← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5683–5722 · переход к 5688.

стр. 5683

وهذا الحديثُ أصلٌ في كلِّ من صلَّى على حالٍ، ثُمَّ تَغيَّرت به حالُهُ تلك قبلَ أن يُتِمَّ صلاتهُ، أنَّهُ يُتِمُّها، ولا يقطعُها ليَستأنِف غيرها، ويُجزئه ما مَضَى منها، وما أتمَّهُ على غيرِ سُنَّتِهِ. كمَنْ صلَّى عُريانًا، ثُمَّ وجدَ ثوبًا في الصَّلاةِ، أوِ ابْتَدأ صلاتهُ صحيحًا، فمرِضَ، أو مَرِيضًا فصحَّ، أو قاعِدًا، ثُمَّ قدرَ على القيام. وفي هذه المسائلِ، وفيمَنْ طرأ الماءُ عليه في الصَّلاةِ، تنازُعٌ بين العُلماءِ قد بيَّناهُ في غيرِ هذا الموضِع، والحَمدُ للَّه. وفيه: دليلٌ على أنَّ بيتَ المَقدِسِ كان رسُولُ اللَّه ﷺ وأصحابُهُ يُصلُّونَ إليه إذ قَدِمُوا المدينةَ، وذلك بأمرِ اللَّه لهم بذلك لا محالةَ، ثُمَّ نسَخَ اللَّهُ ذلك، وأمرَهُ أن يَسْتقبِلَ بصلاتِهِ الكَعْبةَ، وكان رسُولُ اللَّه ﷺ يُريدُ ذلك، ويَرْفعُ طرفهُ إلى السَّماءِ فيه، فأنزلَ اللَّهُ : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآيةَ [البقرة: ١٤٤]. وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ في أحكام اللَّه ناسِخًا ومَنسُوخًا، على حسَبِ ما ذكَرَ في كِتابِهِ، وعلى لسانِ رسُولِهِ. واجتمعَتْ على ذلك أُمَّتُهُ ﷺ ، فلا وجهَ للقولِ في ذلك، وقد مَضَى من البيانِ فيه ما يُغني ويكفي، في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا. أخبَرنا خلَفُ بن أحمدَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا عليُّ بن معبدٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن خالدٍ، قال: حدَّثنا زُهيرُ بن مُعاويةَ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن الوَرْدِ، قال:

стр. 5684

حدَّثنا محمدُ بن عَمرِو بن خالدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا زُهيرُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عنِ البَراءِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لمّا قدِمَ المدينةَ صلَّى قِبلَ بَيْتِ المقدِسِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، أو سبعةَ عشَرَ شهرًا، وكان يُعجِبُهُ أن تكونَ قِبلتُهُ البيتَ، وأنَّهُ صلَّى أوَّل صَلاةٍ صلّاها، صلاةَ العَصْرِ، وصلَّى معهُ قومٌ، فخرَجَ رجُل مِمَّن كان صلَّى معهُ، فمرَّ على أهلِ مَسْجِدٍ، فقال: أشْهَدُ باللَّه لقد صلَّيتُ مع رسُولِ اللَّه ﷺ قِبلَ مَكّةَ. فدارُوا كما هُم قِبلَ البيتِ، وكانتِ اليَهُودُ أعْجَبهُم، إذ كان يُصلِّي إلى بيتِ المقدِسِ، فلمّا ولَّى وجهَهُ قِبلَ البيتِ، أنْكَرُوا ذلك. وذكرَ تمامَ الحديثِ (١). قال عليُّ بن مَعبدٍ: وأخبَرنا أحمدُ بن البَخْتريِّ، قال: حدَّثنا المُؤَمَّلُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عُمارةُ بن زاذانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: حُوِّل النَّبيُّ ﵇ من بيتِ المقدِسِ إلى الكعبةِ، وهُو راكِعٌ، فاسْتَدارَ في رُكُوعِهِ، واسْتقبَلَ الكَعْبةَ (٢). وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ شأنَ القِبلةِ أوَّلُ ما نُسِخَ من القُرآنِ. وأجمعُوا أنَّ ذلك كان بالمدينةِ، وأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ إنَّما صُرِفَ عنِ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المقدِسِ، وأُمِر بالصَّلاةِ إلى الكعبةِ بالمدينةِ.

стр. 5685

واختَلفُوا في صَلاتِهِ ﷺ حينَ فُرِضَتْ عليه الصلاةُ بمكّةَ: هل كانت إلى بَيْتِ المقدِسِ، أو إلى مكّةَ؟ فقالت طائفةٌ: كانت صلاتُهُ إلى بيتِ المقدِسِ، من حينَ فُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ بمكّةَ، إلى أن قدِمَ المدينةَ، ثُمَّ بالمدينةِ سَبعةَ (١) عشرَ شهرًا، أو نحوها، حتّى صَرفهُ اللَّه إلى الكَعْبةِ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا وجيهُ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا بكّارُ بن قُتيبةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي نحو بيتِ المَقْدِسِ وهُو بمكّةَ، والكعبةُ بينَ يَديهِ، وبعدَما هاجَرَ إلى المدينةِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ صُرِفَ إلى الكَعْبةِ (٢). وقال آخرُونَ: إنَّما صلَّى رسُولُ اللَّه ﷺ أوَّل ما افتُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ إلى الكَعْبةِ، ولم يَزَل يُصلِّي إلى الكَعْبةِ طُولَ مُقامِهِ بمكّةَ. ثُمَّ لمّا قدِمَ المدينةَ، صلَّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ثمانيةَ عشَرَ شهرًا، أو سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ صرَفَهُ اللَّهُ إلى الكَعْبةِ. وسَنذكُرُ الرِّوايةَ بذلك عمَّن قالهُ، في هذا البابِ إن شاءَ اللَّه. أخبَرنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا الحسنُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بَحْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا سُنَيدُ بن داود، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قال ابنُ عبّاسٍ -وسُئلَ عن قَولِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقولِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي

стр. 5686

أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهُو يَنزِلُ في غَيرِهِ- فقال: نزَلَ به جِبريلُ ﵇ جُملةً واحِدةً، ثُمَّ كان يَنزِلُ منهُ في الشُّهُورِ (١). وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبَرنا محمدُ بن قُدامةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قولُهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: نزلَ القُرآنُ جُملةً واحِدةً في لَيْلةِ القدرِ إلى سماءِ الدُّنيا، فكانَ اللَّهُ ﵎ يُنزِّلُ على رسُولِهِ ﷺ بعضَهُ في إثرِ بعضٍ، قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]. قال أبو عُمر: ورُوي عن عِكرِمةَ، في قَولِ اللَّه : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] قال: القُرآنُ نزلَ جُملةً واحِدةً، فوُضِعَ مواقِعَ النُّجُوم، فجعَلَ جِبريلُ ﵇ ينزِلُ بالآيةِ، والآيتَينِ (٣). وقال غيرُهُ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: بمساقِطِ نُجُوم القُرآنِ كلِّها، أوَّلهِ وآخِرِهِ. ومِن الحُجّةِ لهذا القولِ، قولُهُ : ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ الآياتِ [الواقعة: ٧٦ - ٧٧]. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبَرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، قال: أخبَرنا المُعتمِرُ بن سُليمانَ،

стр. 5687

عن أبي عَوانةَ، عن حُصينٍ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: نزلَ القُرآنُ جميعًا في لَيْلةِ القدرِ إلى السَّماءِ الدُّنيا (١)، ثُمَّ فُصِّلَ، فنزلَ في السِّنينَ، وذلك قولُهُ : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]. وأمّا شأنُ القِبلةِ، فأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبرنا أبو بكر بن نافع، قال: حدَّثنا بهزٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: أخبَرنا ثابتٌ، عن أَنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَهُ كانوا يُصلُّونَ نحوَ بيتِ المقدِسِ، فلمّا نزلَتْ هذه الآيةُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] مرَّ رجُلٌ من بني سَلِمةَ، فناداهُم وهُم رُكُوع في صَلاةِ الفَجْرِ: ألا إنَّ القِبلةَ قد حُوِّلَتْ إلى الكَعْبةِ. فمالُوا رُكُوعًا. وذكرَ سُنيدٌ، عن حَجّاج، عنِ ابنِ جُريج، قال: قال ابنُ عبّاس: كان النَّبيُّ ﷺ يَسْتقبِلُ صَخْرةَ بيتِ المقدِسِ فأوَّلُ آيةٍ نُسخَتْ من القُرآنِ القِبْلةُ، ثمَّ الصِّيامُ الأوَّلُ. قال ابنُ جُريج: صلَّى أوَّلَ ما صلَّى إلى الكَعْبةِ، ثمَّ صُرِفَ إلى بيتِ القدسِ، فصَلَّتِ الأنصارُ نحوَ بَيْت المقدسِ (٣) قبلَ قُدُومِهِ ﷺ ثلاثَ حِجَج، وصلَّى بعدَ قُدُومِهِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ وجَّههُ اللَّهُ ﵎ إلى البيتِ الحرام (٤). قال أبو عُمر: من حُجّةِ الذينَ قالوا: إنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ إنَّما صلَّى إلى بيتِ المقدِسِ بالمدينةِ، وأنَّهُ إنَّما كان يُصلِّي بمكّةَ إلى الكعبةِ:

стр. 5688

ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عنِ البَراءِ بن عازِبٍ، قال: لمّا قدِمَ النَّبيُّ ﷺ المدينةَ صلَّى نحوَ بَيْتِ المقدِسِ سِتّةَ عشَرَ، أو سبعةَ عشَرَ شهرًا، وكان يُحِبُّ أن يُوجَّه إلى الكَعْبةِ، فأنزلَ اللَّه : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] فوُجِّه نحوَ الكعبةِ، وكان يُحِبُّ ذلك (١). فظاهِرُ هذا الخبرِ يدُلُّ على أنَّهُ لمّا قدِمَ المدينةَ صلَّى إلى بَيْتِ المقدِسِ، لا قبلَ ذلك، واللَّه أعلمُ. ويدُلُّ على ذلك أيضًا: ما حدَّثناهُ أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان أوَّلُ ما نسَخَ اللَّهُ من القُرآنِ القِبلةَ، وذلك أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لمّا هاجَرَ إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهُودُ، أمرَهُ اللَّهُ أن يَسْتقبِلَ بيتَ المقدِسِ، ففرِحتِ اليهُودُ، فاستَقبلَها رسُولُ اللَّه ﷺ بضعةَ (٢) عشَرَ شهرًا، وكان رسُولُ اللَّه ﷺ (٣) يُحِبُّ قِبلةَ إبراهيمَ، وكان يَدْعُو اللَّهَ، وينظُرُ إلى السَّماءِ، فأنزلَ اللَّه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يعني: نحوَهُ. فارتابَ اليهُودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ

стр. 5689

الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) [البقرة: ١٤٢]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال ابنُ عبّاس: ليَمِيزَ أهلَ اليَقينِ من أهلِ الشَّكِّ (٢). وأجمعَ العُلماءُ أنَّ القِبلةَ التي أمرَ اللَّهُ نبيَّهُ وعِبادَهُ بالتَّوجُّهِ نحوها في صَلاتِهِم، هي الكعبةُ، البيتُ الحرامُ بمكّةَ، وأنَّهُ فرضٌ على كلِّ من شاهَدَها وعايَنَها اسْتِقبالُها وأنَّهُ إن تركَ اسْتِقبالَها (٣)، وهُو مُعايِنٌ لها، أو عالِمٌ بجِهَتِها، فلا صلاةَ لهُ، وعليه إعادةُ كلِّ ما صلَّى كذلك. وأجمعُوا على (٤) أنَّهُ من صلَّى إلى غيرِ القِبلةِ من غيرِ اجتِهادٍ حَملهُ على ذلك، أنَّ صَلاتهُ غيرُ مُجزِئةٍ عنهُ، وعليه إعادتُها إلى القِبلةِ، كما لو صلَّى بغيرِ طَهارةٍ. وفي هذا المعنى حُكمُ من صلَّى في مَسْجِدٍ يُمكِنُهُ طلبُ القِبْلةِ فيه بالمِحرابِ وشِبههِ، فلم يَفْعل، وصلَّى إلى غَيرِها. وأجمعُوا على أنَّ على كلِّ من غابَ عنها، أن يَسْتقبِلَ ناحيتَها وشَطْرَها وتلْقاءَها، وعلى أنَّ على من خَفِيت عليه ناحيتُها، الاسْتِدلالُ عليها بكلِّ ما يُمكِنُهُ من النُّجُوم، والجبالِ، والرِّياح، وغيرِ ذلك، مِمّا يُمكِنُ أن يُستَدلَّ به على ناحيتِها. وفي حديثِ هذا الباب دَليلٌ على أنَّ من صلَّى إلى القِبْلةِ عندَ نفسِهِ باجتِهادِهِ، ثُمَّ بانَ لهُ، وهُو في الصَّلاةِ أنَّهُ اسْتَدبرَ القِبلةَ، أو شَّرقَ، أو غرَّبَ، أنَّهُ يَنْحرِفُ ويَبْني.

стр. 5690

وإنَّما قلتُ: إنَّ الاستِدبارَ، والتَّشريقَ، والتَّغريبَ، سواءٌ، لأنَّ بيتَ المقدِسِ لا يَكادُ أن يَسْتقبِلَهُ إلّا منِ اسْتَدبرَ الكعبةَ، وذلك بدليلِ حديثٍ ابنِ عُمرَ، قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ مُسْتقبِلَ الكَعْبةِ، مُسْتدبِرَ بيتِ المقدِسِ لحاجتِهِ (١). وهذا موضِعٌ فيه اختِلافٌ كثيرٌ، وباللَّه التَّوفيقُ. واختلَفَ الفُقهاءُ فيمَنْ غابت عنهُ القِبلةُ، فصلَّى مُجتهِدًا كما أُمِرَ، ثُمَّ بانَ لهُ بعد فراغِهِ من الصَّلاةِ: أنَّهُ قد أخطأ القِبلةَ، بأنِ اسْتَدبرَها، أو شرَّقَ، أو غرَّبَ عنها، أو بانَ لهُ ذلك وهُو في الصَّلاةِ (٢). فجُملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّ من صلَّى مُجتهِدًا على قَدْرِ طاقتِهِ، طالِبًا للقِبلةِ وناحِيَتِها، إذا خَفيَتْ عليه، ثُمَّ بانَ لهُ بعدَ صلاتِهِ، أنَّهُ قدِ اسْتَدبرَها: أنَّهُ يُعيدُ ما دامَ في الوَقتِ، فإنِ انصرمَ الوقتُ، فلا إعادةَ عليه، والوقتُ في ذلك للظُّهرِ، والعَصْرِ، ما لم تصفرَّ الشَّمسُ. وقد رُوي عن مالكٍ أيضًا: أنَّ الوقتَ في ذلك: ما لم تغرُبِ الشَّمسُ، وفي المغرِبِ والعِشاءِ ما لم ينفجِرِ الصُّبحُ، وفي صلاةِ الصُّبح، ما لم تطلُع الشَّمسُ. وقال بعضُ أصحابِ مالكٍ: ما لم تَصفرَّ (٣) جِدًّا. والأوَّلُ أصحُّ. فإن عَلِمَ أنَّهُ اسْتَدبرها، وهُو في صلاتِهِ، أو شرَّقَ أو غرَّبَ، قطَعَ وابتدأ، وإن لم يُشرِّق ولم يُغرِّب، ولكِنَّهُ انحرفَ انحِرافًا يسيرًا، فإنَّهُ ينحرِفُ إلى القِبلةِ إذا علِمَ، ويتمادى ويُجزِئُهُ، ولا شيءَ عليه.

стр. 5691

قال أشهبُ (١): سُئلَ مالكٌ عمَّن صلَّى إلى غيرِ قِبلةٍ. فقال: إن كان انحرَفَ انحِرافًا يسيرًا، فلا أرَىَ عليه إعادة، وإن كان انحرَفَ انحِرافًا شديدًا، فأرَىَ عليه الإعادةَ ما كان في الوَقتِ. وقال الأوزاعيُّ: من تحرَّى فأخطَأ القِبلةَ، أعادَ ما دامَ في الوقتِ، ولا يُعيدُ بعدَ الوَقتِ. وقال الثَّوريُّ: إذا صلَّيتَ لغيرِ القِبلةِ، فقد أجزأكَ إذا لم تعمَّدْ ذلك، وإن كنتَ (٢) صلَّيتَ بعضَ صلاتِكَ لغيرِ القِبلةِ، ثُمَّ عرفتَ القِبلةَ بعدُ، فاسْتقبِلِ القِبلةَ ببقيّةِ صَلاتِكَ، واحتسِبْ بما صلَّيتَ. (٣) وقال الشّافِعيُّ: إذا صلَّى إلى الشَّرقِ، ثُمَّ رأى القِبلةَ إلى الغربِ، استأنفَ، فإن كان شرَّقَ أو غرَّب مُتَحرِّفًا، ثُمَّ رأى أنَّهُ مُتَحرِّفٌ، وتلك جِهةٌ واحِدةٌ، فإنَّ عليه أن ينحرِفَ، ويعتدَّ بما مَضَى. وذكر الرَّبيعُ، عنِ الشّافِعيِّ، قال: ولو دخلَ في الصَّلاةِ على اجتِهادٍ، ثُمَّ رأى القِبلةَ في غيرِ النّاحيةِ التي صلَّى إليها، فإن كان مُشرِّقًا، أو مُغرِّبًا، لم يعتدَّ بما مَضَى من صلاتِهِ، وسلَّمَ واستقبلَ الصَّلاةَ على ما بانَ لهُ واسْتَيقنهُ، وإن رأى أنَّهُ انحرفَ، لم يُلْغِ شيئًا من صلاتِهِ، لأنَّ الانحِرافَ ليسَ فيه يَقِينُ خَطَأ، وإنَّما هُو اجتِهادٌ لم يَرْجِع منهُ إلى يَقينٍ، وإنَّما رجعَ من دَلالةٍ إلى اجتِهادٍ مِثلِها. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: من تحرَّى القِبلةَ فأخْطَأ، ثُمَّ بانَ لهُ ذلك، فلا إعادةَ عليه في وَقْتٍ، ولا غير. قالوا: ولهُ أن يَتَحرَّى القِبلةَ، إذا لم يكُن على يَقينِ عِلْمٍ من جِهتِها.

стр. 5692

فإن أخطأ قومٌ القِبلةَ، وقد تَعمَّدُوها، فصلَّوا ركعةً، ثُمَّ علِمُوا بها، صَرفُوا وُجُوههُم فيما بَقِيَ من صلاتِهِم إلى القِبلةِ، وصلاتُهُم تامّةٌ، وكذلك لو أتمُّوا، ثُمَّ علِمُوا بعدُ، لم يُعيدُوا. وقال الطَّبريُّ: من تحرَّى فأخَطَأ القِبلةَ، أعادَ أبدًا إذا اسْتَدبرها. وهُو أحدُ قولي الشّافِعيِّ. قال أبو عُمر: النَّظرُ في هذا البابِ، يَشْهدُ أنْ لا إعادةَ على من صلَّى إلى القِبلةِ عندَ نفسِهِ مُجتهِدًا، لخفاءِ ناحيتِها عليه؛ لأنَّهُ قد عمِلَ ما أُمِرَ به، وأدَّى ما افتُرِضَ عليه منِ اجتِهابٍ بطلبِ الدَّليلِ على القِبْلةِ، حتّى حَسِبَ أنَّهُ مُسْتقبِلُها، ثُمَّ لمّا صلَّى بانَ لهُ خَطؤُهُ. وقد كان العُلماءُ مُجمِعينَ على أنَّهُ قد فعَلَ ما أُبِيحَ لهُ فِعلُهُ، بل ما لزِمهُ، ثُمَّ اختلفُوا في إيجابِ القَضاءِ عليه، إذا بان لهُ أنَّهُ أخطأ القِبلةَ، وإيجابُ الإعادةِ إيجابُ فرْضٍ، والفرائضُ تثبُتُ إلّا بيقينٍ لا مَدْفعَ لهُ. ألا تَرى إلى إجماعِهِم فيمَنْ خَفِي عليه موضِعُ الماءِ (١)، فطَلَبهُ جهدَهُ، ولم يجِدهُ فتيمَّمَ وصلَّى، ثُمَّ وجدَ الماءَ: أنَّهُ لا شيءَ عليه، لأَنَّهُ قد فعلَ ما أُمِر به؟ (٢) وأمّا قولُ من رأى عليه الإعادةَ في الوقتِ وبعدهُ، قياسًا على من صلَّى بغيرِ وُضُوءٍ، فليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ هذا ليسَ بمَوضِع اجتِهادٍ في الوُضُوءِ، إلّا عندَ عَدمِهِ، فإنَّهُ يُؤمَرُ بالاجتِهادِ في طَلبِهِ، على ما تقدَّمَ ذِكرُنا لهُ. وأمّا قولُ من قال: يُعيدُ ما دامَ في الوَقتِ. فإنَّما هُو اسْتِحبابٌ؟ لأنَّ الإعادةَ لو وجبَتْ عليه، لم يُسقِطها خُرُوجُ الوَقتِ. وهذا واضِحٌ يُسْتَغْنَى عنِ القولِ فيه.

стр. 5693

وكذلك يشهدُ النَّظرُ لقولِ من قال في المُنحرِفِ عنِ القِبْلةِ يمينًا أو شِمالًا، ولم يَكُنِ انْحِرافُهُ ذلك فاحِشًا، فيُشرِّقُ أو يُغرِّبُ: أنَّهُ لا شيءَ عليه؛ لأنَّ السِّعةَ في القِبْلةِ لأهلِ الآفاقِ مَبْسُوطةٌ مَسْنُونةٌ. وهذا معنى قولِ رسُولِ اللَّه ﷺ وقولِ أصحابِهِ: "ما بين المَشْرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ" (١). حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا مُعلَّى (٣) بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرٍ، عن عُثمانَ بن محمدٍ الأخْنَسيِّ (٤)، عنِ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبْلةٌ". أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن عُبيدِ (٥) اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال عُمرُ: ما بينَ المَشْرِقِ والمغرِبِ قِبْلةٌ (٦).

стр. 5694

قال (١): وحدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ بن سُليمانَ، عن محمدِ بن فضاءٍ (٢)، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: سمِعتُ عُثمان، يقولُ: كيفَ يُخطِئُ الرَّجُلُ الصَّلاةَ وما بينَ المَشْرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ، ما لم يتحرَّ الشَّرقَ عَمدًا؟ قال: وحدَّثنا الفَضْلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلميِّ، عن عليٍّ، قال: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ (٣). قال: وحدَّثنا الفضلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأعْلَى، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ. وعبدِ الأعلى، عن محمدِ ابنِ الحنفيّةِ، قالا: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ (٤). قال: وسمِعتُ أبا عبدِ اللَّه، يعني أحمد بن حَنْبل، يقولُ: هذا في كلِّ البُلدانِ. قال (٥): وتفسيرُهُ أنَّ هذا المشرِق -وأشارَ بيسارهِ- وهذا المغرِب، وأشارَ بيمينِهِ. قال: وهذه القِبلةُ فيما بينهُما، وأشارَ تِلقاءَ وجهِهِ. قال: وهكذا في كلِّ البُلدانِ، إلّا بمكّةَ عندَ البيتِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا استقبل الرُّكن، وزالَ عنهُ شيئًا، وإن قلَّ، فقد تركَ القِبلةَ؟ قال: وليسَ كذلك قِبلةُ البُلدانِ.

стр. 5695

قيلَ لأبي عبدِ اللَّه: فإن صلَّى رجُلٌ فيما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ، ترى صلاتهُ جائزةً؟ قال: نعم، صلاتُهُ جائزةٌ، إلّا أنَّهُ يَنْبغي لهُ أن يتحرَّى الوَسَط. قال أبو عبدِ اللَّه: وقد كُنّا نحنُ وأهلُ بغداد نُصلِّي هكذا، نتيامَنُ قليلًا، ثُمَّ حُرِّفتِ القِبلةُ مُنذُ سِنينَ يَسِيرةٍ. قيل لأبي عبدِ اللَّه: قِبلةُ أهلِ بغدادَ على الجَدْي (١)، فجعل يُنكِرُ الجَدْي، وقال: ليس الجَدْي، ولكِن حديثُ عُمر: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ. قيلَ لأبي عبدِ اللَّه: قبِلتُنا نحنُ أيُّ ناحيةٍ؟ قال: على البابِ قبِلتُنا، وقِبلةُ أهلِ المشرِقِ (٢) كلِّهِم وأهلِ خُراسان البابُ (٣). أخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى ويحيى بن عبدِ الرَّحمنِ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: قال لنا أحمدُ بن خالدٍ -في قولِ عُمرَ بن الخَطّابِ: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ-: في هذا سَعةٌ للنّاسِ أجمعينَ. قيلَ لهُ: أنتُم تقولُونَ: إنَّهُ في أهلِ المدينةِ، قال: نحنُ وهُم سَواءٌ، والسَّعةُ في القِبْلةِ للنّاسِ كلِّهِم. قال: وهؤُلاءِ المُشرِّقُون لا عِلمَ عندَهُمُ بسَعةِ القِبْلةِ، وإنَّما هُو شيءٌ يَقعُ في نُفُوسِهِم.

стр. 5696

حديثٌ ثالِثَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رجُلًا نادَى رسُولَ اللَّه ﷺ : ما تَرى في الضَّبِّ؟ فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لَسْتُ بآكِلِهِ، ولا بمُحرِّمِهِ". هكذا روى يحيى هذا الحديثَ عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ. وكذلك رواهُ أكثرُ الرُّواةِ "للمُوطَّأ" عن مالكٍ (٢). ورَواهُ ابنُ بُكَيرٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. وكذلك رواهُ خالدُ بن مَخْلدٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. وهُو صحيحٌ لمالكٍ عنهُما جميعًا، وهُو محفُوظٌ من حديثِ نافع، كما هُو محفُوظٌ من حَديثِ ابنِ دينارٍ. وقد رواهُ قومٌ، منهُم: بِشرُ بن عُمرَ (٣)، عن مالكٍ، عن نافع وعبدِ اللَّه بن دينارٍ، جميعًا عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . ورواهُ عُبيدُ اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ اللَّه، قال: حدَّثني نافعٌ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: سألَ رجُل النَّبيَّ ﵇ وهُو على المِنْبرِ عنِ الضَّبِّ، فقال: "لا آكُلُهُ، ولا أُحرِّمُهُ" (٤).

стр. 5697

واختَلَفَ الفُقهاءُ في اكلِ الضَّبِّ، فذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ وأصحابُهُما إلى أنَّهُ لا بأسَ بأكلِهِ؛ لأنَّ اللَّهَ ﵎ لم يُحرِّمهُ ولا رسُولُهُ، وقد أُكِلَ على مائدةِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، وبحَضْرتِهِ، ولو كان حرامًا لم يترُك رسُولُ اللَّه ﷺ أحدًا يأكُلُهُ (١). وقد مَضَى في بابِ ابنِ شِهاب، عن أبي أُمامةَ من هذا الكِتابِ حديثُ ابنِ عبّاسٍ، عن خالدِ بن الوَليدِ في الضَّبِّ، حيثُ قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّهُ لم يكُن بأرضِ قومي، وأجِدُني أعافُهُ". قال خالدٌ: فاجْتَررتُهُ وأكلتُهُ ورسُولُ اللَّه ﷺ ينظُرُ (٢). فبهذا الحديثِ وما كان مِثلَهُ، أخَذَ مالكٌ والشّافِعيُّ في الضَّبِّ، فأجازا أكلهُ. وكرِه أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ أكلَ الضَّبِّ، واحْتَجُّوا هُم ومن ذهَبَ مَذْهبَهُم في كراهيةِ أكلِهِ بأحاديثَ. منها: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حَسَنةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ أُمّةً من بني إسرائيلَ مُسِخَتْ، وأخافُ أن يكونَ منْها هذا". يعني الضَّبَّ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ الأعْمَشِ، قال: حدَّثنا زيدُ بن

стр. 5698

وَهْبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حَسَنةَ، قال: غَزَونا مع رسُولِ اللَّه ﷺ ، فأصابَتْنا مَجاعةٌ، فنزَلْنا بأرضٍ كَثير الضِّبابِ، فأخَذْنا منْها، فطَبَخْنا في القُدُورِ، فقُلنا لرسُولِ اللَّه ﷺ : إنَّها الضِّبابُ، فقال: "إنَّ أُمّةً فُقِدَت، ولعلَّها هذه". فأمَرَنا فكَفأْنا القُدُورَ (١). هكذا رَوَى هذا الحديثَ الأعمشُ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حَسَنةَ. ورواهُ حُصَينٌ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن ثابتِ بن وَدِيعةَ؛ حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا عَمرُو بن عونٍ، قال: أخبرنا خالدٌ، عن حُصينٍ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن ثابتِ بن وديعةَ، قال: كُنّا مع رسُولِ اللَّه ﷺ في جَيْشٍ، فأصَبْنا ضِبابًا، قال: فشَوَيتُ منها ضبًّا، فأتيتُ به رسُولَ اللَّه ﷺ ، فوَضعتُهُ بين يَدَيهِ. قال: فأخَذَ عُودًا، فعَدَّ به أصابِعَهُ، ثُمَّ قال: "إنَّ أُمّةً من بني إسرائيلَ مُسِخَتْ دوابَّ في الأرضِ، وإنِّي لا أدري أيَّ الدَّوابِّ هي؟ " قال: فلَمْ يأكُل منهُ، ولم يَنْهَ.

стр. 5699

قال أبو عُمر: احتجَّ بعضُ من كَرِههُ بهذا الخبرِ، واستدلَّ على أنَّهُ مَسْخٌ، بشَبَهِ (١) كفِّهِ بكفِّ الإنسانِ، ألا تَرى أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ إذ عَدَّ أصابِعَهُ قال ما قال، ولم يأكُل منهُ؟ وأنشَدَ بعضُهُم في صِفةَ الضَّبِّ (٢): لهُ كفُّ إنسانٍ وخلقُ عَظاءةٍ ... وكالقِردِ والخِنْزيرِ في المَسْخِ والعَصَبْ وقال ذُو الرُّمّةِ (٣): مناسِمُها صُمٌّ صلابٌ كأنَّها ... رُؤُوسُ الضَّبابِ اسْتَخرجَتها الظَّهائرُ وأنشَدَ الأصمعيُّ (٤): إنّا وجَدْنا بني جِلّانَ كلَّهُمُ ... كساعِدِ الضَّبِّ لا طُولٌ ولا عِظَمُ وإنَّما أنشَدْتُ هذه الأبياتَ، لتقِفَ على صُورةِ الضَّبِّ وتَعرِفَهُ، فإنَّ بعضَ الجُهّالِ يُخالِفُ فيه. ورَوَى أبو حنيفةَ (٥)، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عائشةَ: أنَّها أُهدِيَ لها ضبٌّ، فدَخَلَ عليها رسُولُ اللَّه ﷺ ، فسألَتهُ عن أكلِهِ، فنَهاها عنهُ، فجاءَ سائلٌ فقامَتْ لتَناوِلهُ إيّاهُ، فقال لها رسُولُ اللَّه ﷺ : "أتُطعِمينهُ ما لا تأكُلينَ؟ ". ورَوَى حمّادُ بن سلمةَ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ:

стр. 5700

أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُهْدِي لهُ ضبٌّ، فلم يأكُلْهُ، فقامَ عليهم سائلٌ، فأرادَتْ عائشةُ أن تُعْطيَهُ، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : "أتُعطيهِ ما لا تأكُلينَ؟ " (١). فاحتجَّ من كرِهَ أكلَ الضَّبِّ بهذه الأحاديثِ، فأمّا حديثُ زيدِ بن وَهْبٍ فمُختَلفٌ في إسنادِهِ (٢). وقد رَوَى ابنُ مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّ اللَّهَ لم يُهلكْ قومًا، أو لم يَمْسَخْ قومًا، فيَجْعل لهم نَسْلًا، ولا عاقِبةً. وهُو مُعارِضٌ مُدافِعٌ لحديثِ زيدِ بن وَهْبٍ هذا. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا وكيعٌ، عن مِسْعَرٍ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثدٍ، عن مُغيرةَ بن عبدِ اللَّه اليَشْكُريِّ، عنِ المعرُورِ بن سُوَيدٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: قالت أُمُّ حبيبةَ زَوْجُ النَّبيِّ ﷺ : اللَّهُمَّ أمتِعني بزَوْجي رسُولِ اللَّه، وبأبي أبي سُفيانَ، وبأخي مُعاويةَ. قال: فقال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّكِ قد سَألتِ اللَّهَ لآجالٍ مضرُوبةٍ، وأيام مَعدُودةٍ، وأرْزاقٍ مَقْسُومةٍ، ولن (٤) يُعجِّلَ شيئًا قبلَ حِلِّه، أو يُؤَخِّر شيئًا عن أجلِهِ، ولو كُنتِ سألتِ اللَّهَ أن يُعيذَكِ من عَذابِ القبرِ، أو عَذابِ النّارِ، كان خيرًا لكِ،

стр. 5701

أو أفضلَ". قال: وذُكِرَ عندَهُ القِردةُ، قال مِسعرٌ: وأُراهُ قال: والخنازيرُ مِمّا مُسِخ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ لم يَجْعَلْ لمسخٍ نَسْلًا، ولا عَقِبًا، وقد كانتِ القِرَدةُ والخنازيرُ قبلَ ذلك". وحدَّثنا سعيدُ بن نصير، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا مِسعرٌ، عن مُرّةَ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثدٍ، عنِ المُغير اليَشْكُريِّ، عنِ المعرُورِ بن سُوَيدٍ، عن عبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ، قال: قالت أُمُّ حَبِيبةَ. فذكَرَ الحديثَ سَواءً. وفيه قال: وسُئلَ رسُولُ اللَّه ﷺ عنِ القِرَدةِ والخَنازيرِ: أهُم من نَسْلِ الذين مُسِخُوا، أم شيءٌ كان قبلَ ذلك؟ فقال: "إنَّ اللَّهَ لم يُهلِكْ قومًا قطُّ، فيجعلْ لهم نَسْلًا ولا عاقِبةً، ولكِنَّهُم من شيءٍ كان قبل ذلك". أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا حفصُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، عن سَعيدِ بن

стр. 5702

جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ خالَتهُ أهْدَتْ إلى رسُولِ اللَّه ﷺ سَمْنًا وأضُبًّا وأقِطًا، فأكَلَ من السَّمنِ والأقِطِ، وتركَ الأضُبَّ تَقذُّرًا، وأُكِلَ على مائِدَتِه، ولو كانَ حرامًا ما أُكِلَ على مائدةِ رسُولِ اللَّه ﷺ . وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا كثيرُ بن هشام، قال: حدَّثنا جعفرُ بن بُرقانَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن الأصمِّ، قال: ذُكِر الضَّبُّ عندَ ابنِ عبّاسٍ، فقال بعضُ جُلَسائهِ: أُتي به رسُولُ اللَّه ﷺ فلم يُحِلَّهُ ولم يُحرِّمهُ. فقال ابنُ عبّاس: بئسَ ما تقولُونَ، إنَّما بُعِثَ رسُولُ اللَّه ﷺ مُحلِّلًا ومُحرِّمًا، جاءَت أُمُّ حُفيدٍ تَزورُ أُخْتَها ميمُونةَ بنتَ الحارِثِ ومعها طَعامٌ فيه لحمُ ضبٍّ، فجاءَ رسُولُ اللَّه ﷺ بعدَما غَسَقَ، يعني أظلمَ، فقُرِّبَ إليه الطَّعامُ، فكرِهَتْ ميمُونةُ أن يأكُلَ رسُولُ اللَّه ﷺ من طَعام لا يَعْلمُ ما هُو، فقالت: يا رسُولَ اللَّه، إنَّ فيه لَحْمَ ضَبٍّ. فأمسَكَ رسُولُ اللَّه ﷺ ، وأمسَكَتْ ميمُونةُ، وأكلَ من كان عِندهُ. فقال ابنُ عبّاس: فلو كان حرامًا، لنَهاهُم رسُولُ اللَّه ﷺ عن أكلِهِ (١). قال أبو عُمر: قولُ ابنِ عبّاسٍ هُو فِقهُ هذا البابِ، وهُو الصَّحيحُ من مَعانيهِ، وهُو كافٍ، يُغني عن كلِّ حُجّةٍ لمن تدبَّر وفهِمَ، وباللَّه العونُ لا شريكَ لهُ.

стр. 5703

حديثٌ رابعَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يُصلِّي على راحِلتِهِ في السَّفرِ، حيثُ توجَّهَتْ به. قال عبدُ اللَّه بن دينارٍ: وكانَ عبدُ اللَّه بن عُمرَ يفعلُ ذلك. قال أبو عُمر: هكذا رواهُ جماعةُ رُواةِ "المُوطَّأ" فيما علِمتُ (٢). ورواهُ يحيى بن مَسْلمةَ بن قَعْنبٍ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يُصلِّي على راحِلتِهِ حَيْثُ توجَّهت به. والصَّوابُ ما في "المُوطَّأ": مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، واللَّه أعلمُ. وهُو حديثٌ صحيحٌ من جِهةِ الإسنادِ، رُوي عنِ ابنِ عُمرَ من وُجُوهٍ. ورُوي عن جابرٍ من وُجُوهٍ. ورُوي عن أنَسٍ أيضًا من وُجُوهٍ. وتلقّاهُ العُلماءُ (٣) من السَّلفِ والخَلَفِ بالعَملِ والقَبُولِ في جُملتِهِ، إلّا أنَّهُمُ اختَلَفُوا في بعضِ مَعانيهِ. فالذي أجمعُوا عليه منهُ: أنَّهُ جائزٌ لكلِّ من سافَرَ سفرًا تُقصَرُ فيه، أو في مِثلِهِ، الصَّلاةُ، أن يُصلِّي التَّطوُّع على دابَّتِهِ وراحِلتِهِ حَيْثُما توجَّهت به، يُومِئُ الماءً، يجعلُ السُّجُودَ أخفضَ من الرُّكُوع، وَيتَشهَّدُ ويُسلِّمُ وهُو جالِسٌ على دابَّتِهِ، وفي مَحمِلِهِ.

стр. 5704

إلّا أنَّ منهُم جماعةً يَسْتحِبُّونَ أن يَفْتتِح المُصلِّي صَلاتهُ على دابَّتِهِ في تطوُّعِهِ إلى القِبْلةِ، ويُحرِمَ بها وهُو مُستقبلٌ القِبلةَ، ثُمَّ لا يُبالي حَيْثُ توجَّهت به، ومنهُم من لم يستحِبَّ ذلك، وقال: كما يُجوزُ لهُ أن يكونَ في سائرِ صلاتِهِ إلى غيرِ القِبلةِ، فكذلك افتِتاحُهُ لها؛ لأنَّهُ لو كان في الأرضِ، لم يجُز لهُ الانحِرافُ عنِ القِبلةِ عامِدًا، وهُو بها عالِمٌ في شيءٍ من صَلاتِهِ. ومنِ اسْتَحبَّ افتِتاح النّافِلةِ على الدّابّةِ إلى القِبلةِ، فحُجَّتُهُ: ما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا رِبعيُّ بن عبدِ اللَّه بن الجارُودِ، قال: حدَّثني عَمرُو بن أبي الحجّاج، قال: حدَّثني الجارُودُ بن أبي سَبْرةَ، قال: حدَّثني أنسُ بن مالكٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سافرَ، فأرادَ أن يتطوَّعَ، استقبلَ بناقتِهِ القِبلةَ، فكبَّر، ثُمَّ صلَّى حَيْثُ وجَّههُ (٢) رِكابُهُ. حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسَينِ العَسْكريُّ، قال: حدَّثنا أبو إبراهيمَ إسماعيلُ بن يحيى المُزنيُّ سنةَ سبعينَ ومِئَتينِ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ (٣)، قال: أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، أنَّهُ قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي على راحِلتِهِ في السَّفرِ حَيْثُما توجَّهت به.

стр. 5705

وقال أحمدُ بنُ حَنْبل وأبو ثَوْر: هكذا يَنْبَغي أن يَفْعَلَ من تَنَفّل على راحلتِهِ في السَّفَر. واختلَفَ أهلُ العِلم في المعنى الذي فيه نزلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، فقال ابنُ عُمرَ وطائفةٌ: نزلَتْ هذه الآيةُ في الصَّلاةِ على الرّاحِلةِ (١). وقيل: نزلَتْ في قَولِ اليَهُودِ في القِبْلةِ. وقيلَ: نزلَتْ في قَوم كانوا في سَفَرٍ على عَهدِ رسُولِ اللَّه ﷺ في لَيْلةٍ ظَلْماءَ، فلم يَعرِفُوا القِبْلةَ، فاجتهدُوا وصَلَّوا إلى جِهاتٍ مُختلِفةٍ، ثُمَّ بانَ لهم خطؤُهُم، فسألُوا رسُولَ اللَّه ﷺ ، فأنزلَ اللَّهُ : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "مضَتْ صلاتُكُم" (٢). وقولُ من قال: إنَّها نزلَتْ في الصَّلاةِ على الرّاحِلةِ قولٌ حسنٌ أيضًا، تَعضُدُهُ السُّنّةُ في ذلك. قال أبو عُمر: ليس في حديثِ مالكٍ هذا عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ تخصيصُ التَّطوُّع من غير، وهُو أمرٌ لا خِلافَ فيه، فلِذلك أهملَ مالكٌ ذِكرهُ، واللَّه أعلمُ. وكذلك رواهُ الثَّوريُّ (٣)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، كما رواهُ مالكٌ سَواءً.

стр. 5706

وقد ذكَرَهُ (١) في هذا الحديثِ وغيرِهِ جماعةُ الرُّواةِ: أنَّ ذلك في التَّطوُّع، دُونَ المكتُوبةِ. وهُو أمرٌ مجُتَمع عليه؛ لأنَّهُ (٢) لا يجُوزُ لمُصلِّي الفَرْضِ أن يدَعَ القِبلةَ عامِدًا بوَجهٍ من الوُجُوهِ، إلّا في شِدّةِ الخَوْفِ، راجِلًا (٣)، أو راكِبًا، فإن لم يكُن خائفًا شديدَ الخَوْفِ هارِبًا، لم يَكُن لهُ أن يُصلِّي راكِبًا. وقدِ اختُلِفَ في صلاةِ الطّالِبِ في الخَوْفِ على ما قد ذكَرْناهُ (٤) في بابِ نافع. وقال الأثرمُ: قيل لأحمد بن حَنْبل: يُصلِّي المريضُ المكتُوبةَ على الدّابّةِ والرّاحِلةِ؟ فقال: لا يُصلِّي أحَدٌ (٥) المكتُوبةَ على الدّابّةِ، مريضٌ ولا غيرُهُ، إلّا في الطِّينِ، والتَّطوُّع، كذلك بلَغَنا، يُصلِّي ويُومِئُ. قال: وأمّا في الخَوْفِ، فقد قال اللَّهُ : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٦) [البقرة: ٢٣٩]. قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا حُكمَ الصَّلاةِ في الطِّينِ، في بابِ يزيد (٧) بن الهاد، والحمدُ للَّه. وقدِ اختلَفَ قولُ مالكٍ في المريضِ يُصلِّي على محمِلِهِ، فمرّةً قال: لا يُصلِّي على ظَهْرِ البَعيرِ فريضةً، وإنِ اشتدَّ مَرضُهُ، حتّى لا يَقدِر أن يجلِسَ لمَرضٍ إلّا

стр. 5707

بالأرضِ (١). ومرّةً قال: إذا كان مِمَّن لا يُصلِّي بالأرضِ إلّا إيماءً، فليُصلِّ على البَعيرِ بعدَ أن يُوقَفَ لهُ، ويستقبِلَ القِبلةَ (٢). وأجمعُوا على أنَّهُ لا يجُوزُ لأحَدٍ صَحيح ولا مَريضٍ، أن يُصلِّي إلى غيرِ القِبلةِ وهُو عالِمٌ بذلك في الفَريضةِ، إلّا في الخَوْفِ الشَّديدِ خاصّةً. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسرّةَ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ المجيدِ، عن ابن (٣) جُرَيج، قال: أخبرني مُوسى بن عُقبةَ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُصلِّي على ناقتِهِ في السَّفرِ حيثُ توجَّهت به، في غيرِ المكتُوبةِ (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجهم السِّمَّريُّ (٦)، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، قال: كان عبدُ اللَّه بن عُمرَ يُصلِّي على راحِلتِهِ حيثُ توجَّهت به تطوُّعًا. وقال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَفْعلُهُ (٧).

стр. 5708

وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرنا يُونُسُ، عنِ ابنِ شِهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُسبِّحُ على الرّاحِلةِ، أيَّ وجهٍ توجَّه، ويُوتِرُ عليها، غيرَ أنَّهُ لا يُصلِّي عليها المكتُوبةَ. وأخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا شَبابةُ بن سوّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن العلاءِ بن زَبْر (٢) الشّاميُّ، قال: حدَّثنا القاسمُ بن محمدٍ وسالمُ بن عبدِ اللَّه ونافع، كلُّهُم عنِ ابنِ عُمرَ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي على دابَّتِهِ حيثُ تَوجَّهت به تَطَوُّعًا (٣). وأخبَرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا ابنُ عُليّةَ، عن هشام الدَّستُوائيِّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن

стр. 5709

جابرٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي على راحِلتِهِ نحوَ المَشْرِقِ، فإذا أرادَ أن يُصلِّي المَكْتُوبةَ، نزلَ فاسْتَقبلَ القِبلةَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أبو صالح محبُوبُ بن مُوسى الفرّاءُ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن سُفيانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: بَعَثني رسُولُ اللَّه ﷺ لحاجةٍ فجِئتُ وهُو يُصلّي على راحِلتِهِ نحوَ المشرِقِ، يُومِئُ إيماءً، السُّجُودُ أخفضُ من الرُّكُوع. قال: فسلَّمتُ، فلم يرُدَّ عليَّ، فلمّا سلَّمَ، قال: "ما مَنَعني أن أرُدَّ عليكَ، إلّا أنِّي كنتُ أُصلِّي" (١). واختلَفَ الفُقهاءُ في المُسافِرِ سفرًا لا تُقصرُ في مِثلِهِ الصَّلاةُ: هل لهُ أن يتنفَّلَ على راحِلتِهِ ودابَّتِهِ، أم لا (٢)؟ فقال مالكٌ وأصحابُهُ، والثَّوريُّ: لا يتطوَّعُ على الرّاحِلةِ إلّا في سفرٍ تُقصَرُ في مِثلِهِ الصَّلاةُ. وحُجَّتُهُم في ذلك، أنَّ الأسفارَ التي حُكِيَ عن رسُولِ اللَّه ﷺ أنَّهُ كان يتطوَّعُ فيها على راحِلتِهِ، كانت مِمّا تُقصَرُ فيها الصلاةُ، فالواجِبُ أن لا يُصَلَّى إلى غيرِ القِبْلةِ، إلّا في الحالِ التي وردَتْ بها السُّنّةُ، لا تتعدَّى.

стр. 5710

وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُما، والحسنُ بن حيٍّ واللَّيثُ بن سعدٍ، وداودُ بن عليٍّ: يجُوزُ التَّطوُّعُ على الرّاحِلةِ خارِجَ المِصرِ في كلِّ سفرٍ، وسواءٌ كان مِمّا تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ، أو لا تُقصُرُ. وحُجَّتُهُم: أنَّ الآثارَ في هذا البابِ، ليسَ في شيءٍ منها تخصيصُ سَفَرٍ من سَفَرٍ، فكلُّ سفرٍ جائزٌ ذلك فيه، إلّا أن يُخصَّ شيءٌ لا من الأسفارِ مما يجِبُ التَّسليمُ لهُ. وقال أبو يُوسُف: يُصَلَّى في المِصرِ على الدّابّةِ بالإيماءِ، لحديثِ يحيى بن سعيدٍ، عن أَنَسِ بن مالكٍ: أنَّهُ صلَّى على حِمارٍ في أزِقّةِ المدينةِ، يُومِئُ إيماءً (١). وقال الطَّبريُّ: يجُوزُ لكلِّ راكِبٍ وماشٍ، حاضِرًا كان أو مُسافِرًا، أن يتنفَّلَ على دابَّتِهِ وراحِلتِهِ، وعلى رِجليهِ. وحكى بعضُ أصحابِ الشّافِعيِّ: أنَّ مذهبهُم جَوازُ التَّنفُّلِ على الدّابّةِ في الحَضَرِ والسَّفرِ. وقال الأثرمُ: قيلَ لأحمدَ بن حَنْبل: الصَّلاةُ على الدّابّةِ في الحَضَرِ؟ فقال: أمّا في السَّفرِ، فقد سَمِعنا، وما سمِعتُ في الحَضَرِ. وقال ابنُ القاسم: من تنفَّلَ في محمِلِهِ، تنفَّل جالِسًا، قيامُهُ تربُّعٌ، ويركعُ واضِعًا يَدَيهِ على رُكبتيهِ، ثُمَّ يرفعُ رأسهُ. قال عبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ: ويُزيلُ يَدَيهِ، ثُمَّ يَثْني رِجليهِ، ويُومِئُ (٢) لسُجُودِهِ، فإن لم يقدِر، أومأ مُتربِّعًا (٣). وقد ذكَرْنا حُكم صلاةِ المريضِ، في بابِ إسماعيلَ، والحمدُ للَّه، وبه التَّوفيقُ.

стр. 5711

حديثٌ خامِسَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُونَ (٢)، فلا تصُومُوا حتّى تَروُا الهِلالَ، ولا تُفطِرُوا حتّى تَروهُ، فإنْ غُمَّ عليكُم فاقدُرُوا لهُ". هكذا (٣) هُو عندَ جَماعةِ الرُّواةِ عن مالكٍ (٤). حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسَينِ العَسْكريُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن يحيى المُزنيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ، قال (٥): حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُونَ، لا تصُومُوا حتّى تروُا الِهلالَ، ولا تُفطِرُوا حتّى تَرَوهُ، فإن غُمَّ عليكُم، فاقدُرُوا لهُ". أمّا قولُهُ: "الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُونَ" فإنَّهُ يحتمِلُ وجهينِ لا ثالِثَ لهما في النَّظرِ، أحدُهُما: أن يكونَ الألِفُ واللّامُ اللَّذانِ في الشَّهرِ، إشارةً إلى شَهْرٍ بعينِهِ، وهُو الشَّهرُ، واللَّهُ أعلمُ، الذي آلَى فيه رسُولُ اللَّه ﷺ من أزْواجِهِ، فكأنَّه قال ﷺ :

стр. 5712

هذا الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُونَ. أو تكونَ إشارةً إلى رمضان بعينِهِ، كأنَّهُ قال: شَهْرُنا تِسعٌ وعِشرُونَ. ومعلُومٌ أنَّ من الشُّهُورِ ما يكونُ تِسعًا وعِشرينَ، ومنها ما يكونُ ثلاثينَ، فأعلَمَ رسُولُ اللَّه ﷺ أصحابهُ أنَّ ذلك الشَّهر تِسعٌ وعِشرُونَ. والوَجْهُ الآخَرُ: أن يكونَ أرادَ بقولِهِ: "الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُونَ". أي: أنَّ الشَّهر قد يكونُ تِسعًا وعِشرينَ، فلا تكونُ حينئذٍ إشارةً إلى معهُودٍ. ولا يجُوزُ أن يكون أرادَ بقولِهِ: "الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُون" أنَّ الشُّهُورَ كلَّها تِسعٌ وعِشرُونَ، وليسَ التَّعريفُ في الشَّهرِ هاهُنا إشارةً إلى جِنسِ الشُّهُورِ، ولكِنَّ المعنى ما ذكَرْنا، والأمرُ في ذلك بيِّنٌ لا تنازُعَ فيه، والحمدُ للَّه. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرنا أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابر بن عبدِ اللَّه يقولُ: اعتَزلَ رسُولُ اللَّه ﷺ نِساءَهُ شَهرًا، فخرَجَ صُبْحَ تِسْعَة (١) وعِشرينَ. فقال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وعِشرُونَ". ثُمَّ صفَّق (٢) النَّبيُّ ﷺ يدَيْه (٣) ثلاثًا، مرَّتينِ الأصابِعَ كلَّها، والثالثةَ بتِسع منها (٤).

стр. 5713

(١) وعندَ ابنِ جُريج في هذا المعنى حديثُ أُمِّ سلَمةَ أيضًا؛ حدَّثناه أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني يحيى بن محمدِ بن صَيْفيٍّ، أنَّ عِكْرمة (٢) بن عبدِ الرَّحمنِ أخبَرهُ، أنَّ أُمَّ سلمةَ أخبَرتهُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ حلَفَ أن لا يدخُلَ على بعضِ أهلِهِ شَهْرًا. فلمّا مَضَى تِسعةٌ وعِشرُونَ يومًا، غَدا عليهنَّ أو راحَ، فقيل لهُ: حلفتَ يا نبيَّ اللَّه لا تَدخُلُ عليهنَّ شهرًا. فقال: "إنَّ الشَّهرَ تِسعةٌ وعِشرُونَ يومًا" (٣). ورَوَى شُعبةُ قال: أنبأني سَلَمةُ بن كُهَيلٍ، قال: سمِعتُ أبا الحَكَم السُّلميَّ يُحدِّثُ، عنِ ابنِ عبّاس، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ آلَى من نِسائهِ شهرًا، فأتاهُ جِبريلُ ﵇، فقال: يا محمدُ، الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُونَ (٤).

стр. 5714

ورَوَى هذا المعنى عنِ النَّبيِّ ﷺ جَماعةٌ، منهُم: أنَسُ بن مالكٍ (١)، وأُمُّ سلمةَ، وابنُ عبّاسٍ، وعُمرُ بن الخطّابِ (٢)، وأبو هريرةَ (٣)، وغيرُهُم، بمعنى حديثِ جابرٍ هذا. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ذكرَ رمضانَ، فضربَ بيدِهِ، وقال: "الشَّهرُ هكذا وهكذا وهكذا" -ثُمَّ عقَّفَ (٥) إبهامَهُ الثالثةَ- "صُومُوا لرُؤيتِهِ، وأفطِرُوا لرُؤيتِهِ، فإن أُغمِيَ عليكُم، فاقدُرُوا لهُ". قال أبو عُمر: لم يُختلف عن نافع في هذا الحديثِ، في قولِهِ: "فاقدُرُوا لهُ". وكذلك روى سالمٌ، عنِ ابنِ عُمرَ.

стр. 5715

وكذلك حديثُ مالكٍ وغيرهِ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن ابن عمرَ (١). ورواهُ الدَّراورديُّ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، فقال فيه: "فإن غُمَّ عليكُم فأحصُوا العِدّةَ" (٢). وقد مَضَى القولُ مُسْتَوعبًا في معنى "فاقدُرُوا لهُ"، وما للعُلماءِ في ذلك من الوُجُوهِ، في بابِ نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، من كِتابِنا هذا، فلا وجه لإعادةِ شيءٍ من ذلك هاهُنا. قرأتُ على سعيدِ بن نصرٍ وعبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِقٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن طهمانَ، عن عبدِ العزيزِ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّهُ سمِعهُ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُون، ولا تصُومُوا حتّى تَروهُ، ولا تُفطِرُوا حتّى تروهُ، إلّا أن يُغَمَّ عليكُم، فإن غُمَّ عليكُم، فأحصُوا العِدّةَ" (٣). وروى هذا الحديثَ عنِ ابنِ عُمرَ جماعةٌ، أعني حديثَ: "الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُونَ"، منهُم: عَمرُو بن دينارٍ (٤)، وسعدُ بن عُبَيدةَ (٥)، وسعيدُ (٦) بن عَمرٍو، وغيرُهُم.

стр. 5716

ومِمّا يدُلُّ على ما ذكَرْنا في صَدرِ هذا الباب (١): ما حدَّثناهُ أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرّةَ. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا غُندرٌ، عن شُعبةَ، عنِ الأسودِ بن قيسٍ، قال: سمِعتُ سعيد بن عَمرِو بن سعيدٍ يُحدِّثُ، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمر يُحدِّثُ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إنّا أُمّةٌ أُمِّيّةٌ لا نكتُبُ، ولا نحسُبُ، والشَّهرُ هكذا، وهكذا، وهكذا" -وعقَدَ الإبهامَ في الثالثةِ- "والشَّهرُ هكذا، وهكذا، وهكذا"، يعني تمامَ ثلاثينَ.

стр. 5717

حديثٌ سادِسَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "تحرَّوا ليلةَ القدرِ في السَّبع الأواخِرِ". هكذا رواهُ جماعةُ الرُّواةِ، عن مالكٍ لم يختلِفُوا فيه (٢). ورواهُ شُعبةُ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "تَحَرَّوْا ليلةَ سَبْع وعِشرينَ"، يعني: ليلة القدر. هكذا حدَّث به عن شُعبةَ: وَهْبُ بن جَريرٍ (٣). وقد مَضَى القولُ في ليلةِ القدرِ مُسْتَوعبًا، في بابِ حُميدٍ الطَّويلِ، من كِتابِنا هذا، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 5718

حديثٌ سابعَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : إنَّ اليهُودَ إذا سلَّمَ عليكُم أحدُهُم، فإنَّما يقولُ: السّامُ عليكُم، فقُل: عليكَ". هكذا قال يحيى، عن مالكٍ، في هذا الحديثِ: "عليكَ". على لفظِ الواحِدِ، وتابَعهُ قومٌ. وقال القَعْنبيُّ وغيرُهُ فيه، عن مالكٍ: "عليكُم" على لفظِ الجماعةِ، ولم يُدخِل واحِدٌ منهُم فيه الواوَ عن مالكٍ. وكذلك رواهُ الدَّراورديُّ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اليهُودَ إذا سلَّمَ عليكُم أحدُهُم، فإنَّما يقولُ: السّامُ عليكُم، فقولُوا: عليكُم (٢) " (٣) بلا واوٍ أيضًا، كما قال مالكٌ. ورواهُ الثَّوريُّ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ، فقال فيه: "وعليكُم" (٤)، بالواوِ.

стр. 5719

وكذلك في حديثِ قَتادةَ، عن أنَسٍ: "وعليكُم" (١). قال أبو داود (٢): وكذلك رِوايةُ عائشةَ، وأبي عبدِ الرَّحمنِ الجُهنيِّ، وأبي بُصرةَ (٣) الغِفاريِّ. قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ بيانُ ما عليه اليهُودُ من العَداوةِ للمُسلِمينَ، وبذلك كانوا يَضعُونَ موضِعَ السَّلام على المُسلِمينَ، الدُّعاءَ عليهم بالموتِ، والسّامُ: الموتُ في هذا الموضِع، وهُو مَعرُوفٌ في لسانِ العربِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح، قال: حدَّثنا شَبابةُ بن سَوّارٍ الفَزاريُّ، قال: حدَّثنا الحُسامُ بن المِصَكِّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن بُرَيدةَ، عن أبيه بُرَيدةَ الأسْلَميِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "عليكُم بهذه الحبّةِ السَّوداءِ، فإنَّ فيها شِفاءً من كلِّ داءٍ، إلّا السّام". والسّامُ: الموتُ (٤). وذكرَ تمامَ الحديثِ في تفسيرِ استِعمالِ الحبّةِ السَّوداءِ، وهي الشُّونيزُ. ورَوَى مِثلَ هذا الحديثِ عنِ النَّبيِّ ﷺ : أبو هريرةَ، من حديثِ الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ (٥).

стр. 5720

ومِن حَديثِ العَلاء، عن أبيه، عن أبي هريرةَ (١). وفي هذا الحديثِ أيضًا ما يدُلُّ على وُجُوبِ ردِّ السَّلام على كلِّ من سلَّمَ (٢) بمِثلِ سلامِهِ، إلّا أن تكونَ تحيّةً طيِّبةً، فيجُوزُ أن يَرُدَّ المُحيّا، أفضلَ مِمّا حُيِّي به، أو مِثلَهُ لا ينقُصُ منهُ، قال اللَّهُ : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ولم يخُصَّ مُسلِمًا من ذِمِّيٍّ. وفي قولِهِ : ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ دليلٌ على أنَّهُ أرادَ التَّحيّةَ الحَسَنةَ. وأمّا التَّحيّةُ السَّيِّئةُ فليسَ على سامِعِها أن يُحيِّيَ بأحسنَ منها، وإن فعلَ، فقد أخذَ بالفضلِ، وعليه أن يرُدَّ مِثلَها، بدليلِ هذا الحديثِ، قولِهِ ﷺ : "فقُل: وعليكَ". وقد سلَفَ القولُ في معنى وُجُوبِ السَّلام وردِّهِ، للجماعةِ والواحِدِ، في بابِ زيدِ بن أسلم من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك ها هُنا. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (٣): حدَّثنا أشْهَلُ (٤) بن حاتِم، عنِ ابنِ عَوْنٍ،

стр. 5721

قال: أنبأني حُميدُ بن زاذُوية (١)، عن أنَسٍ، قال: أُمِرنا، أو نُهينا أن لا نزيدَ أهلَ الكِتابِ على: وعليكُم. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بن عَوْنٍ. فذكَرَهُ بإسنادِهِ سواءً (٢). أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، أنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ قالوا للنَّبيِّ ﷺ : "إنَّ أهلَ الكِتابِ يُسلِّمُونَ علينا، فكيفَ نرُدُّ عليهم؟ قال: "قولُوا: وعليكُم". (٤) وأمّا ابتِداءُ أهلِ الذِّمّةِ بالسَّلام، فقَدِ اختلَفَ فيه السَّلفُ ومَن بعدَهُم، فكرِهَتْ طائفةٌ أن يُبتَدأ أحدٌ منهُم بالسَّلام، لحديثِ سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا تبدؤُوهُم بالسَّلام، وإذا لَقِيتُمُوهُم في طَريقٍ، فاضْطَرُّوهُم إلى أضْيَقِهِ" (٥). وقال أحمدُ بن حَنْبل: المصيرُ إلى هذا الحديثِ، أولى مِمّا خالَفهُ.

стр. 5722

وذكر أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (١)، عن إسماعيلَ بن عيّاشٍ، عن محمدِ بن زيادٍ الألهانيِّ وشُرحبيلَ بن مُسلِم، عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ: أنَّهُ كان لا يمُرُّ بمُسلِم، ولا يهُوديٍّ، ولا نَصْرانيٍّ، إلّا بدأهُ بالسَّلام. ورُوي عنِ ابنِ مسعُودٍ وأبي الدَّرداءِ وفَضالةَ بن عُبيدٍ: أنَّهُم كانوا يبدءُونَ أهلَ الذِّمّةِ بالسَّلام (٢). وعن ابنِ عبّاسٍ (٣)، أنَّهُ كتبَ إلى رجُلٍ من أهلِ الكِتابِ: السَّلامُ عليكَ (٤). وعنهُ أيضًا أنَّهُ قال: لو قال لي فِرعونُ خيرًا، لرَدَدتُ عليه مِثلَهُ. ورَوَى الوليدُ بن مُسلِم، عن عُروةَ بن رُوَيم، قال: رأيتُ أبا أُمامةَ الباهِليَّ يُسلِّمُ على كلِّ من لقِيَ من مُسلِم وذِمِّيٍّ، ويقولُ: هي تحيّةٌ لأهلِ مِلَّتِنا، وأمانٌ لأهلِ ذِمَّتِنا، واسمٌ من أسماءِ اللَّه نُفْشيهِ بيننا. وقيل لمحمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ: إنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ سُئلَ عنِ ابتِداءِ أهلِ الذِّمّةِ بالسَّلام (٥) فقال: نرُدُّ عليهم، ولا نَبْدؤُهُم. فقال: أمّا أنا، فلا أرى بأسًا أن نَبَدأهُم بالسَّلام. قيل لهُ: لم؟ قال: لقولِ اللَّه : ﴿فَاصْفَحْ (٦) عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]. ومذهَبُ مالكٍ في ذلك، كمذهبِ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ. وأجازَ ذلك ابنُ وَهْبٍ. وقد يحتمِلُ عِندي حديثُ سُهَيلٍ، أن يكون معنى قولِهِ: "لا تبدؤُوهُم".
следующие страницы →