← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5543–5582 · переход к 5548.

стр. 5543

حديثٌ سادِسٌ لصفوانَ بن سُلَيم مُنقطِعٌ من بلاغاتِهِ مالكٌ (١)، عن صفوانَ بن سُلَيم، أنَّ رجُلًا قال يا رسولَ اللَّه: أأكذِبُ امرأتي؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا خيرَ في الكَذِبِ". فقال الرَّجُلُ: يا رسولَ اللَّه، آعِدُها وأقولُ لها؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا جُناحَ عليكَ". هذا الحديثُ لا أحفظُهُ بهذا اللَّفظِ عنِ النَّبيِّ ﷺ مُسندًا (٢). وقد رَواهُ ابنُ عُيَينةَ عن صفوانَ بن سُلَيم، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن صفوانَ بن سُلَيم المدنيِّ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، قال: قال رجُلٌ: يا رسُولَ اللَّه، هل عليَّ جُناحٌ أن أكذِبَ امرأتي؟ قال: "لا يُحِبُّ اللَّهُ الكذِبَ". فأعادَها، فقال: "لا يُحِبُّ اللَّهُ الكذِبَ". فقال: يا رسُولَ اللَّه، أسْتَصلِحُها، وأستَطيبُ نفسَها، قال: "لا جُناحَ عليكَ" (٣). قال ابنُ عُيينةَ: وأخبَرني ابنُ أبي حُسَينٍ، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "لا يصلُحُ الكذِبُ إلّا في ثلاثٍ: الرَّجُلُ يُصلِحُ بين اثْنَينِ، والحربُ خَدْعة، والرَّجُلُ يَسْتصلِحُ امرأتَهُ". قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يُفسِّرُ الأوَّلَ، ولهذا أردَفهُ ابنُ عُيَينةَ به، واللَّهُ أعلمُ. ومعلُومٌ أنَّ الرُّخصةَ لم تأتِ في أن يَصدُقَ الرَّجُلُ امرأتَهُ فيما يَعِدُها به؛ لأنَّ الصِّدقَ لا يحتاجُ أن يُقال فيه: "لا جُناحَ عليكَ".

стр. 5544

وفي هذا الحديثِ إباحةُ الكذِبِ فيما يُصلِحُ به المرءُ على نَفْسِهِ في أهلِهِ، وقد ثبتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "ليسَ بالكذّابِ (١) من قال خيرًا، أو نَمَى (٢) خيرًا، أو أصلَحَ بينَ اثنينِ" (٣). ومعلُومٌ أنَّ إصلاحَ المرءِ على نفسِهِ فيما بينهُ وبين أهلِهِ، بما لا يُؤذي به أحدًا، أفضلُ من إصلاحِهِ على غيرِهِ. كما أنَّ سترَهُ على نفسِهِ، أولى به من سترِهِ على غيرِهِ. أخبرنا خلَفُ بن قاسم، قال: أخبرنا ابنُ أبي العَقِبِ بدِمشقَ، قال: أخبَرنا أبو زُرْعةَ، قال: أخبَرنا أبو اليَمانِ الحَكَمُ بن نافع، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عنِ الزُّهْريُّ، قال: أخبَرني حُميدُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، أنَّ أُمَّهُ أخبَرتهُ، أنَّها سمِعَتْ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "ليسَ بالكذّابِ الذي يقولُ خَيْرًا، ويرفَعُ خيرًا، ليُصلِحَ بين اثْنَينِ" (٤). وهذا الحديثُ قد رواهُ مالكٌ، عنِ ابنِ شِهاب، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، عن أُمِّهِ أُمِّ كُلثُوم بنتِ عُقبةَ بن أبي مُعَيطٍ، أنَّها قالت: سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "ليسَ الكذّابُ الذي يَمْشي يُصلِحُ بين النّاسِ، فيَنْمي خيرًا، ويقولُهُ".

стр. 5545

وقد رَوَى هذا الحديثَ: اللَّيثُ بن سعدٍ، عن يحيى بن أيُّوبَ، عن مالكِ بن أنسٍ، بإسنادِهِ (١). ورَوَى مَعْمرٌ، وابنُ أخي ابنِ شِهاب، وابنُ عُيَينةَ (٢)، عنِ الزُّهريِّ، بإسنادِهِ مِثلهُ، بمعنًى واحِدٍ. رواهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، وابنُ المُباركِ (٤)، وحمّادُ بن زيدٍ (٥)، وابنُ عُليّةَ (٦) وموسى بن أعْيَنَ (٧)، وهشامُ بن يُوسُف، كلُّهُم عن مَعْمرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ أُمِّ كُلثُوم بنتِ عُقبةَ بن أبي مُعَيطٍ، أنَّها سمِعَتْ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "ليسَ بالكاذب من أصلَحَ بين النّاسِ فقال خيرًا، أو نَمَى خيرًا". حدَّثنا خلَفُ بن أحمدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني داودُ بن عبدِ الرَّحمنِ،

стр. 5546

عنِ ابنِ خُثَيم (١)، عن شَهْرِ بن حَوْشبِ، عن أسماءَ بنتِ يزيدَ الأشْعَريِّ، قالت: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "الكَذِبُ يُكتَبُ على ابنِ آدمَ، إلّا ثلاثًا: كَذِبُ الرَّجُلِ امرأتَهُ ليُصْلِحَها، ورجُلٌ كذبَ بين اثْنَينِ ليُصلِحَ بينهُما، ورجُلٌ كذبَ في خَدْعةِ حَرْبٍ" (٢). أخبرنا محمدُ بن زكريّا، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا مَرْوانُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَشّارٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حبيبٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: كان أبو مِجْلَزٍ (٣) بخُراسانَ، وكان قتيبةُ بن مُسلِم يعرِضُ الجُندَ، فكان إذا أُتي برَجُلٍ قد باعَ سِلاحَهُ، ضَرَبهُ، قال: فأُتي برجُلٍ، فقال لهُ: أينَ سِلاحُكَ؟ قال: سُرِقَ. قال: من يعلمُ ذلك؟ قال: أبو مِجلَزٍ. قال: عرفتَ ذلك يا أبا مِجْلَز؟ قال: نعم. فتَرَكهُ، قيلَ لأبي مِجْلَزٍ: عرفتَ ذلك؟ قال: لا. قيل: فلِمَ قُلتَهُ؟ قال: أردتُ أن أرُدَّ (٤) عنهُ الضَّربَ. أخبرني سعيدُ بن نصرٍ وإبراهيمُ بن شاكِرٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا سعدُ بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن سَعيدِ بن

стр. 5547

أبي مريمَ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بن حمّادٍ، قال: قلتُ لسُفيانَ بن عُيينةَ: أرأيتَ الرَّجُلَ يَعْتذِرُ إلى أخيهِ (١) من الشَّيءِ، عَسَى أن يكونَ قد فعلَهُ، ويُحرِّفُ فيه القولَ ليُرضيهُ، أعليه فيه حرجٌ؟ قال: لا، ألم تسمعْ قولَهُ: "ليسَ بكاذِبٍ من قال خيرًا، أو أصلَحَ بين النّاسِ؟ " وقد قال اللَّه : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ الآيةَ [النساء: ١١٤]. فإصلاحُهُ فيما بينهُ وبينَ النّاسِ أفضَلُ، إذا فعلَ ذلك للَّه، وكَراهةَ أذَى المُسلِمينَ، وهُو أولى به من أن يتعرَّضَ لعداوةِ صاحِبِهِ وبُغْضتِهِ، فإنَّ البُغْضةَ حالِقةُ الدِّينِ. قلتُ: أليسَ من قال ما لم يَكُن، فقد كذبَ؟ قال: لا، إنَّما الكاذِبُ: الآثِمُ، فأمّا المأجُورُ فلا، ألم تسمَعْ إلى قولِ إبراهيمَ ﵇: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. و ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]؟ وقال يوسُفُ لإخوتِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] وما سَرَقُوا، وما أثِمَ يوسُفُ؛ لأنَّهُ لم يُرِد إلّا خيرًا، قال اللَّهُ : ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]، وقال الملكانِ لداودَ ﵇: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خَصمينِ، وإنَّما أرادا الخيرَ، والمعنَى الحسَنَ، وفي حديثِ (٢) هِجْرةِ النَّبيِّ ﷺ مع أبي بكرٍ إلى المدينةِ: أنَّهُما لَقيا سُراقةَ بن مالكِ بن جُعشُم، وكان النَّبيُّ ﷺ قد أرادَ من أبي بكرٍ أن يكونَ المُقدَّم على دابَّتِهِ، ويكونَ النَّبيُّ ﷺ خلفهُ، فلمّا لقيا سُراقةَ، قال لأبي بكرٍ: منِ الرَّجُلُ؟ قال: باغٍ، قال: فمنِ الذي خلفكَ؟ قال: هادٍ. قال: أحسَسْتَ محمدًا؟ قال: هُو ورائي. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُفَ وسعيدُ بن سيِّدِ بن سعيدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو عَمرو بن أبي زَيْدٍ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ

стр. 5548

إبراهيمُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد البَصْريُّ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن سُليمان التَّيميِّ، عن أبي عُثمانَ النَّهديِّ، قال: سمِعتُ عُمر بن الخطّابِ، يقولُ: إنَّ في المعاريضِ ما يُغنيكُم عنِ الكَذِبِ (١). قال: وحدَّثنا أبو داود الطَّيالِسيُّ وأبو عامرٍ العَقَديُّ وعبدُ الرَّحمنِ بن مَهديٍّ، قالوا: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن مُطرِّفِ بن عبدِ اللَّه، قال: صَحِبتُ عِمرانَ بن حُصَينٍ من الكُوفةِ إلى البَصرةِ، فكان لا يُخطِئُ يومًا إلّا أنْشَدني فيه شِعرًا، وسمِعتُهُ يقولُ: إنَّ في المعاريضِ مندُوحةً (٢) عنِ الكَذِبِ (٣). قال: وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَهديٍّ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن إبراهيم بن مُهاجِرٍ، قال: بَعثني إبراهيمُ النَّخَعيُّ إلى زيادِ بن حُدَيرٍ -أميرٍ (٤) على الكُوفةِ- فقال: قُل لهُ كذا، قُل لهُ كذا. قلتُ: كيفَ أقولُ شيئًا لم يكُن؟ قال: إنَّ هذا صُلحٌ، فلا بأسَ به (٥). ورواهُ بُندارٌ محمدُ بن بشّارٍ، عن يحيى القطّانِ، عن سُفيانَ، عن إبراهيمَ بن مُهاجِرٍ، فذكر مِثلَهُ.

стр. 5549

حديثٌ سابعٌ لصفوانَ بن سُليم مُرسلٌ مقطُوعٌ مالكٌ (١)، عن صفوانَ بن سُلَيم، أنَّهُ قيلَ لرسُولِ اللَّه ﷺ : أيكونُ المُؤمِنُ جَبانًا؟ قال: "نعَمْ"، فقيلَ: أيكونُ بخيلًا (٢)؟ قال: "نعَمْ". فقيل لهُ: أيكونُ المُؤمِنُ كذّابًا؟ قال: "لا". قال أبو عُمر: لا أحفظُ هذا الحديثَ مُسندًا بهذا اللَّفظِ من وَجْهٍ ثابتٍ، وهُو حديثٌ حسنٌ (٣). ومعناهُ: أنَّ المُؤمِنَ لا يكونُ كذّابًا، يُريدُ أنَّهُ لا يغلِبُ عليه الكذِبُ، حتّى لا يكادُ يصدُقُ، هذا ليسَ من أخلاقِ المُؤمِنينَ. وأمّا قولُهُ في المُؤمِنِ: أنَّهُ يكونُ جبانًا، وبخيلًا. فهذا يدُلُّ على أنَّ البُخلَ والجُبنَ قد يُوجدانِ في المُؤمِنِ، وهُما خُلُقانِ مذمُومانِ، قد استعاذَ رسُولُ اللَّه ﷺ منهُما (٤)، وقد رُوي عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "لا يَنْبغي للمُؤمِنِ أن يكونَ جبانًا، ولا بَخيلًا" (٥)، وقال ﷺ في حديثِ عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ: "ثُمَّ لا تجِدُوني بَخيلًا، ولا جَبانًا، ولا كذّابًا" (٦)، وقال ﷺ : "المُؤمِنُ

стр. 5550

سَهْلٌ كريمٌ، والفاجِرُ خِبٌّ لَئيمٌ" (١). وهذه الآثارُ أقوى من مُرسلِ صَفْوانَ هذا، وهي مُعارِضةٌ لهُ (٢). وقد رُوي من حديثِ مالكٍ، عنِ ابنِ شِهاب، عن سَعيدٍ، عن أبي هريرةَ، وهُو حديثٌ موضُوعٌ على مالكٍ، لم يرور عنهُ ثِقةٌ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "خَصْلتانِ لا تَجْتمِعانِ في مُؤمِنٍ: سُوءُ الخُلُقِ، والبُخلُ". وضَعَهُ على مالكٍ رجُلٌ يقالُ لهُ: إسحاقُ بن مُسَيْح، مجهُولٌ، عن أبي مُسْهِرٍ، عن مالكٍ (٣). وأبو مُسْهِرٍ أحدُ الثِّقاتِ الجِلّةِ. وقال أحمدُ بن حَنْبل: سَمِعتُ المُعافَى بن عِمْران يقولُ: سمِعتُ سُفيانَ الثَّوريَّ يقولُ: سمِعتُ منصُورًا يقولُ: سمِعتُ إبراهيمَ يقولُ، وذُكِرَ عِندهُ البُخلُ، فقال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّما بُعِثتُ لأُتمِّمَ مكارِمَ الأخلاقِ" (٤). وقال رسُولُ اللَّه- ﷺ : "أيُّ داءٍ أدوَأُ من البُخلِ" (٥). وأمّا الكَذِبُ، فقد مَضَى في البابِ قبلَ هذا ما يجُوزُ منهُ، وما أتَتْ فيه الرُّخصةُ من ذلك.

стр. 5551

وقد جاءَت في الكَذِبِ أحاديثُ مُشَدَّدةٌ، أحسَنُها إسنادًا: ما حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا وكيعٌ. قال أبو داودَ (٣): وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن داود؛ قالا: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إيّاكُم والكذِب، فإنَّ الكذِبَ يَهْدي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدي إلى النّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ ليكذِبُ ويَتَحرَّى الكذِبَ، حتّى يُكتَبَ عندَ اللَّه كذّابًا، وعليكُم بالصِّدقِ، فإنَّ الصِّدقَ يَهْدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهْدي إلى الجنّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ ليصدُقُ ويتحرَّى الصِّدقَ، حتّى يُكتَبَ عندَ اللَّه صِدِّيقًا". قال أبو عُمر: هذا يَشْهدُ لقولي في أوَّلِ هذا البابِ، عندَ قولِهِ: "لا يكونُ المُؤمِنُ كذّابًا"، أي: المُؤمِنُ لا يغلِبُ عليه قولُ الزُّورِ، فيَسْتحلي الكذِبَ ويتحرّاهُ ويَقْصِدُهُ، حتّى تكونَ تلك عادتَهُ، فلا يَكادُ يكونُ كلامُهُ إلّا كذِبًا كُلُّهُ، ليَسْت هذه صِفةَ المُؤمِنِ. وأمّا قولُ اللَّه : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٥٥]، فذلك عِندي، واللَّهُ أعلمُ، الكذِبُ على اللَّه، أو على رسولِهِ ﷺ . حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا

стр. 5552

أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، يعني القطّان، قالا جميعًا: حدَّثنا بهزُ بن حَكيم، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "ويلٌ للَّذي يُحدِّثُ فيكذِبُ ليُضحِك به القوم، ويلٌ لهُ، ثُمَّ ويلٌ لهُ". حدَّثنا خلفُ بن أحمدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال (٢): أخبرني محمدُ بن مُسلِم، عن أيُّوبَ السَّختيانيِّ، عنِ ابنِ سيرينَ، عن عائشةَ، قالت: ما كان شيءٌ أبغضَ إلى رسُولِ اللَّه ﷺ من الكذِبِ، وكان إذا جرَّبَ من رجُلٍ كِذبةً، لم يخرُج لهُ من نفسِهِ، حتّى يُحدِثَ تَوْبةً. وقد رُوِيَ أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ رَدَّ شهادةَ رجُلٍ، في كِذْبةٍ كَذَبها. قال شريكٌ: لا أدري أكذَبَ على اللَّه، أو رسُولِهِ، أو في أحاديثِ النّاس (٣)؟

стр. 5553

مالكٌ عن صَيْفيٍّ حديثٌ واحِدٌ وهُو صيفيُّ (١) بن زيادٍ ، يُكْنَى أبا زيادٍ، مولى ابنِ أفْلَح، مولى أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ ﵀. وقيل: صيفيٌّ هذا يُكْنَى: أبا سعيدٍ. يقالُ فيه: مولى ابنِ أفلَحَ. ويقالُ: مولى أفْلَحَ، مولى أبي أيُّوب الأنصاريِّ. ويقالُ: مولى الأنصارِ. ويقالُ: مولى أبي السّائبِ. ومولى ابنِ (٢) السّائبِ. والصَّوابُ قولُ من قال: مولى ابنِ أفلَحَ، كنيتُهُ أبو زياد. وهُو رجُلٌ من أهلِ المدينةِ، رَوَى عنهُ مالكٌ، وابنُ عَجْلانَ، وسعيدُ بن أبي هِلالٍ، وعُبيد اللَّه بن عُمرَ، وعبدُ اللَّه بن (٣) سعيدُ بن أبي هِندٍ. ولا أعلمُ لهُ رِوايةً إلّا عن أبي السّائبِ، مولى هشام بن زُهرةَ.

стр. 5554

مالكٌ (١)، عن صَيْفيٍّ مولى ابنِ أفلَحَ، عن أبي السّائبِ مولى هشام بن زُهْرةَ، أنَّهُ قال: دخلتُ على أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، فوَجدتهُ يُصلِّي، فجَلَستُ أنتظرُ (٢) حتّى قَضَى صَلاتهُ فسمِعتُ تحريكًا تحتَ سَريرِهِ في بيتِهِ، فإذا حيّةٌ، فقُمتُ لأقْتُلها، فأشارَ إليَّ أبو سعيدٍ: أنِ اجْلِس، فلمّا انصرَفَ، أشارَ إلى بيتٍ في الدّارِ، فقال: أتَرى هذا البيتَ؟ قلتُ: نعَمْ. قال: إنَّهُ قد كان فيه فتًى حديثُ عَهْدٍ بعُرسٍ، فخرَجَ (٣) رسُولُ اللَّه ﷺ إلى الخَندقِ، فبينا هُو به، إذ أتَى (٤) الفتى يَسْتأذِنُهُ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، ائذَنْ لي حتّى أُحدِثَ بأهلي عَهدًا، فأذِنَ لهُ رسُولُ اللَّه ﷺ وقال: "خُذْ عليكَ سِلاحَكَ، فإنِّي أخْشَى عليكَ بني قُرَيظةَ". فانطلَقَ الفَتَى إلى أهلِهِ، فوَجدَ امرأتهُ قائمةً بينَ البابينِ، فأهْوَى إليها بالرُّمحِ ليطعَنَها، وأدركتهُ غَيرةٌ، فقالت: لا تَعْجَلْ حتّى تدخُلَ، وتنظُرَ ما في بيتِكَ. فدخَلَ، فإذا هُو بحيّةٍ مُنْطويةٍ على فِراشِهِ، فركزَ فيها رُمحَهُ، ثمَّ خرجَ (٥) فنَصَبهُ في الدّارِ، فاضْطَربتِ الحيّةُ في رَأسِ الرُّمح، وخرَّ الفَتَى ميِّتًا، فما يُدْرَى أيُّهُما كان أسرَعُ موتًا: الفَتَى، أم الحيّةُ؟ فذكرْنا (٦) ذلك لرسُولِ اللَّه ﷺ فقال: "إنَّ بالمدينةِ جِنًّا قد أسْلَمُوا، فإذا رأيتُم منها شيئًا، فآذِنُوهُ ثلاثةَ أيام، فان بَدا لكُم بعدَ ذلك، فاقتُلُوهُ، فإنَّما هُو شَيْطانٌ". هكذا قال مالكٌ في هذا الحديثِ: عن صيفيٍّ، مولى ابنِ أفلَحَ. وذكَرَهُ الحُميديُّ، عنِ ابنِ عُيَينةَ، عنِ ابنِ عَجْلانَ، عن صَيْفيٍّ مولى أبي السّائبِ، عن رجُلٍ، قال: أتَيْتُ أبا سعيدٍ الخُدريَّ أعُودُهُ، فسمِعَ (٧) تحريكًا

стр. 5555

تحت سَريرِهِ، فنظرتُ فإذا حيّةٌ، فأردتُ أن أقتُلها. وذكر الحديثَ نحوَ حديثِ مالكٍ، إلّا أنَّهُ قد غلِطَ في قولِهِ فيه: مولى أبي السّائبِ، ولم يُقِمْ (١) إسنادَهُ. وقال فيه: عن رَجُلٍ. وإنَّما هُو صيفيٌّ، عن أبي السّائبِ. ورواهُ يحيى القطّانُ، عنِ ابنِ عجلانَ، عن صيفيٍّ، عنِ أبي (٢) السّائبِ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، مُختصرًا. حدَّثناهُ عبدُ اللَّه لن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدِ (٣) بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ النَّسويُّ، قال (٤): أخبرنا يَعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ ابنِ عَجْلانَ، قال: حدَّثني صَيْفيٌّ، عن أبي السّائبِ، عن أبي سَعيدٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ بالمدينةِ نَفرًا من الجِنِّ أسْلَمُوا، فمَنْ رأى شيئًا من هذه العَوامِرِ، فليُؤذِنْهُ ثلاثًا، فإن بَدا لهُ بعدُ، فلْيقتُلهُ، فإنَّما هُو شيطان". وحدَّثناهُ عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ ابنِ عجلانَ. فذكرهُ بإسنادِهِ سواءً (٥) (٦). حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني محمدُ بن عَجْلانَ،

стр. 5556

عن صَيْفيٍّ أبي سَعيدٍ مولى الأنصارِ، عن أبي السّائبِ، أَنَّهُ قال: أتَيْنا أبا سَعيدٍ الخُدريَّ، فبَيْنا أنا عندَه جالِسٌ سَمِعتُ تحتَ سَريرِهِ تحرُّكَ شيءٍ، فنَظرتُ، فإذا حيّةٌ، فقُمتُ، فقال أبو سعيدٍ: ما لكَ؟ فقلتُ: حيّةٌ هاهُنا. قال: فتُريدُ ماذا؟ قال: قلتُ: أُريدُ قتلَها، قال: فأشارَ إلى بيتٍ في دارِهِ، تِلقاءَ بَيْتِهِ، وقال: إنَّ ابنَ عمٍّ لهُ كان في هذا البيتِ، فلمّا كان يومُ الأحزابِ، استأذنَ رسُولَ اللَّه ﷺ في أهلِهِ، وكانَ حديثَ عَهْدٍ بعُرسٍ، فأذِنَ لهُ، وأمرَهُ أن يذهَبَ بسِلاحِهِ معهُ، فأتَى دارهُ، فوجَدَ امرأتهُ قائمةً على بابِ البيتِ، فأشارَ إليها بالرُّمح، قالت: لا تَعْجَلَ حتّى تنظُرَ ما أخْرَجني، فدخَلَ البيتَ، فإذا حيّةٌ مُنكرةٌ، فطعَنها (١) بالرُّمح، ثُمَّ خرجَ بها في الرُّمحِ تَرْتكِضُ، فلا أدري أيُّهُما كان أسرَعَ موتًا، الرَّجُلُ أوِ الحيّةُ؟ فأتَى قومُهُ رسُولَ اللَّه ﷺ ، فقالوا: ادعُ اللَّهَ أن يرُدَّ صاحِبنا، فقال: "اسْتَغفِرُوا لصاحِبِكُم". ثُمَّ قال: "إنَّ نَفرًا من الجِنِّ بالمدينةِ أسْلَمُوا، فإذا رأيتُم أحدًا منهُم، فحذِّرُوهُ ثلاثةَ أيام، ثُمَّ إن بَدا لكُم أن تقتُلُوهُ فاقتُلُوهُ" (٢). قال أبو عُمر: رِوايةُ اللَّيثِ لهذا الحديثِ عنِ ابنِ عَجْلانَ، كرِوايةِ مالكٍ في إسنادِهِ ومعناهُ، ولا يضُرُّ اخْتِلافُهُما في ولاءِ أبي سعيدٍ صيفيٍّ، إذ قال مالكٌ: مولى ابنِ أفلَحَ. وقال فيه اللَّيثُ: عنِ ابن عَجْلانَ، عن صيفيٍّ مولى الأنصارِ. وكذلك هُو مولى الأنصارِ، إلّا أنَّهُ لم يَحفَظْ لمن ولاؤُهُ من الأنْصارِ. وقد جوَّدهُ مالكٌ في قولِهِ: مولى ابنِ أفلح، وكذلك من قال فيه: مولى أفلَحَ؛ لأنَّ أفلَحَ مولى أبي أيُّوب الأنصاريِّ. وأمّا قولُ ابنِ عُيينةَ، عنِ ابنِ عَجْلانَ، عن صَيفيٍّ مولى أبي السّائبِ، فلم يصنَعْ شيئًا، ولم يُقِم الإسنادَ، إذ جَعلَهُ مولى أبي السّائبِ، عن رجُلٍ، وإنَّما هُو مولى ابنِ أفلَحَ،

стр. 5557

عن أبي السّائبِ، كذلك قال مالكٌ، عن صيفيٍّ، عن أبي السّائبِ. وكذلك قال اللَّيثُ، ويحيى القَطّانُ، عنِ ابنِ عجلانَ، عن صيفيٍّ، عن أبي السّائبِ. ومن قال في هذا الحديثِ: عنِ ابنِ عَجْلانَ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن صيفيٍّ، فقد أفرطَ في التَّصحيفِ والخطأ، كذلك رواهُ عليُّ بن حَرْبٍ، عنِ ابنِ عُيَينةَ، عنِ ابنِ عَجْلانَ (١). وهذا لا خَفاءَ به عندَ أهلِ العِلم بالحديثِ، وإنَّما هُو عن أبي سعيدٍ صيفيٍّ، ولا معنى لذِكرِ سعيدِ بن أبي سعيدٍ هُنا. ومن رواهُ أيضًا عن صيفيٍّ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، فليسَ بشيءٍ، وقد قَطعهُ؛ لأنَّ صيفيًّا لم يَسْمعهُ من أبي سعيدٍ، وإنَّما يَرويهِ عن أبي السّائبِ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، من غيرِ رِوايةِ صَيْفيٍّ، إلّا أَنَّهُ مُختصرٌ، نحو رِوايةِ القَطّانِ، عنِ ابنِ عَجْلانَ، عن صيفيٍّ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا بكرُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا يحيى بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن خالدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، عن عبدِ اللَّه (٢) بن أبي سَلَمةَ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إذا آذاكُم (٣) شيءٌ من الحيّاتِ في مَساكِنِكُمْ، فحرِّجُوا عليهنَّ ثلاثَ مرّاتٍ، فإن عادَ بعدَ ثلاثٍ فاقتُلُوهُ، فإنَّما هُو شَيْطان". وقد رُوي مِثلُ حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ هذا من حَديثِ سَهْلِ بن سعدٍ السّاعِديِّ؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ،

стр. 5558

قال: حدَّثنا محمدُ بن غالِبٍ وزكريّا بن يحيى النّاقِدُ -واللَّفظُ لمحمدِ بن غالِبٍ- قال: حدَّثنا خالدُ بن خِداشٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أبي حازِم، عن سَهْلِ بن سَعْدٍ: أنَّ فتًى منَ الأنصارِ كان حديثَ عَهْدٍ بعُرسٍ، وأنَّهُ خرَجَ مع النَّبيِّ ﷺ في غَزاةٍ، فرجَعَ من الطَّريقِ، فإذا هُو بامرأتِهِ قائمةً في الحُجْرةِ، فبَوَأ (١) لها الرُّمحَ، فقالت: ادخُل فانظُر ما في البيتِ، فدخَلَ، فإذا هُو بحيّةٍ مُنْطويةٍ على فِراشِهِ، فانتَظَمها برُمحِهِ، وركَزَ الرُّمحَ في الدّارِ، فانْتَفضتِ الحيّةُ وماتَتْ، وماتَ الرَّجُلُ. قال: فذَكروا ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: "إنَّهُ قد نزَلَ في المدينةِ جِنٌّ مُسلِمُونَ"، أو قال: "إنَّ لهذه البُيُوتِ عَوامِرَ"، شَكَّ خالدٌ، "فإذا رأيتُمْ منها شيئًا فاقتُلوهُ". وقال زكريّا بن يحيى في حديثهِ: "فإذا رأيتُمْ (٢) منها شيئًا، فتَعوَّذُوا، فإن عادَ فاقتُلُوهُ" (٣). قال أبو عُمر: قال قومٌ: لا يلزمُ أن تُؤذَنَ الحيّاتُ، ولا يُناشَدْنَ (٤)، ولا يُحرَّج عليهنَّ، إلّا بالمدينةِ خاصّةً، لهذا الحديثِ، وما كان مِثلهُ؛ لأنَّهُ خصَّ المدينةَ بالذِّكرِ. ومِمَّن قال ذلك: عبدُ اللَّه بن نافع الزُّبيريُّ، قال: لا تُنذرُ عَوامِرُ البُيُوتِ إلّا بالمدينةِ خاصّةً. قال: وهُو الذي يدُلُّ عليه حديثُ النَّبيِّ ﷺ لقولِهِ: "إنَّ بالمدينةِ جِنًّا قد أسْلَمُوا". وقال آخرُونَ: المدينةُ وغيرُها في ذلك سواءٌ؛ لأنَّ من الحيّاتِ جِنًّا، وجائزٌ أن يكُنَّ بالمدينةِ وغيرِها، وأن يُسلِمَ من شاءَ اللَّهُ منهُنَّ.

стр. 5559

قال مالكٌ: أحَبُّ إليَّ أن تُنذَرَ عوامِرُ البُيُوتِ بالمدينةِ وغيرِها ثلاثةَ أيام، ولا تُنذرن في الصَّحاري (١). قال أبو عُمر: العِلّةُ الظّاهِرةُ في الحديثِ إسلامُ الجِنِّ، واللَّه أعلمُ، إلّا أنَّ ذلك شيءٌ لا يُوصَلُ إلى شيءٍ من مَعرِفتِهِ، والأولى أن تُنذَر عَوامِرُ البُيُوتِ كلِّها، كما قال مالكٌ. والإنذارُ: أن يقولَ الذي يرى الحيّةَ في بيتِهِ: أُحرِّجُ عليكِ أيَّتُها الحيّةُ باللَّه واليوم الآخِرِ، أن تَظْهر (٢) لنا، أو تُؤذينا. وقد رَوَى عِبادُ بن إسحاقَ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن طلحةَ، عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، قال: بَيْنا أنا بعَبّادانَ (٣)، إذ جاءَني رسُولُ زَوْجَتي، فقال: أجِبْ فُلانةً، فاسْتَنكرتُ ذلك، ثم قُمتُ فدخلتُ، فقالت لي: إنَّ هذه (٤) الحيّةُ، وأشارَتْ إليها، كنتُ أراها بالباديةِ إذا خَلَوتُ، ثُمَّ مَكَثتُ لا أراها، حتّى رأيتُها الآنَ، وهي هي، أعرِفُها بعينِها. قال: فخطَبَ سعدٌ خُطبةً، حمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه، ثُمَّ قال: إنَّكِ قد آذَيتِني، وإنِّي أُقسِمُ باللَّه لئن رأيتُكِ بعدَ هذه، لأقتُلنَّكِ، فخَرَجتِ الحيّةُ، انسابت من بابِ البيتِ، ثُمَّ من بابِ الدّارِ، فأرسلَ معَها سعدٌ إنسانًا، فقال: انظُر أين تَذْهبُ، فتبِعها، حتّى جاءَتِ المسجِد، ثُمَّ جاءَت منْبرَ رسُولِ اللَّه ﷺ عَلَتْه فرَقَتْهُ، ثُمَّ صَعِدت إلى السَّماءِ حتّى غابَتْ (٥).

стр. 5560

حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن منصُورٍ النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن سُعَيرِ بن الخِمْسِ (١)، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ليلى، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن أبيه، عن رَسُولِ اللَّه ﷺ (٢)، أنَّهُ ذُكِرَ عندَهُ حيّاتُ البُيُوتِ، فقال: "إذا رأيتُم منها شيئًا في مَساكِنِكُم، فقولُوا: أنشُدُكُم بالعَهدِ الذي أخذ عَليكُم نُوحٌ ﵇، وأنشُدُكُم بالعَهدِ الذي أخذَ عليكُم سُليمانُ ﵇، فإذا رأيتُم منهُنَّ شيئًا بعدَ ذلك فاقتُلُوهُ" (٣). حدَّثنا أحمدُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا بحرُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، عن أبي الزّاهِريّةِ، عن جُبَيرِ بن نُفَيرٍ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشنيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "الجِنُّ على ثَلاثةِ أثلاثٍ: فثُلُثٌ لهم أجنِحةٌ يَطِيرُونَ في الهواءِ، وثُلُثٌ حيّاتٌ وكِلابٌ، وثُلُثٌ يحُلُّونَ ويظعَنُونَ" (٤).

стр. 5561

حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا حجّاج، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريع، قال: حدَّثنا داودُ، قال: حدَّثنا أبو نَضرةَ، أنَّ عبد الرحمنِ بن أبي ليلى حدَّثهُ: أنَّ رجُلًا من الأنصارِ خرجَ عِشاءً من أهلِهِ، يُريدُ مسجِدَ قومِهِ، فاسْتُطيرَ (١)، فالتُمِسَ فلم يُوجَد، فانطلقَتِ امرأتَهُ إلى عُمر بن الخطّابِ، فذكَرَت ذلك لهُ، فدَعا بقومِهِ فسألهُم عنهُ، فحدَّثُوهُ بمِثلِ ما حدَّثتهُ امرأتَهُ، فقال لهم: أما سَمِعتُم منهُ ذِكرًا بعدُ؟ قالوا: لا، فأمَرَها أن تتربَّصَ أربعَ سِنينَ، ففعلَتْ، ثُمَّ أتَتَهُ فأخبَرتهُ: أنَّها لم يُذكَر لها منهُ ذِكرٌ، فدَعا قومَهُ فسألهُم عن ذلك، فقالوا: ما ذُكِرَ لنا منهُ ذِكرٌ، فأمَرَها أن تَعْتدَّ منهُ، فاعتدَّت، ثُمَّ جاءَتهُ، فأمَرَها أن تتزوَّجَ إن شاءَت، فتزوَّجت، ثُمَّ جاءَ زوجُها الأوَّلُ بعد ذلك، فقال: زوَّجتَ امرأتي؟ فقال عُمرُ: لم أفعل، ودَعاها عُمرُ فقالت: أنا المرأةُ التي أخبرتُكَ بذهابِ زَوْجي، فأمَرْتني أن أتربَّصَ أربعَ سِنينَ، ففعلتُ، ثُمَّ أتيتُكَ فأمَرْتني أن أعتدَّ، فاعتددتُ ثُمَّ جِئتُك، فأمَرْتني أن أتزوَّجَ، ففعلتُ. فقال عُمرُ: ينطلِقُ أحدُكُم فيَغِيبُ عن أهلِهِ أربعَ سِنينَ، ليسَ (٢) بغازٍ، ولا تاجِرٍ. فقال لهُ الرَّجُلُ: إنِّي خَرَجتُ عِشاءً من أهلي، أُريدُ مسجِدَ قومي، فاسْتَبتني الجِنُّ، فكنتُ فيهم، حتّى غزاهُم جِنٌّ مُسلِمُونَ، فأصابُوني في السَّبي، فسألُوني عن ديني، فأخبَرتهم أنِّي مُسلِم، فخيَّرُوني بينَ أن يرُدُّوني إلى قومي، وبينَ أن أمكُثَ معهُم ويُواسُوني، فاختَرتُ أن يرُدُّوني إلى قومي، فبَعثُوا مَعِي نفرًا، أمّا اللَّيلُ فرِجالٌ يُحدِّثُوني، وأمّا النَّهارُ فإعصارُ ريح أتْبَعُها، حتّى هَبَطتُ إليكُم.

стр. 5562

فقال لهُ عُمرُ: فما كان طعامُكَ فيهم؟ فقال: ما لم يُذكرِ اسمُ اللَّه عليه، وهذا الفُولُ. فخيَّرهُ عُمرُ بينَ المهرِ، والمرأةِ (١). حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا بُكَيرُ بن الحسنِ بن عبدِ اللَّه بن سَلمةَ الرّازيُّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن عبدِ اللَّه التَّرقُفيُّ الباكُسائي (٢)، قال (٣): حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن أبي سِنانٍ، عن أبي مُنيبٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي الدَّرداءَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "خلَقَ اللَّهُ الجِنَّ ثلاثةَ أثلاثٍ: فثُلُثٌ كِلابٌ وحيّاتٌ وخَشاشُ الأرضِ، وثُلُثٌ ريحٌ هَفّافةٌ، وثُلُثٌ كبني آدم، لهمُ الثَّوابُ، وعليهمُ العِقابُ، وخلقَ اللَّهُ الإنسَ ثلاثةَ أثلاثٍ: فثُلُثٌ لهم قُلُوبٌ لا يفقهُونَ بها وأعيُنٌ لا يُبصِرُونَ بها وآذانٌ لا يسمعُونَ بها إن هُم إلّا كالأنعام، بل هُم أضلُّ سبيلًا، وثُلُثٌ أجسادُهُم أجسادُ بني آدم وقُلُوبُهُم قُلُوبُ شياطين، وثُلُثٌ في ظِلِّ اللَّه يومَ القيامةِ" (٤). ورَوَينا من وُجُوهٍ: أنَّ عائشةَ زوجَ النَّبيِّ ﷺ قتلَتْ جِنّانًا، فأُرِيَتْ في المنام أنَّ قائلًا يقولُ لها: لقد (٥) قتلتِ مُسلِمًا. فقالت: لو كان مُسلِمًا، لم يدخُل على أزواجِ النَّبيِّ ﷺ . قال: ما دخلَ عَليكِ إلّا وعليكِ ثيابُكِ، فأصبَحتْ فأمرَتْ باثنَيْ عشَرَ ألفَ دِرْهم، فجُعِلَتْ في سَبيلِ اللَّه (٦).

стр. 5563

قال أبو عُمر: الغُولُ، وجمعُها أغوالٌ، والسِّعلاةُ، وجمعُها السَّعالى، ضَرْبانِ من الجِنِّ، ونَوْعٌ من شياطينِهِنَّ. قالوا: إنَّها تتصوَّرُ صُورًا كثيرةً في القِفارِ (١) أمامَ الرِّفاقِ، وغَيرِها، فتَطُولُ مرّةً، وتَصغُرُ أُخرَى، وتقبُحُ مرّة، وتحسُنُ أُخرى، مرّة في صُورةِ بناتِ آدمَ وبني آدم، ومرّةً في صُورةِ الدَّوابِّ، وغيرِ ذلك، كيفَ شاءَت، قال كَعبُ بن زُهَيرٍ (٢): فما تدُومُ على حالٍ تكونُ بها ... كما تَغوَّلُ (٣) في أثوابِها الغُولُ وفي الحديثِ المرفُوع: "إذا تغوَّلتِ الغِيلانُ، فأذِّنُوا بالصَّلاةِ". أي: إذا شُبِّهت عليكُمُ الطَّريقُ، فأذِّنُوا تهتدُوا. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ النَّسويُّ، قال (٤): أخبَرنا أحمدُ بن سُلَيمان، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عنِ الحَسَنِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّه، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "عليكُم بالدُّلجةِ، فإنَّ الأرضَ تُطوَى باللَّيل، وإذا تَغوَّلتِ الغِيلانُ، فنادُوا بالأذانِ"، مُختصرًا.

стр. 5564

وأمّا قولُهُ في حديثِ عائشةَ: قتلت جِنّانًا. فرُوي عنِ ابنِ عبّاسٍ، أنَّهُ قال: الجِنّانُ: مَسْخُ الجِنِّ، كما مُسِختِ القِردةُ من بني إسرائيلَ (١). وقد رُوي عنِ ابنِ عُمرَ مِثلُهُ. وقال الخليلُ (٢): الجِنّانُ: الحيّةُ. وقال نِفْطوية: الجِنّانُ: الحيّاتُ، وأنشد للخَطَفى، جدِّ جريرٍ: أعناقُ جِنّانٍ وهاما رُجَّفا وقال غيرُهُ (٣): تبدَّل حالًا بعد حالٍ عهِدتُها ... تناوَحَ جِنّانٌ بهنَّ وخُيَّلُ (٤) قال ابنُ أبي ليلى: الجِنّانُ، الذين لا يعرِضُونَ للنّاسِ، والخُيَّلُ: الذين يتخيَّلُونَ للنّاسِ، ويُؤذُونهُم. أخبرنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٥): أخبرني إبراهيمُ بن يعقُوبَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن موسى، قال: حدَّثنا شيبانُ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عنِ الحَضْرميِّ بن لاحِقٍ، عن محمدٍ، قال: وكان أُبيُّ بن كَعْب جدُّ محمدٍ، قال: كان لأُبيِّ بن كعبٍ جُرْنٌ (٦) من طعام.

стр. 5565

وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن هانئ، قال: حدَّثني حربُ بن شدّادٍ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: حدَّثني الحَضْرميُّ بن لاحِقٍ التَّميميُّ، قال: حدَّثني محمدُ بن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: كان لجدِّي جُرْنٌ من طعام، وكان يَتَعاهَدُهُ، فوجَدهُ ينقُصُ، فحَرَسهُ ذاتَ ليلةٍ، فإذا هُو بدابّةٍ تُشبِهُ الغُلام المُحتلِم، فسلَّمَ فردَّ ﵇، فقال: من أنتَ، أجِنٌّ أم إنسٌ؟ قال: بل جِنٌ. قال: أعطِني يدَكَ، فأعْطاهُ، فإذا يدُ كَلْبٍ، وشعرُ كلبٍ، قال: هكذا خَلْقُ الجِنِّ، قال: قد عَلِمتِ الجِنُّ أَنَّهُ ما فيهم أشدُّ منِّي. قال: ما شأنُكَ؟ قال: أُنبِئتُ أنَّكَ رجُلٌ تُحِبُّ الصَّدَقةَ، فأحْببنا (٢) أن نُصيبَ من طعامِكَ. قال: ما يُجيرُ منكُم؟ قال: هذه الآيةُ، في سُورةِ البَقرةِ، اَيةُ الكُرسيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إذا قُلتَها حينَ تُصبِحُ، أُجِرت منّا حتّى تُمسي، وإذا قُلتَها حينَ تُمسي، أُجِرتَ منّا حتّى تُصبِحَ. فغَدا أُبيُّ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فأخبَرهُ خَبَرهُ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "صدقَ الخَبِيثُ". ورَواهُ الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عنِ ابنِ أُبيِّ بن كعبٍ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ: أَنَّهُ كان لهم جُرْنٌ من تمرٍ. وساقَ الحديثَ بمِثلِ ما تَقدَّم، ولم يذكُر في إسنادِهِ الحَضْرميَّ بن لاحِقٍ (٣).

стр. 5566

مالكٌ، عن صَدَقةَ بن يَسارٍ حديثٌ واحِدٌ وصَدَقةُ (١) بن يَسارٍ هذا يُعدُّ في أهلِ مكّةَ، وكان من ساكِنيها، وأصلُهُ من (٢) الجَزِيرةِ، يقالُ: صَدَقةُ بن يَسارٍ الجَزَريُّ، ويقالُ: صَدَقةُ بن يَسارٍ المكِّيُّ. وهُو ثِقةٌ مأمُونٌ، سمِعَ ابن عُمر، ولهُ عنهُ أحاديثُ صالحةٌ، فهُو من التّابِعين الثِّقاتِ، وقد رَوَى عن رجُلٍ، عنِ ابنِ عُمر، ورَوَى عنِ الزُّهريِّ أيضًا. رَوَى عنهُ شُعبةُ، ومالكٌ، وابنُ عُيَينةَ، وموسى بن عُبَيدةَ، وغيرُهُم. قال عبدُ اللَّه بن أحمد (٣) بن حَنْبل: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: قلتُ لصَدَقةَ بن يَسارٍ: إنَّ أُناسًا يزعُمُونَ أنَّكُم خوارِجُ. قال: كنتُ منهُم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عافاني. قال سُفيانُ: وكان من أهلِ الجَزِيرةِ. قال عبدُ اللَّه (٤): وسمِعتُ أبي يقولُ: صَدَقةُ بن يَسارٍ من الثِّقاتِ، رَوَى عنهُ شُعبةُ.

стр. 5567

مالكٌ (١)، عن صَدَقةَ بن يَسارٍ، عنِ المُغيرة بن حَكِيم، أَنَّهُ رأى عبدَ اللَّه بن عُمرَ يَرْجعُ في السَّجدتينِ في الصَّلاةِ على صُدُورِ قدمَيهِ، فلمّا انصرَفَ ذكَرَ لهُ ذلك، فقال: إنَّها لَيْسَتْ سُنّةَ الصَّلاةِ، وإنَّما أفعلُ ذلك من أجلِ أنِّي أشْتَكِي (٢). المُغيرةُ بن حَكيم هذا أحدُ الفُضَلاءِ الجِلّةِ، كان عُمرُ بن عبدِ العزيزِ يُفضِّلُهُ، وقد عمِلَ لعُمرَ بن عبدِ العزيزِ أيامَ خِلافتِهِ، وهُو الذي قال فيه عُمرُ بن عبدِ العزيزِ لنافع مولى ابنِ عُمرَ، إذ أخرَجَهُ ساعيًا: أطع (٣) المُغيرةَ بن حَكيم. وقَرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حَدَّثهُم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو الغَزِّيُّ (٤)، قال: حدَّثنا مُصعبُ بن ماهانٍ (٥)، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّوريُّ، عن عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، قال: بعَثَني عُمرُ بن عبدِ العزيزِ إلى اليمنِ، فأرَدْتُ أن آخُذَ من العَسَلِ الصَّدقةَ، فقال المُغيرةُ بن حَكِيم الصَّنعانيُّ: ليسَ فيه شيءٌ. فكتَبتُ إلى عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، فقال: المُغيرةُ عَدْلٌ رِضًى، لا تأخُذ من العَسَلِ شيئًا (٦). وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ الرُّجُوعَ بينَ السَّجدتينِ في الصَّلاةِ على صُدُورِ القَدَمينِ خطأٌ ليسَ بسُنّةٍ. وفيه: أنَّ من عَجَزَ عنِ الإتيانِ بما يجِبُ في الصَّلاةِ، لعِلّةٍ مَنَعتهُ من ذلك، أنَّ عليه أن يأتي بما يَقدِرُ، لا شيءَ عليه غير ذلك، ولا يُكلِّفُ اللَّهُ نفسًا إلّا وُسعَها،

стр. 5568

والفرائضُ تسقُطُ لعدَم القُدر عليها، فكيفَ السُّننُ؟ والأمرُ في هذا واضِحٌ، يُغني عنِ الإكثارِ فيه. واختلَفَ العُلماءُ في هذه المسألةِ، أعني: الانصِرافَ على صُدُورِ القَدَمينِ في الصَّلاةِ، بينَ السَّجْدَتينِ، فكَرِهَ ذلك منهُم جماعةٌ، ورأوهُ من الإقْعاء (١) المكرُوهِ، المنهيِّ عنهُ، ورخَّصَ فيه آخرُونَ، ولم يَرَوهُ من الإقعاءِ، بل جَعلُوهُ سُنّةً. ونحنُ نَذكُرُ الوَجْهينِ جميعًا، والقائلينَ بهما، ونَذكُرُ ما للعُلماءِ في تَفسيرِ الإقعاءِ هاهُنا، وباللَّه التَّوفيقُ (٢). فأمّا مالكٌ، وأبو حَنِيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصْحابُهُم، فإنَّهُم يَكْرهُونَ الإقْعاءَ في الصَّلاةِ. وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ، وأبو عُبيدٍ. وقال أبو عُبيدٍ (٣): قال أبو عُبَيدةَ: الإقعاءُ: جُلُوسُ الرَّجُلِ على أليتيهِ، ناصِبًا فخِذيهِ، مِثل إقعاءِ الكلبِ والسَّبُع. قال أبو عُبيدٍ: وأمّا تفسيرُ أصحابِ الحديثِ، فإنَّهُم يجعلُونَ الإقعاءَ، أن يجعلَ أليتيهِ على عَقِبيهِ بينَ السَّجْدتينِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ الأذْرَمي (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بن

стр. 5569

الحَسَنِ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عبّادٌ المِنْقريُّ، عن عليِّ بن زيدِ بن جُدْعانَ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "يا بُنيَّ، وإذا سجَدْتَ فأمكِنْ كفَّيكَ وجبهتَكَ من الأرضِ، ولا تنقُر نقرَ الدِّيكِ، ولا تُقْع إقعاءَ الكَلْبِ، ولا تَلْتفِتِ التِفاتَ الثَّعلَبِ" (١). يقالُ: أقْعَى الكلبُ. ولا يقالُ: قعدَ، ولا جلَسَ، وقُعُودُهُ: إقْعاؤُهُ. ويقالُ: إنَّهُ ليسَ شيءٌ يكونُ إذا قامَ، أقصرَ منهُ إذا قعدَ، إلّا الكلبُ إذا أقْعَى. أخبَرنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال (٢): حدَّثنا هارُونُ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا يحيى بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عنِ الإقْعاءِ والتَّورُّكِ. وعن أبي هريرةَ، أنَّهُ قال: نهاني رسُولُ اللَّه ﷺ أن أُقْعِيَ في صَلاتي إقعاءَ الكلبِ (٣).

стр. 5570

وعن أبي إسحاقَ، عنِ الحارِثِ، عن عليٍّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ -قال: "لا تُقْعينَّ على عَقِبَيكَ في الصَّلاةِ" (١). وصحَّ عن أبي هريرةَ: أنَّهُ كرِهَ الإقعاءَ في الصَّلاةِ (٢). وعن قَتادةَ مِثلُهُ (٣). وقال آخرُونَ: لا بأسَ بالإقعاءِ في الصَّلاةِ، ورَوَينا عنِ ابنِ عبّاسٍ، أنَّهُ قال: منَ السُّنّةِ أن تُمِسَّ عَقِبيكَ ألْيتيكَ (٤). وقال طاوُوسٌ: رأيتُ العَبادِلةَ يفعلُونهُ: ابنَ عُمرَ، وابنَ عبّاسٍ، وابنَ الزُّبيرِ (٥). وكذلك رَوَى الأعمشُ، عن عَطيّةَ العَوْفيِّ، قال: رأيتُ العَبادِلةَ يُقْعُونَ في الصَّلاةِ: عبدَ اللَّه بن عبّاسٍ، وعبدَ اللَّه بن عُمرَ، وعبدَ اللَّه بن الزُّبيرِ. وفعلَ ذلك سالمُ بن عبدِ اللَّه، ونافعٌ مولى ابنِ عُمر، وطاوُوسٌ، وعطاءٌ، ومُجاهِدٌ (٦). وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٧)، عن مَعْمرٍ، عنِ ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيه: أَنَّهُ رأى ابن عُمرَ، وابن الزُّبيرِ، وابن عبّاسٍ، يُقْعُونَ بين السَّجْدتينِ.

стр. 5571

قال أبو عُمر: لا أدري كيفَ هذا الإقعاءُ، وأمّا عبدُ اللَّه بن عُمرَ، فقد صحَّ عنهُ أَنَّهُ لم يَكُن يُقْعِي إلّا من أجلِ أَنَّهُ كان يَشْتكي، على ما في حَديثِنا المذكُورِ في هذا البابِ، وقال: إنَّها ليسَت سُنّةَ الصَّلاةِ. وحَسْبُكَ بهذا، ولهذه اللَّفظةِ أدخلنا حَدِيثهُ هذا في هذا الكِتابِ، وقد جاءَ عنهُ، أَنَّهُ قال: إنَّ رِجليَّ لا تَحْمِلاني (١). ويُمكِنُ أن يكونَ الإقْعاءُ منِ ابنِ الزُّبيرِ كان أيضًا لعُذرٍ. وقد ذكَرَ حبيبُ بن أبي ثابتٍ: أنَّ ابنَ عُمرَ كان يُقْعِي بعدَما كبِرَ. وهذا يدُلُّ على أنَّ ذلك كان منهُ لعُذرٍ، ويُمكِنُ أن يكونَ ذلك من أجلِ أنَّ اليهُودَ كانوا قد فدَعُوا (٢) يَدَيهِ ورِجْليهِ بخيبرَ، فلم تَعُد كما كانت، واللَّه أعلمُ. وأمّا ابنُ عبّاسٍ وأصحابُهُ، فالإقْعاءُ عندَهُم سُنّةٌ، وذلك ثابتٌ عندهم؛ أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعينٍ، قال: حدَّثنا الحجّاجُ بن محمدٍ، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: أخبَرني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ طاوُوسًا يقولُ: قُلنا لابنِ عبّاس: الإقْعاءُ على القَدَمينِ في السُّجُودِ؟ قال: هي السُّنّةُ، قال: قُلنا: إنّا لنَراهُ جَفاءً بالرَّجُلِ. فقال ابنُ عبّاس: هُو سُنّةُ نبيِّكَ ﷺ (٣). وذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٤)، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ طاوُوسًا، يقولُ: قلتُ لابنِ عبّاسٍ في الإقْعاءِ، فذكَرَهُ إلى آخِرِهِ سَواءً.

стр. 5572

وعبدُ الرَّزّاقِ (١)، عنِ ابنِ عُيَينةَ، عن إبراهيمَ بن مَيْسرةَ، عن طاوُوسٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عبّاس يقولُ: من السُّنّةِ أن تُمِسَّ عَقِبيكَ ألْيَتيكَ. قال طاوُوسٌ: ورأيتُ العَبادِلةَ يُقْعُونَ (٢): ابنَ عُمرَ، وابنَ عبّاسٍ، وابن الزُّبيرِ. وعن عُمرَ بن حَوْشبٍ، قال: أخبَرني عِكْرِمةُ، أَنَّهُ سمِعَ ابن عبّاسٍ يقولُ: الإقْعاءُ في الصَّلاةِ السُّنّةُ (٣). قال أبو عُمر: من حملَ الإقْعاءَ على ما قالهُ أبو عُبَيدةَ مَعْمرُ بن المُثنَّى، خرجَ من الاختِلافِ، وهُو أولى ما حُمِلَ عليه الحديثُ من المعنى، واللَّه أعلمُ؛ لأنَّهُم لم يختلِفُوا أنَّ الذي فسَّرَ عليه أبو عُبيدةَ الإقْعاءَ، لا يجُوزُ لأحَدٍ مِثلُهُ في الصَّلاةِ، من غيرِ عُذْرٍ. وفي قولِ ابنِ عُمرَ في حديثهِ المذكُورِ في هذا البابِ: إنَّما أفعلُ ذلك من أجلِ أنِّي أشْتَكي، وأخبَرَ أنَّ ذلك ليسَ من سُنّةِ الصَّلاةِ، دليلٌ على أنَّهُ كان يَكْرهُ ذلك لو لم يَشْتكِ. ومعلُومٌ أنَّ ما كان عندَهُ من سُنّةِ الصَّلاةِ، لا يجُوزُ خِلافُهُ عندَهُ لغيرِ عُذْرٍ، فكذلك ما لم يكُن من سُنّةِ الصَّلاةِ، لا يجُوزُ عَملُهُ فيها من غَيْرِ عُذْرٍ. فدلَّ على أنَّ ابن عُمرَ كان مِمَّن يَكْرهُ الإقْعاءَ، فهُو مَعدُودٌ فيمَنْ كَرِههُ، كما رُوي عن عليٍّ، وأبي هريرةَ، وأَنَسٍ. إلّا أنَّ الإقعاءَ عن هؤُلاءِ (٤) غيرُ مُفسَّرٍ، وهُو مُفسَّرٌ عنِ ابنِ عُمرَ: أَنَّهُ

стр. 5573

الانْصِرافُ على العَقِبينِ وصُدُورِ القَدَمينِ بين السَّجدتينِ. وهذا هُو الذي يَسْتَحْسِنُهُ ابنُ عبّاسٍ، ويقولُ: إنَّهُ سُنّةٌ، فصارَ ابنُ عُمر مُخالِفًا لابنِ عبّاسٍ في ذلك. وأمّا النَّظرُ في هذا البابِ، فيُوجِبُ ألّا تَفْسُدَ صَلاةُ من فعلَ ذلك؛ لأنَّ إفْسادَها يُوجِبُ إعادَتها، وإيجابُ إعادَتِها إيجابُ فرْضٍ، والفُرُوضُ (١) لا تَثْبُت إلّا بما لا مُعارِضَ لهُ، من أصْلٍ أو نَظيرِ أصْلٍ. ومِن جِهةِ النَّظرِ أيضًا، قولُ ابنِ عبّاس: إنَّ كذا وكذا سُنّةٌ: إثباتٌ، وقولُ ابنِ عُمر: ليس بسُنّةٍ: نفيٌ، وقولُ المُثبِتِ في هذا البابِ، وما كان مِثلهُ، أولى من النّافي؛ لأنَّهُ قد علِمَ ما جَهِلهُ النّافي. وعلى أنَّ الإقْعاءَ قد فسَّرهُ أهلُ اللُّغةِ، على غيرِ المعنى (٢) الذي تنازَعَ فيه هؤُلاءُ، وهذا كلُّهُ يَشْهدُ لقولِ ابنِ عبّاسٍ. وقد مَضَى القولُ في نوع من أنواع الجُلُوسِ في الصَّلاةِ، في بابِ مُسلِم بن أبي مريم، وسيأتي تمامُ القولِ في كيفيّةِ الجُلُوسِ في الصَّلاةِ، وبينَ السَّجدتينِ، وما للعُلماءِ في ذلك، في بابِ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ اللَّهُ .

стр. 5574

مالكٌ، عن صالح بن كَيْسانَ حَديثانِ وصالحُ (١) بن كَيْسان هذا يُكْنَى أبا محمدٍ. وقيل: يُكْنَى أبا الحارِثِ. واختُلِفَ في نَسبِهِ ووَلائهِ، فقيل: هُو من خُزاعةَ. وقيل: هُو مولًى لبني عامرٍ، أو بني غِفارٍ. وقيل: مولًى لأصْبَحَ. وقيل: مولًى لدَوسٍ. وقال الواقِديُّ: حدَّثني عبدُ اللَّه بن جَعْفرٍ، قال: دخلتُ على صالح بن كَيْسانَ وهُو يُوصي، فقال: اشْهَدْ أنَّ ولائي لامرأةٍ مَولاةٍ لآلِ مُعَيقيبٍ الدَّوسيِّ. فقال لهُ سَعيدُ بن عبدِ اللَّه بن هُرمُز: يَنْبغي أن تكتُبهُ، فقال: إنِّي لأُشهِدُك، أنتَ شكّاكٌ. وكان سعيدٌ صاحِب وُضُوءٍ، وشَكٍّ فيه. قال أبو عُمر: كان صالحُ بن كَيْسان هذا من أهلِ العِلم والحِفظِ والفَهْم (٢)، وكان كثيرَ الحديثِ، ثِقةً حُجّةً فيما نقلَ، كان مع عُمرَ بن عبدِ العزيزِ وهُو أميرٌ على المدينةِ، ثُمَّ بعَثَ إليه الوليدُ بن عبدِ الملِكِ، فضمَّهُ إلى ابنِهِ عبدِ العزيزِ بنِ الوليدِ. وكان مُسِنًّا، أدركَ عبد اللَّه بن عُمرَ، وعبد اللَّه بن الزُّبيرِ، وسمِعَ منهُما، ثُمَّ رَوَى عن نافع، وعن ابنِ شِهابٍ كثيرًا. قال يحيى بن مَعينٍ (٣): صالحُ بن كَيْسان أكبَرُ من الزُّهريِّ. قال: وقد سمِعَ من ابنِ عُمرَ، وابنِ الزُّبيرِ.

стр. 5575

وقال البُخاريُّ (١): أخبَرنا إبراهيمُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا بِشرُ بن المُفضَّلِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، عن صالح بن كَيْسان، سمِعَ ابن عُمر في الصَّرفِ. وقال ابنُ عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ: كان صالحُ بن كَيْسان من رِجالِنا عندَ الحَسنِ بن محمدٍ. يعني بالمدينةِ. ورَوَى معمرٌ وعَمرُو بن دينارٍ، عن صالح بن كَيْسان، قال: اجتَمعتُ أنا والزُّهْريُّ ونحنُ نطلُبُ العِلمَ، فقُلنا: نَكتُبُ السُّننَ، فكَتَبنا ما جاءَ عنِ النَّبيِّ ﷺ . ثُمَّ قال الزُّهْريُّ: نَكتُبُ ما جاءَ عن أصحابِهِ، فإنَّهُ سُنّةٌ. قال: قلتُ أنا: ليسَ بسُنّةٍ، فلا تَكتُبُهُ. قال: فكتَبَ ولم أكتُبْ، فأنجَحَ وضيَّعتُ (٢). وذكَرَ الحَسَنُ بن عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا يَعقُوبُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، قال: كنتُ أخرُجُ مع صالح بن كَيْسانَ إلى الحجِّ والعُمرةَ، فكان رُبَّما ختَمَ القُرآن مرَّتينِ في ليلةٍ، بين شُعبَتي رحلِهِ. وصالحُ بن كَيْسان هُو القائلُ: إنَّ اللَّهَ جَوادٌ، إذا أشارَ بشيءٍ من الخيرِ إلى أحَدٍ، أتمَّهُ ولم يُنقِص منهُ شيئًا. في كلام قالهُ لصديقِهِ عِكْرِمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، وكان صديقًا لهُ، يُشاوِرُهُ في شيءٍ. واختُلِفَ في وقتِ وفاتِهِ، فقيل: كانت وفاتُهُ بالمدينةِ سنةَ أربعينَ ومئةٍ. وقال الواقِديُّ: ماتَ صالحُ بن كَيْسانَ بعد سَنةِ أربعينَ ومئةٍ، قبلَ مخرجِ محمدِ بن عبدِ اللَّه بن حسن.

стр. 5576

حديثٌ أوَّلُ لصالح بن كَيْسانَ مُسندٌ مالكٌ (١)، عن صالح بن كَيْسانَ، عن عُبيدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُتبةَ بن مَسعُودٍ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهُ قال: صلَّى لنا رسُولُ اللَّه ﷺ صَلاةَ الصُّبحِ بالحُديبيةِ، على إثرِ سَماءٍ كانت من اللَّيلِ، فلمّا انصرَفَ، أقبَلَ على النّاسِ، فقال: "أتدرُونَ ماذا قال ربُّكُم؟ " قالوا: اللَّهُ ورسُولُهُ أعلمُ. قال: "أصبَحَ من عِبادي مُؤمن بي، وكافِرٌ، فأمّا من قال: مُطِرنا بفَضْلِ اللَّه وبرَحْمَتِهِ، فذلك مُؤمنٌ بي، كافِرٌ بالكَوْكبِ، وأمّا من قال: مُطِرنا بنَوءِ كذا وكذا، فذلك كافِرٌ بي، مُؤمنٌ بالكَوْكبِ". وهذا الحديثُ رواهُ ابنُ شِهاب، عن عُبيدِ اللَّه، عن زَيْدٍ (٢)، عنِ النَّبيِّ ﷺ فلم يُقِمهُ كإقامةِ صالح بن كَيْسان، ولم يَسُقهُ كسياقتِهِ. قال فيه: "قال اللَّه: ما أنعَمْتُ على عِبادي من نِعمةٍ، إلّا أصبَحَ فريقٌ منهُم بها كافِرينَ، يقولون: الكَوْكبُ وبالكَوْكبِ". هكذا حدَّث به يُونُسُ بن يزيد وغيرُهُ، عنِ ابنِ شِهابٍ (٣).

стр. 5577

وفي لفظِ هذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ الكُفرَ هاهُنا، كُفرُ النِّعَم، لا كُفرٌ باللَّه. ورَوَى هذا الحديث سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن صالح بن كَيْسانَ، بإسنادِهِ، وقال فيه: "ألم تَسْمعُوا ما قال ربُّكُمُ اللَّيلةَ؟ قال: ما أنعَمْتُ على عِبادي من نِعمةٍ، إلّا أصبَحَ طائفةٌ منهُم بها كافِرينَ، يقولُون: مُطِرنا بنَوْءِ كذا، وبنَوءِ كذا، فأمّا من آمنَ بي وحَمِدني على سُقْياي، فذلك الذي آمنَ بي، وكفر بالكَوْكبِ، ومن قال: مُطِرنا بنَوْءِ كذا وكذا (١)، فذلك الذي كفرَ بي، وآمنَ بالكَوْكبِ" (٢). ورَوَى سُفيانُ بن عُيَينةَ أيضًا، عن إسماعيلَ بن أُميّةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سمِعَ رجُلًا في بعضِ أسفارِهِ يقولُ: مُطِرنا ببعضِ عثانينِ الأسَدِ (٣)، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "كذَبَ، بل هُو سُقْيا اللَّه " (٤). قال سُفيانُ: عثانينُ الأسدِ: الذِّراعُ والجَبْهةُ. وقال الشّافِعيُّ (٥): لا أُحِبُّ لأحَدٍ أن يقول: مُطِرنا بنَوءِ كذا، وإن كان النَّوءُ عندَنا: الوقتَ، والوَقْتُ مخلُوقٌ لا يضُرُّ ولا ينفعُ، ولا يُمطِرُ، ولا يَحبِسُ شيئًا من المطرِ، والذي أُحِبُّ أن يقول: مُطِرنا وقتًا كذا، كما يقولُ: مُطِرْنا شَهْرَ كذا، ومن قال: مُطِرنا بنوءِ كذا، وهُو يُريدُ أنَّ النَّوءَ أنزلَ الماءَ، كما كان بعضُ

стр. 5578

أهلِ الشِّركِ من أهلِ الجاهِليّةِ يقولُ، فهُو كافِرٌ، حلالٌ دمُهُ، إن لم يَتُب. هذا معنى (١) قولِه. أمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: على إثْرِ سماءٍ كانت من اللَّيلِ. فإنَّهُ أرادَ: على إثر غيث (٢) نزلَ من اللَّيلِ، والعَرَبُ تُسمِّي السَّحابَ، والماءَ النّازِل منهُ: سَماءً، قال الشّاعِرُ، وهُو أحدُ فُصحاءِ العربِ (٣): إذا نزلَ السَّماءُ بأرضِ قومٍ ... رَعَيناهُ وإن كانوا غِضابا يعني: إذا نزلَ الماءُ بأرضِ قوم، ألا تَرى أنَّهُ قال: رعيناهُ (٤)، فذكَّرَ، لأنه أرادَ الماء، ولو أرادَ السَّماءَ لأنَّثَ، لأنَّها مُؤَنَّثةٌ، فقال: رعيناها. وقولُهُ: رعيناهُ. يعني الكلأ النّابِت من الماءِ، فاسْتَغنى بذِكرِ الضَّميرِ، إذِ الكلامُ يدُلُّ عليه. وهذا من فصيحِ كلام العربِ، ومِثلُهُ في القُرآنِ كثيرٌ. وأمّا قولُهُ، حاكيًا عنِ اللَّه : "أصبَحَ من عِبادي مُؤمِنٌ بي وكافِرٌ". فمعناهُ عِندِي على وجهينِ: أمّا أحدُهُما، فإنَّ المُعتقِدَ، أنَّ النَّوءَ هُو المُوجِبُ لنُزُولِ الماءِ، وهُو المُنشِئُ للسَّحابِ، دُونَ اللَّه ، فذلك كافِرٌ كُفرًا صَرِيحًا، يجِبُ اسْتِتابتُهُ عليه وقَتْلُهُ، لنَبذ الإسلامَ، وردِّهِ القُرآنَ. والوجهُ الآخرُ: أن يعتقِدَ أنَّ النَّوءَ يُنزِلُ اللَّهُ به الماءَ، وأنَّهُ سَببُ الماءِ على ما قَدَّرهُ اللَّه، وسبقَ في عِلمِهِ، فهذا وإن كان وجهًا مُباحًا، فإنَّ فيه أيضًا كُفرًا بنِعمةِ

стр. 5579

اللَّه ، وجَهْلًا بلطيفِ حِكْمتِهِ؛ لأنَّهُ يُنزِلُ الماءَ متى شاءَ، مرّة بنَوءِ كذا، ومرّةً دُونَ النَّوءِ، وكثيرًا ما يخوى (١) النَّوءُ، فلا ينزِلُ معهُ شيءٌ من الماءِ، وذلك من اللَّه، لا من النَّوءِ. وكذلك كان أبو هريرةَ يقولُ، إذا أصبحَ وقد مُطِر: مُطِرنا بنوءِ الفَتْح، ثُمَّ يتلُو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (٢) الآيةَ [فاطر: ٢]. وهذا عِندي نحوُ قولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "مُطِرنا بفَضْلِ اللَّه وبرَحمتِهِ". ومن هذا قولُ عُمرَ بن الخطّابِ للعبّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ، حينَ اسْتَسقى به: يا عمَّ رسُولِ اللَّه، كَمْ بقي من نوءِ الثُّريّا؟ فقال العبّاسُ: العُلماءُ بها يزعُمُونَ أنَّها تَعْترِضُ في الأُفُقِ سبعًا (٣). فكأنَّ عُمرَ، ﵀، قد علِمَ أنَّ نوءَ الثُّريّا وقَتٌ يُرجَى فيه المطرُ ويُؤَمَّلُ، فسألهُ عنهُ: أخرَجَ، أم بَقِيت منهُ بقيّةٌ؟ ورُوِي عنِ الحسنِ البصريِّ، أنَّهُ سمِعَ رجُلًا يقولُ: طلَعَ سُهَيلٌ، وبرَدَ اللَّيلُ. فكرِهَ ذلك، وقال: إنَّ سُهَيلًا لم يأتِ قَطّ بحرٍّ ولا بَردٍ. وكرِهَ مالكُ بن أنَسٍ أن يقول الرَّجُلُ للغَيْم والسَّحابةِ: ما أخْلقَها للمَطَرِ (٤). وهذا من قولِ مالكٍ، مع رِوايتِهِ: "إذا أنشأت (٥) بَحريّةٌ" (٦) يَدُلُّ على أنَّ

стр. 5580

القومَ احتاطُوا، فمَنعُوا النّاسَ من الكلام بما فيه أدْنَى مُتعلَّقٍ من أمرِ الجاهِليّةِ، في قولِهِم: مُطِرنا بنَوْءِ كذا وكذا، على ما فسَّرناهُ، واللَّه أعلمُ، وسيأتي القَولُ في معنى قولِهِ: "إذا أنشأت بحريّةٌ" في مَوْضِعِهِ إن شاءَ اللَّه. والنَّوءُ في كلام العربِ، واحِدُ أنواءِ النُّجُوم، يقالُ: ناءَ النَّجمُ ينُوءُ، أي: نهضَ يَنْهضُ للطُّلُوع، وقد يكونُ أن يَميلَ للمَغيبِ، ومنهُ (١) قيلَ: ناوأتُ فُلانًا بالعَداوةِ. أي: ناهَضتَهُ، ومنهُ قولُهُم: الحِمْلُ ينُوءُ بالدّابّةِ. أي: يَميلُ بها، وكلُّ ناهِضٍ، بثِقَلٍ وإبطاءٍ، فقد ناءَ. والأنواءُ على الحَقِيقةِ: النُّجُومُ التي هي مَنازِلُ (٢) القمرِ، وهي ثمانٍ وعِشرُونَ مَنْزِلةً، يبدُو لعينِ النّاظِرِ منها أرْبَعةَ عشَرَ مَنْزِلًا، ويخفى أرْبَعةَ عشَر، فكلَّما غابَ منها مَنْزِلٌ بالمغرِبِ، طلع رَقيبُهُ من المشرِقِ، فليسَ يُعدمُ منها أبدًا أربعةَ عشَرَ للنّاظِرينَ في السَّماءِ، وإذا لم يَنْزِل مع النَّوءِ ماءٌ، قيل: خَوَى النَّجمُ وأخْوَى، وخَوَى النَّوءُ وأخْلَفَ. وأمّا العربُ فكانت تُضيفُ المطرَ إلى النَّوءِ، وهذا عندهم معرُوفٌ مَشْهُورٌ في أخبارِهِم وأشْعارِهِم. فلمّا جاءَ الإسلامُ، نَهاهُم رسُولُ اللَّه ﷺ عن ذلك، وأدَّبهُم وعرَّفهُم ما يقولُونَ عندَ نُزُولِ الماءِ، وذلك أن يقولُوا: "مُطِرْنا بفَضلِ اللَّه ورحمتِهِ"، ونحوَ هذا من الإيمانِ والتَّسليم، لما نطقَ به القُرآنُ. وأمّا أشعارُ العَربِ في إضافتِها نُزُولَ الماءِ إلى الأنواءِ، فقال الطِّرِمّاحُ (٣):

стр. 5581

محاهُنَّ صيِّبُ نَوْءِ الرَّبيعِ ... من الأنجم العُزلِ والرّامِحهْ (١) فسمَّى مَطَرَ السِّماكِ ربيعًا، وغيرُهُ يجعلُهُ صيفًا، وإنَّما جَعلهُ الطِّرِمّاحُ ربيعًا، لقُربِهِ من آخِرِ الشِّتاءِ، ومن أمْطارِهِ. وإذا كان المطرُ بأوَّلِ نَجم من أنواءِ الصَّيفِ، جازَ أن يجعلُوهُ رَبِيعًا، ويقالُ للسِّماكِ: الرّامِحُ، وذُو السِّلاح. وهُو رَقيبُ الدَّلوِ، إذا سقطَ الدَّلوُ، طلعَ السِّماكُ، والسِّماكُ، والدَّلوُ، والعَوّاءُ، من أنجُم الخَريفِ، قال عديُّ بن زيدٍ (٢): في خَريفٍ سقاهُ نوءٌ من الدَّلـ ... ـوِ تَدَلَّى ولم يُوازِ العَراقَى والعربُ تُسمِّي الخريفَ ربيعًا، لاتِّصالِهِ بالشِّتاءِ، وتُسمِّي الرَّبيعَ المعرُوف عندَ النّاسِ بالرَّبيع صيفًا، وتُسمِّي الصَّيف قَيْظًا. وتذهبُ في ذلك كلِّه غيرَ مذاهِب الرُّوم، فأوَّلُ الأزمنةِ عندَها: الخريفُ، وليسَ هذا موضِع ذِكْرِ مَعانيها، ومعاني الرُّوم في ذلك. وكان أبو عُبيدةَ يروي بيت زُهَيرٍ (٣): وغَيْثٍ من الوَسْميِّ حُوٍّ (٤) تِلاعُهُ ... وِجادتهُ من نَوْءِ السِّماكِ هواطِلُهْ وقال آخرُ: ولازالَ نوءُ الدَّلوِ يَسْكُبُ وَدْقهُ ... بكِنٍّ (٥) ومن نوءِ السِّماكِ غمامُ

стр. 5582

وقال الأسودُ بن يَعفُرِ النَّهشليُّ (١): بيضٌ مَساميحُ (٢) في الشِّتاءِ وإن ... أخلَفَ نجمٌ عن نوئهِ وُبِلُوا وقال الراجِزُ: بشِّر بني عِجْلٍ بنَوءِ العَقْربِ ... إذ أخْلَفَتْ أنواءُ كلِّ كَوْكبِ يُريدُ (٣) أنَّ أنواءَ النُّجُوم أخلَفَتْ كلُّها فلم تمُطِر، فأتاهُمُ المطرُ في آخِرِ الرَّبيع بنوءِ العَقْربِ، وهُو عندَهُم غيرُ محمُود، لأنَّهُ ماء دقٌّ (٤) دنيءٌ. وقال رُؤبةُ (٥): وجفَّ أنواءُ السَّحابِ المُرتزقْ أي: جفَّ البَقلُ الذي كان بالأنواءِ، أقامَ ذِكرَ الأنواءِ، مقامَ ذِكرِ البَقلِ، استِغناءً بأنَّ المُرادَ معلُومٌ، وهذا نحو قولِ القائلِ الذي قدَّمنا ذِكرَ قولِهِ: إذا نزلَ السَّماءُ بأرضِ قوم وهُو يُريدُ الماءَ النّازِل من السَّماءِ. وأشعارُ العربِ بذِكرِ الأنواءِ كثيرةٌ جِدًّا. والعَربُ تعرِفُ من أمْرِ الأنواءِ، وسائرِ نُجُوم السَّماءِ، ما لا يعرِفُهُ غيرُها، لكَثْرةِ ارْتِقابِها لها، ونَظَرِها إليها، لحاجتِها إلى الغَيْثِ وفِرارِها من الجَدْبِ، فصارَتْ لذلك تَعرِفُ النُّجُوم الجَواري، والنُّجُوم الثَّوابِت، وما يَسِيرُ منها مُجتمِعًا،
следующие страницы →