← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5508–5547 · переход к 5513.

стр. 5508

وقد تقدَّمَ القولُ مُستَوعَبًا في غُسلِ الجُمُعةِ، وما في ذلك من الآثارِ والمعاني، للسَّلفِ من العُلماءِ والخلفِ منهُم، في بابِ ابنِ شِهابٍ عن سالم، من هذا الكِتابِ، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "واجِبٌ" فظاهِر الوُجُوبُ، الذي هُو الفرضُ. وليسَ كذلك، لآثارٍ وردَتْ تُخرِجُ هذا اللَّفظَ عن ظاهِرِهِ، إلى معنى السُّنّةِ والفَضْل. وقد ذكَرْناها في بابِ ابنِ شِهاب، عن سالم، عندَ قولِ عُمرَ لعُثمانَ (١): الوُضُوءُ أيضًا وقد عَلِمتَ أَنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يأمُرُ بالغُسلِ (٢). وقد يحتَمِلُ أن يكونَ قولُهُ في هذا الحديثِ: "واجِبٌ". أي: وُجُوبَ السُّنّةِ، أو واجِبٌ في المروءة (٣)، أو واجِبٌ في الأخلاقِ الجَمِيلةِ، كما تقولُ العربُ: وجَبَ حقُّكَ. وليسَ على أنَّ ذلك واجِبٌ فرضًا. ومِن الدَّليلِ على ما قُلناهُ في معنى هذا الحديثِ، وما تأوَّلنا فيه، وهُو مع ذلك قولُ أكثرِ أهلِ العِلم، وإليه ذهَبَ أئمّةُ الفتوَى في أمْصارِ المُسلِمِينَ: ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَجاءٍ، قال: أخبرنا همّامُ، عن قَتادةَ، عنِ الحَسَنِ، عن سَمُرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من تَوضَّأ يومَ الجُمُعةِ، فبِها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ، فالغُسلُ (٤) أفضَلُ" (٥).

стр. 5509

فكيفَ يجُوزُ مع هذا الحديثِ ومثلِهِ، أن يُحملَ قولُهُ ﷺ : "غُسلُ يوم الجُمُعةِ واجِبٌ على كلِّ مُحتلِم" على ظاهِرِهِ؟ هذا ما لا سبِيلَ إليهِ. ومِمّا يدُلُّ على ما قُلنا: أنَّ أبا سعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَوَى هذا الحديثَ، الذي ظاهرهُ الوُجُوبُ في (١) غُسلِ الجُمُعةِ، وكان يُفتِي بخِلافِ ذلك، وذلك دليلٌ على أنَّهُ فهِمَ من معنَى الحديثِ ومَخْرجِهِ وفحواهُ، أنَّهُ ليسَ على ظاهِرِهِ، وأنَّ المعنى فيه ما تأوَّلنا، وباللَّه توفيقُنا. ذكر عبدُ الرزّاقِ (٢)، عن عُمرَ (٣) بن راشدٍ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سلَمةَ، قال: سمعتُ أبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ، يقولُ: ثلاثٌ هُنَّ على كلِّ مُسلم يومَ الجُمُعةِ: الغُسلُ، والسِّواكُ، ومَسُّ طِيبٍ (٤) إن وجدَهُ. قال أبو عُمر: معلومٌ أنَّ الطِّيبَ والسِّواكَ ليسا بواجبَيْن يومَ الجُمعة ولا غيرَه، فكذلك الغُسلُ، وقد رُوِيَ عن أبي سَعِيد الخُدْري ما يدلك على أنَّه حَمَلَهُ على خلافِ ظاهرِ حديثِهِ الذي رواهُ مالكٌ في هذا الباب (٥). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحِيم، قال: حدَّثنا صالحُ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا الرَّبِيعُ بن بَدْرٍ، عنِ الجُرَيرِيِّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من أتَى الجُمُعةَ فتَوضَّأ، فبها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ، فالغُسلُ أفضَلُ" (٦).

стр. 5510

وهذا أوضَحُ شيءٍ في سُقُوطِ وُجُوبِ غُسلِ يوم الجُمُعةِ. وفيه دَليلٌ على أنَّ حديثَ صفوانَ بن سُلَيم ليسَ على ظاهِرِهِ (١). والأصلُ في الفَرائضِ أن لا تجِبَ إلّا بيَقِينٍ، ولا يقِينَ في إيجابِ غُسلِ الجُمُعةِ، مع ما وصَفْنا. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَرْوان، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الحَسَنُ بن يحيى قاضِي القُلْزُم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عليِّ بن الجارُودِ، قال (٢): حدَّثنا عبدُ اللَّه بن هاشِم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَهْدِيٍّ، عن همّام (٣)، عن قَتادةَ، عنِ الحَسَنِ، عن سَمُرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من تَوضَّأ يومَ الجُمُعةِ، فبِها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ، فالغُسلُ أفضَلُ". قال أبو عُمر: "نِعمَتْ" في هذا الحديثِ وما كان في معناهُ، لا تُكتَبُ إلّا بالتّاءِ، ولا يُوقَفُ عليها إلّا بالتّاءِ، وهِي مجزُومةٌ في الوصلِ والوقفِ، إلّا أن تتَّصِلَ بساكِنٍ بعدَها فتُكسرُ. وسُئل أبو حاتِم (٤): من أينَ دخلَ التَّأنِيثُ في: نِعمَتْ؟ فقال: أرادُوا: نِعمَتِ الفِعلةُ، أو: نِعمَتِ الخَصْلةُ (٥).

стр. 5511

قال: ولا يقولُ عَربيٌّ: نِعمةٌ، بالهاءِ. قال أبو حاتِم: قلتُ للأصْمَعِيِّ: في الحديثِ: "من توضَّأ يومَ الجُمُعةِ، فبِها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ فالغُسلُ أفضَلُ". ما قولُهُم: فبِها؟ قال: أظُنُّهُ يُرِيدُ: فبالسُّنةِ آخُذُ، أضْمَرَ ذلك إن شاءَ اللَّه. أخبرنا أحمد بن سعِيد بن بِشْرٍ (١)، قال: حدَّثنا محمد بن عبد اللَّه بن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهر أحمد بن عَمرو بن السَّرْح، قال: حدَّثنا أنسُ بن عياضٍ، عن يحيى بن سَعِيدٍ، قال: سألتُ عَمْرةَ، عن غُسلِ الجُمعةِ، فذكَرَتْ أنَّها سمِعَتْ عائشة، تقولُ: كان النّاسُ عمالَ أنفسِهم يَرَوحونَ بهيئةٍ، فقيلَ: لو اغتَسَلْتُم (٢). حدَّثنا أحمد بن سَعِيد، قال: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا زيدُ بن البِشْرِ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، أن مالكًا سُئلَ عن غُسْلِ يوم الجُمعةِ: أواجبٌ هُو؟ قال: هو سُنّةٌ ومعرُوفٌ. قيل لهُ: إنَّ في الحديثِ: "واجبٌ"؟ قال: ليسَ كلُّ ما جاءَ في الحديثِ يكونُ كذلك. وحدَّثنا أحمد بن سعِيد بن بِشْرٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابن

стр. 5512

وضّاح، قال حدثنا ابنُ أبي مريم (١)، قال: حدَّثنا أشهَبُ، عن مالكٍ: أَنَّهُ سُئلَ، عن غُسلِ يوم الجُمعةِ: أواجبٌ هُو؟ فقال: هُو حسنٌ، وليسَ بواجبٍ (٢). وحدَّثنا عبد الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نَصْرٍ وأحمدُ بن سعِيدٍ، قالوا: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن عبد الرحمنِ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بن رَبِيعةَ، عن عُثمان بن عَطاءٍ، عن أبيه، قال: من لم يَسْتطِعْ أن يغتسِلَ يومَ الجُمعةِ، فليَمسَّ طيبًا. قال ابنُ وضّاح: وحدَّثنا دُحَيمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلم، عن موسى (٣) بن صُهَيبٍ، قال: كانوا يقولونَ: الطِّيبُ يُجزئ من الغُسلِ يومَ الجُمُعةِ. قال ابنُ وضّاح: وحدَّثنا هشامُ بن خالد، قال: حدَّثنا بقيّةُ، عن يُونُسَ بن راشدٍ، عن عبد الكريم بن مالكٍ الجَزَريِّ، قال: الطِّيبُ يُجزئُ من الغُسلِ يومَ الجُمعةِ (٤). قال أبو عُمر: قد مَضَى في بابِ ابن شِهاب، عن سالم، من الحُجّةِ في سُقوطِ وجُوبِ غُسْلِ يوم الجُمُعةِ من جهةِ الأثرِ والنَّظرِ ما فيه كِفايةٌ، وذكَرْنا هُنالكَ ما استقَرَّ عليه القولُ في غُسلِ الجُمُعةِ، وما اختارَهُ جُمهورُ العُلماءِ فيه، والذي عليه أكثر الفُقهاءِ، أَنَّهُ سُنّةٌ دونَ فريضةٍ، وهُو الصَّوابُ، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 5513

حديثٌ ثانٍ لصفوانَ بن سُلَيم مُسندٌ مالكُ (١)، عن صفوانَ بن سُلَيم، عن سعِيدِ بن سلَمةَ، من آل بنِي الأزرقِ، عنِ المُغِيرةِ بن أبي بُرْدةَ، وهُو من بني عبدِ الدّارِ، أنَّهُ أخبَرهُ أَنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: جاءَ رجُلٌ إلى رسُولِ اللَّه ﷺ فقال: يا رسُولَ اللَّه، إنّا نَرْكبُ البَحرَ ونَحمِلُ معنا القليلَ من الماءِ، فإن تَوضَّأنا به عَطِشنا، أفنَتَوضَّأُ من ماءِ البَحرِ؟ فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ". قال أبو عُمر: قد مَضَى ذِكرُ صفوانَ بن سُلَيم وحالِهِ في أوَّلِ بابِهِ. أمّا سعِيدُ بن سلَمةَ (٢)، فلم يروِ عنهُ، فيما عَلِمتُ، إلّا صفوانُ بن سُليم، واللَّهُ أعلمُ، يقالُ: إنَّهُ مخزُومِيٌّ من آلِ ابنِ الأزرقِ أو بني الأزرقِ، ومن كانت هذه حالَهُ، فهُو مجهُولٌ لا تَقُومُ به حُجّةٌ عندَهُم (٣). وأمّا المُغِيرةُ بن أبي بُرْدةَ (٤)، فهُو المُغِيرةُ بن عبدِ اللَّه بن أبي بُردةَ، قيل: إنَّهُ غيرُ معرُوفٍ في حَمَلةِ العِلْم، كسعِيدِ بن سلمةَ، وقيل: ليسَ بمجهُولٍ (٥). قال أبو حاتِم الرّازِيُّ (٦): روَى عنهُ يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ، ورَوَى

стр. 5514

صفوانُ بن سُلَيم عن سعِيدِ بن سلَمةَ عنهُ، ورَوَى الجُلاحُ عن عبدِ اللَّه بن سعِيدٍ المخزُومِيِّ عنهُ. قال أبو عُمر: المُغِيرةُ بن أبي بُردةَ وجَدتُ ذِكْرَهُ في مغازِي مُوسى بن نُصيرٍ بالمغرِبِ، وكان مُوسى يَسْتعمِلُهُ على الخيلِ، وفتحَ اللَّهُ لهُ في بلادِ البَربرِ فتوحاتٍ في البَرِّ والبحرِ. وقد سألَ أبو عِيسى التِّرمذِيُّ محُمدَ بن إسماعيلَ البُخارِيَّ عن حديثِ مالكٍ هذا عن صفوانَ بن سُلَيم، فقال: هُو عِندِي حديثٌ صحِيحٌ. قال أبو عيسى محمدُ بن عِيسى التِّرمذِيُّ: فقلتُ للبُخارِيِّ (١): هُشَيمٌ يقولُ فيه: المُغِيرةُ بن أبي بَرزةَ؟ فقال: وهِمَ فيه، إنَّما هُو المُغِيرةُ بن أبي بُردةَ. قال: وهُشَيمٌ رُبَّما وهِمَ في الإسنادِ، وهُو في المُقطَّعاتِ أحفظُ (٢). قال أبو عُمر: لا أدرِي ما هذا من البُخارِيِّ ﵀، ولو كان عندَهُ صحِيحًا، لأخرجَهُ في "مُصنَّفِهِ" الصَّحِيحِ عندَهُ، ولم يفعل لأنَّهُ لا يُعوِّلُ (٣) في "الصَّحِيح" إلّا على الإسنادِ (٤)، وهذا الحديثُ لا يَحتجُّ أهلُ الحديثِ بمِثلِ إسنادِهِ، وهُو عِندِي صَحِيحٌ، لأنَّ العُلماءَ تلقَّوهُ بالقَبُولِ لهُ، والعَملِ به (٥)، ولا يُخالِفُ في جُملتِهِ أحدٌ من الفُقهاءِ، وإنَّما الخِلافُ في بعضِ مَعانِيهِ على ما نَذكُرُ إن شاءَ اللَّه.

стр. 5515

حدَّثنا أبو عُثمان سعِيدُ بن نصرٍ وأبو عُثمان سعيدُ بن عُثمانَ (١) النَّحوِيُّ، قالا: حدَّثنا أبو عُمرَ أحمدُ بن دُحَيم بن خَليلٍ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ محمدُ بن إبراهيمَ الدَّيبُلِيُّ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدِ اللَّه سَعِيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ المَخزُومِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن يحيى بن سَعِيدٍ، عن رجُلٍ من أهلِ المَغرِبِ يقالُ لهُ: المُغِيرةُ بن عبدِ اللَّه بن أبي بُرْدةَ: أنَّ ناسًا من بني مُدْلِج أتَوْا رسُولَ اللَّه ﷺ فقالوا: يا رسُولَ اللَّه، إنّا نَرْكبُ أرماثًا (٢) في البَحرِ، ويحمِلُ أحدُنا مُويهًا لسَقْيِهِ، فإن توضَّأنا به عَطِشنا، وإن تَوضَّأنا بماءِ البَحْرِ، وجَدْنا في أنفُسِنا، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٣). قال أبو عُمر: أرسلَ يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ هذا الحديثَ عنِ المُغِيرةِ بن أبي بُرْدةَ، لم يذكُر أبا هريرةَ، ويحيى بن سعِيدٍ أحدُ الأئمّةِ في الفِقهِ والحديثِ، وليسَ يُقاسُ به سعِيدُ بن سلَمةَ ولا أمثالُهُ، وهُو أحفَظُ من صفوانَ بن سُلَيم، وفي رِوايةِ يحيى بن سعِيدٍ لهذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ سعِيدَ بن سلَمةَ لم يأت إلّا (٤) بمعرُوفٍ من الحديثِ عندَ أهلِهِ. وقد رُوِي هذا الحديثُ عن يحيى بن سعِيدٍ، عنِ المُغِيرةِ بن عبدِ اللَّه بن أبي بُردةَ، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٥). والصَّوابُ فيه عن يحيى بن سعِيدٍ: ما رواهُ عنهُ ابنُ عُيَينةَ مُرسلًا، كما ذكَرْنا، واللَّهُ أعلمُ.

стр. 5516

وقد رُوِي هذا الحديثُ عنِ النَّبيِّ ﷺ من حديثِ الفِرسِيِّ، رجُلٍ من بني فِراسٍ، مذكُورٍ في الصَّحابةِ؛ حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحَسَنِ بن عُتبةَ الرّازِيُّ بمِصرَ، قال: حدَّثنا أبو الزِّنباع رَوْحُ بن الفَرَجِ القطّانُ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ اللَّه بن بُكَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن جَعفرِ بن رَبِيعةَ، عن بكرِ بن سَوادةَ، عن مُسلِم بن مَخْشِيٍّ، أنَّهُ حَدَّثَ، أنَّ الفِراسِيَّ قال: كنتُ أصِيدُ في البَحرِ الأخضرِ على أرْماثٍ، وكنتُ أحمِلُ قِرْبةً فيها ماءٌ، فإذا لم أتوضَّا من القِرْبةِ، رفَقَ ذلك بي وبَقِيَتْ لي، فجِئتُ رسُولَ اللَّه ﷺ فقَصَصتُ عليه ذلك، وقلتُ: أنَتَوضَّأُ من ماءِ البَحرِ يا رسُولَ اللَّه؟ فقال: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتتُهُ" (١). وقد أجمَعَ جُمهُورُ العُلماءِ وجَماعةُ أئمّةِ الفُتيا بالأمْصارِ من الفُقهاءِ، أنَّ البحرَ طهُورٌ ماؤُهُ، وأنَّ الوُضُوءَ جائزٌ به، إلّا ما رُوِي عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ بن الخطّابِ، وعبدِ اللَّه بن عَمرِو بن العاصِ، فإنَّهُ رُوِي عنهُما: أنَّهُما كَرِها الوُضُوءَ من ماءِ البَحرِ (٢). ولم يُتابِعْهُما أحَدٌ من فُقهاءِ الأمْصارِ على ذلك، ولا عرَّجَ عليه، ولا التفتَ إليهِ، لحديثِ هذا البابِ عنِ النَّبيِّ ﷺ .

стр. 5517

وهذا يدُلُّك على اشتهارِ (١) الحديثِ عندَهُم، وعَملِهِم به، وقبُولِهِم له، وهذا أولى عندَهُم من الإسنادِ الظّاهِرِ الصِّحّةِ بمعنًى ترُدُّهُ الأُصُولُ، وباللَّه التَّوفيقُ. وقد خالَفهُما ابنُ عبّاس: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا خلَفُ بن مُوسى بن خلَفٍ العمِّيُّ، قال: حدَّثنا أبي، عن قَتادةَ عن موسى بن سلمةَ الهُذلِيِّ، قال: سألتُ ابنَ عبّاسٍ عنِ الوُضُوءِ بماءِ البَحرِ، فقال: هُما البَحْرانِ، فلا تُبالِي بأيِّهِما توضَّأتَ (٢). وفي حديثِ هذا البابِ من الفِقه: إباحةُ رُكُوبِ البحرِ؛ لأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لو كرِهَ رُكُوبَهُ، لنَهَى عنهُ الذين قالوا له: إنّا نركَبُ البحرَ. وقولُهُم هذا يدُلُّ على أنَّ ذلك كان كثِيرًا ما يَرْكبُونهُ، لطلَبِ الرِّزقِ من أنواع التِّجارةِ وغيرِها، وللجِهادِ، وسائرِ ما فيه إباحةٌ أو فَضِيلة، واللَّهُ أعلمُ، فلم ينهَهُم عن رُكُوبِهِ. وهذا عِندِي إنَّما يكونُ لمن سَهُلَ ذلك عليه، ولم يشُقَّ عليه ويصعُب به كالمائدِ (٣) المُفرِطِ الميدِ، أو من لا يقدِرُ معهُ على أداءِ فُرُوضِ الصَّلاةِ، ونَحْوِها من الفرائضِ. ولا يجُوزُ عندَ أهلِ العِلم رُكُوبُ البَحْرِ في حِينِ ارتِجاجِهِ، ولا في الزَّمنِ الذي الأغلَبُ منهُ عَدَمُ السَّلامةِ فيه، والعَطَبُ والهلاكُ، وإنَّما يجُوزُ عندَهُم رُكُوبُهُ في زمانٍ تكونُ السَّلامةُ فيه الأغلبَ، واللَّه أعلمُ.

стр. 5518

وفي قولِ اللَّه : ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]. وقولِهِ تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] ما فيه كِفايةٌ ودلالةٌ واضِحةٌ في إباحةِ رُكُوبِ البَحْرِ، إذا كان كما وصَفْنا، وباللَّه توفيقُنا. وأمّا ما جاءَ عن عُمرَ بن الخطّابِ وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ وغَيْرِهِما من السَّلفِ: أنَّهُم كانوا ينهَوْنَ عن رُكُوبِ البحرِ (١)، فإنَّما ذلك على الاحتِياطِ، وتركِ التَّغرِيرِ بالمُهَجِ في طَلَبِ الاستِكثارِ من الدُّنيا، والرَّغْبةِ في المالِ، واللَّه أعلمُ. وإذا جازَ رُكُوبُ البَحرِ في الجِهادِ، وطلَبِ المعِيشةِ، فرُكُوبُهُ للحَجِّ في أداءِ الفَرْضِ أجوَزُ، لمن قدرَ على ذلك، وسَهُلَ عليه. وقد رُوِي عنِ الشّافعيِّ ﵀، أَنَّهُ قال: ما يبِينُ لي أنْ أُوجِبَ الحجَّ على من وراءَ البحرِ، ولا أدرِي كيفَ استِطاعتُهُ (٢). قال أبو عُمر: قد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ مَن بينَهُ وبين مَكّةَ من اللُّصُوصِ والفِتَنِ ما يقطعُ الطَّرِيقَ، ويخافُ منهُ في الأغلَبِ ذَهابُ المُهجةِ، أو المالِ (٣)، فليسَ مِمَّنِ استطاعَ إليه سَبِيلًا، فكذلك أهوالُ البَحرِ، واللَّه أعلمُ. وفي هذا الحديثِ أيضًا من الفِقهِ: أنَّ المُسافِرَ إذا لم يَكُن معهُ من الماءِ إلّا ما يَكْفيه لشُربِهِ، وما لا غِنَى به عنهُ لشَفَتِهِ: أَنَّهُ جائزٌ لهُ أن يتيمَّمَ، ويترُكَ ذلك الماءَ لنَفسِهِ، حتّى يجِدَ الماءَ.

стр. 5519

وأمّا قولُهُ ﷺ : "الحِلُّ مَيْتتُهُ". يقالُ: حِلٌّ وحلالٌ، وحِرمٌ وحرامٌ، بمعنًى واحِدٍ، فإنَّ العُلَماءَ اختَلَفُوا في ذلك (١). فقال مالكٌ: يُؤكَلُ ما في البَحرِ من السَّمكِ والدَّوابِّ، وسائرِ ما في البَحرِ من الحَيَوانِ، وسَواءٌ اصْطِيدَ، أو وُجِد ميِّتًا، طافِيًا وغير طافٍ. قال: وليسَ شيءٌ من ذلك يحتاجُ إلى ذَكاةٍ، لقولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتتُهُ". وكرِهَ مالكٌ خِنْزِير الماءِ، من جِهةِ اسمِهِ، ولم يُحرِّمهُ، وقال: أنتُم تقولُونَ خِنزِيرٌ. وقال ابنُ القاسم: أنا أتَّقِيهِ ولا أراهُ حرامًا. وقال ابنُ أبي ليلى: لا بأسَ بأكلِ كلِّ شيءٍ يكونُ في البَحْرِ، من الضُّفدُع، والسَّرطانِ (٢) وحيّةِ الماءِ، وغيرِ ذلك. وهُو قولُ الثَّورِيِّ في رِوايةِ الأشْجَعِيِّ. ورَوَى عنهُ أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، أَنَّهُ قال: لا يُؤكَلُ من صَيْدِ البَحرِ إلّا السَّمكُ. وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: لا يُؤكَلُ السَّمكُ الطّافِي، ويُؤكلُ ما سِواهُ من السَّمَكِ، ولا يُؤكَلُ شيءٌ من حَيوانِ البَحرِ إلّا السَّمكُ. وقال الأوزاعِيُّ: صَيْدُ البَحرِ كلُّهُ حَلالٌ. ورَواهُ عن مُجاهِدٍ. وكرِهَ الحسنُ بن حيٍّ أكلَ الطّافِي من السَّمكِ. وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: ليسَ بمَيْتةِ البحرِ بأسٌ. قال: وكذلك كَلْبُ الماءِ، وتُرسُ الماءِ (٣). قال: ولا يُؤكَلُ إنسانُ الماءِ، ولا خِنْزِيرُ الماء.

стр. 5520

وقال الشّافعيُّ: ما يَعِيشُ في الماءِ، فلا بأسَ بأكلِهِ، وأخذُهُ ذكاتُهُ، ولا بأسَ بخِنزِيرِ الماء. قال أبو عُمر: قال اللَّهُ : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] فرُوِي عن عُمرَ بن الخطّابِ، وعبدِ اللَّه بن عبّاسٍ، وعبدِ اللَّه بن عُمرَ، وزيدِ بن ثابتٍ، وأبي هريرةَ قالوا: طَعامُهُ: ما ألْقَى وقذفَ (١). ورُوِي عنِ ابنِ عبّاسٍ أنَّهُ قال: طعامُهُ: ميتتُهُ (٢)، وهُو في ذلك المعنى، ورُوِي عنهُ أنَّهُ قال: طعامُهُ مَليحُهُ (٣). ورُوِي عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ قال: كلُّ دابّةٍ في البحرِ فقد ذَبَحها اللَّهُ لكُم (٤). ذكَرَ عبدُ الرَّزّاق، قال (٥): أخبَرنا مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن مولًى لأبي بكرٍ، عن أبي بكرٍ، قال: كلُّ دابّةٍ في البَحرِ قد ذَبَحها اللَّهُ لكَ، فكُلها. قال (٦): وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن عبدِ الملِكِ بن أبي بَشِيرٍ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاس، قال: أشْهَدُ على أبي بكرٍ أنَّهُ قال: السَّمكةُ الطّافِيةُ حلالٌ لمن أرادَ أكلَها. ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالِبٍ: أنَّهُ كرِهَ الطّافِيَ من السَّمكِ، ورُوِي عنهُ:

стр. 5521

أنَّهُ كرِهَ أكلَ الجِرِّي (١)، من وَجْهٍ لا يثبُتُ. ورُوِيَ عنهُ: أَنَّهُ لا بأسَ بأكلِ ذلك كلِّهِ، وهُو أصحُّ عنهُ. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عنِ الثَّورِيِّ، عن جَعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ ﵁، قال: الجَرادُ والحِيتانُ ذكِيٌّ كلُّهُ. فعليٌّ مخُتلَفٌ عنهُ في أكلِ الطّافِيَ من السَّمكِ. ولم يُختلَف عن جابرٍ: أنَّهُ كرِهَ أكلَ الطّافِيَ من السَّمَكِ (٣). وهُو قولُ طاوُوسٍ، ومحمدِ بن سِيرِين، وجابرِ بن زيدٍ (٤)، وأبي حنِيفةَ وأصحابِه. واحتجَّ لهم من أجازَ ذلك، بما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حَدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا أحمدُ بن عَبْدةَ، قال: أخبرنا

стр. 5522

يحيى بن سُلَيم الطّائفِيُّ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن أُميّةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ما ألْقَى البَحرُ أو جزَرَ عنهُ فكُلُوهُ، وما ماتَ فيه وطَفا فلا تأكُلُوهُ". قال أبو داودَ: رَوَى هذا الحديثَ سُفيانُ الثَّورِيُّ وأيُّوبُ السَّختِيانِيُّ وحمّادُ بن سَلَمةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، موقُوفًا من قولهِ، لم يُسنِدوه (١). قال: وقد أُسنِدَ هذا الحديثُ من وجهٍ ضعيف، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ (٢) (٣). وحُجّةُ مالكٍ والشّافعيِّ في هذا البابِ، قولُهُ ﷺ في البحرِ: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتتُهُ". وأصحُّ ما في هذا البابِ من جِهةِ الإسنادِ، مِمّا هُو حُجّةٌ لمالكٍ والشّافعيِّ، حديثُ ابنِ عُمرَ، وحديثُ جابرٍ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ المدنِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن وَهْبٍ، قال: حدَّثني عُمرُ بن محمدٍ، أنَّ نافعًا حدَّثهُ، أنَّ ابنَ عُمرَ قال: غَزَونا، فجُعنا حتّى إنّا لنَقْسِمُ التَّمرةَ والتَّمْرَتينِ، فبَيْنما نحنُ على شاطِئ البَحرِ، إذ رَمَى البحرُ بحُوتٍ مَيْتةٍ، فاقتطَعَ النّاسُ منهُ ما شاؤُوا من شَحْم ولحم،

стр. 5523

وهُو مِثلُ الظَّرِبِ (١)، فبَلَغنِي أنَّ النّاس لمّا قَدِمُوا على النَّبيِّ ﷺ أخبَرُوهُ فقال: "هل مَعكُم منهُ شيءٌ؟ " (٢). وأمّا حديثُ جابر: فحدَّثنا سَعِيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمان بن حربٍ (٣)، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، قال: بَعَثَنا رسُولُ اللَّه ﷺ (٤) سرِيّةً، وأمَّرَ علينا أبا عُبَيدةَ بن الجرّاح، وزَوَّدنا جِرابًا من تمرٍ، فكان يقسِمُهُ بَيْننا قبضةً قبضةً، ثُمَّ أقامَ ذلك حتّى صارَ تمرةً تمرةً، فلمّا فقَدْناها وجَدْنا فَقْدَها، فمَرَرنا بساحِلِ البَحرِ، فإذا حُوت يقالُ لهُ: العَنْبرُ، ميِّتٌ، فأرَدْنا أن نُجاوِزهُ، ثُمَّ قُلنا: نَحْنُ جيشُ رسُولِ اللَّه، فأقَمْنا عليه عِشرِينَ ليلةً نأكُلُ منهُ، وادَّهنّا من ذلك الشَّحم، ولقد قعدَ في عينِهِ ثلاثةَ عشرَ رجُلًا منّا، فلمّا قَدِمنا ذكَرْنا ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: "رِزقٌ ساقَهُ اللَّهُ إليكُم، فهل عندَكُم منهُ شيءٌ؟ " (٥). ففي هذا الحديثِ -وهُو من أثبتِ الأحادِيث- دليلٌ على أنَّ ما قذَفَ البحرُ، أو مات فيه، من دابّةٍ وسَمَكةٍ، حلالٌ كلُّهُ. ولهذا الحديثِ طُرُقٌ كثِيرةٌ، قد ذكَرْنا كثِيرًا منها في غيرِ هذا الموضِع.

стр. 5524

وفيه ما يُصحِّحُ حديثٌ صفوانَ بن سُلَيم، عن سعِيدِ بن سَلَمةَ، وأنَّ حديثَ سعِيدِ بن سلَمةَ، لهُ أصلٌ في رِوايةِ الثِّقاتِ. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا النُّفيلِيُّ، قال: حدَّثنا زُهَيرُ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: بعَثَنا رسُولُ اللَّه ﷺ وأمَّرَ علينا أبا عُبَيدةَ بن الجرّاح نتلَقَّى عيرًا لقُريشٍ، فزَوَّدنا جرابًا من تمرٍ لم يجد لنا غيرَهُ، فكانَ أبو عبيدةَ (٢) يُعطِينا تَمْرةً (٣) تمرةً، كُنّا نَمُصُّها، كما يَمُصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نشربُ عليها من الماءِ، فتكفِينا يومًا (٤) إلى اللَّيل، وكُنّا نَضرِبُ بعِصِيِّنا الخَبَطَ (٥) ثُمَّ نبُلُّهُ بالماءِ فنأكُلُهُ، قال: فانْطَلقنا على ساحِلِ البَحرِ، فرُفِعَ لنا كهيئةِ الكَثِيبِ الضَّخم، فأتَيْناهُ فإذا هُو دابّةٌ تُدعَى العَنْبرَ، فقال أبو عُبيدةَ: مَيْتةٌ ولا تحِلُّ لنا. ثُمَّ قال: لا، بل نحنُ رُسُلُ رسُولِ اللَّه ﷺ ، وفي سبِيلِ اللَّه، وقدِ اضْطُرِرتُم، فكُلُوا. فأقَمْنا عليها شهرًا، ونحنُ ثلاثُ مئةٍ، حتّى سَمِنّا، فلمّا قَدِمنا إلى رسُولِ اللَّه ﷺ ذكَرْنا ذلك لهُ، فقال: "هُو رِزقٌ أخرجَهُ اللَّهُ لكُم، فهل معكُم من لَحْمِهِ شيءٌ، فتُعطُونا؟ ". فأرسَلْنا إلى رسُولِ اللَّه ﷺ منهُ فأكَلَ.

стр. 5525

حديثٌ ثالِثٌ لصفوانَ بن سُليم مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن صفوانَ بن سُلَيم، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ سألَهُ رجُلٌ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، أستأذِنُ على أُمِّي؟ فقال: "نعَمْ". فقال الرَّجُلُ: إنِّي معَها في البيتِ، قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "استأذِنْ عليها". فقال الرَّجُلُ: إنِّي خادِمُها، فقال لهُ رسُولُ اللَّه ﷺ : "استأذِنْ عليها، أتُحِبُّ أن تَراها عُرْيانةً؟ ". قال: لا، قال: "فاستأذِنْ عليها". قال أبو عُمر: رَوَى هذا الحديثَ ابنُ جُرَيج، عن زِيادِ بن سَعْدٍ، عن صفوانَ بن سُليم، عن عَطاءِ بن يَسارٍ. مِثلَ حديثِ مالكٍ سَواءً (٢). وهذا الحديثُ لا أعلمُ يَسْتنِدُ من وجهٍ صحِيح بهذا اللَّفظِ، وهُو مُرسلٌ صحِيحٌ، مجُتمَعٌ على صِحّةِ معناهُ، ولا يجُوزُ عندَ أهلِ العِلم أن يَرى الرَّجُلُ أُمَّهُ، ولا ابنتَهُ، ولا أُختَهُ، ولا ذاتَ مَحْرم منهُ عُريانةً؛ لأنَّ المرأةَ عَوْرةٌ فيما عَدا وجهها وكفَّيها، ولا يحِلُّ النَّظرُ إلى عَوْرةِ أحدٍ عندَ الجميع، لا يختلِفُونَ في ذلك. وتأمُّلُ وجهِ المرأةِ الحُرّةِ، وإدمانُ النَّظرِ إليها لشهوةٍ، لا يجُوز، لأنَّهُ داع إلى الفِتْنةِ. وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في تأوِيلِ قولِ اللَّه : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وفي قولِهِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآيةَ كلَّها، على ما نَذكُرُهُ في أوْلَى المواضِع به إن شاءَ اللَّه.

стр. 5526

وجمن ذلك: ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثني أبو صالح عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثني مُعاويةُ (١) بن صالح، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ في قولِهِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآيةَ. قال: الزِّينةُ التي تُبدِيها لهؤُلاءِ (٢): قُرْطاها، وقِلادتُها، وسِوارُها، فأمّا خَلْخالهُا وعَضُدُها (٣) ونَحرُها (٤) وشَعْرُها، فإنَّها لا تُبْدِي ذلك إلّا لزَوْجِها (٥). قال أبو عُمر: وهُو مذهبُ ابنِ مسعُودٍ، ومجُاهِدٍ، وعَطاءٍ، والشَّعبِيِّ (٦). وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَرِير، قال (٧): حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن منْهالٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن داود بن أبي هِنْدٍ، عنِ الشَّعبِيِّ، وعِكْرِمةَ -في قولِهِ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٥٥]- قلتُ: ما شأنُ العمِّ والخالِ لم يُذكَرا؟ قالا: لأنَّهُما يَنْعَتانِها لأبنائهِما. وقد قيل: إنَّ العمَّ والخالَ يجرِيانِ مجرَى الوالِدينِ، لأنَّهُما ذوا مَحْرَم، فاسْتُغنِي بذِكرِ من ذُكِرَ من ذوِي المحارِم عن ذِكْرِهِما.

стр. 5527

وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَرِيرٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سَهْلٍ، قال: حدَّثنا زيدُ بن أبي الزَّرقاءِ، عن سُفيانَ، في المرأةِ تُخرِجُ ثَدْيها من كُمِّها، تُرضِعُ صبِيَّها، بين يَدَي ذي رَحِم (١) مَحْرَم منها، فكَرِههُ. وقدِ اختلَفَ العُلماءُ أيضًا في هذا البابِ، فكان الشَّعبِيُّ، وطاوُوسٌ، والضَّحّاكُ يكرهُونَ أن ينظُر الرَّجُلُ إلى شَعْرِ أُمِّهِ، وذَواتِ مَحْرمِهِ (٢). ورُوِي عن جماعةٍ من السَّلفِ: أنَّهُم كانوا يَفْلُونَ أُمَّهاتِهِم. ومِمَّن رُوِي ذلك عنهُ من العُلماءِ: أبو القاسم محمدُ بن عليِّ بن الحنفِيّةِ، وأبو جعفرٍ (٣) محمدُ بن عليِّ بن الحُسينِ، وطلقُ بن حبِيبٍ، ومُورِّقٌ العِجلِيُّ (٤). وعلى قولِ هؤُلاءِ أئمّةُ الفُتيا بالأمصارِ، في أنَّهُ لا بأسَ أن ينظُرَ الرَّجُلُ إلى شَعْرِ أُمِّهِ، وكذلك شُعُورُ ذَواتِ المحارِم العَجائزِ، دُونَ الشَّوابِّ، ومن تُخشَى (٥) منهُ الفِتنةُ، على ما ذكرتُ لك. وذكر سُنيدٌ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: سمِعتُ عَطاءَ بن أبي رَباح، قال: قلتُ لابنِ عبّاس: أأستأذِنُ على أخَواتي يتامَى (٦) في حَجْرِي، معِي في بيتٍ واحِدٍ؟ قال: نعم. فردَدتُ عليه، ليُرخِّص لي، فأبى، قال: أتُحِبُّ أن تراهُنَّ عُراةً؟ قلتُ: لا. قال: فاسْتأذِنْ. فراجَعتُهُ. فقال: أتُحِبُّ أن تُطِيعَ اللَّه؟

стр. 5528

قلتُ: نَعَم. قال: فاسْتأذِنْ (١)، قال: فقال لي سَعِيدُ بن جُبَيرٍ: إنَّكَ لَتُردِّدُ عليه. قال: قلتُ: أرَدتُ أن يُرخِّصَ لي (٢). قال: وحدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرنِي ابنُ طاوُوسٍ، عن أبيه، قال: ما منَ امرأةٍ أكرَهُ إليَّ أن أراها عُرْيانةً، أو أرى عِرْيتَها، من ذاتِ مَحْرم. قال: وكان يُشدِّدُ في ذلك (٣). قال ابنُ جُرَيج: قلتُ لعطاءٍ: أواجِبٌ على الرَّجُلِ أن يستأذِنَ على أُمِّهِ، وذواتِ قَرابتِهِ؟ قال: نعَمْ. فقلتُ: بأيٍّ وجبت؟ قال: بقولِ اللَّه : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] (٤). قال سنَيدٌ: وحدَّثنا حجّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيج، عنِ الزُّهرِيِّ، قال: سَمِعتُ هُزَيْلَ (٥) بن شُرَحبِيلَ الأوديَّ (٦) الأعْمَى، أنَّهُ سمِعَ ابن مسعُودٍ يقولُ: عليكُم إذنٌ على أُمَّهاتِكُم (٧). قال ابنُ جُرَيج: قلتُ لعَطاءٍ: أيَسْتأذِنُ الرَّجُلُ على امْرأتِهِ؟ قال: لا (٨). حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن يَزِيد، عنِ ابنِ شِهاب، عن سَعِيدِ بن

стр. 5529

المُسيِّبِ، أنَّهُ قال: يَسْتأذِنُ الرَّجُلُ على أُمِّهِ، وإنَّها أُنزِلت: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] في ذلك (١). قال ابنُ وَهْبٍ: أخبَرنِي ابنُ لِهيعةَ، عن عُبَيدِ اللَّه بن أبي جَعْفرٍ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ الحُبُليِّ (٢)، أَنَّهُ قال: كان رِجالٌ من الفُقهاءِ يكرهُونَ أن يلِج الرَّجُلُ على أمَتِهِ، إذا كانت مُتزوِّجةً، حتّى يستأذِنَ عليها. ورَوَى سُفيانُ بن عُيينةَ، عن عَمرِو بن دِينارٍ، عن عَطاءٍ، قال: سألتُ ابن عبّاسٍ، قلتُ: إنَّ لي أُختَينِ أعُولُهُما، وأُنفِقُ عليهما، وهُما مَعِي في البيتِ، أفأستأذِنُ عليهما؟ قال: نعم. فأعدتُ عليه، فقال: أتُحِبُّ أن تَراهُما عُريانتينِ؟ قلتُ: لا. قال: فاسْتَأذِن عليهما (٣). حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا القَعْنبِيُّ، قال: حدَّثنا الدَّراوَرْدِيُّ، عن عَمرِو بن أبي عَمرٍو، عن عِكْرِمةَ: أنَّ نفرًا من أهلِ العِراقِ قالوا: يا ابن عبّاسٍ، كيفَ تَرى في هذه الآيةِ التي أُمِرنا بما أُمِرنا فيها، ولا يَعْملُ بها أحَدٌ، قولِ اللَّه : ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لم يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْر﴾ وقرأ القَعْنبيُّ إلى: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨]. قال ابنُ عبّاس: إنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ بالمُؤمِنِين

стр. 5530

يُحِبُّ السِّترَ، وكان النّاسُ ليسَ لبُيُوتِهِم سُتُور (١) ولا حِجالٌ (٢)، فرُبَّما دخلَ الخادِمُ والولدُ (٣) أو يتِيمُ الرَّجُلِ على أهلِهِ، فأمرَهُمُ اللَّهُ بالاستِئذانِ في تلك العَوْراتِ، ئُمَّ جاءَهُمُ اللَّهُ بالسُّتُورِ والخَيْرِ، فلم أرَ أحدًا يَعْملُ بذلك بعدُ. وذكرَ ابنُ وَهْب، قال: أخبَرنِي قُرّةُ، عنِ ابنِ شِهاب، عن ثَعْلبةَ بن أبي مالكٍ، أنَّهُ سألَ عبدَ اللَّه بن سُوِيدٍ الحارِثِيَّ، وكان من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ عنِ الإذْنِ في العَوْراتِ الثَّلاثِ، فقال: إذا وضَعتُ ثِيابِي من الظَّهِيرةِ لم يَلِج عليَّ أحدٌ من الخَدَم الذين بَلَغُوا الحُلُم، ولا أحَدٌ مِمَّن لم يَبْلُغِ الحُلُم من الأحْرارِ، إلّا بإذنٍ، وإذا وَضَعتُ ثِيابي بعد صَلاةِ العِشاءِ، ومن قبلِ صَلاةِ الفَجْرِ (٤). وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: سألتُ أبا عبدِ اللَّه، يعني أحمد بن حَنْبل، عنِ الرَّجُلِ ينظُرُ إلى شَعْرِ أُمِّ امرأتِهِ، أوِ امرأةِ ابنِهِ، أوِ امرأةِ أبيه، فقال: هذا في القُرآنِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ وكذا وكذا الآيةَ [النور: ٣١]. قلتُ: ينظُرُ إلى ساقِ امرأةِ أبيه، أوِ ابنِهِ؟ فقال: ما أُحِبُّ أن يَرى ذلك من أُختِهِ وأُمِّهِ، فكيفَ بغيرِهِما؟ (٥). روَى حمّادُ بن سَلَمةَ، عنِ الحجّاج، عن إبراهيم، أنَّهُ كان لا يَرى بأسًا أن ينظُر الرَّجُلُ إلى شعرِ أُمِّهِ، وابْنتِهِ، وخالتِهِ، وعمَّتِهِ، وكرِهَ السّاقينِ. وقال ابنُ وَهْبٍ: سُئلَ مالكٌ عنِ المرأةِ لها العَبْدُ، نصِفُهُ حُرٌّ، أيرَى شَعْرها؟

стр. 5531

فقال: لا. فقيل لهُ: فلو كان لها كلُّهُ، أيرَى شعْرها؟ فقال: أمّا العَبْدُ الوَغدُ (١) من العَبِيدِ، فلا أرى بذلك بأسًا، وإن كان عبدًا فارِهًا، فلا أرَى ذلك لها. قال مالكٌ والسِّترُ أحبُّ إليَّ. قال أبو عُمر: اختلَفَ العُلماءُ في معنى قولِهِ تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ في الآيتينِ، إحداهُما في سُورةِ النُّورِ، قولُهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. والأُخرَى في سُورةِ الأحزابِ، قولُهُ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]. ذكَرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، يعني ابن أبي شَيْبةَ، قال (٢): أخبَرنا أبو أُسامةَ، عن يُونُس بن أبي إسحاقَ، عن طارِقٍ، عنِ ابنِ المُسيِّبِ، قال: لا تغُرَّنَّكُم هذه الآيةُ: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣) [النساء: ٢٤] إنَّما عُنِي بها الإماءُ (٤)، ولم يُعنَ بها العبِيدُ. قال: وأخبَرنا أبو بكرٍ، قال (٥): أخبَرنا شَرِيكٌ، عنِ السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: لا بأسَ أن ينظُرَ المملُوكُ إلى شعْرِ مَولاتِهِ.

стр. 5532

قال أبو عُمر: إلى هذا ذهبَ مالكٌ، وأجازَ نظرَ العَبدِ إلى شعرِ مولاتِهِ. ورُوِي مِثلُ ذلك عن بعضِ أُمَّهاتِ المُؤمِنِين، وقالت به طائفة، وكرِهَ ذلك جماعةٌ من عُلماءِ التّابِعِينَ، ومن بعدَهُم. وممَّن كرِه ذلك: سعِيدُ بن المُسيِّبِ، والحَسنُ، وطاوُوسٌ، والشَّعبِيُّ، ومجُاهِدٌ، وعطاءٌ (١). قال إسماعيلُ: حديثُ نَبْهان مولى أُمِّ سَلَمةَ، يدُلُّ على أنَّهُ يجُوزُ للعَبدِ أن يَرى من سيِّدتِهِ، ما يَراهُ ذُو المحارِم منها، مِثلَ الأبِ، والأخ؛ لأنَّهُ لا يحِلُّ لهُ أن يَتزوَّجَ سيِّدتهُ ما دامَ مملُوكًا، لكِنَّهُ لا يدخُلُ في المَحْرم الذي يحِلُّ لها أن تُسافِرَ معهُ، لأنَّ حُرْمَتهُ لا تدُومُ، وتزُولُ بزوالِ الرِّقِّ إذا أعتَقتهُ. قال أبو عُمر: هذا يَقْضِي على قولِهِ، لأنَّ من لا تَدُومُ حُرْمتُهُ، لا يكونُ ذا مَحْرم مُطلقًا، وإذا لم يَكُن كذلك، فالاحتِياطُ ألّا يَرى العبدُ شعرَ مولاتِهِ، وَغْدًا كان أو غير وَغْدٍ، وقد يُستحسنُ ويُستحبُّ الوغدُ لأشياءَ، وقد سوَّى اللَّهُ بين المملُوكِ والحُرِّ في هذا المعنى، فقال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. وقال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. وحديثُ أُمِّ سَلَمةَ (٢) لم يروِهِ إلّا نَبْهانُ مولاها، وليسَ بمعرُوفٍ بحَملِ

стр. 5533

العِلم، ولا يُعرَفُ إلّا بذلك الحديثِ وآخرَ. وحديثُ (١) عائشةَ معلُولٌ أيضًا. وأكثرُ العُلماءِ يجعلُونَ العبدَ البالِغ كالحُرِّ، ولا يُجِيزُونَ لهُ النَّظر إلى شعرِ سيِّدتِهِ، إلّا لضرُورةٍ، وينظُرُ منها إلى وَجهِها وكفَّيها، لأنَّهُما ليسا بعورةٍ منها. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا دُحَيمٌ، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سَهْلِ بن سَعْدٍ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّما جُعِلَ الإذنُ من أجلِ البَصَر" (٢).

стр. 5534

حديثٌ رابعٌ لصَفْوانَ بن سُلَيم مُرسلٌ مالكٌ (١)، عن صفوانَ بن سُلَيم، قال مالكٌ: لا أدْرِي أعن النَّبيِّ ﷺ أم لا؟ قال: "من ترَكَ الجُمُعةَ ثلاثَ مرّاتٍ من غَيْر عُذرٍ، ولا عِلّةٍ، طبَعَ اللَّهُ على قَلْبِهِ". قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يستنِدُ من وُجُوهٍ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أحسنُها إسنادًا حديثُ أبي الجَعْدِ الضَّمْرِيِّ: أخبرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسرُورٍ، قال: حدَّثنا عِيسى بن مِسْكِينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ ويزِيدُ بن هارُون، قالا: أخبرنا محمدُ بن عَمرِو بن علقمةَ، عن عَبيدةَ بن سُفيانَ الحَضْرمِيِّ، قال: سمِعتُ أبا الجَعدِ الضَّمرِيَّ، وكانت لهُ صُحبةٌ، يقولُ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من تركَ الجُمُعةَ ثلاثَ مرّاتٍ تهاوُنًا بها، طبعَ اللَّهُ على قَلبِه" (٢). أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: أخبرنا الحسنُ بن يحيى (٣) القُلْزُمِيُّ،

стр. 5535

قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عليِّ بن الجارُودِ، قال (١): حدَّثنا عبدُ اللَّه بن هاشِم، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعِيدٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، قال: حدَّثني عَبيدةُ بن سُفيانَ، عن أبي الجَعدِ الضَّمْريِّ، وكانت لهُ صُحبةٌ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من تركَ ثلاثَ جُمع (٢) تهاوُنًا، طبَعَ اللَّهُ على قَلْبِهِ". حدَّثنا سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا داودُ بن عبدِ اللَّه الجَعْفريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العَزيزِ بن محمدٍ الدَّراوَرْديُّ، عن أَسِيدِ بن أبي أَسِيدٍ البرّادُ، عنِ ابنِ أبي قَتادةَ، عن أبيه، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من تركَ الجُمُعةَ ثلاثَ مرّاتٍ من غيرِ ضَرُورةٍ، فقد طُبِعَ (٣) على قلبِهِ" (٤).

стр. 5536

حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدِ بن لُؤلُؤٍ، قال: حدَّثنا أبو يزيد خالدُ بن النَّضرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُوسى الحَرَشيُّ (١)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جَعْفرٍ، قال: حدَّثنا أَسِيدُ بن أبي أَسِيدٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي قَتادةَ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من تركَ الجُمُعةَ ثلاثًا من غيرِ ضَرُورةٍ، طبعَ اللَّهُ على قَلْبِهِ" (٢). هكذا قال عبدُ اللَّه بن جَعْفرٍ في هذا الحديثِ، جَعَلهُ عن جابرٍ، والأوَّلُ عِندي أوْلَى بالصَّوابِ، على رِوايةِ الدَّراورديِّ (٣). وعبدُ اللَّه بن جعفرٍ هذا هُو والِدُ عليِّ ابنِ المدينيِّ، وهُو عليُّ بن عبدِ اللَّه بن جعفرِ بن نَجيح، وعليٌّ أحدُ أئمّةِ أهلِ الحديثِ، وأبوهُ عبدُ اللَّه بن جعفرٍ مَدَنيٌّ ضعيفٌ.

стр. 5537

وحدَّثنا يعيشُ (١) بن سعيدٍ وأحمدُ بن قاسم ومحمدُ بن إبراهيمَ، قالوا: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ بن مِرْداسٍ أبو العبّاسِ الأيليُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الأعْلَى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن نافع، عن أبي مَعْشرٍ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من تركَ الجُمُعةَ ثلاثًا وِلاءً (٢) من غيرِ عُذرٍ، طبَعَ اللَّه على قَلْبِهِ" (٣). أخبرنا خلَفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع. قالا: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العَزيزِ، قال: حدَّثنا عاصِمُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا فرجُ بن فضالةَ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ (٤): "ليَنْتهينَّ أقوامٌ عن تَركِهِمُ الجُمُعاتِ، أو ليختِمَنَّ اللَّهُ على قُلُوبِهِم، ثُمَّ يكونُونَ من الغافِلينَ" (٥). حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن المِسْوَرِ وبُكَيرُ بن الحَسَنِ الرّازيُّ بمِصرَ، قالا: حدَّثنا يوسُفُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا أسدُ بن مُوسى،

стр. 5538

قال: حدَّثنا الفَرجُ بن فضالةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: سمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "لينتهينَّ قومٌ عن تَركِهِمُ الجُمُعاتِ، أو ليَخْتِمنَّ اللَّهُ على قُلُوبِهِم، ثُمَّ ليكونُنَّ من الغافِلينَ" (١). وبهذا الإسنادِ عن أسَدِ بن موسى، قال: حدَّثنا مروانُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا عَوْفٌ الأعرابيُّ، قال: حدَّثني سعيدُ بن أبي الحسنِ، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ: من تركَ أربعَ جُمَع مُتوالياتٍ، فقد نبذَ الإسلامَ وراءَ ظهرِهِ (٢). وبه عن أسَدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُطرِّفٍ، عن أبي حازِم، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "من تركَ الجُمُعةَ ثلاثَ مرّاتٍ من غيرِ عُذْرٍ، طُبِع على قلبِهِ" (٣). حدَّثنا محمدُ بن قاسم بن محمدٍ وأحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ ومحمدُ بن إبراهيمَ بن سعيدٍ، قالوا: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عيسى الكاتِبُ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن المُباركِ، قال: حدَّثنا عَوْفٌ الأعْرابيُّ، عن سعيدِ بن أبي الحسنِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: من تركَ ثلاثَ جُمَع مُتوالياتٍ من غيرِ عُذرٍ، فقد نبذَ الإسلامَ وراءَ ظهرِهِ (٤). ورواهُ سُفيانُ الثَّوريُّ، عن عوفٍ، عن سَعيدِ بن أبي الحَسَنِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ مِثلَهُ (٥).

стр. 5539

وبالإسنادِ عن نُعَيم بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن إدريسَ وجريرُ بن عبدِ الحميدِ، عن لَيْثِ بن أبي سُلَيم، عن مُجاهِدٍ: أنَّ رجُلًا سألَ ابنَ عبّاسٍ شهرًا، كلَّ يوم يَسْألُهُ: ما تقولُ في رجُلٍ يَصُومُ بالنَّهارِ، ويقومُ اللَّيل، ولا يحضُرُ صلاةَ الجُمُعةِ، ولا جماعةً؟ فكلُّ ذلك يقولُ لهُ ابنُ عبّاس: صاحِبُك في النّارِ (١). قال أبو عُمر: قد يجُوزُ أن يكونَ ابنُ عبّاسٍ علِمَ منهُ مع ذلك ما أوجَبَ أن يقولَ لهُ: صاحِبُك في النّارِ. ورُوي عنِ النَّبيِّ ﷺ بإسنادٍ فيه لينٌ، أنَّهُ قال: "من تركَ الجُمُعةَ ثلاثًا من غَيْرِ عُذرٍ، كُتِب مُنافِقًا" (٢). ورُوي عنهُ ﷺ ، أنَّهُ قال: "الجُمُعةُ واجِبةٌ، إلّا على امرأةٍ، أو صبيٍّ، أو مملُوكٍ، أو مريضٍ، أو مُسافِرٍ" (٣). وأمّا قولُهُ في الحديثِ: "مِن غيرِ عُذرٍ". فالعُذرُ يتَّسِعُ القولُ فيه، وجُملتُهُ: كلُّ مانِع حائلٍ بينهُ وبين الجُمُعةِ، مِمّا يُتأذَّى به، أو يخافُ عُدوانُهُ، أو يُبطِلُ بذلك فرضًا لا بدلَ منهُ. فمِن ذلك: السُّلطانُ الجائرُ يظلِمُ، والمطرُ الوابِلُ المُتَّصِلُ، والمرضُ الحابِسُ، وما كان مِثل ذلك.

стр. 5540

ومِن العُذرِ أيضًا: أن تكونَ عِندهُ جِنازةٌ لا يقومُ بها غيرُهُ، وإن تَرَكها ضاعَتْ وفسدَتْ. وقد رَوَينا هذا في الجِنازةِ، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، ويحيى بن أبي كثيرٍ، والأوزاعيِّ، واللَّيثِ بن سعدٍ. وعن عَطاءِ بن أبي رباح: أنَّهُ سُئلَ عن رجُلٍ كان مع الإمام، وهُو يخطُبُ في الجُمُعةِ، فبَلَغهُ أنَّ أباهُ أخذَهُ الموتُ، فرخَّصَ لهُ أن يذهبَ إليهِ، ويترُكَ الإمام في الخُطبةِ (١). قال أبو عُمر: هذا عِندي على أنَّهُ لم يكُن لأبيه أحَدٌ غيرُهُ يقومُ لمن حَضَرهُ الموتُ، بما يحتاجُ الميِّتُ إليه من حُضُورِهِ، للتَّغميضِ والتَّلقينِ، وسائرِ ما يحتاجُ إليه؛ لأنَّ تركهُ في مِثلِ تلك الحالِ عُقُوق، والعُقُوقُ من الكبائرِ، وقد تنُوبُ لهُ عنِ الجُمُعةِ الظُّهرُ. ولم يأتِ الوَعيدُ في تركِ الجُمُعةِ إلّا من غَيرِ عُذرٍ ثلاثًا، فكيفَ بواحِدةٍ من عُذرٍ بيِّنٍ؟ فقَولُ عطاءٍ صحيحٌ، واللَّه أعلمُ. وقد ورَدَت في فرْضِ الجُمُعةِ آثارٌ قد ذكَرْتُها في غيرِ هذا الوضِع، وأصحُّ ما في ذلك ما ذكرتُهُ في هذا البابِ، وقد ذكَرْنا على من تجِبُ الجُمُعةُ من أهلِ المِصرِ وغيرِهِم، في بابِ ابنِ شِهاب، والحمدُ للَّه.

стр. 5541

حديثٌ خامِسٌ لصفوانَ بن سُلَيم مِن بلاغاتِهِ، مُرسلٌ مالكٌ (١)، عن صفوانَ بن سُلَيم، أنَّهُ بلَغهُ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أنا وكافِلُ اليتيم لهُ أو لغيرِهِ في الجنّةِ كهاتينِ، إذا اتَّقَى اللَّهَ". وأشارَ بإصبعَيْه: الوُسْطَى والتي تَلِي الإبهام. هذا الحديثُ قد رواهُ جماعةٌ عنِ النَّبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ صحاح. وحديثُ صفوانَ هذا يتَّصِلُ من وُجُوهٍ، ويستنِدُ من غيرِ رِوايةِ مالكٍ، من حديثِ الثِّقاتِ: سُفيانَ بن عُيينةَ، وغيرِهِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثني سُفيانُ، قال: حدَّثني صفوانُ بن سُلَيم، عنِ امرأةٍ يقالُ لها: أُنَيسةُ، عن أُمِّ سَعيدٍ بنتِ مُرّةَ الفِهْريِّ، عن أبيها، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "أنا وكافِلُ اليَتيم لهُ أو لغيرِهِ في الجنّةِ كهاتينِ"، وأشارَ بأُصبعَيْهِ. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ عن صفوانَ بن سُلَيم، عن أُنَيسةَ، عن أُمِّ سَعيدٍ ابنةِ مُرّةَ الفِهْريِّ، عن أبيها،

стр. 5542

عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "كافِلُ اليتيم لهُ أو لغيرِهِ أنا وهُو في الجنّةِ كهاتينِ". قال سفيانُ بإصبَعَيْهِ الوُسطى والتي تليها (١). قال أبو عُمر: معنى قولِهِ في هذا الحديثِ: "لهُ أو لغيرِهِ". يُريدُ من قَرابتِهِ، ومن غيرِ قَرابتِهِ، واللَّه أعلمُ. وعندَ القَعنبيِّ (٢)، وابنِ وَهْبٍ (٣)، عن مالكٍ (٤)، عن ثورِ بن زيدٍ، عن أبي الغَيْثِ مولى ابنِ مُطيع، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "السّاعي على الأرْمَلةِ واليَتيم، كالمُجاهِدِ في سبيلِ اللَّه" (٥).

стр. 5543

حديثٌ سادِسٌ لصفوانَ بن سُلَيم مُنقطِعٌ من بلاغاتِهِ مالكٌ (١)، عن صفوانَ بن سُلَيم، أنَّ رجُلًا قال يا رسولَ اللَّه: أأكذِبُ امرأتي؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا خيرَ في الكَذِبِ". فقال الرَّجُلُ: يا رسولَ اللَّه، آعِدُها وأقولُ لها؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا جُناحَ عليكَ". هذا الحديثُ لا أحفظُهُ بهذا اللَّفظِ عنِ النَّبيِّ ﷺ مُسندًا (٢). وقد رَواهُ ابنُ عُيَينةَ عن صفوانَ بن سُلَيم، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن صفوانَ بن سُلَيم المدنيِّ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، قال: قال رجُلٌ: يا رسُولَ اللَّه، هل عليَّ جُناحٌ أن أكذِبَ امرأتي؟ قال: "لا يُحِبُّ اللَّهُ الكذِبَ". فأعادَها، فقال: "لا يُحِبُّ اللَّهُ الكذِبَ". فقال: يا رسُولَ اللَّه، أسْتَصلِحُها، وأستَطيبُ نفسَها، قال: "لا جُناحَ عليكَ" (٣). قال ابنُ عُيينةَ: وأخبَرني ابنُ أبي حُسَينٍ، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "لا يصلُحُ الكذِبُ إلّا في ثلاثٍ: الرَّجُلُ يُصلِحُ بين اثْنَينِ، والحربُ خَدْعة، والرَّجُلُ يَسْتصلِحُ امرأتَهُ". قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يُفسِّرُ الأوَّلَ، ولهذا أردَفهُ ابنُ عُيَينةَ به، واللَّهُ أعلمُ. ومعلُومٌ أنَّ الرُّخصةَ لم تأتِ في أن يَصدُقَ الرَّجُلُ امرأتَهُ فيما يَعِدُها به؛ لأنَّ الصِّدقَ لا يحتاجُ أن يُقال فيه: "لا جُناحَ عليكَ".

стр. 5544

وفي هذا الحديثِ إباحةُ الكذِبِ فيما يُصلِحُ به المرءُ على نَفْسِهِ في أهلِهِ، وقد ثبتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "ليسَ بالكذّابِ (١) من قال خيرًا، أو نَمَى (٢) خيرًا، أو أصلَحَ بينَ اثنينِ" (٣). ومعلُومٌ أنَّ إصلاحَ المرءِ على نفسِهِ فيما بينهُ وبين أهلِهِ، بما لا يُؤذي به أحدًا، أفضلُ من إصلاحِهِ على غيرِهِ. كما أنَّ سترَهُ على نفسِهِ، أولى به من سترِهِ على غيرِهِ. أخبرنا خلَفُ بن قاسم، قال: أخبرنا ابنُ أبي العَقِبِ بدِمشقَ، قال: أخبَرنا أبو زُرْعةَ، قال: أخبَرنا أبو اليَمانِ الحَكَمُ بن نافع، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عنِ الزُّهْريُّ، قال: أخبَرني حُميدُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، أنَّ أُمَّهُ أخبَرتهُ، أنَّها سمِعَتْ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "ليسَ بالكذّابِ الذي يقولُ خَيْرًا، ويرفَعُ خيرًا، ليُصلِحَ بين اثْنَينِ" (٤). وهذا الحديثُ قد رواهُ مالكٌ، عنِ ابنِ شِهاب، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، عن أُمِّهِ أُمِّ كُلثُوم بنتِ عُقبةَ بن أبي مُعَيطٍ، أنَّها قالت: سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "ليسَ الكذّابُ الذي يَمْشي يُصلِحُ بين النّاسِ، فيَنْمي خيرًا، ويقولُهُ".

стр. 5545

وقد رَوَى هذا الحديثَ: اللَّيثُ بن سعدٍ، عن يحيى بن أيُّوبَ، عن مالكِ بن أنسٍ، بإسنادِهِ (١). ورَوَى مَعْمرٌ، وابنُ أخي ابنِ شِهاب، وابنُ عُيَينةَ (٢)، عنِ الزُّهريِّ، بإسنادِهِ مِثلهُ، بمعنًى واحِدٍ. رواهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، وابنُ المُباركِ (٤)، وحمّادُ بن زيدٍ (٥)، وابنُ عُليّةَ (٦) وموسى بن أعْيَنَ (٧)، وهشامُ بن يُوسُف، كلُّهُم عن مَعْمرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ أُمِّ كُلثُوم بنتِ عُقبةَ بن أبي مُعَيطٍ، أنَّها سمِعَتْ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "ليسَ بالكاذب من أصلَحَ بين النّاسِ فقال خيرًا، أو نَمَى خيرًا". حدَّثنا خلَفُ بن أحمدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني داودُ بن عبدِ الرَّحمنِ،

стр. 5546

عنِ ابنِ خُثَيم (١)، عن شَهْرِ بن حَوْشبِ، عن أسماءَ بنتِ يزيدَ الأشْعَريِّ، قالت: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "الكَذِبُ يُكتَبُ على ابنِ آدمَ، إلّا ثلاثًا: كَذِبُ الرَّجُلِ امرأتَهُ ليُصْلِحَها، ورجُلٌ كذبَ بين اثْنَينِ ليُصلِحَ بينهُما، ورجُلٌ كذبَ في خَدْعةِ حَرْبٍ" (٢). أخبرنا محمدُ بن زكريّا، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا مَرْوانُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَشّارٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حبيبٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: كان أبو مِجْلَزٍ (٣) بخُراسانَ، وكان قتيبةُ بن مُسلِم يعرِضُ الجُندَ، فكان إذا أُتي برَجُلٍ قد باعَ سِلاحَهُ، ضَرَبهُ، قال: فأُتي برجُلٍ، فقال لهُ: أينَ سِلاحُكَ؟ قال: سُرِقَ. قال: من يعلمُ ذلك؟ قال: أبو مِجلَزٍ. قال: عرفتَ ذلك يا أبا مِجْلَز؟ قال: نعم. فتَرَكهُ، قيلَ لأبي مِجْلَزٍ: عرفتَ ذلك؟ قال: لا. قيل: فلِمَ قُلتَهُ؟ قال: أردتُ أن أرُدَّ (٤) عنهُ الضَّربَ. أخبرني سعيدُ بن نصرٍ وإبراهيمُ بن شاكِرٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا سعدُ بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن سَعيدِ بن

стр. 5547

أبي مريمَ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بن حمّادٍ، قال: قلتُ لسُفيانَ بن عُيينةَ: أرأيتَ الرَّجُلَ يَعْتذِرُ إلى أخيهِ (١) من الشَّيءِ، عَسَى أن يكونَ قد فعلَهُ، ويُحرِّفُ فيه القولَ ليُرضيهُ، أعليه فيه حرجٌ؟ قال: لا، ألم تسمعْ قولَهُ: "ليسَ بكاذِبٍ من قال خيرًا، أو أصلَحَ بين النّاسِ؟ " وقد قال اللَّه : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ الآيةَ [النساء: ١١٤]. فإصلاحُهُ فيما بينهُ وبينَ النّاسِ أفضَلُ، إذا فعلَ ذلك للَّه، وكَراهةَ أذَى المُسلِمينَ، وهُو أولى به من أن يتعرَّضَ لعداوةِ صاحِبِهِ وبُغْضتِهِ، فإنَّ البُغْضةَ حالِقةُ الدِّينِ. قلتُ: أليسَ من قال ما لم يَكُن، فقد كذبَ؟ قال: لا، إنَّما الكاذِبُ: الآثِمُ، فأمّا المأجُورُ فلا، ألم تسمَعْ إلى قولِ إبراهيمَ ﵇: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. و ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]؟ وقال يوسُفُ لإخوتِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] وما سَرَقُوا، وما أثِمَ يوسُفُ؛ لأنَّهُ لم يُرِد إلّا خيرًا، قال اللَّهُ : ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]، وقال الملكانِ لداودَ ﵇: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خَصمينِ، وإنَّما أرادا الخيرَ، والمعنَى الحسَنَ، وفي حديثِ (٢) هِجْرةِ النَّبيِّ ﷺ مع أبي بكرٍ إلى المدينةِ: أنَّهُما لَقيا سُراقةَ بن مالكِ بن جُعشُم، وكان النَّبيُّ ﷺ قد أرادَ من أبي بكرٍ أن يكونَ المُقدَّم على دابَّتِهِ، ويكونَ النَّبيُّ ﷺ خلفهُ، فلمّا لقيا سُراقةَ، قال لأبي بكرٍ: منِ الرَّجُلُ؟ قال: باغٍ، قال: فمنِ الذي خلفكَ؟ قال: هادٍ. قال: أحسَسْتَ محمدًا؟ قال: هُو ورائي. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُفَ وسعيدُ بن سيِّدِ بن سعيدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو عَمرو بن أبي زَيْدٍ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ
следующие страницы →