← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5648–5687 · переход к 5653.

стр. 5648

حديثٌ سادِسٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أَنَّهُ قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يُشيرُ إلى المشرِقِ، يقولُ: "ها إنَّ الفِتنةَ هاهُنا، إنَّ الفِتنةَ من حَيْثُ يطلُعُ قرنُ الشَّيطانِ". (٢) لم يُختَلف في إسنادِ هذا الحديثِ، والحمدُ للَّه، ولا في لفظِهِ (٣). وقد حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جَعفرِ بن الوَردِ وعبدُ اللَّه بن عُمرَ بن إسحاقَ، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ بن جابرٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريمَ، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يُشيرُ إلى المشرِقِ، يقولُ: "ها إنَّ الفِتنةَ هاهُنا، إنَّ الفِتنةَ هاهُنا، من حيثُ يَطْلُعُ قرنُ الشَّيطانِ" (٤). في هذا الحديثِ عَلَمٌ من أعلام نُبُوّةِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، لإخبارِهِ بالغَيْبِ عمّا يكونُ بعدهُ. والفِتنةُ هاهُنا بمعنى الفِتَنِ، لأنَّ الواحِدةَ هاهُنا تقُومُ مَقامَ الجميع في الذِّكرِ، لأنَّ الألِف واللّام في الفِتْنةِ ليسا إشارةً إلى معهُودٍ، وإنَّما هُما إشارةٌ إلى الجِنْسِ، مِثلَ قولِهِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]، و ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]. فأخبَرَ ﷺ عن إقبالِ الفِتَنِ من ناحيةِ المشرِقِ.

стр. 5649

وكذلك أكثرُ الفِتنِ من المَشرِقِ انْبَعثَتْ، وبها كانت، نحو الجَملِ، وصِفِّينِ، وقتلِ الحُسينِ، وغيرِ ذلك مِمّا يَطُولُ ذِكرهُ، مِمّا كان بعدَ ذلك من الفِتَنِ بالعِراقِ وخُراسانَ إلى اليوم، وقد كانتِ الفِتنُ في كلِّ ناحيةٍ من نَواحي الإسلام، ولكِنَّها بالمشرِقِ أكثرُ أبدًا. ومثلُ هذا الحديثِ قولُهُ ﷺ : "إنِّي أرَى مَواقِعَ الفِتَنِ خِلالَ بُيُوتِكُمْ، كمَواقِع القَطْرِ" (١). وقد يحتمِلُ أن تكونَ الفِتنةُ في هذا الحديثِ معناها الكُفرُ، وكانَتِ المشرِقُ يَومئذٍ دارَ كُفرٍ، فأشارَ إليها. والفِتنةُ لها وُجُوهٌ في اللُّغةِ، منها: العذابُ، ومنها: الإحْراقُ، ومنها: الحُرُوبُ التي تَقعُ بين النّاسِ، ومنها: الابتِلاءُ والامتِحانُ، وغيرُ ذلك على حَسَبِ ما قد ذَكرهُ أهلُ اللُّغةِ. وأمّا قولُهُ: "من حيثُ يطلُعُ قَرْنُ الشَّيطانِ" فقد مَضَى القولُ فيه، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عنِ الصُّنابِحيِّ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 5650

حديثٌ سابعٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال: "من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما". وهذا الحديثُ رواهُ جماعةٌ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، كما رواهُ يحيى (٢). (٣) حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عُمرَ بن إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا سعيدُ (٤) بن كثيرِ بن عُفيرٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال: "أيُّما رَجُلٍ قال لأخيهِ: كافِرٌ، باءَ بها أحدُهُما". وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن محمدِ بن القاسم ومحمدُ بن أحمدَ بن كامِلٍ ومحمدُ بن أحمدَ بن المِسورِ، قالوا: حدَّثنا بكرُ بن سَهْلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن يُوسُف، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال: "أيُّما رجُلٍ قال لأخيهِ: كافِرٌ، فقد باءَ بها أحدُهُما".

стр. 5651

ورواهُ جماعةٌ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. (١) حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن عطيّةَ، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن المُغلِّسِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "إذا قال الرَّجُلُ لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما" (٢). وكذلك رواهُ ابنُ أبي (٣) زَنْبَرٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال: "إذا سَمَّى الرَّجُلُ الآخرَ كافِرًا، فقد كفَرَ أحدُهُما، إن كان الذي قيلَ لهُ كافِرٌ، فقد صدَقَ صاحِبُهُ كما قال لهُ، وإن لم يَكُن كما قال، فقد باءَ الذي قال بالكُفرِ" (٤). وكذلك رواهُ يحيى بن بُكَيرٍ، عنِ ابنِ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﵇، مِثلهُ سَواءً (٥). والحديثُ لمالكٍ عنهُما جميعًا، عنِ ابنِ عُمر، عنِ النَّبيِّ ﷺ صحيحٌ. والمعنى فيه عندَ أهلِ الفِقهِ والأثرِ، أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، النَّهيُ عن أن يُكَّفِرَ المُسلِمُ أخاهُ المُسلِم بذَنْبٍ، أو بتأويلٍ (٦)، لا يُخرِجُهُ من الإسلام عندَ الجميع،

стр. 5652

فوَردَ النَّهيُ عن تَكفيرِ المُسلِم في هذا الحديثِ، وغيرِهِ بلفظِ الخَبرِ، دُونَ لَفظِ النَّهي، وهذا (١) موجُودٌ في القُرآنِ والسُّنّةِ، ومعرُوفٌ في لسانِ العربِ. وفي سَماع أشهَبَ: سُئلَ مالكٌ، عن قولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "من قال لرجُلٍ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما"، قال: أرَى ذلك في الحَرُوريّةِ. فقلتُ لهُ: أفتراهُم بذلك كُفّارًا؟ فقال: ما أدْرِي ما هذا (٢). ومِثلُ قَولِهِ ﷺ : "من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما" قولُهُ ﷺ : "سِبابُ المُسلِم فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفرٌ" (٣)، وقولُهُ ﷺ : "لا تَرجِعُوا بعدي كُفّارًا يَضرِبُ بعضُكُم رِقابَ بعضٍ" (٤)، وقولُهُ: "لا تَرْغبُوا عن آبائكُم، فإنَّهُ كُفرٌ بكُم أن تَرْغبُوا عن آبائكُم" (٥).

стр. 5653

ومِثلُ هذا كثيرٌ من الآثارِ التي وردَتْ بلفظِ التَّغليظِ، وليسَتْ على ظاهِرِها عندَ أهلِ الحقِّ والعِلم، لأُصُولٍ تَدْفعُها أقْوَى منها، من الكِتابِ والسُّنّةِ المُجتمَع عليها، والآثارِ الثّابِتةِ أيضًا من جِهةِ الإسنادِ، وهذا (١) بابٌ يتَّسِعُ القولُ فيه ويَكثُرُ، فنَذكُرُ منهُ هاهُنا ما فيه كِفايةٌ إن شاءَ اللَّه (٢). وقد ضلَّت جماعةٌ من أهلِ البِدَع من الخَوارِج والمُعتزِلةِ في هذا البابِ، فاحتجُّوا بهذه الآثارِ ومِثلِها في تَكفيرِ المُذنِبينَ، واحتجُّوا من كِتاب اللَّه بآياتٍ ليسَتْ على ظاهِرِها، مِثل قولِهِ : ﴿وَمَنْ لم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقولِهِ: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، وقولِهِ: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقولِهِ: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وقولِهِ: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، ونَحوِ هذا. ورُوي عنِ ابنِ عبّاسٍ في قولِ اللَّه : ﴿وَمَنْ لم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، قال: ليسَ بكُفرٍ ينقُلُ عنِ المِلّةِ، ولكِنَّهُ كفرٌ دُونَ كُفرٍ (٣). وقد أوضَحْنا معنَى الكُفرِ في اللُّغةِ، في مواضِعَ من هذا الكِتابِ، والحُجّةُ (٤) عليهم قولُ اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

стр. 5654

[النساء: ٤٨]. ومعلُومٌ أنَّ هذا بعد الموتِ لمن لم يَتُب (١)، لأنَّ الشِّركَ من (٢) تابَ منهُ قبلَ الموتِ، وانتَهَى عنهُ، غُفِرَ لهُ، كما تُغفرُ الذُّنُوبُ كلُّها بالتَّوبةِ جميعًا، قال اللَّهُ : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقد وردَتْ آياتٌ في القُرآنِ مُحكماتٌ تدُلُّ أَنَّهُ لا يُكفَّرُ أحدٌ إلّا بعدَ العِلم والعِنادِ، منها: قولُ اللَّه : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]، وقولُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وقولُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [النساء: ١٥٣]، وقولُهُ: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٣]. ثُمَّ قال على إثرِ ذلك: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٤ - ١٣٥]. ثُمَّ قال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]. ثُمَّ ذكر الأُممَ فقال: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ﴾ [غافر: ٥]. ثُمَّ ذكر الأُممَ فقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].

стр. 5655

ولذلك قال: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ﴾ [التوبة: ٦٩]، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤]، وقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقال: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠]، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، وقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيةَ [فاطر: ٤٢ - ٤٣]، وقال: ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٣٢]، وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، إلى آياتٍ كثيرةٍ في معنى ما ذكَرْنا، كلُّها تدُلُّ على مُعانَدةِ الكُفّارِ، وأنَّهُم إنَّما كَفرُوا بالمُعاندةِ والاسْتِكبارِ. وقال : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقولُهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. وقوله ﷺ : "من مات لا يُشرِكُ باللَّه شيئًا دخلَ الجنّةَ، ومن ماتَ وهُو يُشرِكُ باللَّه شيئًا، فهُو في النّارِ" (١). وجعلَ اللَّهُ في بعضِ الكبائرِ حُدُودًا، جَعلَها طُهرةً، وفرضَ كفارّاتٍ في كِتابِهِ للذُّنُوبِ، من التَّقرُّبِ إليه بما يُرضيهِ، فجعَلَ على القاذِفِ جَلْدَ

стр. 5656

ثمانينَ إن لم يأتِ بأرْبَعةِ شُهداءَ، ولم يجعلهُ بقَذفِهِ كافِرًا، وجعَلَ على الزّاني مئةً، وذلك طُهْرةً لهُ، كما قال ﷺ في التي رَجَمها: "لقد خَرَجَتْ من ذُنوبِها كيومَ ولَدَتها أُمُّها" (١). وقال ﷺ : "من أُقِيمَ عليه الحدُّ، فهُو لهُ كفّارةٌ، ومن لم يُقَم عليه حدُّهُ، فأمرُهُ إلى اللَّه، إن شاءَ غفَرَ لهُ، وإن شاءَ عذَّبهُ" (٢). وما لم يجعل فيه حدًّا، فرَضَ فيه التَّوبةَ منهُ، والخُرُوجَ عنهُ إن كان ظُلمًا لعِبادِهِ. وليسَ في شيءٍ من السُّننِ المُجتمَع عليها، ما يدُلُّ على تَكفيرِ أحَدٍ بذنبٍ. وقد أحاطَ العِلمُ بأنَّ العُقُوباتِ على الذُّنُوبِ كفّاراتٌ، وجاءَت بذلك السُّننُ الثّابِتةُ عن رسُولِ اللَّه ﷺ ، كما جاءَت بكفّارةِ الأيمانِ، والظِّهارِ، والفِطْرِ في رمضانَ. وأجمعَ عُلماءُ المُسلِمينَ أنَّ الكافِرَ لا يرِثُ المُسلِم، وأجمعُوا أنَّ المُذنِبَ، وإن ماتَ مُصِرًّا، يرِثُهُ ورَثتُهُ، ويُصلَّى عليه، ويُدفَنُ في مَقابِرِ المُسلِمين. وقال ﷺ : "من صلَّى صَلاتَنا، واسْتَقبلَ قِبلتَنا، ونسَكَ نُسُكنا، فهُو المُسلِمُ، لهُ ما للمُسلِم، وعليه ما على المُسلِم" (٣). وقال ﷺ : "النَّدَمُ توبةٌ". رواهُ عبدُ اللَّه بن مَسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٤).

стр. 5657

وقال ﷺ : "ليسَ أحدٌ من خَلْقِ اللَّه إلّا وقد أخَطَأ، أو هَمَّ بخطيئةٍ، إلّا يحيى بن زكريّا" (١). وقال ﷺ : "لولا أنَّكُم تُذنِبُونَ وتستغفِرُونَ (٢)، لذهَبَ اللَّهُ بكُم، وجاءَ بقوم يُذنِبُونَ ويستغفِرُونَ، فيَغفِرُ لهم، إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أن يغفِرَ لعِبادِهِ" (٣). ومِن هذا قولُ الأوَّلِ (٤): إنْ تغفِرِ اللَّهُمَّ تغفِرْ جمّا وأيُّ عبدٍ لكَ لا ألمّا فهذه الأُصُولُ كلُّها تَشْهدُ على أنَّ الذُّنُوبَ لا يُكفَّرُ بها أحدٌ. وهذا يُبيِّنُ لكَ أنَّ قولَهُ ﷺ : "من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما"، أنَّهُ ليسَ على ظاهِرِهِ، وأنَّ المعنَى فيه النَّهيُ عن أن يقول أحَدٌ (٥) لأخيهِ: كافِرٌ، أو: يا كافِرُ. (٦) قيلَ لجابرِ بن عبدِ اللَّه: يا أبا محمدٍ، هل كنتُم تُسمُّونَ شيئًا من الذُّنُوبِ كُفرًا، أو شِركًا، أو نِفاقًا؟ قال: مَعاذَ اللَّه، ولكُنّا نقولُ: مُؤمِنينَ مُذنِبينَ (٧).

стр. 5658

رُوي ذلك عن جابرٍ من وُجُوهٍ. ومِن حديثِ الأعمشِ، عن أبي سُفيانَ قال: قلتُ لجابرٍ: أكنتُم تقولُونَ لأحَدٍ من أهلِ القِبْلةِ: كافِرٌ؟ قال: لا. قلتُ: فمُشرِكٌ؟ قال: مَعاذَ اللَّه. وفَزِعَ (١). وقد قال جَماعةٌ من أهلِ العِلم، في قولِ اللَّه : ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]، هُو قولُ الرَّجُلِ لأخيهِ: يا كافِرُ، يا فاسِقُ. وهذا مُوافِقٌ لهذا الحديثِ، فالقُرآنُ والسُّنّةُ (٢) يَنْهيانِ عن تَفْسيقِ المُسلِم وتكفير، إلّا (٣) ببيانٍ لا إشكالَ فيه. ومِن جِهةِ النَّظرِ الصَّحيح، الذي لا مَدْفَعَ لهُ: أنَّ كلَّ من ثبتَ لهُ عَقْدُ الإسلام في وَقْتٍ بإجماع من المُسلِمينَ، ثُمَّ أذنَبَ ذنبًا، أو تأوَّلَ تأويلًا، فاختلَفُوا بعدُ في خُرُوجِهِ من الإسلام، لم يكُن لاختِلافِهِم بعدَ إجماعِهِم معنًى يُوجِبُ حُجّةً، ولا يُخرَجُ من الإسلام المُتَّفقِ عليه، إلّا باتِّفاقٍ آخرَ، أو سُنّةٍ ثابتةٍ لا مُعارِضَ لها (٤). وقدِ اتَّفقَ أهلُ السُّنّةِ والجَماعةِ، وهُم أهلُ الفِقهِ والأثَرِ، على أنَّ أحدًا لا يُخرِجُهُ ذنبُهُ، وإن عَظُمَ، من الإسلام. وخالَفهُم أهلُ البِدَع، فالواجِبُ في النَّظرِ، أن لا يُكفَّر إلّا منِ اتَّفقَ الجميعُ على تَكفيرِهِ، أو قامَ على تَكفيرِهِ دليلٌ لا مَدْفعَ لهُ، من كِتابٍ أو سُنّةٍ. وأمّا قولُهُ ﷺ : "فقد باءَ بها"، أي: قدِ احتمَلَ الذَّنبَ في ذلك القولِ أحَدُهُما.

стр. 5659

قال الخليلُ بن أحمد (١) ﵀: باءَ بذنبِهِ، أي: احتَملهُ. ومثلُهُ قولُهُ : ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، وقولُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]. والمعنى في قولِهِ: "فقد باءَ بها أحدُهُما"، يُريدُ أنَّ المقولَ لهُ: يا كافِرُ، إن كان كذلك، فقدِ احتَملَ ذَنْبَهُ، ولا شيءَ على القائلِ لهُ ذلك، لصِدقِهِ في قولِهِ. فإن لم يَكُن كذلك (٢)، فقد باءَ القائلُ بذَنْبٍ كبيرٍ، وإثم عظيم، واحتَمَلهُ بقولِهِ ذلك. وهذا غايةٌ في التَّحذيرِ من هذا القولِ، والنَّهيِ عن أن يُقال لأحَدٍ من أهلِ القِبلةِ: يا كافِرُ. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ البَغَويُّ، قال (٣): حدَّثنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: أخبَرَنا شُعبةُ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، قال: سمِعتُ ابن عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إذا قال الرَّجُلُ لأخِيهِ: يا كافِرُ، أو: أنتَ كافِرٌ، فقد باءَ بها أحدُهُما، فإن كان كما قال، وإلّا رَجَعَتْ إلى الأوَّلِ". وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: أخبرنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ القاضي البِرْتيُّ ببغدادَ، قال: أخبَرنا أبو مَعْمرٍ عبد اللَّه بن

стр. 5660

عَمرو (١)، قال أخبَرنا (٢) عبدُ الوارثِ بن سعيدٍ، عنِ الحُسينِ المُعلِّم، عنِ ابنِ بُرَيدةَ، قال: حدَّثني يحيى بن يَعْمُر، أنَّ أبا الأسودِ الدّيليَّ حدَّثهُ، عن أبي ذرٍّ، أنَّهُ سمِعَ النَّبيَّ ﵇ يقولُ: "لا يَرْمي رجُلٌ رجُلًا بالفِسْقِ، أو بالكُفرِ، إلّا رُدَّتْ عليه، إن لم يَكُن صاحِبُهُ كذلك" (٣). أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا (٤) ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ الأنباريُّ وموسى بن مُعاويةَ، قالا: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المُباركِ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي قِلابةَ، عن ثابتِ بن الضَّحّاكِ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من رَمَى مُؤمِنًا بكُفرٍ، فهُو كقتلِهِ" (٥).

стр. 5661

حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (١): حدَّثنا أبو عَمرٍو (٢) عُبيدُ بن عَقيلٍ، قال: سمِعتُ جَرير بن حازِم يُحدِّثُ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن جابرِ بن سَمُرةَ، عن عُمرَ بن الخطّابِ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من سرَّتهُ حَسَنتُهُ، وساءَتهُ سَيِّئَتُهُ، فهُو مُؤمِنٌ". فليتَ شِعْري من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، وهُو مِمَّن تسُرُّهُ حَسَنتُهُ، وتسُوءُهُ سيِّئتُهُ، لأيِّ شيءٍ تكونُ الشَّهادةُ عليه بالكُفرِ، أولى من الشَّهادةِ لهُ بالإيمانِ؟ ورَوى الأعمشُ، عنِ المعرُورِ بن سُويدٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : [يقولُ اللَّهُ ] (٣): من عَمِلَ مِثلَ قُرابِ الأرضِ (٤) خَطيئةً، ثُمَّ لقيني لا يُشرِكُ بي شيئًا، جَعَلتُ لهُ مِثلها مَغْفِرةً" (٥).

стр. 5662

ورواهُ شُعبةُ، عن واصِلٍ، عنِ المعرُورِ بن سُويدٍ، قال: سمِعتُ أبا ذرٍّ قوله (١) (٢). وعن ابنِ عُمرَ، قال: كُنّا نشهدُ على أهلِ المُوجِبَتَينِ بالكُفرِ، حتّى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]. وأخبَرنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (٣): حدَّثنا أبو عبدِ الرَّحمنِ المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ زيادٍ، عن عبدِ اللَّه بن راشِدٍ مولى عُثمان بن عفّان، قال: سمِعتُ أبا سَعيدٍ الخُدريَّ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ بين يَدَيِ الرَّحمنِ لَلَوْحًا فيه ثلاثُ مئةٍ وخمسَ عشْرةَ شريعةً، يقولُ الرَّحمنُ: وعِزَّتي لا يأتيني (٤) عبدٌ من عِبادي بواحِدةٍ منهُنَّ، وهُو لا يُشرِكُ بي شيئًا، إلّا أدخلتُهُ الجنّةَ". وأخبَرنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٥): حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ،

стр. 5663

قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن شُرَيح، قال: حدَّثني أبو هانئٍ، عن أبي عليٍّ الجَنْبيِّ، قال: سمِعتُ أبا سَعيدٍ الخُدريَّ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من قال: رَضِيتُ باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسُولًا، وجبَتْ لهُ الجنّةُ". وقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "الجنّةُ لا يدخُلُها إلّا نفسٌ مُؤمِنةٌ (١) " (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيان، قال: حدَّثني أبو إسحاقَ، عن فرْوةَ بن مالكٍ الأشجعيِّ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال لظِئرٍ (٣) لهُ، أو لرجُلٍ من أهلِهِ: "اقرأ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ عندَ مَنامِكَ، فإنَّها بَراءةٌ من الشِّركِ" (٤). وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥): أخبرنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، قال: كُنّا عندَ النَّبيِّ ﷺ في مجلِسٍ،

стр. 5664

فقال: "تُبايِعُوني على أن لا تُشرِكُوا باللَّه شيئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تزنُوا". قَرأ عليهمُ الآيةَ (١) "فمن وَفَى منكُم فأجرُهُ على اللَّه، ومن أصابَ من ذلك شيئًا، فسَتَرهُ اللَّهُ ، فهُو إلى اللَّه، إن شاءَ عذَّبهُ، وإن شاءَ غفرَ لهُ". قال أبو عُمر: هذا من أصحِّ حديثٍ يُروَى عنِ النَّبيِّ ﷺ ، وعليه أهلُ السُّنّةِ والجماعةِ، وهُو يُضاهي قولَ اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. والآثارُ في هذا البابِ كثيرةٌ جِدًّا، لا يُمكِنُ أن يُحيطَ بها كِتابٌ، فالأحاديثُ اللَّيِّنةُ تُرجَى، والشَّديدةُ تُخشَى، والمُؤمِنُ موقُوفٌ بين الخَوْفِ والرَّجاءِ، والمُذنِبُ إن لم يَتُب، في مَشيئةِ اللَّه. رَوَينا عن عليِّ بن أبي طالِبٍ ﵁، أنَّهُ قال: ما في القُرآنِ آيةٌ أحَبُّ إليَّ من هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). ومن شرحَ اللَّهُ صدَرَهُ، فالقليلُ يكفيه.

стр. 5665

حديثٌ ثامِنٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّهُ قال: نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ أن يلبَسَ المُحرِمُ ثوبًا مصبُوغًا بزَعْفرانٍ أو وَرْسٍ، وقال: "من لم يَجدْ نَعْلينِ، فليلبَسْ خُفَّينِ، وليَقْطعهُما أسفَلَ من الكَعْبينِ". وقد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ كلِّهِ، في بابِ نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، من كِتابِنا هذا، فلا مَعنَى لإعادةِ شيءٍ من ذلك هاهُنا.

стр. 5666

حديثٌ تاسِعٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ قال: أمرَ رسُولُ اللَّه ﷺ أهلَ المدينةِ أن يُهِلُّوا من ذي الحُليفةِ، وأهلَ الشّام من الجُحفةِ، وأهلَ نَجْدٍ من قَرنٍ. قال عبدُ اللَّه بن عُمرَ: أمّا هؤُلاءِ الثَّلاثُ فسمِعتُهُنَّ من رسُولِ اللَّه ﷺ ، وأُخبرتُ أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال: "ويُهِلُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلْمْلَمْ". وهذا الحديثُ قد تقدَّم القولُ فيه، في بابِ نافع، عنِ ابنِ عُمرَ أيضًا، والحمدُ للَّه.

стр. 5667

حديثٌ عاشِرٌ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال: "خَمْسٌ من الدَّوابِّ من قَتلَهُنَّ وهُو مُحرِمٌ، فلا جُناحَ عليه: العَقْربُ، والفأرةُ، والكَلبُ العَقُورُ، والغُرابُ، والحِدَأةُ" (٢). قد سلَفَ القولُ في هذا الحديثِ مُستَوعبًا كامِلًا، في بابِ نافع، عنِ ابنِ عُمر أيضًا، فلا مَعنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا (٣).

стр. 5668

حديثٌ حادِيَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، قال: ذكَرَ عُمرُ بن الخطّابِ لرسُولِ اللَّه ﷺ : أنَّهُ تُصيبُهُ جَنابةٌ من اللَّيلِ، فقال لهُ رسُولُ اللَّه ﷺ : "تَوضَّأ واغسِلْ ذَكركَ، ثُمَّ نَمْ". هكذا هُو في "المُوطَّأ" عندَ أكثرِ الرُّواةِ، وروتهُ طائفةٌ (٢) عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمر: أنَّ عُمر قال: يا رسُولَ اللَّه (٣). والمعنى سَواءٌ (٤). ورواهُ إسحاقُ بن عيسى الطَّبّاعُ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ عُمرَ قال: يا رسُولَ اللَّه. وتابَعهُ قومٌ (٥). والحديثُ لمالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ ونافع جميعًا، عنِ ابنِ عُمرَ؛ لأنَّهُ قد رواهُ عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، جماعةٌ، منهُمُ: الطَّبّاعُ، وخالدُ بن مَخْلدٍ القَطَوانيُّ، وعبدُ الرَّحمنِ بن غَزْوانَ، وابنُ عبدِ الحكَم. وقد رُوي أيضًا، عنِ ابنِ عُفَيرٍ وابنِ بُكيرٍ مِثلُ ذلك، ولكِنَّ المحفُوظ فيه عندَ العُلماءِ حديثُ مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ. وحديثُ نافع عندَهُم كالمُستَغربِ.

стр. 5669

حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا أبو أُميّةَ محمدُ بن إبراهيمَ الطَّرسُوسيُّ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مَخْلدٍ القَطَوانيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال عُمرُ بن الخطّاب: يا رسُولَ اللَّه، أينامُ أحدُنا وهُو جُنُبٌ؟ قال: "نعم، إذا توضَّأ" (١). وحدَّثنا خلَفٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحُسينِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ بن بادي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عيسى، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. فذكَرهُ. في هذا الحديثِ (٢): الوُضُوءُ للجُنُبِ عندَ النَّوم، وغَسلُ الذَّكرِ مع الوُضُوءِ أيضًا. وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في إيجابِ الوُضُوءِ عندَ النَّوم على الجُنُبِ، فذهَبَ أهلُ الظّاهِرِ إلى إيجابِ الوُضُوءِ عندَ النَّوم (٣). وذهَبَ أكثرُ الفُقهاءِ إلى أنَّ ذلك على النَّدبِ والاسْتِحسانِ، لا على الوُجُوبِ. وذَهبَتْ طائفةٌ إلى أنَّ الوُضُوءَ المأمُورَ به الجُنُبُ، هُو غَسْلُ الأذى منهُ، وغَسلُ ذكرِهِ ويَدَيهِ. وقال مالكٌ: لا يَنامُ الجُنُبُ حتّى يتوضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ. قال: ولهُ أن يُعاوِدَ أهلهُ، ويأكُلَ قبلَ أن يتوضَّأ، إلّا أن يكونَ في يَدِهِ قذرٌ، فيَغْسِلها. قال: والحائضُ تَنامُ قبلَ أن تتوضَّأ. وقولُ الشّافِعيِّ في هذا كلِّهِ، نحوُ قولِ مالكٍ.

стр. 5670

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ والثَّوريُّ: لا بأسَ أن ينامَ الجُنُبُ على غيرِ وُضُوءٍ. وأحَبُّ إليهم أن يتَوضَّأ. قال: فإذا أرادَ أن يأكُلَ، مَضْمضَ وغسلَ يَدَيهِ. وهُو قولُ الحسنِ بن حيٍّ. وقال الأوزاعيُّ: الحائضُ والجُنُبُ إذا أرادا أن يَطْعما، غَسَلا أيديهُما. وقال اللَّيثُ: لا ينامُ الجُنُبُ حتّى يتَوضَّأ، رجُلًا كان أوِ امرأةً. قال أبو عُمر: اختلَفتِ الآثارُ في هذا الباب (١)، ففي حديثِ ابنِ عُمر هذا، الأمرُ بالوُضُوءِ، وغَسلِ الذَّكرِ للجُنُبِ عندَ النَّوم. إلّا أنَّ في حديثِ مالكٍ هذا: "تَوضَّأْ واغسِلْ ذكركَ، ثُمَّ نَمْ". وهذا يَحْتَمِلُ التَّقديمَ والتَّأخير، كأنَّهُ قال: اغسِلْ ذكركَ، وتوضَّأ، ثُمَّ نم. ويحتمِلُ أن يكونَ لمّا كان الوُضُوءُ للجُنُبِ لا يرفعُ به (٢) الحدَثَ عنهُ، لم يُبالِ أكانَ غسلُ ذكرهُ قبلُ أو بعدُ، لأنَّهُ ليسَ بوُضُوءٍ ينقُضُهُ الحَدَثُ، لأنَّ ما هُو فيه من الجَنابةِ، أكثرُ من مَسِّ ذَكرِهِ. وجُملةُ القولِ في هذا المعنى: أنَّ الواو لا تُوجِبُ رُتبةً، ولا تُعطي تعقيبًا. وقد رَوَى هذا الحديثَ عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ: الثَّوريُّ وغيرُهُ، فقدَّمُوا غسلَ الذَّكرِ في اللَّفظِ على الوُضُوءِ، وجاؤُوا بلفظٍ لا إشكالَ فيه. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: سأل عُمرُ النَّبيَّ ﷺ ،

стр. 5671

فقال: إنَّهُ تُصيبُهُ الجَنابةُ من اللَّيلِ. فأمرَهُ أن يغسِلَ ذَكرهُ، ويتوضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ، ثُمَّ يَرْقُد (١). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن دينارٍ، أنَّهُ سمِعَ عبد اللَّه بن عُمر، يقولُ: سألَ عُمرُ رسُولَ اللَّه ﷺ : أينامُ أحدُنا وهُو جُنُبٌ؟ فقال: "نعَمْ إذا توضَّأ، ويَطْعمُ إن شاءَ". حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ العَسْكريُّ، قال: حدَّثنا فهدُ (٣) بن سُليمان، قال: حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عن عُمرَ، قال: قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، أيَنامُ أحدُنا وهُو جُنُبٌ؟ قال: "نعَمْ إذا توضَّأ". وفي هذا البابِ أيضًا حديثُ عائشةَ، اختُلِفَ في ألفاظِهِ عن الزُّهريِّ، وغيرِهِ، وعندَ الزُّهريِّ في ذلك حديثانِ، أحدُهُما: عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، والآخرُ: عن عُروةَ، عن عائشةَ. فمِنْ أصحابِ الزُّهريِّ من يَرْويهِ عن أبي سلَمةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ إذا أرادَ أن ينامَ وهُو جُنُبٌ، توضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ (٤).

стр. 5672

وبعضُهُم يقولُ فيه: عنِ الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ إذا أرادَ أن ينامَ وهُو جُنُبٌ، توضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ، وإذا أرادَ أن يأكُلَ أو يشرَبَ، يَغسِلُ يَدَيهِ (١)، ثُمَّ يأكُلُ أو يشربُ إن شاءَ (٢). وقال بعضُهُم: عنهُ في حديثهِ: عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ إذا أرادَ أن يأكُلَ وهُو جُنُبٌ، توضَّأ. وقال بعضُهُم: عنهُ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان النَّبيُّ ﷺ إذا أرادَ أن يأكُلَ وهُو جُنُبٌ، غسلَ كفَّيهِ (٣). حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدِ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا مُسدَّدٌ وقُتيبةُ، قالا: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أرادَ أن ينامَ وهُو جُنُبٌ، تَوضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥): أخبرنا محمدُ بن عُبيدِ بن محمدٍ الكُوفيُّ. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ،

стр. 5673

قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن الصَّبّاح، قالا: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، عن يُونُس، عنِ الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان إذا أرادَ أن ينامَ وهُو جُنُبٌ، توضَّأ، وإذا أرادَ أن يأكُلَ، غسَلَ يَدَيهِ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو الجَهم الأزرقُ بن عليٍّ المدينيُّ، قال: حدَّثنا حسّانُ بن إبراهيمَ. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢): أخبرنا سُويدُ بن نصرٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه، يعني: ابنَ المُباركِ. جميعًا، عن يُونُس، عنِ الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ (٣)، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ إذا أرادَ أن ينامَ وهُو جُنُبٌ توضَّأ، وإذا أرادَ أن يأكُلَ أو يشرَبَ، غسَلَ يَديهِ، ثُمَّ يأكُلُ أو يَشْربُ. واللَّفظُ لحديثِ ابنِ المُباركِ، وحديثُ حسّان بن إبراهيم مِثلُهُ بمعناهُ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): رَوَى هذا الحديثَ ابنُ وَهْبٍ، عن يُونُس، عنِ الزُّهريِّ. فجعَلَ قِصّةَ الأكلِ قول عائشةَ. ورواهُ صالحُ بن أبي الأخضرِ كما قال ابنُ المُباركِ، إلّا أنَّهُ قال:

стр. 5674

عن عُروةَ، أو أبي سَلَمةَ (١). ورواهُ الأوزاعيُّ، عن يُونُس، عنِ الزُّهريِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ كما قال ابنُ المُباركِ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢). وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ. قالا جميعًا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبةَ، عنِ الحَكَم، عن إبراهيمَ، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أرادَ أن ينامَ أو يأكُلَ، توضَّأ، تعني: وهُو جُنُبٌ. هذا لفظُ أبي داود. ولفظُ بكرٍ، عن (٣) النَّبيِّ ﷺ كان إذا أرادَ أن يأكُلَ وهُو جُنُبٌ، تَوضَّأ مِثلَ وُضوئهِ للصَّلاةِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا يحيى، قال: تركَ شُعبةُ حديث الحكم في الجُنُبِ إذا أراد أن يأكُل (٤). وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 5675

قال (١): حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: حدَّثنا عَطاءٌ الخُراسانيُّ، عن يحيى بن يَعْمر (٢)، عن عمّارِ بن ياسِرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّصَ للجُنُبِ إذا أكلَ أو شرِبَ أو نامَ، أن يتوضَّأ. قال أبو داود: بينَ يحيى وعمّارٍ في هذا الحديثِ رَجُلٌ. قال (٣): وقال عليٌّ وابنُ عُمر: الجُنُبُ إذا أرادَ أن يأكُل توضَّأ. ورَوَى سُفيانُ الثَّوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان ينامُ وهُو جُنُبٌ، ولا يَمسُّ ماءً (٤). قال سُفيانُ: وهذا الحديثُ خطأٌ. ونحنُ نقولُ به. قال أبو عُمر: يقولُونَ: إنَّ الخطأ فيه (٥) من قِبَلِ أبي إسحاق (٦)؛ لأنَّ إبراهيمَ النَّخعيَّ رَوَى عنِ الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ إذا أرادَ أن

стр. 5676

ينامَ وهُو جُنُبٌ، توضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ (١). وزاد فيه الحكمُ، عن إبراهيم، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ: إذا أرادَ أن يأكُلَ أو ينامَ. وقد رَوَى هذا الحديثَ عن أبي إسحاقَ جماعةٌ، بمعنًى واحِدٍ (٢)، منهُم: شُعبةُ (٣)، والأعمشُ (٤)، والثَّوريُّ (٥)، وإسماعيلُ بن أبي خالدٍ (٦)، وشَريكٌ (٧)، وإسرائيلُ (٨)، وزُهيرُ بن مُعاويةَ (٩). وأحسنُهُم لهُ سياقةً: إسرائيلُ وزُهيرٌ وشُعبةُ؛ لأنَّهُم ساقُوهُ بتمامِهِ، وأمّا غيرُهُم فاخْتَصرُوهُ. ومِمَّنِ اختَصَرهُ: الأعمشُ، والثَّوريُّ، وشريكٌ، وإسماعيلُ، قالوا كلُّهُم: عن أبي إسحاق، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ ينامُ وهُو جُنُبٌ، ولا يَمسُّ ماءً.

стр. 5677

وفي رِوايةِ شريكٍ، قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يأتي بعضَ نِسائهِ، ثُمَّ يَهْجَعُ هَجْعةً (١)، قال: قلتُ: مِن قَبلِ أن يتوضَّأ؟ قالت: نعَمْ. وقد تأوَّلَ بعضُهُم في حديثِ شريكٍ هذا: أنَّها الهَجْعةُ التي كانت لهُ قبلَ الفَجرِ (٢)، يَسْتريح فيها من نَصبِهِ باللَّيلِ. وأمّا حديثٌ إسرائيل وشُعبةَ: فحدَّثنا أحمدُ بن فتْح، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَجاءٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عنِ الأسودِ، قال: سألتُ عائشةَ، عن صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ باللَّيلِ، فقالت: كان ينامُ أوَّلَ اللَّيلِ ويقومُ آخِرَ اللَّيلِ، فيُصلِّي ما قُضِيَ لهُ، فإذا صلَّى صَلاتهُ، مالَ إلى فِراشِهِ، فإن كانت لهُ حاجةٌ إلى أهلِهِ، أتَى أهلهُ، ثُمَّ نامَ كهيئَتِهِ لم يَمسَّ ماءً، حتّى إذا سمِعَ المُناديَ الأوَّلَ، قالت: وثَبَ. وما قالت: قام. فإن كان جُنُبًا، أفاضَ عليه الماءَ. وما قالتِ: اغتسلَ. وإن لم يكُن جُنُبًا، توضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ، ثُمَّ يُصلِّي ركعتينِ، ثُمَّ يخرُجُ إلى المَسجِدِ (٣). وحدَّثنا أحمدُ بن فتح، قال: حدَّثنا إسحاقُ (٤) بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: أخبرنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عنِ الأسودِ، قال: سألتُ عائشةَ عن صلاةِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، قالت: كان ينصِرفُ من المسجِدِ فيُوتِرُ برَكْعةٍ، فإذا كانت لهُ حاجةٌ

стр. 5678

إلى أهلِهِ أتاهُم، ثُمَّ ينامُ، فإذا سمِعَ الأذانَ أفاضَ عليه من الماءِ إن كان جُنُبًا، وإلّا توضَّأ، ثُمَّ خرجَ إلى المسجِدِ (١). وكذلك رواهُ زُهَيرُ بن مُعاويةَ، عن أبي إسحاق، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان ينامُ أوَّلَ اللَّيلِ، ويُحيي آخِرهُ، ثُمَّ إن كانت لهُ حاجةٌ، قَضَى حاجتهُ، ثُمَّ يَنامُ قبلَ أن يَمسَّ ماءً، فإذا كان عندَ النِّداءِ الأوَّلِ، قامَ فأفاضَ الماءَ عليه، وإن نامَ جُنُبًا، تَوضَّأ وُضُوءَ الرَّجُلِ للصَّلاةِ. قال الطَّحاويُّ (٢): قولُهُ في هذا الحديثِ: قَضَى حاجتهُ، ثُمَّ ينامُ قبلَ أن يَمسَّ ماءً. مَعناهُ: قبلَ أن يغتسِلَ، لئَلّا (٣) يتضادَّ، لأنَّهُ قد أخبَرَ في هذا الحديثِ: أنَّهُ إذا كان جُنُبًا، توضَّأ ثُمَّ نامَ. وقد عارَضَ قومٌ حديثَ ابنِ عُمرَ وعائشةَ هذا، في الوُضُوءِ عندَ النَّوم، بحديثِ سعيدِ بن الحُوَيرِثِ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ خرَجَ من الخَلاءِ، فأُتي بطعام، فقالوا: ألا نأتيكَ بطُهرٍ؟ فقال: "أُصلِّي فاتطَهَّرُ؟ ". وبعضُهُم يقولُ فيه: فقيلَ لهُ: ألا تَتَوضَّأ؟ فقال: "ما أرَدتُ الصَّلاةَ فأتَوضَّأ". حدَّثناهُ سعيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ، قال: أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرنا سعيدُ بن الحُويرِثِ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ

стр. 5679

تبرَّز لحاجتِهِ، فأُتِيَ بعَرْقِ لحم، فأكلَ منهُ، ولم يَمسَّ ماءً. قال ابنُ جُريج: فذكَرتُهُ لعَمرِو بن دينارٍ فعَرَفهُ، وزاد فيه: إنَّهُ قيلَ لهُ: ألا تتوضَّأ؟ فقال: "ما أرَدتُ الصَّلاةَ فأتوضأ" (١). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، قال: سمِعتُ سعيد بن الحُويرِثِ، يقولُ: سمِعتُ ابن عبّاسٍ، يقولُ: كُنّا عندَ رسُول اللَّه ﷺ ، فخرَجَ من الغائطِ، فأتي بطعام، فقيلَ لهُ: ألا تَتَوضَّأ، فقال: "أأُصلي فأتَوضَّأ؟ ". ورواهُ أيُّوبُ (٣) وحمّادُ بن زيدٍ (٤) وغيرُهُما، عن عَمرِو بن دينارٍ بإسنادِهِ مِثلهُ. قالوا: ففي هذا الحديثِ أنَّ الوُضُوءَ لا يكونُ إلّا لمن أرادَ الصَّلاةَ. وفي ذلك دَفْعٌ للوُضُوءِ عندَ النَّوم، وعندَ الأكلِ.

стр. 5680

قالوا: وقد يُمكِنُ أن يكونَ الوُضُوءُ المذكُورُ عندَ النَّوم، هُو التَّنظُّفَ من الأذَى، وغَسلَ اليَدينِ، فلِذلك يُسمَّى وُضُوءًا في لسانِ العَربِ. قالوا: وقد كان ابنُ عُمر لا يَتَوضَّأُ عندَ النَّوم الوُضُوءَ الكامِلَ للصَّلاةِ، وهُو رَوَى الحديث، وعلِمَ مخرجَهُ. قال أبو عُمر: قد ذكرَ الحُفّاظُ في حديثِ عائشةَ المذكُورِ في هذا البابِ: كان رسُولُ اللَّه ﷺ لا ينامُ إذا كان جُنُبًا، حتّى يتوضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ (١). وكذلك في حديثِ الثَّوريِّ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "يَغسِلُ ذكَرَهُ ويتوضَّأُ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ". وهذا اللَّفظُ يُوجِبُ أن يكونَ الوُضُوءَ السّابغَ الكامِلَ للصَّلاةِ، وهي زيادةٌ قصَّرَ عنها من لم يذكُرها، وليسَ في تقصيرِ من قصَّرَ عن ذِكرِ شيءٍ من الأحْكام، حُجّةٌ على من ذَكَرهُ. وأوْلى الأُمُورِ عِندي في هذا البابِ أن يكونَ الوُضُوءُ للجُنُبِ عندَ النَّوم، كوُضُوءِ الصَّلاةِ، حَسَنًا (٢) مُستحبًّا، فإن تَرَكهُ تارِكٌ، فلا حرجَ، لأنَّهُ لا يُرفعُ به حدَثُهُ، وإنَّما جَعلتُهُ مُستحبًّا ولم أجعلهُ سُنّةً، لتعارُضِ الآثارِ فيه عنِ النَّبيِّ ﷺ ، واختِلافِ ألفاظِ نَقَلتِهِ، ولا يُثبِتُ ما كانت هذه حالَهُ سُنّةً. وأمّا من أوجَبهُ من أهلِ الظّاهِرِ، فلا معنى للاشتِغالِ بقولِهِ، لشُذُوذِهِ، ولأنَّ الفَرائضَ لا تثبُتُ إلّا بيقينٍ، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 5681

حديثٌ ثانيَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، قال: بينما النّاسُ بقُباءٍ في صَلاةِ الصُّبح، إذ جاءَهُم آتٍ، فقال: إنَّ رسُول اللَّه ﷺ قَدْ أُنزِلَ عليه اللَّيلةَ قُرآنٌ، وقَدْ أُمِرَ أن يَسْتقبِلَ الكَعْبةَ، فاسْتَقبِلُوها. وكانَتْ وُجُوهُهُم إلى الشّام، فاسْتَدارُوا إلى الكَعْبةِ. (٢) هكذا رَوى هذا الحديثَ جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ (٣)، إلّا عبدَ العزيزِ بن يحيى، فإنَّهُ رواهُ عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. والصَّحيحُ ما في "المُوطَّأ": مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، واللَّه أعلمُ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على قبُولِ خَبرِ الواحِدِ، وإيجابِ الحُكم والعَملِ به، لأنَّ الصَّحابةَ ﵃، قدِ اسْتَعملُوا خَبرهُ، وقَضَوْا به، وتركُوا قِبلةً كانوا عليها، لخبرِهِ، وهُو واحِدٌ، ولم يُنكِر ذلك عليهم رسُولُ اللَّه ﷺ ، ولا أنْكَرهُ واحِدٌ منهُم، وحَسْبُكُ بمِثلِ هذا قُوّةً من عَملِ القَرْنِ المُختارِ، خيرِ القُرُونِ، وفي حياةِ الرَّسُولِ ﷺ .

стр. 5682

ورُوِيَ أنَّ الآتيَ المُخبِرَ لهم بما في هذا الحديثِ، هُو عبّادُ بن بِشرٍ. رَوَى إبراهيمُ بن حَمْزةَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن جَعْفرِ بن محمُودِ بن محمدِ (١) بن مَسْلمةَ الأنصاريُّ، عن أبيه، عن جَدَّتِهِ نُوَيْلةَ (٢) بنتِ أسلمَ، وكانت من المُبايِعاتِ، قالت: كُنّا في صَلاةِ الظُّهرِ، فأقبلَ عبّادُ بن بِشرِ بن قَيْظيٍّ، فقال: إنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قدِ اسْتَقبلَ الكَعْبةَ -أو قال: البيتَ الحَرامَ- فتَحوَّل الرِّجالُ مكانَ النِّساءِ، وتحوَّلَ النِّساءُ مكانَ الرِّجالِ (٣). وفيه: أنَّ القُرآن كان يَنزِلُ على رسُولِ اللَّه ﷺ شيئًا بعدَ شيءٍ، وفي حالٍ بعدَ حالٍ، على حسَبِ الحاجةِ إليه، حتّى أكمَلَ اللَّهُ دينَهُ، وقَبَضَ رسُولَهُ ﷺ ، وإنَّما أُنزِلَ القُرآنُ جُملةً واحِدةً ليلةَ القدرِ إلى سماءِ الدُّنيا، ثُمَّ كان ينزِلُ به جِبريلُ ﵇، نَجْمًا بعدَ نجم، وحِينًا بعدَ حينٍ، قال اللَّهُ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] يعني القُرآنَ. قالوا: إلى سماءِ الدُّنيا. وقال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].

стр. 5683

وهذا الحديثُ أصلٌ في كلِّ من صلَّى على حالٍ، ثُمَّ تَغيَّرت به حالُهُ تلك قبلَ أن يُتِمَّ صلاتهُ، أنَّهُ يُتِمُّها، ولا يقطعُها ليَستأنِف غيرها، ويُجزئه ما مَضَى منها، وما أتمَّهُ على غيرِ سُنَّتِهِ. كمَنْ صلَّى عُريانًا، ثُمَّ وجدَ ثوبًا في الصَّلاةِ، أوِ ابْتَدأ صلاتهُ صحيحًا، فمرِضَ، أو مَرِيضًا فصحَّ، أو قاعِدًا، ثُمَّ قدرَ على القيام. وفي هذه المسائلِ، وفيمَنْ طرأ الماءُ عليه في الصَّلاةِ، تنازُعٌ بين العُلماءِ قد بيَّناهُ في غيرِ هذا الموضِع، والحَمدُ للَّه. وفيه: دليلٌ على أنَّ بيتَ المَقدِسِ كان رسُولُ اللَّه ﷺ وأصحابُهُ يُصلُّونَ إليه إذ قَدِمُوا المدينةَ، وذلك بأمرِ اللَّه لهم بذلك لا محالةَ، ثُمَّ نسَخَ اللَّهُ ذلك، وأمرَهُ أن يَسْتقبِلَ بصلاتِهِ الكَعْبةَ، وكان رسُولُ اللَّه ﷺ يُريدُ ذلك، ويَرْفعُ طرفهُ إلى السَّماءِ فيه، فأنزلَ اللَّهُ : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآيةَ [البقرة: ١٤٤]. وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ في أحكام اللَّه ناسِخًا ومَنسُوخًا، على حسَبِ ما ذكَرَ في كِتابِهِ، وعلى لسانِ رسُولِهِ. واجتمعَتْ على ذلك أُمَّتُهُ ﷺ ، فلا وجهَ للقولِ في ذلك، وقد مَضَى من البيانِ فيه ما يُغني ويكفي، في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا. أخبَرنا خلَفُ بن أحمدَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا عليُّ بن معبدٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن خالدٍ، قال: حدَّثنا زُهيرُ بن مُعاويةَ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن الوَرْدِ، قال:

стр. 5684

حدَّثنا محمدُ بن عَمرِو بن خالدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا زُهيرُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عنِ البَراءِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لمّا قدِمَ المدينةَ صلَّى قِبلَ بَيْتِ المقدِسِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، أو سبعةَ عشَرَ شهرًا، وكان يُعجِبُهُ أن تكونَ قِبلتُهُ البيتَ، وأنَّهُ صلَّى أوَّل صَلاةٍ صلّاها، صلاةَ العَصْرِ، وصلَّى معهُ قومٌ، فخرَجَ رجُل مِمَّن كان صلَّى معهُ، فمرَّ على أهلِ مَسْجِدٍ، فقال: أشْهَدُ باللَّه لقد صلَّيتُ مع رسُولِ اللَّه ﷺ قِبلَ مَكّةَ. فدارُوا كما هُم قِبلَ البيتِ، وكانتِ اليَهُودُ أعْجَبهُم، إذ كان يُصلِّي إلى بيتِ المقدِسِ، فلمّا ولَّى وجهَهُ قِبلَ البيتِ، أنْكَرُوا ذلك. وذكرَ تمامَ الحديثِ (١). قال عليُّ بن مَعبدٍ: وأخبَرنا أحمدُ بن البَخْتريِّ، قال: حدَّثنا المُؤَمَّلُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عُمارةُ بن زاذانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: حُوِّل النَّبيُّ ﵇ من بيتِ المقدِسِ إلى الكعبةِ، وهُو راكِعٌ، فاسْتَدارَ في رُكُوعِهِ، واسْتقبَلَ الكَعْبةَ (٢). وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ شأنَ القِبلةِ أوَّلُ ما نُسِخَ من القُرآنِ. وأجمعُوا أنَّ ذلك كان بالمدينةِ، وأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ إنَّما صُرِفَ عنِ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المقدِسِ، وأُمِر بالصَّلاةِ إلى الكعبةِ بالمدينةِ.

стр. 5685

واختَلفُوا في صَلاتِهِ ﷺ حينَ فُرِضَتْ عليه الصلاةُ بمكّةَ: هل كانت إلى بَيْتِ المقدِسِ، أو إلى مكّةَ؟ فقالت طائفةٌ: كانت صلاتُهُ إلى بيتِ المقدِسِ، من حينَ فُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ بمكّةَ، إلى أن قدِمَ المدينةَ، ثُمَّ بالمدينةِ سَبعةَ (١) عشرَ شهرًا، أو نحوها، حتّى صَرفهُ اللَّه إلى الكَعْبةِ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا وجيهُ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا بكّارُ بن قُتيبةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي نحو بيتِ المَقْدِسِ وهُو بمكّةَ، والكعبةُ بينَ يَديهِ، وبعدَما هاجَرَ إلى المدينةِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ صُرِفَ إلى الكَعْبةِ (٢). وقال آخرُونَ: إنَّما صلَّى رسُولُ اللَّه ﷺ أوَّل ما افتُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ إلى الكَعْبةِ، ولم يَزَل يُصلِّي إلى الكَعْبةِ طُولَ مُقامِهِ بمكّةَ. ثُمَّ لمّا قدِمَ المدينةَ، صلَّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ثمانيةَ عشَرَ شهرًا، أو سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ صرَفَهُ اللَّهُ إلى الكَعْبةِ. وسَنذكُرُ الرِّوايةَ بذلك عمَّن قالهُ، في هذا البابِ إن شاءَ اللَّه. أخبَرنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا الحسنُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بَحْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا سُنَيدُ بن داود، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قال ابنُ عبّاسٍ -وسُئلَ عن قَولِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقولِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي

стр. 5686

أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهُو يَنزِلُ في غَيرِهِ- فقال: نزَلَ به جِبريلُ ﵇ جُملةً واحِدةً، ثُمَّ كان يَنزِلُ منهُ في الشُّهُورِ (١). وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبَرنا محمدُ بن قُدامةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قولُهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: نزلَ القُرآنُ جُملةً واحِدةً في لَيْلةِ القدرِ إلى سماءِ الدُّنيا، فكانَ اللَّهُ ﵎ يُنزِّلُ على رسُولِهِ ﷺ بعضَهُ في إثرِ بعضٍ، قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]. قال أبو عُمر: ورُوي عن عِكرِمةَ، في قَولِ اللَّه : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] قال: القُرآنُ نزلَ جُملةً واحِدةً، فوُضِعَ مواقِعَ النُّجُوم، فجعَلَ جِبريلُ ﵇ ينزِلُ بالآيةِ، والآيتَينِ (٣). وقال غيرُهُ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: بمساقِطِ نُجُوم القُرآنِ كلِّها، أوَّلهِ وآخِرِهِ. ومِن الحُجّةِ لهذا القولِ، قولُهُ : ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ الآياتِ [الواقعة: ٧٦ - ٧٧]. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبَرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، قال: أخبَرنا المُعتمِرُ بن سُليمانَ،

стр. 5687

عن أبي عَوانةَ، عن حُصينٍ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: نزلَ القُرآنُ جميعًا في لَيْلةِ القدرِ إلى السَّماءِ الدُّنيا (١)، ثُمَّ فُصِّلَ، فنزلَ في السِّنينَ، وذلك قولُهُ : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]. وأمّا شأنُ القِبلةِ، فأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبرنا أبو بكر بن نافع، قال: حدَّثنا بهزٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: أخبَرنا ثابتٌ، عن أَنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَهُ كانوا يُصلُّونَ نحوَ بيتِ المقدِسِ، فلمّا نزلَتْ هذه الآيةُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] مرَّ رجُلٌ من بني سَلِمةَ، فناداهُم وهُم رُكُوع في صَلاةِ الفَجْرِ: ألا إنَّ القِبلةَ قد حُوِّلَتْ إلى الكَعْبةِ. فمالُوا رُكُوعًا. وذكرَ سُنيدٌ، عن حَجّاج، عنِ ابنِ جُريج، قال: قال ابنُ عبّاس: كان النَّبيُّ ﷺ يَسْتقبِلُ صَخْرةَ بيتِ المقدِسِ فأوَّلُ آيةٍ نُسخَتْ من القُرآنِ القِبْلةُ، ثمَّ الصِّيامُ الأوَّلُ. قال ابنُ جُريج: صلَّى أوَّلَ ما صلَّى إلى الكَعْبةِ، ثمَّ صُرِفَ إلى بيتِ القدسِ، فصَلَّتِ الأنصارُ نحوَ بَيْت المقدسِ (٣) قبلَ قُدُومِهِ ﷺ ثلاثَ حِجَج، وصلَّى بعدَ قُدُومِهِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ وجَّههُ اللَّهُ ﵎ إلى البيتِ الحرام (٤). قال أبو عُمر: من حُجّةِ الذينَ قالوا: إنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ إنَّما صلَّى إلى بيتِ المقدِسِ بالمدينةِ، وأنَّهُ إنَّما كان يُصلِّي بمكّةَ إلى الكعبةِ:
следующие страницы →