← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5718–5757 · переход к 5723.

стр. 5718

حديثٌ سابعَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : إنَّ اليهُودَ إذا سلَّمَ عليكُم أحدُهُم، فإنَّما يقولُ: السّامُ عليكُم، فقُل: عليكَ". هكذا قال يحيى، عن مالكٍ، في هذا الحديثِ: "عليكَ". على لفظِ الواحِدِ، وتابَعهُ قومٌ. وقال القَعْنبيُّ وغيرُهُ فيه، عن مالكٍ: "عليكُم" على لفظِ الجماعةِ، ولم يُدخِل واحِدٌ منهُم فيه الواوَ عن مالكٍ. وكذلك رواهُ الدَّراورديُّ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اليهُودَ إذا سلَّمَ عليكُم أحدُهُم، فإنَّما يقولُ: السّامُ عليكُم، فقولُوا: عليكُم (٢) " (٣) بلا واوٍ أيضًا، كما قال مالكٌ. ورواهُ الثَّوريُّ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ، فقال فيه: "وعليكُم" (٤)، بالواوِ.

стр. 5719

وكذلك في حديثِ قَتادةَ، عن أنَسٍ: "وعليكُم" (١). قال أبو داود (٢): وكذلك رِوايةُ عائشةَ، وأبي عبدِ الرَّحمنِ الجُهنيِّ، وأبي بُصرةَ (٣) الغِفاريِّ. قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ بيانُ ما عليه اليهُودُ من العَداوةِ للمُسلِمينَ، وبذلك كانوا يَضعُونَ موضِعَ السَّلام على المُسلِمينَ، الدُّعاءَ عليهم بالموتِ، والسّامُ: الموتُ في هذا الموضِع، وهُو مَعرُوفٌ في لسانِ العربِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح، قال: حدَّثنا شَبابةُ بن سَوّارٍ الفَزاريُّ، قال: حدَّثنا الحُسامُ بن المِصَكِّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن بُرَيدةَ، عن أبيه بُرَيدةَ الأسْلَميِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "عليكُم بهذه الحبّةِ السَّوداءِ، فإنَّ فيها شِفاءً من كلِّ داءٍ، إلّا السّام". والسّامُ: الموتُ (٤). وذكرَ تمامَ الحديثِ في تفسيرِ استِعمالِ الحبّةِ السَّوداءِ، وهي الشُّونيزُ. ورَوَى مِثلَ هذا الحديثِ عنِ النَّبيِّ ﷺ : أبو هريرةَ، من حديثِ الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ (٥).

стр. 5720

ومِن حَديثِ العَلاء، عن أبيه، عن أبي هريرةَ (١). وفي هذا الحديثِ أيضًا ما يدُلُّ على وُجُوبِ ردِّ السَّلام على كلِّ من سلَّمَ (٢) بمِثلِ سلامِهِ، إلّا أن تكونَ تحيّةً طيِّبةً، فيجُوزُ أن يَرُدَّ المُحيّا، أفضلَ مِمّا حُيِّي به، أو مِثلَهُ لا ينقُصُ منهُ، قال اللَّهُ : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ولم يخُصَّ مُسلِمًا من ذِمِّيٍّ. وفي قولِهِ : ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ دليلٌ على أنَّهُ أرادَ التَّحيّةَ الحَسَنةَ. وأمّا التَّحيّةُ السَّيِّئةُ فليسَ على سامِعِها أن يُحيِّيَ بأحسنَ منها، وإن فعلَ، فقد أخذَ بالفضلِ، وعليه أن يرُدَّ مِثلَها، بدليلِ هذا الحديثِ، قولِهِ ﷺ : "فقُل: وعليكَ". وقد سلَفَ القولُ في معنى وُجُوبِ السَّلام وردِّهِ، للجماعةِ والواحِدِ، في بابِ زيدِ بن أسلم من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك ها هُنا. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (٣): حدَّثنا أشْهَلُ (٤) بن حاتِم، عنِ ابنِ عَوْنٍ،

стр. 5721

قال: أنبأني حُميدُ بن زاذُوية (١)، عن أنَسٍ، قال: أُمِرنا، أو نُهينا أن لا نزيدَ أهلَ الكِتابِ على: وعليكُم. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بن عَوْنٍ. فذكَرَهُ بإسنادِهِ سواءً (٢). أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، أنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ قالوا للنَّبيِّ ﷺ : "إنَّ أهلَ الكِتابِ يُسلِّمُونَ علينا، فكيفَ نرُدُّ عليهم؟ قال: "قولُوا: وعليكُم". (٤) وأمّا ابتِداءُ أهلِ الذِّمّةِ بالسَّلام، فقَدِ اختلَفَ فيه السَّلفُ ومَن بعدَهُم، فكرِهَتْ طائفةٌ أن يُبتَدأ أحدٌ منهُم بالسَّلام، لحديثِ سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا تبدؤُوهُم بالسَّلام، وإذا لَقِيتُمُوهُم في طَريقٍ، فاضْطَرُّوهُم إلى أضْيَقِهِ" (٥). وقال أحمدُ بن حَنْبل: المصيرُ إلى هذا الحديثِ، أولى مِمّا خالَفهُ.

стр. 5722

وذكر أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (١)، عن إسماعيلَ بن عيّاشٍ، عن محمدِ بن زيادٍ الألهانيِّ وشُرحبيلَ بن مُسلِم، عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ: أنَّهُ كان لا يمُرُّ بمُسلِم، ولا يهُوديٍّ، ولا نَصْرانيٍّ، إلّا بدأهُ بالسَّلام. ورُوي عنِ ابنِ مسعُودٍ وأبي الدَّرداءِ وفَضالةَ بن عُبيدٍ: أنَّهُم كانوا يبدءُونَ أهلَ الذِّمّةِ بالسَّلام (٢). وعن ابنِ عبّاسٍ (٣)، أنَّهُ كتبَ إلى رجُلٍ من أهلِ الكِتابِ: السَّلامُ عليكَ (٤). وعنهُ أيضًا أنَّهُ قال: لو قال لي فِرعونُ خيرًا، لرَدَدتُ عليه مِثلَهُ. ورَوَى الوليدُ بن مُسلِم، عن عُروةَ بن رُوَيم، قال: رأيتُ أبا أُمامةَ الباهِليَّ يُسلِّمُ على كلِّ من لقِيَ من مُسلِم وذِمِّيٍّ، ويقولُ: هي تحيّةٌ لأهلِ مِلَّتِنا، وأمانٌ لأهلِ ذِمَّتِنا، واسمٌ من أسماءِ اللَّه نُفْشيهِ بيننا. وقيل لمحمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ: إنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ سُئلَ عنِ ابتِداءِ أهلِ الذِّمّةِ بالسَّلام (٥) فقال: نرُدُّ عليهم، ولا نَبْدؤُهُم. فقال: أمّا أنا، فلا أرى بأسًا أن نَبَدأهُم بالسَّلام. قيل لهُ: لم؟ قال: لقولِ اللَّه : ﴿فَاصْفَحْ (٦) عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]. ومذهَبُ مالكٍ في ذلك، كمذهبِ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ. وأجازَ ذلك ابنُ وَهْبٍ. وقد يحتمِلُ عِندي حديثُ سُهَيلٍ، أن يكون معنى قولِهِ: "لا تبدؤُوهُم".

стр. 5723

أي: ليسَ عليكُم أن تبدؤُوهُم، كما تصنعُونَ بالمُسلِمينَ، وإذا حُمِلَ على هذا، ارتفع الاختِلافُ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١)، قالا جميعًا: حدَّثنا حفصُ بن عُمرَ الحَوْضيُّ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سُهيلِ بن أبي صالح، قال: خرجتُ مع أبي إلى الشّام، قال: فجعلُوا يمُرُّون بصوامِعَ فيها نَصارى، فيُسلِّمُونَ عليهم، فقال أبي: لا تبدؤُوهُم بالسَّلام، فإنَّ أبا هريرةَ حدَّثنا عن رسُولِ اللَّه ﷺ ، قال: "لا تَبْدؤُوهُم بالسَّلام، وإذا لَقِيتُمُوهُم في طريقٍ، فاضْطَرُّوهُم إلى أضْيَقِ الطَّريقِ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا ابنُ نُمَيرٍ عبدُ اللَّه، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن أبي حَبِيبٍ، عن مَرْثدِ بن عبدِ اللَّه اليَزَنيِّ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ الجُهَنيِّ، قال: سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "إنِّي راكِبٌ غدًا إلى يهُود، فلا تَبْدؤُوهُم بالسَّلام، فإذا سلَّمُوا عليكُم فقولُوا: وعليكُم" (٢).

стр. 5724

قال أبو عُمر: فهذا الوجهُ المعمُولُ به في السَّلام على أهلِ الذِّمّةِ، والرَّدِّ عليهم، ولا أعلمُ في ذلك خِلافًا، واللَّه المُستعانُ. وقد رَوَى سُفيانُ بن عُيينةَ، عن زَمْعةَ (١) بن صالح، قال: سمِعتُ ابن طاووُس، يقولُ: إذا سلَّمَ عليكَ اليهُوديُّ أو النَّصرانيُّ، فقُل: علاكَ السَّلامُ، أي: ارتفَعَ عنكَ السَّلامُ (٢). قال أبو عُمر: هذا لا وجهَ لهُ، معَ ما ثبتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، ولو جازَ مُخالَفةُ الحديثِ إلى الرَّأيِ في مِثلِ هذا، لاتَّسعَ في ذلك القولُ، وكثُرتِ المعاني. ومِثلُ قولِ ابنِ طاووُس في هذا البابِ، قولُ من قال: يُرَدُّ على أهلِ الكِتابِ: عليكَ السِّلام. بكسرِ السِّينِ، يعني الحِجارةَ. وهذا غايةٌ في ضَعفِ المعنَى، ولم يُبَحْ لنا أن نَشْتُمَهُمُ ابتِداءً، (٣) وحَسْبُنا أن نرُدَّ عليهم بمِثلِ ما يقولُونَ في قولِ: "وعليكَ". معَ امتِثالِ السُّنّةِ التي فيها النَّجاةُ لمن تَبِعها، وباللَّه التَّوفيقُ. (٤) وقد ذكَرْنا في بابِ ابنِ شِهاب، حُكمَ من سبَّ النَّبيَّ ﷺ من أهلِ الذِّمّةِ؛ لأنَّ بعضَ الفُقهاءِ جعلَ قولَ اليَهُودِ ها هُنا من بابِ السَّبِّ، قولُهُ: السّامُ عليكُم. وهذا عِندي لا وجهَ لهُ، واللَّه أعلمُ.

стр. 5725

حديثٌ ثامِنَ عشَر لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يَلْبَسُ خاتمًا من ذَهَب، ثُمَّ قامَ رسُولُ اللَّه ﷺ فنَبذهُ، وقال: "لا ألبسُهُ أبدًا". قال: فنَبذَ النّاسُ خَواتِمَهُم. في هذا الحديثِ (٢) دليلٌ على أنَّ الأشياءَ على الإباحةِ، حتّى يَرِدَ الشَّرعُ بالمنع منها، ألا تَرى أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يَتَختَّمُ بالذَّهبِ، وذلك واللَّهُ أعلمُ، على ما كانوا عليه، حتّى أمَرهُ اللَّهُ بما أمَرهُ به، من تَرْكِ التَّختُّم بالذَّهبِ، فنَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عن التَّختُّم بالذَّهبِ للرِّجالِ؟ قال سعيدُ بن جُبيرٍ: كان النّاسُ على جاهِليَّتِهِم، حتّى يُؤمرُوا، أو يُنهَوْا (٣). ومِن حديثِ مالكٍ (٤)، عن نافع، عن إبراهيمَ بن عبدِ اللَّه بن حُنَينٍ، عن أبيه، عن عليٍّ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ نَهَى عن لُبسِ القَسِّيِّ، والمُعصفَرِ، وعن تختُّم الذَّهبِ. . . الحديثَ. (٥) وهذا لو حَمَلناهُ على عُمُومِهِ، ما جازَ للرِّجالِ، ولا للنِّساءِ، ولكِن قد جاءَت آثارٌ تخُصُّ النِّساءَ، قد ذكَرْناها -والحمدُ للَّه- في بابِ نافع وغيرِهِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالِبٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثنا

стр. 5726

قَتادةُ، عنِ النَّضرِ بن أنَسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن خاتم الذَّهَبِ (١). قال (٢): وحدَّثنا محمدُ بن غالِبٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن يزيد الرَّقِّيِّ (٣)، قال: أخبرنا شُعبةُ، قال: أخبرنا أشعثُ بن سُلَيم، قال: سمِعتُ مُعاويةَ بن سُويدِ بن مُقرِّنٍ، قال: سمِعتُ البَراءَ بن عازِبٍ، يقولُ: نَهَى (٤) رسُولُ اللَّه ﷺ عن خاتم الذَّهبِ، أو حِليةِ الذَّهبِ. شكَّ شُعبةُ (٥). قال: وحدَّثنا محمدُ بن يُونُس الكُدَيميُّ (٦)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ عبدُ الكبيرِ بن عبدِ المجيدِ، قال: حدَّثنا مِسعرُ بن كِدام، عن أشعثَ بن أبي الشَّعثاءِ، عن مُعاويةَ بن سُوَيدِ بن مُقرِّنٍ، عنِ البَراءِ، قال: نُهينا عن سَبْع، وأُمِرنا بسَبع: أُمِرنا باتِّباع الجنائزِ (٧)، وتَشْميتِ العاطِسِ، وعِيادةِ المريضِ، وإجابةِ الدّاعي،

стр. 5727

وإبرارِ القَسَم، ونَصْرِ المظلُوم، ورَدِّ السَّلام. ونُهينا عن: خاتم الذَّهبِ، وآنيةِ الفِضّةِ، والقَسِّيِّ، والمِيثَرةِ (١)، والحَريرِ، والدِّيباج، والإسْتَبرقِ (٢). وقد ذكَرْنا هذا الحديثَ في بابِ إسحاقَ بن أبي طَلْحةَ، وفي بابِ نافع أيضًا. ورُوِيَ عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن خاتم الذَّهبِ. من وُجُوهٍ، منها: حديثُ ابنِ مَسْعُودٍ (٣)، وحديثُ عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن العاصِ، وحديثُ عليِّ بن أبي طالِبٍ، وغيرِهِم. وهُو أمرٌ مُجتمَعٌ عليه للرِّجالِ. ورَوَى شعبةُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن أبي سَعْدٍ (٤)، عن أبي الكَنُودِ، قال: أصَبْتُ خاتمًا من ذَهَبٍ، فأتيتُ عبدَ اللَّه بن مَسعُودٍ، فرآهُ عليَّ، فأخَذَهُ (٥) فجَعَلهُ بين لحييهِ فمَضَغهُ، وقال: نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عن خاتم الذَّهبِ (٦).

стр. 5728

(١) وذكرهُ أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٢)، عن عبدِ اللَّه بن إدريس، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن أبي سَعْدٍ (٣)، عن أبي الكنُودِ، عنِ ابنِ مسعُودٍ، مِثلهُ مرفُوعًا. وأبو الكنُودِ هذا من أصحابِ ابنِ مسعُودٍ، اسمُهُ عبدُ اللَّه، لم يختلِفُوا فيه، واختَلفُوا في اسْم أبيه، فقال ابنُ معينٍ (٤): هُو عبدُ اللَّه بن عِمران. وقال البُخاريُّ (٥): عبدُ اللَّه بن عُوَيمِرٍ (٦). وقال خليفةُ (٧): هُو عبدُ اللَّه بن عامرٍ. ونسبهُ في الأزدِ. وأبو سَعْد أزديٌّ أيضًا لا يُوقَفُ لهُ على اسم، يُقالُ لأبي سعدٍ: قارِئُ الأزدِ. روى عنهُ السُّدِّيُّ، ويزيدُ بن أبي زيادٍ. وروى عن أبي الكنُودِ أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، وأبو سَعْد الأزديُّ، سمِعَ خبّابَ بن الأرتِّ، وابنَ مَسعُودٍ. وأخبرنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْويُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: أخبَرني إبراهيمُ بن عُقبةَ، عن كُريبٍ، عنِ (٨) ابنِ عبّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى خاتمًا من ذَهَبٍ في يَدِ رجُلٍ، فنَزَعهُ فطَرحهُ، وقال: "يَعمِدُ أحدُكُم إلى جَمْرةٍ

стр. 5729

من نارٍ، فيَجْعلُها في يدِهِ". فقيل للرَّجُلِ بعدَما ذهَبَ النَّبيُّ ﷺ : خُذ خاتمكَ فانْتَفِعْ به. فقال: لا واللَّه لا آخُذُهُ أبدًا وقد طَرَحهُ رسُولُ اللَّه ﷺ (١). قال أبو عُمر: هذا كلُّهُ في الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. ولا خِلافَ أنَّ لباسَ الحريرِ والذَّهبِ للنِّساءِ حَلالٌ، وقد مَضَى فيما تَقدَّم من كِتابِنا هذا قولُهُ ﷺ في لُبسِ الحَريرِ والذَّهَبِ: "هذانِ حَلالانِ لإناثِ أُمَّتي، حرامٌ على ذُكُورِها" (٢). ومَضَى هُنالك في هذا المعنى ما فيه كِفايةٌ، في بابِ نافع من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا. وأمّا نَبْذُ رسُولِ اللَّه ﷺ خاتمَهُ، ونبذُ النّاسِ لخواتِمِهِم، فكذلك يَلْزمُهُمُ اقتِداءً برسُولِ اللَّه ﷺ ، وهذا أمرٌ واضِحٌ. ويحتمِلُ أن يكونَ نَبذُهُ لهُ، طرحَهُ لهُ عن يَدِهِ، وكذلك طَرْحُ النّاسِ لخواتِمِهِم عن أيدِيهِم، تركُهُم للُبسِها واستِعمالهِا، لمّا نُهُوا عن ذلك. ومِمّا يدُلُّ على صِحّةِ هذا التَّأويلِ، نَهْيُهُ ﷺ عن إضاعةِ المالِ (٣). والذَّهَبُ مالٌ، فجائزٌ سَبْكُهُ وبيعُهُ من النِّساءِ اللَّواتي يجُوزُ لهُنَّ اتِّخاذُهُ، وإنَّما حُرِّمَ على الرَّجُلِ حبسُهُ في أُصبُعِهِ تزيُّنًا به، دُونَ سائرِ تملُّكِهِ، وإن كان ﷺ رَمَى به، فيجُوزُ أن يكونَ كان ذلك منهُ أوَّلًا، ثُمَّ نَهَى بعدَ ذلك عن إضاعةِ المالِ؛ لأنَّهُ أمرٌ لا خِلافَ فيه، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 5730

وأمّا اتِّخاذُ خاتم الوَرِقِ للرِّجالِ والنِّساءِ، فمُجتَمَعٌ على إجازتِهِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ اللَّه، قال: حدَّثني نافعٌ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ اتَّخذَ خاتمًا من ذَهَبٍ، وجعلَ فصَّهُ مِمّا يَلِي كفَّهِ، فاتَّخذهُ النّاسُ، فرَمَى به، واتَّخذَ خاتمًا من وَرِقٍ (١). وقد رُوي عنِ ابنِ شِهاب، عن أنَسِ بن مالكٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ اتَّخذَ خاتمًا من وَرِقٍ، ثُمَّ نَبذهُ، فنبذَ النّاسُ خَوَاتِمَهُم. وهذا غلطٌ عندَ أهلِ العِلم، والمعرُوفُ أنَّهُ إنَّما نبذَ خاتمًا من ذَهَبٍ، لا من وَرِقٍ. وحديثُ ابنِ شِهابٍ رواهُ عنهُ إبراهيمُ بن سعدٍ (٢)، ويُونُسُ بن يزيدَ (٣)،

стр. 5731

ومُوسى بن عُقبةَ، وابنُ أبي عَتيقٍ، أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ حدَّثهُ: أنَّهُ رأى في يَدِ رسُولِ اللَّه ﷺ خاتمًا من وَرِقٍ يومًا واحِدًا، ثُمَّ إنَّ النّاسَ اصْطَنعُوا الخَواتِمَ من وَرِقٍ، ولبِسُوها، فطرَحَ رسُولُ اللَّه ﷺ خاتمَهُ، وطرَحَ النّاسُ خواتِمهُم. (١) قال أبو عُمر: المحفُوظُ في هذا البابِ عن أنسٍ، غيرُ ما قال ابنُ شِهاب، من رِوايةِ جماعةٍ من أصحابِهِ عنهُ، قد ذكَرْنا بعضهُم. وقد كرِهَ بعضُ أهلِ العِلم لباسَ الخاتم جُملةً، لحديثِ ابنِ شِهاب، وكرِههُ بعضهُم لغيرِ السُّلطانِ، والذي عليه جُمهُورُ العُلماءِ من المُتقدِّمين والمُتأخِّرينَ، إجازةُ لُبسِ خاتَم الفِضّةِ للسُّلطانِ، وغيرِهِ. ولِما عَلِمهُ مالكٌ، واللَّهُ أعلمُ، من كَراهةِ من كرِهَ ذلك، ذكر في "مُوطِّئهِ" (٢) بعد حديثهِ عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، المذكُورِ في هذا البابِ، حديثَهُ عن صَدَقةَ بن يَسار، قال: سألتُ سَعيدَ بن المُسيِّبِ عن لُبسِ الخاتَم، فقال: الْبَسهُ وأخْبِرِ النّاسَ أنِّي أفتيتُكَ بذلك. وقد حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمدَ الورّاقُ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سمِعتُ أبا عبدِ اللَّه، يعني: أحمدَ بن حَنْبل، يُسألُ عن لُبسِ الخاتَم. فقال: أهلُ الشّام يَكْرهُونهُ لغيرِ ذي سُلطانٍ، ويروُونَ فيه الكَراهةَ، وقد تختَّمَ قومٌ. قال أبو بكرٍ: وحدَّثنا أبو عبدِ اللَّه بحديثِ أبي رَيْحانةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ :

стр. 5732

أنَّهُ كرِهَ خِلالًا ذكَرَها (١)، منها: الخاتَمُ إلّا لذي سُلطانٍ. فلمّا بلغَ أحمدُ هذا الموضِعَ، تبسَّمَ كالمُتعجِّبِ، ثُمَّ قال: يا أهلَ الشّام (٢)!

стр. 5733

(١) قال أبو عُمر: الحديثُ حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ، قال: حدَّثني يحيى بن أيُّوبَ المِصريُّ، قال: حدَّثني عيّاشُ بن عبّاسٍ الحِميريُّ، عن أبي الحُصَينِ الهَيْثم، يعني: ابنَ شَفِيٍّ، عن أبي عامرٍ (٣) الحَجْريٍّ (٤)، قال: سمِعتُ أبا رَيْحانةَ صاحِبَ رسُولِ اللَّه ﷺ يقولُ: كان الرَّسُولُ ﷺ يَنْهى عن عَشْرِ خِصالٍ: مُعاكَمةِ أو مُكامعةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ في شِعارٍ (٥) ليسَ بينهُما شيءٌ، ومُعاكمةِ أو مُكامَعةِ المرأةِ المرأةَ ليس بينهُما شيءٌ، والوَشرِ (٦)، والنَّتفِ، والوَشْم، والنُّهبةِ (٧)، ورُكُوبِ النُّمُورِ، واتِّخاذِ الدِّيباج هاهُنا على العاتِقَيْنِ كما تَصْنعُ الأعاجِمُ وفي أسْفَلِ الثِّيابِ، والخاتَم إلّا لذي سُلطانٍ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن عيّاشِ بن عبّاسٍ،

стр. 5734

عن رجُلٍ حدَّثهُ، عن أبي رَيْحانةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن عَشْرِ خِصالٍ: عنِ الوَشْرِ، والوَشم، وعن مُكامَعةِ الرَّجُلِ الرَّجُل، وعن مُكامَعةِ المرأةِ المرأةَ، يعني: المُباشَرةَ، وعن ثيابٍ تُكَفُّ بالدِّيباج من أعلاها ومن أسْفَلِها كما تَصْنعُ الأعاجِمُ، وعن النُّهبةِ، وعن أن يُركَبَ بجُلُودِ النِّمارِ، وعنِ الخاتم إلّا لذي سُلْطانٍ. لم تَتِمَّ (١) في واحِدٍ من الإسنادينِ العشرُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو الجُماهِرِ محمدُ بن عُثمان التَّنُوخيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن بَشيرٍ، عن قَتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ أرادَ أن يكتُب إلى العَجَم، فقيل لهُ: إنَّهُ لا يَنفُذُ كِتابُكَ إلّا بخاتَم. قال: فاتَّخذ خاتمًا من فِضّةٍ، فصُّهُ منهُ، والخاتَمُ منقُوشٌ: "محمدٌ رسُولُ اللَّه". قال: ولبِسَ أبو بكرٍ خاتَمَ النَّبيِّ ﷺ ، فلمّا تُوُفِّي أبو بكرٍ، لبِسَ الخاتَمَ عُمرُ، فلمّا تُوُفِّي عُمرُ، لبِس الخاتمَ عُثمانُ، فسقَطَ من عُثمان في بئرٍ بالمدينةِ (٢). وأخبَرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن عَطاءٍ، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنَسِ بن مالكٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أرادَ أن يكتُبَ إلى كِسْرَى وقَيْصَرَ، فقيلَ لهُ: إنَّهُم لا يقبلُونَ كِتابًا إلّا بخاتَم، فاتَّخذَ خاتمًا من فِضّةٍ، نَقْشُهُ: "محمدٌ رسُولُ اللَّه" (٣).

стр. 5735

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن عبدِ العزيزِ، عن أنَسٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ اتَّخذَ خاتمًا (١) من فِضّةٍ، ونقشَ فيه: "محمدٌ رسُولُ اللَّه". وقال: "إنِّي اتَّخذتُ خاتمًا من وَرِقٍ ونَقَشتُ فيه: محمدٌ رسُولُ اللَّه، فلا ينقُشُ أحدٌ عليه" (٢). وقَرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو مُسلِم الكشِّيُّ، قال: حدَّثنا الشُّعَيثيُّ (٣) عبدُ الرَّحمنِ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لمّا أرادَ أن يكتُب إلى الأعاجِم، قيل لهُ: إنَّهُم لا يقبلُونَ كِتابًا إلّا بخاتَم، فاتَّخذَ خاتمًا من فِضّةٍ، ونقَشَ فيه: "محمدٌ رسُولُ اللَّه". كأنِّي أنظُرُ إلى بَصيصهِ، أو بياضِهِ، في يَدِ رسُولِ اللَّه ﷺ (٤). وروى هذا الحديثَ عن أنسٍ: ثابتٌ (٥)، وحُميدٌ (٦) لم يذكُر واحِدٌ منهُم فيه: نَبْذَ الخاتم.

стр. 5736

فهذا ما في حديثِ أنَسِ بن مالكٍ، ليسَ فيه: أنَّ رسُولَ اللَّه نَبذهُ. وإنَّما ذلك في حديثِ ابنِ عُمرَ، في خاتم الذَّهَبِ خاصّةً. وقد رُوي من حديثِ ابنِ عُمرَ بيانُ ما قُلنا؛ حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو مُسلِم الكَشِّيُّ (١)، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، عنِ المُغيرةِ بن زيادٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ اتَّخذَ خاتمًا من ذَهَبٍ، ففَشَتْ خواتِمُ الذَّهبِ في أصْحابِهِ، فرَمَى به، واتَّخذَ خاتمًا من وَرِقٍ، ونقَشَ فيه: "محمدٌ رسُولُ اللَّه"، وكان في يَدِهِ حتّى ماتَ، وفي يَدِ أبي بكرٍ حتّى ماتَ، وفي يَدِ عُمر حتّى ماتَ، وفي يَدِ عُثمان سِتَّ سِنينَ، فلمّا كثُرَتْ عليه الكُتُبُ، دَفعهُ إلى رجُلٍ من الأنصارِ للخَتْم به. فأتَى قَلِيبًا (٢) لعُثمانَ، فسقطَ فيها، فالتُمِس، فلم يُوجَدْ، فاتَّخذ خاتمًا من وَرِقٍ، ونَقَشَ فيه: "محمدٌ رسُولُ اللَّه" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيان، عن أيُّوبَ بن مُوسى، عن نافع، عنِ ابنِ عُمر، قال: اتَّخذَ رسُولُ اللَّه ﷺ خاتمًا من ذَهَبِ، ثُمَّ رَمَى به، واتَّخذ خاتمًا من فِضّةٍ، فصُّهُ منهُ، ونقشَ فيه: "محمدٌ رسُولُ اللَّه"، ونَهَى أن يَنْقُشَ أحدٌ عليه. وهُو الذي سقطَ من مُعَيقيبٍ في بئرِ أريسٍ (٤).

стр. 5737

وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن هاشِم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ليلى، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: كان خاتمُ رسُولِ اللَّه ﷺ من فِضّةٍ، وكان يجعلُ فصَّهُ مِمّا يلي راحَتَهُ. ورَوَى ابنُ وَهْبٍ، عنِ العُمَريِّ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَلْبسُ خاتَمَهُ (١) في يمينِهِ، ويجعلُ فصَّهُ من (٢) باطِنِ كفِّهِ (٣) (٤). ففي هذه الأحاديثِ: أنَّ خاتَم رسُولِ اللَّه ﷺ كان فصُّهُ منهُ، وكان يجعلُهُ مِمّا يلي راحتَهُ. وكذلك رَوَى حُميدٌ، عن أنس، قال: كان خاتَمُ النَّبيِّ ﷺ كلُّهُ من فِضّةٍ (٥). وهُو الصَّحيحُ من جِهةِ الإسنادِ: أنَّ فصَّهُ كان منهُ. وقد رُوي أنَّ فصَّهُ كان حَبَشيًّا (٦)؛ أخبرنا خلَفُ بن أحمد ومحمدُ بن إبراهيمَ وعبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمرَ بن

стр. 5738

لُبابةَ، قال: حدَّثنا أبو زيدٍ عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، عن يُونُس بن يزيد، عنِ ابنِ شِهاب، عن أنَسِ بن مالكٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لبِسَ خاتمَ فِضّةٍ في يمينِهِ، وفيه فصٌّ حبشيٌّ، كان يجعلُ فصَّهُ مِمّا يلي كفَّهُ (١). قال أبو عُمر: ليسَ هذا الإسنادُ بالقويِّ، واللَّهُ أعلمُ، وحديثُ أيُّوب بن مُوسى، عن نافع، عنِ ابنِ عُمر أصحُّ من هذا، وقد تقدَّمَ ذِكرُهُ. وقد رُوِيَ عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم: أنَّهُ كان يتختَّمُ بالذَّهبِ. وهذا إن صحَّ عنهُ، أو عن غَيرِهِ، فلا مَعنَى لهُ، لشُذُوذِهِ، ومُخالفةِ السُّنّةِ الثّابِتةِ فيه، والحُجّةُ فيها، لا في غيرِها، وجائزٌ أن لا يبلُغَهُ الخبرُ بالنَّهيِ عن ذلك، لأنَّهُ من عِلْم الخاصّةِ وأخبارِ الآحادِ، فقد فاتَ من هُو أجلُّ منهُ أكثرُ من ذلك من سُننِ الآحادِ، وليسَ ذلك بضائرٍ لهم، ﵏. وأمّا التَّختُّمُ في اليمينِ وفي اليَسارِ، فاختلَفَتْ في ذلك الآثارُ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، وعن أصحابِهِ بعدهُ، وذلك محمُولٌ عندَ أهلِ العِلم على الإباحةِ. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: أخبرنا ثابتٌ: أنَّهُم سألُوا أنَسَ بنَ مالكٍ: أكانَ لرسُولِ اللَّه ﷺ خاتَمٌ؟ قال: نعم. فذكر حديثًا، قال أنسٍ: فكأنِّي أنظر إلى وَبِيصِ (٢) خاتمِهِ. ورفعَ يدَهُ اليُسرى (٣). وحدَّثنا يعيشُ بن سعيدٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن

стр. 5739

أصبَغَ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي العوّام، قال: حدَّثنا موسى بن داود، قال: حدَّثنا عبّادُ بن العوّام، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ (٢)، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَتَختَّمُ بيمينِهِ، ونَقشُهُ: "محمدٌ رسُولُ اللَّه" (٣). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا ابنُ نُميرٍ، عن إبراهيمَ بن الفَضْلِ، عن عبدِ اللَّه بن محمدِ بن عَقيلِ بن أبي طالِبٍ، عن عبدِ اللَّه بن جَعْفرٍ، قال: رأيتُ خاتَمَ رسُولِ اللَّه ﷺ في يَمينِهِ. وحدَّثني سعيدٌ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن نُميرٍ، قال: حدَّثني أبي، عن محمدِ بن إسحاقَ، عنِ الصَّلتِ بن عبدِ اللَّه بن نَوْفلٍ، قال: رأيتُ ابنَ عبّاسٍ خاتمُهُ في يمينِهِ، ولا إخالُهُ إلّا قد ذكرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كذلك كان يلبسُهُ (٥).

стр. 5740

(١) وأخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داود، قال: حدَّثنا سُحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّه بن عُمر بن حَفْصِ بن عاصِم، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ تختَّم في يَمينِهِ (٢). ومِمَّن رَوَينا عنهُ أنَّهُ كان يتختَّمُ: حُذيفةُ بن اليمانِ، وأنَسُ بن مالكٍ، وأبو مُوسى الأشعريُّ، وعِمرانُ بن حُصينٍ، وأبو عُبيدةَ ابنُ الجرّاح، وعبدُ اللَّه بن عُمر، ومسرُوقٌ، وإبراهيمُ، وأبو جعفرٍ محمدُ بن عليِّ بن حُسينٍ، ومحمدُ بن سيرينَ، والحسنُ، والقاسمُ، وسالم (٣). وأمّا نُقُوشُ خواتِمِهِم فمُختلِفةٌ جِدًّا. وقد حدَّثنا أحمدُ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّه، عن بَقيٍّ، عن أبي بكرٍ، قال (٤): حدَّثنا يحيى بن آدم، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن قتادةَ، عن أنَسٍ: أنَّ عُمرَ قال: لا تنقُشُوا، أو: لا تكتُبُوا في خواتِمِكُم بالعربيّةِ. قال أبو عُمر: النّاسُ على خِلافِ هذا، وقال الحسنُ وعطاءٌ: لا بأسَ أن ينقُش في الخاتم الآيةَ كلَّها (٥). وكَرِههُ إبراهيمُ (٦).

стр. 5741

وكان نقشُ خاتم مسرُوقٍ: "بسم اللَّه الرَّحمنِ الرَّحيم" (١). ومِمَّن كان يَتَختَّمُ في يسارِهِ: أبو بكرٍ، وعُمرُ، وعُثمانُ، والحسنُ، والحُسينُ، والقاسمُ، وسالمٌ، وإبراهيمُ، وعَمرُوُ بن حُرَيثٍ (٢). ومِمَّن كان يتختَّمُ في يمينِهِ: جعفرُ بن أبي طالِبٍ، ومحمدُ بن عليٍّ ابنُ الحنفيّةِ، وابنُ عبّاسٍ، وعبدُ اللَّه بن جعفرٍ (٣). ورُوِيَ ذلك عنِ النَّبيِّ ﷺ (٤). وحدَّثنا أحمدُ بن سعيدِ بن بِشْر (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي دُليم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٦): حدَّثنا عَبْدةُ بن سُليمانَ، عن عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يتختَّمُ في يَسارِهِ. قال عُبيدُ اللَّه: ورأيتُ القاسمَ بن محمدٍ يتختَّمُ في يسارِهِ، ورأيتُ سالمَ بن عبدِ اللَّه يتختَّمُ في يَسارِهِ (٧).

стр. 5742

وأخبرنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُليم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا مَعْنُ بن عيسى، عن سُليمان بن بلالٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، قال: كان الحسنُ والحُسينُ يَتَختَّمانِ في أيسارِهِما (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا عاصِمُ بن كُلَيبٍ، عن أبي بُرْدةَ، عن (٢) عليٍّ، قال: نهاني رسُولُ اللَّه ﷺ أن أتختَّمَ في السَّبّابةِ والوُسْطَى (٣). وأخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يزيد، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن طالِبٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بِشْرٍ (٤)،

стр. 5743

عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُول اللَّه ﷺ كان يجعلُ فصَّ خاتمِهِ في باطِنِ كفِّهِ (١). وقدِ اختُلِفَ في لباسِ خاتَم الحديدِ، ففي حديثِ أبي حازِم، عن سهلِ بن سعدٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "الْتمِس، ولو خاتمًا من حَديدٍ" (٢). وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه، يعني أحمدَ بن حَنْبل: ما تَرى في خاتم الحديد؟ فقال: اختلفُوا فيه، لَبِسهُ ابنُ مسعُودٍ، وقال ابنُ عُمر: ما طهَرَتْ كفٌّ فيها خاتَمٌ من حديدٍ. وروى محمدُ بن عَجْلانَ، عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن خاتم الذَّهبِ، وخاتَم الحديدِ (٣). وعن عُمرَ بن الخطّابِ، أنَّهُ قال في خاتم الذَّهبِ وخاتم الحديدِ: جَمْرةٌ من نارٍ. أو قال: حِلْيةُ أهلِ النّارِ (٤). وقد رُوي مِثلُ هذا مرفُوعًا، ولا يتَّصِلُ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، ولا عن عُمرَ، وليسَ

стр. 5744

بثابتٍ، والأصلُ أنَّ الأشياءَ على الإباحةِ، حتّى يثبُتَ النَّهيُ، وهذا في كلِّ شيءٍ، إلّا أنَّ النَّهي عنِ التَّختُّم بالذَّهبِ صحيحٌ. (١) وقد أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، ومحمدُ بن عبدِ العزيزِ بن أبي رِزمةَ المَعْني، قالا: أخبَرنا زيدُ بن الحُبابِ، عن عبدِ اللَّه بن مُسلِم أبي طَيْبةَ (٣) السُّلميِّ المروزيِّ، عن عبدِ اللَّه بن بُرَيدةَ، عن أبيه: أنَّ رجُلًا جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ وعليه خاتمٌ من شَبَهٍ (٤)، فقال لهُ: "ما لي أجِدُ منكَ ريحَ الأصنام؟ ". فطَرَحهُ، ثُمَّ جاءَهُ وعليه خاتمٌ من حديدٍ، فقال: "ما لي أرَى عليكَ حِلْيةَ أهلِ النّارِ؟ ". فطَرَحهُ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، من أيِّ شيءٍ أتَّخِذُهُ؟ فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "اتَّخِذْهُ من وَرِقٍ، ولا تُتِمَّهُ مِثقالًا". لم يَقُل محمدٌ: عن عبدِ اللَّه بن مُسلِم. ولم يَقُلِ الحسنُ: السُّلميِّ المروزيِّ. وذكر الحَسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح الفرّاءُ محبُوبُ بن مُوسى، قال: سمِعتُ أبا إسحاقَ الفَزاريَّ، ورأى في يَدِ رجُلٍ خاتمًا، فقال لهُ: في يدِكَ خاتَمٌ؟ ما لبِستُ خاتمًا قطُّ، ولا رأيتُ في يَدِ سُفيان خاتمًا، ولا في يَدِ مُغيرةَ، ولا في يَدِ الأوزاعيِّ.

стр. 5745

قال: وقال أبو نُعيم: رأيتُ الأعمشَ وسُفيانَ والحسنَ بن حيٍّ، فلم أرَ على واحِدٍ منهُم خاتمًا، وكان شريكٌ قبلَ أن يُستقضَى عليه خاتمُ فِضّةٍ، ورأيتُ أبا حنيفةَ عليه خاتمُ فِضّةٍ، فصُّهُ منهُ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبانُ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن عبدِ الرَّحمنِ مولى أُمِّ بُرثُن: أنَّ أبا مُوسى الأشعريَّ وزيادًا قَدِما على عُمر، وفي يَدِ زيادٍ خاتمٌ من ذَهَبٍ، فقال لهُ عُمرُ: أتَتَختَّمُ بالذَّهَبِ؟ فقال أبو موسى: أمّا أنا فخاتَمي من حَديدٍ. فقال: ذلك أخبَثُ وأنتنُ. ثُمَّ قال: من كان مُتَختِّمًا، فليتَختَّم بالفِضّةِ (١). وقد ذكَرْنا في بابِ نافع مسألةَ شدِّ الأسنانِ بالذَّهَبِ، والحمدُ للَّه.

стр. 5746

حديثٌ تاسِعَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "الذي يجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ، لا ينظُرُ اللَّهُ إليه يومَ القيامةِ" (٢). وقد تقدَّمَ القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ من هذا الكِتابِ. ومِن أحْسَنِ ما رُوي في ذلك، ما رواهُ سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن حُصينٍ، عن عَمرِو بن ميمُونٍ، قال: لمّا طُعِنَ عُمرُ، جاءَ النّاسُ يعُودُونهُ، فيهم شابٌّ من قُرَيشٍ، فلمّا سلَّمَ على عُمرَ، أبصرَ إزارَهُ قد أُسْبِلَ، فدعاهُ، فقال: ارفَعْ إزاركَ، فإنَّهُ أنْقَى لثوبِكَ، وأتْقَى لربِّكَ (٣). قال: فما مَنعهُ ما هُو فيه أن أمَرَهُ بطاعةِ اللَّه.

стр. 5747

حديثٌ مُوَفِّي عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع وعبدِ اللَّه بن دينارٍ وزيدِ بن أسلمَ، كلُّهُم يُخبِرُهُ عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا ينظُرُ اللَّهُ يومَ القيامةِ إلى من جرَّ ثوبَهُ خُيَلاءَ" (٢). وكذلك هذا الحديثُ أيضًا في معنَى الذي قَبلهُ، وقد سلَفَ القولُ فيه، في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.

стр. 5748

حديثٌ حادي عشرين لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع وعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رجُلًا سألَ رسُولَ اللَّه ﷺ عن صَلاةِ اللَّيلِ، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدُكُمُ الصُّبحَ، صلَّى رَكْعةً تُوتِرُ لهُ ما قد صلَّى" (٢). وهذا الحديثُ أيضًا قد مَضَى القولُ فيه مُستَوعبًا في مَعانيهِ، في بابِ نافع من هذا الكِتابِ، والحمدُ للَّه كثيرًا.

стр. 5749

حديثٌ ثاني عشرين لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، قال: كنتُ أنا وعبدُ اللَّه بن عُمرَ عندَ دارِ خالدِ بن عُقبةَ التي بالسُّوقِ، فجاءَ رجُلٌ يُريدُ أن يُناجيَهُ، وليسَ معَ عبدِ اللَّه (٢) أحدٌ غيري وغيرُ الرَّجُلِ الذي يُريدُ أن يُناجيَهُ، فدَعا عبدُ اللَّه بن عُمرَ رجُلًا آخرَ، حتّى إذا كُنّا أرْبَعةً، قال لي، وللرَّجُلِ الذي دَعا (٣): استرخيا شيئًا، فإنِّي سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "لا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ واحِدٍ" (٤). هذا الحديثُ عنِ ابنِ عُمرَ، يُفسِّرُ حديثَهُ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إذا كانوا ثلاثةً، فلا يَتَناجَ اثنانِ دُونَ الثالثِ" (٥). وقد مَضَى القولُ فيه، في بابِ نافع، من كِتابِنا هذا، فلا معنَى لإعادةِ ذلك ها هُنا. (٦) وأمّا رِوايةُ من رَوى في هذا الحديثِ: اسْتَرخيا. فمعناهُ اجْلِسا وتحدَّثا، وانْتظِرا قليلًا. وقيل: بل معنى اسْتَرخيا، واسْتأخِرا، سواءٌ.

стр. 5750

عبدُ اللَّه بن دينارٍ، عن سُليمان بن يَسارٍ، حديثانِ حديثٌ ثالِث عشرين لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن سُليمانَ بن يسار مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ وعن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن عائشةَ أُمِّ المُؤمنين: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "يحرُمُ من الرَّضاعةِ، ما يَحرُمُ من الوِلادةِ". هكذا في كِتابِ يحيى: وعن عُروةَ بن الزُّبيرِ. بواوِ العطفِ، وهُو خطأٌ، والصَّوابُ في إسنادِ هذا الحديثِ: سُليمانُ بن يَسارٍ، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ. وكذلك هُو عندَ القَعْنبيِّ (٢)، وابنِ بُكيَرٍ، وابنِ وَهْبٍ (٣)، وابنِ القاسم، والتِّنِّيسيِّ (٤)، وأبي المُصعبِ (٥) وجماعتِهِم (٦) في "المُوطَّأ": عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن سُليمانَ بن يسارٍ، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن عائشةَ. وهُو مَعرُوفٌ لسُليمانَ بن يَسارٍ، عن عُروةَ، وغيرُ نكيرٍ رِوايةُ النَّظيرِ عنِ النَّظيرِ، فكيفَ وسُليمانُ دُونَ عُروةَ في السِّنِّ واللِّقاءِ، وإن كانا جميعًا من فُقهاءِ عَصْرِهِما؟ وقد رَوَى هذا الحديثَ عن عُروةَ: مكحُولٌ الشّاميُّ، وهُو من كِبارِ التّابِعينَ أيضًا، ورواهُ عن عُروةَ: ابنُ شِهاب (٧)، وهشامُ بن عُروةَ (٨)، وجماعةٌ.

стр. 5751

ذكَرَ ابنُ وَهْبٍ، عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن جَعفرِ بن رَبِيعةَ، عن مَكحُولٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، عن رسُولِ اللَّه ﷺ أنَّهُ قال: "يحرُمُ من الرَّضاعةِ، ما يحرُمُ من النَّسبِ" (١). ورواهُ يحيى القطّانُ، عن مالكٍ، كما رواهُ سائرُ أصحابِ مالكٍ، غيرَ يحيى بن يحيى، وحسبُكَ بيحيى بن سعيدٍ القطّانِ إتقانًا وحِفظًا وجَلالةً. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا مالكٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن دينارٍ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "ما حرَّمتِ الوِلادةُ، حرَّمتِ الرَّضاعةُ" (٢). وهذا الحديثُ واضِحُ المعنى. وفيه دليلٌ على أنَّ لبنَ الفَحْلِ يُحرِّمُ، وإن كان مُحتَمِلًا للتَّأويلِ. وقد مَضَى القولُ مُسْتَوعبًا في لَبنِ الفحلِ، وما في ذلك من التَّنازُع بين العُلماءِ مُجوَّدًا، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك ها هُنا.

стр. 5752

حديثٌ رابع عشرين لعبدِ اللَّه بن دينارٍ عن سُليمانَ بن يسارٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ وعن عِراكِ بن مالكٍ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "ليسَ على المُسلِم في عَبدِهِ ولا فرسِهِ صَدَقةٌ". (٢) هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ الرُّواةِ (٣). ورَواهُ حبيبٌ، كاتِبُ مالكٍ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ. فأخطأ، وكان كثيرَ الخطأ، وقد نُسِب إلى الكذِبِ لكَثْرةِ غرائبِهِ وخَطئهِ عن مالكٍ. وهذا الحديثُ أيضًا أخَطَأ فيه يحيى بن يحيى، كخَطَئهِ في الحديثِ الذي قبلَهُ سواءً، وأدخلَ بينَ سُليمانَ وعِراكِ بن مالكٍ واوًا، فجعَلَ الحديثَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ وعِراكٍ، وهُو خطأٌ غيرُ مُشْكِل. وهذانِ المَوْضِعانِ مِمّا عُدَّ عليه من غَلَطِهِ في "المُوطَّأ" والحديثُ محفُوظٌ في "المُوطَّآتِ" كلِّها وفي غيرِها لسُليمان بن يسارٍ، عن عِراكِ بن مالكٍ، وهُما تابِعانِ نَظِيرانِ، وعِراكٌ أسنُّ من سُليمانَ، وسُليمانُ عندَهُم أفقهُ، وكِلاهُما ثِقةٌ جليلٌ عالِمٌ، وعبدُ اللَّه بن دينارٍ تابِعٌ أيضًا ثِقةٌ.

стр. 5753

(١) تُوُفِّي عِراكُ بن مالكٍ الغِفاريُّ بالمدينةِ سنةَ اثْنَتين ومئةٍ. وتُوُفِّي سُليمانُ بن يسارٍ سنةَ سبع ومئةٍ. وقد تقدَّم ذِكرُ وفاةِ عبدِ اللَّه بن دينارٍ في أوَّلِ بابِهِ من هذا الكِتابِ. وما زال العُلماءُ قديمًا يأخُذُ بعضُهُم عن بعضٍ، ويأخُذُ الكبيرُ عنِ الصَّغيرِ، والنَّظيرُ عنِ النَّظيرِ، حتّى نفَخَ (٢) الشَّيطانُ (٣) في أُنُوفِ كثيرٍ من أهلِ عَصْرِنا ببلَدِنا فأُعجِبُوا بما عندَهُم، وقَنِعُوا بيسيرِ ما علِمُوا، ونَصبُوا الحربَ لأهلِ العِنايةِ، وأبدَوْا لهُ الشَّحناءَ والعَداوةَ، حسَدًا وبغيًا، وقديمًا كان في النّاسِ الحسدُ، ولقد كان ذلك فيما رُوي عن إبليسَ لآدمَ، ومنَ ابْنَيْ آدمَ بعضِهِما لبعضٍ، ولقد أحسنَ سابِقٌ ﵀، حيثُ يقولُ (٤): جَنَى الضَّغائنَ آباءٌ لنا سَلَفُوا ... فلن تَبيدَ وللآباءِ أبناءُ وقد ذمَّ اللَّهُ الحاسِدينَ في كِتابِهِ، ونَهَى عنِ الحَسدِ رسُولُهُ ﷺ ، فقال: "لا تحاسدُوا" (٥). ثُمَّ قال: "إذا حَسَدتُم، فلا تَبغُوا" (٦). ولا معصُومَ إلّا من عَصَمهُ اللَّه، فهُو حسبُنا لا شريكَ لهُ. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ الخَيْلَ لا زكاةَ فيها، وأنَّ العَبِيدَ لا زَكاةَ فيهم، وجَرَى عندَ العُلماءِ مجرَى العَبيدِ والخَيْلِ: الثِّيابُ، والفُرُشُ، والأواني، والجَواهِرُ، وسائرُ العُرُوضِ، والدُّورُ، وكلُّ ما يُقْتنَى من غَيرِ العَيْنِ والحَرْثِ والماشيةِ.

стр. 5754

وهذا عندَ العُلماءِ، ما لم يُرَدْ بذلك، أو بشيءٍ منهُ تِجارةٌ، فإن أُريدَ بشيءٍ من ذلك التِّجارةُ، فالزَّكاةُ واجِبةٌ فيه، عندَ أكثرِ العُلماءِ. ومِمَّن رأى الزَّكاةَ في الخيلِ، والرَّقيقِ، وسائرِ العُرُوضِ كلِّها، إذا أُريدَ بها التِّجارةُ: عُمرُ، وابنُ عُمرَ (١). ولا مخُالِفَ لهما من الصَّحابةِ، وهُو قولُ جُمهُورِ التّابِعين بالمدينةِ، والبَصْرةِ، والكُوفةِ، وعلى ذلك فُقهاءُ الأمصارِ بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، وهُو قولُ جماعةِ أهلِ الحديثِ. وقد رُوي عنِ ابنِ عبّاسٍ، وعائشةَ: أنَّهُ لا زَكاةَ في العُرُوضِ (٢). قال سُفيانُ: عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عنِ القاسم، عن عائشةَ، قالت: ليسَ في العُرُوضِ صَدَقةٌ. وهذا لو صحَّ، كان معناهُ عندَنا (٣): أنْ لا زكاةَ في العُرُوضِ، إذا لم يُرَدْ بها التِّجارةُ؛ لأنَّها إذا أُريدَ بها التِّجارةُ، جرَتْ مجْرَى العَينِ، لأنَّ العينَ من الذَّهبِ والوَرِقِ تحوَّلت فيها (٤) طلبًا للنَّماءِ، فقامَتْ مَقامَها (٥). وكذلك قولُ كلِّ من رُوِيَ عنهُ من التّابِعينِ: لا زكاةَ في العُرُوضِ. على هذا مَحمِلُهُ عندَنا، وعلى ما ذكَرْناه هذا مذهبُ جُمهُورِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّها اشتُريت بالذَّهبِ والورِقِ، لتُردَّ إلى الذَّهبِ والوَرِقِ، ولا يحصُلُ التَّصرُّفُ في العَيْنِ إلّا بذلك، فلِهذا قامَتِ العُرُوضُ مَقامَ العينِ، فإذا اشْتُريَتْ للقُنيةِ، فلا صَدَقةَ (٦) فيها.

стр. 5755

وقد شذَّ داودُ، فلم يَرَ الزكاةَ في العروض، وإن نَوَى بها صاحِبُها التِّجارةَ، وحُجَّتُهُ الحديثُ المذكُورُ في هذا البابِ، قولُهُ ﷺ : "ليسَ على المُسلِم في عَبدِهِ، ولا فرسِهِ صَدَقةٌ". قال: ولم يقُل: إلّا أن يَنْويَ بها التِّجارةَ. واحتجَّ ببراءةِ الذِّمّةِ، وأنَّهُ لا يجِبُ فيها شيءٌ إلّا باتِّفاقٍ، أو دليلٍ لا مُعارِضَ لهُ. قال: والاختِلافُ في زكاةِ العُرُوضِ موجُودٌ. فذكرَ عن عائشةَ، وابنِ عبّاسٍ، وعطاءٍ، وعَمرِو بن دينارٍ، ما ذكرنا، وذكر عن مالكٍ مذهبَهُ فيما بارَ من العُرُوضِ على التُّجّارِ وكسَدَ (١) مِمَّن ليسَ بمديرٍ، وقولُهُ في التّاجِرِ يبيعُ العَرْض بالعَرْضِ، ولا ينِضُّ لهُ شيءٌ في حَوْلِهِ. وجعلَ هذا خِلافًا، أسقَطَ به الزَّكاةَ في العُرُوضِ، واحتجَّ بقولِهِ ﷺ : "ليسَ على المُسلِم في عَبدِهِ، ولا في فرسِهِ صَدَقةٌ". وقال سائرُ العُلماءِ: إنَّما معنَى هذا الحديثِ فيما يُقْتَنى من العُرُوضِ، ولا يُرادُ به التِّجارةُ. وللعُلماءِ في زَكاةِ العُرُوضِ التي تُبتاعُ للتِّجارةِ، قولانِ أيضًا، أحدُهُما: أنَّ صاحِبَها يُزكِّيها عنِ الثَّمنِ الذي اشْتَراها به. والآخرُ: أنَّها تُقَوَّمُ بالِغًا ما بلَغَتْ، نقَصَتْ أو زادَتْ. والمديرُ وغيرُ المديرِ عندَ جُمهُورِ أهلِ العِلم سواءٌ، يُقوِّمُ عندَ رأسِ الحَوْلِ ويُزكِّي كلَّ ما (٢) نَوَى به التِّجارةَ، في كلِّ حولٍ (٣).

стр. 5756

ومِمَّن قال ذلك: الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبيدٍ. وقال مالكٌ: المديرُ يُقوِّمُ إذا نضَّ لهُ شيءٌ في العام، وغيرُ المديرِ ليسَ عليه ذلك، وإن أقامَ العرضَ للتِّجارةِ عِندهُ سِنينَ، ليس عليه فيه زكاةٌ، فإذا باعَهُ، زكّاهُ زكاةً واحِدةً، لسنةٍ واحِدةٍ. وهُو قولُ عطاءٍ. وتحصيلُ مذهبِ الشّافِعيِّ، وأبي حنيفةَ: إذا كانتِ العُرُوضُ للتِّجارةِ، ففيها الزَّكاةُ إذا بلغت قيمتُها النِّصاب، يُقوِّمُها بالدَّنانيرِ، أو بالدَّراهِم، الأغلبِ من نَقدِ بلدِهِ، رأسَ الحَوْلِ، ويُزكِّي، وسواءٌ باعَ العُرُوضَ بالعُرُوضِ، أو باع العُرُوضَ بالعينِ، وسواءٌ نضَّ لهُ في العام شيءٌ، أو لم ينِضَّ. وهذا كلُّهُ قولُ الأوزاعيِّ، والثَّوريِّ، والحسنِ بن حيٍّ، وسائرِ الفُقهاءِ البغداديِّين من أهلِ الحديثِ. وقال مالكٌ: إن كان مِمَّن يبيعُ العَرْضَ بالعَرْضِ، فلا زَكاةَ فيه حتّى ينِضَّ (١) مالُهُ، وإن كان يبيعُ بالعينِ والعرضِ، فإنَّهُ يُزكِّي. قال: وإن لم يكُن مِمَّن يُديرُ التِّجاراتِ، فاشْتَرى سِلْعةً بعينِها، فبارَتْ عليه، فمضَتْ أحوالٌ، فلا زَكاةَ عليه، فإذا باعَ، زكَّى زَكاةً واحِدةً. قال: وأمّا المديرُ الذي يكثُرُ خُرُوجُ ما ابتاعَ عنهُ، ويقِلُّ بَوارُهُ وكسادُهُ، ويبيعُ بالنَّقدِ والدَّينِ، فإنَّهُ يُقوِّمُ ما عندَهُ من السِّلع، ويُحصي ما عندَهُ من العينِ، وما لهُ من الدَّينِ في مَلأٍ وثِقةٍ، مِمّا لا يتعذَّرُ عليه أخذُهُ، ويُقوِّمُ عُرُوضَهُ، يفعلُ ذلك في كلِّ عام، إذا نضَ لهُ شيءٌ من العَينِ ليُزكِّيَها، مع ما نضَّ لهُ من العَينِ، وسَواءٌ نضَّ لهُ نِصابٌ أم لا.

стр. 5757

وقال ابنُ القاسم: إذا نضَّ لهُ شيءٌ من العَيْنِ، قوَّم عُرُوضَهُ وزكَّى لحولِهِ مُنذُ ابتدأ تَجْرَهُ. وقال أشهبُ: لا يُقوِّمُ حتّى يَمْضيَ لهُ حولٌ مُستقبَلٌ، مُذ باعَ بالعينِ؛ لأنَّهُ حينئذٍ صار مُدِير، مِمَّن يلزمُهُ التَّقويمُ. وقال ابنُ نافع في الذي يُديرُ العُرُوضَ بالعُرُوضِ، ولا يبيعُ بعينٍ: إنَّهُ لا زَكاةَ عليه أبدًا، حتّى ينِضَّ لهُ مِئَتا دِرْهم، أو عِشرُونَ دينارًا، فإذا نضَّ لهُ ذلك زكّاهُ، وزكَّى ما نَضَّ (١) لهُ بعد ذلك من قليلٍ أو كثيرٍ، ينِضُّ لهُ، ولا تقويمَ عليه. وقد ذكَرَ ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ، قال: ومن كان عندَهُ مالٌ، أو مالانِ، إنَّما يَضعُهُ في سِلْعةٍ، أو في سِلْعتينِ، ثُمَّ يبيعُ فيَعرِفُ حولَ كلِّ مالٍ، فإنَّهُ إذا مرَّ به اثنا عشَرَ شهرًا، زكَّى ما في يَدَيهِ من العينِ، ثُمَّ لا زَكاةَ عليه فيما عندَهُ من العُرُوضِ، وإن أقامَ سِنينَ حتّى يبيعَ؛ لأنَّ هذا يحفظُ مالَهُ وأحوالَهُ، والمديرُ لا يَحفَظُ مالَهُ ولا أحوالَهُ، فمِن ثمَّ قوَّم هذا، ولم يُقوِّم هذا. وقال اللَّيثُ: إذا ابتاعَ متاعًا للتِّجارةِ، فبقي عِندهُ أحوالًا، ثُمَّ باعَهُ، فليسَ عليه إلّا زكاةٌ واحِدةٌ، مِثل قولِ مالكٍ سَواءٌ. وأمّا زكاةُ الخيلِ السّائمةِ، فقد مَضَى القولُ فيها، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، من كِتابِنا هذا. ولم يختلِفِ العُلماءُ: أنَّ العُرُوضَ كلَّها، من العَبيدِ، وغيرِ العبيدِ، إذا لم تكُن تُبتاعُ للتِّجارةِ: أنَّهُ لا زكاةَ فيها، وسواءٌ ورِثَها الإنسانُ، أو وُهِبَتْ لهُ، أوِ اشْتَراها إلى قُنْيةٍ، لا شيءَ فيها بوَجه من الوُجُوهِ.
следующие страницы →