← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5578–5617 · переход к 5583.

стр. 5578

أهلِ الشِّركِ من أهلِ الجاهِليّةِ يقولُ، فهُو كافِرٌ، حلالٌ دمُهُ، إن لم يَتُب. هذا معنى (١) قولِه. أمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: على إثْرِ سماءٍ كانت من اللَّيلِ. فإنَّهُ أرادَ: على إثر غيث (٢) نزلَ من اللَّيلِ، والعَرَبُ تُسمِّي السَّحابَ، والماءَ النّازِل منهُ: سَماءً، قال الشّاعِرُ، وهُو أحدُ فُصحاءِ العربِ (٣): إذا نزلَ السَّماءُ بأرضِ قومٍ ... رَعَيناهُ وإن كانوا غِضابا يعني: إذا نزلَ الماءُ بأرضِ قوم، ألا تَرى أنَّهُ قال: رعيناهُ (٤)، فذكَّرَ، لأنه أرادَ الماء، ولو أرادَ السَّماءَ لأنَّثَ، لأنَّها مُؤَنَّثةٌ، فقال: رعيناها. وقولُهُ: رعيناهُ. يعني الكلأ النّابِت من الماءِ، فاسْتَغنى بذِكرِ الضَّميرِ، إذِ الكلامُ يدُلُّ عليه. وهذا من فصيحِ كلام العربِ، ومِثلُهُ في القُرآنِ كثيرٌ. وأمّا قولُهُ، حاكيًا عنِ اللَّه : "أصبَحَ من عِبادي مُؤمِنٌ بي وكافِرٌ". فمعناهُ عِندِي على وجهينِ: أمّا أحدُهُما، فإنَّ المُعتقِدَ، أنَّ النَّوءَ هُو المُوجِبُ لنُزُولِ الماءِ، وهُو المُنشِئُ للسَّحابِ، دُونَ اللَّه ، فذلك كافِرٌ كُفرًا صَرِيحًا، يجِبُ اسْتِتابتُهُ عليه وقَتْلُهُ، لنَبذ الإسلامَ، وردِّهِ القُرآنَ. والوجهُ الآخرُ: أن يعتقِدَ أنَّ النَّوءَ يُنزِلُ اللَّهُ به الماءَ، وأنَّهُ سَببُ الماءِ على ما قَدَّرهُ اللَّه، وسبقَ في عِلمِهِ، فهذا وإن كان وجهًا مُباحًا، فإنَّ فيه أيضًا كُفرًا بنِعمةِ

стр. 5579

اللَّه ، وجَهْلًا بلطيفِ حِكْمتِهِ؛ لأنَّهُ يُنزِلُ الماءَ متى شاءَ، مرّة بنَوءِ كذا، ومرّةً دُونَ النَّوءِ، وكثيرًا ما يخوى (١) النَّوءُ، فلا ينزِلُ معهُ شيءٌ من الماءِ، وذلك من اللَّه، لا من النَّوءِ. وكذلك كان أبو هريرةَ يقولُ، إذا أصبحَ وقد مُطِر: مُطِرنا بنوءِ الفَتْح، ثُمَّ يتلُو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (٢) الآيةَ [فاطر: ٢]. وهذا عِندي نحوُ قولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "مُطِرنا بفَضْلِ اللَّه وبرَحمتِهِ". ومن هذا قولُ عُمرَ بن الخطّابِ للعبّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ، حينَ اسْتَسقى به: يا عمَّ رسُولِ اللَّه، كَمْ بقي من نوءِ الثُّريّا؟ فقال العبّاسُ: العُلماءُ بها يزعُمُونَ أنَّها تَعْترِضُ في الأُفُقِ سبعًا (٣). فكأنَّ عُمرَ، ﵀، قد علِمَ أنَّ نوءَ الثُّريّا وقَتٌ يُرجَى فيه المطرُ ويُؤَمَّلُ، فسألهُ عنهُ: أخرَجَ، أم بَقِيت منهُ بقيّةٌ؟ ورُوِي عنِ الحسنِ البصريِّ، أنَّهُ سمِعَ رجُلًا يقولُ: طلَعَ سُهَيلٌ، وبرَدَ اللَّيلُ. فكرِهَ ذلك، وقال: إنَّ سُهَيلًا لم يأتِ قَطّ بحرٍّ ولا بَردٍ. وكرِهَ مالكُ بن أنَسٍ أن يقول الرَّجُلُ للغَيْم والسَّحابةِ: ما أخْلقَها للمَطَرِ (٤). وهذا من قولِ مالكٍ، مع رِوايتِهِ: "إذا أنشأت (٥) بَحريّةٌ" (٦) يَدُلُّ على أنَّ

стр. 5580

القومَ احتاطُوا، فمَنعُوا النّاسَ من الكلام بما فيه أدْنَى مُتعلَّقٍ من أمرِ الجاهِليّةِ، في قولِهِم: مُطِرنا بنَوْءِ كذا وكذا، على ما فسَّرناهُ، واللَّه أعلمُ، وسيأتي القَولُ في معنى قولِهِ: "إذا أنشأت بحريّةٌ" في مَوْضِعِهِ إن شاءَ اللَّه. والنَّوءُ في كلام العربِ، واحِدُ أنواءِ النُّجُوم، يقالُ: ناءَ النَّجمُ ينُوءُ، أي: نهضَ يَنْهضُ للطُّلُوع، وقد يكونُ أن يَميلَ للمَغيبِ، ومنهُ (١) قيلَ: ناوأتُ فُلانًا بالعَداوةِ. أي: ناهَضتَهُ، ومنهُ قولُهُم: الحِمْلُ ينُوءُ بالدّابّةِ. أي: يَميلُ بها، وكلُّ ناهِضٍ، بثِقَلٍ وإبطاءٍ، فقد ناءَ. والأنواءُ على الحَقِيقةِ: النُّجُومُ التي هي مَنازِلُ (٢) القمرِ، وهي ثمانٍ وعِشرُونَ مَنْزِلةً، يبدُو لعينِ النّاظِرِ منها أرْبَعةَ عشَرَ مَنْزِلًا، ويخفى أرْبَعةَ عشَر، فكلَّما غابَ منها مَنْزِلٌ بالمغرِبِ، طلع رَقيبُهُ من المشرِقِ، فليسَ يُعدمُ منها أبدًا أربعةَ عشَرَ للنّاظِرينَ في السَّماءِ، وإذا لم يَنْزِل مع النَّوءِ ماءٌ، قيل: خَوَى النَّجمُ وأخْوَى، وخَوَى النَّوءُ وأخْلَفَ. وأمّا العربُ فكانت تُضيفُ المطرَ إلى النَّوءِ، وهذا عندهم معرُوفٌ مَشْهُورٌ في أخبارِهِم وأشْعارِهِم. فلمّا جاءَ الإسلامُ، نَهاهُم رسُولُ اللَّه ﷺ عن ذلك، وأدَّبهُم وعرَّفهُم ما يقولُونَ عندَ نُزُولِ الماءِ، وذلك أن يقولُوا: "مُطِرْنا بفَضلِ اللَّه ورحمتِهِ"، ونحوَ هذا من الإيمانِ والتَّسليم، لما نطقَ به القُرآنُ. وأمّا أشعارُ العَربِ في إضافتِها نُزُولَ الماءِ إلى الأنواءِ، فقال الطِّرِمّاحُ (٣):

стр. 5581

محاهُنَّ صيِّبُ نَوْءِ الرَّبيعِ ... من الأنجم العُزلِ والرّامِحهْ (١) فسمَّى مَطَرَ السِّماكِ ربيعًا، وغيرُهُ يجعلُهُ صيفًا، وإنَّما جَعلهُ الطِّرِمّاحُ ربيعًا، لقُربِهِ من آخِرِ الشِّتاءِ، ومن أمْطارِهِ. وإذا كان المطرُ بأوَّلِ نَجم من أنواءِ الصَّيفِ، جازَ أن يجعلُوهُ رَبِيعًا، ويقالُ للسِّماكِ: الرّامِحُ، وذُو السِّلاح. وهُو رَقيبُ الدَّلوِ، إذا سقطَ الدَّلوُ، طلعَ السِّماكُ، والسِّماكُ، والدَّلوُ، والعَوّاءُ، من أنجُم الخَريفِ، قال عديُّ بن زيدٍ (٢): في خَريفٍ سقاهُ نوءٌ من الدَّلـ ... ـوِ تَدَلَّى ولم يُوازِ العَراقَى والعربُ تُسمِّي الخريفَ ربيعًا، لاتِّصالِهِ بالشِّتاءِ، وتُسمِّي الرَّبيعَ المعرُوف عندَ النّاسِ بالرَّبيع صيفًا، وتُسمِّي الصَّيف قَيْظًا. وتذهبُ في ذلك كلِّه غيرَ مذاهِب الرُّوم، فأوَّلُ الأزمنةِ عندَها: الخريفُ، وليسَ هذا موضِع ذِكْرِ مَعانيها، ومعاني الرُّوم في ذلك. وكان أبو عُبيدةَ يروي بيت زُهَيرٍ (٣): وغَيْثٍ من الوَسْميِّ حُوٍّ (٤) تِلاعُهُ ... وِجادتهُ من نَوْءِ السِّماكِ هواطِلُهْ وقال آخرُ: ولازالَ نوءُ الدَّلوِ يَسْكُبُ وَدْقهُ ... بكِنٍّ (٥) ومن نوءِ السِّماكِ غمامُ

стр. 5582

وقال الأسودُ بن يَعفُرِ النَّهشليُّ (١): بيضٌ مَساميحُ (٢) في الشِّتاءِ وإن ... أخلَفَ نجمٌ عن نوئهِ وُبِلُوا وقال الراجِزُ: بشِّر بني عِجْلٍ بنَوءِ العَقْربِ ... إذ أخْلَفَتْ أنواءُ كلِّ كَوْكبِ يُريدُ (٣) أنَّ أنواءَ النُّجُوم أخلَفَتْ كلُّها فلم تمُطِر، فأتاهُمُ المطرُ في آخِرِ الرَّبيع بنوءِ العَقْربِ، وهُو عندَهُم غيرُ محمُود، لأنَّهُ ماء دقٌّ (٤) دنيءٌ. وقال رُؤبةُ (٥): وجفَّ أنواءُ السَّحابِ المُرتزقْ أي: جفَّ البَقلُ الذي كان بالأنواءِ، أقامَ ذِكرَ الأنواءِ، مقامَ ذِكرِ البَقلِ، استِغناءً بأنَّ المُرادَ معلُومٌ، وهذا نحو قولِ القائلِ الذي قدَّمنا ذِكرَ قولِهِ: إذا نزلَ السَّماءُ بأرضِ قوم وهُو يُريدُ الماءَ النّازِل من السَّماءِ. وأشعارُ العربِ بذِكرِ الأنواءِ كثيرةٌ جِدًّا. والعَربُ تعرِفُ من أمْرِ الأنواءِ، وسائرِ نُجُوم السَّماءِ، ما لا يعرِفُهُ غيرُها، لكَثْرةِ ارْتِقابِها لها، ونَظَرِها إليها، لحاجتِها إلى الغَيْثِ وفِرارِها من الجَدْبِ، فصارَتْ لذلك تَعرِفُ النُّجُوم الجَواري، والنُّجُوم الثَّوابِت، وما يَسِيرُ منها مُجتمِعًا،

стр. 5583

وما يسيرُ فارِدًا، وما يكونُ منها راجِعًا، ومُسْتقيمًا، لأنَّ من كان في الصَّحاري والصَّحاصِح (١) الأماليس (٢) حيثُ لا أمارةَ ولا هادي، طَلَبَ الآثار (٣) في الرَّملِ والأرضِ، وعرفَ الأنواءَ، ونُجُوم الاهتِداءِ. وسُئلَتْ أعرابيّةٌ، فقيل لها: أتَعرِفينَ النُّجُومَ؟ فقالت: سُبحانَ اللَّه، أما أعرِفُ أشباحًا وُقُوفًا عليَّ في كلِّ ليلةٍ؟ وسمِعَ بعضُ أهلِ الحَضَرِ أعرابيًّا، وهُو يتفنَّنُ في وَصْفِ نُجُوم ساعاتِ اللَّيلِ، ونُجُوم الأنواءِ، فقال لمن حَضَرهُ: أما تَرى هذا الأعرابيَّ يعرِفُ من النُّجُوم ما لا نعرفُ؟ فقال: ويلُ أُمِّكَ، من لا يَعرِفُ أجذاعَ (٤) بَيْتِهِ؟ ومِن هذا الباب قولُ ابنِ عبّاسٍ في المرأةِ التي جَعلَ زَوْجُها أمرَها بيَدِها، فطلَّقت نَفسَها: خطَّأَ اللَّهُ نَوْءَها (٥). أي: أخْلَى اللَّهُ نوءَها من المَطَرِ. والمعنى: حَرَمها اللَّهُ الخَيرَ، كما حرَمَ من لم يُمطَر وقتَ المطرِ. وقال ابنُ عبّاسٍ في قولِ اللَّه : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢] هُو الاستِمطارُ بالأنواءِ (٦). حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عُثمان، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن خُمَيرٍ وسعيدُ بن عُثمانَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن صالح،

стр. 5584

قال: حدَّثنا النَّضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عِكرِمةُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا أبو زُمَيلٍ، قال: حدَّثني ابنُ عبّاسٍ، قال: مُطِرَ النّاسُ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أصبَحَ من النّاسِ شاكِرٌ وكافِرٌ، قال بعضُهُم: هذه رحمةٌ وضَعَها اللَّه، وقال بعضُهُم: لقد صدَقَ نوءُ كذا وكذا". قال: نزلت هذه الآيةُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حتّى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (١) [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]. قال أبو عُمر: قال أهل العلم (٢): الرِّزقُ في هذه الآيةِ، بمعنى الشُّكرِ، كأنَّهُ قال: وتجعلُونَ شُكركُم للَّه على ما رَزَقكُم من المالِ، أن تَنْسُبُوا ذلك الرِّزقَ إلى الكوْكبِ. وقال ابنُ قتيبةَ: ومن هذا، واللَّهُ أعلمُ، قال رُؤبةُ: وجفَّ أنواءُ السَّحابِ المُرتزِقْ وأمّا قولُهُ ﷺ في حديثِ ابنِ عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن عتّابِ بن حُنَينٍ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لو أمسَكَ اللَّهُ القَطْرَ عن عِبابٍ خمسَ سِنينَ، ثُمَّ أرْسَلهُ، لأصْبَحَتْ طائفةٌ من النّاسِ كافِرينَ، يقولُون: سُقِينا بنَوءِ المِجْدَح" (٣). فمَعناهُ كمعنَى ما مَضَى من الحديثِ، في هذا البابِ.

стр. 5585

وأمّا المِجْدَحُ، فإنَّ الخليلَ زَعمَ أَنَّهُ نَجمٌ، كانتِ العَربُ تَزعُمُ أنَّها تمُطرُ به. قال: ويقالُ: أرسلَتِ (١) السَّماءَ مجَاديحُ الغَيْثِ. قال: ويقالُ: مجِدَحٌ، ومجُدحٌ، بالكسرِ والضَّمِّ (٢). أخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعينٍ، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى (٣)، عن عبدِ العزيزِ بن صُهَيبٍ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ثلاثٌ لن يزَلْنَ في أُمَّتي: التَّفاخُرُ في الأحْسابِ، والنِّياحةُ، والأنْواءُ" (٤) (٥).

стр. 5586

حديثٌ ثانٍ لصالح بن كَيْسانَ مُسندٌ مالكٌ (١)، عن صالح بن كَيْسانَ، عن عُروة بن الزُّبيِر، عن عائشةَ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّها قالت: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، في الحَضَرِ والسَّفرِ، فأُقِرَّت صَلاةُ السَّفرِ، وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ. هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ عندَ جماعةِ أهلِ النَّقلِ، لا يختلِفُ أهلُ الحديثِ في صِحّةِ إسنادِهِ. وكلُّ من رواهُ قال فيه: عن عائشةَ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ. لا يقولُ: فرضَ اللَّهُ، ولا فرَضَ رسُولُ اللَّه ﷺ . إلّا ما حدَّثَ به أبو إسحاق الحَرْبيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن صالح بن كَيْسانَ، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن عائشةَ ﵂، قالت: فرَضَ رسُولُ اللَّه ﷺ الصَّلاةَ رَكْعتينِ رَكْعتينِ. فذكَرَ الحديثَ (٢). هكذا قال: فرضَ رسُولُ اللَّه. وغيرُه يقولُ (٣): فُرِضَتْ. إلّا أنَّ الأوزاعيَّ قال فيه: عنِ ابنِ شِهاب، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: فرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ على رسُولهِ ﷺ رَكْعتَينِ رَكْعتَينِ (٤). . . وذكَر الحديثَ.

стр. 5587

وهذا حديثٌ رواهُ ابن شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ. وهشام بن عروة، عن عُروةَ (١). ولم يروِهِ مالكٌ عنِ ابنِ شِهاب، ولا عن هشام، إلّا أنَّ شيخًا يُسمَّى يحيى بنَ محمدِ بن عبّادِ بن هانئ، رواهُ عن مالكٍ وابنِ أخي الزُّهريِّ، جميعًا عنِ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ الصَّلاةَ أوَّلَ ما فُرِضت رَكْعتينِ، فزيدَ في صَلاةِ الحَضرِ، وأُقِرَّت صَلاةُ السَّفرِ. وهذا لا يصِحُّ عن مالكٍ، والصَّحيحُ في إسنادِهِ عن مالكٍ: في "المُوطَّأ"، وطُرُقُهُ عن عائشةَ مُتواتِرةٌ، وهُو عنها صحيحٌ، ليسَ في إسنادِهِ مَقالٌ. إلّا أنَّ أهل العِلم اختَلفُوا في معنى هذا الحديثِ، فذهَبَ منهُم جماعةٌ إلى ظاهِرِهِ وعُمُومِهِ، وما يُوجِبُهُ لفظُهُ، فأوجَبُوا القصرَ في السَّفرِ فرضًا، وقالوا: لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يُصلِّيَ في السَّفرِ إلّا رَكْعتينِ رَكْعتينِ، كلَّ صَلاةِ أربع. قال أبو عُمر: فأمّا المغرِبُ والصُّبحُ، فلا خِلافَ بينِ العُلماءِ أنَّهُما كذلك فُرِضَتا، وأنَّهُما لا قصرَ فيهما، في السَّفرِ، ولا غير. وهذا يدُلُّكَ على أنَّ قولَ عائشةَ: فُرِضتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، قولٌ ظاهِرُهُ العُمُومُ، والمُرادُ به الخُصُوصُ. ألا تَرى أنَّ صلاةَ المغرِبِ غيرُ داخِلةٍ في قولِها: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ. وكذلك الصُّبحُ غيرُ داخِلةٍ في قولِها: فزيدَ في صَلاةِ الحَضرِ؟ لأنَّهُ مَعلُومٌ أنَّ الصُّبحَ لم يُزَدْ فيها، ولم يُنقَصْ منها، وأنَّها في السَّفرِ والحَضَرِ سَواءٌ. فحُجّةُ من ذهَبَ إلى إيجابِ القَصرِ في السَّفرِ فرْضًا، قولُ عائشةَ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، فأُقِرَّت صَلاةُ السَّفرِ، وزيدَ في صَلاةِ الحَضرِ. وهذا واضِحٌ في أنَّ الرَّكعتينِ في السَّفرِ للمُسافِرِ فرْضٌ لا يجُوزُ خِلافُهُ؛ لأنَّ الفرضَ

стр. 5588

الواجِبَ لا يجُوزُ خِلافُهُ، ولا الزِّيادةُ عليه، ألا تَرى أنَّ المُصلِّيَ في الحَضرِ لا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ الظُّهرَ سِتًّا، ولا العَصرَ، ولا العِشاءَ، ولا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ المغرِبَ أربعًا، ولا الصُّبحَ أربعًا؟ لأنَّهُ لو فعلَ ذلك كان زائدًا في فرضِهِ، عامِدًا لما يُفسِدُهُ. وهذا كلُّهُ إجماعٌ لا خِلافَ فيه للحَضَريِّ، أنَّهُ لا يجُوزُ لهُ ذلك. قالوا: فكذلك المُسافِرُ، لا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ في السَّفرِ أربعًا؛ لأنَّ فرضَهُ في السَّفرِ ركعتانِ، على ما ذكَرَتْ عائشةُ. ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا: عُمرُ بن عبدِ العزيزِ، إن صحَّ عنهُ، وحمّادُ بن أبي سُليمانَ (١). وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ، وقولُ بعضِ أصحابِ مالكٍ. وقد رُوي عن مالكٍ أيضًا، وهُو المشهُورُ عنهُ، أنَّهُ قال: مَن أتمَّ في السَّفرِ، أعادَ في الوَقتِ (٢). ومِن حُجّةِ من ذهَبَ إلى إيجابِ القَصْرِ فرضًا في السَّفر: حديثُ عُمرَ بن الخطّابِ قال: صَلاةُ السَّفرِ رَكْعتانِ، تمامٌ غيرُ قصرٍ، على لسانِ نبيِّكُم ﷺ . وهُو حديثٌ رواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن عُمرَ، وقال ابنُ مَعينٍ وعليُّ ابنُ المدينيِّ: لم يَسْمَعْهُ من عُمرَ، ورِجالُهُ ثِقاتٌ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن زُبَيدٍ (٣)، عن

стр. 5589

عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن عُمرَ. قال سُفيانُ: قال زُبَيدٌ مرّةً: عن عُمرَ، قال: صلاةُ المُسافِرِ رَكْعتانِ تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، على لسانِ النَّبيِّ ﷺ (١). قال أبو عُمر: رَوَى هذا الحديثَ يزيدُ بن هارُون، عنِ الثَّوريِّ، عن زُبيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلَى، قال: سَمِعتُ عُمرَ (٢). فخطَّئُوهُ فيه، لقولِهِ: سمِعتُ عُمرَ. وقد رواهُ محمدُ بن طَلْحةَ، قال: حدَّثنا زُبَيدٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، قال: خَطَبنا عُمرُ، فقال: ألا إنَّ صلاةَ يوم الفِطْرِ، وصلاةَ يوم النَّحرِ، وصلاةَ يوم الجُمُعةِ، وصلاةَ السَّفرِ، رَكْعتانِ رَكْعتانِ، تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، على لسانِ النَّبيِّ ﷺ (٣). فوَهِم أيضًا فيه. ورواهُ يزيدُ بن زيادِ بن أبي الجَعْدِ، عن زُبيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كَعْبِ بن عُجْرةَ، عن عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ (٤)، فزادَ: كَعْبَ بن عُجرةَ، أدخَلَهُ بين عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، وبينَ (٥) عُمر.

стр. 5590

وليسَ لهذا الحديثِ غيرُ هذا الإسنادِ، ومن أهلِ الحديثِ من يُعلِّلُهُ ويُضعِّفُهُ، ومنهُم من يُصحِّحُ إسنادَ يزيدَ بن أبي الجَعدِ هذا فيه. قال عليُّ ابنُ المدينيِّ: هُو أسنَدُها، وأحسَنُها، وأصحُّها. واحتجُّوا أيضًا بما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا موسى بن داودَ، قالا: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن بُكَيرِ بن الأخنسِ، عن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: فرضَ اللَّهُ الصَّلاةَ على لسانِ نبيِّكُم ﷺ في الحَضَرِ أربعًا، وفي السَّفرِ رَكْعتينِ، وفي الخَوفِ رَكْعةً (١). وهذا أيضًا حديثٌ انفردَ به بُكَيرُ بن الأخْنَسِ، وليسَ بحُجّةٍ فيما انفرَدَ به. واحتجُّوا أيضًا بأنْ قالوا: وأمّا قولُ اللَّه : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فغيرُ جائزٍ لمن جَعلَ الطَّوافَ بينَ الصَّفا والمروةِ من أرْكانِ الحجِّ، مع قولِ اللَّه : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] أن يحتجَّ بهذه الآيةِ، في إباحةِ القَصْرِ في السَّفرِ، وقالوا: إنَّما نزلَتْ على النَّبيِّ ﷺ بعُسْفانَ بينَ الظُّهرِ والعَصْرْ، في صَلاةِ الخوفِ.

стр. 5591

وذكرُوا في ذلك حَدِيثًا رواهُ مُجاهِدٌ، عن أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ، عنِ النَّبيِّ ﵇ (١). وقالوا: ذلك يدُلُّ على أنَّ القصرَ إنَّما هُو قَصْرُ المأمُوم خلَفَ إمامِهِ، يُصلِّي معَهُ بعضَها بشرطِ الخَوْفِ، ولا يُتِمُّها معهُ، وإذا كان ذلك كذلك، كان حديثُ عائشةَ في معنًى غيرِ معنَى الآيةِ، قد أفادَ حُكمًا زائدًا. واحتَجُّوا أيضًا بأنَّ جابرًا وابنَ عُمرَ، قالا: ليسَ الرَّكْعتانِ (٢) في السَّفرِ بقَصْرٍ. وأنَّ ابن عبّاسٍ قال: من صلَّى في السَّفرِ أربَعًا، كمَنْ صلَّى في الحَضَرِ رَكْعتينِ (٣). فهذه جُملةُ ما نَزَعَ به الذينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ القصرَ في السَّفرِ فرْضٌ، على ظاهِرِ حديثِ عائشةَ. وقال آخرُونَ: القَصْرُ في السَّفرِ سُنّةٌ مَسْنُونةٌ، ورُخْصةٌ وتَوْسِعةٌ، فمن شاءَ قصَرَ في السَّفرِ، ومن شاءَ أتمَّ، كما أنَّ المُسافِر مُخيَّرٌ، إن شاءَ صامَ، وإن شاءَ أفطَرَ.

стр. 5592

وحُجَّتُهُم قولُ اللَّه : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. قالوا: فالقُرآنُ يدُلُّ على أنَّ القصرَ ليسَ بحَتْم؛ لأنَّ الحتمَ لا يقالُ فيه: ليسَ عليكُم جُناحٌ أن تَفعلُوهُ. قالوا: وكلُّ ما قيلَ فيه: لا جُناحَ، فإنَّما هُو رُخْصةٌ، لا حَتْمٌ، مِثلُ قَولِهِ : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. و ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، و ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وما كان مِثلَ هذا. وكذلك قولُهُ في الصَّفا والمروةِ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] نزَلَتْ في إباحةِ ما كان عندَهُم محظُورًا؛ لأنَّ العرَبَ كانت تَتَحرَّجُ من العُمرةِ في أشْهُرِ الحجِّ، وتتَحَرَّجُ من فِعلِ ما كانت تفعلُهُ في جاهِليَّتِها. وقد بيَّنّا معنى هذه الآيةِ، في مواضِعَ من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه. قالوا: وإن كان شَرْطُ الخَوْفِ مذكُورًا في الآيةِ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ ، وهُو المُبيِّنُ عنِ اللَّه مُرادَهُ، قد بيَّن بسُنَّتِهِ، أنَّ المُسافِرَ يَقْمُرُ الصَّلاةَ في الخَوْفِ، وفي غيرِ الخَوْفِ، لأنَّهُ كان يقصُرُ وهُو آمِنٌ لا يخافُ إلّا اللَّه، فكانَ القصرُ في السَّفرِ مع الأمْنِ زيادةَ بيانٍ على لسانِ رسُولِ اللَّه ﷺ وإن لم يَنْزِل به وحيٌ يُتلى، ومثلُهُ كثيرٌ في الشَّرع. واحتجُّوا من الأثر: بما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل ومُسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عنِ ابنِ جُريج، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن

стр. 5593

أبي عمّارٍ (١)، عن عبدِ اللَّه بن بابِيه، عن يعلَى بن أُميّةَ، قال: قلتُ لعُمرَ بن الخطّابِ: أرأيتَ إقصارَ النّاسِ الصَّلاةَ اليومَ، وإنَّما قال اللَّهُ : ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فقد ذهَبَ ذلك اليومُ؟ فقال: عَجِبتُ مِمّا عجِبتَ منهُ، فذكَرتُ ذلك لرسُولِ اللَّه ﷺ فقال: "صَدَقةٌ تصدَّقَ اللَّهُ بها عليكُم، فاقبلُوا صَدَقتَهُ". هكذا قال يحيى القطّانُ، عنِ ابنِ جُريج، حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن أبي عمارٍ. وقال عبدُ الرَّزّاقِ ومحمدُ بن بكرٍ البُرسانيُّ وأبو عاصِم وحمّادُ بن مَسْعدةَ، عنِ ابنِ جُريج، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّه بن أبي عمّارٍ (٢). وقال الفَزاريُّ: عنِ ابنِ جُريج، عنِ ابنِ أبي عمارٍ. قالوا: ففي قولِهِ ﷺ : إنَّ القصرَ في السَّفرِ مع الأمنِ "صَدَقةٌ تصدَّقَ اللَّهُ بها عليكُم" دليلٌ على أنَّ ذلك تَوْسعةٌ ورُخْصةٌ ورحمةٌ، وليسَ بواجِبٍ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عنِ ابنِ جُرَيج، عن عَمرِو بن دينارٍ، قال: أمّا قولُهُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فإنَّما ذلك إذا خافُوا الذين كفرُوا، وسَنَّ النَّبيُّ ﷺ بعدُ الرَّكْعتينِ، وليسَتا بقصرٍ، ولكنَّهُما وفاءٌ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن إبراهيمَ،

стр. 5594

عن محمدِ بن سيرينَ، قال: أُنبِئتُ أنَّ ابن عبّاسٍ قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يخرُجُ ما بينَ مكّةَ والمَدينةِ، لا يخافُ إلّا اللَّهَ، يَقْصُرُ الصَّلاةَ (١). ومِمّا يدُلُّ على أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يقصُرُ، وهُو آمِنٌ غيرُ خائفٍ، قصرُهُ الصَّلاةَ في حَجَّتِهِ، حجّةِ الوداع، وهُو يومَئذٍ قد أمِنَ، وهذا ما لا يجهلُهُ أحدٌ من أهلِ العِلم. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبِ وعارِمُ بن الفضلِ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: صلَّى رسُولُ اللَّه ﷺ الظُّهرَ بالمدينةِ أربعًا، والعصرَ بذي الحُلَيفةِ رَكْعتينِ. زادَ عارِمٌ: وبينهُما سِتّةُ أميالٍ. قال أنسٌ: وسَمِعتُهُم يَصْرُخُونَ بهما جميعًا: الحجِّ والعُمرةِ (٢).

стр. 5595

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيانَ، قال: حدَّثني محمدُ بن المُنكدِرِ وإبراهيمُ بن مَيْسرةَ، سمِعا أنَس بن مالكٍ يُحدِّثُ، قال: صَلَّينا معَ رسولِ اللَّه ﷺ بالمدينةِ الظُّهرَ أربعًا، وصلَّينا العصرَ بذي الحُليفةِ رَكْعتينِ (١). فاستدلُّوا بهذه الآثارِ على أنَّ القصرَ في السَّفرِ سُنّةٌ سنَّها رسولُ اللَّه ﷺ ، وليس بفريضةٍ. واحتجُّوا أيضًا: بما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ، قال: أخبَرنا مالكُ بن مِغْوَلٍ، عن أبي حَنْظلةَ الحذّاءِ، قال: قلتُ لابنِ عُمرَ: أُصلِّي في السَّفرِ رَكْعتينِ، واللَّهُ يقولُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، ونحنُ نَجِدُ الزّادَ والمزادَ؟ فقال: كذلك سَنَّ رسولُ اللَّه ﷺ (٢). فهذا ابنُ عُمرَ قد صرَّح بأنَّ القصرَ سُنّةٌ من رسولِ اللَّه، لا فرِيضةٌ من اللَّه، ولا من رسولِهِ. ولو فرَضَها رسولُ اللَّه ﷺ ، لقال ابنُ عُمرَ: فرَضها، كما قال في زكاةِ الفِطْرِ (٣).

стр. 5596

وقد مَضَى في هذا المعنى ما فيه كِفايةٌ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن رَجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسِيدٍ، من كِتابِنا هذا. وقد جاءَ في هذا البابِ عنِ ابنِ عبّاسٍ، نحوُ ما جاءَ عنِ ابنِ عُمر؛ ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال (١): أخبَرنا ابنُ جُرَيج، قال: سأل حُميدٌ الحِمْيريُّ (٢) ابن عبّاسٍ، فقال: إنِّي أُسافِرُ، أفأقصُرُ الصَّلاةَ في السَّفرِ أم أُتِمُّها؟ فقال ابنُ عبّاس: ليسَ بقَصْرِها، ولكِنَّهُ تمامُها، وسُنّةُ النَّبيِّ ﷺ ، خرجَ رسُولُ اللَّه ﷺ -آمِنًا، لا يخافُ إلّا اللَّه، فصلَّى اثْنَتينِ حتّى رجعَ، ثُمَّ خرجَ أبو بكرٍ آمِنًا، لا يخافُ إلّا اللَّه، فصلَّى ركعتينِ حتّى رجَعَ، ثُمَّ خرجَ عُمرُ آمِنًا، لا يخافُ إلّا اللَّه، فصلَّى اثنتينِ حتّى رجعَ، ثُمَّ فعلَ ذلك عُثمانُ ثُلُثي إمارتهِ، أو شطرَها، ثُمَّ صلّاها أربعًا، ثُمَّ أخذَ بها بنُو أُميّةَ. قال ابنُ جُريج: وبَلَغني: إنَّما أوفاها عُثمانُ أربعًا بمِنًى من أجلِ أنَّ أعرابيًّا ناداهُ في مَسْجدِ الخَيْفِ بمِنًى، فقال: يا أميرَ المُؤمِنين، ما زِلتُ أُصلِّيها رَكْعتينِ، مُذ رأيتُكَ عامَ الأوّل صلَّيتها رَكْعتينِ. فخَشِي عُثمانُ أن يظُنَّ جُهّالُ النّاسِ أنَّ الصَّلاةَ رَكْعتانِ، وإنَّما كان أوفاها بمِنًى فقط. قال أبو عُمر: قد اختُلِفَ في المعنى الذي من أجلِهِ أتمَّ عُثمانُ الصَّلاةَ في سَفرِهِ إلى مكّةَ وبمكّةَ، فقال قومٌ: أخَذَ بالمُباح في ذلك، إذ للمُسافِرِ أن يَقْصرَ، وأن يُتِمَّ، كما كان لهُ أن يصُومَ، وأن يُفطِرَ. ومن ذهَبَ إلى هذا المذهبِ، احتجَّ بما قدَّمنا ذِكرَهُ، من ظاهِرِ الكِتابِ والسُّنةِ، وبما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن

стр. 5597

أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا المُغيرةُ بن زيادٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يُتِمُّ في السَّفرِ ويُقصِرُ. وأخبرنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (٢): حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا طَلْحةُ بن عَمرٍو، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ، قالت: كلٌّ قد فعَلَ رسُولُ اللَّه ﷺ ، قد صامَ وأفطَرَ، وأتمَّ وقَصرَ في السَّفرِ. حدَّثنا أحمدُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدِ بن الحسنِ الأصبهانيُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن حبيبٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داود الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا حَبِيبُ بن يزيدَ الأنماطيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن هَرِم، عن جابرِ بن زيدٍ، قال: قالت عائشةُ: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي رَكْعتينِ، يعني الفرائضَ، فلمّا قدِمَ المدينةَ، وفُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ أربعًا وثلاثًا، صلَّى وتركَ الرَّكعتينِ اللَّتينِ كان يُصلِّيهِما بمَكّةَ تمامًا للمُسافِرِ (٣). فهذه عائشةُ قد اضْطَربتِ الآثارُ عنها في هذا البابِ، وإتمامُها في السَّفرِ يَقْضي بصِحّةِ ما وافقَ معناهُ منها. ورَوَى زيدٌ العمِّيُّ عن أنَسٍ، قال: كُنّا أصحابَ رسُولِ اللَّه ﷺ نُسافِرُ، فيُتِمُ بعضُنا، ويَقصُرُ بعضُنا، ويصومُ بعضُنا، ويُفطِرُ بعضُنا، ولا يَعِيبُ أحدٌ على أحَدٍ (٤).

стр. 5598

وقال آخرُونَ: إنَّ عُثمانَ إنَّما أتمَّ في السَّفرِ، لأنَّهُ كان لهُ في تلك المناهِلِ أهَلٌ ومالٌ. وهذا موجُودٌ في حَديثٍ رواهُ عِكْرِمةُ بن إبراهيمَ الأزديُّ المَوْصلي (١)، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ بن أبي ذُبابِ، عن أبيه، عن عُثمانَ بن عفّانَ: أَنَّهُ صلَّى بأهلِ منًى أربَعَ ركعاتٍ، فلمّا سلَّمَ أَقبَلَ على النّاسِ، فقال: إنِّي تأهَّلتُ بمكّةَ، وقد سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "من تأهَّلَ في بَلْدةٍ، فهُو من أهلِها، فليُصلِّ أربعًا". فلِذلك صلَّيتُ أربعًا. ذكر الطَّحاويُّ (٢)، عن يحيى بن عُثمانَ بن صالح، عن عَمرِو بن الرَّبيع بن طارِقٍ الهِلاليِّ. وعن إسماعيلَ بن حَمْدوية، عنِ الحُميديِّ (٣)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه (٤) مولى بني هاشِم. قالا جميعًا: أخبَرنا عِكْرِمةُ بن إبراهيمَ، بإسنادِهِ كما ذكَرْناهُ. والحارِثُ بن أبي ذُبابٍ قد عَمِلَ لعُمرَ بن الخطّابِ على الصَّدَقةِ. وقال آخرُونَ: إتمامُهُ إنَّما كان على نحوِ إتمام عائشةَ، وقد ذكَرْنا الوُجُوهَ التي تُؤُوِّلَتْ على عائشةَ في إتمامِها، في بابِ ابنِ شِهاب، عن رجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسِيدٍ.

стр. 5599

وذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عن مَعْمرٍ، عنِ الزُّهْريِّ، عن سالم، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: صلَّيتُ مع رسُولِ اللَّه ﷺ بمِنًى رَكْعتينِ، ومع أبي بكرٍ رَكْعتينِ، ومع عُمرَ رَكْعتينِ، ومع عُثمانَ صدرًا من خِلافتِهِ، ثُمَّ صلّاها أربعًا. قال ابنُ شِهابٍ: فبَلَغَني أنَّ عُثمانَ إنَّما (٢) صلّاها أربعًا؛ لأنَّهُ أزمَعَ أن يُقيمَ بعدَ الحجِّ. قال أبو عُمر: هذا وَجْهٌ صحيحٌ مُجتمَعٌ عليه فيمَنْ نَوَى الإقامةَ، أَنَّهُ يَلْزمُهُ الإتمامُ. وقال وُهَيبٌ، عن عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعُمرَ صلَّوا بمِنًى رَكْعتينِ، وعُثمانَ شَطْرَ إمارتهِ، ثُمَّ أتمَّها عثمانُ بعدُ. قال عُبيدُ اللَّه: فسَألتُ ابنَ شِهابٍ الزُّهْريِّ: لمَ (٣) أتَمَّها عُثمانُ؟ قال: لأنَّهُ اتَّخذَ أموالًا بالطّائفِ، فأجمَعَ المُقامَ، فأتمَّ الصَّلاةَ (٤). أمّا قولُهُ: بالطّائفِ. فليسَ بشيءٍ، لأنَّهُ بَلَدٌ آخرُ. وقال مَعْمرٌ عن قَتادةَ: إنَّ عُثمان لمّا صلَّى أربَعًا، بلَغَ ذلك ابنَ مسعُودٍ، فاسْتَرجعَ، ثُمَّ قامَ فصَلَّى (٥) أربعًا، فقيلَ لهُ: اسْتَرجَعْتَ، ثُمَّ صلَّيتَ أربعًا؟ فقال: الخِلافُ شرٌّ (٦). ورَوَى أبو مُعاويةَ، عنِ الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيد، عن عبدِ اللَّه، قال: صلَّى عُثمانُ بمِنًى أربعًا. قال: فقال عبدُ اللَّه: صلَّيتُ مع النَّبيِّ

стр. 5600

- ﷺ رَكْعتينِ، ومعَ أبي بكرٍ رَكْعتينِ، ومعَ عُمرَ رَكْعتينِ، ثُمَّ تفرَّقت بكُمُ الطُّرُقُ، ولودِدتُ أنَّ لي من أربع رَكَعاتٍ، رَكْعتينِ مُتقبَّلتينِ. قال الأعمشُ: فحدَّثني مُعاويةُ بن قُرّةَ: أنَّ عبدَ اللَّه صلّاها بعدُ أربعًا، فقيل لهُ: عِبْتَ على عُثمانَ وتُصلِّي أربعًا؟ قال: الخِلافُ شرٌّ. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ محمدُ بن خازِم (١)، قال: حدَّثنا الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّه، قال: صلَّى عُثمانُ. فذكَرهُ (٢). قال: وحدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن أصحابِهِ، عن إبراهيمَ، عنِ الأسْوَدِ، قال: كنتُ معَ عبدِ اللَّه بمِنًى، فلمّا صلَّى عُثمانُ أربَعًا، قال عبدُ اللَّه: صَلَّيتُ معَ رسُولِ اللَّه ﷺ في هذا المكانِ رَكْعتينِ، وصلَّى أبو بكرٍ رَكْعتينِ، وصلَّى عُمرُ رَكْعتينِ. قال الأسودُ: فقلتُ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، ألا سلَّمتَ في رَكْعتينِ وجعلتَ الرَّكعتينِ الأُخْرَيينِ تَسْبيحًا؟ قال: الخِلافُ شرٌّ (٣). قال أبو عُمر: فهذا يدُلُّكَ على أنَّ القصرَ عندَ ابنِ مسعُودٍ ليسَ بفَرْضٍ، وإنَّما أنكرَ لمُخالَفةِ عُثمان الأفضَلَ عندَهُ؛ لأنَّ الأفضَلَ عندَهُ اتِّباعُ السُّنّةِ، ثُمَّ

стр. 5601

رأى اتِّباعَ إمامِهِ فيما أُبيحَ لهُ أولى من إتيانِ الأفْضَلِ في القَصْرِ؛ لأنَّ مُخالَفةَ الأئمّةِ لا تجُوزُ إلّا فيما لا يحِلُّ، وأمّا فيما أُبيحَ، فلا يجُوزُ فيه مُخالَفةُ الأئمّةِ إذا حَملهُم على ذلك الاجتِهادُ. ولعلَّ عُثمانَ ذهَبَ إلى أنَّ اختيارَ رسُولِ اللَّه ﷺ سَفرِهِ القَصْرَ، كان لأنَّهُ أيْسَرُ على أُمَّتِهِ، فاختارَهُ لذلك. وقالت عائشةُ: ما خُيِّرَ رسُولُ اللَّه ﷺ بينَ أمْرَينِ، إلّا اختارَ أيَسْرَهُما، ما لم يَكُن إثمًا. . . الحديثَ (١). وهذا لا حُجّةَ فيه؛ لأنَّ ما اختارَهُ رسُولُ اللَّه ﷺ لأُمَّتِهِ وسنَّهُ، وواظَبَ عليه، كان أفضلَ مِمّا سِواهُ. ومِثلُ حديثِ ابنِ مسعُودٍ هذا، حديثُ سلْمانَ؛ ذَكَر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عنِ اسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ليلى الكِنْديِّ، عن سلْمانَ، أَنَّهُ كان مع قوم في السَّفرِ، فحَضَرتِ الصَّلاةُ، فقالوا لهُ: صلِّ بنا. فقال: إنّا لا نؤُمُّكُّم، ولا ننكِحُ نِساءَكُم، فأبَى، فتَقدَّمَ رجُلٌ من القوم، فصَلَّى بهم أربَعَ رَكَعاتٍ، فلمّا سلَّمَ، قال سلمانُ: ما لنا وللمُربَّعةِ؟ وإنَّما كان يَكْفينا نِصفُ المُربَّعةِ، ونحنُ إلى الرُّخْصةِ أحْوَجُ. ألا تَرى أنَّ سلمانَ لم يُعِدِ الصَّلاةَ، بل تمادَى مع إمامِهِ فصَلَّى أربعًا، وإن كان لم يحمَدْ ذلك لهُ؟ فهذا يدُلُّ على أنَّ القصرَ عندَ سلْمانَ رُخصةٌ وسُنّةٌ. وقد تقدَّمَ عنِ ابنِ عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ: أنَّ ذلك سُنّةٌ.

стр. 5602

وحدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا هشامُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتادةَ، عن موسى بن سَلَمةَ، قال: سألتُ ابنَ عبّاسٍ، قلتُ: أكُونُ بمكّةَ فكيفَ أُصلِّي؟ قال: رَكْعتينِ، سُنّةَ أبي القاسم، ﷺ (١). فحَسْبُكَ بهذا عنِ ابنِ عبّاسٍ، وفيه تصريح أنَّ ذلك سُنّةٌ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: قلتُ لهُ: ما جُعِلَ القَصْرُ في الخَوْفِ وقد أمِنَ النّاسُ؟ قال: السُّنّةُ. قلتُ: ورُخصةٌ؟ قال: نعم. قال: وقال لي عَمرُو بن دينارٍ مِثلَهُ. قال (٣): وحدَّثنا ابنُ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: كان سعْدُ بن أبي وقّاصٍ وعائشةُ يُوفِّيانِ الصَّلاةَ في السَّفرِ، ويصومانِ. قال: وسافَرَ نفرٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، فأوفَى سعدٌ الصَّلاةَ وصامَ، وقصرَ القومُ وأفطرُوا، فقالوا لسَعْدٍ: كيفَ نُفطِرُ ونقصُرُ الصَّلاةَ، وأنت تُتِمُّها وتصومُ؟ فقال: دُونَكُم أمرُكُم، فإنِّي أعلمُ بشأني. قال: فلم يُحرِّمهُ سعدٌ عليهم، ولم يَنْهَهُم عنهُ. قال ابنُ جُرَيج: فقلتُ لعطاءٍ: فأيُّ ذلك أحبُّ إليكَ؟ قال: قَصْرُها. قال: وكلُّ ذلك قد فعَلَهُ الصّالِحُونَ والأخيارُ. قال أبو عُمر: حديثُ عَطاءٍ هذا، وما حَكاهُ عن سَعْدٍ وعائشةَ، أعرَفُ (٤) من رِوايةِ جُوَيريَةَ، عن مالكٍ، عنِ الزُّهْريِّ، عن رَجُلٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن المِسْورِ بن مَخْرمةَ: أنَّ سعدَ بن أبي وقّاصٍ والمِسْوَر بن مخرمةَ وعبد الرَّحمنِ بن

стр. 5603

عبدِ يَغُوثَ كانوا جميعًا، فكان سَعْدٌ يقصُرُ الصَّلاةَ ويُفطِرُ، وكانا يُتِمّانِ الصَّلاةَ ويصُومانِ، فقيل لسعدٍ في ذلك، فقال سَعْدٌ: نحنُ أعلمُ (١). المشهُورُ عن سَعْدٍ ما ذكَرهُ عَطاءٌ. وعلى أيِّ (٢) حالٍ كان، ففيه دليلٌ على إباحةِ القَصْرِ والتَّمام، وعلى هذا يخرُجُ اختِلافُ الرِّوايةِ عن سَعْدٍ، كأنَّهُ كان يُتِمُّ مرّةً، ويقصُرُ أُخرى، وكذلك كلُّ من رُوي عنهُ مِثلُ ذلك من الصَّحابةِ، واللَّهُ أعلمُ. ورَوَى ابنُ وَهْبٍ، عنِ ابنِ لهيعةَ، عن بُكَيرِ بن الأشجِّ، عنِ القاسم بن محمدٍ، أنَّ رَجُلًا قال لهُ: عَجِبتُ من عائشةَ، حينَ كانت تُصلِّي أربَعًا في السَّفرِ، ورسُولُ اللَّه ﷺ كان يُصلِّي ركعتينِ، فقال لهُ القاسمُ: عليكَ بسُنّةِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، فإنَّ منَ النّاسِ من لا يُعابُ (٣). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٤): أخبرنا مَعْمرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّها كانت تُتِمُّ في السَّفرِ. قال (٥): وأخبرنا الثَّوريُّ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن أبيه عُرْوةَ، عن عائشةَ: أنَّها كانت تُتِمُّ في السَّفَرِ. قال أبو عُمر: ردَّ الذين ذَهَبُوا إلى أنَّ القصرَ في السَّفرِ معَ الأمنِ سُنّةٌ مسنُونةٌ غيرُ فرِيضةٍ، حديثَ عائشةَ -حيثُ قالت: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ،

стр. 5604

فزيدَ في صَلاةِ الحَضِر، وأُقِرَّت صلاةُ السَّفرِ (١) - فردُّوهُ بأنْ قالوا: قد صَحَّ عنها أنَّها كانت تُتِمُّ في السَّفرِ، وهذا من فِعْلِها، يرُدُّ قولَها ذلك، وإن صَحَّ قولُها ذلك عنها، ولم يدخُلْهُ الوَهَمُ من جِهةِ النَّقلِ، فهُو على غيرِ ظاهِرِهِ، وفيه معنًى مُضْمرٌ باطِنٌ، وذلك -واللَّهُ أعلمُ- كأنَّها قالت: فأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفرِ لمن شاءَ، أو نحوُ هذا. قالوا: ولا يجُوزُ على عائشةَ أنَّ تُقِرَّ بأنَّ القصرَ فَرْضٌ في السَّفرِ، وتُخالِفَ الفرضَ، هذا ما لا يجُوزُ لمسلِم أن ينسُبَهُ إليها. قالوا: وغيرُ جائزٍ تأويلُ من تأوَّلَ عليها: أنَّ إتمامَها كان من أجلِ أنَّها كانت أُمَّ المُؤمِنينَ، فكانت حيثُما نَزلَتْ نَزلَتْ (٢) على بنيها، فلم تَقصُرْ؛ لأنَّ ذلك كان منها كأنَّها كانت في بَيْتِها، وهذا لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يَعْتقِدَهُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﵇ به صارَتْ عائشةُ وسائرُ أزواجِهِ أُمَّهاتِ المُؤمِنين، وكانَ ﷺ للمُؤمِنين أبًا رؤُوفًا رحيمًا، وكان يَقْصُرُ في أسفارِهِ كلِّها، في غَزَواتِهِ وعُمَرِهِ (٣)، وحجَّتِهِ ﷺ ، وفي قِراءةِ أُبيِّ بن كَعْبٍ: "النَّبيُّ أوْلَى بالمُؤمِنين من أنفُسِهِم وأزواجُهُ أُمَّهاتُهُم وهُو أبٌ لهم" (٤). فمِمّا يرُدُّ حديثَ عائشةَ: إتمامُها في أسْفارِها، ومِمّا يرُدُّهُ أيضًا حديثُ ابنِ عبّاسٍ وغيرِهِ: أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ في الحَضَرِ أربعًا، وفي السَّفرِ رَكْعتينِ، وما رُوي عنها مِمّا قدَّمنا ذِكرَهُ في هذا البابِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ أتمَّ في السَّفرِ وقصَرَ، وصامَ وأفطَرَ.

стр. 5605

ومِمّا يُعارِضُهُ أيضًا: حديثُ القُشَيريِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قال: "وضَعَ اللَّهُ عنِ المُسافِرِ الصَّومَ، وشطْرَ الصَّلاةِ" (١). و"وضَعَ" لا يكونُ في الأغلبِ إلّا مِمّا قد ثبتَ، فوُضِعَ منهُ. وفي إجماع الجُمهُورِ من الفُقهاءِ، على أنَّ المُسافِرَ إذا دخَلَ في صلاةِ المُقيمينَ، فأدركَ منها ركعةً، أَنَّهُ يَلْزمُهُ أن يُصلِّيَ أربعًا، فلو كان فرضُ المُسافِرِ رَكْعتينِ، لم ينتقِلْ فرْضُهُ إلى أربع، كما أنَّ المُقيمَ إذا دخَلَ خلفَ المُسافِرِ، لم يَنْتقِلْ فرضُهُ إلى اثْنَتينِ. وهذا واضِحٌ لمن تدبَّر وأنصفَ. قالوا: وكيفَ يجُوزُ للمُسافِرِ أن يكون مخُيَّرًا، إن شاءَ دخَلَ خلفَ الإمام المُقيم، فصلَّى أربعًا، وإن شاءَ صلَّى وَحدَهُ رَكْعتينِ، ولا يكونُ مُخيَّرًا في حالِ انْفِرادِهِ، إن شاءَ صَلَّى رَكْعتينِ، وإن شاءَ أربعًا؟ قالوا: ولو كان فرْضُ المُسافِرِ رَكْعتينِ، ما جازَ لهُ تَغْييرُ فرضِهِ، بالدُّخُولِ مع المُقيم في صَلاتِهِ، ولبَطَلتْ صلاتُهُ، كما لو صلَّى الصُّبحَ خلفَ إمام يُصلِّي الظّهرَ، إلى آخِرِها، وهذا بيِّنٌ واضِحٌ، والحمدُ للَّه. أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (٢)، قال: أخبرنا محمدُ بن حاتِم، قال: أخبرنا حِبّانُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه، عنِ ابنِ عُيَينةَ، عن أيُّوبَ، عن شَيْخ من بني قُشَيرٍ، عن عمِّهِ: أنَّهُ انتهى إلى النَّبيِّ ﷺ وهُو يأكُلُ، أو قال: يَطْعَمُ، فقال: "ادْنُ فكُل". فقلتُ: إنِّي صائمٌ، فقال: "إنَّ اللَّهَ وضَعَ عنِ المُسافِرِ شطْرَ الصَّلاةِ والصِّيام، وعن الحُبلى والمُرضِع". ورواهُ عبدُ اللَّه بن الشِّخِّيرِ، وعَمرُو بن أُميّةَ الضَّمريُّ، عنِ النَّبيِّ ﵇.

стр. 5606

فأمّا حديثُ ابنِ الشِّخِّيرِ، فرواهُ أبو عَوانةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن هانِئ بن عبدِ اللَّه بن الشِّخِّيرِ، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ ﵇: أنَّهُ قدِمَ عليه (١). فذكَرَ مِثلَ حديثِ القُشَيريِّ. وأمّا حديثُ عَمرِو بن أُميّةَ، فرواهُ الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي قِلابةَ، عن جَعْفرِ بن عَمرِو بن أُميّةَ، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ ﵇. هكذا حدَّثَ به الوليدُ بن مُسلِم، عنِ الأوزاعيِّ (٢). ورواهُ أبو المُغيرةِ (٣)، ومحمدُ بن حَرْبٍ (٤)، عنِ الأوزاعيِّ، عن يحيى، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المُهاجِرِ، عن أبي أُميّةَ الضَّمْريِّ، يعني: عَمرَو بن أُميّةَ. وكذلك رواهُ مُعاويةُ بن سلّام، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ (٥). وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٦): أخبَرنا عَبْدةُ بن عبدِ الرَّحيم، عن محمدِ بن شُعَيبٍ، قال: أخبرَنا الأوزاعيُّ، عن يحيى، عن أبي سَلَمةَ، قال: حدَّثني عَمرُو بن أُميّةَ الضَّمْريُّ،

стр. 5607

قال: قَدِمتُ على عَهدِ رسُولِ اللَّه ﷺ من سَفرٍ، فقال: "انْتَظِرِ الغَداءَ يا (١) أبا أُميّةَ"، فقلتُ: إنِّي صائمٌ، قال: "ادْنُ منِّي حتّى أُخبِرَكَ عنِ المُسافِرِ، إنَّ اللَّهَ وضَعَ عنهُ الصِّيامَ، ونِصفَ الصَّلاةِ". حدَّثنا سعيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا ابنُ عُليّةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي نَضْرةَ، قال: مرَّ عِمْرانُ بن حُصَينٍ في مَجْلِسِنا، فقال: غَزَوتُ معَ رسُول اللَّه ﷺ ، فلم يُصلِّ إلّا رَكْعتينِ حتّى رجَعَ إلى المدينةِ، وحَجَجتُ معهُ، فلم يُصلِّ إلّا رَكْعتينِ، حتّى رجَعَ إلى المدينةِ، وشهِدتُ معهُ الفتحَ، فأقامَ بمكّةَ ثماني عَشْرةَ، لا يُصلِّي إلّا رَكْعتينِ، ثُمَّ يقولُ لأهْلِ البَلدِ: "صلُّوا أربعًا، فإنّا قومٌ سَفرٌ". واعْتَمرتُ معهُ ثلاثَ عُمَرٍ لا يُصلِّي إلّا رَكْعتينِ. فهذا يدُلُّكَ على أنَّ الإمامةَ لا تنقُلُ فرضًا عن حالِهِ، ألا تَرى إلى قولِهِ ﷺ لمن خَلْفَهُ من أهلِ الحَضَرِ: "صلُّوا أربعًا فإنّا قومٌ سفرٌ"؟ وكذلك قال عُمرُ لأهلِ مكّةَ أيضًا، حينَ صلَّى بهم، ثُمَّ سلَّمَ من رَكْعتينِ وقال لهم: أتِمُّوا صَلاتَكُم، فإنّا قومٌ سَفرٌ (٣). فلمّا لم يكُنِ اتِّباعُ الإمام يحمِلُ المُقيمَ إذا صلَّى خلفَ المُسافِرِ، على أن يَجْتزِئَ برَكعتينِ، ويقتصِرَ على السَّلام معهُ؛ لأنَّ كلًّا على فرْضِهِ، وكان المُسافِرُ

стр. 5608

إذا أدركَ رَكْعةً من صَلاةِ المُقيم، انتقلَ حُكمُهُ إلى حُكم المُقيم، ولَزِمهُ أن يُصلِّيَ أربعًا، عَلِمنا بذلك أنَّ قصرَ الصلاةِ ليسَ بفَرْضٍ واجِبٍ؛ لأنَّهُ لو كان فرضًا، لأضافَ المُسافِرُ إلى رَكْعتِهِ التي أدركها من صلاةِ المُقيم رَكْعةً أُخرى، واستُجزِئَ بذلك. فلمّا أجمعُوا على غيرِ ذلك، عُلِمَ أنَّ القصرَ للمُسافِرِ سُنّةٌ لا فرضٌ. ألا تَرى أنَّهُم قد أجمعُوا أنَّهُ جائزٌ للمُسافِرِ أن يُصلِّيَ خلفَ المُقيم، من كرِهَ ذلك منهُم، ومنِ اسْتَحسنهُ، كلُّهُم يُجيزُهُ؟ وقد أجمعُوا على أنَّ المُسافِرَ إذا أدركَ رَكْعةً من صلاةِ المُقيم، لزِمهُ الإتمامُ، بل قد قال أكثرُهُم: إنَّهُ إذا أحرمَ المُسافِرُ خلفَ المُقيم قبلَ سَلامِهِ، أنَّهُ تلزمُهُ صلاةُ المُقيم، وعليه الإتمامُ، فلو كان القَصْرُ فرضًا واجِبًا، ما دخلَ المُسافِرُ معَ المُقيم في صلاتِهِ، والأمرُ في هذا واضِحٌ بيِّنٌ، لمن لم يُعانِد وأُلهِم رُشْدَهُ. أخبرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا الفَضْلُ بن دُكَينٍ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ وابنِ عُمرَ، قالا: سَنَّ رسُولُ اللَّه ﷺ للمُسافِرِ رَكْعتينِ، وهُما تمامٌ. قالا: والوِترُ في السَّفرِ من السُّنّةِ (١). فهذا ابنُ عُمرَ وابنُ عبّاسٍ قد قالا: إنَّ صلاةَ المُسافِرِ سُنّةٌ. كما قالا: إنَّ الوتْرَ في السَّفرِ من السُّنّةِ. وقد مَضَى في هذا البابِ عنِ ابنِ عُمرَ أيضًا وابنِ عبّاسٍ مِثلُ ذلك، وعن عَطاءٍ، وعَمرِو بن دينارٍ، والقاسم بن محمدٍ مِثلُ ذلك (٢)، وقد أشْبَعنا هذا المعنى عندَ ذِكرِ حديثِ ابنِ شِهاب، عن رَجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسِيدٍ، في كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.

стр. 5609

وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في هذا البابِ (١)، فرُوي عن مالكٍ: أَنَّهُ قال مرّةً في مُسافِرٍ أمَّ مُقيمينَ، فأتمَّ بهمُ الصَّلاةَ، جاهلًا، ومنهُمُ المُسافِرُ والمُقيمُ. قال: أرَىَ أن يُعيدُوا الصَّلاةَ جميعًا. ورُوي عنهُ أيضًا أنَّهُ قال: يُعيدُ ما كان في الوَقتِ، وما مَضَى وقتُهُ فلا إعادةَ عليه. وقال ابنُ المَوّازِ -في من صلَّى أربعًا ناسيًا لسفرِهِ، أو ناسيًا لإقصارِهِ، أو ذاكِرًا-: فلْيُعِد في الوَقتِ. وكذلك قال سُحنُونٌ فيمَنْ صلَّى في السَّفرِ ناسيًا، أو ذاكِرًا. وزادَ: أو جاهِلًا، أربعًا: إنَّهُ يُعيدُ في الوَقْتِ. وقال ابنُ المَوّاز: لوِ افتتَحَ على رَكْعتينِ، فأتمَّها أربعًا تَعمُّدًا، أعاد أبدًا، وإن كان سَهْوًا، سجدَ لسَهوِهِ، وأجزأهُ. وقال سُحنُونٌ: بل يُعيدُ أبدًا، لكَثْرةِ السَّهوِ. وقال ابنُ الموّازِ: ليس كسَهوٍ (٢) مُجتَمَع عليه. وذكر أبو الفَرج، عن مالكٍ، قال: ومن أتمَّ في السَّفرِ، أعادَها مَقْصُورةً، ما دامَ في وَقْتِها، إلّا أن يَنْويَ مُقامًا، فيُعيدُها كامِلةً، ما دامَ في وَقْتِها. قال: ولو صلَّى مُسافِرٌ بمُسافِرينَ، فسَها فقامَ ليُتِمَّ، فلْيجلِسْ مَن وراءَهُ، حتّى يُسلِّمُوا بسلامِهِ، وعليه إعادةُ الصَّلاةِ، ما دامَ في الوَقتِ. قال القاضي أبو الفَرج: أحسَبُهُ أَنَّهُ ألزَمَ هذا الإعادةَ، لأنَّهُ سُبِّح به، فتمادَى في صلاتِهِ عامِدًا، عالمًا بذلك، وأمّا إن كان ساهيًا، فلا وجهَ لأمرِهِ بالإعادةِ؛ لأنَّهُ بمَنْزِلةِ مُقيم صلَّى الظَّهر خمسًا ساهيًا، فلم يكُن عليه إعادةٌ.

стр. 5610

وذكر ابنُ خُوَيْز مَنْداد أنَّ مالكًا يقولُ: إنَّ القصرَ في السَّفرِ مسنُونٌ غيرُ واجِب. وهُو قولُ الشّافِعيُّ. قال أبو عُمرَ: في قولِ مالكٍ: إنَّ من أتمَّ الصَّلاةَ في السَّفرِ، لم تلزمَهُ الإعادةُ، إلّا في الوقتِ. دليلٌ على أنَّ القصرَ عِندهُ ليسَ بفرضٍ. وقد حَكَى أبو الفرج في كِتابِهِ، عن أبي المُصْعبِ، عن مالكٍ، قال: القَصْرُ في السَّفرِ للرِّجالِ والنِّساءِ سُنّةٌ. قال أبو الفَرج: فلا معنى للاشتِغالِ بالاستِدلالِ على مَذهبِ مالكٍ، معَ ما ذكَرَهُ أبو المُصعبِ: أنَّ القصرَ عندَهُ سُنّةٌ لا فرضٌ. قال: ومِمّا يدُلُّ على ذلك من مذهبِهِ: أنَّهُ لا يَرى الإعادةَ على من أتمَّ في السَّفرِ، إلّا في الوَقتِ. قال أبو عُمر: فهذا أصحُّ ما في هذه المسألةِ عن مالك (١)، وذلك أصحُّ الأقاويلِ فيها من جِهةِ النَّظرِ والأثَرِ، وباللَّه التَّوفيقُ. وأمّا الشّافِعيُّ وأبو ثَوْرٍ، فكانا يقولانِ: إن شاءَ المُسافِرُ قصَرَ، وإن شاءَ أتمَّ. وذكر أبو سَعْدٍ القَزْوينيُّ المالكيُّ: أنَّ الصَّحيحَ في مذهبِ مالكٍ: التَّخييرُ للمُسافِرِ في الإتمام والقَصْرِ، كما قال الشّافِعيُّ، إلّا أنَّهُ يَسْتَحبُّ لهُ القَصْرُ، ولذلك يَرى عليه الإعادةَ في الوَقتِ إن أتمَّ. وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: إذا صلَّى المُسافِرُ أربعًا، فإن كان قعدَ في كلِّ رَكْعتينِ قَدْرَ التَّشهُّدِ، فصلاتُهُ تامّةٌ، وإن لم يَكُن قعَدَ في الرَّكعتينِ الأُوليينِ قَدْرَ التَّشهُّدِ، فعليه أن يُعيدَ.

стр. 5611

قال أبو عُمر: هذا على أُصُولِهِم في أنَّ التَّشهُّدَ والسَّلامَ لَيْسا بواجِبَينِ، والجُلُوسُ مِقدارَ التَّشهُّدِ عندَهُم واجِبٌ، وبه يخرُجُ عندَهُم من الصَّلاةِ. وللرَّدِّ عليهم في ذلك موضِعٌ غيرُ هذا. وقال حمّادُ بن أبي سُليمانَ: من أتمَّ في السَّفرِ، أعادَ. والإعادةُ عندَهُ وعندَ أبي حَنِيفةَ، على ما قدَّمنا من أُصُولِهِم، أبدًا. وجاءَ عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ ما يدُلُّ على أنَّ القصرَ في السّفرِ واجِبٌ؛ لأنَّهُ قال: الرَّكعتانِ للمُسافِرِ حَتْمٌ، لا يصلُحُ غيرُهُما (١). واختُلِف في هذه المسألةِ عن أحمد بن حَنْبل، فقال مرّةً: أنا أُحِبُّ العافَيةَ من هذه المسألةِ. وقال مرّةً أُخرى: لا يُعجِبُني أن يُصلِّي أربَعًا، السُّنّةُ رَكْعتانِ (٢). وقد مَضَى القولُ في كثيرٍ من مسائلِ هذا البابِ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن رجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسيدٍ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 5612

باب الضّاد مالكٌ، عن ضَمْرةَ بن سَعيدٍ المازِنيِّ وهُو ضَمْرةُ (١) بن سَعيدٍ المازِنيُّ النَّجّاريُّ، من بني مازِنِ بن النَّجّارِ، من الأنصارِ. مدنيٌّ ثِقةٌ، روى عنهُ مالكٌ، وابنُ عُيينةَ، وأبو أُويسٍ، وسُليمانُ بن بلالٍ، وغيرُهُم. لمالكٍ عنهُ حَدِيثانِ مُسنَدانِ.

стр. 5613

حديثٌ أوَّلُ لمالكٍ، عن ضَمْرةَ بن سعيدٍ مالكٌ (١)، عن ضَمْرةَ بن سَعيدٍ المازِنيِّ، عن عُبيدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُتبةَ بن مسعُودٍ، أنَّ الضَّحّاكَ بن قَيْسٍ سألَ النُّعمانَ بن بَشيرٍ: ماذا كان يَقْرأُ به (٢) رسُولُ اللَّه ﷺ يومَ الجُمُعةِ، على إثرِ سُورةِ الجُمُعةِ؟ قال: كان يقرأُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. هذا حديثٌ مُتَّصِلٌ صحيحٌ، وقال فيه ابنُ عُيينةَ: عن ضَمْرةَ بن سعيدٍ، عن عُبيدِ اللَّه: إنَّ الضَّحّاكَ بن قَيْسٍ كتبَ إلى النُّعمانِ بن بَشيرٍ: أخْبِرني بأيِّ شيءٍ كان النَّبيُّ ﵇ يَقْرأُ في الجُمُعةِ؟ فكتب إليهِ. ثمَّ ذكرَ الحديثَ. هكذا قال: كتَبَ الضَّحّاكُ، فكتبَ إليه النُّعمانُ، حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ. فذكَرَهُ. وليسَ مُخالِفًا لحديثِ مالكٍ؛ لأنَّ في حديثِ مالكٍ أنَّ الضَّحّاك سألَ، وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ سألهُ بالكِتابِ إليه. ورِوايةُ أبي أُوَيسٍ لهذا الحديثِ، كَرِوايةِ مالكٍ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 5614

زُهَيرٍ، قال (١): حدَّثنا ابنُ أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثني أبي، عن ضَمْرةَ بن سَعيدٍ المازِنيِّ النَّجّاريِّ (٢)، عن عُبيدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُتْبةَ بن مَسْعُودٍ، عنِ الضَّحّاكِ بن قَيْسٍ الفِهْريِّ، عنِ النُّعمانِ بن بَشيرٍ، قال: سألناهُ: ما كان النَّبيُّ ﷺ يَقْرأُ يومَ الجُمُعةِ، مع السُّورةِ التي ذُكِرَ فيها الجُمُعةُ؟ قال: كان يَقْرأُ فيها: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال أبو عُمر: لم يَقُلْ في هذا الحديثِ: بإثرِ سُور الجُمُعةِ، وقال: مع سُورةِ الجُمُعةِ. والمعنَى في ذلك سَواءٌ، والمُرادُ به الرَّكعةُ الثّانيةُ من الجُمُعةِ، وفي الرَّكعةِ الأُولى: سُورةَ الجُمُعةِ، وذلك كلُّهُ مع فاتِحةِ الكِتابِ، في ابتِداءِ كلِّ رَكْعةٍ، على ما سَتَراهُ مُمهَّدًا واضِحًا في بابِ العلاءِ إن شاءَ اللَّه. واختَلَفَ الفُقهاءُ فيما يُقْرَأُ به في صلاةِ الجُمُعةِ. فقال مالكٌ: أحَبُّ إليَّ أن يقرأَ الإمامُ في الجُمُعةِ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ مع سُورةِ الجُمُعةِ (٣)، وقال مرّةً أُخرى: أمّا الذي جاءَ به الحديثُ، فـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ مع سُورةِ الجُمُعةِ، والذي أدركتُ عليه النّاسَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٤). قال أبو عُمر: تَحْصيلُ مَذْهبِ مالكٍ: أنَّ كِلْتا السُّورَتينِ قِراءَتُهُما حَسَنةٌ مُسْتحبّةٌ، مع سُورةِ الجُمُعةِ، في الرَّكْعةِ الثّانيةِ، وأمّا الأُولى فسُورةُ الجُمُعةِ، ولا يَنْبغي للإمام عندَهُ أن يترُكَ سُورةَ الجُمُعةِ، ولا سُورةَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في الثّانيةِ، فإن فعلَ وقَرَأ بغيرِهِما، فقد أساءَ

стр. 5615

وبئسَ ما صنَعَ، ولا تَفسُدُ -بذلك- عليه صَلاتُهُ إذا قَرأ بأُمِّ القُرآنِ وسُورةٍ معَها في كلِّ رَكْعةٍ منْها. وقال الشّافِعيُّ (١)، وأبو ثَوْرٍ: يَقْرأُ في الرَّكعةِ الأُولى من صَلاةِ الجُمُعةِ بسُورةِ الجُمُعةِ، وفي الثّانيةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. ويَستحِبُّ مالكٌ والشّافِعيُّ وأبو ثورٍ وداودُ بن عليٍّ: ألا يَتْرُكَ سُورةَ الجُمُعةِ على حالٍ (٢). وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ؛ ما قَرَأ به الإمامُ في صَلاةِ الجُمُعةِ فحَسنٌ، وسُورةُ الجُمُعةِ وغيرُها في ذلك سَواءٌ، ويكرهُونَ أن يُؤَقَّتَ في ذلك شيءٌ من القُرآنِ بعينِهِ. وقال الثَّوريُّ: لا يتعمَّدُ أن يَقْرأَ في الجُمُعةِ بالسُّورِ التي جاءَت في الأحاديثِ، ولكِنَّهُ يَتَعمَّدُها أحيانًا، ويَدَعُها أحيانًا. قال أبو عُمر: رَوَى ابنُ عبّاسٍ وأبو هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كان يَقْرأُ يومَ الجُمُعةِ، وفي العيدِ أيضًا، بسُورةِ الجُمُعةِ، و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. فأمّا حديثُ ابنِ عبّاسٍ، فرواهُ الثَّوريُّ (٣)، وشُعبةُ (٤)، عن مُخوَّلِ (٥) بن راشِدٍ، عن مُسلِم البَطينِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وأمّا حديثُ أبي هريرةَ، فرَواهُ جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عُبيدِ اللَّه بن

стр. 5616

أبي (١) رافِع، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وفيه: أنَّ أبا هريرةَ وعليَّ بن أبي طالِب كانا يَفْعلانِ ذلك (٢). واختُلِفَ عنِ النُّعمانِ بن بَشيرٍ في حديثِهِ في هذا البابِ، ففي حديثِ مالكٍ عن ضَمْرةَ ما ذكَرْنا. وروى حبيبُ بن سالم، عنِ النُّعمانِ بن بَشيرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﵇ كان يَقْرأُ في العيدينِ والجُمُعةِ (٣): بـ (٤) ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٥). وهكذا رَوَى سَمُرةُ بن جُندُبٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أَنَّهُ كان يَقْرأُ في صلاةِ الجُمُعةِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٦): حدَّثنا جَريرُ بن عبدِ الحَميدِ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن المُنْتشِرِ، عن أبيه، عن حَبيبِ بن سالم، عنِ النُّعمانِ بن بَشيرٍ. قال أبو بكر (٧): وحدَّثنا وكيعٌ، عن سُفيانَ ومِسْعَرٍ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن

стр. 5617

المُنْتشِرِ، عن أبيه، عن حَبيبِ بن سالم، عنِ النُّعمانِ بن بَشيرٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يَقْرأُ في العيدينِ والجُمُعةِ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وإذا اجتمَعَ عِيدانِ في يوم، قرأهُما فيهما. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن شُعبةَ، قال: أخبرني مَعْبَدُ (٢) بن خالدٍ، عن زيدٍ، وهُو ابنُ عُقبةَ، عن سَمُرةَ بن جُندُب، قال: كان النَّبيُّ ﵇ يَقْرأُ في الجُمُعةِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وبهذا الإسنادِ عن خالدٍ قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: أخْبَرني مُخوَّلٌ، قال: سمِعتُ مُسلِمًا البَطِينَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ
следующие страницы →