← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5613–5652 · переход к 5618.

стр. 5613

حديثٌ أوَّلُ لمالكٍ، عن ضَمْرةَ بن سعيدٍ مالكٌ (١)، عن ضَمْرةَ بن سَعيدٍ المازِنيِّ، عن عُبيدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُتبةَ بن مسعُودٍ، أنَّ الضَّحّاكَ بن قَيْسٍ سألَ النُّعمانَ بن بَشيرٍ: ماذا كان يَقْرأُ به (٢) رسُولُ اللَّه ﷺ يومَ الجُمُعةِ، على إثرِ سُورةِ الجُمُعةِ؟ قال: كان يقرأُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. هذا حديثٌ مُتَّصِلٌ صحيحٌ، وقال فيه ابنُ عُيينةَ: عن ضَمْرةَ بن سعيدٍ، عن عُبيدِ اللَّه: إنَّ الضَّحّاكَ بن قَيْسٍ كتبَ إلى النُّعمانِ بن بَشيرٍ: أخْبِرني بأيِّ شيءٍ كان النَّبيُّ ﵇ يَقْرأُ في الجُمُعةِ؟ فكتب إليهِ. ثمَّ ذكرَ الحديثَ. هكذا قال: كتَبَ الضَّحّاكُ، فكتبَ إليه النُّعمانُ، حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ. فذكَرَهُ. وليسَ مُخالِفًا لحديثِ مالكٍ؛ لأنَّ في حديثِ مالكٍ أنَّ الضَّحّاك سألَ، وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ سألهُ بالكِتابِ إليه. ورِوايةُ أبي أُوَيسٍ لهذا الحديثِ، كَرِوايةِ مالكٍ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 5614

زُهَيرٍ، قال (١): حدَّثنا ابنُ أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثني أبي، عن ضَمْرةَ بن سَعيدٍ المازِنيِّ النَّجّاريِّ (٢)، عن عُبيدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُتْبةَ بن مَسْعُودٍ، عنِ الضَّحّاكِ بن قَيْسٍ الفِهْريِّ، عنِ النُّعمانِ بن بَشيرٍ، قال: سألناهُ: ما كان النَّبيُّ ﷺ يَقْرأُ يومَ الجُمُعةِ، مع السُّورةِ التي ذُكِرَ فيها الجُمُعةُ؟ قال: كان يَقْرأُ فيها: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال أبو عُمر: لم يَقُلْ في هذا الحديثِ: بإثرِ سُور الجُمُعةِ، وقال: مع سُورةِ الجُمُعةِ. والمعنَى في ذلك سَواءٌ، والمُرادُ به الرَّكعةُ الثّانيةُ من الجُمُعةِ، وفي الرَّكعةِ الأُولى: سُورةَ الجُمُعةِ، وذلك كلُّهُ مع فاتِحةِ الكِتابِ، في ابتِداءِ كلِّ رَكْعةٍ، على ما سَتَراهُ مُمهَّدًا واضِحًا في بابِ العلاءِ إن شاءَ اللَّه. واختَلَفَ الفُقهاءُ فيما يُقْرَأُ به في صلاةِ الجُمُعةِ. فقال مالكٌ: أحَبُّ إليَّ أن يقرأَ الإمامُ في الجُمُعةِ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ مع سُورةِ الجُمُعةِ (٣)، وقال مرّةً أُخرى: أمّا الذي جاءَ به الحديثُ، فـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ مع سُورةِ الجُمُعةِ، والذي أدركتُ عليه النّاسَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٤). قال أبو عُمر: تَحْصيلُ مَذْهبِ مالكٍ: أنَّ كِلْتا السُّورَتينِ قِراءَتُهُما حَسَنةٌ مُسْتحبّةٌ، مع سُورةِ الجُمُعةِ، في الرَّكْعةِ الثّانيةِ، وأمّا الأُولى فسُورةُ الجُمُعةِ، ولا يَنْبغي للإمام عندَهُ أن يترُكَ سُورةَ الجُمُعةِ، ولا سُورةَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في الثّانيةِ، فإن فعلَ وقَرَأ بغيرِهِما، فقد أساءَ

стр. 5615

وبئسَ ما صنَعَ، ولا تَفسُدُ -بذلك- عليه صَلاتُهُ إذا قَرأ بأُمِّ القُرآنِ وسُورةٍ معَها في كلِّ رَكْعةٍ منْها. وقال الشّافِعيُّ (١)، وأبو ثَوْرٍ: يَقْرأُ في الرَّكعةِ الأُولى من صَلاةِ الجُمُعةِ بسُورةِ الجُمُعةِ، وفي الثّانيةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. ويَستحِبُّ مالكٌ والشّافِعيُّ وأبو ثورٍ وداودُ بن عليٍّ: ألا يَتْرُكَ سُورةَ الجُمُعةِ على حالٍ (٢). وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ؛ ما قَرَأ به الإمامُ في صَلاةِ الجُمُعةِ فحَسنٌ، وسُورةُ الجُمُعةِ وغيرُها في ذلك سَواءٌ، ويكرهُونَ أن يُؤَقَّتَ في ذلك شيءٌ من القُرآنِ بعينِهِ. وقال الثَّوريُّ: لا يتعمَّدُ أن يَقْرأَ في الجُمُعةِ بالسُّورِ التي جاءَت في الأحاديثِ، ولكِنَّهُ يَتَعمَّدُها أحيانًا، ويَدَعُها أحيانًا. قال أبو عُمر: رَوَى ابنُ عبّاسٍ وأبو هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كان يَقْرأُ يومَ الجُمُعةِ، وفي العيدِ أيضًا، بسُورةِ الجُمُعةِ، و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. فأمّا حديثُ ابنِ عبّاسٍ، فرواهُ الثَّوريُّ (٣)، وشُعبةُ (٤)، عن مُخوَّلِ (٥) بن راشِدٍ، عن مُسلِم البَطينِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وأمّا حديثُ أبي هريرةَ، فرَواهُ جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عُبيدِ اللَّه بن

стр. 5616

أبي (١) رافِع، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وفيه: أنَّ أبا هريرةَ وعليَّ بن أبي طالِب كانا يَفْعلانِ ذلك (٢). واختُلِفَ عنِ النُّعمانِ بن بَشيرٍ في حديثِهِ في هذا البابِ، ففي حديثِ مالكٍ عن ضَمْرةَ ما ذكَرْنا. وروى حبيبُ بن سالم، عنِ النُّعمانِ بن بَشيرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﵇ كان يَقْرأُ في العيدينِ والجُمُعةِ (٣): بـ (٤) ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٥). وهكذا رَوَى سَمُرةُ بن جُندُبٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أَنَّهُ كان يَقْرأُ في صلاةِ الجُمُعةِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٦): حدَّثنا جَريرُ بن عبدِ الحَميدِ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن المُنْتشِرِ، عن أبيه، عن حَبيبِ بن سالم، عنِ النُّعمانِ بن بَشيرٍ. قال أبو بكر (٧): وحدَّثنا وكيعٌ، عن سُفيانَ ومِسْعَرٍ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن

стр. 5617

المُنْتشِرِ، عن أبيه، عن حَبيبِ بن سالم، عنِ النُّعمانِ بن بَشيرٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يَقْرأُ في العيدينِ والجُمُعةِ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وإذا اجتمَعَ عِيدانِ في يوم، قرأهُما فيهما. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن شُعبةَ، قال: أخبرني مَعْبَدُ (٢) بن خالدٍ، عن زيدٍ، وهُو ابنُ عُقبةَ، عن سَمُرةَ بن جُندُب، قال: كان النَّبيُّ ﵇ يَقْرأُ في الجُمُعةِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وبهذا الإسنادِ عن خالدٍ قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: أخْبَرني مُخوَّلٌ، قال: سمِعتُ مُسلِمًا البَطِينَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ

стр. 5618

كان يَقْرأ يومَ الجُمُعةِ في صلاةِ الصُّبح: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة]، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. وفي صلاةِ الجُمُعةِ بسُورةِ الجُمُعةِ، والمُنافِقينَ (١). وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلالٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عنِ ابنِ (٣) أبي رافِع، قال: صلَّى بنا أبو هريرةَ الجُمُعةَ، فقرأ بسُورةِ الجُمُعةِ، وفي الرَّكْعةِ الآخِرةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قال: فأدركَتُ أبا هريرةَ حينَ انصرَفَ، فقلتُ لهُ: إنَّكَ قرأتَ بسُورتَينِ كان عليٌّ يَقْرأُ بهما في الكُوفةِ، قال أبو هريرةَ: فإنِّي سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يَقْرأُ بهما يومَ الجُمُعةِ. ويحتمِلُ أن يكونَ سُؤالُ الضَّحّاكِ بن قَيْسٍ للنُّعمانِ، على سَبيلِ التَّقريرِ، ويحتَملُ أن يكونَ على سبيلِ الاستِفهام والاسْتِخبارِ عمّا جهِلَ من ذلك، والنُّعمانُ أصغرُ سِنًّا من الضَّحّاكِ، ولم يَزَلِ الصَّحابةُ يأخُذُ بعضُهُم عن بعضٍ ﵃ أجمعينَ (٤).

стр. 5619

حديثٌ ثانٍ لضَمْرةَ بن سَعيدٍ مالكٌ (١)، عن ضَمْرةَ بن سعيدٍ المازِنيِّ، عن عُبيدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُتبةَ بن مسعُودٍ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ سألَ أبا واقدٍ اللِّيثيَّ: ما كان يَقْرأُ به رسُولُ اللَّه ﷺ في الأضْحَى والفِطرِ؟ قال: كان يقرأُ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. يحتمِلُ سُؤالُ عُمرَ ﵀، معَ جَلالتِهِ، لأبي واقِدٍ، عن قِراءةِ رسُولِ اللَّه ﷺ في العيدَينِ، ليعلمَ إن كان عِندهُ من ذلك عِلمٌ، وإلّا أنبأهُ به. ويحتمِل أن يكونَ على مَذْهبِ من قال: إنَّ القِراءةَ في العيدينِ تكونُ سِرًّا. وهُو قولٌ شاذٌّ. رُوي عن عليٍّ ﵁، أَنَّهُ قال: من السُّنّةِ أن (٢) يُسمِعَ الإمامُ قِراءَتهُ من يَليهِ، ولا يرفعُ صَوْتهُ (٣). ويحتَمِلُ أن يكونَ عُمرُ نَسي ذلك، أو أرادَ عامًا بعينِهِ، واللَّهُ أعلمُ بما كان من ذلك، وموضِعُ عُمرَ من رسُولِ اللَّه ﷺ معرُوفٌ، وأنَّهُ كان من أُولي الأحْلام والنُّهَى الذينَ كانوا يَلُونهُ، واللَّه أعلمُ. وهذا الحديثُ رواهُ ابنُ عُيَينةَ، قال: حدَّثني ضَمْرةُ بن سعيدٍ، عن عُبَيدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه، قال: خرجَ عُمرُ يومَ عيدٍ، فسألَ أبا واقدٍ اللِّيثيَّ: بأيِّ شيءٍ كان النَّبيُّ ﷺ يَقْرأُ في هذا اليومِ؟ فقال: بـ ﴿ق﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ (٤).

стр. 5620

وقد زعمَ بعضُ أهلِ العِلم بالحديثِ، أنَّ هذا الحديثَ مُنْقطِعٌ؛ لأنَّ عُبيدَ (١) اللَّه لم يلقَ عُمرَ. وقال غيرُهُ: هُو مُتَّصِلٌ مُسْندٌ، ولقاءُ عُبَيدِ اللَّه لأبي واقِدٍ اللِّيثيِّ غير مدفُوع، وقد سمِعَ عُبيدُ اللَّه من جماعةٍ من الصَّحابةِ، ولم يذكُر أبو داودَ في بابِ ما يُقْرأُ به في العيدينِ إلّا هذا الحديثَ (٢). وهذا يدُلُّ على أَنَّهُ عندَهُ مُتَّصِلٌ صحيحٌ. واختلَفتِ الآثارُ أيضًا في هذا البابِ، وكذلك اختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا فيه (٣). فقال مالكٌ: يقرأُ في صَلاةِ العيدينِ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ونحوهما. وقال الشّافِعيُّ بحديثِ أبي واقدٍ اللِّيثيِّ هذا في ﴿ق﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. وقال أبو حنيفةَ: يقرأُ فيهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وما قرأ من شيءٍ أجزأهُ. وقال أبو ثورٍ: يقرأُ في العيدينِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.

стр. 5621

وقد رُوي عن عُمر بن الخطّابِ مِثلُ ذلك (١). وعن ابنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كان يَقرأُ فيهما بأُمِّ القُرآنِ، وسُورةٍ من المُفصَّلِ (٢). وكان أبانُ بن عُثمانَ يَقْرأُ فيهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٣). وليسَ في هذا البابِ أثَر مرفُوعٌ، إلّا حديثُ أبي واقدٍ اللِّيثيِّ، المذكُورُ في هذا الباب، وحَدِيثُ سَمُرةَ بن جُندُب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَقْرأُ في العيدينِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وحديثُ حَبِيبِ بن سالم، عنِ النُّعمانِ بن بَشيرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلُهُ. وقد ذكَرْناهُما جميعًا في البابِ الذي قبلَ هذا. وقد حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسرّةَ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا هشامٌ، عنِ ابنِ جُرَيج، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَطاءٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَقْرأُ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثّانيةِ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٤). وهذا أولَى ما قيلَ به في هذا البابِ، من طريقِ الاسْتِحبابِ، وفي اختِلافِ الآثارِ في هذا البابِ دليلٌ على أنْ لا توقيتَ فيه، واللَّهُ أعلمُ، وما قَرأ به الإمامُ في صلاةِ العيدينِ أجْزأهُ، إذا قَرأ فاتِحةَ الكِتابِ.

стр. 5622

مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ وهُو عبدُ اللَّه (١) بن دينارٍ، مولى عبدِ اللَّه بن عُمرَ بن الخطّابِ، يُكْنَى أبا (٢) عبد الرحمنِ، وكان ثِقةً. رَوَى عنهُ جماعةٌ من الأئمّةِ، منهُم: مالكٌ، وشُعبةُ، والثَّوريُّ، وابنُ عُيينةَ، وغيرُهُم. سكنَ المدينةَ، وتُوفِّي بها سنةَ سبع وعِشرينَ ومئةٍ. هكذا ذكرَ الواقِديُّ. وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن أُسامةَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي السَّمح، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا هارُونُ بن سعيدٍ الأيليُّ، قال: حدَّثنا خالدُ بن نِزارٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، قال: مات عبدُ اللَّه بن دينارٍ، وابنُ أبي نجيح سنةَ إحْدَى وثلاثينَ ومئةٍ. لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" من حديثِ النَّبيِّ ﷺ ستّةٌ وعِشرُونَ حديثًا، منها عن عبد اللَّه بن عمر اثنان وعشرونَ حديثًا (٣)، وعن سُليمانَ بن يَسارٍ حديثانِ، وعن أبي صالح حَدِيثانِ.

стр. 5623

حديثٌ أوَّلُ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمر مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ نَهَى عن بَيْع الوَلاءِ، وعن هِبَتِهِ. هكذا رَوَى هذا الحديثَ، عن مالكٍ جَماعةُ الرُّواةِ، فيما عَلِمتُ (٢)، وكذلك هُو في "المُوطَّأ" إلّا أنَّ محمدَ بن سليمانَ رواهُ عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عن عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قال: "الوَلاءُ لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ" (٣). ولم يُتابِعْهُ أحدٌ على ذلك. وقد رَوَى هذا الحديث: شُعبةُ (٤)، والثَّوريُّ (٥)، وعبدُ العَزيزِ بن أبي سلَمةَ (٦)،

стр. 5624

وجماعةٌ يطُولُ ذِكرُهُم من الأئمّةِ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، لم يَذْكُرُوا عُمرَ. ورَوَى هذا الحديثَ ابنُ الماجِشُون، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. وذلك خطأٌ لم يُتابَع ابنُ الماجِشُون عليه، والصَّوابُ فيه: مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، لا عن نافع، واللَّه أعلمُ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن زكريّا، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا أبو مَرْوان عبدُ الملِكِ بن عبدِ العزيزِ الماجِشُون، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عن بَيعْ الولاءِ، وعن هِبَتِهِ. واختِلافُهُم في بَيع ولاءِ المُكاتَبِ وهِبَتِهِ، واشْتِراطِ المُكاتَبِ لولاءِ نَفسِهِ، بابٌ آخر. رَوَى قَتادةُ، عنِ ابنِ المُسيِّبِ: أنَّهُ كان لا يَرى بأسًا ببَيع الوَلاءِ إذا كان من المُكاتَبةِ، ويَكْرهُهُ إذا كان من عِتْقٍ (١). وسُفيانُ وحمّادٌ، عن عَمرِو بن دينارٍ، قال: وَهَبتْ ميمُونةُ زوجُ النَّبيِّ ﷺ ولاءَ سُليمانَ بن يَسارٍ لابنِ عبّاسٍ، وكان مُكاتَبًا (٢). ومَعمرٌ، عن قَتادةَ، قال: لا يُباعُ الولاءُ، إلّا رجُلٌ كُوتِبَ، فإنِ اشترطَ في كِتابتِهِ أن أُواليَ من شِئتُ، فهُو جائزٌ (٣). ومَعْمرٌ، عن قَتادةَ، عنِ ابنِ المُسيِّبِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ برَجُلٍ يُكاتِبُ عبدًا، فقال لهُ النَّبيُّ ﷺ : "اشْتَرِط ولاءَهُ".

стр. 5625

قال: وكان قَتادةُ يقولُ: من لم يَشْترِط ولاءَ مُكاتبِهِ، والى المُكاتَبُ من شاءَ حينَ يعتقُ (١). وقال مكحُولٌ: لا يُباعُ الولاءُ، إلّا أنَّ المُكاتَبَ إذا اشترطَ ولاءَهُ مع رَقَبتِهِ، جازَ. وعن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ مِثلُهُ. وقال ابنُ جُرَيج: كان عَطاءٌ يُجيزُ هِبةَ الوَلاءِ، ثُمَّ رجعَ عنهُ فقال: لا يُباعُ الوَلاءُ ولا يُوهَبُ، إلّا أنَّ من أذِنَ لمولاهُ أن يتولَّى من شاءَ، جازَ ذلك، لقولِهِ ﷺ : "من تَولَّى قومًا بغيرِ إذْنِ مَواليهِ" (٢). قلتُ لعطاءٍ: رجُلٌ كاتَبَ عبدَهُ، ولم يَشْترِط سيِّدُهُ أنَّ ولاءَكَ لي، لمن ولاؤُهُ؟ قال: لسيِّدِهِ. وقالهُ عمرُو بن دينارٍ. وقال مالكٌ والشّافِعيُّ وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُم: ولاءُ المُكاتَبِ لسيِّدِهِ، ليسَ لهُ أن يَشْترِطَهُ لنفسِهِ، ولا أن يُواليَ غيرَهُ، إذا أدَّى الكِتابةَ إليه، أو إلى وَرَثتِهِ من بَعدِهِ (٣). وهذا الحديثُ إنَّما انفردَ به عبدُ اللَّه بن دينارٍ، واحتاجَ النّاسُ فيه إليه، وهُو حديثٌ عليه العملُ عندَ أكثرِ العُلماءِ من الصَّحابةِ والتّابِعينَ، ومن بعدَهُم من الخالِفينَ. وقد رُوي عن عُثمان بن عفّانَ إجازةُ ذلك. ورُوي عنِ ابنِ عبّاس: إجازةُ هِبةِ الولاءِ. ولم يُجِزْ بَيْعهُ. وأنَّ عَمرَو بن حَزْم وهبَ ولاءَ مولًى لهُ، لابنِهِ محمدٍ، دُونَ عبدِ الرَّحمنِ.

стр. 5626

وأنَّ أبا بكر بنَ محمدِ بن عَمرِو بن حزم قَضَى بجوازِ هِبةِ الولاءِ. وذكَرَ حمّادُ بن سلَمةَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه: أنَّهُ اشْتَرى ولاءَ طَهْمانَ وبَنيهِ لبني مُصْعبِ بن الزُّبيرِ. وذكَرَ حمّادُ بن سَلَمةَ أيضًا، عن عَمرِو بن دينارٍ: أنَّ ميمُونةَ بنتَ الحارثِ وهبَتْ ولاءَ مَواليها للعبّاسِ، فولاؤُهُم لهمُ اليومَ. وقد رُوي عن ميمُونةَ: أنَّها وَهبَتْ ولاءَ سُليمانَ بن يَسارٍ مَوْلاها لعبدِ اللَّه بن عبّاسٍ. وقد رَوَى أبو نُعيم الفَضْلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا قَيْسٌ، عن لَيْثٍ، عن عَطاءِ بن السّائبِ: أنَّ عَلْقمةَ، والأسودَ، وابنَ (١) نُضَيلةَ، وابنَ مَعقِلٍ، رخَّصُوا لسالم بن أبي الجَعدِ أن يبيعَ ولاءَ مولًى لهُ بعَشَرةِ آلافٍ، يَسْتعينُ بها على عِبادتِهِ (٢). وهذا عندَ أهلِ العِلم غيرُ مأخُوذٌ به، والذي عليه جماعةُ العُلماءِ: أنَّ الولاءَ كالنَّسبِ، لا يُباعُ ولا يُوهَبُ. وقد جاءَ عنِ ابنِ عبّاسٍ في ذلك ما يرُدُّ قِصّةَ ميمُونةَ؛ ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن الثَّوريِّ، عن عبدِ الملِكِ بن أبي سُليمان، عن عطاءٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: الولاءُ لمن أعتق، لا يجُوزُ بيعُهُ ولا هِبتُهُ. وعن الثَّوريِّ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: سُئلَ عبدُ اللَّه بن مسعُودٍ عن بيع الولاءِ. قال: أَيَبيعُ أحدُكُم نَسبَهُ (٤)؟ وهذا عنِ ابنِ مسعُودٍ يرُدُّ ما رُوي عن عَلْقمةَ والأسْوَدِ.

стр. 5627

وذكر عبدُ الرَّزّاقِ أيضًا (١)، عنِ ابنِ عُيينةَ، عن مِسْعَرٍ، عن عبدِ اللَّه بن رَباح، عن عبدِ اللَّه بن مَعقِلٍ، عن عليٍّ ﵁، قال: الوَلاءُ شُعبةٌ من النَّسبِ، من أحرَزَ الولاءَ، أحرَزَ الميراثَ. وعن مَعْمرٍ، عنِ ابنِ أبي (٢) نَجيح، عن مُجاهِدٍ، عن عليٍّ، قال: لا يُباعُ الولاءُ ولا يُوهَبُ (٣). وعن ابنِ جُرَيج، قال: أخبَرني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابرَ بن عبدِ اللَّه يَكْرهُ بيعَ الوَلاءِ وهِبتَهُ (٤). قال ابنُ جُرَيج: وسمِعتُ عطاءً يقولُ: كان ابنُ عبّاسٍ يُنكِرُ بيعَ الوَلاءِ (٥). وعن ابنِ جُرَيج، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يُنكِرُ بيعَ الوَلاءِ، ويكرهُهُ كَراهيةً شديدةً، وأن يُواليَ أحَدٌ غيرَ مَواليهِ، وأن يَهبَهُ (٦). وعن الثَّوريِّ، عن داودَ، عنِ ابنِ المُسيِّبِ، قال: الوَلاءُ لُحمةٌ كالنَّسبِ، لا يُباعُ ولا يُوهَبُ (٧). وقد مَضَى القولُ في كثيرٍ من مَسائلِ الوَلاءِ، في بابِ رَبِيعةَ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ شيءٍ من ذلك هاهُنا. وفي نَهْيِ رسُولِ اللَّه ﷺ عن الغَرَرِ (٨) ما يَشْهدُ لصِحّةِ ما ذهَبَ إليه

стр. 5628

الفُقهاءُ في هذا البابِ. وأنَّ من خالَفهُ محجُوجٌ؛ لأنَّ (١) الحُجّةَ به قائمةٌ، لأَنَّهُ لم يُروَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ما يُخالِفُهُ، فثَبَتتِ الحُجّةُ به. ورَوَى ابنُ جُرَيج، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع: أنَّ ابنَ عُمرَ كان يُنكِرُ أن يَتَولَّى أحدٌ غيرَ مَوْلاهُ، وأن يهَبَ ولاءَهُ (٢). ورَوَى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ أَنَّهُ قال: لا يجُوزُ لسيِّدٍ أن يأذَنَ لمولاهُ أن يُواليَ من شاءَ، لأنَّها هِبةُ الوَلاءِ، وقد نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عن بَيْع الولاءِ، وعن هِبَتِهِ (٣). وقد رخَّصَتْ طائفةٌ من العُلماءِ، أن يتولَّى المُعتَقُ من شاءَ، إذا أذِنَ لهُ سيِّدُهُ، فمِنهُم: إبراهيمُ النَّخَعيُّ، وعَطاءٌ، وعَمرُو بن دينارٍ. واحتجَّ من ذهَبَ هذا المذهبَ، بحديثِ ابنِ جُريج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: حكَمَ رسُولُ اللَّه ﷺ أنَّهُ لا يحِلُّ أن يُتَولّى مولى رجُلٍ مُسلِم بغيرِ إذنِهِ (٤). ومِمَّن قال: لا يجُوزُ بيعُ الولاءِ، ولا هِبتُهُ، من كِتابةٍ ولا غيرِها: جابرٌ، وابنُ عبّاسٍ، وابنُ عُمرَ، وطاوُوسٌ، والحَسنُ، وابنُ سيرينَ، وسُويدُ بن غَفَلةَ، والشَّعبيُّ (٥)، ومالكٌ، والشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، وأحمدُ، وداود (٦).

стр. 5629

حديثٌ ثانٍ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "منِ ابتاعَ طعامًا، فلا يَبِعْهُ حتّى يَقْبِضَهُ". ظاهِرُ هذا الحديثِ يُوجِبُ التَّسويةَ بين ما بيعَ من الطَّعام جُزافًا، وبينَ ما بيعَ منهُ كَيْلًا، أن لا يُباعَ شيءٌ من ذلك كلِّهِ حتّى يُقبَضَ؛ لأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لم يخُصَّ في هذا الحديثِ طعامًا من طعام، ولا حالًا من حالٍ، ولا نوعًا من نوع. وفي ظاهِرِ هذا الحديثِ أيضًا، ما يدُلُّ على أنَّ ما عدا الطَّعامَ لا بأسَ ببيعِهِ قبلَ قَبْضِهِ؛ لأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ خصَّ الطَّعام بالذِّكرِ دُون غيرِهِ. وهذانِ مَوْضِعانِ تنازَعَ فيهما العُلماءُ قديمًا وحديثًا، وقد ذكَرْنا ما لهم في ذلك من الأقوالِ والاعتِلالِ، في بابِ نافع، من هذا الكِتابِ، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا. وأمّا الطَّعامُ الذي لا يُباعُ قبلَ القَبْضِ عندَ مالكٍ وأصحابِه: فقال مالكٌ، فيما ذكَرَ ابنُ وَهْبٍ وغيرُهُ عنهُ: لا يجُوزُ بيعُ ما يُؤكلُ أو يُشرَبُ قبلَ القَبْضِ، لا من البائع، ولا من غيرِهِ، سواءٌ كان بعينِهِ، أو بغيرِ عينِهِ (٢). وقال ابنُ القاسم، عن مالكٍ مثلَ ذلك، إلّا أَنَّهُ اسْتَثنى الماءَ، فقال: الماءُ وحدَهُ يجُوزُ بيعُه قبلَ القَبْضِ (٣). وقال ابنُ القاسم: قال مالكٌ: لا تبِع المِلحَ، والكُسبرَ، والشُّونيزَ، والتَّوابِلَ، حتّى تَسْتوفيَها (٤).

стр. 5630

قال: وأمّا زِرِّيعةُ الجَزرِ، وزِرِّيعةُ السِّلقِ، والكُرّاثِ، والجِرجيرِ، والبَصلِ، وما أشْبَههُ، فلا بأسَ أن تبيعَهُ قبلَ أن تَسْتَوفيَهُ؛ لأنَّ هذا ليسَ بطعام، ويجُوزُ فيه التَّفاضُلُ، وليسَ كزِرِّيعةِ الفُجلِ، الذي منهُ الزَّيتُ، هذا طعامٌ؛ لأنَّ الزَّيت فيه (١). قال: وقال مالكٌ: الطَّعامُ كلُّهُ لا يجُوزُ بيعُهُ قبلَ القَبْضِ، إذا اشْتُري كيلًا، فإنِ اشتُري جُزافًا جازَ (٢). ولا خِلافَ عن مالكٍ وأصحابِهِ في غيرِ المأكُولِ والمشرُوبِ، ونَحْوِ الثِّيابِ وسائرِ العُرُوضِ، العَقارِ وغيرِه، أنَّهُ يجُوزُ بَيْعُها قبلَ قَبْضِها، مِمَّنِ اشترَى منهُ ومن غيرِهِ، وكذلك إذا أسلفَ فيها، يجُوزُ بيعُها من الذي هي عليه، ومن غيرِهِ، إلّا أَنَّهُ إذا باعَها مِمَّن هي عليه في السَّلم، لم يَبِعْها إلّا بمِثلِ رأسِ المالِ، أو بأقلَّ، لا يُزادُ على رأسِ مالِهِ، ولا يُؤَخِّرُهُ، وإن باعَهُ منهُ بعَرْضٍ، جازَ قبلَ الأجَلِ وبَعدهُ، إذا قبَضَ العَرْضَ ولم يُؤَخِّرهُ، وكان العَرْضُ مُخالِفًا لها بيِّنًا خِلافُهُ. هذا كلُّهُ أصلُ قولِ مالكٍ في هذا الباب وجُملتُهُ. وأمّا فُرُوعُ هذا البابِ، ونَوازِلُهُ، فكَثِيرةٌ جِدًّا، على مَذْهبِ مالكٍ وأصحابِهِ، ولهم في ذلك كُتُبٌ مَعرُوفةٌ، قد أكْثرُوا فيها من التَّنزيلِ والتَّفريع على المذهبِ، فمَنْ أرادَ ذلك تأمَّلها هُنالِك. ولا خِلافَ عن مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّ الطَّعامَ كلَّهُ، المأكُولَ والمشرُوب، غيرَ الماءِ وحدَهُ، لا يجُوزُ بيعُ شيءٍ منهُ قبلَ قَبْضِهِ، إذا بيعَ على الكَيْلِ أوِ الوَزنِ، لا من البائع لهُ، ولا من غَيرِهِ، لا من سَلْم ولا من بَيعْ مُعايَنةٍ، لا بأكثرَ من الثَّمنِ ولا بأقلَّ (٣).

стр. 5631

وجائزٌ عِندهُمُ الإقالةُ في الطَّعام قبلَ أن يُسْتوفَى بمِثلِ رأسِ المالِ سواءً، وكذلك الشَّرِكةُ عندَهُم، والتَّوليةُ فيه. وقد قال بهذا القولِ طائفةٌ من أهلِ المدينةِ. وقال سائرُ الفُقهاءِ وأهلُ الحديثِ: لا يجُوزُ بيعُ شيءٍ من الطَّعام قبلَ أن يُسْتَوفى، ولا تجُوزُ فيه الإقالةُ، ولا الشَّرِكةُ، ولا التَّوليةُ عِندهُم، قبلَ أن يُسْتَوفى، بوجهٍ من الوُجُوهِ. والإقالةُ والشَّرِكةُ والتَّوليةُ عندَهُم بيعٌ، وقد جعلَ بعضهُمُ الإقالةَ فسخَ بيع، ولم يجعَلْها بيعًا، وأبى ذلك بعضُهُم. ولم يختلِفْ فُقهاءُ الأمْصارِ، غيرَ مالكٍ وأصحابِهِ، في أنَّ الشَّرِكةَ والتَّوليةَ في الطَّعام لا تجوزُ قبلَ أن يُسْتَوفى، لنهي (١) رسولِ اللَّه ﷺ عن بَيْعِ الطعام قبل أن يستوفى. وقد مَضَى ما للعُلماءِ في معنى هذا الحديثِ من التَّنازُع والمعاني، في بابِ نافع، عنِ ابنِ عُمر من هذا الكِتابِ. وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في الإقالةِ جُملةً، هل هي فسْخُ بيع، أو بيعٌ (٢)؟ فقال مالكٌ: الإقالةُ بيعٌ من البُيُوع، يُحِلُّها ما يُحِلُّ البُيُوعَ، ويُحرِّمُها ما يُحرِّمُ البُيُوعَ. وهذا عندَهُ إذا كان في الإقالةِ زيادةٌ، أو نُقْصانٌ، أو نَظِرةٌ (٣)، فإذا كان ذلك، فهي بيعٌ في الطَّعام وغَيْرِهِ، ولا تجُوزُ في الطَّعام قبلَ أن يُسْتَوفى، إذا كان

стр. 5632

قد بيعَ على الكَيْلِ، فإن لم يكُن في الإقالةِ زيادةٌ ولا نُقصانٌ، فهي عندَهُ جائزةٌ في الطَّعام قبلَ أن يُسْتَوفى، وفي غيرِ الطَّعام، وفي كلِّ شيءٍ. وكذلك التَّوليةُ والشَّرِكةُ، على ما قدَّمنا. وقال الشّافِعيُّ: لا خيرَ في الإقالةِ على زيادةٍ أو نُقصانٍ، بعدَ (١) القَبْضِ؛ لأنَّ الإقالةَ فسْخُ بيع. وقال الشّافِعيُّ أيضًا وأبو حنيفةَ: الإقالةُ قبلَ القَبْضِ وبعد القَبْضِ، فسْخٌ لا يَقَعُ إلّا بالثَّمنِ الأوَّلِ، سَواءٌ تَقايلًا بزيادةٍ أو نُقصانٍ، أو ثَمنٍ غيرِ الأوَّلِ. ورَوَى الحَسَنُ بن زيادٍ، عن أبي حَنِيفةَ، قال: الإقالةُ قبلَ القَبْضِ فسخٌ، وبعدَ القَبْضِ بمَنْزِلةِ البيع. قال: وقال أبو يُوسُفَ: إذا كانت بالثَّمَنِ الأوَّلِ، فهُو كما قال أبو حنيفةَ، وإن كانت بأكثرَ من الثَّمنِ، أو بأقلَّ، فهُو بيعٌ مُستقبَلٌ قبلَ القَبْضِ وبعدهُ. ورُوي عن أبي يُوسُف قال: هي بيعٌ مُسْتقبلٌ بعد القَبْضِ، وتجُوزُ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، وبثمَنٍ آخرَ. وقال ابنُ سَمَاعةَ، عن محمدِ بن الحسنِ، قال: إذا ذكَرَ ثمنًا أكثرَ من ثَمنِها، أو غيرَ ثَمنِها، فهي بيعٌ بما سَمَّى. ورَوَى أصحابُ زُفَر، عن زُفَر، قال: كان أبو حَنِيفةَ لا يَرَى الإقالةَ بمَنْزِلةِ البَيعْ في شيءٍ، إلّا في الإقالةِ بعد تسليم الشَّفيع (٢) الشُّفْعةَ، فيُوجِبُ الشُّفْعةَ بالإقالةِ. وقال زُفرُ: ليسَتْ في الإقالةِ شُفْعةٌ.

стр. 5633

وأمّا الإقالةُ في بعضِ السَّلَم، فجُملةُ قولِ مالكٍ: أنَّهُ لا يجُوزُ أن يُقيل من بعَضِ ما أسلمَ فيه، ويأخُذُ بعضَ رأسِ مالِهِ. وذكرَ ابنُ القاسم وغيرُهُ، عن مالكٍ، قال: إذا كان السَّلَمُ طعامًا، ورأسُ المالِ ثيابًا، جازَ أن يُقيلَهُ في بعضٍ، ويأخُذَ بعضًا، وإن كان السَّلَمُ ثيابًا موصُوفةً، ورأسُ المالِ دراهِمَ، لم تجُزِ الإقالةُ في بعضِها دُونَ بعضٍ؛ لأنَّهُ تَصْيرُ فِضّةً بفِضّةٍ وثيابٍ إلى أجَلٍ. وقال مالكٌ: إن أسلمَ ثيابًا في طَعام، جازَتِ الإقالةُ في بعضٍ، ويرُدُّ حِصَّتَهُ من الثِّيابِ، وإن حالَتْ أسواقُ الثِّيابِ، ولَيْست كالدَّراهِم، لأَنَّهُ يُنتَفَعُ بها، والثِّيابُ لم يُنتَفَعْ بها إذا رُدَّت، فلو أقال من البعضِ جازَ. وقال ابنُ أبي ليلى وأبو الزِّنادِ: لا يجُوزُ لمن سَلَّمَ في شيءٍ، أن يُقيلَ من بعضٍ، ويأخُذَ بعضًا. ولم يُفسِّرُوا هذا التَّفسيرَ، ولا خصُّوا شيئًا. وقال أبو حَنِيفةَ والثَّوريُّ والشّافِعيُّ وأصحابُهُم: جائزٌ أن يُقيلَ في بعضٍ، ويأخُذَ بعضًا، في السَّلم وغيرِهِ، على كلِّ حالٍ. وروى الثَّوريُّ، عن سَلَمةَ بن موسى وعبدِ الأعلى، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، في الرَّجُلِ يأخُذُ بعضَ سلَمِهِ وبعضَ رأسِ مالِهِ، قال: ذلك المعرُوفُ (١). والثَّوريُّ، عن جابرٍ الجُعفيُّ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أَنَّهُ لم يكُن يَرى بذلك بأسًا (٢). ورَوَى ابنُ المُباركِ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال:

стр. 5634

من سلَّم في شيءٍ، فلا يأخُذْ بعضَهُ سَلَفًا، وبعضهُ عينًا، ليأخُذْ سِلعَتهُ كلَّها، أو رأسَ مالِهِ، أو يُنظِرْهُ (١). ورَوَى أشْعَثُ بن سَوّارٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، قال: إذا أسلَفتَ (٢) في شيءٍ، فخُذِ الذي أسلَفتَ فيه، أو رأسَ مالك (٣). واختَلفُوا في الإقالةِ في السَّلَم من أحَدِ الشَّريكينِ (٤). فقال مالكٌ: إذا أسلمَ رجُلانِ إلى رجُلٍ، ثُمَّ أقالهُ أحَدُهُما، جازَ في نصيبِهِ. وهُو قولُ أبي يُوسُف والشّافِعيِّ. وقال أبو حَنِيفةَ: إذا أسلمَ رَجُلانِ إلى رجُلٍ، ثُمَّ أقالهُ أحدُهُما، لم يجُز إلّا أن يُجيزَها الآخرُ. وهُو قولُ الأوزاعيِّ. وقال مالكٌ: لا يجُوزُ بيعُ السَّلَم قبلَ القَبْضِ، وتجُوزُ فيه الشَّرِكةُ والتَّوليةُ، وكذلك الطَّعامُ، لأنَّ هذا معرُوفٌ، وليس ببيع. وقال أبو حنيفةَ: لا تجُوزُ التَّوليةُ والشَّرِكةُ في السَّلم، ولا في الطَّعام قبلَ القبضِ. وهُو قولُ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، واللَّيثِ، والشّافِعيِّ. وحُجَّتُهُم: أنَّ الشَّرِكةَ والتَّوليةَ بيعٌ، وقد نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عن بَيْع ما ليسَ عندَكَ، ورِبْحِ ما لم يُضمَنْ (٥)، وعن بَيْع الطَّعام حتّى يُقبَضْ (٦).

стр. 5635

ومِن حُجّةِ مالكٍ في إجازةِ ذلك: أنَّ الشَّرِكةَ والتَّوليةَ عندَهُ فِعلُ خيرٍ ومعرُوفٍ، وقد ندَبَ اللَّهُ ورسُولُهُ إلى فِعلِ الخيرِ، والتَّعاوُنِ على البِرِّ، وقال ﷺ : "كلُّ معرُوفٍ صَدَقةٌ" (١). وقد لزِمَ الشَّرِكةَ والتَّوليةَ عندَهُ اسمٌ غيرُ اسم البيع، فلِذلك جازا في الطَّعام قبلَ القَبْضِ، وقد أجازَ الجميعُ الإقالةَ برأسِ المالِ قبلَ القَبْضِ، فالشَّرِكةُ والتَّوليةُ كذلك. وقال الشّافِعيُّ: وإذا (٢) نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عن بيع الطَّعام حتّى يُقبَضْ لأنَّ ضمانَهُ من البائع ولم يتكامَلْ للمُشتري فيه تمامُ مِلكٍ، فيجُوزُ لهُ البيعُ. قال: فلِذلك قِسْنا عليه بيعَ العُرُوضِ قبلَ أن تُقبَضَ، لأنَّهُ: بيعُ ما لم يُقبَضْ، ورِبحُ ما لم يُضمَنْ (٣). قال أبو عُمر: قد مَضَى في بيع الطَّعام قبلَ أن يُسْتَوفَى ما فيه كِفايةٌ، في بابِ نافع عنِ ابنِ عُمرَ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِهِ هاهُنا، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 5636

(١) حديثٌ ثالِثٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (٢)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ (٣)، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، قال: كنّا إذا بايَعْنا رسُولَ اللَّه ﷺ على السَّمع والطّاعةِ، يقولُ لنا: "فيما اسْتَطعتُمْ". ورَوَى مالكٌ (٤) أيضًا، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّهُ كتبَ إلى عبدِ الملِكِ بن مروان يُبايِعُهُ، فكتبَ إليهِ: بسم اللَّه الرَّحمنِ الرَّحيم، أمّا بَعْدُ، لعبدِ اللَّه عبدِ الملِكِ أميرِ المُؤمِنينَ، من عبدِ اللَّه بن عُمرَ، سَلامٌ عليكَ، فإنِّي أحمدُ إليكَ اللَّهَ الذي لا إله إلّا هُو، وأُقِرُّ لك بالسَّمع والطّاعةِ، على سُنّةِ اللَّه، وسُنّةِ رسُولهِ، فيما اسْتَطعتُ. ففي هذا الحديثِ دليلٌ على أخذِ البَيْعةِ للخُلفاءِ على الرَّعيّةِ، وكانتِ البَيْعةُ لرسُولِ اللَّه ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعُمرَ، والخُلفاءِ الرّاشِدينَ، أن يُصافِحهُ الذي يُبايِعُهُ، ويُعاقِدَهُ على السَّمع والطّاعةِ، في العُسرِ واليُسرِ، والمَنْشطِ والمَكْرهِ، وأن لا يُنازِعَ الأمرَ أهلهُ؛ رواهُ عُبادةُ، عنِ النَّبيِّ ﷺ وقال فيه: وأن نقُومَ، أو نقولَ، بالحقّ حيثُما كُنّا (٥)، لا نخافُ في اللَّه لَوْمةَ لائم (٦). وكان يقولُ لهم: "فيما اسْتَطعتُمْ"؛ لأنَّ اللَّهَ لا يُكلِّفُ نفسًا إلّا وُسعَها.

стр. 5637

وكان النَّبيُّ ﷺ لا يُصافِحُ النِّساءَ عندَ البَيْعةِ، وكان يُصافِحُ الرِّجالَ، وقد مَضَى هذا المعنى مُجوَّدًا، في بابِ محمدِ بن المُنكدِرِ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه. وأمّا الأيمانُ التي يأخُذُها الأُمَراءُ اليوم على النّاسِ، فشيءٌ مُحدَثٌ. وحَسْبُكَ بما في الآثارِ من أمرِ البَيْعةِ، حتّى كان رسُولُ اللَّه ﷺ يأخُذُ عليهم في البَيْعةِ أُمُورًا كثيرةً، منها: النُّصحُ لكلِّ مُسلِم. وقد ذكَرْنا ما يجِبُ على الرَّعيّةِ من نُصْح الأئمّةِ، في بابِ سُهَيلٍ من هذا الكِتابِ، عندَ قولِهِ ﷺ : "وأن تُناصِحُوا من ولَّاهُ اللَّهُ أمْرَكُم. . . " الحديثَ (١). ونذكُرُ هاهُنا أحاديثَ البَيْعةِ التي كان رسُولُ اللَّه ﷺ يأخُذُها على أصْحابِهِ، لتَقِفَ على أصلِ هذا البابِ، واللَّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا عَمرُو بن عَوْنٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن يُونُس، عن عَمرِو بن سعيدٍ، عن أبي زُرْعةَ بن عَمرِو بن جريرٍ (٣)، عن جريرٍ (٤)، قال: بايَعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ على السَّمع والطّاعةِ، وأن أنصَحَ لكلِّ مُسلِم. قال: فكان إذا باعَ الشَّيءَ، أوِ اشتراهُ، قال: أما إنَّ الذي أخَذْنا منكَ أحبُّ إلَينا مِمّا أعْطَيناكَ، فاخْتَر.

стр. 5638

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١): حدَّثنا يحيى بن مَعينٍ، قال: حدَّثنا غُندرٌ، عن شُعبةَ، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن أبي وائل، عن جَريرٍ، قال: بايَعتُ النَّبيَّ ﷺ على إقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والنُّصحِ لكلِّ مُسلِم، وفِراقِ المُشْرِكِ. حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٢): حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن منصُورٍ، عن أبي وائل، عن أبي نُخَيلةَ (٣) البَجَليِّ، قال: قال جَريرٌ: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ وهُو يُبايعُ النّاسَ، فقلتُ: يا رسُولَ اللَّه، ابسُطْ يدَكَ أُبايِعْكَ، واشترِطْ عليَّ، فأنتَ أعلمُ بالشَّرطِ، قال: "أُبايِعُكَ على أن تعبُدَ اللَّه، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتُناصِحَ المُسلِمَ، وتُفارِق المُشرِكَ". وسيأتي قولُهُ ﷺ : "الدِّينُ النَّصيحةُ" في بابِ سُهَيلٍ، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ اللَّه. وفي حديثِ جريرٍ المذكُورُ: "ابسُطْ يدَكَ أُبايِعْكَ"، وفيه بيانُ ما ذكَرْنا. ومِثلُهُ ما قَرَأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم أبو الأحْوَصِ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن عبدِ الرَّحمنِ

стр. 5639

الدِّمَشقيُّ أبو أيُّوب، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُرْوةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّه بن جَعْفرٍ وابنِ الزُّبيرِ: أنَّهُما بايَعا رسُولَ اللَّه ﷺ وهُما ابنا سَبْع سِنينَ، فلمّا رآهُما النَّبيُّ ﷺ تَبسَّمَ، وبسَطَ يدَهُ وبايَعهُما (١). وحدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ وأحمدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسرّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا عبدُ اللَّه بن إدريسَ، عن يحيى بن سَعيدٍ وعُبيدِ اللَّه بن عُمر، عن عُبادةَ بن الوَليدِ بن عُبادةَ، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: بايَعنا رسُولَ اللَّه ﷺ على السَّمع والطّاعةِ، في العُسرِ واليُسرِ، والمَنْشطِ والمَكْرهِ، وعلى أثَرةٍ علينا، وأن لا نُنازِعَ الأمرَ أهلهُ، وعلى أن نَقول بالحقِّ أينما كُنّا، لا نَخافُ في اللَّه لومةَ لائم. وقد روى هذا الحديثَ مالكٌ (٣)، عن يحيى بن سَعيدٍ، وسيأتي في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ اللَّه. حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا مَسْلَمةُ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن الحَسَنِ الأصْبَهانيُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن حَبيبٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالِسيُّ، قال (٤): حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عليِّ بن زَيْدٍ، عن أنَسٍ، قال: قَدِمتُ على عُمرَ بعدَ

стр. 5640

هَلاكِ أبي بكرٍ، فقلتُ: ارفَعْ يدَكَ أُبايِعْكَ على ما بايَعتُ عليه صاحِبَيكَ من قبلُ، أعني النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ، فبايَعتُهُ على السَّمع والطّاعةِ، فيما اسْتَطعتُ (١). وذكَرَ سُنَيدٌ، عن حَجّاج، عنِ ابنِ جُرَيج، عن مُجاهِدٍ في قولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] قال: نزلَتْ يومَ الحُدَيبيةِ. قال ابن (٢) جُريجٌ: بايَعُوهُ على الإسلام، ولم يُبايِعُوهُ على الموتِ. وذكر سُنيدٌ أيضًا، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ (٣)، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن الشَّعبيِّ (٤)، أنَّ أبا سِنانِ بن وَهْبٍ الأسَديَّ بايَعَ النَّبيَّ ﷺ يومَ الحُدَيبيةِ بَيْعةَ الرِّضوانِ، فقال لهُ: "علامَ تُبايِعُني؟ " قال أبو سِنانٍ: على ما في نفسِكَ (٥). قال إسماعيلُ: وكانوا بايَعُوهُ يَومئذٍ على أن لا يفِرُّوا. قال: وقال غيرُ هُشَيم، عن عاصِم الأحولِ، عنِ الشَّعبيِّ مِثلهُ (٦)، غيرَ أَنَّهُ قال: أبو سِنانِ بن محِصنٍ الأسديُّ. قال سُنَيدٌ: وحدَّثنا مُعتمِرُ بن سُليمان، عن كُلَيبِ بن وائلٍ، عن حَبيبِ بن أبي مُلَيكةَ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ عُثمانَ انطلَقَ في حاجةِ اللَّه وحاجةِ رَسُولِهِ، وأنا أُبايِعُهُ". فصفَّقَ بيَدِهِ على الأُخْرَى (٧).

стр. 5641

قال أبو عمر (١): في هذا أيضًا دليلٌ على أنَّ المُبايَعةَ من شأنِها المُصافَحةُ، ولم تختلِفِ الآثارُ في ذلك، وقد مَضَى في بابِ محمدِ بن المُنكدِرِ من هذا الكِتابِ، أنَّهُ كان ﷺ إذا بايَع النِّساءَ لم يُصافِحْهُنَّ (٢). قال سُنَيدٌ: وحدَّثنا حجّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، سَمِعهُ يقولُ: كُنّا بالحُديبيةِ أربعَ عشْرةَ مئةً، فبايَعناهُ وعُمرُ بن الخطّابِ آخِذٌ بيَدِهِ تحتَ الشَّجَرةِ، وهي سَمُرةٌ (٣)، قال: فبايَعْناهُ غيرَ الجِدِّ بن قَيْسٍ، اخْتَبأ (٤) تحتَ بَطْنِ بعيرِهِ. قيل لجابر: هل بايعَ النَّبيُّ ﷺ بذي الحُليفةِ؟ قال: لا، ولكنَّهُ صلَّى بها، ولم يُبايِع عندَ شَجَرةٍ، إلّا عندَ الشَّجرةِ التي عندَ الحُدَيبيةِ. قال أبو الزُّبيرِ: وسُئلَ جابرٌ: كيفَ بايَعُوا؟ قال: بايَعناهُ على ألّا نَفِرَّ، ولم نُبايِعهُ على الموتِ (٥). قال ابنُ جُرَيج: وأخبَرني أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: جاءَ عبدٌ لحاطِبِ بن

стр. 5642

أبي بَلْتعةَ، أحَدِ بني أسَدٍ، يَشْتكي سيِّدهُ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، ليَدْخُلنَّ حاطِبٌ النّار. فقال لهُ: "كَذَبت، لا يدخُلُها، إنَّهُ شهِدَ بدرًا والحُدَيبيةَ" (١). قال سُنَيدٌ: وحدَّثنا مُبشِّرٌ الحَلَبيُّ، عن جَعْفرِ بن بُرْقانَ، عن ثابتِ بن الحجّاج، عن ابن العُفَيفِ (٢)، قال: شهِدتُ أبا بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ يُبايعُ النّاس بعدَ نبيِّ اللَّه ﷺ ، فتَجْتمِعُ عِندهُ العِصابةُ، فيقولُ لهم: أتُبايِعُونَ على السَّمع والطّاعةِ للَّه ولكِتابِهِ، ثُمَّ للأميرِ؟ فيقولُون: نعَمْ. قال: فتَعلَّمتُ شَرْطَهُ هذا، وأنا كالمُحتلِم، أو فوقهُ، فلمّا خَلا مَن عندَهُ أتيتُهُ، فابتدأتُهُ فقلتُ: أُبايِعُكَ على السَّمع والطّاعةِ للَّه ولكِتابِهِ، ثُمَّ للأميرِ، فصعَّدَ فيَّ البصَرَ (٣) وصوَّبَ، ورأيتُهُ أعجَبهُ (٤). قال: وحدَّثنا مُعتَمِرُ بن سُليمانَ، عن عاصِم الأحْوَلِ، عن عُمرَ أو عَمرِو بن عطيّةَ (٥)، قال: أتَيتُ عُمر بن الخطّابِ وأنا غُلامٌ، فبايَعتُهُ على كِتابِ اللَّه، وسُنّةِ نبيِّهِ، هي لنا، وهي علينا، فضَحِكَ وبايَعني (٦). وذكَرَ (٧) ابنُ أبي شَيْبةَ، قال (٨): أخبَرَنا عبّادُ بن العوّام، عن أشعثَ بن سَوّارٍ،

стр. 5643

عن أبيه، قال: سمِعتُ موسى بن طَلْحةَ، قال: بعثَ فيَّ أميرُ المُؤمِنينَ عليٌّ وأنا في الأسارى، فانْطَلقتُ، فدخَلْتُ عليه فسلَّمتُ، فقال: أتُبايعُ وتدخُلُ فيما دخلَ فيه النّاسُ؟ قلتُ: نعم، قال: هكذا. ومدَّ يدَهُ فبَسَطها، قال: فبايَعتُهُ، ثُمَّ قال: ارجِعْ إلى أهلِكَ ومالك. قال: فلمّا رآني النّاسُ قد خَرَجتُ، جَعلُوا يدخُلُونَ فيُبايِعُونَ. وقد مَضَى في بابِ ابنِ المُنْكدِرِ كثيرٌ من أحاديثِ البَيْعةِ والمُصافَحةِ بها، عندَ ذِكرِ بَيْعةِ النِّساءِ (١)، والحمدُ للَّه. حدَّثنا أحمدُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا نُعَيمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، عنِ ابنِ عُيَينةَ، قال: أخبَرني الوليدُ بن كثيرٍ، عن وَهْبِ بن كَيْسانَ، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ اللَّه، يقولُ: لمّا قدِمَ مُسلِمُ بن عُقْبةَ المدينةَ، أتَتِ الأحياءُ يُبايِعُونهُ، فأتَى بنُو سَلِمةَ، ولم آتِ معهُم، فقال: لا أُبايِعُكُم حتّى يخرُجَ إليَّ جابرٌ. قال: فأتاني قومي، فناشَدُوني اللَّه، فقلتُ لهم: أنْظِرُوني، فأتَيتُ أُمَّ سلَمةَ، فاسْتَشرتُها في الخُرُوج إليه، فقالت: واللَّه إنِّي لأراها بَيْعةَ ضَلالةٍ، ولكِن قد أمَرتُ أخي عبدَ اللَّه بن أبي أُميّةَ أن يأتيهُ فيُبايِعَهُ. كأنَّها أرادَتْ أن تحقِنَ دَمَهُ. قال جابرٌ: فأتَيتُهُ فبايَعتُهُ. قال أبو عُمر: كذا قال: أخي عبدَ اللَّه بن أبي أُميّةَ. وصوابُهُ: ابنَ أخي عبدَ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن أبي أُميّةَ. ولم يُدرِك أخُوها الحَرّةَ، تُوفِّي قبلَ ذلك بكثيرٍ. وبه عنِ ابنِ المُباركِ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، قال: حدَّثنا سِماكُ بن حَرْبٍ، أنَّهُ سألهُ رَجُلٌ من الذينَ بايَعُوا المُختارَ الكذّاب، فقال: تخافُ علينا من بَيْعتِنا لهذا الرَّجُلِ؟ فقال: ما أُبالي أبايَعتُهُ، أو بايَعتُ هذا الحجَرَ، إنَّما البَيْعةُ في القَلْبِ، إن كُنتَ مُنكِرًا لما يقولُ، فليسَ عليكَ من بَيْعتِكَ بأسٌ (٢).

стр. 5644

حديثٌ رابعٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "إنَّ بلالًا يُنادي بليلٍ، فكُلُوا واشربُوا حتّى يُنادي ابنُ أُمِّ مَكْتُوم". في هذا الحديثِ الأذانُ للصُّبح قبلَ الفَجْرِ، وقد مَضَى القولُ في ذلك، وما فيه من التَّنازُع بينَ العُلماءِ، واختِلافِ الآثارِ في ذلك، في بابِ ابنِ شِهاب، عن سالم، من كِتابِنا هذا، وكذلك مَضَى القولُ هُناكَ في سائرِ معاني هذا الحديثِ، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا. أخبَرنا (٢) عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن سَلْمانَ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا شُعَيبُ بن حَرْبٍ، قال: سمِعتُ مالكًا، وذكَرَ سُفيانُ، فقال: أما إنَّهُ فارَقَني على أن لا يشرَبَ النَّبيذ، قلتُ: أليسَ قد أمرَ النَّبيُّ ﵇ بلالًا أن يُعيدَ الأذانَ؟ فقال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ بلالًا يُنادي بليلٍ، فكُلُوا واشربُوا". قلتُ: إنَّهُ قد أمرَهُ أن يُعيدَ الأذانَ. قال: لم يَزلِ الأذانُ عندَنا بليلٍ. ثُمَّ قال: لم يأخُذ أوَّلُونا عن أوَّليكُم (٤)، قد كان عَلْقمةُ والأسودُ ومسرُوقٌ، فلم يأخُذ عنهُم أحَدٌ منّا، فكذلك آخِرُونا لا يأخُذُونَ عن آخِرِيكُم (٥).

стр. 5645

حديثٌ خامِسٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمر: أنَّ رجُلًا ذَكَرَ لرسُولِ اللَّه ﷺ أَنَّهُ يُخدَعُ في البُيُوع، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إذا بايَعْتَ فقُل: لا خِلابةَ". فكان الرَّجُلُ إذا بايَعَ، قال: لا خِلابةَ. قال أبو عُمر: يُقالُ: إنَّ الرَّجُلَ الذي قال لهُ رسُولُ اللَّه ﷺ : "إذا بايعتَ فقُل: لا خِلابةَ" هُو مُنقِذُ بن حَبّان (٢)، وذلك محفُوظٌ من حديثِ ابنِ عُمرَ، وغيرِهِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيان، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ مُنقِذًا سُقِعَ (٣) في رأسِهِ مأمُومةً في الجاهِليّةِ، فخبَلَتْ لسانهُ، فكان يُخدَعُ في البَيْع. ومرّةً قال: إذا بايَعَ (٤) خُدِعَ. فقال لهُ رسُولُ اللَّه ﷺ : "بِعْ وقُل: لا خِلابةَ، ثُمَّ أنتَ بالخيارِ ثلاثًا من بيعِكَ". قال ابنُ عُمرَ: فسمِعتُهُ إذا بايَعَ يقولُ: لا خِذَابةَ، لا خِذَابةَ (٥) (٦). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 5646

زُهَيرٍ، قال (١): حدَّثنا سعيدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا عبّادُ بن العَوّام، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان (٢)، عن عمِّهِ واسِع بن حَبّان: أنَّ جدَّهُ مُنقِذًا كان قد أتَى عليه سبعُونَ (٣) ومئةُ سنةٍ، فكانَ إذا باعَ غُبِنَ، فذكرَ ذلك للنَّبيِّ ﵇، فقال: "إذا بايَعْتَ فقُل: لا خِلابةَ، وأنتَ بالخيارِ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه الأُرزِّيُّ (٥) وإبراهيمُ بن خالدٍ أبو ثورٍ الكلبيُّ. قالوا: حدَّثنا عبدِ الوهّابِ بن عَطاءٍ الخفّافُ، قال: أخبَرنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ: أنَّ رجُلًا على عَهدِ رسُولِ اللَّه ﷺ كان يبتاعُ، وكانَ في عُقدتِهِ ضعفٌ -زاد عبدُ الوارثِ في حديثهِ قال: قال الخفّافُ: في عُقدتِهِ، يعني: في عَقلِهِ- فأتَى أهلُهُ النَّبيَّ ﷺ فقالوا: يا نَبيَّ اللَّه، احْجُر على فُلانٍ، إنَّهُ يبتاعُ، وفي عُقدتِهِ

стр. 5647

ضَعْفٌ. فدَعاهُ نبيُّ اللَّه فنَهاهُ عنِ البَيْع، فقال: يا نبيَّ اللَّه، إنِّي لا أصبِرُ على البَيْع. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إن كُنتَ غيرَ تارِكٍ للبيع، فقُل: هاءَ وهاءَ، ولا خِلابةَ". واختلَفَ العُلماءُ في معنى أحاديثِ هذا البابِ، فقال منهُم قائلُونَ: هذا خُصُوصٌ في ذلك الرَّجُلِ وحدَهُ بعينِهِ، جعلَ لهُ رسُولُ اللَّه ﷺ الخيارَ في كلِّ سِلْعةٍ يَشْتريها، شرَطَ ذلك، أو لم يَشْترِطهُ، خصهُ بذلك لضَعفِهِ، ولِما شاءَ ﷺ ، ولم يُجِزْ لأحَدٍ خِلابتُهُ وخَدِيعتُهُ، وإن كان ﷺ قد قال: "دَعُوا النّاسَ يرزُقُ اللَّهُ بعضَهُم من بعضٍ" (١). فخُصَّ هذا بأن لا يُخدَعَ، فيُؤخَذ منهُ في السِّلعةِ أكثرُ مِمّا تُساوي. وأمّا الخَدِيعةُ والخِلابةُ التي فيها الغِشُّ، وسترُ العُيُوبِ، فمَحظُورةٌ على النّاسِ كلِّهِم، ولكِنَّ البيعَ صحيحٌ فيها، وللمُشتري إذا اطَّلعَ على العَيْبِ الخيارُ، في الاستِمساكِ أوِ الرَّدِّ، على حسبِ السُّنّةِ في ذلك، مِمّا نُقِل عنهُ في قِصّةِ المُصرّاةِ وغيرِها. وقال آخرُونَ: كلُّ ما جعلَ رسُولُ اللَّه ﷺ لمُنقِذٍ من الخيارِ فيما اشْتَراهُ، وما جعلَ لهُ في أن لا يُخدَعَ شرطًا يَشْترِطُهُ بقولِهِ: لا خِلابةَ. فجائزٌ اشْتِراطُهُ اليومَ لكلِّ النّاسِ، فلو أنَّ رجُلًا شَرَطَ على بائعِهِ: أَنَّهُ بالخيارِ فيما ابْتاعهُ منهُ ثلاثًا، وقال لهُ: إنَّكَ متى ما خَدَعتني في هذه السِّلعةِ، وبانَتْ خَدِيعتُكَ لي فيها، فأنا بالخيارِ ثلاثةَ أيام، إن شِئتُ أمسَكتُ، وإن شِئتُ ردَدتُ. كان لهُ شرطُهُ، وذلك جائزٌ، ولهُ الخيارُ على حَسَبِ ما اشترطَ. وأمّا القولُ في اشْتِراطِ الخيارِ ثلاثًا، وما فوقها، ودُونها من المُدّةِ، فقد مَضَى مُسْتوعبًا في بابِ نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، من كِتابِنا هذا، فلا وجَهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 5648

حديثٌ سادِسٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أَنَّهُ قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يُشيرُ إلى المشرِقِ، يقولُ: "ها إنَّ الفِتنةَ هاهُنا، إنَّ الفِتنةَ من حَيْثُ يطلُعُ قرنُ الشَّيطانِ". (٢) لم يُختَلف في إسنادِ هذا الحديثِ، والحمدُ للَّه، ولا في لفظِهِ (٣). وقد حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جَعفرِ بن الوَردِ وعبدُ اللَّه بن عُمرَ بن إسحاقَ، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ بن جابرٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريمَ، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يُشيرُ إلى المشرِقِ، يقولُ: "ها إنَّ الفِتنةَ هاهُنا، إنَّ الفِتنةَ هاهُنا، من حيثُ يَطْلُعُ قرنُ الشَّيطانِ" (٤). في هذا الحديثِ عَلَمٌ من أعلام نُبُوّةِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، لإخبارِهِ بالغَيْبِ عمّا يكونُ بعدهُ. والفِتنةُ هاهُنا بمعنى الفِتَنِ، لأنَّ الواحِدةَ هاهُنا تقُومُ مَقامَ الجميع في الذِّكرِ، لأنَّ الألِف واللّام في الفِتْنةِ ليسا إشارةً إلى معهُودٍ، وإنَّما هُما إشارةٌ إلى الجِنْسِ، مِثلَ قولِهِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]، و ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]. فأخبَرَ ﷺ عن إقبالِ الفِتَنِ من ناحيةِ المشرِقِ.

стр. 5649

وكذلك أكثرُ الفِتنِ من المَشرِقِ انْبَعثَتْ، وبها كانت، نحو الجَملِ، وصِفِّينِ، وقتلِ الحُسينِ، وغيرِ ذلك مِمّا يَطُولُ ذِكرهُ، مِمّا كان بعدَ ذلك من الفِتَنِ بالعِراقِ وخُراسانَ إلى اليوم، وقد كانتِ الفِتنُ في كلِّ ناحيةٍ من نَواحي الإسلام، ولكِنَّها بالمشرِقِ أكثرُ أبدًا. ومثلُ هذا الحديثِ قولُهُ ﷺ : "إنِّي أرَى مَواقِعَ الفِتَنِ خِلالَ بُيُوتِكُمْ، كمَواقِع القَطْرِ" (١). وقد يحتمِلُ أن تكونَ الفِتنةُ في هذا الحديثِ معناها الكُفرُ، وكانَتِ المشرِقُ يَومئذٍ دارَ كُفرٍ، فأشارَ إليها. والفِتنةُ لها وُجُوهٌ في اللُّغةِ، منها: العذابُ، ومنها: الإحْراقُ، ومنها: الحُرُوبُ التي تَقعُ بين النّاسِ، ومنها: الابتِلاءُ والامتِحانُ، وغيرُ ذلك على حَسَبِ ما قد ذَكرهُ أهلُ اللُّغةِ. وأمّا قولُهُ: "من حيثُ يطلُعُ قَرْنُ الشَّيطانِ" فقد مَضَى القولُ فيه، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عنِ الصُّنابِحيِّ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 5650

حديثٌ سابعٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال: "من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما". وهذا الحديثُ رواهُ جماعةٌ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، كما رواهُ يحيى (٢). (٣) حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عُمرَ بن إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا سعيدُ (٤) بن كثيرِ بن عُفيرٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال: "أيُّما رَجُلٍ قال لأخيهِ: كافِرٌ، باءَ بها أحدُهُما". وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن محمدِ بن القاسم ومحمدُ بن أحمدَ بن كامِلٍ ومحمدُ بن أحمدَ بن المِسورِ، قالوا: حدَّثنا بكرُ بن سَهْلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن يُوسُف، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال: "أيُّما رجُلٍ قال لأخيهِ: كافِرٌ، فقد باءَ بها أحدُهُما".

стр. 5651

ورواهُ جماعةٌ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. (١) حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن عطيّةَ، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن المُغلِّسِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "إذا قال الرَّجُلُ لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما" (٢). وكذلك رواهُ ابنُ أبي (٣) زَنْبَرٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال: "إذا سَمَّى الرَّجُلُ الآخرَ كافِرًا، فقد كفَرَ أحدُهُما، إن كان الذي قيلَ لهُ كافِرٌ، فقد صدَقَ صاحِبُهُ كما قال لهُ، وإن لم يَكُن كما قال، فقد باءَ الذي قال بالكُفرِ" (٤). وكذلك رواهُ يحيى بن بُكَيرٍ، عنِ ابنِ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﵇، مِثلهُ سَواءً (٥). والحديثُ لمالكٍ عنهُما جميعًا، عنِ ابنِ عُمر، عنِ النَّبيِّ ﷺ صحيحٌ. والمعنى فيه عندَ أهلِ الفِقهِ والأثرِ، أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، النَّهيُ عن أن يُكَّفِرَ المُسلِمُ أخاهُ المُسلِم بذَنْبٍ، أو بتأويلٍ (٦)، لا يُخرِجُهُ من الإسلام عندَ الجميع،

стр. 5652

فوَردَ النَّهيُ عن تَكفيرِ المُسلِم في هذا الحديثِ، وغيرِهِ بلفظِ الخَبرِ، دُونَ لَفظِ النَّهي، وهذا (١) موجُودٌ في القُرآنِ والسُّنّةِ، ومعرُوفٌ في لسانِ العربِ. وفي سَماع أشهَبَ: سُئلَ مالكٌ، عن قولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "من قال لرجُلٍ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما"، قال: أرَى ذلك في الحَرُوريّةِ. فقلتُ لهُ: أفتراهُم بذلك كُفّارًا؟ فقال: ما أدْرِي ما هذا (٢). ومِثلُ قَولِهِ ﷺ : "من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما" قولُهُ ﷺ : "سِبابُ المُسلِم فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفرٌ" (٣)، وقولُهُ ﷺ : "لا تَرجِعُوا بعدي كُفّارًا يَضرِبُ بعضُكُم رِقابَ بعضٍ" (٤)، وقولُهُ: "لا تَرْغبُوا عن آبائكُم، فإنَّهُ كُفرٌ بكُم أن تَرْغبُوا عن آبائكُم" (٥).
следующие страницы →