← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5753–5792 · переход к 5758.

стр. 5753

(١) تُوُفِّي عِراكُ بن مالكٍ الغِفاريُّ بالمدينةِ سنةَ اثْنَتين ومئةٍ. وتُوُفِّي سُليمانُ بن يسارٍ سنةَ سبع ومئةٍ. وقد تقدَّم ذِكرُ وفاةِ عبدِ اللَّه بن دينارٍ في أوَّلِ بابِهِ من هذا الكِتابِ. وما زال العُلماءُ قديمًا يأخُذُ بعضُهُم عن بعضٍ، ويأخُذُ الكبيرُ عنِ الصَّغيرِ، والنَّظيرُ عنِ النَّظيرِ، حتّى نفَخَ (٢) الشَّيطانُ (٣) في أُنُوفِ كثيرٍ من أهلِ عَصْرِنا ببلَدِنا فأُعجِبُوا بما عندَهُم، وقَنِعُوا بيسيرِ ما علِمُوا، ونَصبُوا الحربَ لأهلِ العِنايةِ، وأبدَوْا لهُ الشَّحناءَ والعَداوةَ، حسَدًا وبغيًا، وقديمًا كان في النّاسِ الحسدُ، ولقد كان ذلك فيما رُوي عن إبليسَ لآدمَ، ومنَ ابْنَيْ آدمَ بعضِهِما لبعضٍ، ولقد أحسنَ سابِقٌ ﵀، حيثُ يقولُ (٤): جَنَى الضَّغائنَ آباءٌ لنا سَلَفُوا ... فلن تَبيدَ وللآباءِ أبناءُ وقد ذمَّ اللَّهُ الحاسِدينَ في كِتابِهِ، ونَهَى عنِ الحَسدِ رسُولُهُ ﷺ ، فقال: "لا تحاسدُوا" (٥). ثُمَّ قال: "إذا حَسَدتُم، فلا تَبغُوا" (٦). ولا معصُومَ إلّا من عَصَمهُ اللَّه، فهُو حسبُنا لا شريكَ لهُ. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ الخَيْلَ لا زكاةَ فيها، وأنَّ العَبِيدَ لا زَكاةَ فيهم، وجَرَى عندَ العُلماءِ مجرَى العَبيدِ والخَيْلِ: الثِّيابُ، والفُرُشُ، والأواني، والجَواهِرُ، وسائرُ العُرُوضِ، والدُّورُ، وكلُّ ما يُقْتنَى من غَيرِ العَيْنِ والحَرْثِ والماشيةِ.

стр. 5754

وهذا عندَ العُلماءِ، ما لم يُرَدْ بذلك، أو بشيءٍ منهُ تِجارةٌ، فإن أُريدَ بشيءٍ من ذلك التِّجارةُ، فالزَّكاةُ واجِبةٌ فيه، عندَ أكثرِ العُلماءِ. ومِمَّن رأى الزَّكاةَ في الخيلِ، والرَّقيقِ، وسائرِ العُرُوضِ كلِّها، إذا أُريدَ بها التِّجارةُ: عُمرُ، وابنُ عُمرَ (١). ولا مخُالِفَ لهما من الصَّحابةِ، وهُو قولُ جُمهُورِ التّابِعين بالمدينةِ، والبَصْرةِ، والكُوفةِ، وعلى ذلك فُقهاءُ الأمصارِ بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، وهُو قولُ جماعةِ أهلِ الحديثِ. وقد رُوي عنِ ابنِ عبّاسٍ، وعائشةَ: أنَّهُ لا زَكاةَ في العُرُوضِ (٢). قال سُفيانُ: عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عنِ القاسم، عن عائشةَ، قالت: ليسَ في العُرُوضِ صَدَقةٌ. وهذا لو صحَّ، كان معناهُ عندَنا (٣): أنْ لا زكاةَ في العُرُوضِ، إذا لم يُرَدْ بها التِّجارةُ؛ لأنَّها إذا أُريدَ بها التِّجارةُ، جرَتْ مجْرَى العَينِ، لأنَّ العينَ من الذَّهبِ والوَرِقِ تحوَّلت فيها (٤) طلبًا للنَّماءِ، فقامَتْ مَقامَها (٥). وكذلك قولُ كلِّ من رُوِيَ عنهُ من التّابِعينِ: لا زكاةَ في العُرُوضِ. على هذا مَحمِلُهُ عندَنا، وعلى ما ذكَرْناه هذا مذهبُ جُمهُورِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّها اشتُريت بالذَّهبِ والورِقِ، لتُردَّ إلى الذَّهبِ والوَرِقِ، ولا يحصُلُ التَّصرُّفُ في العَيْنِ إلّا بذلك، فلِهذا قامَتِ العُرُوضُ مَقامَ العينِ، فإذا اشْتُريَتْ للقُنيةِ، فلا صَدَقةَ (٦) فيها.

стр. 5755

وقد شذَّ داودُ، فلم يَرَ الزكاةَ في العروض، وإن نَوَى بها صاحِبُها التِّجارةَ، وحُجَّتُهُ الحديثُ المذكُورُ في هذا البابِ، قولُهُ ﷺ : "ليسَ على المُسلِم في عَبدِهِ، ولا فرسِهِ صَدَقةٌ". قال: ولم يقُل: إلّا أن يَنْويَ بها التِّجارةَ. واحتجَّ ببراءةِ الذِّمّةِ، وأنَّهُ لا يجِبُ فيها شيءٌ إلّا باتِّفاقٍ، أو دليلٍ لا مُعارِضَ لهُ. قال: والاختِلافُ في زكاةِ العُرُوضِ موجُودٌ. فذكرَ عن عائشةَ، وابنِ عبّاسٍ، وعطاءٍ، وعَمرِو بن دينارٍ، ما ذكرنا، وذكر عن مالكٍ مذهبَهُ فيما بارَ من العُرُوضِ على التُّجّارِ وكسَدَ (١) مِمَّن ليسَ بمديرٍ، وقولُهُ في التّاجِرِ يبيعُ العَرْض بالعَرْضِ، ولا ينِضُّ لهُ شيءٌ في حَوْلِهِ. وجعلَ هذا خِلافًا، أسقَطَ به الزَّكاةَ في العُرُوضِ، واحتجَّ بقولِهِ ﷺ : "ليسَ على المُسلِم في عَبدِهِ، ولا في فرسِهِ صَدَقةٌ". وقال سائرُ العُلماءِ: إنَّما معنَى هذا الحديثِ فيما يُقْتَنى من العُرُوضِ، ولا يُرادُ به التِّجارةُ. وللعُلماءِ في زَكاةِ العُرُوضِ التي تُبتاعُ للتِّجارةِ، قولانِ أيضًا، أحدُهُما: أنَّ صاحِبَها يُزكِّيها عنِ الثَّمنِ الذي اشْتَراها به. والآخرُ: أنَّها تُقَوَّمُ بالِغًا ما بلَغَتْ، نقَصَتْ أو زادَتْ. والمديرُ وغيرُ المديرِ عندَ جُمهُورِ أهلِ العِلم سواءٌ، يُقوِّمُ عندَ رأسِ الحَوْلِ ويُزكِّي كلَّ ما (٢) نَوَى به التِّجارةَ، في كلِّ حولٍ (٣).

стр. 5756

ومِمَّن قال ذلك: الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبيدٍ. وقال مالكٌ: المديرُ يُقوِّمُ إذا نضَّ لهُ شيءٌ في العام، وغيرُ المديرِ ليسَ عليه ذلك، وإن أقامَ العرضَ للتِّجارةِ عِندهُ سِنينَ، ليس عليه فيه زكاةٌ، فإذا باعَهُ، زكّاهُ زكاةً واحِدةً، لسنةٍ واحِدةٍ. وهُو قولُ عطاءٍ. وتحصيلُ مذهبِ الشّافِعيِّ، وأبي حنيفةَ: إذا كانتِ العُرُوضُ للتِّجارةِ، ففيها الزَّكاةُ إذا بلغت قيمتُها النِّصاب، يُقوِّمُها بالدَّنانيرِ، أو بالدَّراهِم، الأغلبِ من نَقدِ بلدِهِ، رأسَ الحَوْلِ، ويُزكِّي، وسواءٌ باعَ العُرُوضَ بالعُرُوضِ، أو باع العُرُوضَ بالعينِ، وسواءٌ نضَّ لهُ في العام شيءٌ، أو لم ينِضَّ. وهذا كلُّهُ قولُ الأوزاعيِّ، والثَّوريِّ، والحسنِ بن حيٍّ، وسائرِ الفُقهاءِ البغداديِّين من أهلِ الحديثِ. وقال مالكٌ: إن كان مِمَّن يبيعُ العَرْضَ بالعَرْضِ، فلا زَكاةَ فيه حتّى ينِضَّ (١) مالُهُ، وإن كان يبيعُ بالعينِ والعرضِ، فإنَّهُ يُزكِّي. قال: وإن لم يكُن مِمَّن يُديرُ التِّجاراتِ، فاشْتَرى سِلْعةً بعينِها، فبارَتْ عليه، فمضَتْ أحوالٌ، فلا زَكاةَ عليه، فإذا باعَ، زكَّى زَكاةً واحِدةً. قال: وأمّا المديرُ الذي يكثُرُ خُرُوجُ ما ابتاعَ عنهُ، ويقِلُّ بَوارُهُ وكسادُهُ، ويبيعُ بالنَّقدِ والدَّينِ، فإنَّهُ يُقوِّمُ ما عندَهُ من السِّلع، ويُحصي ما عندَهُ من العينِ، وما لهُ من الدَّينِ في مَلأٍ وثِقةٍ، مِمّا لا يتعذَّرُ عليه أخذُهُ، ويُقوِّمُ عُرُوضَهُ، يفعلُ ذلك في كلِّ عام، إذا نضَ لهُ شيءٌ من العَينِ ليُزكِّيَها، مع ما نضَّ لهُ من العَينِ، وسَواءٌ نضَّ لهُ نِصابٌ أم لا.

стр. 5757

وقال ابنُ القاسم: إذا نضَّ لهُ شيءٌ من العَيْنِ، قوَّم عُرُوضَهُ وزكَّى لحولِهِ مُنذُ ابتدأ تَجْرَهُ. وقال أشهبُ: لا يُقوِّمُ حتّى يَمْضيَ لهُ حولٌ مُستقبَلٌ، مُذ باعَ بالعينِ؛ لأنَّهُ حينئذٍ صار مُدِير، مِمَّن يلزمُهُ التَّقويمُ. وقال ابنُ نافع في الذي يُديرُ العُرُوضَ بالعُرُوضِ، ولا يبيعُ بعينٍ: إنَّهُ لا زَكاةَ عليه أبدًا، حتّى ينِضَّ لهُ مِئَتا دِرْهم، أو عِشرُونَ دينارًا، فإذا نضَّ لهُ ذلك زكّاهُ، وزكَّى ما نَضَّ (١) لهُ بعد ذلك من قليلٍ أو كثيرٍ، ينِضُّ لهُ، ولا تقويمَ عليه. وقد ذكَرَ ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ، قال: ومن كان عندَهُ مالٌ، أو مالانِ، إنَّما يَضعُهُ في سِلْعةٍ، أو في سِلْعتينِ، ثُمَّ يبيعُ فيَعرِفُ حولَ كلِّ مالٍ، فإنَّهُ إذا مرَّ به اثنا عشَرَ شهرًا، زكَّى ما في يَدَيهِ من العينِ، ثُمَّ لا زَكاةَ عليه فيما عندَهُ من العُرُوضِ، وإن أقامَ سِنينَ حتّى يبيعَ؛ لأنَّ هذا يحفظُ مالَهُ وأحوالَهُ، والمديرُ لا يَحفَظُ مالَهُ ولا أحوالَهُ، فمِن ثمَّ قوَّم هذا، ولم يُقوِّم هذا. وقال اللَّيثُ: إذا ابتاعَ متاعًا للتِّجارةِ، فبقي عِندهُ أحوالًا، ثُمَّ باعَهُ، فليسَ عليه إلّا زكاةٌ واحِدةٌ، مِثل قولِ مالكٍ سَواءٌ. وأمّا زكاةُ الخيلِ السّائمةِ، فقد مَضَى القولُ فيها، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، من كِتابِنا هذا. ولم يختلِفِ العُلماءُ: أنَّ العُرُوضَ كلَّها، من العَبيدِ، وغيرِ العبيدِ، إذا لم تكُن تُبتاعُ للتِّجارةِ: أنَّهُ لا زكاةَ فيها، وسواءٌ ورِثَها الإنسانُ، أو وُهِبَتْ لهُ، أوِ اشْتَراها إلى قُنْيةٍ، لا شيءَ فيها بوَجه من الوُجُوهِ.

стр. 5758

واختلَفَ الفُقهاءُ فيمَنْ ورِثَ عُرُوضًا، أو وُهِبَتْ لهُ، فنَوَى بها التِّجارةَ (١). فقال مالكٌ: من ورِثَ عُرُوضًا، أو وُهِبَتْ لهُ، فنوَى بها التِّجارةَ (٢) فإنَّها لا تكونُ التِّجارةُ، حتّى يبيع، ثُمَّ يستقبِل بالثَّمنِ حولًا. وقال فيمن ورِث حُليًّا ينوي به التِّجارةَ، كان للتِّجارةِ. وفرَّقَ بين الحُليِّ والعُرُوضِ. وقال الكُوفيُّونَ: الحُليُّ وسائرُ العُرُوضِ، سواءٌ من ورِثَ منها شيئًا، فنَوَى بها التِّجارةَ، فإنَّها لا تكونُ للتِّجارةِ حتّى يبيعَها، فيكونَ ثمنُها للتِّجارةِ. وقالوا: إذا كان عندَهُ عُرُوضٌ لغيرِ التِّجار، فنواها للتِّجارةِ، لم تَكُن للتِّجارةِ حتّى يَبِيعَها، فيكونُ البدلُ للتِّجارةِ، وإن كانت عندَهُ للتِّجارةِ، فنواها لغيرِ التِّجارةِ، صارَتْ لغيرِ التِّجارةِ. وهُو قولُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، والثَّوريِّ، وعامّةِ أهلِ العِلم، إلّا إسحاقَ بنَ راهُوية، فإنَّهُ جعل النِّيّةَ عامِلةً في ذلك بكلِّ وجهٍ. قال أبو عُمر: الحُجّةُ في زكاةِ العُرُوضِ، إذا تَجَرَ بها صاحبُها، حديثُ سَمُرةَ بن جُندُبٍ، مع ما قدَّمنا ذِكرَهُ عنِ الصَّحابةِ الذينَ لا مُخالِفَ لهم منهُم، وهُو قولُ جُمهُورِ أهلِ العِلم، على ما تَقدَّم ذِكرُهُ. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن داود بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا يحيى بن حسّان، قال: حدَّثنا

стр. 5759

سُليمانُ بن مُوسى أبو داودَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن سَعْدٍ (١) بن سمُرةَ بن جُندُبٍ، قال: حدَّثني خُبَيبُ (٢) بن سُليمان، عن أبيه سُليمان بن سَمُرةَ، عن سمُرةَ بن جُندُبٍ، قال: أمّا بعدُ، فإنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يأمُرُنا أن نُخرِجَ الصَّدقةَ من الذي نُعِدُّ للبيع. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن زيدٍ الصّائغُ في المسجِدِ الحرام، قال: حدَّثنا مَرْوانُ بن جعفرِ بن سَعْدِ (٣) بن سمُرةَ بن جُندُبٍ، قال: أخبَرني محمدُ بن إبراهيمَ بن خُبيبِ بن سُليمانَ بن سمُرةَ بن جُندُبٍ، عن جَعْفرِ بن سعدِ (٤) بن سَمُرةَ بن جُندبٍ، عن خُبَيبِ بن سُليمانَ بن سَمُرةَ بن جُندبٍ، عن (٥) أبيه، عن سمُرةَ، قال: وكان، يعني النَّبيَّ ﷺ ، يأمُرُنا أن نُخرِجَ الصَّدقةَ من الرَّقيقِ الذي نُعِدُّ للبَيع (٦). أخبَرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدِ بن إبراهيمَ الدَّيبُليُّ (٧)، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن زيدٍ، قال: أخبَرنا سعيدُ بن منصُورٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن أبي الزِّنادِ، عن أبيه، قال: أخبَرني أبو عَمرو بن حِمَاسٍ، أنَّ أباهُ

стр. 5760

حِمَاسًا أخبَرهُ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ مرَّ به ومعَهُ أُدُمٌ وأُهُبٌ يتَّجِرُ بهما، فأقامَها، ثُمَّ أخذَ صَدَقتها من قَبلِ أن تُباعَ (١). وذكرَ الشّافِعيُّ (٢) قال: أخبَرنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عبدِ اللَّه بنِ أبي (٣) سَلَمةَ، عن أبي عَمرِو بن حماسٍ، أنَّ أباهُ حماسًا قال: مَرَرتُ على عُمر بن الخطّابِ، وعلى عاتِقي أُدمةٌ أحمِلُها، فقال: ألا تُؤَدِّي زكاتكَ يا حماسُ؟ فقلتُ: يا أميرَ المُؤمِنين ما لي غيرُ هذه، وأُهُبٌ في القَرَظِ، فقال: ذلك مالٌ، فضَعْ. فوَضَعتُها بين يَديهِ، فحسَبَها، فوجَدَها قد وجبَتْ فيها الزَّكاةُ، فأخذَ منها الزَّكاةَ. وذكرَ أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ اللَّه بن نُميرٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي سَلَمةَ، أنَّ أبا عَمرِو بن حماسٍ أخبَرهُ، أنَّ أباهُ حماسًا كان يبيعُ الأُدُم والجِعاب، وأنَّ عُمرَ قال لهُ: يا حماسُ أدِّ زَكاةَ مالكَ. فقال: واللَّه ما لي مالٌ، إنَّما أبيعُ الأُدُم، والجِعاب. فقال: قَوِّمُهُ، وأدِّ زكاتهُ. وذكَرَ أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن أبي الزِّنادِ، عن أبيه، عن سالم بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، عن أبيه، أنَّهُ كان يقولُ: كلُّ مالٍ، أو رقيقٍ، أو دوابَّ أُديرَ للتجارةِ، ففيه الزَّكاةُ. وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٥): رُوي عن عُمر وابنِ عُمر زكاةُ عُرُوضِ التِّجارةِ، من غيرِ خِلافٍ من الصَّحابةِ.

стр. 5761

قال أبو عُمر: لهذا ومِثلِهِ قُلنا: إن الذي رُوِيَ عن عائشةَ وابنِ عبّاسٍ، في أن لا زَكاةَ في العُرُوضِ، إنَّما ذلك إذا لم يُرَدْ بها التِّجارةُ. وأمّا الآثارُ المُسْقِطةُ للزَّكاةِ عنِ العُرُوضِ، ما لم يُرَد بها التِّجارةُ، على ما ذكَرْنا عن أهلِ العِلم، فقولُهُ ﷺ : "ليسَ على المُسلِم في عَبدِهِ، ولا فرسِهِ صَدَقةٌ". وقولُهُ ﷺ : "قد عَفَوتُ لكُم عن صَدَقةِ الخيلِ والرَّقيقِ". حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا محمُودُ بن غَيْلانَ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصِم بن ضَمْرةَ، عن عليٍّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "قد عَفَوتُ لكُم عنِ الخيلِ والرَّقيقِ، فأدُّوا زكاةَ أموالكُم من كلِّ مِئَتينِ خمسةً". وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبرنا حُسَين (٣) بن منصورٍ، قال: حدَّثنا ابنُ نُمَيرٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصِم بن ضَمْرةَ، عن عليٍّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "قد عَفَوتُ لكُم عن صَدَقةِ الخَيْلِ والرَّقيقِ، وليسَ فيما دُون مِئَتينِ زكاةٌ". أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 5762

شُعَيب، قال (١): أخبَرنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن المُباركِ، قال: حدَّثنا وَكِيعٌ، عن شُعبةَ وسُفيانَ (٢)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ليسَ على المُسلِم في عَبدِهِ ولا في فرسِهِ صَدَقةٌ". وأخبَرنا (٣) محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبَرنا محمدُ بن منصورٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بن مُوسى، عن مَكْحُولٍ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن أبي هريرةَ يَرْفعُهُ إلى النَّبيِّ ﵇، قال: "ليسَ على المُسلِم في عَبدِهِ، ولا في فرَسِهِ صَدَقةٌ". وأخبَرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ (٥)، قال: أخبَرنا محمدُ بن عليِّ (٦) بن حَرْبٍ المَرْوزيُّ، قال: حدَّثنا مُحرِزُ بن الوضّاح،

стр. 5763

عن إسماعيلَ، وهُو ابنُ أُميّةَ، عن مَكْحُولٍ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا زكاةَ على الرَّجُلِ المُسلِم في عَبدِهِ ولا فرسِهِ". قال أبو عُمر: هكذا في حديثِ إسماعيل بن أُميّةَ: عن مكحُولٍ، عن عِراكٍ. وفي حديثِ أيُّوب بن مُوسى: عن مكحُولٍ، عن سُليمانَ، عن عِراكٍ. وهُو أولى بالصَّوابِ إن شاءَ اللَّه تعالى. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبَرنا عُبيدِ اللَّه بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا يحيى، عن خُثَيم (٢)، قال: حدَّثني أبي، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٣) قال: "ليسَ على المرءِ في فرسِهِ، ولا مملُوكِهِ صَدَقةٌ". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن خُثيم (٤) بن عِراكِ بن مالكٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ليسَ على المُسلِم صَدقةٌ في عَبدِهِ، ولا في فرَسِهِ" (٥). قال أبو عُمر: فأجْرَى العُلماءُ من الصحابةِ، والتّابِعينِ، ومن بعدهُم من الخالِفينَ سائر العُرُوضِ كلِّها على اختِلافِ أنواعِها، مجرَى الفرسِ والعبدِ، إذا

стр. 5764

اقتُني ذلك لغر التِّجارةِ، وهُم فهِمُوا المُراد، وعَلِمُوهُ، فوجبَ التَّسليمُ، لما أجمعُوا عليه، لأنَّ اللَّه قد تواعدَ (١) منِ اتَّبعَ غير سبيلِ المُؤمِنينَ، أن يُولِّيهُ ما تولَّى، ويُصليهُ جهنَّم وساءَت مصيرًا. وقد زادَ بعضُ المُحدِّثين في هذا الحديثِ (٢) كلِمةً، تُوجِبُ حُكمًا عندَ بعضِ أهلِ العِلم. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى ومحمدُ بنُ يحيى بن فيّاضٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه، عن رجُلٍ، عن مَكْحُولٍ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "ليسَ في الخيلِ، والرَّقيقِ زكاةٌ، إلّا زكاةَ الفِطْرِ". قال أبو عُمر: هذه الزِّيادةُ جاءَت في هذا الحديثِ كما تَرى، ولا نَدْرِي منِ الرَّجُلُ الذي رواها (٤) عن مَكْحُولٍ. وإنَّما كُنّا نَعرِفُ هذه الزِّيادةَ لجعفرِ بن ربيعةَ، عن عِراكِ بن مالكٍ، هذا إن صحَّت عنهُ أيضًا. أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريمَ، قال: حدَّثنا نافعُ بن

стр. 5765

يزيدَ، عن جعفرِ بن ربيعةَ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ اللَّه ﷺ قال: "لا صَدَقةَ في فرسِ الرَّجُلِ، ولا عَبدِهِ إلّا صَدَقةَ الفِطرِ" (١). وهذا (٢) لم يجِئ به غيرُ جعفرِ بن ربيعةَ، إلّا أنَّهُ قد رُوي بأسانيدَ معلُولةٍ كلُّها، فاحتجَّ بهذه الزِّيادةِ بعضُ من ذهَبَ مذهَبَ العِراقيِّين، في إيجابِ صَدَقةِ الفِطْرِ في المملُوكِ الكافِرِ، فقال: قد قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ليسَ على المُسلِم في عَبدِهِ، ولا فرسِهِ صَدَقةٌ، إلّا صَدَقةَ الفِطْرِ في الرَّقيقِ". ولم يُفرِّق بين الكافِرِ والمُسلِم. قال أبو عُمر: قد مَضَى في حديثِ مالكٍ (٣)، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، من هذا الكِتابِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ فرضَ صَدَقةَ الفِطرِ من رمضانَ على الحُرِّ والعبدِ، والذَّكَرِ، والأُنْثَى، والصَّغيرِ والكبيرِ من المُسلِمين. وفي تَخْصيصِهِ المُسلِمينَ، دفعٌ لإيجابِها على أحَدٍ من الكافِرينَ، وهذا قاطِعٌ، وقد بيَّنّا هذا المعنى في بابِ نافع، والحمدُ للَّه. وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ على الإنسانِ أن يُخرِجَ زكاةَ الفِطْرِ عن كلِّ مملُوكٍ لهُ إذا كان مُسلِمًا، ولم يكُن مُكاتبًا، ولا مرهُونًا، ولا مَغصُوبًا، ولا آبِقًا، أو مُشْتَرًى للتِّجارةِ إلّا داود، وفِرقةً شذَّت، فرأت زكاةَ الفِطرِ على العبدِ فيما بيدِهِ، دُون مولاهُ.

стр. 5766

واختَلفُوا في هؤُلاءِ، فذهب مالكٌ (١) والشّافِعيُّ (٢) واللَّيثُ والأوزاعيُّ إلى أنَّ على السَّيِّدِ في عَبيدِ التِّجارةِ، إذا كانوا مُسلِمينَ (٣) زَكاةَ الفِطرِ. وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ (٤). وحُجَّتُهُم حديثُ نافع، عنِ ابنِ عُمر: أنَّ رسُول اللَّه ﷺ فرضَ زكاةَ الفِطرِ على كلِّ حُرٍّ، وعَبدٍ. لم يخُصَّ عبدًا من عبدٍ. وقال أبو حنيفةَ والثَّوريُّ وعُبيدُ اللَّه بن الحَسنِ العَنْبريُّ: ليسَ في عبيدِ التِّجارةِ صَدَقةُ الفِطْرِ. وهُو قولُ عَطاءٍ، وإبراهيمَ النَّخعيِّ (٥). واختلفُوا أيضًا في زكاةِ الفِطرِ عنِ المكاتَبِ، فذهبَ مالكٌ، وأصحابُهُ إلى أنَّ على الرَّجُلِ أن يُخرِجَ زكاةَ الفِطرِ عن مُكاتَبهِ (٦). وهُو قولُ عطاءٍ. وبه قال: أبو ثورٍ (٧). وحُجَّتُهُم في ذلك، ما ذَهَبُوا إليه، وقامَ دليلُهُم عليه، من أنَّ المكاتَبَ عبدٌ ما بَقِي عليه دِرهمٌ (٨).

стр. 5767

وقال أبو حَنِيفةَ والشّافِعيُّ والثَّوريُّ وأصحابُهُم: ليسَ على أحَدٍ أن يُؤَدِّي عن مُكاتبِهِ صَدَقةَ الفِطْرِ. وهُو قولُ أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، وبه قال أحمدُ بن حَنْبل. ورُوي عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّهُ كان يُؤَدِّي عن مملُوكِيهِ، ولا يُؤَدِّي عن مُكاتَبِيهِ (١). ولا مُخالِفَ لهُ من الصَّحابةِ. ومِن جِهةِ النَّظرِ: المكاتبُ كالأجنبيِّ في استِحقاقِ كَسْبِهِ، دُونَ مولاهُ، وأخذ من الزَّكاةِ، وإن كان مَولاهُ غنيًّا، ففي القياسِ ألّا يلزَمَ سيِّدُهُ أن يُخرِجَ زكاةَ الفِطرِ عنهُ. واختلفُوا في العَبدِ الغائبِ: هل (٢) على سيِّدِهِ فيه صَدَقةُ الفِطرِ؟ وفي الآبِقِ، والمغصُوبِ: هل على سيِّدِهِم فيهم زكاةُ الفِطرِ (٣)؟ فأمّا العبدُ الغائبُ إذا غابَ بإذنِ سيِّدِهِ، ولم يكُن آبِقًا، وكان معلُومَ المَوْضِع، مرجُوَّ الرَّجعةِ، فلا خِلافَ بينِ العُلماءِ في إيجابِ زكاةِ الفِطرِ على سيِّدِهِ. إلّا داود، ومن قال بقولِهِ، فإنَّهُم يُوجِبُونَ زكاةَ الفِطرِ على العَبدِ فيما بيدِهِ، دُون سيِّدِهِ، وقد مَضَى القولُ في هذه المسألةِ، في بابِ نافع. وأمّا الآبِقُ، والمغصُوبُ. فإنَّ مالكًا قال: إذا كانت غَيْبةً قريبةً، عُلِمت حياتُهُ، أو لم تُعلم، إذا كان

стр. 5768

تُرجَى رَجْعتُهُ وحَياتُهُ، زُكِّي عنهُ، وإن كانت غَيْبتُهُ وإباقُهُ قد طالَ، ويُئِسَ منهُ، فلا أرى أن يُزَكَّى عنهُ. وقال الشّافِعيُّ (١): تُؤَدَّى عنِ المغصوبِ والآبِقِ، وإن لم ترُجَ رجعتُهُم، إذا عُلِمَت حياتُهُم. وهُو قولُ أبي ثورٍ. وقال أبو حنيفةَ في العبدِ الآبِقِ والمغصُوبِ والمجحُودِ (٢): ليسَ على مولاهُ أن يُزكِّي عنهُ زكاةَ الفِطْرِ. وهُو قولُ الثَّوريِّ، وعطاءٍ (٣). ورَوَى أسدُ بن عَمرٍو، عن أبي حَنِيفةَ: أنَّ عليه في الآبِقِ صَدَقةَ الفِطرِ. وقال زُفَر (٤): عليه في المغصوبِ صدقةُ الفِطرِ. وقال الأوزاعيُّ: إذا عُلِمَتْ حياتُهُ، أدَّى عنهُ، إذا كان في دارِ الإسلام. وقال الزُّهريُّ: إن علِمَ بمكانِهِ، يعني الآبِق، أدَّى عنهُ. وبه قال أحمدُ بن حَنْبل. واختَلفُوا في العَبدِ المرهُونِ (٥)، فمذهبُ مالكٍ، والشّافِعيِّ: أنَّ على الرّاهِنِ أن يُؤَدِّي عنهُ زَكاةَ الفِطْرِ. وهُو قولُ أبي ثورٍ. ومذهبُ أبي حنيفةَ: أنَّ الرّاهِنَ إذا كان عندَهُ وفاءٌ بالدَّينِ الذي رهنَ فيه عبدهُ، وفضلُ مئتي دِرهم، أدَّى زكاةَ الفِطرِ عنِ العَبدِ، وإن لم يكُن ذلك عندَهُ، فليس عليه شيءٌ.

стр. 5769

واختَلفُوا في العَبدِ يكونُ بين شَريكينِ (١). فقال مالكٌ والشّافِعيُّ (٢) وأصحابُهُما: يُؤَدِّي كلُّ واحِدٍ منهُما عَنهُ من زكاةِ الفِطرِ، بقدرِ ما يملكُ منهُ. وهُو قولُ محمدِ بن الحسنِ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، حاشى محمدًا (٣)، في عبدٍ بين رجُلينِ: ليسَ على واحِدٍ منهُما فيه صَدَقةُ الفِطرِ (٤). وهُو قولُ الحسنِ، وعِكرِمةَ (٥). وبه قال الثَّوريُّ، والحسنُ بن حيٍّ. فإن كان العبيدُ جماعةً، فمِثلُ ذلك عِند أبي حنيفةَ وأبي يُوسُفَ، لا يجِبُ فيهم على سادتِهِمُ (٦) المُشترِكين فيهم شيءٌ، وعِند محمدٍ يجِبُ. واختلفُوا أيضًا في العبدِ المُعتَقِ بعضُهُ. فقال مالكٌ: يُؤَدِّي السَّيِّدُ عن نِصفِهِ المملُوكِ، وليسَ على العَبدِ أن يُؤَدِّي عن نِصفِهِ الحُرِّ (٧). وقال عبدُ الملكِ بن الماجِشُون: على السَّيِّدِ أن يُؤَدِّي عنهُ صاعًا كامِلًا. وقال الشّافِعيُّ: يُؤَدِّي السَّيِّدُ عنِ النِّصفِ المملُوكِ، ويُؤَدِّي العبدُ عن

стр. 5770

نِصفِهِ الحُرِّ. وبه قال محمدُ بن سَلَمةَ (١). قال: عليه أن يُؤَدِّي عن نَفسِهِ (٢) بقدرِ حُرِّيَّتِهِ. قال: فإن لم يكُن للعبدِ مالٌ، رأيتُ لسيِّدِهِ أن يُزكِّي عن كلِّهِ. وقال أبو حنيفةَ: ليسَ على السَّيِّدِ أن يُؤَدِّي عمّا ملكَ من العبدِ، ولا على العبدِ أن يُؤَدِّي عن نَفسِهِ. وقال أبو ثورٍ ومحمدٌ: على العَبدِ أن يُؤَدِّي عن نَفسِهِ (٣) جميع زكاةِ الفِطرِ، وهُو بمَنزِلةِ العَبدِ (٤) إذا أعتق نِصفهُ، فكأنَّهُ قد عتق كلَّهُ. واختلفُوا في صَدَقةِ الفِطرِ في العبدِ في بَيع الخيارِ. فقال مالكٌ: إذا كان الخيارُ للبائع أوِ المُشْتري، فالصَّدقةُ على البائع، فَسَخَ البيعَ أو أمضاهُ (٥). وقال الشّافِعيُّ: إذا كان الخيارُ للبائع، فأنفذَ البيعَ، فعلى البائع، وإن كان للمُشتري، فالزَّكاةُ على المُشتري، وإن كان الخيارُ لهما فعلى المُشتري. وقال ابنُ سُرَيج (٦): من باعَ عبدًا بالخيارِ أوِ المُشتري، أو هُما جميعًا، فقدِ اختلَفَ قولُ الشّافِعيِّ في ذلك، فقال في بعضِ أقاويلِهِ: الصَّدقةُ على البائع، كان الخيارُ لهُ، أو للمُشتري، أو لهما.

стр. 5771

قال أبو عُمر: وهذا قولُ مالكٍ سواءٌ. قال ابنُ سُرَيج: وقد (١) قال الشّافِعيُّ: إذا كان العبدُ عندَ المُشْتري، فأهلَّ شوّالٌ، وهُو عِندُهُ، كان عليه صَدَقةُ الفِطرِ، اختارَ ردَّهُ أو أمضاهُ. وقال أبو حنيفةَ: إذا كان البائعُ بالخيارِ، أوِ المُشتري، فصَدَقةُ الفِطرِ عنِ العَبدِ، على من يصيرُ إليه العَبدُ، إذا جاءَ يَومُ الفِطرِ، ومُدّةُ الخيارِ باقيةٌ. وقال زُفَرُ: إن كان الخيارُ للمُشتري، فعليه صَدقةُ الفِطرِ، فسخَ أو أجازَ، وإن كان للبائع، فعَلَى البائع، فسَخَ أو أجازَ (٢). واختلفُوا في العبدِ المُوصَى برقبتِهِ لرجُل، ولِآخر بخِدمتِهِ، فقال عبدُ الملكِ بن الماجِشُون: الزَّكاةُ عنهُ على من جُعِلت لهُ الخِدمةُ، إذا كان زمانًا طويلًا. وقال أبو حنيفةَ والشّافِعيُّ وأبو ثورٍ: زَكاةُ الفِطرِ عنهُ، على مالكِ رقبتِهِ (٣). واختلفُوا في عبيدِ العَبيدِ (٤): فقال مالكٌ: الأمرُ المُجتَمعُ عليه عندَنا: أنَّهُ ليسَ على الرَّجُلِ في عبيدِ عبيدِهِ صَدَقةُ الفِطْرِ. وقال أبو حَنيفةَ والشّافِعيُّ: صَدَقةُ الفِطْرِ عنهُم جميعًا على المولى. وقال اللَّيثُ: يُخرِجُ عن عَبيدِ عبيدِهِ زكاةَ الفِطرِ، ولا يُؤَدِّي عن مالِ عَبدِهِ الزَّكاةَ.

стр. 5772

وأمّا مالُ العَبدِ، فإنَّ مالكًا قال: لا زكاةَ في مالِ العبدِ على السَّيِّدِ، ولا على العَبدِ. وهُو قولُ الأوزاعيِّ. وقال الشّافِعيُّ وأبو حَنيفةَ والثَّوريُّ: مالُ العَبدِ لمولاهُ، وزَكاتُهُ على المولى. ورُوي عن عطاءٍ: أنَّ على العبدِ أن يُخرِجَ الزَّكاةَ عمّا بيَدِهِ، ويُزكِّي عن نفسِهِ صدَقةَ الفِطرِ. وبه قال أبو ثورٍ، وداودُ. وهُو عِندهُم مالكٌ صحيحُ المِلْكِ. وللكلام في مِلْكِ العبدِ موضِعٌ غيرُ هذا، وقد مَضَى منهُ في بابِ نافع من هذا الكِتابِ، ما فيه كِفايةٌ، وباللَّه التَّوفيقُ. وقد أتَيْنا من المسائلِ في هذا البابِ، بما (١) كُنّا قد قَصَّرنا عنهُ، في بابِ نافع، وباللَّه العَوْنُ لا شريكَ لهُ (٢).

стр. 5773

حديثٌ خامِس عشرين، لمالكٍ عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ عبدُ اللَّه بن دينارٍ، عن أبي صالح السِّمّانِ، ويُقالُ: الزَّيّاتُ، حديثانِ (١) وهُو أبو صالح (٢) ذكوانُ، مولى جُوَيريةَ، امرأةٍ من قَيْسٍ، تُوُفِّي (٣) سنةَ إحدى ومئةٍ. مالكٌ (٤)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، أنَّ أبا صالح السَّمّان أخبَرهُ، أنَّ أبا هريرةَ، قال: إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكلِمةِ ما يُلْقِي لها بالًا، يهوي (٥) بها في نارِ جَهنَّم، وإنَّ الرَّجُل ليتكلَّمُ بالكلِمةِ ما يُلْقِي لها بالًا، يرفعُهُ اللَّه بها في الجنّةِ. قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ موقُوفًا في "المُوطَّأ" على أبي هريرةَ، وقد أسنَدهُ عن مالكٍ (٦) من لا يُوثَقُ به (٧). حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الحَسنِ المروزيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن المُبارك، قال (٨): حدَّثنا

стр. 5774

مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ، قال: "إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكلِمةِ لا يُلْقِي لها بالًا، يرفعُهُ اللَّه بها يوم القِيامةِ". هكذا حدَّثناهُ مرفُوعًا، وهُو عِندي من غَلطِهِ، أو غَلَطِ شيخِهِ، واللَّه أعلمُ، ولا يصحُّ عن مالكٍ رفعُهُ فيما أحسبُ، وإن صحَّ عنِ ابنِ المُباركِ ما ذكَرْنا، فابنُ المُباركِ بحرٌ ثِقةٌ حُجّةٌ. وقد رواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن أبيه مرفُوعًا. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكرٍ ومحمدُ بن إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعيدٍ الجَوْهريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الصَّمدِ بن النُّعمان، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكلِمةِ. . . " فذكر الحديثَ (١). وقد تقدَّمَ القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، والحمدُ للَّه كثيرًا، وصلى اللَّه على محمدٍ وآلِهِ.

стр. 5775

حديثٌ سادِس عشرين، لمالكٍ عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، أَنَّهُ كان يقولُ: من كان عِندهُ (٢) مالٌ لم يُؤَدِّ زكاتهُ، مُثِّلَ لهُ يوم القيامةِ شُجاعًا أقرعَ لهُ زَبِيبتانِ يطلُبُهُ، حتّى يُمْكِنهُ يقولُ: أنا كَنْزُكَ. قال أبو عُمر: وهذا الحديثُ أيضًا موقُوفٌ في "المُوطَّأ" غيرُ مرفُوع. وقد أسنَدهُ عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن دينارٍ أيضًا، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ بالإسنادِ الأوَّلِ (٣). ورواهُ عبدُ العزيزِ بن الماجِشُون (٤)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٥). وهُو عِندي خطأ منهُ في الإسنادِ، واللَّه أعلمُ. حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن المِسْوَر (٦) وبُكَيرُ بن الحسنِ، قالا: حدَّثنا يوسُفُ بن يزيد (٧)، قال: حدَّثنا أسدُ بن مُوسى، قال:

стр. 5776

حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن الماجِشُون، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ الذي لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ، يُمثَّلُ لهُ يومَ القيامةِ شُجاعٌ أقرعُ، لهُ زَبِيبتانِ فيَلْزَمُهُ". قال: "أو يُطوَّقُ به، يقولُ: أنا كَنْزُكَ، أنا كَنْزُكَ" (١). وكذلك رواهُ أبو النَّضرِ هاشِمُ بن القاسم، عن عبدِ العزيزِ بن الماجِشُون، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٢). وقد رُوي عن أبي هريرةَ هذا الحديثُ أيضًا، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٣) من طُرُقٍ صِحاح ثابتةٍ: منها: حديثُ سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ (٤). ومنها: حديثُ ابنِ عَجْلان، عنِ القَعْقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ (٥). كلُّها عنِ النَّبيِّ ﷺ . ورُوي معناهُ من حديثِ ابنِ مسعُودٍ (٦).

стр. 5777

وأحاديثُ هذا البابِ ثابتةٌ في هذا المعنى. وروى مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ أَنَّهُ قال: سمِعتُ عبد اللَّه بن عُمرَ يُسألُ عنِ الكَنْزِ: ما هُو؟ قال: هُو المالُ الذي لا تُؤَدَّى منهُ الزَّكاةُ. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يحيى (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا مُوسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن سُهَيلِ (٤) بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما من صاحِبِ كنزٍ لا يُؤَدِّي حقَّهُ، إلّا جَعلهُ (٥) اللَّه يوم القيامةِ يُحمَى عليها في نارِ جهنَّم، فيُكوى به جَنْبُهُ، وجبهتُهُ، وظهرُهُ، حتّى يَقْضي اللَّه بين عِبادِهِ، في يوم كان مِقدارُهُ خمسينَ ألف سنةٍ مِمّا تعُدُّونَ، ثُمَّ يرى سَبِيلهُ، إمّا إلى الجنّةِ، وإمّا إلى النّارِ، وما من صاحِبِ غَنم لا يُؤَدِّي حقَّها، إلّا جاءَت يومَ القيامةِ أوفَرَ ما كانت، فيُبطَحُ لها بقاع قرقرٍ (٦)، فتَنْطَحُهُ بقُرُونِها، وتَطؤُهُ بأظْلافِها، كلَّما مضَتْ أُخراها، رُدَّت عليه أُولاها، حتّى يحكُمَ اللَّه بينَ عِبادِهِ، في يوم كان مِقدارُهُ خمسينَ ألف سنةٍ مِمّا تعُدُّونَ، ثُمَّ يرى سبيلهُ إمّا إلى الجنّةِ، وإمّا إلى النّارِ، وما من صاحِبِ إبِلٍ

стр. 5778

لا يُؤَدِّي حقَّها إلّا جاءَت يوم القيامةِ أوفَرَ ما كانت، فيُبطَحُ لها بقاع قَرْقرٍ، فتَطؤُهُ بأخفافِها، كلَّما مضَتْ أُخراها، رُدَّت عليه أُولاها، حتّى يحكُم اللَّه بينَ عِبادِهِ، في يوم كان مِقدارُهُ خمسينَ ألف سنةٍ مِمّا تعُدُّونَ، ثُمَّ يرى سبيلهُ، إمّا إلى الجنّةِ، وإمّا إلى النّارِ. قال أبو داود (١): وحدَّثنا جعفرُ بن مُسافِرٍ، قال: أخبرنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، عن هشام بن سَعْدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ نحوهُ. قال في قِصةِ الإبِل، بعد قولِهِ: "لا يُؤَدِّي حقَّها". قال: "ومِن حقِّها حَلْبُها يوم ورودِها (٢) ". قال (٣): وحدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن قتادةَ، عن أبي عُمر الغُدانيِّ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ ، نحو هذه القِصّةِ. فقال لهُ، يعني لأبي هريرةَ: فما حقُّ الإبِل؟ قال: تُعطي الكريمةَ، وتمنحُ الغَزيرةَ، وتُفقِرُ الظَّهرَ (٤)، وتطرُقُ الفحلَ، وتَسْقي اللَّبن. قال أبو عُمر: إلى هذا ذهَبَ من جعلَ في المالِ حقًّا سِوَى الزَّكاةِ، وتأوَّلَ قول اللَّه : ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥]، وقد بيَّنّا هذا المعنى فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا.

стр. 5779

وقد رُوي عنِ النَّبيِّ ﷺ من حديثِ سَمُرةَ، أنَّهُ قال: "في الأموالِ حقٌّ سِوَى الزَّكاةِ" (١). وقد ذهَبَ في تأويلِ قولِ اللَّه : ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] إلى هذا المذهَبِ مسرُوقُ بن الأجدع، وكان من كِبارِ أصحابِ ابنِ مسعُودٍ. ورُوي عنِ ابنِ مسعُودٍ مِثلُهُ (٢) أيضًا. ذكر ابنُ أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا خَلَفُ بن خليفةَ، عن أبي هاشِم، عن أبي وائلٍ، عن مَسرُوقٍ في قولِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: هُو الرَّجُلُ يَرزُقُهُ اللَّه الال، فيَمنعُ قَرابتهُ الحقَّ الذي فيه، فيُجعَلُ حيّةً يُطَوَّقُها، فيقولُ: ما لي ولكِ؟ فتقولُ الحيّةُ: أنا مالُكَ. قال (٤): وحدَّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّه ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: ثُعبانٌ بفيه زَبِيبتانِ يَنْهَشُهُ، يقولُ: أنا مالُكُ الذي بخِلتَ به. وليس في هذا بيانٌ أَنَّهُ غيرُ الزَّكاةِ، والأكثرُ على أنَّ ذلك في الزَّكاةِ، واللَّه أعلمُ. وروى هذا الحديث شُعبةُ (٥)، وسُفيانُ (٦)، عن أبي إسحاقَ، عن أبي وائل:

стр. 5780

أنَّهُ سمِعَ ابن مسعُودٍ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال شُعبةُ في حديثهِ: شُجاعٌ أسودُ يَلْتوي برأسِ أحدِهِم. وقال سُفيانُ في حديثهِ: ثُعبانٌ ينقُرُ برأسِه يقولُ: أنا مالُك الذي بَخِلتَ به. وأبو الأحوصِ، عن عاصِم، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّه مِثلَهُ، قال: يُطوَّقُ شُجاعٌ أقرعُ، بفيه أسنان، وذكر مِثلهُ (١). وهُو قولُ الشَّعبيِّ. وقال النَّخعيُّ: طَوْقٌ من نارٍ (٢). وقد رُوي عنِ ابنِ مَسعُودٍ في هذه الآيةِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: ما من صاحِبِ كنزٍ لا يُؤَدِّي زكاتهُ، إلّا جاءَ يوم القيامةِ شُجاعٌ أقرعُ مُطوَّقٌ (٣) في عُنُقِهِ يَنهَشُهُ. وعلى هذا جاءَ حديثُ مالكٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، وأبي هريرةَ. وقد رُوي خَبرُ ابنِ مَسعُودٍ مرفُوعًا. أخبَرناهُ عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبرنا مُجاهِدُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، عن

стр. 5781

جامِع بن أبي راشِدٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما منْ رجُلٍ لهُ مالٌ، لا يُؤَدِّي حقَّ مالِهِ، إلّا جُعِلَ لهُ طَوقًا في عُنُقِهِ شُجاعٌ أقرعُ، فهُو يَفِرُّ منهُ، وهُو يَتْبَعُهُ". ثُمَّ قرأ مِصداقهُ من كِتابِ اللَّه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. حدَّثنا (١) خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن المِسورِ بن أبي طنّةَ (٢) وبُكيرُ بن الحسنِ الرّازيُّ، قالا: حدَّثنا يوسُفُ بن يزيد، قال: أخبَرنا أسدُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن أبي إسحاق، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: من كان لهُ مالٌ لا يُؤَدِّي زَكاتَهُ، طُوِّقهُ يوم القيامةِ شُجاعًا أقرَعَ، ينقُرُ رأسهُ يقولُ: أنا مالُكَ الذي كُنتَ تبخلُ بي. وتلا: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣). قال: وحدَّثنا أسدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن عَطاءٍ، عن أبي إسحاقَ، عن شَقيقِ بن سَلَمةَ، عنِ ابنِ مسعُودٍ: أنَّهُ سُئلَ عن هذه الآيةِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: يُطوَّقُ شُجاعًا لهُ زبيبتانِ ينقُرُ رأسَهُ (٤). وأخبَرنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال (٥): حدَّثنا أبو صالح المكِّيُّ، قال: حدَّثنا فُضيلُ بن عِياضٍ، عن حُصَينٍ، عن زَيْدِ بن وَهْبٍ،

стр. 5782

قال: أتَيتُ الرَّبذةَ فدَخَلتُ على أبي ذرٍّ، فقلتُ: ما أنزَلكَ هذا؟ فقال: كنتُ بالشّام، فقَرأتُ (١) هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلى آخر (٢) الآية [التوبة: ٣٤]، فقال مُعاويةُ: ليست هذه الآيةُ فينا نزلَتْ، إنَّما هي في أهلِ الكِتابِ. فقلتُ: إنَّها فينا، وفي أهلِ الكِتابِ. إلى أن كان قولٌ وتَنازُعٌ، وكتبَ إلى عُثمان يَشْكُوني، فكتبَ إليَّ عُثمانُ: أن اقدَمْ. فقدِمتُ المدينةَ، وكثُرَ ورائي النّاسُ، كأنَّهُم لم يروني قطّ، فدخلتُ على عُثمان، فشَكَوتُ إليه ذلك، فقال: تنحَّ، وكُن قريبًا. فنَزلتُ هذا المَنزِلَ، واللَّه لو أمَّرَ عليَّ حَبَشيًّا ما عَصيتُهُ، ولا أرجِعُ عن قولي. وأخبَرنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال (٣): أخبرنا عِمرانُ بن بكّارِ بن راشِدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عيّاشٍ، قال: حدَّثنا شُعَيبٌ (٤)، قال: حدَّثني أبو الزِّنادِ، مِمّا حدَّثهُ عبدُ الرَّحمنِ الأعرجُ، مِمّا ذكرَ أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يُحدِّثُ به، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "يكونُ كَنْزُ أحَدِهِم يومَ القِيامةِ شُجاعًا أقرَعَ، يفِرُّ منهُ صاحِبُهُ، ويطلُبُهُ: أنا كنزُكَ، فلا يزالُ به، حتّى يُلقِمهُ إصبعَهُ". وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال (٥): أخبَرنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عنِ ابنِ عجلانَ، عنِ القَعْقاع، عن أبي صالح،

стр. 5783

عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ اللَّه ﷺ ، قال: "يكونُ كَنْزُ أحدِهِم يومَ القيامةِ شُجاعًا أقرَعَ ذا زَبِيبتينِ، يَتبعُ صاحِبهُ، وهُو يَتعوَّذُ منهُ، فلا يزالُ يَتْبعُهُ حتّى يُلقِمهُ إصبعَهُ". الشُّجاعُ: الحيّةُ، وقيل: الثُّعبانُ. وقيل (١): الشُّجاعُ من الحيّاتِ، الذي يُواثِبُ ويقومُ على ذَنبِهِ، ورُبَّما بَلَعَ رأس الفارِسِ، وأكثرُ ما يكونُ في الصَّحاري. قال الشَّمّاخُ، أوِ البَعيثُ (٢): وأطرَقَ إطراقَ الشُّجاع وقد جَرَى ... على حَدِّ نابَيهِ الزُّعافُ المُسمَّمُ (٣) وقال المُتلمِّسُ (٤): فأطرَقَ إطراقَ الشُّجاع ولو يَرى ... مَساغًا لنابَيهِ الشُّجاع لصمَّما والزَّبيبتانِ: نُقطتانِ مُنْتفِختانِ في شِدْقَيهِ كالرُّغْوتينِ (٥). وقيلَ: نُقْطتانِ سَوْداوانِ. وكلُّ ما كَثُرَ سُمُّهُ، فيما زَعَمُوا، ابيضَّ رأسُهُ، وهي علامةُ الحيّةِ الذَّكرِ المُؤذي، والأقرعُ من صِفاتِ الحيّاتِ الذي برأسِهِ شيءٌ (٦) من بياضٍ. [هذا آخر المجلد العاشر من هذه النسخة المحققة المدققة، يسَّر اللَّه لنا إتمامه بمَنِّه وكرمه].

стр. 5784

مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن حزم وهُو عبدُ اللَّه (١) بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرو (٢) بن حزم الأنصاريُّ، من بني مالكِ بن النَّجّارِ، يُكْنَى أبا محمدٍ. وكان من أهلِ العِلم، ثِقةً فقيهًا مُحدِّثًا مأمُونًا حافِظًا، كان من ساكِني المدينةِ، وبها كانت وفاتُهُ، في سنةِ خَمْسٍ وثلاثينَ ومئةٍ، وهُو ابنُ سبعينَ سنةً. وقيل: سنةَ سِتٍّ وثلاثينَ. وقال بعضُهُم: كانت وفاتُهُ في سَنةِ ثلاثينَ ومئةٍ. قال الواقِديُّ: كانت لآلِ حَزْم حَلْقةٌ في المَسْجِدِ. قال أبو عُمر: رَوَى عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ جَماعةٌ من الأئمّةِ، مِثلَ: مالكٍ، ومَعْمرٍ، والثَّوريِّ، وابنِ عُيَينةَ، وغيرِهِم، وهُو حُجّةٌ فيما نقلَ وحمل. وكان أبوهُ أبو بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم من جِلّةِ أهلِ المدينةِ وأشْرافِهِم، وكان لهُ بها قَدْرٌ وجلالةٌ، ولي القَضاءَ لعُمر بن عبدِ العزيزِ أيام إمْرتِهِ على المدينةِ، ثُمَّ لمّا ولي الخِلافةَ، ولّاهُ المدينةَ. وكان لأبي بكرٍ بنُونَ، منهُم: محمدُ بن أبي بكرٍ، وعبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، وعبدُ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ، وكلُّهُم قد رُوي عنهُ العِلمُ، وأجلُّهُم عبدُ اللَّه هذا، وكانت لهُ ابنةٌ تُسمَّى أمةَ الرَّحمنِ ابنةَ أبي بكرٍ، واسمُ أبي بكرٍ كُنيتُهُ، وسنذكُرُ وفاتهُ وزيادةً في الخبرِ عنهُ (٣)، عندَ ذِكرِ رِوايةِ ابنِهِ عنهُ، بعد هذا، في هذا الكِتابِ إن شاءَ اللَّه.

стр. 5785

وذكر ابنُ القاسم، عن مالكٍ، قال: كان عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ من أهلِ العِلم والبَصرِ. ورَوَى أشهبُ، عن مالكٍ، قال: أخبرني ابنُ غزيّةَ (١)، أنَّ ابن شِهابٍ سألهُ: من بالمدينةِ يُفتي؟ فأجابهُ، فقال: ما فيهم مِثلُ عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، وما يَمنعهُ أن يرتفِعَ، إلّا مكانُ أبيه أنَّهُ حيٌّ. (٢) وقد رَوَى عنهُ ابنُ شِهابٍ حديثٌ مسِّ الذَّكرِ، عن عُروةَ، عن مروانَ، عن بُسرةَ. هكذا يرويهِ أهلُ الحِفْظِ والإتقانِ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عُروةَ، عن مروان، عن بُسرةَ. وقدِ اختُلِف فيه عنِ ابنِ شِهاب، ولا يصِحُّ عنهُ فيه إلّا ما ذكَرتُ، وباللَّه التَّوفيقُ. لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" من حديثِ النَّبيِّ ﷺ سِتّةٌ (٣) وعِشرُونَ حديثًا، منها ثمانيةَ عشَر مُسندةً. منها اثنانِ ظاهِرُ أحدِهِما الانقِطاعُ، وهُو مُتَّصِلٌ، وذلك حديثُ أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّ سلمةَ: "ليسَ بكِ على أهلكِ هوان. . . " الحديث. والآخرُ صحيحُ الانقِطاع، وهُو حديثُ أبي سلمةَ، عن أُمِّ سُليم: في صَدَرِ النُّفساءِ قبلَ طوافِ الوَداع بعدَ الإفاضةِ. وسائرُها مُتَّصِلةٌ مُسندةٌ، وثمانيةٌ مُرسلةٌ، منها ثلاثةٌ عن أبيه، وخمسةٌ من مُرسلاتِهِ عن نَفسِهِ.

стр. 5786

حديثٌ أوَّلُ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مُسندٌ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمد (٢) بن عَمرِو بن حزم، عن عبّادِ بن تميم، أنَّ أبا بَشيرٍ الأنصاريَّ أخبَر: أَنَّهُ كان معَ رسُولِ اللَّه ﷺ في بعضِ أسْفارِهِ. قال: فأرسلَ رسُولُ اللَّه ﷺ رسُولًا. قال عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ: حَسِبتُ أنَّهُ قال: والنّاسُ في مَقيلِهِم: "لا تَبْقينَّ في رَقَبةِ بَعيرٍ قِلادةٌ من وَتَرٍ، أو قِلادةٌ، إلّا قُطِعَتْ". قال مالكٌ: أُرى ذلك من العَينِ. قد ذكَرْنا نسَبَ عبّادِ بن تميم، عندَ ذِكرِ عمِّهِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ (٣)، وذِكرِ أبيه تميم (٤)، في كِتابِنا في "الصَّحابةِ"، وذكَرْنا (٥) هُنالكَ أبا بَشيرٍ الأنصاريَّ (٦)، وهُو رجُلٌ لا يُوقَفُ على اسمِهِ على صِحّةٍ (٧)، وهُو مشهُورٌ بكُنيتِهِ (٨)، وقيل: إنَّ أبا (٩) بَشيرٍ من بني النَّجّارِ، وإنَّ اسمهُ قَيْسُ بن عُبيدٍ (١٠). ولا يصِحُّ، واللَّه أعلمُ. تُوُفِّي سنةَ أربعينَ، وقيل: إنَّهُ أدركَ الحرّةَ، واللَّه أعلمُ. واختُلِف في نَسبِهِ في الأنصارِ، فقيلَ: ساعِديٌّ. وقيل: حارِثيٌّ. وقيل: مازِنيٌّ. أدركَ الحرّةَ، وخرجَ فيها، وماتَ بعدَها.

стр. 5787

وهذا الحديثُ هكذا هُو في "المُوطَّأ" عندَ رُواتِهِ (١). ورواهُ روحُ بن عُبادةَ، عن مالكٍ، فسمَّى الرَّسُول، فقال فيه: أرسلَ زيدًا مَولاهُ. وهُو عِندي زيدُ بن حارِثةَ، واللَّه أعلمُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنَسٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عبّادِ بن تميم، أنَّ أبا بَشيرٍ الأنصاريَّ أخبَرهُ: أَنَّهُ كان معَ رسُولِ اللَّه ﷺ في بعضِ أسفارِهِ، فأرسلَ رسُولُ اللَّه ﷺ زيدًا مولاهُ. قال عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ: حَسِبتُ أَنَّهُ قال: والنّاسُ في مَبيتِهِم: "لا تَبْقينَّ في رَقَبةِ بَعيرٍ قِلادةٌ من وَتَرٍ، أو قِلادةٌ، إلّا قُطِعَتْ". قال مالكٌ: أرَى ذلك من العَيْنِ (٢). قال أبو عُمر: قد فسَّرَ مالكٌ هذا الحديثَ: أنَّهُ من أجلِ العَيْنِ. وهُو عندَ جَماعةٍ مِن (٣) أهلِ العِلم كما قال مالكٌ، لا يجُوزُ عندَهُم أن يُعلَّقَ على الصَّحيح من البَهائم، أو بني آدمَ شيءٌ من العَلائقِ، خوفَ نُزُولِ العَيْنِ، لهذا الحديثِ. ومحملُ (٤) ذلك عندَهُم فيما عُلِّقَ قبلَ نُزُولِ البَلاءِ، خَشْيةَ نُزُولِهِ، فهذا هُو المكرُوهُ من التَّمائم.

стр. 5788

وكلُّ ما يُعلَّقُ بعدَ نُزُولِ البَلاءِ من أسماءِ (١) اللَّه وكِتابِهِ، رَجاءَ الفَرج والبُرءِ من اللَّه ، فهُو كالرَّقيِ المُباح، الذي ورَدَتِ السُّنّةُ بإباحتِهِ من العَينِ وغيرِها. وقد قال مالكٌ ﵀: لا بأسَ بتَعليقِ الكُتُبِ التي فيها أسماءُ (٢) اللَّه على أعناقِ المرضَى، على وَجْهِ التَّبرُّكِ بها، إذا لم يُرِد مُعلِّقُها بتَعليقِها (٣) مُدافَعةَ العَينِ (٤). وهذا مَعناهُ قبلَ أن ينزِل به شيءٌ من العينِ، (٥) ولو نزلَ به شيءٌ من العَينِ، جازَ الرَّقيُ عندَ مالكٍ وتعليقُ الكُتُبِ، ولو علم العائنُ، لكان الوجهُ في ذلك اغتِسالَ العائنِ للمَعينِ (٦)، على حسَبِ ما مَضَى من ذلك مُفسَّرًا، في بابِ ابنِ شِهابٍ. وأمّا تخصيصُ الأوتارِ بالقَطْع، وأن لا تُقلَّدَ الدَّوابُّ شيئًا من ذلك قبلَ البَلاءِ ولا بَعدهُ، فقيل: إنَّ ذلك لئلّا تختنِق بالوَترِ في خَشَبةٍ، أو شجَرةٍ، فتقتُلها، فإذا كان خَيْطًا انقطعَ سريعًا. وقد قيلَ في معنى الأوتارِ غيرُ هذا، على ما نذكُرُهُ في آخِرِ هذا البابِ إن شاءَ اللَّه. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ عليَّ بن محمدٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال (٧):

стр. 5789

أخبَرني حَيْوةُ بن شُرَيح، عن خالدِ بن عُبيدٍ (١) المَعَافِريِّ، عن مِشْرَح بن هاعانَ، قال: سمِعتُ عُقبةَ بن عامرٍ الجُهنيَّ، يَقولُ: سمِعتُ رسُول اللَّه ﷺ يقولُ: "من علَّقَ تميمةً، فلا أتمَّ اللَّه لهُ، ومن علَّقَ ودَعةً، فلا ودَعَ اللَّه لهُ (٢) ". وقرأتُ على خَلَفِ بن أحمد، أنَّ أحمدَ بن مُطرِّفٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو صالح أيُّوبُ بن سُليمانَ وأبو عبدِ اللَّه محمدُ بن عُمرَ بن لُبابةَ، قالا: حدَّثنا أبو زيدٍ عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن يزيد المُقرِئُ، قال: أخبَرنا حَيْوةُ بن شُرَيح، قال: أخبَرنا خالدُ بن عُبيد (٣) أنَّهُ سمِعَ مِشرح بن هاعان يقولُ: إنَّهُ سمِعَ عُقبةَ بن عامرٍ، يقولُ: سَمِعتُ رسُول اللَّه ﷺ يقولُ: "من تعلَّقَ تميمةً، فلا أتمَّ اللَّه لهُ، ومن تعلَّقَ ودَعةً، فلا ودَع اللَّه لهُ" (٤). قال أبو عُمر: التَّميمةُ في كلام العربِ: القِلادةُ. هذا أصلُها في اللُّغةِ، ومعناها عندَ أهلِ العِلم، ما عُلِّقَ في الأعْناقِ من القَلائدِ، خَشْيةَ العَينِ، أو غيرِها من أنواع البَلاءِ. وقال الخليلُ بن أحمد (٥): التَّميمةُ قِلادةٌ فيها عُودٌ. قال: والودعُ: خرزٌ.

стр. 5790

قال أبو عُمر: فكأنَّ المعنى في هذا الحديثِ: أنَّ من تعلَّقَ تميمةً، خشيةَ ما عَسَى أن ينزِلَ، أو لا ينزِلَ قبلَ أن ينزِلَ (١)، فلا أتمَّ اللَّه عليه صِحَّتهُ، وعافيتهُ، ومن تعلَّقَ ودَعةً، وهي مِثلُها في المعنى، فلا ودَعَ اللَّه لهُ، أي: فلا تركَ اللَّه لهُ ما هُو فيه من العافيةِ، أو نَحوِ هذا، واللَّه أعلمُ. وهذا كلُّهُ تحذيرٌ، ومنعٌ مِمّا كان أهلُ الجاهِليّةِ يصنعُونَ، من تَعليقِ التَّمائم، والقلائدِ، يظُنُّون أنَّها تَقِيهِم، وتصرِفُ البلاءَ عنهُم، وذلك لا يَصْرِفُهُ إلّا اللَّه ، وهُو المُعافي والمُبتلي، لا شريكَ لهُ، فنهاهُم رسُولُ اللَّه ﷺ عمّا كانوا يَصْنعُونَ من ذلك في جاهِليَّتِهِم. (٢) حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال (٣): أخبَرني عَمرُو بن الحارِثِ، أنَّ بُكَير بن عبدِ اللَّه بن الأشجِّ حدَّثهُ، أنَّ أُمَّهُ حدَّثتهُ، أنَّها سمِعَتْ عائشةَ تَكرَهُ ما يُعلِّقُ النِّساءُ على أنفُسِهِنَّ، وعلى صِبيانِهِنَّ من خَلْخالِ الحَديدِ، خشيةَ العَيْنِ، وتُنكِرُ ذلك على من فعلهُ. قال (٤): وأخبَرنا ابنُ لهيعةَ وعَمرُو بن الحارِثِ، عن بُكيرِ بن الأشجِّ، عنِ القاسم بن محمدٍ، أنَّ عائشةَ، قالت: ليسَ بتميمةٍ ما عُلِّق بعدَ أن يقعَ البَلاءُ. قال ابنُ وَهْبٍ (٥): وبَلَغني عن رَبِيعةَ أنَّهُ قال: من ألبَسَ امرأةً خَرَزةً كيما تحمِلُ، أو كيما لا تحملُ. قال: هذا من الرَّأيِ السُّوءِ المَسْخُوطِ مِمَّن عمِلَ به.

стр. 5791

قال ابنُ وَهْبٍ (١): وأخبَرني عُقبةُ بن نافع، قال: كان يحيى بن سعيدٍ يَكْرهُ الشَّرابَ لمنع الحبَلِ (٢) ويخافُ أن يَقتُل ما في الرَّحِم. وقال ابنُ مسعُودٍ: الرُّقَى، والتَّمائمُ، والتِّوَلةُ (٣) شِركٌ. فقالت لهُ امرأتُهُ: ما التِّوَلةُ؟ فقال: التَّهييجُ (٤). وأخبَرنا خَلَفُ بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بن سُليمانَ ومحمدُ بن عُمرَ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن يزيد المُقرئ، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعةَ، عن بُكَيرِ بن عبدِ اللَّه بن الأشجِّ، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: ما تَعلَّق بعدَ نُزُولِ البلاءِ، فليسَ من التَّمائم (٥). وقد كرِهَ بعضُ أهلِ العِلْم تعليقَ التَّمِيمةِ على كلِّ حالٍ، قبلَ نُزُولِ البلاءِ وبعدَهُ. والقولُ الأوَّلُ أصحُّ، في الأثرِ والنَّظرِ، وباللَّه العِصْمةُ والرَّشادُ. حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بن سَلَمةَ بن المُعلَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن الجارُودِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصُورٍ، قال: قلتُ لأحمد بن حَنْبل: ما يُكرهُ من المعاليقِ؟ قال: كلُّ شيءٍ يُعلَّقُ، فهُو مكرُوهٌ. قال: "من تعلَّقَ شيئًا، وُكِل إليه" (٦). قال إسحاقُ: وقال لي (٧)

стр. 5792

إسحاقُ بنُ راهُوية: هُو كما قال، إلّا أن يَفْعلهُ بعد نُزُولِ البَلاءِ، فهُو حَينئذٍ مُباحٌ لهُ، قالت ذلك عائشةُ. أخبَرنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ وأحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ قال: إنَّما يُكرَهُ تَعْليقُ المُعاذةِ من أجلِ الحائضِ والجُنُبِ. وأمّا الحديثُ الذي جاءَ فيه عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "قلِّدُوا الخيلَ، ولا تُقلِّدُوها الأوتارَ" (١). فليسَ من قلائدِ (٢) الإبِلِ المذكُورةِ في هذا البابِ في شيءٍ، وإنَّما معنَى ذلك الحديثِ في الخيلِ، ما ذكَرهُ وكيعُ بن الجرّاح في تأويلِهِ. قال وكيعٌ: مَعناهُ لا تَرْكبُوها في الفِتَنِ، فمن ركِبَ فرسًا في فِتنةٍ، لم يَسْلَمْ أن (٣) يتعلَّق به وترٌ (٤)، يُطلَبُ به، إن قتَلَ أحدًا على فرسِهِ، في مخرجِهِ في الفِتنةِ عليه، وهُو في خُرُوجِهِ ذلك ظالِمٌ. قال: ولا بأس بتقليدِ الخيلِ قلائد الصُّوفِ المُلوَّنِ، إذا لم يكُن ذلك خوف نُزُولِ العينِ (٥).
следующие страницы →