَى شُعبةُ، عن يَزيدَ الرِّشْكِ، عن مُعاذةَ، عن عائشةَ: الماءُ لا يُنجِّسُه شيءٌ (٥). وعن عبدِ اللَّه بن مسعُودٍ، مثلَه (٦).

стр. 587

وروَى حمَّادُ بنُ سلَمَةَ، عن حمادٍ (١)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، في ماءِ الحمَّام يَغتسِلُ فيه الجُنُبُ وغيرُ الطاهِرِ، قال: الماءُ لا يُنجِّسُه شيءٌ (٢). وحمادُ بنُ سلَمَةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] قال: لا يُنجِّسُه شيءٌ (٣). قال داودُ: وسألتُ سعيدَ بنَ المُسيِّب عن الغُدُرِ (٤) التي في الطرقِ تلَغُ فيها الكلابُ، وتبُولُ فيها الدَّوابُّ، أيُتوضَّأُ منها؟ فقال: الماءُ طهُور لا يُنجِّسُه شيءٌ (٥). قال أبو عُمر: هذا يدلُّ على أنَّ ما رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسيِّب في سُؤرِ الهِرِّ أنَّه كَرِهَه، لم يكنْ إلَّا لشيءٍ ظهَرَ في المَاءِ، واللَّهُ أعلمُ. ومعنى قولِه -فيما بالَتْ فيه الدَّوابُّ مِن الماءِ-: إنَّه طهُورٌ. محمُولٌ على أنَّ البولَ لم يَظهَرْ في الماءِ منه طَعمٌ ولا لَونٌ ولا ريحٌ. أخبَرنا يُوسفُ بنُ محمدٍ ومحمدُ بنُ إبراهيمَ (٦)، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ،

стр. 588

قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفريابِيُّ، قال: حدَّثنا دحيمٌ (١)، قال: حدَّثنا الوليدُ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهريِّ، في الغدِيرِ تقَعُ فيه الدَّابَّةُ فتموتُ، قال: الماءُ طَهُورٌ ما لم تُنجِّسِ المَيتةُ طَعمَه أو رِيحَه (٢). وأمَّا ما ذهَب إليه الشَّافعيُّ مِن حديثِ القُلَّتينِ، فمَذهَبٌ ضعيفٌ مِن جِهَةِ النَّظَرِ، غيرُ ثابتٍ في الأثرِ؛ لأنَّه حديث قد تكلَّمَ فيه جماعةٌ مِن أهلِ العِلم بالنقلِ، ولأنَّ القُلتينِ لم يُوقَفْ على حَقِيقةِ مَبلَغِهما في أثرٍ ثابتٍ ولا إجماع، ولو كان ذلك حدًّا لازمًا لوَجَب على العلماءِ البَحثُ عنه ليقِفُوا على حدِّ ما حرَّمَه رسولُ اللَّه ﷺ وما أحَلَّه مِن الماءِ؛ لأنَّه مِن أصلِ دينِهم وفَرضِهم، ولو كان ذلك كذلك ما ضَيَّعُوه، فلقد بحَثُوا عمَّا هو أدقُّ مِن ذلك وألطَفُ، ومحالٌ في العُقولِ أنْ يكونَ مَاءانِ أحدُهما يزيدُ على الآخرِ بقَدَح أو رِطلٍ، والنَّجاسَةُ غيرُ قائمةٍ ولا مَوجودَةٍ في واحدٍ منهما؛ أحدُهما نَجِسٌ، والآخرُ طاهرٌ. وكذلك كلُّ مَن قال بأنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسةِ دونَ كثيرِه وإنْ لم تَظهَرْ فيه ولم تُغيِّرْ شيئًا منه، وحَدَّ في ذلك الماءَ المسْتَبحِرَ بغيرِ أثرٍ يشهدُ له، فقولُه مدفُوعٌ بما ذكَرنا مِن الآثارِ المرفوعَةِ في هذا البابِ، وأقاويلِ علماءِ أهلِ الحجازِ فيه. وأمَّا ما ذهَبَ إليه المِصريُّونَ مِن أصحابِ مالكٍ في أنَّ قليلَ الماءِ يفسُدُ بقليلِ النجاسةِ، مِن غيرِ حدٍّ حَدُّوهُ في ذلك، وما قالُوه مِن أجوبَةِ مَسائلِهم في البئرِ تقعُ فيها المَيتَةُ، مِن استِحبابِ نَزْح بعضِها وتطهِيرِ ما مسَّه ماؤُها، وفي إناءِ الوضوءِ يسقُطُ فيه مثلُ رؤوسِ الإبَرِ من البولِ، وفي سُؤرِ النَّصرانيِّ والمَخمُورِ، وسُؤرِ الدجاجةِ المُخَلَّاةِ (٣)، وغيرِ ذلك مِن مسائلِهم، في هذا البابِ، فذلكَ

стр. 589

كلُّه على التَّنَزُّهِ والاستِحبابِ، هكذا ذكَرَه إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، وهو الصَّوابُ عندَنا، وباللَّه توفيقنا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (١): حدَّثنا الحوطِيُّ، قال: حدَّثنا بَقِيَّةُ، قال: قلتُ للأَوزاعيِّ: جُبٌّ كانَ يُعصرُ فيه العَصيرُ، فلمَّا فرَغُوا بَقِيتْ في أسفَلِه بَقيَّةٌ فصارَتْ خَمرًا، ثم جاءَتِ الأمطارُ فمَلأَتِ الجُبَّ، ما تقولُ في الوُضوءِ منه؟ قال: تجدُ له طَعْمًا أو ريحًا؟ قلتُ: لا. قال: لا بَأسَ بالوُضوءِ منه. حدَّثنا (٢) عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال حدَّثنا أبو عليٍّ عبدُ الصمدِ بنُ أبي سِكِّينةَ الحلبيُّ بحلبَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن أبيه، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ،

стр. 590

قال: قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّا نتوضأُ (١) مِن بئرِ بُضاعةَ، وفيها ما يُنجِي الناسُ (٢) والمحائضُ والجُنبُ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "الماءُ لا ينجِّسُه شيءٌ". وهذا اللفظُ غريبٌ في حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ، ومحفوظٌ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ، لم يأتِ به في حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ غيرُ ابنِ أبي حازم، واللَّهُ أعلمُ. قال قاسمٌ: هو مِن أحسنِ شيءٍ في بئرِ بُضاعةَ. ولمَّا ثبَتَتِ السُّنَّة في الهِرِّ، وهو سبُعٌ يَفتَرسُ ويأكُلُ المَيتَةَ، أنَّه ليسَ بنَجَسٍ، دلَّ ذلك على أنَّ كُلَّ حيٍّ لا نَجاسَةَ فيه، فكانَ الكلبُ والحِمارُ والبغلُ وسائرُ الحَيوانِ كلِّه لا نَجاسَةَ فيه ما دامَ حيًّا، ولا بأسَ بسُؤرِه للوُضوءِ والشُّربِ، حاشَا الخِنزِيرَ المُحرَّمَ العينِ، فإنَّه قد اختُلِفَ فيه، فقِيلَ: إنَّه إذا ماسَّ الماءَ وهو حيٌّ أفسَدَه. وقد قِيل: إنَّ ذلك لا يُفسِدُه على ظاهِرِ حديثِ عمرَ في السِّبَاعِ (٣)، وظاهِرِ قولِه ﷺ : "الماءُ لا يُنَجِّسُه شيءٌ". وهذا هو المَذهَبُ الذي إليه يذهَبُ أكثرُ أصحابِنا، وبه نقولُ. وكذلك الطيرُ كلُّه، لا بأسَ بسُؤرِه، إلَّا أنْ يكونَ في فَمِه أذًى يُغيِّرُ الماءَ؛ اعْتِبارًا بسُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ في الهِرِّ وفي الماءِ أنَّه لا يُنجِّسُه إلَّا ما ظهَر فيه مِن النَّجاسةِ. وقد روَى ابنُ عمرَ أنَّ الكِلابَ كانتْ تُقبِلُ وتُدبِرُ وتبولُ (٤) في مَسجِدِ

стр. 591

رسولِ اللَّه ﷺ فلا يُغسَلُ شيءٌ مِن أثَرِها ولا يُرشُّ (١). وهذا يدُلُّ على أنَّه ليس في حيٍّ نجاسةٌ، واللَّهُ أعلم. وإنَّما النَّجاسةُ في المَيتةِ وفيما ثبَتَت مَعرِفتُه عندَ الناسِ مِن النَّجاساتِ المُجتمَع عليها، والتي قامتِ الدَّلائلُ بنجاستِها؛ كالبولِ والغائطِ والمَذي والخمر. وقد يكونُ مِن المَيتَةِ ما ليسَ بنَجَسٍ، وهو كلُّ شيءٍ ليسَ له دمٌ سائلٌ؛ مثلَ بناتِ وَردانَ (٢)، والزُّنبُورِ (٣)، والعَقرَبِ، والجِعلانِ (٤)، والصَّرّارِ (٥)، والخُنفُساءِ (٦)، وما أشبهَ ذلك، والأصلُ في ذلك حديثُ رسولِ اللَّه ﷺ في الذُّباب. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ (٧)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٨): حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ سعيدٍ، قال:

стр. 592

حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ خالدٍ، عن أبي سَلمَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا وقَعَ الذُّبابُ في إناءِ أحَدِكُم فلْيَمْقُلْه". وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ (١)، قال: حدَّثنا ابنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ (٢)، قال: حدَّثنا الخاريُّ، قال (٣): حدَّثنا قُتيبةُ، قال: حدَّثنا اسماعيلُ بنُ جعفَرٍ، عن عُتبةَ بنِ مسلم، عن عُبيدِ بنِ حُنينٍ مولى بنِي زُريقٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا وَقعَ الذُّبابُ في إناءِ أحدِكُم فليَغمِسْهُ كُلَّه، ثم لِيَطْرَحْه، فإنَّ في أحدِ جَناحَيهِ شِفاءً، وفي الآخَرِ داءً". ورُوِيَ هذا الحديثُ مِن وُجُوهٍ كثيرةٍ عن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ، كلُّها ثابتةٌ، ومعلومٌ أنَّ الذُّبابَ إذا غُمِس في الطَّعام الحارِّ أو الباردِ أنَّ الأغلبَ عليه مع ضَعفِ خَلقِه الموتُ، فلو كان موتُه في الماءِ والطَّعام يُفسِدُه، لم يأمُرْ رسولُ اللَّه ﷺ بغَمْسِه فيه، وإذا لم يَنجُسِ الطَّعامُ بمَوتِه، فليسَ بنَجسٍ على حالٍ ألبَتَّةَ. وحُكْمُ كلِّ ما لا دمَ له حُكمُه؛ مِن أنه لا يُفسِدُ ما مات فيه مِن الطعام، وقد رخَّصَ قومٌ في أكلِ دُودِ التِّينِ، وما في الفُولِ وسائرِ الطَّعام مِن السُّوسِ؛ واستَجازُوا ذلك لعدمِ النَّجاسَةِ فيه. وكَرِهَ أكلَ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ العِلم، وقالوا: لا يُؤكلُ شيءٌ مِن ذلك؛ لأنَّه ليسَ له حَلْقٌ ولبَّةٌ فيُذكَّى، ولا هو مِن صَيدِ الماءِ

стр. 593

فيَحِلَّ بغيرِ الذَّكاةِ (١). واحتجُّوا بقولِ رسولِ اللَّه ﷺ في الذُّبابِ: "فَليَغمِسْه، ثم ليطرَحْه". قالوا: ولو كان أكلُه مُباحًا لم يأمُرْ بطرحِه. وأمَّا القَملَةُ والبُرغُوثُ، فأكثَرُ أصحابِنا يقولون: لا يُؤكلُ طَعامٌ ماتَتْ فيه قملَة أو بُرغوثٌ، لأنَّهما نجِسانِ، وهما مِن الحيوانِ الذي عَيشُه مِن دم الحيوانِ، لا عيشَ لهما غيرُ الدَّم، فهما نَجِسانِ، ولهما دمٌ (٢). وكان سُليمانُ بنُ سالم القاضِي الكِنديُّ، مِن أهلِ إفرِيقِيَّةَ (٣) يقولُ: إن ماتَتِ القَملةُ في الماءِ طُرِحَ ولم يُشرَبْ، وإنْ وقَعتْ في الدَّقيقِ ولم تخرُجْ في الغِربَالِ لم يُؤكَلِ الخُبزُ، وإنْ ماتَتْ في شيءٍ جامدٍ طُرحَتْ وما حَولَها كالفأرَةِ. وقال غيرُه مِن أصحابِنا وغيرِهم: إنَّ القَملَةَ (٤) كالذُّبابِ سواءً. فأمَّا الماءُ، فالأصلُ فيه عندَنا ما ذكَرنا وأوضَحنا في هذا البابِ، وقد عُلِمَ أنَّ الذُّبابَ يعيشُ مِن الدَّم، ويتَناولُ مِن الأقذارِ ما لا تتَناوَلُ القَملَةُ، وفيه مِن الدَّم مثلُ ما في القَملَةِ أو أكثَرُ، وقد حكَمَ فيه رسولُ اللَّه ﷺ بما تقدَّمَ ذكرُنا له (٥). وهذا ما لم يكنْ فيه دمٌ، لأنَّ الحدِيثَ إنَّما يدُلُّ على أنَّ النَّجِسَ مِن الحَيوانِ ما له دمٌ سائِلٌ، وكذلكَ قال إبراهيمُ: ما ليسَ له نَفْسٌ سائِلَةٌ فليسَ بنَجسٍ (٦). يعني بالنَّفسِ: الدَّمَ.

стр. 594

أيُّوبُ السَّخْتِيانيُّ، بصْريٌّ هو أيوّبُ بن أبي تميمةَ (١)، واسم أبي تميمةَ كَيْسانُ، وهو من سَبْي كابُل، مولًى لِعَنَزَةَ، وقيل: بل (٢) هو مولى لعمّار بنِ شدّاد، مولى المُغيرةِ، ثم انتمُوا إلى بني طُهيّة. وأيوبُ يُكْنى أبا بكر، وكان يبيع الجُلودَ بالبصرة؛ ولذلك قيلَ له: السَّخْتيانيّ (٣). وهو أحدُ أئمّة الجماعةِ في الحديث والأمانةِ والاستقامةِ. وكان من عُبّاد العلماءِ، وحُفّاظِهم وخِيارِهم. ذكر البخاريُّ، عن أبي داودَ (٤)، عن شُعبةَ، قال: ما رأيتُ مثلَ هؤلاءِ قطُّ: أيوبَ، ويونسَ، وابنِ عونٍ. أخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المُفسِّر (٥)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ

стр. 595

عليِّ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو السائبِ سلْمُ بنُ جُنادةَ (١)، قال: حدَّثنا حفصُ بن غياثٍ، قال: سمِعتُ هشامَ بنَ عُروةَ يقولُ: ما قدِمَ علينا أحدٌ من أهل العراقِ أفضلَ من أيوبَ السَّخْتيانيِّ، ومن ذلك الرُّؤاسي -يعني: مِسْعرًا- لأنه كان كبيرَ الرأسِ. وأخبرَنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ يحيى (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ بحْرٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارون، قال: حدَّثنا العبّاسُ بنُ الوليدِ النَّرْسيُّ، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، عن الجعدِ أبي عثمانَ، عن الحسَنِ، قال: أيوبُ سيِّدُ شبابِ أهلِ البصْرةِ (٣). قال موسى بنُ هارونَ: وسمعْتُ العبّاس بنَ الوليدِ يقولُ: ما كان في زمنِ هؤلاءِ الأربعةِ مثلُهم؛ أيوبُ، وابنُ عونٍ، ويونسُ، والتَّيْمي، وما كان في الزَّمن الذي قبلَهم مثلُ هؤلاءِ الأربعةِ؛ الحسَنُ، وابنُ سيرينَ، وبكرٌ، ومُطرِّفٌ. وكان ابن سِيرينَ إذا حدَّثه أيوبُ بالحديثِ، قال: حدَّثني الصَّدُوقُ (٤). وذكر أبو أسامةَ عن مالكٍ وشعبةَ، أنّهما قالا: ما حدَّثناكُم عن أحدٍ إلَّا وأيوبُ أفضلُ منه (٥).

стр. 596

وقال ابنُ عونٍ: لم يكنْ بعدَ الحسنِ ومحمّدٍ بالبصرةِ مثلَ أيوبَ؛ كان أعلمَنا بالحديثِ (١). وقال شعبةُ، في حديثٍ ذكَره: حدَّثنا به سيّدُ الفُقهاءِ أيوبُ (٢). وقال نافعٌ: خيرُ مَشْرقيٍّ رأيتُه أيوبُ (٣). وقال ابنُ أبي مُليْكةَ: أيوبُ خيرُ أهلِ المشْرقِ. وقال ابنُ أبي أُويسٍ: سُئل مالكٌ: متى سمعْتَ من أيوبَ السَّخْتيانِيِّ؟ فقال: حجَّ حجَّتينِ، فكنتُ أرْمُقُه ولا أسمعُ منه، غيرَ أنه كان إذا ذُكِرَ النبيُّ ﷺ بكَى حتّى أرحَمَه، فلمّا رأيْتُ منه ما رأيْتُ وإجلالَه للنبيِّ ﷺ كتبْتُ عنه. قال: وسمعْتُ مالكًا يقول: ما رأيْتُ في العامَّةِ خيرًا من أيوبَ السَّختيانيِّ (٤). أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بنُ محمد بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن محمّدٍ (٥)، قال: حدَّثنا إسماعيل بن إسحاقَ، قال: سمِعتُ علي بن المدينيِّ يقول: أربعةٌ من أهل الأمصارِ يسْكُنُ القلبُ إليهم في الحديث؛ يحيى بنُ سعيدٍ بالمدينة، وعَمْرُو بنُ دينارٍ بمكّةَ، وأيوبُ بالبصرةِ، ومنصورٌ بالكُوفةِ.

стр. 597

قال أبو عُمر: توفي أيوبُ ﵀ سنةَ إحدى (١) وثلاثينَ ومئةٍ، بطريق مكةَ راجعًا إلى البصرةِ في طاعونَ الجارفِ، لا أعلمُ في ذلك خلافًا ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ. لمالكٍ عنه في "الموطَأ" من حديث النبيِّ ﷺ حديثانِ مُسنَدانِ، هذا ما لهُ عنه في رواية يحيى، وأمّا سائرُ رُواةِ "الموطّأ" غيرَ يحيى، فعندَهُم في الموطأ عن مالكٍ عن أيوبَ، حديثانِ آخَرانِ في الحجِّ، نذكُرُهما أيضًا إنْ شاء اللَّه.

стр. 598

حديثٌ أولُ لأيُّوبَ السَّخْتيانيّ مالكٌ (١)، عن أيوبَ بنِ أبي تميمةَ السَّختيانيِّ، عن محمدِ بنِ سيرين، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ انصرَف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقَصُرَتِ الصلاةُ يا رسولَ اللَّه أم نسِيتَ؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أصَدقَ ذُو اليَدَيْنِ؟ " فقال الناسُ: نعم. فقامَ رسولُ اللَّه ﷺ فصلَّى رَكْعتَينِ أُخْرَيينِ ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجدَ مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع، ثم كبَّر فسجدَ مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع. محمدُ بنُ سيرينَ، يُكْنَى أبا بكرٍ، وهو مولًى لأنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ، وهو أحدُ أئمةِ التابعينَ من أهلِ البصرةِ، وُلدَ قبلَ قتلِ عُثمانَ بسنتينِ، وتُوُفِّيَ سنةَ عشرٍ ومئةٍ (٢). وقد ذكَرْنا الاختلافَ في اسم أبي هريرةَ في كتابِنا في "الصحابةِ" (٣). وفي هذا الحديثِ وجوهٌ من الفقهِ والعلم؛ منها أنَّ النسيانَ لا يُعصَمُ منه أحدٌ نبيًّا كان أو غيرَ نبيٍّ؟ قال ﷺ : "نسِيَ آدمُ فنسيَتْ ذُرِّيتُه" (٤).

стр. 599

وفيه أنَّ اليقينَ لا يَجِبُ تركُه للشكِّ حتى يأتيَ يقين يُزيلُه، ألا ترَى أنَّ ذا اليدَينِ كان على يقينٍ من أنَّ فرضَ صلاتِهم تلك أربعُ رَكْعاتٍ، وكانت إحدَى صلاتي العَشِيِّ (١) كما رُويَ، فلمَّا أتَى بها رسولُ اللَّه ﷺ على غيرِ تمامِها، وأمكنَ في ذلك القَصْرُ من جهةِ الوحي، وأمكنَ الوَهمُ، لَزِمَه الاستفهامُ ليصيرَ إلى يقينٍ يَقطَعُ به الشكَّ. وفيه أنَّ الواحدَ إذا ادَّعَى شيئًا كان في مجلسِ جماعةٍ لا يُمكنُ في مثلِ ما ادَّعَاه أنْ يَنفَرِدَ بعلمِه دونَ أهلِ المجلسِ، لم يُقطعْ بقولِه حتى تُستَخْبَرَ الجماعةُ، فإنْ خالفُوه سقَط قولُه أو نُظرَ فيه بما يَجِبُ، وإنْ تابعُوه ثبَت، وقد جعَل بعضُ أصحابِنا وغيرُهم من الفقهاءِ هذا أصلًا في رُؤيةِ الهلالِ في غيرِ غَيْم، وهو أصلٌ يطولُ فيه الكلامُ، وليس هذا موضعَه. وفيه دليلٌ على أنَّ المُحدِّثَ إذا خالفتْه جماعة في نقلِه أنَّ القولَ قولُ الجماعةِ، وأنَّ القلبَ إلى روايتِهم أشدُّ سُكُونًا من روايةِ الواحدِ. وفيه أنَّ الشكَّ قد يَعودُ يقِينًا بخبرِ أهلِ الصدقِ، وأنَّ خبرَ الصادقِ يُوجبُ اليقينَ، والواجبُ إذا اختَلف أهلُ مجلسٍ في شهادةٍ وتكافئوا في العدالةِ، أنْ يؤخذَ بشهادةِ مَن أثبَتَ علمًا، دونَ مَن نفَاه. وفيه أنَّ مَن سلَّم ساهيًا في صلاتِه لم يضُرَّه ذلك، وأتمَّها بعدَ سلامِه ذلك، وسجَد لسهوِه، ولم يُؤمَرْ باستئنافِ صلاتِه، بل يبني على ما عمِل فيها ويُتمُّها.

стр. 600

وفيه السجودُ بعدَ السلام لِمَنْ عرَض له مثلُ هذا في صلاتِه، أو لِمَنْ زادَ فيها ساهيًا، قياسًا عليه، وسنذكرُ اختلافَ الفقهاءِ في سُجودِ السهوِ في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ (١)، وفي بابِ ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج إن شاء اللَّه (٢). وفيه أنَّ سجدَتَي السهوِ يُكبَّرُ فيهما، وأنهما على هيئةِ سُجودِ الصلاةِ، وليس في حديثِ مالكٍ هذا السلامُ من سجدتَي السّهْوِ، وذلك محفوظٌ في غيرِه، وسنذكرُ ذلك في هذا البابِ إن شاء اللَّه. وقد كان ابنُ شهابِ يُنكِرُ أن يكونَ رسولُ اللَّه ﷺ سجدَ يومَ ذي اليدين (٣)، ولا وَجْهَ لقولِه ذلك؛ لأنَّه قد ثبَت عن النبيِّ ﷺ في هذا الحديثِ وغيرِه أنَّه سجَد يومَئذٍ بعدَ السلام. قرأْتُ على خلفِ بنِ القاسم، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ جعفرِ بنِ الوردِ حدَّثهم، قال: حدَّثنا يُوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ بنُ سعدٍ، عن ابن أبي ذِئْب (٤)، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن عراكِ بنِ مالكٍ،

стр. 601

عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ سجَد يومَ ذي اليدَيْنِ سجدَتَيْنِ بعدَ السلام (١). وقد زعَم بعضُ أهلِ الحديثِ أنَّ في هذا الحديثِ دليلًا على قَبُولِ خبرِ الواحدِ، وقد ادَّعَى المخالفُ أنَّ فيه حُجةً على مَن قال بخبرِ الواحدِ، والصحيحُ أنَّه ليسَ بحُجَّةٍ في قَبولِ خبرِ الواحدِ ولا في ردِّه. وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ الكلامَ في الصلاةِ، إذا كان فيما يُصلِحُها وفيما هو منها، لا يُفسِدُها، عمدًا كان أو سهوًا، إذا كان فيما يُصلِحُها، وقد اختلَف في هذا المعنَى جماعةُ الفقهاءِ من أصحابِنا وغيرِهم، على ما نُبيّنُه إن شاء اللَّه. وفيه أنَّ مَن تكلَّم في الصلاةِ وهو يظنُّ أنَّه قد أتمَّها، وهو عندَ نفسِه في غيرِ صلاةٍ أنَّه يبني ولا تفسُدُ صلاتُه. فأما قولُ مالكٍ وأصحابِه في هذا البابِ؛ فإنَّهم اختلفوا فيه واضطربَتْ أقاويلُهم ورواياتُهم فيه عن مالكٍ. فروَى سُحْنُونٌ، عنِ ابنِ القاسم، عن مالكٍ، قال: لو أنَّ قومًا صلَّى بهم رجلٌ رَكْعتين وسَلَّم ساهيًا، فسبَّحوا به فلم يَفقَهْ، فقال له رجلٌ من خلفِه ممن هو معه في الصلاةِ: إنكَ لم تُتمَّ، فأتمَّ صلاتَك. فالتفَت إلى القوم، فقال: أحقٌّ ما يقولُ هذا؟ فقالوا: نعم. قال: يُصلِّي بهم الإمامُ ما بَقِيَ من صلاتِهم، ويُصَلُّون معه بقِيَّةَ صلاتِهم؛ مَن تكلمَ منهم ومَن لم يتكلمْ، ولا شيءَ عليهم، ويفعلون

стр. 602

في ذلك ما فعَل النبيُّ ﷺ يومَ ذي اليدين. هذا قولُ ابنِ القاسم في كتاب "المُدَوَّنَةِ" (١)، وروايتُه عن مالكٍ، وهو المشهورُ من مذهبِ مالكٍ، وإياه يُقلِّدُ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، واحتجَّ له في كتابِ ردِّه على محمدِ بنِ الحسنِ، وكذلك روَى عيسى (٢)، عنِ ابنِ القاسم، قال عيسى: سألْتُ ابنَ القاسم عن إمام فعلَ اليومَ كفعلِ النبيِّ ﷺ يومَ ذي اليدين، وتكلَّم أصحابُه على نحوِ ما تكلَّم أصحابُ النبيِّ ﷺ يومَ ذي اليدين، فقال ابنُ القاسم: يفعلُ كما فعَل النبيُّ ﷺ يومَ ذِي اليدَين، ولا يُخالفُه في شيءٍ من ذلك؛ لأنَّها سُنةٌ سنَّها. زادَ العُتْبِيُّ (٣) في هذه عن عيسى، عنِ ابنِ القاسم: ولْيرجعِ الإمامُ فيما شكَّ فيه إليهم ويُتِمَّ معهم، ويُجزِئُهم. قال عيسى: قال ابنُ القاسم: ولو أنَّ إمامًا قامَ من رابعةٍ، أو جلَس في ثالثةٍ، فسُبِّحَ به فلم يَفْقَهْ، فكلَّمَه رجلٌ ممن خلفَه - كان مُحسِنًا، وأجْزَتْه صلاتُه. قال عيسَى: وقال ابنُ كِنانةَ: لا يجوزُ لأحدٍ من الناسِ اليومَ ما جازَ لمن كان يومَئذٍ مع النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ ذا اليدَين ظنَّ أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ، فاستفْهَمَ عن ذلك، وقد علِمَ الناسُ اليومَ أنَّ قَصْرَها لا يَنزلُ؛ فعلى من تكلَّم الإعادةُ. قال عيسى: فقرأتُه على ابنِ القاسم، فقال: ما أرَى في هذا حُجةً، وقد قال لهم رسولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ ذلكَ لم يكنْ؟ ". فقالوا له: بلَى. فقد كلَّمُوه عمدًا، بعدَ علمِهم أنَّها لم تُقْصَر وبنَوا معه.

стр. 603

وقال يحيَى، عن ابنِ نافع: لا أُحبُّ لأحدٍ أنْ يفعلَ مثلَ ذلك الفعلِ اليومَ، فإن فعَل لم آمرْه أنْ يستأنفَ. وروَى أبو قُرَّةَ موسى بنُ طارقٍ، عن مالكٍ، مثلَ قولِ ابنِ نافع، خلافَ روايةِ ابنِ القاسم عنه. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا المُفَضَّلُ بنُ محمدٍ الجَنَدي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيادٍ، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ، قال: سمِعتُ مالكًا يَستحِبُّ إذا تكلَّم الرجلُ في الصلاةِ أن يعودَ لها، ولا يبنيَ. قال: وقال لنا مالكٌ: إنما تكلَّم رسولُ اللَّه ﷺ وتكلَّم أصحابُه معه يومَئذٍ؛ لأنَّهم ظنُّوا أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ، ولا يجوزُ ذلك لأحدٍ اليوم. وروَى أشهبُ، عن مالكٍ، في سماعِه، أنَّه قيل له: أبَلَغك أنَّ ربيعةَ صلَّى خلفَ إمام فأطالَ التشهدَ، فخافَ ربيعةُ أنْ يُسلِّمَ، وكانَ على الإمام السجودُ قبلَ السلام، فكلَّمه ربيعةُ، وقال له: إنهما قبلَ السلام؟ فقال: ما بلَغني، ولو بلغني، ما تكلمْتُ به، أيُتكلَّمُ في الصلاةِ؟! قال أبو عُمر: تَحتمِلُ روايةُ أشهبَ هذه أن يكونَ مالكٌ رجَع فيها عن قولِه الذي حكَاه عنه ابنُ القاسم إلى ما حكَاه عنه أبو قُرَّةَ، ويَحتمِلُ أن يكونَ أنكَر هذا من فعلِ ربيعةَ من أجلِ أنَّه لم يكنْ يلزمُه عندَه الكلامُ فيما تكلَّم فيه؛ لأنَّ أمرَ سُجودِ السهوِ خفيفٌ في أن يُنقَلَ ما كان منه قبلَ السلام فيُجعَلَ بعدَ السلام، فكأنَّ ربيعةَ عندَ مالكٍ تكلَّم فيما لم يكنْ ينبغِي له أن يَتكلَّمَ فيه، ورأى كلامَه كأنَّه في غيرِ شأنِ الصلاةِ، وذهَب ربيعةُ إلى أنَّه تكلَّم في شأنِ الصلاةِ وصلاحِها، واللَّهُ أعلم. أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليٍّ الباجِيُّ (١)، قال: أخبرني أبي. وحدَّثنا

стр. 604

عبدُ اللَّه بنُ محمّدِ بنِ يوسفَ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ علي، قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بنُ مُدركٍ، قال: أخبَرنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ مسكينٍ، قال: أصحابُ مالكٍ كلُّهم (٢) على خلافِ قولِ مالكٍ في مسألةِ ذي اليدين إلَّا ابنَ القاسم وحدَه؟ فإنَّه يقولُ فيها بقولِ مالكٍ، وغيرُهم يأبَونَهُ ويقولون: إنما كان هذا أولَ الإسلام، فأمَّا الآنَ فقد عرَف الناسُ صلاتَهم، فمن تكلَّم فيها أعادَها. قال ابنُ وَضّاح: وقد قيل: إنَّ ذا اليدين استُشْهِدَ يومَ بدرٍ، وإسلامُ أبي هريرةَ كان عامَ خيبرَ (٣). قال أبو عُمر: قد قال جماعةٌ من المُتَقَدِّمين ما قالَه ابنُ وَضّاح، في موتِ ذي اليدين، وليسَ عندَنا كذلك، وإنما المقتولُ ببدرٍ ذُو الشِّمالين، وسنُبَيِّنُ القولَ في ذلك بعدُ في هذا البابِ إن شاء اللَّه. وذكر سُحْنُونٌ (٤)، عن ابنِ القاسم، في رجلِ صلَّى وحدَه، ففرَغ عندَ نفسِه من الأربع، فقال له رجلٌ إلى جنبِه: إنكَ لم تُصلِّ إلَّا ثلاثًا. فالتفَتَ إلى آخرَ، فقال: أحقٌّ ما يقولُ هذا؟ قال: نعم! قال: تَفسُدُ صلاتُه، ولم يكنْ ينبغي له أن يُكلمَه، ولا يلتفِتَ إليه.

стр. 605

وهذه المسألةُ عندَ أكثرِ المالكيين البغداديينَ وغيرِهم محمولةٌ من قولِ ابنِ القاسم، على أنَّ المصلِّيَ إنما يجوزُ له الكلام في إصلاح الصلاةِ، للضرورةِ الدافعةِ إليه إذا كان في صلاةِ جماعةٍ، ولا يجوزُ ذلك للمنفردِ؛ لأنَّه لا يُوجَدُ بُدٌّ لمن سُبِّحَ به، ولم يفقَهْ بالتَّسبيح، أن يُكلَّمَ ويُفصَحَ له بالمرادِ للضرورةِ الداعيةِ إلى ذلك في إصلاح الصلاةِ؛ تأسِّيًا بفعل النبيِّ ﷺ مع أصحابِه يومَ ذي اليَدَيْنِ. قال أبو عُمر: فكانوا يُفرِّقُون في هذه المسألةِ بينَ الجماعةِ وبينَ المُنْفَرِد، فيُجِيزون من الكلام في شأنِ الصلاةِ للإمام ومَن معه ما لا يُجيزونه للمنفردِ. وكان غيرُ هؤلاءِ منهم يَحمِلون جوابَ ابنِ القاسم في المنفردِ في هذه المسألةِ، على خلافٍ من قولِه في استعمالِ حديثِ ذي اليَدَيْنِ، كما اختلَف قولُ مالكٍ في ذلك، وَيذهبون إلى جوازِ الكلام في إصلاح الصلاةِ للمنفردِ والجماعةِ، ويقولون: لا فرقَ بينَ أن يُكلِّمَ الرجلُ في إصلاح الصلاةِ مَن معه فيها، وبينَ أن يُكلِّمَ مَن ليس معه فيها، إذا كان ذلك في شأنِ إصلاحِها وعَمَلِها، كما أنَّه لا فرقَ بينَ أن يُكلِّمَ رجلٌ مَنْ معه فيها ومَنْ ليسَ معه فيها بكلامٍ في غيرِ إصلاحِها، في أنَّ ذلك يُفسِدُها. قالوا: وإذا كانت العِلَّةُ شأنَ إصلاح الصلاةِ، فالمنفردُ قد شمِلتْه تلكَ العِلَّةُ، فلا يَخرُجُ عنها. قالوا: وقد تكلَّم النبيُّ ﷺ وأصحابُه يومَ ذي اليدَينِ في شأنِ الصلاةِ، وبنَوا على ما صلَّوا، ولو كان بينَ المنفردِ والجماعةِ فرقٌ لبَيَّنَه رسولُ اللَّه ﷺ ، ولقال: إنما هذا لمن كان مع إمامِه خاصةً دونَ المنفرِدِ. ولمَا سكَتَ عن ذلك لو اختلَف حُكمُه، واللَّهُ أعلم.

стр. 606

قال أبو عُمر: من حُجَّةِ مَن ذهَب إلى الوجْهِ الأولِ، ممنْ يقولُ بقولِ ابنِ القاسم في هذا البابِ، أنَّ النهيَ عن الكلام في الصلاةِ على ما ورَد في حديثِ ابنِ مسعودٍ (١) وغيرِه، إنما خَرَجَ على ردِّ السلام في الصلاةِ، وعلى مجُاوبةِ مَن جاءَ فسألَ: بكمْ سُبِقَ من الصلاةِ؟ وعلى مَن عرَضَتْ له حاجةٌ فأمَر بها وهو في صلاةٍ، وقد كان في مندوحةٍ عن ذلك حتى يَفرُغَ من صلاتِه، فعلى هذا خَرَجَ النهيُ عن الكلام في الصلاةِ وجاءَ خبرُ ذي اليدين بجوازِ الكلام في إصلاح الصلاةِ إذا لم يُوجدْ بُد من الكلام، فوجَب استعمالُ الأخبارِ كلِّها، وإلَّا يَسقُطْ بعضها ببعضٍ، ولا سبيلَ إلى ذلك إلّا بهذا التخريج والتوجيهِ، واللَّهُ أعلم. وهذا ليس للمنفردِ؛ لأنَّ المنفردَ قد أُمرَ بالبناءِ على يقينِه، فكان له في ذلك مندوحةٌ عن الكلام؛ لأنَّ الكلامَ إنما جازَ فيما لا يُوجَدُ منه مندوحةٌ، واللَّهُ أعلم. فهذا ما لمالكٍ وأصحابِه في روالة ابنِ القاسم وغيرِه في مسألةِ ذِي اليدين. وأمَّا سائرُ العلماءِ فنحنُ نذكرُ ما صحَّ في ذلك عندَنا عنهم أيضًا بعونِ اللَّه. أمَّا أحمدُ بنُ حنبلٍ فذكَر الأثْرَمُ عنه أنَّه قال: ما تكلَّم به الإنسانُ في صلاتِه لإصلاحِها لم تَفسُدْ عليه صلاتُه، فإنْ تكلَّم بغيرِ ذلك فسَدتْ عليه (٢). وقال في موضع آخرَ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ في قصةِ ذِي اليدين: إنما تكلَّم ذُو اليدين وهو يرَى أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ، وتكلَّم النبيُّ ﵇ وهو دافع لقولِ ذي اليدين، فكلَّم القومَ فأجابُوه؛ لأنَّه كان عليهم أن يُجيبُوه (٣).

стр. 607

وذكَر الخِرَقِيُّ (١) أنَّ مذهبَ أحمدَ بنِ حنبلٍ فيمن تكلَّم عامدًا أو ساهيًا بطَلَتْ صلاتُه، إلَّا الإمامَ خاصةً، فإنَّه إذا تكلَّمَ لمصلحةِ صلاتِه لم تَبطُلْ صلاتُه. وأمَّا الأوزاعيُّ فمذهبُه جوازُ الكلام في الصلاةِ في كُلِّ ما يَحتاجُ إليه المصلِّي مما يُعذرُ فيه، قال الأوزاعِيُّ (٢): لو أنَّ رجلًا قال لإمام جهَر بالقراءةِ في العصرِ: إنَّها العصرُ. لم يكنْ عليه شيءٌ. قال: ولو نظَر إلى غُلام يريدُ أن يَسقُطَ في بئرٍ فصاحَ به، أو انصرَف إليه، أو جبَذه، لم يَكُنْ بذلك بأس. وأمَّا الشافعيُّ فقال (٣): لا يَشُكُّ مُسلم أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَنصرِفْ إلَّا وهو يرَى أنْ قد أكمَل الصلاةَ، وظنَّ ذُو اليدين أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ بحادثٍ من اللَّه، ولم يَقبَلْ رسولُ اللَّه ﷺ من ذي اليَدَينِ إذْ سألَ غيرَه، ولمَّا سألَ غيرَه، احتمَلَ أن يكونَ سألَ مَن لم يسمعْ كلامَه، فيكونون مثلَه -يعني مثلَ ذي اليدين- واحتمَل أن يكونَ سألَ مَن سمِع كلامَه ولم يَسمع النبِيَّ ﷺ حينَ ردَّ عليه، فلمَّا لم يَسمع النبيَّ ﵇ ردَّ عليه (٤)، كان في معنَى ذي اليَدَينِ؛ من أنَّه لم يدْرِ أقَصرَتِ الصلاةُ أم نسِيَ رسولُ اللَّه ﷺ ؟ فأجابَه ومعنَاه معنَى ذي اليدين، مع أنَّ الفرضَ عليهم جوابُه، ألا ترَى أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا أخبَرُوه فقبِل قولَهم لم يَتكلَّمْ ولم يَتكلَّموا حتى بنَوْا على صلاتِهم؟

стр. 608

قال (١): فلمَّا قُبضَ رسولُ اللَّه ﷺ تناهَتِ الفرائضُ؛ فلا يُزادُ فيها ولا يُنقَصُ منها أبدًا. قال: فهذا فرقُ ما بينَنا وبينَه إذا كان أحدُنا إمامًا اليوم. قال أبو عُمر: فالذي حصل عليه قولُ مالكٍ وأصحابِه، والشافعيِّ وأصحابِه، في هذه المسألةِ، ممَّا لا يَختلفون فيه، أنَّ الكلامَ والسلامَ ساهيًا في الصلاةِ لا يُفسِدُها، ولا يَقدَحُ في شيءٍ منها، وتُجْزِئُ منه سجدتَا السهوِ، وليستا هاهُنا بواجبةٍ فرضًا، عندَ واحدٍ منهم، ومَن نسِيَهما ولم يسجُدْهما لم يضُرَّه، ويسجُدُهما عندَ مالكٍ وأصحابِه متى ما ذكَر، وإنما الخلافُ بينَ مالكٍ والشافعيِّ أنَّ مالكًا يقولُ: لا يُفسِدُ الصلاةَ تَعَمُّدُ الكلام فيها إذا كان في إصلاحِها وشأنِها. وهو قولُ ربيعةَ، وابنِ القاسم، إلَّا ما رُويَ عنه في المنفرد. وقال الشافعيُّ وأصحابُه ومن تابعَهم من أصحابِ مالكٍ وغيرِهم: إنَّه إن تعمَّدَ الكلامَ، وهو يَعلمُ أنَّه لم يُتمَّ الصلاةَ وأنَّه فيها، أفسَد صلاتَه، وإنْ تكلَّم ساهيًا، أو تكلَّم وهو يَظنُّ أنَّه ليس في صلاةٍ -لأنَّه قد أكمَلها عندَ نفسِه- فهذا يَبني، ولا يُفسِدُ عليه كلامُه هذا صلاتَه. وأجمَع المسلمون طُرًّا أنَّ الكلامَ عامدًا في الصلاةِ -إذا كان المصلِّي يعلمُ أنَّه في صلاةٍ، ولم يكنْ ذلك في إصلاح صلاتِه- يُفسِدُ الصلاةَ (٢)، إلَّا ما رُويَ عن الأوزاعيِّ أنَّه مَن تكلَّم لإحياءِ نَفْسٍ، أو مثلِ ذلك من الأمورِ الجِسام، لم تَفسُدْ بذلك صلاتُه، وهو قولٌ ضعيفٌ في النَّظَرِ؛ لقولِ اللَّه : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قال زيدُ بنُ أرقمَ: كُنَّا نتكلمُ في الصلاةِ حتى نزلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.

стр. 609

فأُمِرْنا بالسكُوتِ ونُهِينَا عنِ الكلام (١). وقال ابنُ مسعود: سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إنَّ اللَّهَ قدْ أحدَث من أمرِه ألَّا تَكَلَّمُوا في الصلاةِ" (٢). وقال مُعاويةُ بنُ الحكم: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إنَّ صلاتَنَا هذه لا يَصلُحُ فيها شيءٌ منْ كلام الناسِ" (٣). وليس الحادثُ الجسيمُ الذي يَجِبُ له قطعُ الصلاةِ، ومن أجلِه يُمنَعُ منَ الاستئنافِ، فمن قطَع صلاتَه لِمَا يرَاه من الفضلِ في إحياءِ نَفْسٍ، أو ما كان بسبيلِ ذلك، استأنَفَ صلاتَه ولم يَبْنِ. هذا هو الصحيحُ إن شاء اللَّهُ. وأجمَعوا على (٤) أنَّ السلامَ فيها عامدًا قبلَ تمامِها يُفسِدُها. قال أبو عُمر: وأما العراقيون؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثورِيُّ، فذهَبوا إلى أنَّ الكلامَ في الصلاةِ يُفسِدُها، على أيِّ حالٍ كان؛ سهوًا أو عمدًا، لصلاح الصلاةِ كان أو لغيرِ ذلك (٥). واختلَف أصحابُ أبي حنيفةَ في السلام فيها ساهيًا قبلَ تمامِها؛ فبعضهم أفسَد صلاةَ المسَلِّم ساهيًا، وجعَله كالمتكلم ساهيًا، وبعضُهم لم يُفسِدْها بالسلام فيها ساهيًا، وكلُّهم يُفسِدُها بالكلام ساهيًا وعامدًا، وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وعطاءٍ، والحسنِ، وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ، وقتادةَ (٦).

стр. 610

وزعَم أصحابُ أبي حنيفةَ أنَّ حديثَ أبي هريرةَ هذا في قصةِ ذي اليدَيْنِ منسوخٌ بحديثِ ابنِ مسعودٍ وحديثِ زيدِ بنِ أرقمَ اللذين ذكرْنا. قالوا: وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ بيانُ أنَّ الكلامَ كان مُباحًا في الصلاةِ ثم نُسِخَ. قالوا: فحديثُ ابنِ مسعودٍ ناسخٌ لحديثِ أبي هريرةَ في قصةِ ذي اليدينِ. قالوا: وإن كان أبو هريرةَ مُتأخرَ الإسلام فإنَّه أرسَل حديثَ ذي اليدَيْنِ كما أرسَل حديثَ: "منْ أدركَهُ الفجرُ جُنبًا فلا صومَ له" (١)، ثم أضافَه إلى مَن حدَّثَه به إذ سُئلَ عنه. قالوا: وكان كثيرَ الإرسالِ، وجائزٌ للصاحبِ إذا أخبرَه الصحابةُ بشيءٍ أن يُحدِّثَ به عن رسولِ اللَّه ﷺ إذا لم يقلْ: سمِعتُ. ألا ترَى أنَّ ابنَ عباسٍ حدَّث عن رسولِ اللَّه ﷺ بما لا يَكادُ يُحصَى كثرةً من الحديثِ، ومعلومٌ أنَّه لم يَسمعْ منه إلا أحاديثَ يسيرةً؟ وقالوا: ألا ترَى إلى أنسِ بنِ مالكٍ، يقولُ: ما كُلُّ ما نُحدِّثُكُم سمِعناه من رسولِ اللَّه ﷺ ، ولكنْ منه ما سمِعْنا ومنه ما أخبَرَنا أصحابُنا (٢). وكلُّ حديثِ الصحابةِ مقبولٌ عندَ جماعةِ العلماءِ على كُلِّ حالٍ.

стр. 611

قالوا: فغيرُ نكير أن يُحدِّثَ أبو هريرةَ بقصةِ ذي اليدين وإنْ لم يشهَدْها. قالوا: وممَّا يدلُّ على أنَّ حديثَ أبي هريرةَ منسوخ أنَّ ذا اليدين قُتلَ يومَ بدرٍ لا خلافَ بينَ أهلِ السيرِ في ذلك. قالوا: فيومُ ذي اليَدَيْنِ، كان قبلَ يوم بدرٍ. واحتَجُّوا بما روَاه ابنُ وَهْبٍ، عن العُمَريِّ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ إسلامَ أبي هريرةَ كان بعدَ موتِ ذي اليَدَين (١). قالوا: وهذا الزُّهرِيُّ مع علمِه بالأثرِ والسِّيرِ، وهو الذي لا نظيرَ له في ذلك، يقولُ: إنَّ قصةَ ذي اليَدَينِ كانت قبلَ بدرٍ. حكَاه معمرٌ وغيرُه عن الزُّهريِّ، قال الزُّهريُّ: ثم استحكمَتِ الأمورُ بعدُ (٢). وهو قولُ (٣) أبي معشرٍ؛ أنّ ذا اليَدَيْنِ قُتِل يومَ بدرٍ. وهو قولُ ابنِ عمر وجماعةِ أهلِ السِّيرِ قالوا: وحديثَ ابنِ مسعودٍ (٤) كان بمكّةَ في حين مُنصَرَفِه من أرضِ الحبشةِ، وذلك قبلَ الهجرةِ، وحديثَ أبي هُريرةَ كان بالمدينةِ في قصةِ ذي اليدَينِ، هذا ما لا يدفعُه حاملُ أثرٍ ولا ناقلُ خبرٍ، وابنُ مسعودٍ شهدَ بعدَ قُدومِه من أرضِ الحبشةِ بدرًا، وأبو هريرةَ إنما كان إسلامُه عامَ خيبر (٥). قال أبو عُمر: هو كما قالوا إلَّا أنَّ مَن ذكَر في حديثِ ابن مسعودٍ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال في حين رُجوعِه من أرضِ الحبشةِ: "إنَّ اللَّهَ أحدَث ألَّا تَكَلَّمُوا

стр. 612

في الصلاةِ". فقد وهِمَ ولم يَحفَظْ، ولم يَقُلْ ذلك غيرُ عاصم بنِ أبي النَّجودِ، وهو عندَهم سيِّئُ الحفظِ، كثيرُ الخطأ في الأحاديثِ، والصحيحُ في حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّه لم يكنْ إلَّا بالمدينةِ، وبالمدينةِ نُهيَ عن الكلام في الصلاةِ، بدليلِ حديثِ زيدِ بنِ أرقمَ الأنصاريِّ؛ أنَّهم كانوا يَتَكَلَّمونَ في الصلاةِ حتى نزَلتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فأُمِرُوا بالسكُوتِ في الصلاةِ، ونُهُوا عنِ الكلام فيها. وقد رُويَ حديثُ ابنِ مسعودٍ بما يُوافقُ هذا ولا يدفعُه، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ سورةَ "البقرةِ" مدنيّةٌ، وتحريمُ الكلام في الصلاةِ كان بالمدينة. وأمَّا روايةُ عاصم في حديثِ ابنِ مسعودٍ، فأخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ أبي النَّجودِ، عن أبي وائل، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ، قال: كنا نُسلِّمُ على النبيِّ ﷺ في الصلاةِ، قبلَ أن نأتيَ أرضَ
следующие страницы →