← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5473–5512 · переход к 5478.

стр. 5473

وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا شبّابةُ، عن سُليمانَ بن المُغِير، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ، قال: كُنّا قد نُهِينا أن نسألَ رسُولَ اللَّه ﷺ ، وكانَ يُعجِبُنا أن يأتيَ الرَّجُلُ من أهلِ البادِيةِ العاقِلُ، فيَسْألهُ ونحنُ نسمعُ، فجاءَهُ رجُل من أهلِ البادِيةِ، فقال: يا محمدُ، أتانا رسُولُكَ، فزعمَ لنا أنَّكَ تزعُمُ، أنَّ اللَّه أرسلكَ. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "صدقَ". فقال: من خلَقَ السَّماواتِ؟ قال: "اللَّه". قال: فمن خلَقَ الأرضَ؟ قال: "اللَّه". قال: فمَنْ نصبَ الجِبالَ؟ قال: "اللَّه". قال: فبالذي خلَقَ السَّماواتِ، وخلقَ الأرضَ، ونصبَ الجِبالَ، آللَّه أرسلكَ؟ قال: "نعم". قال: وزعَمَ رسُولُكَ أنَّ علينا خمسَ صَلَواتٍ في يومِنا وليلتنا (٢). قال: "صدقَ". قال: فبالذي خلقَ السَّماءَ، وخلقَ الأرضَ، ونصبَ الجِبال، آللَّه أمركَ بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعَمَ رسُولُكَ أنَّ علينا صومَ شَهْرٍ في سَنتِنا. قال: "صدقَ". قال: فبالذي خلَقَ السَّماءَ، وخلَقَ الأرضَ، ونصَبَ الجِبالَ، آللَّه أمركَ بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعَمَ رسُولُكَ أنَّ علينا الحجَّ، منِ استطاع إليه سبِيلًا. قال: "صَدَقَ" قال: فبالذي خلَقَ السَّماءَ، وخلقَ الأرضَ، ونصبَ الجِبالَ، آللَّه أمركَ بهذا؟ قال: "نعم". فقال: والذي بعثكَ بالحقِّ، لا أزِيدُ عليها شيئًا، ولا أنقُصُ منها.

стр. 5474

فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إن صدَقَ، دخلَ الجنّةَ". وهذا (١) الحديث حُجّةٌ في إجازةِ العَرْض والقراءةِ على المُحَدِّث. وحدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ، عن عَطاءِ بن السّائبِ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: السَّلامُ عليكَ يا غُلام بني عبدِ المُطَّلِبِ. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "وعليكَ" فقال: إنِّي رجُلٌ من أخْوالِك من بني سَعْدِ بن بكرٍ، وأنا رسُولُ قومِي إليكَ ووافِدُهُم، وأنا سائلُكَ فمُشتدّةٌ مَسْألتِي إيّاكَ، وناشِدُكَ فمُشتدّةٌ مُناشدتِي إيّاكَ. قال: "قُلْ يا أخا بني سَعْدٍ". قال: من خَلقَكَ، وهُو خالِقُ من قَبلكَ، وخالِقُ من بعدَكَ؟ قال: "اللَّه" قال: فنَشدتُكَ بذلك، أهو أرسلكَ؟ قال: "نعم". قال: من خلَقَ السَّماواتِ السَّبعَ، والأرضِينَ السَّبعَ، وأجْرَى بينهُنَّ الرِّزقَ؟ قال: "اللَّه". قال: فأنشُدُكَ بذلك، أهو أرسلَكَ؟ قال: "نعم". قال: وإنّا قد وجَدْنا في كِتابِكَ، وأتَتْنا رُسُلُكَ: أن نُصلِّي في اليوم واللَّيلةِ خمسَ صَلَواتٍ لمواقِيتِها، فأنشُدُكَ بذلك، أهُو أمركَ به؟ قال: "نعم". قال (٣): فإنّا قد وجَدْنا في كِتابِكَ، وأتتنا رُسُلُكَ أن نأخُذَ من حَواشِي أمْوالِنا، فتُردَّ على فُقرائنا، فنَشدتُكَ بذلك، أهو أمركَ بذلك؟ قال: "نعم". قال: ووجَدْنا في كِتابِكَ، وأتتنا رُسُلُكَ، أن نصُومَ شهرًا من السَّنةِ، شهرَ رمضانَ، فنَشدتُكَ بذلك، آللَّه أمركَ به؟ قال: "نعم". ثُمَّ قال: وأمّا الخامِسةُ، يعني الحجَّ، فلستُ أسألُكَ عنها. قال: ثُمَّ قال:

стр. 5475

أما والذي بعثكَ بالحقِّ، لأعمَلَنَّ بها، ولآمُرَنَّ أطاعني من قومِي. ثُمَّ رجَعَ. فضحِكَ رسُولُ اللَّه ﷺ حتّى بدَتْ نَواجِذُهُ، ثُمَّ قال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، لئنْ صدَقَ، ليدخُلنَّ الجنّةَ". قال أبو عُمر: في هذه الأحادِيثِ كلِّها ذِكْرُ الحجِّ، وهِي أحادِيثُ ثابتةٌ حِسانٌ صحِيحةٌ. وقولُهُ في حديثِ ابنِ عبّاس: وأمّا الخامِسةُ، فلا أسألُكَ عنها، يعني الحجَّ. بعد أن جَعلَها خامِسةً، ففيه دليل على أنَّ الإسلامَ، ودِينهُ على خمسةِ أعْمِدةٍ عِندهُ (١)، فمنها الحجُّ. والمعنى في قولِهِ ذلك، أنَّ العربَ كانت تعرِفُ الحجَّ، وتحُجُّ كلَّ عام في الأغْلَبِ، فلم يرَ في ذلك ما يحتاجُ فيه إلى المُناشَدةِ، وكان ذلك مِمّا ترغَبُ فيه العَربُ لأسواقِها، وتَبرُّرِها، وتَحنُّفِها، فلم يحتَجْ في الحجِّ، إلى ما احتاجَ في غيرِهِ من السُّؤالِ والمُناشدةِ، واللَّه أعلمُ. وأظُنُّ سُقُوط ذِكْرِ الحجِّ من حديثِ مالكٍ، حديثِ طَلْحةَ بن عُبيدِ اللَّه، كان على ما في حَدِيثِ ابنِ عبّاسٍ، فلم يذكُرهُ أحدُ رُواتِهِ فيه، واللَّه أعلمُ. ومِن الدَّليلِ على جَوازِ تأخِيرِ الحجِّ: إجماعُ العُلماءِ على تَرْكِ تفسِيقِ القادِرِ على الحجِّ، إذا أخَّرهُ العامَ والعامينِ، ونحوهُما، وأنَّهُ إذا حجَّ بعدَ أعوام من حِينِ اسْتِطاعتِهِ، فقد أدَّى الحَجَّ الواجِب عليه في وَقْتِهِ. وليسَ عندَ الجميع، كمن فاتَتهُ الصَّلاةُ، حتّى خرجَ وَقْتُها، فقَضاها بعدَ خُرُوجِ وقتِها، ولا كمَنْ فاتهُ صِيامُ رمضانَ، لمرَضٍ أو سَفَرٍ فقَضاهُ، ولا عَمّنْ أفسدَ حَجَّهُ، فلزِمهُ قَضاؤُهُ.

стр. 5476

فلمّا أجمعُوا أنَّهُ لا يُقالُ لمن حجَّ (١) بعدَ أعوام، من وقتِ استِطاعتِهِ: أنتَ قاضٍ لما كان وجبَ عليكَ، ولم تأتِ بالحجِّ في (٢) وقتِهِ. عَلِمنا أنَّ وقتَ الحجِّ مُوسَّعٌ فيه، وأنَّهُ على التَّاخِيرِ والتَّراخِي، لا على الفَورِ، وباللَّه التَّوفيقُ. ومِمّا نزعَ به من رآهُ على التَّراخِي، ما ذكَرَ اللَّه في كِتابِهِ من أمرِ الحجِّ، في سُورةِ الحجِّ، وهِي مكِّيّةٌ. ومِن ذلك أيضًا أنَّ قول اللَّه : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ونزلت في عام أُحُدٍ، وذلك سنةَ ثلاثٍ من الِهجْرةِ، ولم يحُجَّ رسُولُ اللَّه ﷺ إلّا سَنةَ عَشْرٍ. فإن قيلَ: إنَّ مَكّةَ كانت ممنُوعةً منهُ، ومن المُسلِمِينَ، قيلَ: قدِ افْتَتحها سنةَ ثمانٍ في رمضانَ، ولم يحُجَّ حَجَّتهُ التي لم يحُجَّ بعد فرْضَ الحجِّ عليه غيرَها، إلّا في سنةِ عَشْرٍ، وأمرَ عتّابِ بن أُسيدٍ إذ ولّاهُ مكّةَ سَنةَ ثمانٍ أن يُقِيم الحجَّ للنّاسِ، وبعَثَ أبا بكرٍ الصَّدِّيق، ﵁، سنةَ تِسْع (٣). فأقامَ للنّاسِ الحجَّ، وحجَّ هُو ﷺ سنةَ عَشْرٍ من الهِجرةِ، فصادَفَ الحجَّ في ذي الحِجّةِ، وأخبَرَ أنَّ الزَّمانَ قدِ اسْتَدارَ كهيئَتِهِ يومَ خلقَ اللَّه السَّماواتِ والأرضَ (٤). وأنَّ الحجَّ في ذي الحِجّةِ إلى يوم القِيامةِ، إبطالًا لما كانتِ العربُ في جاهِلِيَّتِها عليه في تأخِيرِ الحجِّ

стр. 5477

للنَّسيء (١) الذي كانوا يُنسِؤُونهُ (٢) لهُ عامًا بعد عام، فأنزلَ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ الآية [التوبة: ٣٧]. نقلَتْ ذلك كلَّهُ الكافّةُ، لم يختلِفُوا فيه، واستقرَّ الحجُّ من حِجّةِ النَّبيِّ ﷺ في ذي الحِجّةِ إلى يوم القِيامةِ إن شاءَ اللَّه. وأمّا قولُهُ في حديثِ مالكٍ: واللَّه لا أزِيدُ على هذا ولا أنقُصُ منهُ، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أفلَحَ إن صدَقَ". ففيه دليلٌ -واللَّهُ أعلمُ- على أنَّ من أدَّى فرائضَ اللَّه وجبَتْ لهُ الجنّةُ إذا اجتنَبَ محارِمهُ، لأنَّ الفلاحَ مَعناهُ البقاءُ في نعِيم الجنّةِ التي أُكُلُها دائمٌ وظِلُّها، وفاكِهتُها لا مَقْطُوعةٌ ولا ممنُوعةٌ، وعلى أداءِ فرائضِ اللَّه واجتِنابِ محارِمِهِ وعَدَ اللَّه المُؤمِنِين بالجنّةِ، واللَّه لا يُخلِفُ المِيعادَ. كان عُمرُ بن عبدِ العزيزِ ﵀ يقولُ في خُطبتِهِ: ألا إنَّ أفضَلَ الفَضائلِ أداءُ الفرائضِ، واجتِنابُ المَحارِم (٣). وشكا رجُلٌ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ: أنَّهُ لا يَقدِرُ على القِيام باللَّيلِ. فقال لهُ: يا ابن أخِي، لا تَعْصِ اللَّه بالنَّهارِ، تَسْتغنِ عنِ القِيام باللَّيل (٤). وأصلُ الفَلاح في اللُّغةِ: البَقاءُ والدَّوامُ، قال الشّاعِرُ (٥):

стр. 5478

لِكلِّ همٍّ من الأُمُورِ سعَهْ ... والمسيُ والصُّبحُ لا فلاحَ معَهْ أي: لا بقاءَ معهُ. وقال لبِيدٌ (١): اعْقِلِي إن كُنتِ لمّا تَعقِلِي ... ولقد أفلَحَ من كان عقَلْ وقال الرّاجِزُ: لو كان حيٌّ مُدرِكَ الفَلاحِ أدرَكهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ أي: لو كان أحدٌ يبقَى ولا يمُوتُ، لكان ذلك مُلاعِبَ الأسِنّةِ، وهُو أبو البراءِ عامرُ بن مالكٍ. ومنَ المعنى الذي ذكَرْنا، قولُ المُؤَذِّنِ: حيَّ على الفَلاح. ومنهُ قولُ اللَّه : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]. وقولُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].

стр. 5479

مالكٌ، عن نُعيم بن عبدِ اللَّه المُجْمِرِ وهُو (١) نُعيمُ (٢) بن عبدِ اللَّه المُجْمِرُ مولى عُمرَ بن الخطّابِ. كان أبوهُ عبدُ اللَّه يُجمِرُ المسجِدَ إذا قعدَ عُمرُ على المِنْبرِ. وقد قيلَ: إنَّهُ كان من الذين كانوا يُجمِرُونَ الكعبةَ. والأوَّلُ أصحُّ، واللَّه أعلمُ؛ لأنَّهُ كان مولى عُمرَ، وكان يُجمِرُ لهُ مسجِدَ رسُولِ اللَّه ﷺ . ونُعيمٌ أحدُ ثِقاتِ أهلِ المدِينةِ، وأحدُ خِيارِ التّابِعِينَ بها. قال مالكٌ: جالَسَ نُعَيمٌ المُجمِرُ أبا هريرةَ عِشرِينَ سنةً. ذكَرهُ الحُلوانِيُّ في كِتابِ "المعرِفةِ" عن سَعيدِ بن أبي مريمَ، عن مالكٍ (٣). لمالكٍ عن نُعيم هذا في "المُوطَّأ" ثلاثةُ أحادِيث مُسنَدةٍ، ومن الموقُوفاتِ حَدِيثانِ، تتِمّةُ خمسةٍ، وهِي كلُّها عندَنا صِحاحٌ مُسنَدةٌ، وكان نُعيمٌ يُوقِفُ كثِيرًا من حديثِ أبي هريرةَ، مِمّا يَرْفعُهُ غيرُهُ من الثِّقاتِ.

стр. 5480

حديثٌ أوَّلُ لنُعيم المُجْمِرِ مالكٌ (١)، عن نُعَيم بن عبدِ اللَّه المُجْمِرِ، عن أبي هريرةَ، أنَّهُ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "على أنقابِ المدِينةِ مَلائكةٌ، لا يدخُلُها الطّاعُونُ، ولا الدَّجّالُ". هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ جماعةُ رُواةِ "المُوطَّأ" وغيرُهُم. وقد روى فِطرُ (٢) بن حمّادِ بن واقدٍ الصَّفّارُ، قال: دَخلتُ أنا وأبي على مالكِ بن أنَسٍ، فقال لهُ أبي: يا أبا عبدِ اللَّه، أيُّما (٣) أحبُّ إليكَ: المقامُ هاهنا، أو بمكّةَ؟ فقال: هاهنا، وذلك أنَّ اللَّهَ اختارَها لنبِيِّهِ ﷺ من جميع بقاع الأرضِ. ثُمَّ قال: حدَّثنا نُعَيمُ بن عبدِ اللَّه المُجْمِرُ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من خرجَ منها رَغْبةً عنها، أبْدَلها اللَّهُ من هُو خيرٌ منهُ، وإنَّها لتَنفِي خَبَثَ الرِّجالِ، كما ينفِي الكِيرُ خبَثَ الحدِيدِ". وهذا الحديثُ خطأٌ بهذا الإسنادِ، والصَّوابُ فيه، ما في "المُوطَّأ". وأمّا قولُهُ: "أنقابُ المدِينةِ" فإنَّهُ أرادَ طُرُقَها، وفِجاجَها (٤)، والواحِدُ: نَقَبٌ، ومن ذلك قولُ اللَّه : ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [ق: ٣٦] أي: جعلُوا فيها طُرُقًا ومسالِكَ، قال امرُؤُ القَيْس (٥): وقد نقَّبتُ في الآفاقِ حتّى ... رَضِيتُ من الغَنِيمةِ بالإيابِ والمنكِبُ أيضًا: الطَّرِيقُ، مِثلُ المنقبِ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ واضحٌ على فضْلِ المدِينةِ، إذ لا يدخُلُها الطّاعُونُ،

стр. 5481

ولا الدَّجّالُ، وأنَّهُ يَطَأُ الأرضَ كلَّها ويدخُلُها، حاشَى المدِينةَ، ويُروَى في غيرِ ما (١) حديثٍ: "حاشَى مَكّةَ والمدِينةَ". رُوِي ذلك من حديثِ جابرٍ وغيرِهِ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِقٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن طَهْمانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّه، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "يخرُجُ الدَّجّالُ في خَفْقةٍ (٢) من الدِّينِ، وإدبارٍ من العِلم، لهُ أربعُونَ لَيْلةً يَسِيحُها في الأرضِ، اليومُ منها كالسَّنةِ، واليومُ منها كالشَّهرِ، واليومُ منها كالجُمُعةِ، ثُمَّ سائرُ أيامِهِ كأيامِكُم هذه، ولهُ حِمارٌ يركبُهُ، عريضٌ، ما بينَ أُذُنَيهِ أربعُونَ ذِراعًا، فيقولُ للنّاسِ: أنا ربُّكُم، وهُو أعورُ، وإنَّ ربَّكُم ليسَ بأعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بين عَيْنيهِ كافِرٌ، يَقْرأُهُ كلُّ مُؤمِنٍ، كاتِبٍ وغيرِ كاتِبٍ، يرِدُ كلَّ ماءٍ ومَنْهَل (٣)، إلّا المدِينةَ ومكّةَ، حرَّمهُما (٤) اللَّه عليه (٥)، وقامَتِ (٦) الملائَكةُ بأبوابِهِما (٧) ". وذكَرَ الحديثَ، بطُوله (٨) (٩) (١٠).

стр. 5482

حديثٌ ثانٍ لنُعَيم المُجْمِرِ مالكٌ (١)، عن نُعَيم بن عبدِ اللَّه المُجْمِرِ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّه بن زيدٍ الأنصارِيِّ، أنَّهُ أخبَرهُ عن أبي مسعُودٍ الأنصارِيِّ، أنَّهُ قال: أتانا رسُولُ اللَّه ﷺ في مجلِسِ سَعْدِ بن عُبادةَ، فقال لهُ بَشِيرُ بن سعدٍ: أمَرَنا اللَّهُ أن نُصلِّي عليكَ يا رسُولَ اللَّه، فكيفَ نُصلِّي عليكَ؟ قال: فسكتَ رسُولُ اللَّه ﷺ حتّى تمنَّينا أنَّهُ لم يَسْألهُ، ثُمَّ قال: "قولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ، وبارِكْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما بارَكْتَ على إبراهيمَ، في العالمِينَ، إنَّك حمِيدٌ مجِيدٌ، والسَّلامُ كما قد عَلِمتُم". قال أبو عُمر: محمدُ بن عبدِ اللَّه بن زيدٍ الأنصارِيُّ، هُو الذي أُرِيَ أبوهُ النِّداءَ (٢)، فصارَ سُنّةً. وأبو مسعُودٍ الأنصارِيُّ، اسمُهُ عُقبةُ بن عَمرٍو (٣). وبَشِيرُ بن سعدٍ (٤)، هُو والِدُ النُّعمانِ بن بَشِيرٍ. وقد ذكَرْنا كلَّ واحِدٍ منهُم في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" بما يَنْبَغي من ذِكرِهِ، والحمدُ للَّه. حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن زكرِيّا النَّيسابُورِيُّ بمِصْرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن عبدِ الخالِق البزّار، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ الجَحْدَريُّ، قال: حدَّثني زِيادُ بن عبدِ اللَّه، قال:

стр. 5483

حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن إبراهيمَ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّه بن زَيْدٍ، عن أبي مسعُودٍ الأنْصارِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (١). بنَحوِ حديثِ مالكٍ. وقد رَوَى مِثل حديثِهِ هذا عنِ النَّبيِّ ﷺ جماعةٌ، منهُم: أبو سعِيدٍ الخُدرِيُّ وغيرُهُ. حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن زكرِيّا. وأخبرنا (٢) عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ. قالا: أخبرنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): أخبَرنا قُتَيبةَ بنُ سعِيدٍ، قال: حدَّثنا بكرُ بن مُضرَ، عنِ ابنِ الهادِ، عن عبدِ اللَّه بن خبّابٍ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قُلنا: يا رسُولَ اللَّه، السَّلامُ عليكَ قد عرَفْناهُ، فكيفَ الصَّلاةُ عليكَ؟ قال: "قولُوا: اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ عبدِكَ ورسُولِكَ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ، وبارِك على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيمَ". ورواهُ شُعبةُ والثَّورِيُّ، عنِ الحَكَم، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كَعْبِ بن عُجرةَ، قال: لمّا نَزلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسُولَ اللَّه، هذا السَّلامُ

стр. 5484

عليكَ قد عرَفْناهُ، فكيفَ الصَّلاةُ؟ فقال: "قُل: اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ، إنَّكَ حمِيدٌ مجِيدٌ، وبارِك على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما باركتَ على آلِ إبراهيمَ (١)، إنَّكَ جميدٌ مجِيدٌ" (٢). هذا لفظُ حديثِ الثَّورِيِّ. وهذا الحديثُ يدخُلُ في التَّفسِيرِ المُسندِ، ويُبيِّنُ معنَى قولِ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] فبيَّنَ لهم رسُولُ اللَّه ﷺ كيفَ الصَّلاةُ عليه، وعلَّمهُم في التَّحِيّاتِ كيف السَّلامُ عليه، وهُو قولُهُ في التَّحِيّاتِ: "السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللَّه، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللَّه الصالحِينَ". وهذا معنى قولِهِ في حديثِ مالكٍ: "والسَّلامُ كما قد علِمتُم". ويشهدُ لذلك قولُ عبدِ اللَّه بن عبّاسٍ (٣)، وابنِ عُمرَ (٤)، وابنِ مسعُودٍ (٥): كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُعلِّمُنا التَّشهُّدَ، كما يُعلِّمُنا السُّورةَ من القُرآنِ. وهُو أيضًا معنى حديثِ كَعْبِ بن عُجْرةَ المذكُورِ عندَ نُزُولِ الآيةِ.

стр. 5485

وقد قيل: إنَّ السَّلامَ في هذه الأحادِيثِ، أُرِيدَ به السَّلامُ من الصَّلاةِ. والقولُ الأوَّلُ أكثرُ. وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في وُجُوبِ التَّشهُّدِ، وفي ألفاظِهِ، وفي وُجُوبِ السَّلام من الصَّلاةِ، وهل هُو واحِدةٌ أوِ اثنتانِ؟ ولستُ أعلمُ في "المُوطَّأ" من حديثِ النَّبيِّ ﷺ موضِعًا، أولى بذِكرِ ذلك من هذا الموضِع. فأمّا التَّشهُّدُ، فإنَّ مالكًا وأصحابهُ ذَهَبُوا فيه، إلى ما رواهُ في "مُوطَّئِهِ" (١) عنِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدٍ القاريِّ، أنَّهُ سمِعَ عُمرَ بن الخطّابِ وهُو على المِنْبرِ يُعلِّمُ النّاس التَّشهُّد يقولُ: قولُوا: التَّحِيّاتُ للَّه، الزّاكياتُ للَّه الطَّيِّباتُ، الصَّلواتُ للَّه، السَّلامُ عليكَ أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللَّه وبركاتُهُ، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللَّه الصّالحِينَ، أشْهَدُ أن لا إلَه إلّا اللَّه وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عَبدُهُ ورسُولُهُ. وأمّا الشّافعيُّ فذهَبَ في التَّشهُّدِ إلى حديثِ اللَّيثِ، عن أبي الزُّبيرِ، عن سعِيدِ بن جُبَيرِ وطاوُوسٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُعلِّمُنا التَّشهُّدَ كما يُعلِّمُنا السُّورةَ من القُرآنِ، قال: "إذا جلَسَ أحدُكُم في الرَّكعتينِ، أو في الأرْبَع، فليقُل: التَّحِيّاتُ المُبارَكاتُ الصَّلواتُ الطَّيِّباتُ للَّه، السَّلامُ عليكَ أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللَّه وبَرَكاتُهُ، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللَّه الصّالحِينَ، أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلّا اللَّه وَحْدهُ لا شرِيكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسُولُهُ". رواهُ الشّافعيُّ (٢)، عن يحيى بن حسّانَ، أنَّهُ أخبَرهُ به عنِ اللَّيثِ، بإسنادِهِ.

стр. 5486

وروهُ عن أبي الزُّبيرِ، كما رواهُ اللَّيثُ جماعةٌ (١). وأمّا سُفيانُ الثَّورِيُّ والكُوفيُّونَ، فذهبُوا في التَّشهُّدِ إلى حديثِ ابنِ مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وهُو حديثٌ كُوفيٌّ، رواهُ أئمّةُ أهلِ الكُوفةِ، فمِمَّن رواهُ: منصُورٌ، والأعمَشُ عن أبي وائل، عنِ ابنِ مسعُودٍ (٢). ورواهُ أبو (٣) إسحاقَ، عن أبي الأحْوَصِ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ (٤).

стр. 5487

ورواهُ القاسمُ بن مُخَيمِرةَ، عن عَلْقمةَ، عنِ ابنِ مَسعُودٍ (١). بِمعنًى واحِدٍ عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا جلسَ أحدُكُم في الصَّلاةِ، فليَقُل: التَّحِيّاتُ للَّه، والصَّلواتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عليكَ أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللَّه وبَرَكاتُهُ، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللَّه الصالحِينَ، أشهدُ أن لا إله إلّا اللَّه، وحدَهُ لا شرِيك لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسُولُهُ". وقد رُوِي التَّشهُّدُ عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢). وعن سَمُرةَ بن جُندُبٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٣). وعن أبي مُوسى، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٤). وعن جابرِ بن سمُرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٥). وفي بعضِ ألفاظِها اختِلافٌ، وزِيادةُ كلِمةٍ ونُقصانُ أُخرى، وذلك كلُّهُ مُتقارِبُ المعنى، وفيها كلُّها: "السَّلامُ عليكَ أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللَّه". ومنهُم من يقولُ فيه: "وبركاتُهُ". ومنهُم من لا يذكُرُ ذلك، ومنهُم من لا يزِيدُ على قولِهِ: "السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ". فهذا وجهٌ في معنى قولِهِ: "والسَّلامُ كما قد عَلِمتُم".

стр. 5488

والوَجهُ الآخرُ، كهيئةِ السَّلام من الصَّلاةِ، فقد رُوِي عنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كان يُسلِّمُ من الصَّلاةِ تَسْلِيمةً واحِدةً، من حديثِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وعائشةَ، وأنسِ بن مالكٍ، وكلُّها معلُولةُ الأسانِيدِ، لا يُثبِتُها أهلُ العِلم بالحديثِ. وأمّا حديثُ سعدٍ، فإنَّ الدَّراوردِيَّ رواهُ عن مُصعبِ بن ثابتٍ، عن إسماعيلَ بن محمدِ بن سعدٍ، عن محمدٍ، عن أبيه سعدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُسلِّمُ من الصَّلاةِ تسلِيمةً واحِدةً (١). فأخَطَأ فيه خَطأً لم يُتابِعهُ أحدٌ عليه، وأنكرُوهُ عليه، وصرَّحُوا بخطئهِ فيه؛ لأنَّ كلَّ من رَواهُ عن مُصعبِ بن ثابتٍ، بإسنادِهِ المذكُورِ قال فيه: إنَّ رسُول اللَّه ﷺ كان يُسلِّمُ من الصَّلاةِ تَسْلِيمتينِ. وأمّا حديثُ عائشةَ (٢)، فانفردَ به زُهَيرُ بن محمدٍ، لم يروِهِ مرفُوعًا غيرُهُ. وهُو ضعِيفٌ لا يُحتجُّ بما ينفرِدُ به. وأمّا حديثُ أنسٍ، فإنَّما رُوِيَ عن أيُّوب السَّختِيانِيِّ عن أنَسٍ (٣). ولم يسمع أيُوبُ من أنسٍ ولا رآهُ، قال أبو بكرٍ البزّارُ وغيرُهُ: لا يصِحُّ عنِ النَّبيِّ ﷺ في التَّسلِيمةِ الواحِدةِ شيءٌ. يعني: من جِهةِ الإسنادِ. قال أبو عُمر: لم يُخرِّج البُخارِيُّ في التَّسلِيم من الصَّلاةِ شيئًا، لا في الواحِدةِ، ولا في الاثنتينِ، ولا خرَّجَ أبو داود السِّجِستانِيُّ، ولا أبو عبدِ الرَّحمنِ النَّسائيُّ في التَّسلِيمةِ الواحِدةِ شيئًا، وخرَّج أكثرُ المُصنِّفِين في السُّننِ حديث التَّسْلِيمتينِ.

стр. 5489

فمِن ذلك: حديثُ ابنِ مسعُودٍ، رواهُ أبو الأحوصِ وعَلْقمةُ والأسودُ، عنِ ابنِ مسعُودٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يُسلِّمُ عن يَمِينِهِ: "السَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللَّه، وعن يسارِهِ: السَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللَّه" حتّى يُرَى بياضُ خَدِّهِ (١). وكذلك حديثُ سعدٍ المذكُورُ، الصَّحِيحُ فيه: التَّسلِيمتانِ، بالإسنادِ المذكُورِ. وأمّا حديثُ ابنِ عُمر في التَّسلِيمتينِ، فحديثٌ حَسنٌ، من حديثِ محمدِ بن يحيى بن حَبّانَ، عن عمِّهِ واسِع بن حَبّانَ، عنِ ابنِ عُمرَ (٢).

стр. 5490

ورُوِي في التَّسلِيمتينِ: حديثُ جابرِ بن سَمُرةَ (١)، وحديثُ عمّارٍ (٢)، وحديثُ سَمُرةَ بن جُندُبٍ (٣)، وحديثُ البراءِ بن عازِبٍ (٤)، وليست بالقوِيّةِ. ورُوِي عن طائفةٍ من الصَّحابةِ، وجماعةٍ من التّابِعين: التَّسلِيمةُ الواحِدةُ، ورُوِي عن جماعةٍ من الصَّحابةِ أيضًا والتّابِعين: التَّسلِيمتانِ. والقولُ عِندِي في التَّسلِيمةِ الواحِدةِ، وفي التَّسلِيمَتينِ: أنَّ ذلك كلَّهُ صحِيحٌ بنَقلِ من لا يجُوزُ عليهمُ السَّهوُ، ولا الغلطُ في مِثلِ ذلك، مَعمُولٌ به عملًا مُستفِيضًا، بالحِجازِ التَّسلِيمةُ الواحِدةُ، وبالعِراقِ التَّسلِيمتانِ، وهذا مِمّا يَصِحُّ فيه الاحتِجاجُ بالعَملِ، لتواتُرِ النَّقلِ كافّةً عن كافّةٍ في ذلك، ومِثلُهُ لا يُنسَى ولا مدخَلَ فيه للوَهم، لأنَّهُ مِمّا يَتكرَّرُ به العملُ في كلِّ يوم مرّاتٍ، فصحَّ أنَّ ذلك من المُباحِ والسِّعةِ والتَّخيِيرِ، كالأذانِ وكالوُضُوءِ، ثلاثًا واثنتينِ وواحِدةً،

стр. 5491

وكالاسْتِجمارِ بحجَرينِ وبثلاثةِ أحجارٍ، من فعلَ شيئًا من ذلك فقد أحسنَ وأخذَ (١) بوَجهٍ مُبصاح من السُّننِ، فسبقَ إلى أهلِ المدِينةِ من ذلك التَّسلِيمةُ الواحِدةُ، فتَوارثُوها وغلبَتْ عليهم، وسبقَ إلى أهلِ العِراقِ وما وراءَها التَّسلِيمتانِ، فجَرُوا عليها، وكلٌّ جائزٌ حسنٌ، لا يجُوزُ أن يكونَ إلّا توقِيفًا، مِمَّن يجِبُ التَّسلِيمُ لهُ في شرع الدِّينِ، وباللَّه التَّوفيقُ. وأمّا رِوايةُ من رَوَى عن مالكٍ: أنَّ التَّسلِيمتينِ لم تَكُن (٢) إلّا من زَمنِ بنِي هاشِم. فإنَّما أرادَ ظُهُور ذلك بالمدِينةِ، واللَّه أعلمُ. وأجمعَ العُلماءَ على أنَّ الصلاةَ على النَّبيِّ ﷺ فرضٌ واجِبٌ على كلِّ مُسلِم، لقولِ اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. ثُمَّ اختَلفُوا متى تجِبُ، ومتى وقتُها ومَوْضِعُها؟ فمذهبُ مالكٍ، عندَ أصحابِهِ، وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ: أنَّ الصَّلاةَ على النَّبيِّ ﷺ فرضٌ في الجُملةِ بعَقدِ الإيمانِ. ولا يتعيَّنُ ذلك في الصَّلاةِ. ومن مَذهبِهِم: أنَّ من صلَّى على النَّبيِّ ﷺ في التَّشهُّدِ مرّةً واحِدةً في عُمُرِهِ، فقد سقطَ فرضُ ذلك عنهُ. ورُوِي عن مالكٍ وأبي حنِيفةَ والثَّورِيِّ والأوزاعِيِّ، أنَّهُم قالوا: الصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ في التَّشهُّدِ جائزٌ. ويستحِبُّونها، وتارِكُها مُسِيءٌ عندَهُم، ولا يُوجِبُونها فيه (٣).

стр. 5492

وقال الشّافعيُّ (١): إذا لم يُصلِّ المُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ في التَّشهُّدِ الآخِرِ بعد التَّشهُّدِ، وقبلَ التَّسلِيمِ، أعادَ الصَّلاةِ. قال: وإن صلَّى عليه قبلَ ذلك، لم يُجزِهِ. وهذا قولٌ حكاهُ عنهُ حرملةُ بن يحيى، لا يكادُ يُوجَدُ هكذا عنهُ إلّا من رِوايةِ حَرْملةَ، وهُو من كِبارِ أصحابِهِ، الذين كتبُوا عنهُ كُتُبهُ. وقد تَقلَّدهُ أصحابُ الشّافعيِّ ومالُوا إليهِ، وناظرُوا عليه، وهُو عندَهُم تحصِيلُ مَذْهبِهِ. ومِن حُجّةِ من قال: إنَّ الصَّلاةَ على النَّبيِّ ﷺ ليَسْت بواجِبةٍ في الصَّلاةِ، حديثُ الحسنِ بن الحُرِّ، عنِ القاسم بن مُخيمِرةَ، قال: أخذَ عَلْقمةُ بيدِي، فقال: إنَّ عبد اللَّه بن مسعُودٍ أخذَ بيدِهِ، وقال: إنَّ رسُول اللَّه ﷺ أخذَ بيدِي كما أخذتُ بيدِكَ، فعلَّمنِي التَّشهُّد، فقال: "قُل: التَّحِيّاتُ للَّه والصَّلواتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عليكَ أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللَّه وبركاتُهُ، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللَّه الصّالحِين، أشهدُ أن لا إله إلّا اللَّه وحدَهُ لا شرِيكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسُولُهُ". قال: "فإذا أنت قُلتَ ذلك، فقد قَضيتَ الصَّلاةَ، وإن شِئتَ أن تقُومَ فقُم، وإن شِئتَ أن تقعُدَ فاقعُدْ" (٢).

стр. 5493

قالوا: ففي هذا الحديثِ ما يَشْهدُ لن لم يرَ الصَّلاةَ على النَّبيِّ ﷺ في التَّشهُّدِ واجِبةً، ولا سُنّةً مسنُونةً؛ لأنَّ ذلك لو كان واجِبًا، أو سُنّةً، لبيَّن ذلك وذكَرهُ. ومن حُجَّتِهِم أيضًا: حديثُ الأعمشِ، عن أبي وائلٍ شَقِيقِ بن سلمةَ، عنِ ابنِ مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ في التَّشهُّدِ (١). وفي آخِرِهِ: "ثُمَّ ليتخيَّر أطيبَ الكلام". أو: "ما أحبَّ من الكلام". ومِن حُجَّتِهِم أيضًا: حديثُ فَضَالةَ بن عُبيدٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ سمِعَ رجُلًا يدعُو في صَلاتِهِ، لم يحمدِ اللَّه ، ولم يُصلِّ على النَّبيِّ ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "عجِلَ هذا". ثُمَّ دَعاهُ فقال لهُ، أو لغيرِهِ: "إذا صلَّى أحدُكُم فليَبْدأ بحمدِ اللَّه، والثَّناءِ عليه، ثُمَّ يُصلِّي على النَّبيِّ، ثُمَّ يدعُو بما شاءَ" (٢). ففي حديثِ فضالةَ هذا، أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمُرِ المُصلِّي، إذ لم يُصلِّ على النَّبيِّ ﵇ في صلاتِهِ، بالإعادةِ. فدلَّ على أنَّ ذلك ليسَ بفَرْضٍ، ولو تركَ فرضًا، لأمرهُ بالإعادةِ، كما أمرَ الذي لم يُقِم رُكُوعهُ ولا سُجُودهُ بالإعادةِ، وقال لهُ: "ارجِعْ فصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ" (٣). رَوَى ذلك رِفاعةُ بن رافِع، وأبو هريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، وقد ذكَرْنا حَدِيثهُما فيما سلَفَ من كِتابِنا، والحمدُ للَّه.

стр. 5494

ومِن حُجّةِ الشّافعيِّ ومن قال بقولِهِ في هذه المسألةِ: أنَّ اللَّه أمرَ بالصَّلاةِ على نبِيِّهِ، وأن يُسلَّمَ عليه تَسلِيمًا، ثُمَّ جاءَ أمرُهُ ﷺ بالتَّشهُّدِ، وأنَّهُ كان يُعلِّمُ أصحابهُ ذلك، كما يُعلِّمُهُمُ السُّورةَ من القُرآنِ، وقال لهم: إنَّهُ يقالُ في الصَّلاةِ، لا في غَيْرِها، وقالوا: قد عَلِمنا السَّلامَ عليكَ، فكيفَ الصَّلاةُ؟ فقال لهم: "قولُوا اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ،". وعلَّمهُم ذلك وقال لهم: "السَّلامُ كما قد علِمتُم". فدلَّ ذلك على أنَّ الصَّلاةَ عليه في الصَّلاةِ، قَرِينُ التَّشهُّدِ. قالوا: ووجَدْنا الأُمّةَ بأجمعِها تفعلُ الأمرَينِ جميعًا في صلاتِها، فعلِمنا أنَّهُما في الأمرِ بهما سَواءٌ، فلا يجُوزُ أن يُفرَّقَ بينهُما، ولا تتِمُّ الصَّلاةُ إلّا بهما، لأنَّهُما وِراثةٌ عن رسُولِ اللَّه ﷺ وأصحابِهِ وسائرِ المُسلِمِينَ، قولًا وعملًا. قالوا: وأمّا احتِجاجُ منِ احتجَّ بحديثِ ابنِ مسعُودٍ في التَّشهُّدِ، وقولِهِ في آخِرِهِ: "فإذا قُلتَ ذلك فقد تمَّت صلاتُك" فلا وجهَ لهُ (١)؛ لأنَّهُ حديثٌ خرجَ على معنًى في التَّشهُّدِ، وذلك أنَّهُم كانوا (٢) يقولُونَ في الصَّلاةِ: السَّلامُ على اللَّه. فقيل لهم: إنَّ اللَّهَ هُو السَّلامُ، ولكِن قولُوا كذا، فعُلِّمُوا التَّشهُّد. ومعنى قولِهِ: "فإذا قُلتَ ذلك، فقد تمَّت صلاتُكَ". يعني: إذا ضُمَّ إليها ما يجِبُ فيها، من رُكُوع، وسُجُودٍ، وقِراءةٍ، وتسلِيم، وسائرُ أحكامِهِما، ألا تَرى أنَّهُ لم يذكُر لهُ التَّسلِيم من الصَّلاةِ، وهُو من فرائضِها، لأنَّهُ قد كان وَقَّفهُم على ذلك، فاستغنَى عن إعادةِ ذلك عليهم، وإنَّما حديثُ ابنِ مسعُودٍ هذا، مِثلُ قولِهِ ﷺ : "أُمِرتُ أن آخُذَ الصَّدَقةَ من أغنِيائكُم، وأرُدَّها على فُقرائكُم" (٣). أي: ومن سُمِّي معهُم، ومِثلُ قولِهِ للَّذِي قال لهُ: "ارجِعْ فصلِّ فإنَّكَ لم تُصلِّ". ثُمَّ أمرَهُ بما رآهُ لم يأتِ به، ولم يُقِمهُ من

стр. 5495

صلاتِهِ، وسكتَ لهُ عنِ التَّشهُّدِ والتَّسلِيم، وقد قامَ الدَّليلُ من غيرِ هذا الحديثِ بوُجُوبِ التَّشهُّدِ، ووُجُوبِ التَّسلِيم، بما علَّمهُم من ذلك، وأعلَمهُم أنَّ ذلك في صَلاتِهِم، وكذلك الصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ ، مأخُوذٌ من غيرِ ذلك الحديثِ. واحتجُّوا من الأثرِ بحديثِ أبي مسعُودٍ، من رِوايةِ مالكٍ، وفيه: أنَّهُ علَّمهُمُ الصَّلاةَ على النَّبيِّ ﷺ ، وقال فيه (١): "والسَّلامُ كما قد علِمتُم". يعني: التَّشهُّدَ، وبأنَّ أبا مَسعُودٍ رَوَى الحديثَ، وفَهِمَ مخرجهُ، وكان يَراهُ واجِبًا، ويقولُ: إنَّهُ لا صلاةَ لمن لم يُصلِّ فيها على النَّبيِّ ﷺ . حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه النَّيسابُورِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال: حدَّثنا زِيادُ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن عبدِ المجيدِ (٢)، قال: حدَّثنا هشامُ بن حسّانٍ، عن محمدِ بن سِيرِين، عن عبدِ الرَّحمنِ بن بِشْر بن (٣) مَسْعُودٍ، عن أبي مَسْعُودٍ، قال: لمّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] قالوا: يا رسُولَ اللَّه، قد عَلِمنا السَّلامَ، فكيفَ الصَّلاةُ؟ فقال: "قولُوا: اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ كما صلَّيت على إبراهيمَ، وبارِك على محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيمَ" (٤).

стр. 5496

وروَى عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ وغيرُهُ، عن شَرِيكٍ، عن جابرٍ (١) الجُعفِيِّ، عن أبي جَعفرٍ محمدِ بن عليٍّ، عن أبي مسعُودٍ، قال: ما أرَى أنَّ صلاةً لي تمَّت، حتّى أُصلِّي فيها على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ (٢). ورَوَى ابنُ أبي فُدَيكٍ وأبو ثابتٍ محمدُ بن عُبَيدِ اللَّه المدنِيُّ، عن عبدِ المُهَيمِنِ بن عبّاسِ بن سَهلِ بن سَعْدٍ السّاعِدِيِّ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا صَلاةَ لمن لم يُصلِّ فيها على النَّبيِّ ﷺ " (٣). قالوا: وهذا الحديثُ وإن كان في إسنادِهِ ضعفٌ، فإنَّ فيه اسْتِظهارًا مع ما قدَّمنا من الدَّلائلِ. قال أبو عُمر: ليسَ ما احتجُّوا به عِندِي بلازِم، لما فيه من الاعتِراضِ. ولستُ أُوجِبُ الصَّلاةَ على النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ، فرضًا من فُرُوضِ الصَّلاةِ. ولكِنِّي لا أُحِبُّ لأحَدٍ تركَها في كلِّ صلاةٍ، فإنَّ ذلك من تمام الصَّلاةِ، وأحْرَى أن يُجابَ للمُصلِّي دُعاؤُهُ إن شاءَ اللَّه. وحديثُ سهلِ بن سعدٍ في ذلك حدَّثناهُ خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن راشِدٍ أبو الميمُونِ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال: حدَّثنا

стр. 5497

عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ دُحَيمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ بن أبي فُدَيكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ المُهيمِنِ بن عبّاسِ بن سهلِ بن سعدٍ السّاعِدِيُّ، عن أبيه، عن جدِّهِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا صلاةَ لمن لم يُصلِّ فيها على النَّبيِّ ﷺ " (١). وهذا قد يحتمِلُ من التَّأوِيلِ، ما احتَملهُ قولُهُ: "لا إيمانَ لمن لا أمانةَ لهُ" (٢). و"لا صلاةَ لجارِ المسجِدِ إلّا في المسجِدِ" (٣). ونحو هذا، مِمّا أُرِيد به الفضلُ والكمالُ، واللَّه أعلمُ. وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو ثابتٍ محمدُ بن عُبيدِ اللَّه، عن عبدِ المُهيمِنِ. قال أبو عُمر: آلُ إبراهيم يدخُلُ فيه إبراهيمُ، وآلُ محمدٍ يدخُلُ فيه محمدٌ، ومن هُنا، واللَّهُ أعلمُ، جاءَتِ الآثارُ في هذا البابِ مرّةً بإبراهيمَ، ومرّةً بآلِ إبراهيمَ، وربَّما (٤) جاءَ ذلك في حديثٍ واحِدٍ، ومَعلُومٌ أنَّ قولَ اللَّه : ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] معناه: أدْخِلُوا فِرْعونَ وآلَه أشدَّ العَذاب (٥). والآلُ هاهُنا: الأتباعُ، والآلُ قد يكونُ الأهلَ، ويكونُ الأتباعَ، ويكونُ الأزواجَ والذُّرِّيّةَ، على ما جاءَ في بعضِ الآثارِ.

стр. 5498

حديثٌ ثالِثٌ لنُعَيم مالكٌ (١)، عن نُعَيم بن عبدِ اللَّه المُجْمِرِ، عن عليِّ بن يحيى الزُّرَقِيِّ، عن أبيه، عن رِفاعةَ بن رافِع، أنَّهُ قال: كُنّا نُصلِّي يومًا وراءَ رسُولِ اللَّه ﷺ ، فلمّا رفعَ رسُولُ اللَّه ﷺ رأسهُ من الرَّكْعةِ وقال: "سمِعَ اللَّه لمن حَمِدهُ"، قال رَجُلٌ وراءَهُ: ربَّنا ولكَ الحَمْدُ، حمدًا كثِيرًا طيِّبًا مُبارَكًا فيه. فلمّا انصرَفَ رسُولُ اللَّه ﷺ قال: "منِ المُتكلِّمُ آنِفًا؟ " قال الرَّجُلُ: أنا يا رسُولَ اللَّه، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لقد رأيتُ بضعةً وثلاثِينَ مَلكًا يَبْتدِرُونها أيُّهُم يكتبها (٢) أوَّل". في هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ الإمامَ يقولُ: سمِعَ اللَّه لمن حمِدهُ، لا يزِيدُ على ذلك، والمأمُومُ يقولُ (٣): ربَّنا ولكَ الحمدُ. لا يقولُ: سمِعَ اللَّه لمن حمِدهُ. وهذا كلُّهُ قولُ مالكٍ. وقد مَضَى الاختِلافُ في هذه المسألةِ، ووُجُوهُ (٤) الأقوالِ فيها من جِهةِ الآثارِ، لأنَّها مَسْألةٌ مأخُوذةٌ من الأثَرِ، فيما تقدَّمَ من كِتابِنا هذا. وفيه دليلٌ على أنَّهُ لا بأسَ برفع الصَّوتِ وراءَ الإمام بـ "ربَّنا ولكَ الحمدُ" لمن أرادَ الإسماعَ والإعلامَ للجماعةِ الكثِيرةِ بقولِهِ ذلك، لأنَّ الذِّكرَ كلَّهُ، من التَّحمِيدِ والتَّهليلِ والتَّكبِيرِ، جائزٌ في الصَّلاةِ، وليسَ بكلام تَفسُدُ به الصَّلاةُ، بل هُو محمُودٌ ممدُوحٌ فاعِلُهُ، بدليلِ حديثِ هذا البابِ.

стр. 5499

وبما حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن حَمْدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (١): حدَّثنا (٢) هشامُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ اللَّه بن إيادِ بن لَقِيطٍ، قال: حدَّثنا إيادٌ، عن عبدِ اللَّه بن سَعِيدٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي أوْفَى، قال: جاءَ رجُلٌ ونحنُ في الصَّفِّ خلفَ رسُولِ اللَّه ﷺ فقال: اللَّهُ أكبرُ كبِيرًا، وسُبحانَ اللَّه بُكْرةً وأصِيلًا. قال: فرفَعَ المُسلِمُونَ رُؤُوسهُم، واسْتَنكرُوا (٣) الرَّجُلِ، وقالوا: من هذا الذي يَرْفعُ صوتَهُ فوقَ صَوْتِ رسُولِ اللَّه ﷺ ؟ فلمّا انصرَفَ رسُولُ اللَّه ﷺ قال: "مَنْ هذا العالِي الصَّوتِ؟ ". فقيل: هُو هذا يا رسُولَ اللَّه، فقال: "واللَّه لقد رأيتُ كلامًا (٤) يصعدُ إلى السَّماءِ، حتّى فُتِح لهُ فدخَلَ". قال أبو عُمر: في مَدْحِ رسُولِ اللَّه ﷺ لفِعْلِ هذا الرَّجُلِ، وتَعْرِيفِهِ النّاسَ بفَضْلِ كلامِهِ، وفَضْلِ ما صنَعَ من رَفْع صوتِهِ بذلك الذِّكرِ، أوضَحُ الدَّلائلِ على جَوازِ ذلك الفِعلِ من كلِّ من فعلَهُ، على أيِّ وَجْهٍ جاءَ به، لأنَّهُ ذِكرٌ للَّه، وتَعْظِيمٌ لهُ، يَصْلُحُ مِثلُهُ في الصَّلاةِ، سِرًّا وجهرًا، ألا تَرى أنَّهُ لو تكلَّمَ في صلاتِهِ بكلام يُفهَمُ عنهُ غيرُ القُرآنِ والذِّكرِ سِرًّا، لما جازَ كما لا يجُوزُ جهرًا؟ وهذا واضِحٌ، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 5500

وفي حديثِ هذا البابِ لمالكٍ أيضًا دليلٌ على أنَّ الذِّكرَ كلَّهُ، والتَّحمِيدَ والتَّمجِيدَ ليسَ بكلام تفسُدُ به الصَّلاةُ، وأنَّهُ كلَّهُ محمُودٌ في الصَّلاةِ، المكتُوبةِ والنّافِلةِ، مُستَحبٌّ مرغُوبٌ فيه، وفي حديثِ مُعاوِيةَ بن الحَكَم، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إنَّ صَلاتَنا هذه لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلام النّاسِ، إنَّما هُو التَّكبِيرُ، والتَّسبِيحُ، والتَّهليلُ، وتِلاوةُ القُرآنِ" (١). فأطلقَ أنواعَ الذِّكرِ في الصَّلاةِ، فدلَّ على أنَّ الحُكم في الذِّكرِ، غيرُ الحُكم في الكلام، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 5501

حديثٌ رابعٌ لنُعَيم موقُوفٌ مالكٌ (١)، عن نُعَيم بن عبدِ اللَّه المُجْمِرِ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: من تَوضَّأ فأحسَنَ الوُضوءَ، ثُمَّ خرَجَ عامِدًا إلى الصَّلاةِ، فإنَّهُ في صَلاةٍ، ما كانَ (٢) يَعمِدُ إلى الصَّلاةِ، وإنَّهُ ليُكْتَبُ لهُ بإحْدَى خُطوَتَيهِ حَسَنةٌ، وتُمْحَى عنهُ بالأُخْرَى سيِّئةٌ، فإذا سَمِعَ أحدُكُمُ الإقامةَ فلا يَسْعَ، فإنَّ أعْظَمكُم أجرًا، أبعدُكُم دارًا. قالوا: لمَ يا أبا هريرةَ؟ قال: منْ أجْلِ كَثْرةِ الخُطا. هكذا هذا الحديثُ موقُوفٌ في "المُوطَّأ" لم يتجاوَزْ به أبا هريرةَ، ولم يُختَلف على مالكٍ في ذلك، ومعناهُ يتَّصِلُ ويَسْتنِدُ إلى النَّبيِّ ﷺ من طُرُقٍ صِحاح، من غيرِ حديثِ نُعَيم عن أبي هريرة، ومن حديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (٣)، وغيرِهِ عنِ النَّبيِّ ﷺ . والأسانِيدُ فيه صِحاحٌ كلُّها، ومِثلُهُ أيضًا لا يقالُ بالرَّأي. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤):

стр. 5502

حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "صَلاةُ الرَّجُلِ في جَماعةٍ، تزِيدُ على صلاتِهِ في بَيْتِهِ وفي سُوقِهِ بخَمْسٍ وعِشرِينَ درجةً، وذلك أنَّ أحدَكُم إذا توضَّأ فأحسَنَ الوُضُوءَ، وأتَى المسجِدَ لا يُرِيدُ إلّا الصَّلاةَ، لا ينهَزُهُ (١) غيرُها، لم يَخْطُ خُطوةً، إلّا رَفَعَ اللَّهُ لهُ بها درجةً، وحَطَّ عنهُ بها خَطِيئةً حتّى يدخُلَ المسجِدَ، فإذا دخَلَ المسجِدَ، كان في صَلاةٍ ما كانت الصَّلاةُ تحبِسُهُ، والملائكةُ تُصلِّي على أحَدِكُم ما دامَ في مجلِسِهِ الذي صلَّى فيه، تقولُ: اللَّهُمَّ اغْفِر لهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عليه، ما لم يُؤذِ فيه أو يُحدِثْ فيه (٢). قال أبو عُمر: آخِرُ هذا الحديثِ عندَ مالكٍ (٣)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "الملائكةُ تُصلِّي على أحَدِكُم ما دامَ في مُصلّاهُ. . . " الحديثَ. وبهذا الإسنادِ عندَ مالكٍ (٤)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ مرفُوعًا أيضًا، قولُهُ ﷺ : "لا يزالُ أحَدُكُم في صَلاةٍ، ما كانتِ الصَّلاةُ تحبِسُهُ، لا يَمْنعُهُ أن ينقلِبَ إلى أهلِهِ إلّا الصَّلاةُ". وعندَهُ في فضْلِ الجماعةِ، حديثُهُ (٥) عنِ ابنِ شِهاب، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ. وحديثُهُ (٦) عن نافع عنِ ابنِ عُمرَ، كِلاهُما عنِ النَّبيِّ ﷺ .

стр. 5503

وقد ذكَرْنا كلَّ هذا في مَوْضِعِهِ من هذا الكِتابِ، والحمدُ للَّه. حدثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن مِهْرانَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن سَعْدٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "الأبْعَدُ فالأبْعَدُ من المسجِدِ، أعظمُ أجرًا". وقد رَوَى عبدُ الرَّزّاقِ (٢) وغيرُهُ عنِ الثَّورِيِّ، عن إبراهيمَ بن مُسلِم، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ، قال: ما من رَجُلٍ يَتَطهَّرُ فيُحْسِنُ الطُّهْرَ، فيخطُو خُطْوةً يَعمِدُ بها إلى المَسجدِ إلّا كتَبَ اللَّه لهُ (٣) بها حَسَنةً، ورفَعهُ بها دَرَجةً (٤)، حتّى إن كُنّا لنُقارِبُ في الخُطا. وهذا في معنَى حديثِ نُعَيم، عن أبي هريرةَ، ومِثلُهُ لا يكونُ رأيًا، ويدُلُّكَ على ذلك قولُهُ: حتّى إن كُنّا لنُقارِبُ في الخُطا. وأمّا قولُهُ في حديثِ نُعيم: فإذا سمِعَ أحدُكُمُ الإقامةَ، فلا يَسْعَ. فقد ثبتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إذا أُقِيمتِ الصَّلاةُ، فلا تأتُوها وأنتُم تَسْعونَ. . . " الحديث. رُوِيَ عن أبي هريرةَ مُسندًا من طُرُقٍ صِحاح، قد ذكَرْنا كثِيرًا منها في بابِ العلاءِ، من كِتابِنا هذا، ومَضَى القولُ هنالك (٥) في معنى ذلك كلِّهِ، والحمدُ للَّه على ذلك كثِيرًا.

стр. 5504

حديثٌ خامِسٌ، لنُعيم بن عبدِ اللَّه المُجمِرِ موقُوفٌ في المُوطَّأ، وقد أُسنِدَ من طرِيقِ مالكٍ وغيرِهِ مالكٌ (١)، عن نُعَيم بن عبدِ اللَّه المُجْمِرِ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: إذا صَلَّى أحدُكُم، ثُمَّ جلسَ في مُصلّاهُ، لم تَزَلِ الملائكةُ تُصلِّي عليه: اللَّهُمَّ اغفِرْ لهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمهُ، فإن قامَ من مُصلّاهُ فجلَسَ في المسجِدِ يَنْتظِرُ الصَّلاةَ، لم يَزَلْ في صَلاةٍ، حتّى يُصلِّي". هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" من قولِ أبي هريرةَ. وقد رُوِي عن مالكٍ بهذا الإسنادِ، عن نُعَيم، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . ومِمَّن رواهُ هكذا مرفُوعًا عن مالكٍ: عبدُ اللَّه بن وَهْبٍ، وإسماعيلُ بن جعفرٍ، وعُثمانُ بن عُمر، والولِيدُ بن مُسلِم (٢). فحديثُ ابنِ وَهْبٍ: حدَّثناهُ أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم والحسنُ بن عبدِ اللَّه الزُّبيدِيُّ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عليِّ بن الجارُودِ، قال: حدَّثنا مَسرُورُ بن نُوح، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مُنذِرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرنِي مالكٌ، عن نُعيم بن عبدِ اللَّه المُجمِرِ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال أبو القاسم ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكُم ثُمَّ جلَسَ في مُصلّاهُ، لم تَزَلِ الملائكةُ تُصلِّي عليه: اللَّهُمَّ اغفِر لهُ، اللَّهُمَّ ارحمهُ، فإن قامَ من مُصلّاهُ فجلَسَ في المسجِدِ يَنْتظِرُ الصَّلاةَ، لم يَزَلْ في صَلاةٍ حتّى يُصلِّي" (٣).

стр. 5505

وحديثُ إسماعيل بن جعفرٍ، حدَّثناهُ خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغوِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مُطِيع، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جَعْفرٍ، عن مالكٍ، عن نُعَيم بن عبدِ اللَّه، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ الملائكةَ تُصلِّي على أحَدِكُم ما دامَ في مُصلّاهُ الذي صلَّى فيه، ما لم يُحدِثْ، أو يقُمْ، فإن قامَ من مُصلّاهُ، فجلَسَ مجلِسًا في المسجِدِ ينتظِرُ الصَّلاةَ، لم يَزَلْ في صَلاةٍ حتّى يُصلِّي". وحديثُ عُثمان بن عُمرَ، حدَّثناهُ عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الخَضِرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ النَّسوِيُّ، قال: حدَّثنا زكرِيّا بن يحيى، قال: حدَّثنا يحيى بن حَكِيم المُقوِّمُ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نُعَيم بن عبدِ اللَّه المُجْمِرِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ، ﷺ (١). فذكَرَ معنى ما في "المُوطَّأ" بهذا الإسنادِ مرفُوعًا، وهُو في "المُوطَّأ" موقُوفٌ. وحديثُ الولِيدِ بن مُسلِم، حدَّثناهُ عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الخَضِرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن المُعلَّى بن يزِيد، قال: حدَّثنا صَفْوانُ بن صالح، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، عن مالكٍ، عن نُعيم، عن أبي هريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، فذكَرهُ (٢). قال أبو عُمر: هُو حديثٌ صحِيحٌ، رواهُ جماعةٌ من ثِقاتِ رُواةِ أبي هريرةَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ .

стр. 5506

باب صاد (١) صَفْوانُ (٢) بن سُلَيم وسُلَيمٌ أبوهُ مولى حُمَيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ الزُّهرِيِّ. كان صَفْوانُ بن سُلَيم من عُبّاد أهلِ المدِينةِ، وأتقاهُم للَّه ، ناسِكًا، كثِيرَ الصَّدَقةِ بما وجَدَ من قليلٍ وكَثِير، كثِيرَ العَملِ، خائفًا للَّه. يُكنى أبا عبدِ اللَّه، سكَنَ المدِينةَ، لم يَنْتقِل عنها، وماتَ بها في سنةِ اثْنَتينِ وثلاثِينَ ومئةً. ذكَرَ عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: سمِعتُ أبي يُسألُ عن صفوانَ بن سُلَيم، فقال: ثِقةٌ من خِيارِ عِبادِ اللَّه، وفُضَلاءِ المُسلِمِين (٣). وذكر أبو داودَ السِّجِستانِيُّ، قال (٤): ذكرَ أحمدُ بن حَنْبل صفوانَ بن سُليم، فقال: يُستنزَلُ بذِكرِهِ القَطْرُ. وقال يحيى القطّانُ: صَفْوانُ بن سُلَيم أحبُّ إليَّ من زَيْدِ بن أسلمَ. وقال أبو ضَمْرةَ أنسُ بن عِياضٍ: رأيتُ صَفْوانَ بن سُليم، ولو قيلَ لهُ: إنَّ السّاعةَ غدًا، ما كان عندَهُ مزِيدٌ. وقال أحمدُ بن صالح: كان صفوانُ بن سُليم أسودَ (٥). لمالكٍ عن صفوانَ بن سُليم من حديثِ النَّبيِّ ﷺ في "المُوطَّأ" سبعةُ أحادِيث، منها حديثانِ مُسندانِ، وخمسةُ أحادِيثَ مُرسلة.

стр. 5507

حديثٌ أوَّلُ لصفوانَ بن سُلَيم مُسندٌ مالكٌ (١)، عن صَفْوانِ بن سُلَيم، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "غُسْلُ يوم الجُمُعةِ واجِبٌ على كلِّ مُحتلِم". هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ رُواتِهِ، فيما علِمتُ، ولم يختلِفُوا في إسنادِهِ هذا (٢). ورواهُ بكرُ (٣) بن الشَّرُودِ الصَّنعانِيُّ عن مالكِ بن أنسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وهذا خطأٌ في الإسنادِ (٤)، وبكرُ بن الشَّرُودِ سيِّئُ الحِفظِ، ضعِيفُ الحديثِ، عندَهُ مناكِيرُ.

стр. 5508

وقد تقدَّمَ القولُ مُستَوعَبًا في غُسلِ الجُمُعةِ، وما في ذلك من الآثارِ والمعاني، للسَّلفِ من العُلماءِ والخلفِ منهُم، في بابِ ابنِ شِهابٍ عن سالم، من هذا الكِتابِ، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "واجِبٌ" فظاهِر الوُجُوبُ، الذي هُو الفرضُ. وليسَ كذلك، لآثارٍ وردَتْ تُخرِجُ هذا اللَّفظَ عن ظاهِرِهِ، إلى معنى السُّنّةِ والفَضْل. وقد ذكَرْناها في بابِ ابنِ شِهاب، عن سالم، عندَ قولِ عُمرَ لعُثمانَ (١): الوُضُوءُ أيضًا وقد عَلِمتَ أَنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يأمُرُ بالغُسلِ (٢). وقد يحتَمِلُ أن يكونَ قولُهُ في هذا الحديثِ: "واجِبٌ". أي: وُجُوبَ السُّنّةِ، أو واجِبٌ في المروءة (٣)، أو واجِبٌ في الأخلاقِ الجَمِيلةِ، كما تقولُ العربُ: وجَبَ حقُّكَ. وليسَ على أنَّ ذلك واجِبٌ فرضًا. ومِن الدَّليلِ على ما قُلناهُ في معنى هذا الحديثِ، وما تأوَّلنا فيه، وهُو مع ذلك قولُ أكثرِ أهلِ العِلم، وإليه ذهَبَ أئمّةُ الفتوَى في أمْصارِ المُسلِمِينَ: ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَجاءٍ، قال: أخبرنا همّامُ، عن قَتادةَ، عنِ الحَسَنِ، عن سَمُرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من تَوضَّأ يومَ الجُمُعةِ، فبِها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ، فالغُسلُ (٤) أفضَلُ" (٥).

стр. 5509

فكيفَ يجُوزُ مع هذا الحديثِ ومثلِهِ، أن يُحملَ قولُهُ ﷺ : "غُسلُ يوم الجُمُعةِ واجِبٌ على كلِّ مُحتلِم" على ظاهِرِهِ؟ هذا ما لا سبِيلَ إليهِ. ومِمّا يدُلُّ على ما قُلنا: أنَّ أبا سعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَوَى هذا الحديثَ، الذي ظاهرهُ الوُجُوبُ في (١) غُسلِ الجُمُعةِ، وكان يُفتِي بخِلافِ ذلك، وذلك دليلٌ على أنَّهُ فهِمَ من معنَى الحديثِ ومَخْرجِهِ وفحواهُ، أنَّهُ ليسَ على ظاهِرِهِ، وأنَّ المعنى فيه ما تأوَّلنا، وباللَّه توفيقُنا. ذكر عبدُ الرزّاقِ (٢)، عن عُمرَ (٣) بن راشدٍ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سلَمةَ، قال: سمعتُ أبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ، يقولُ: ثلاثٌ هُنَّ على كلِّ مُسلم يومَ الجُمُعةِ: الغُسلُ، والسِّواكُ، ومَسُّ طِيبٍ (٤) إن وجدَهُ. قال أبو عُمر: معلومٌ أنَّ الطِّيبَ والسِّواكَ ليسا بواجبَيْن يومَ الجُمعة ولا غيرَه، فكذلك الغُسلُ، وقد رُوِيَ عن أبي سَعِيد الخُدْري ما يدلك على أنَّه حَمَلَهُ على خلافِ ظاهرِ حديثِهِ الذي رواهُ مالكٌ في هذا الباب (٥). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحِيم، قال: حدَّثنا صالحُ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا الرَّبِيعُ بن بَدْرٍ، عنِ الجُرَيرِيِّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من أتَى الجُمُعةَ فتَوضَّأ، فبها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ، فالغُسلُ أفضَلُ" (٦).

стр. 5510

وهذا أوضَحُ شيءٍ في سُقُوطِ وُجُوبِ غُسلِ يوم الجُمُعةِ. وفيه دَليلٌ على أنَّ حديثَ صفوانَ بن سُلَيم ليسَ على ظاهِرِهِ (١). والأصلُ في الفَرائضِ أن لا تجِبَ إلّا بيَقِينٍ، ولا يقِينَ في إيجابِ غُسلِ الجُمُعةِ، مع ما وصَفْنا. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَرْوان، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الحَسَنُ بن يحيى قاضِي القُلْزُم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عليِّ بن الجارُودِ، قال (٢): حدَّثنا عبدُ اللَّه بن هاشِم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَهْدِيٍّ، عن همّام (٣)، عن قَتادةَ، عنِ الحَسَنِ، عن سَمُرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من تَوضَّأ يومَ الجُمُعةِ، فبِها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ، فالغُسلُ أفضَلُ". قال أبو عُمر: "نِعمَتْ" في هذا الحديثِ وما كان في معناهُ، لا تُكتَبُ إلّا بالتّاءِ، ولا يُوقَفُ عليها إلّا بالتّاءِ، وهِي مجزُومةٌ في الوصلِ والوقفِ، إلّا أن تتَّصِلَ بساكِنٍ بعدَها فتُكسرُ. وسُئل أبو حاتِم (٤): من أينَ دخلَ التَّأنِيثُ في: نِعمَتْ؟ فقال: أرادُوا: نِعمَتِ الفِعلةُ، أو: نِعمَتِ الخَصْلةُ (٥).

стр. 5511

قال: ولا يقولُ عَربيٌّ: نِعمةٌ، بالهاءِ. قال أبو حاتِم: قلتُ للأصْمَعِيِّ: في الحديثِ: "من توضَّأ يومَ الجُمُعةِ، فبِها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ فالغُسلُ أفضَلُ". ما قولُهُم: فبِها؟ قال: أظُنُّهُ يُرِيدُ: فبالسُّنةِ آخُذُ، أضْمَرَ ذلك إن شاءَ اللَّه. أخبرنا أحمد بن سعِيد بن بِشْرٍ (١)، قال: حدَّثنا محمد بن عبد اللَّه بن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهر أحمد بن عَمرو بن السَّرْح، قال: حدَّثنا أنسُ بن عياضٍ، عن يحيى بن سَعِيدٍ، قال: سألتُ عَمْرةَ، عن غُسلِ الجُمعةِ، فذكَرَتْ أنَّها سمِعَتْ عائشة، تقولُ: كان النّاسُ عمالَ أنفسِهم يَرَوحونَ بهيئةٍ، فقيلَ: لو اغتَسَلْتُم (٢). حدَّثنا أحمد بن سَعِيد، قال: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا زيدُ بن البِشْرِ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، أن مالكًا سُئلَ عن غُسْلِ يوم الجُمعةِ: أواجبٌ هُو؟ قال: هو سُنّةٌ ومعرُوفٌ. قيل لهُ: إنَّ في الحديثِ: "واجبٌ"؟ قال: ليسَ كلُّ ما جاءَ في الحديثِ يكونُ كذلك. وحدَّثنا أحمد بن سعِيد بن بِشْرٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابن

стр. 5512

وضّاح، قال حدثنا ابنُ أبي مريم (١)، قال: حدَّثنا أشهَبُ، عن مالكٍ: أَنَّهُ سُئلَ، عن غُسلِ يوم الجُمعةِ: أواجبٌ هُو؟ فقال: هُو حسنٌ، وليسَ بواجبٍ (٢). وحدَّثنا عبد الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نَصْرٍ وأحمدُ بن سعِيدٍ، قالوا: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن عبد الرحمنِ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بن رَبِيعةَ، عن عُثمان بن عَطاءٍ، عن أبيه، قال: من لم يَسْتطِعْ أن يغتسِلَ يومَ الجُمعةِ، فليَمسَّ طيبًا. قال ابنُ وضّاح: وحدَّثنا دُحَيمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلم، عن موسى (٣) بن صُهَيبٍ، قال: كانوا يقولونَ: الطِّيبُ يُجزئ من الغُسلِ يومَ الجُمُعةِ. قال ابنُ وضّاح: وحدَّثنا هشامُ بن خالد، قال: حدَّثنا بقيّةُ، عن يُونُسَ بن راشدٍ، عن عبد الكريم بن مالكٍ الجَزَريِّ، قال: الطِّيبُ يُجزئُ من الغُسلِ يومَ الجُمعةِ (٤). قال أبو عُمر: قد مَضَى في بابِ ابن شِهاب، عن سالم، من الحُجّةِ في سُقوطِ وجُوبِ غُسْلِ يوم الجُمُعةِ من جهةِ الأثرِ والنَّظرِ ما فيه كِفايةٌ، وذكَرْنا هُنالكَ ما استقَرَّ عليه القولُ في غُسلِ الجُمُعةِ، وما اختارَهُ جُمهورُ العُلماءِ فيه، والذي عليه أكثر الفُقهاءِ، أَنَّهُ سُنّةٌ دونَ فريضةٍ، وهُو الصَّوابُ، وباللَّه التَّوفيقُ.
следующие страницы →