← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5788–5827 · переход к 5793.

стр. 5788

وكلُّ ما يُعلَّقُ بعدَ نُزُولِ البَلاءِ من أسماءِ (١) اللَّه وكِتابِهِ، رَجاءَ الفَرج والبُرءِ من اللَّه ، فهُو كالرَّقيِ المُباح، الذي ورَدَتِ السُّنّةُ بإباحتِهِ من العَينِ وغيرِها. وقد قال مالكٌ ﵀: لا بأسَ بتَعليقِ الكُتُبِ التي فيها أسماءُ (٢) اللَّه على أعناقِ المرضَى، على وَجْهِ التَّبرُّكِ بها، إذا لم يُرِد مُعلِّقُها بتَعليقِها (٣) مُدافَعةَ العَينِ (٤). وهذا مَعناهُ قبلَ أن ينزِل به شيءٌ من العينِ، (٥) ولو نزلَ به شيءٌ من العَينِ، جازَ الرَّقيُ عندَ مالكٍ وتعليقُ الكُتُبِ، ولو علم العائنُ، لكان الوجهُ في ذلك اغتِسالَ العائنِ للمَعينِ (٦)، على حسَبِ ما مَضَى من ذلك مُفسَّرًا، في بابِ ابنِ شِهابٍ. وأمّا تخصيصُ الأوتارِ بالقَطْع، وأن لا تُقلَّدَ الدَّوابُّ شيئًا من ذلك قبلَ البَلاءِ ولا بَعدهُ، فقيل: إنَّ ذلك لئلّا تختنِق بالوَترِ في خَشَبةٍ، أو شجَرةٍ، فتقتُلها، فإذا كان خَيْطًا انقطعَ سريعًا. وقد قيلَ في معنى الأوتارِ غيرُ هذا، على ما نذكُرُهُ في آخِرِ هذا البابِ إن شاءَ اللَّه. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ عليَّ بن محمدٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال (٧):

стр. 5789

أخبَرني حَيْوةُ بن شُرَيح، عن خالدِ بن عُبيدٍ (١) المَعَافِريِّ، عن مِشْرَح بن هاعانَ، قال: سمِعتُ عُقبةَ بن عامرٍ الجُهنيَّ، يَقولُ: سمِعتُ رسُول اللَّه ﷺ يقولُ: "من علَّقَ تميمةً، فلا أتمَّ اللَّه لهُ، ومن علَّقَ ودَعةً، فلا ودَعَ اللَّه لهُ (٢) ". وقرأتُ على خَلَفِ بن أحمد، أنَّ أحمدَ بن مُطرِّفٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو صالح أيُّوبُ بن سُليمانَ وأبو عبدِ اللَّه محمدُ بن عُمرَ بن لُبابةَ، قالا: حدَّثنا أبو زيدٍ عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن يزيد المُقرِئُ، قال: أخبَرنا حَيْوةُ بن شُرَيح، قال: أخبَرنا خالدُ بن عُبيد (٣) أنَّهُ سمِعَ مِشرح بن هاعان يقولُ: إنَّهُ سمِعَ عُقبةَ بن عامرٍ، يقولُ: سَمِعتُ رسُول اللَّه ﷺ يقولُ: "من تعلَّقَ تميمةً، فلا أتمَّ اللَّه لهُ، ومن تعلَّقَ ودَعةً، فلا ودَع اللَّه لهُ" (٤). قال أبو عُمر: التَّميمةُ في كلام العربِ: القِلادةُ. هذا أصلُها في اللُّغةِ، ومعناها عندَ أهلِ العِلم، ما عُلِّقَ في الأعْناقِ من القَلائدِ، خَشْيةَ العَينِ، أو غيرِها من أنواع البَلاءِ. وقال الخليلُ بن أحمد (٥): التَّميمةُ قِلادةٌ فيها عُودٌ. قال: والودعُ: خرزٌ.

стр. 5790

قال أبو عُمر: فكأنَّ المعنى في هذا الحديثِ: أنَّ من تعلَّقَ تميمةً، خشيةَ ما عَسَى أن ينزِلَ، أو لا ينزِلَ قبلَ أن ينزِلَ (١)، فلا أتمَّ اللَّه عليه صِحَّتهُ، وعافيتهُ، ومن تعلَّقَ ودَعةً، وهي مِثلُها في المعنى، فلا ودَعَ اللَّه لهُ، أي: فلا تركَ اللَّه لهُ ما هُو فيه من العافيةِ، أو نَحوِ هذا، واللَّه أعلمُ. وهذا كلُّهُ تحذيرٌ، ومنعٌ مِمّا كان أهلُ الجاهِليّةِ يصنعُونَ، من تَعليقِ التَّمائم، والقلائدِ، يظُنُّون أنَّها تَقِيهِم، وتصرِفُ البلاءَ عنهُم، وذلك لا يَصْرِفُهُ إلّا اللَّه ، وهُو المُعافي والمُبتلي، لا شريكَ لهُ، فنهاهُم رسُولُ اللَّه ﷺ عمّا كانوا يَصْنعُونَ من ذلك في جاهِليَّتِهِم. (٢) حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال (٣): أخبَرني عَمرُو بن الحارِثِ، أنَّ بُكَير بن عبدِ اللَّه بن الأشجِّ حدَّثهُ، أنَّ أُمَّهُ حدَّثتهُ، أنَّها سمِعَتْ عائشةَ تَكرَهُ ما يُعلِّقُ النِّساءُ على أنفُسِهِنَّ، وعلى صِبيانِهِنَّ من خَلْخالِ الحَديدِ، خشيةَ العَيْنِ، وتُنكِرُ ذلك على من فعلهُ. قال (٤): وأخبَرنا ابنُ لهيعةَ وعَمرُو بن الحارِثِ، عن بُكيرِ بن الأشجِّ، عنِ القاسم بن محمدٍ، أنَّ عائشةَ، قالت: ليسَ بتميمةٍ ما عُلِّق بعدَ أن يقعَ البَلاءُ. قال ابنُ وَهْبٍ (٥): وبَلَغني عن رَبِيعةَ أنَّهُ قال: من ألبَسَ امرأةً خَرَزةً كيما تحمِلُ، أو كيما لا تحملُ. قال: هذا من الرَّأيِ السُّوءِ المَسْخُوطِ مِمَّن عمِلَ به.

стр. 5791

قال ابنُ وَهْبٍ (١): وأخبَرني عُقبةُ بن نافع، قال: كان يحيى بن سعيدٍ يَكْرهُ الشَّرابَ لمنع الحبَلِ (٢) ويخافُ أن يَقتُل ما في الرَّحِم. وقال ابنُ مسعُودٍ: الرُّقَى، والتَّمائمُ، والتِّوَلةُ (٣) شِركٌ. فقالت لهُ امرأتُهُ: ما التِّوَلةُ؟ فقال: التَّهييجُ (٤). وأخبَرنا خَلَفُ بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بن سُليمانَ ومحمدُ بن عُمرَ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن يزيد المُقرئ، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعةَ، عن بُكَيرِ بن عبدِ اللَّه بن الأشجِّ، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: ما تَعلَّق بعدَ نُزُولِ البلاءِ، فليسَ من التَّمائم (٥). وقد كرِهَ بعضُ أهلِ العِلْم تعليقَ التَّمِيمةِ على كلِّ حالٍ، قبلَ نُزُولِ البلاءِ وبعدَهُ. والقولُ الأوَّلُ أصحُّ، في الأثرِ والنَّظرِ، وباللَّه العِصْمةُ والرَّشادُ. حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بن سَلَمةَ بن المُعلَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن الجارُودِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصُورٍ، قال: قلتُ لأحمد بن حَنْبل: ما يُكرهُ من المعاليقِ؟ قال: كلُّ شيءٍ يُعلَّقُ، فهُو مكرُوهٌ. قال: "من تعلَّقَ شيئًا، وُكِل إليه" (٦). قال إسحاقُ: وقال لي (٧)

стр. 5792

إسحاقُ بنُ راهُوية: هُو كما قال، إلّا أن يَفْعلهُ بعد نُزُولِ البَلاءِ، فهُو حَينئذٍ مُباحٌ لهُ، قالت ذلك عائشةُ. أخبَرنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ وأحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ قال: إنَّما يُكرَهُ تَعْليقُ المُعاذةِ من أجلِ الحائضِ والجُنُبِ. وأمّا الحديثُ الذي جاءَ فيه عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "قلِّدُوا الخيلَ، ولا تُقلِّدُوها الأوتارَ" (١). فليسَ من قلائدِ (٢) الإبِلِ المذكُورةِ في هذا البابِ في شيءٍ، وإنَّما معنَى ذلك الحديثِ في الخيلِ، ما ذكَرهُ وكيعُ بن الجرّاح في تأويلِهِ. قال وكيعٌ: مَعناهُ لا تَرْكبُوها في الفِتَنِ، فمن ركِبَ فرسًا في فِتنةٍ، لم يَسْلَمْ أن (٣) يتعلَّق به وترٌ (٤)، يُطلَبُ به، إن قتَلَ أحدًا على فرسِهِ، في مخرجِهِ في الفِتنةِ عليه، وهُو في خُرُوجِهِ ذلك ظالِمٌ. قال: ولا بأس بتقليدِ الخيلِ قلائد الصُّوفِ المُلوَّنِ، إذا لم يكُن ذلك خوف نُزُولِ العينِ (٥).

стр. 5793

حديثٌ ثانٍ لعبدِ اللَّه بن أبي بكر (١) مالكٌ (٢)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، أَنَّهُ سمِعَ عبّاد بن تميم يقولُ: سمِعتُ عبد اللَّه بن زيدٍ المازِنيَّ يقولُ: خرجَ رسُولُ اللَّه ﷺ إلى المُصلَّى، فاسْتَسْقَى، وحوَّل رِداءَهُ حينَ اسْتَقبلَ القِبْلةَ. هكذا روى مالكٌ هذا الحديث بهذا الإسنادِ، وهذا اللَّفظِ لم يَذكُر فيه الصَّلاةَ، لم يختلِف رُواةُ "المُوطَّأ" في ذلك عنهُ، فيما عَلِمتُ (٣). إلّا أنَّ إسحاقَ بن عيسى الطَّبّاع رَوَى هذا الحديث عن مالكٍ، فزادَ فيه: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ بَدَأ في الاسْتِسقاءِ بالصَّلاةِ قبلَ الخُطبةِ. ولم يَقُلْ: حوَّل رِداءَهُ؛ ذكَرهُ النَّسائيُّ في "مُسندِ مالكٍ" عن زكريّا بن يحيى، عن هارونَ (٤) بن عبدِ اللَّه، عن إسحاقَ (٥).

стр. 5794

ورواهُ سُفيانُ بن عُيينةَ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ (١). فذكرَ فيه الصَّلاةَ. ورواهُ أبو بكر بنُ محمدِ بن عَمرِو بن حزم، والِدُ عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ هذا، عن عبّادِ بن تميم (٢). فذكَرَ فيه الصَّلاةَ. وهذا الحديثُ سَمِعهُ عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ معَ أبيه من عبّادِ بن تميم. وقد رَوَى هذا الحديث عن عبّادِ بن تميم: محمدُ بن شِهابٍ الزُّهريُّ. وحسبُكَ به جَلالةً وحِفظًا وفَهمًا، فذكرَ فيه الصَّلاةَ. رواهُ عنِ ابنِ شِهابٍ جماعةٌ، منهُم: معمرٌ (٣)، وابنُ أبي ذِئبٍ (٤)، وشُعَيبٌ (٥)، ويُونُسُ (٦)، كلُّهُم عنِ ابنِ شِهاب، عن عبّادِ بن تميم، عن عمِّهِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ. ورواهُ النُّعمانُ بن راشِدٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي

стр. 5795

هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ كان إذا اسْتَسقَى، حوَّلَ رِداءَهُ، واسْتَقبلَ القِبلةَ (١). فأخطأ في إسنارر، ولم يذكُر فيه الصَّلاةَ، ولم يُتابَعْ على إسنادِهِ هذا (٢). وليسَ هذا الحديثُ عندَ مالكٍ، عنِ ابنِ شهابٍ. وليسَ في تقصيرِ من قصَّرَ عن ذِكرِ الصَّلاةِ حُجّةٌ على من ذكَرَها، والحُجّةُ في قولِ من أثبتَ وحَفِظَ. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): أخبرنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرِ، عن عبّادِ بن تميم، عن عمِّهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَسقى، وصَلَّى رَكْعتينِ، وقلبَ رِداءَهُ. وأخبَرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (٤)، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، أنَّهُ سمِعَ

стр. 5796

عبّاد بن تميم يُحدِّثُ، عن عَمِّهِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ، قال: خرجَ رسُولُ اللَّه ﷺ إلى المُصلَّى يَسْتَسقي، فحوَّلَ رِداءَهُ، واسْتَقبلَ القِبلةَ، وصلَّى رَكْعتينِ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبَرنا محمدُ بن مَنصورٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا المسعُوديُّ، عن أبي بكرٍ، وهُو ابنُ عَمرِو بن حَزْم، عن عبّادِ بن تميم. قال سُفيانُ: فسألتُ عبد اللَّه بن أبي بكرٍ، فقال: سمِعتُهُ من عبّادِ بن تميم، يُحدِّثُ أبي، عن عبدِ اللَّه بن زيدٍ، الذي أُرِيَ النِّداءَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ خرجَ إلى المُصلَّى يَسْتسقي، فاسْتَقبلَ القِبلةَ، وقلَبَ رِداءَهُ، وصلَّى رَكْعتينِ. هكذا في هذا الحديثِ: عبدُ اللَّه بن زيدٍ الذي أُرِيَ النِّداءَ. وهُو خَطَأٌ، ولا أدري ممَّن (٢) أتَى ذلك، وما أظُنُّهُ جاءَ منَ ابنِ عُيينةَ (٣)، ولا مِمَّن فوقهُ، لأنَّهُم عُلماءُ جِلّةٌ، وإنَّما هُو عبدُ اللَّه بن زيدٍ (٤) المازِنيُّ، عمُّ عبّادِ بن تميم، وهُو عبدُ اللَّه بن زَيْدِ بن عاصِم، وأمّا (٥) الذي أُرِيَ النِّداءَ، فهُو عبدُ اللَّه بن زيدِ بن عَبدِ ربِّهِ، وليسَ من بني مازِنٍ، وقد ذكَرْناهُما، وبيَّنّا أمرَهُما في بابهما من كِتابِ "الصَّحابةِ" (٦) والحمدُ للَّه. وقد رُوي عنِ ابنِ عُيينةَ في حديثِ الوُضُوءِ: أنَّهُ جَعلهُ لعبدِ اللَّه بن زيدٍ الذي أُري الأذانَ. وهذا وَهَمٌ، وإنَّما هُو لعبدِ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم، وقد ذكَرْنا ذلك في بابِ عَمرِو بن يحيى، واللَّه المُستعانُ.

стр. 5797

وأخبَرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ والمسعُوديُّ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن عبّادِ بن تميم، عن عمِّهِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ. وزاد فيه المسعُوديُّ: قلتُ لأبي بكرٍ: أجعلَ الشِّمال على اليَمينِ، واليَمينَ على الشِّمالِ، أم جَعلَ أعْلاهُ أسْفَلهُ؟ قال: لا، بل جَعلَ اليمينَ على الشِّمالِ، والشِّمال على اليَمينِ. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعَيب، قال (٢): حدَّثنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، وهُو القطّانُ، عن يحيى، وهُو ابنُ سَعيدٍ الأنصاريُّ، عن أبي بكر بن محمدٍ، عن عبّادِ بن تميم، عن عبدِ اللَّه بن زيدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرجَ يَسْتسقي، فصلَّى رَكْعتينِ، واسْتَقبلَ القِبلةَ. ورواهُ هُشَيمٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ (٣). ولم يذكُرِ الصَّلاةَ، وكذلك رواهُ سُليمانُ بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، مِثلهُ سواءً. قال أبو عُمر: أحسنُ النّاسِ سِياقةً لهذا الحديثِ: مَعْمرٌ، عنِ الزُّهريِّ. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن ثابتٍ المروزيُّ، قال: حدَّثنا

стр. 5798

عبدُ الرَّزّاق، قال (١): حدَّثنا معمرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبّادِ بن تميم، عن عمِّهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ خرجَ بالنّاسِ يَسْتسقي، فصلَّى بهم رَكْعتينِ، جهَرَ بالقِراءةِ فيهما وحوَّلَ رِداءَهُ، ورفَعَ يَديهِ، فدَعا واسْتَسقَى، واسْتَقبلَ القِبلةَ. قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الخُرُوجَ إلى الاستِسقاءِ، والبُرُوزَ والاجتِماع إلى اللَّه خارِجَ المِصْرِ بالدُّعاءِ والضَّراعةِ إليه، تباركَ اسمُهُ، في نُزُولِ الغَيْثِ، عندَ احتِباسِ ماءِ السَّماءِ، وتمادِي القَحْطِ، سُنّةٌ مَسْنُونةٌ سَنَّها رسُولُ اللَّه ﷺ ، لا خِلافَ بينِ عُلماءِ المُسلِمينَ في ذلك. واختلفُوا في الصَّلاةِ في الاسْتِسقاءِ. فقال أبو حَنِيفةَ: ليسَ في الاسْتِسقاءِ صلاةٌ، ولكِن يخرُجُ الإمامُ وَيَدْعُو (٢). ورُوِيَ عن طائفةٍ من التّابِعينِ مِثلُ ذلك. وحُجَّتُهُم حديثٌ مالكٍ، وما كان مِثلهُ في هذا البابِ. وقال مالكٌ (٣)، والشّافِعيُّ (٤)، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ، وسائرُ فُقهاءِ الأمصارِ: صلاةُ الاستِسقاءِ سُنّةٌ، رَكْعتانِ، يجهرُ فيهما بالقِراءةِ (٥). وقال اللَّيثُ بن سَعْدٍ: الخُطبةُ في الاسْتِسقاءِ قبلَ الصَّلاةِ. وقالهُ مالكٌ ثُمَّ رجع عنهُ إلى أنَّ الخُطبةَ فيها بعد الصَّلاةِ، وعليه جماعةُ الفُقهاءِ. وقد رُوي عن عُمرَ بن الخطّابِ: أَنَّهُ خطَبَ في الاستِسقاءِ قبلَ الصَّلاةِ (٦).

стр. 5799

وقال مالكٌ (١) والشّافِعيُّ (٢): يخطُبُ الإمامُ بعدَ الصَّلاةِ خُطبتينِ، يفصِلُ بينهُما بالجُلُوسِ. وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: يخطُبُ خُطبةً واحدةً. وقال عبدُ الرَّحمنِ بن مَهْديٍّ: يخطُبُ خُطبةً (٣) خفيفةً يعِظُهُم ويحُثُّهُم على الخير. وقال الطَّبريُّ: إن شاءَ خطبَ واحِدةً، وإن شاءَ اثْنَتينِ. وقال الشّافِعيُّ والطَّبريُّ: التَّكبيرُ في صلاةِ الاستِسقاءِ، كالتَّكبيرِ في العيدينِ سَواءٌ. وهُو قولُ ابنِ عبّاسٍ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، وعُمر بن عبدِ العزيزِ، وأبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم (٤). وقال داودُ: إن شاءَ كبَّر كما يُكبِّرُ في العيدينِ، وإن شاءَ تكبيرةً واحِدةً، كسائرِ الصَّلواتِ. وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ: لا يُكبِّرُ في صلاةِ (٥) الاستِسقاءِ، إلّا كما يُكبِّرُ في سائرِ الصَّلواتِ، تكبيرةً واحِدةً للافتِتاح. وقد رُوي عن أحمد بن حَنْبل مِثلُ قولِ الشّافِعيِّ في ذلك. وحُجّةُ من قال: يُكبِّرُ فيها، كما يُكبِّرُ في العيدِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن

стр. 5800

سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرِ بن حرب، قال (١): حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن هشام بن إسحاقَ، عن أبيه، قال: أرسَلَني أميرٌ من الأُمراءِ إلى ابنِ عبّاسٍ، أسألهُ عن الاسْتِسقاءِ، فقال: من أرسلَكَ؟ قال: قلتُ: فُلانٌ. قال: ما مَنَعهُ أن يأتيني فيَسْألني؟ خرَجَ رسُولُ اللَّه ﷺ مُتضرِّعًا، مُتذلِّلًا، مُتبذِّلًا، مُتواضِعًا، فلم يخطُب خُطبكُم هذه، فصَلَّى رَكْعتينِ كما يُصلِّي في العيدِ. قال سُفيانُ: قلتُ للشَّيخِ: أخطَبَ قبلَ الرَّكعةِ، أو بعدَها؟ قال: لا أدري. قال أبو عُمر: هُو هشامُ بن إسحاق بَن عبدِ اللَّه بن كِنانةَ، روى عنهُ الثَّوريُّ وحاتِمُ بن إسماعيلَ، ولم يَرْوِ هذا الحديث غيرُهُ، وقد يحتمِلُ أن يكونَ التَّشبيهُ فيه بصلاةِ العِيدَينِ، من جِهةِ أنَّ صلاةَ الاستِسقاءِ رَكْعتانِ، ويحتمِلُ أن يكون (٢) من جِهةِ التَّكبيرِ، واللَّه أعلمُ. وقال مالكٌ (٣) والشّافِعيُّ (٤): يُحوِّلُ الإمامُ رِداءَهُ عندَ فراغِهِ من الخُطبةِ، يجعلُ ما على اليَمينِ على الشِّمالِ، وما على الشِّمالِ على اليمينِ، ويُحوِّلُ النّاسُ أرْدَيتهُم إذا حوَّل الإمامُ رِداءَهُ، كما حوَّل الإمامُ. هذا (٥) قولُ الشّافِعيِّ بالعِراقِ، ثُمَّ قال بمِصرَ:

стр. 5801

يُنكِّسُ الإمامُ رِداءَهُ، فيجعلُ أعلاهُ أسفلهُ، ويجعلُ ما منهُ على مَنكِبِهِ الأيمنِ، على منكِبِهِ الأيسرِ. قال: وإن جعلَ ما على يمينِهِ على شمالِهِ، ولم يُنكِّسهُ، أجزأهُ. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: يُحوِّلُ الإمامُ رِداءَهُ. كما قال مالكٌ سواءً. قال: ولا يُحوِّلُ النّاسُ أرْدِيتهُم. وهُو قولُ محمدِ بن الحسنِ، وكذلك قال أبو يُوسُف، إلّا أنَّهُ قال: يُحَوِّلُهُ الإمامُ إذا مَضَى صدرٌ من خُطبتِهِ (١). وقال الشّافِعيُّ (٢): يُحوِّلُ رِداءَهُ وهُو مُستقبِل القِبلةَ في الخُطبةِ الثّانيةِ عِند فراغِها، أو قُرب ذلك، ويُحوَّلُ النّاسُ. قال أبو عُمر: قد مَضَى في حديثِ المسعُوديِّ (٣)، عن أبي بكر بن حزم، عن عبّادِ بن تميم، عن عمِّهِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ حينَ حوَّل رِداءَهُ: جعلَ ما على الشِّمالِ منهُ على اليمينِ، وما على اليَمينِ على الشِّمالِ. وعلى ذلك أكثرُ أهلِ العِلم. وأمّا الذي ذهَبَ إليه الشّافِعيُّ واسْتَحبَّهُ، فموجُودٌ في حديثِ عُمارةَ بن غزيّةَ. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا قُتَيبةُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن عُمارةَ بن غَزيّةَ، عن عبّادِ بن

стр. 5802

تميم، عن عبدِ اللَّه بن زَيْدٍ، قال: اسْتَسقى رسُولُ اللَّه ﷺ ، وعليه خميصةٌ له (١) سَوْداءُ، فأرادَ رسُولُ اللَّه ﷺ أن يأخُذَ بأسْفَلِها فيَجعلهُ أعلاها، فلمّا ثقُلَتْ عليه، قلَبَها على عاتِقِهِ. ففي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الخَمِيصةَ لو لم تثقُل عليه ﷺ ، لنَكَّسها، وجعلَ أعلاها أسفَلَها، ولا أعلمُ خِلافًا أنَّ الإمامَ يُحوِّلُ رِداءَهُ وهُو قائمٌ، ويُحوِّلُ النّاسُ وهُم جُلُوسٌ. والخُرُوجُ إلى الاسْتِسقاءِ في وَقتِ خُرُوج النّاسِ إلى العيدِ، عندَ جماعةِ العُلماءِ، إلّا أبا بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، فإنَّهُ قال: الخُرُوجُ إليها عندَ زوالِ الشَّمسِ. واختلَفَ العُلماءُ في خُرُوج أهلِ الذِّمّةِ إلى الاسْتِسقاءِ (٢). فأجازَ ذلك بعضُهُم، ومِمَّن ذهَبَ إلى ذلك: مالكٌ، وابنُ شِهاب، ومَكْحُولٌ. وقال ابنُ المُباركِ: إن خرجُوا عدل بهم عن (٣) مُصلَّى المُسلِمينَ (٤). وقال إسحاقُ: لا يُؤمَرُوا بالخُرُوج، ولا يُنهوا عنهُ. وكرِهَتْ طائفةٌ من أهلِ العِلم خُرُوجَ أهلِ (٥) الذِّمّةِ إلى الاسْتِسقاءِ، منهُم: أبو حَنِيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُما. وقال الشّافِعيُّ (٦): فإن خَرجُوا مُتميِّزينَ لم أمنعهُم.

стр. 5803

وكلُّهُم كرِهَ خُرُوجَ النِّساءِ الشَّوابِّ إلى الاسْتِسقاءِ، ورخَّصُوا في خُرُوج العَجائزِ. ولم يختلِفُوا في الجَهرِ في صَلاةِ الاستِسقاءِ. وقال مالكٌ (١): لا بأسَ أن يُسْتَسقى في العام مرّةً، أو مرَّتينِ، أو ثلاثًا، إذا احتاجُوا إلى ذلك. وقال الشّافِعيُّ (٢): إن لم يُسقَوْا يومَهُم ذلك، أحبَبتُ أن يُتابَع الاستِسقاءُ ثلاثةَ أيام، يُصنعُ في كلِّ يوم منها، كما صُنِع في الأوَّلِ. وقال إسحاقُ: لا يخرُجُونَ إلى الجبّانِ (٣) إلّا مرّةً واحِدةً، ولكِن يجتمِعُونَ في مَساجِدِهِم، فإذا فرغُوا من الصَّلاةِ، ذَكَرُوا اللَّه، ويدعُو الإمامُ يومَ الجُمُعةِ على المِنْبرِ ويُؤَمِّنُ النّاسُ (٤). أخبَرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٥): أخبرنا عليُّ بن حُجرٍ، قال:

стр. 5804

أخبَرنا إسماعيلُ، قال: أخبَرنا حُميدٌ، عن أنَسٍ، قال: قَحطَ المطرُ عامًا، فقامَ بعضُ المُسلِمينَ إلى النَّبيِّ ﷺ في يوم جُمُعةٍ (١)، فقال: يا رسُولَ اللَّه قحَطَ المطرُ، وأجْدَبَتِ الأرضُ، وهلكَ المالُ. قال: فرفَعَ يَدَيهِ، وما يُرَى في السَّماءِ سَحابةٌ، فمدَّ يَدَيهِ، حتّى رأيتُ بياضَ إبِطَيهِ، يَسْتسقي اللَّه. قال: فما صلَّينا الجُمُعةَ، حتّى أهَمَّ (٢) الشّابُّ القريبُ الدّارِ الرُّجُوعَ إلى أهلِهِ، فدامَتْ جُمُعةً، فلمّا كانتِ الجُمُعةُ التي تَلِيها، قالوا: يا رسُولَ اللَّه تهدَّمَتِ البُيُوتُ، واحتبَسَ الرّكبانُ، قال: فتبسَّم لسُرعةِ مَلالةِ ابنِ آدَمَ، وقال بيدَيهِ: "اللَّهُمَّ حَوالينا، ولا علينا". قال: فتكشَّطَتْ عنِ المدينةِ. قال أبو عُمر: هذا الحديثُ عندَ مالكٍ (٣) بهذا المعنى، عن شَريكِ بن أبي نَمِرٍ، عن أنَسٍ. وسيأتي في بابِ الشِّينِ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ اللَّه. وهُو حديثٌ رَواهُ عن أنَسٍ جماعةٌ من أصحابِهِ، منهُم: ثابتٌ، وشريكٌ، وإسحاقُ بن أبي طَلْحةَ، وغيرُهُم بألفاظٍ مُتقارِبةٍ، ومعنًى واحِدٍ، وسنَذكُرُ منها ما حضَرَنا في بابِ شريكٍ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ اللَّه، وفي بابِ يحيى بن سعيدٍ، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 5805

حديثٌ ثالِثٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عبّادِ بن تميم، عن عبدِ اللَّه بن زَيْدٍ المازِنيِّ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "ما بينَ بَيْتي ومنْبَري، رَوْضةٌ من رياضِ الجنّةِ". هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" بهذا الإسنادِ عندَ جماعةِ رُواتِهِ (٢)، وعندَ مالكٍ أيضًا فيه إسنادٌ آخرُ في "المُوطَّأ" (٣) عن خُبَيبِ بن عبدِ الرَّحمنِ، وقد تقدَّمَ ذِكرُهُ في بابِ خُبَيبٍ من هذا الكِتابِ. ورَوَى محمدُ بن سُليمان، عن مالكٍ في هذا الحديث إسنادًا آخر، وهُو: محمدُ بن سُليمانَ القُرشيُّ التَّيميُّ البَصْريُّ، رَوَى عن مالكٍ، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: أخبَرني أبي، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "وضَعْتُ منْبَري على تُرْعةٍ (٤) من تُرَعِ الجنّةِ، وما بينَ بيتي ومنْبري رَوْضةٌ من رياضِ الجنّةِ". ذَكَرهُ ابنُ سنجرٍ عن محمدِ بن سُليمانَ (٥). ولم يُتابِعهُ أحدٌ على هذا الإسنادِ، عن مالكٍ، ومحمدُ بن سُليمان هذا ضعيفٌ.

стр. 5806

وفي هذا البابِ حديثٌ مُنكرٌ، رواهُ عبدُ الملكِ بن زيدٍ الطّائيُّ، عن عَطاءِ بن زيدٍ مولى سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ما بينَ منْبَري وقَبْري، هُو أُسطُوانةُ التَّوبةِ، رَوْضةٌ من رياضِ الجنّةِ". قال عَطاءٌ: ورأيتُ عُمر يُحفِي شارِبهُ، ورأيتُ سَعيدَ بن جُبَيرٍ يقصِّرُ قَمِيصهُ (١). وهذا حديثٌ كذِبٌ موضُوعٌ مُنكرٌ، وضَعهُ عبدُ الملكِ هذا، واللَّه أعلمُ. والصَّحيحُ فيه ما في "المُوطَّأ". حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبد اللَّه (٢) بن عُمرَ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ بن جابرٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريمَ، قال: أخبرنا مالكٌ، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عبّادِ بن تميم، عن عبدِ اللَّه بن زيدٍ المازِنيِّ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "ما بينَ بَيْتي ومنْبَري روضةٌ من رياضِ الجنّةِ". حدَّثنا خلَفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عُمر، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا يحيى بن بُكَيرٍ، قال: سمعتُ مالكًا يُحدِّثُ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عبّادِ بن تَميم، عن عبدِ اللَّه بن زيدٍ المازنيِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "ما بينَ بَيْتي ومنْبرِي، رَوْضةٌ من رياضِ الجنّةِ". وحدَّثنا خلَفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عُمرَ (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن عُفَيرٍ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ،

стр. 5807

عن عبّادِ بن تميم، عن عبدِ اللَّه بن زيدِ المازِنيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "ما بينَ بَيْتِي ومنْبَري، رَوْضةٌ من رياضِ الجنّةِ". وقد رواهُ أحمدُ بن يحيى الكُوفيُّ، قال: أخبَرنا مالكُ بن أنَسٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ما بينَ قَبْري ومنْبَري، رَوْضةٌ من رياضِ الجنّةِ" (١). وهذا أيضًا إسنادٌ خطأٌ، لم يُتابَع عليه، ولا أصلَ لهُ. وقد تَقدَّم القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ خُبَيبِ بن عبدِ الرَّحمنِ، من كِتابِنا هذا، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 5808

حديثٌ رابعٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، انَهُ سمِعَ عُروةَ بن الزُّبيرِ، يقولُ: دَخَلتُ على مَرْوانَ بن الحكم، فتَذاكَرْنا ما يكونُ منهُ الوُضُوءُ. فقال مَرْوانُ: ومن مَسِّ الذَّكرِ الوُضُوءُ. قال عُروةُ: ما علِمتُ هذا. فقال مروانُ: أخْبَرتني بُسرةُ بنتُ صَفْوانَ، أنَّها سمِعَتْ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إذا مسَّ أحدُكُم ذكرَهُ فليَتَوضَّأ". قال أبو عُمر: في نُسخةِ يحيى في "المُوطَّأ" في إسنادِ هذا الحديثِ وهمٌ وخَطَأٌ غيرُ مُشكِلٍ، وقد يجُوزُ أن يكونَ من خَطَأ اليدِ، فهُو من قَبيح الخطأ في الأسانيدِ، وذلك أنَّ في كِتابِهِ في هذا الحديثِ: مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم. فجعلَ في مَوْضِع "ابنِ": "عن". فأفسدَ الإسناد، وجعلَ الحديث لمحمدِ بن عَمرِو بن حزم، وهكذا حدَّث به عنهُ ابنُهُ عُبيدُ اللَّه بن يحيى. وأمّا ابنُ وضّاح، فلم يُحدِّث به هكذا، وحدَّث به على الصِّحّةِ، فقال: مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم. وهذا الذي لا شَكَّ فيه عندَ جماعةِ أهلِ العِلم، وليسَ الحديثُ لمحمدِ بن عَمرِو بن حزم عندَ أحَدٍ من أهلِ العِلم بالحديثِ، ولا رواهُ محمدُ بن عَمرِو بن حزم بوَجْهٍ من الوُجُوهِ، ومحمدُ بن عَمرِو بن حزم لا يروي مِثلهُ، عن عُروةَ. ووُلِدَ محمدُ بن عَمرِو بن حزم بنَجْرانَ، وأبوهُ عامِلٌ عليها من قِبلِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، في سَنةِ عَشْرٍ من الهِجرةِ، فسمّاهُ أبوهُ محمدًا، وكَنَاهُ أبا سُليمانَ، وكتبَ بذلك إلى رسُولِ اللَّه ﷺ ، فكتبَ إليه رسُولُ اللَّه ﷺ يأمُرُهُ أن يُسمِّيهُ محمدًا، وَيكنِيهُ أبا عبدِ الملكِ. ففعلَ، وكان محمدُ بن عَمرٍو فارِسًا شُجاعًا، تُوُفِّي سنةَ ثلاثٍ وسِتِّين.

стр. 5809

وقد ذكَرْناهُ (١)، وذكَرْنا أباهُ عَمرو بن حزم (٢)، في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" بما فيه كِفايةٌ. وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن عُروةَ، كما رواهُ ابنُهُ عبدُ اللَّه، عن عُروةَ، وقدِ اجتمَعَ مع أبيه في شُيُوخ. وأمّا محمدُ بن عَمرِو بن حَزْم، فلم يَقُل أحدٌ: إنَّهُ رَوَى عن عُروةَ، لا هذا الحديثَ، ولا غيرهُ. والمحفُوظُ في هذا الحديثِ رِوايةُ عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ لهُ عن عُروةَ، ورِوايةُ أبي بكرٍ لهُ عن عُروةَ أيضًا. وإن كان عبدُ اللَّه قد خالَفَ أباهُ في إسنادِهِ، والقولُ عندَنا في ذلك قولُ عبدِ اللَّه، هذا إن صحَّ اختِلافُهُما في ذلك، وما أظُنُّهُ إلّا مِمَّن دُونَ أبي بكرٍ، وذلك أنَّ عبد الحميدِ كاتِب الأوزاعيِّ، رواهُ عنِ الأوزاعيِّ، عنِ الزُّهريِّ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن عُروةَ، عن بُسرةَ. وإنَّما الحديثُ لعُروةَ، عن مروانَ، عن بُسرةَ. والمحفُوظُ أيضًا في هذا الحديثِ: أنَّ الزُّهريَّ رَواهُ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، لا عن أبي بكرٍ، واللَّه أعلمُ. وقدِ اختُلِفَ فيه عنِ الزُّهريِّ، فرُوِيَ عنهُ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ. ورُوي عنهُ، عن أبي بكرٍ. ورُوي عنهُ، عن عُروةَ. ومن رواهُ عنهُ، عن عُروةَ، فليس بشيءٍ عِندهُم. وقد حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن الحسنِ الخيّاطُ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ:

стр. 5810

أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من مسَّ فَرْجهُ فليتَوضَّأ" (١). وهذا إسنادٌ مُنكرٌ عن مالكٍ، ليسَ يصِحُّ عنهُ، وأظُنُّ الحُسَين هذا وَضَعهُ، أو وَهِمَ فيه، واللَّه أعلمُ. وكذلك حَديثُ عليِّ بن مَعْبدٍ، عن (٢) حفصِ بن عُمرَ الصَّنعانيِّ، عن مالكِ بن أنَسٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يَتَوضَّأُ من مَسِّ الذَّكرِ. قال: سَمِعتُ بُسْرةَ بنت صَفْوانَ تقولُ: سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "الوُضُوءُ من مسِّ الذَّكَرِ" (٣). خطأٌ وإسنادٌ مُنكرٌ، والصَّحيحُ فيه -عن مالكٍ- ما في "المُوطَّأ". وكذلك من رَوَى هذا الحديث عنِ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن زيدِ بن خالدٍ (٤). فهُو خطأٌ أيضًا لا شكَّ فيه. وكذلك من رَواهُ عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ (٥). فقد أخطأ أيضًا فيه. والحديثُ الصَّحيحُ الإسنادِ في هذا: عن عُروةَ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ. وأنا أذكُرُ في هذا البابِ الأسانيد الصِّحاح فيه عن عُروةَ، دُونَ المعلُولاتِ، ودُونَ التي هي عندَ أهلِ العِلم خطأٌ، والعَوْنُ باللَّه، لا شريكَ لهُ. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 5811

قال (١): حدَّثنا القعنبيُّ، عن مالكٍ. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): حدَّثنا هارُونُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا معنٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (٣): أخبرنا سَعْدُ بن عبدِ الحميدِ بن جَعْفرٍ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، أنَّهُ سمِعَ عُروةَ بن الزُّبيرِ، يقولُ: دَخَلتُ على مروانَ بن الحَكَم، فذكَرْنا ما يكونُ منهُ الوُضُوءُ، فقال مَرْوانُ: من مسِّ الذَّكرِ. فقال عُروةُ: ما علِمتُ ذلك. فقال مَرْوانُ: أخْبَرتني بُسْرةُ بنتُ صَفْوانَ، أنَّها سمِعَتْ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إذا مَسَّ أحدُكُم ذكَرَهُ، فليَتَوضَّأ". قال أبو عُمر: في رِوايةِ ابنِ بُكَيرٍ لهذا الحديثِ عن مالكٍ: "فليَتَوضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ" (٤). وحدَّثنا سعيدُ بن نصير وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٥): حدَّثنا سُفيانُ،

стр. 5812

قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، قال: تذاكَرَ أبي، وعُروةُ بن الزُّبيرِ ما يُتوضَّأُ منهُ، فذكَرَ أبي: إنَّ هذا شيءٌ ما سَمِعتُهُ، فقال عُروةُ: بل أخبَرَني مروانُ بن الحَكَم، أنَّهُ سمِعَ بُسْرةَ بنت صَفْوانَ تقولُ: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "من مسَّ ذكَرَهُ فليتوضَّأ" فقلتُ: فإنِّي أشتِهي أن تُرسِلَ، وأنا شاهِدٌ، رَجُلًا، أو قال: حَرَسيًّا، فجاءَ الرَّسُولُ من عِندِها، فقال لنا: قالت: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من مسَّ ذكَرهُ فلْيتوضَّأ". قال أبو عُمر: في جَهلِ عُروةَ لهذه المسألةِ، على ما في حديثِ مالكٍ وغيرِهِ، وجَهلِ أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم لها أيضًا، على ما في حديثِ ابنِ عُيينةَ هذا، دليلٌ على أنَّ العالم لا نَقِيصةَ عليه في (١) جَهلِ الشَّيءِ اليَسيرِ من العِلْم، إذا كان عالمًا بالسُّنَنِ في الأغْلَبِ، إذِ الإحاطةُ لا سَبِيلَ إليها، وغيرُ مجهُولٍ مَوْضِعُ عُروةَ وأبي بكرٍ من العِلم، والاتِّساع فيه، في حينِ مُذاكرتِهِم بذلك، وقد يُسمَّى العالِمُ عالِمًا، وإن جهِلَ أشياءَ، كما يُسمَّى الجاهِلُ جاهِلًا، وإن علِمَ أشياءَ، وإنَّما تَسْتَحِقُّ هذه الأسماءُ بالأغلَبِ. وفي رِوايةِ ابنِ عُيَينةَ لهذا الحديثِ، ما يدُلُّ على أنَّهُ جائزٌ أن يَرْوي عُروةُ هذا الحديث عن بُسرةَ، وقد رواهُ عنهُ كذلك قومٌ، وكذلك حدَّث به أبو عُبيدٍ، عنِ ابنِ عُيَينةَ (٢)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عُروةَ، عن بُسْرةَ. فحدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبرنا إسحاقُ بن أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن حَبيبٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني الزُّهْريُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن

стр. 5813

محمدِ بن عَمرِو بن حزم، قال: حدَّثني عُروةُ، عن بُسْرةَ بنتِ صفوانَ، أنَّها سمِعَتِ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "يتوضَّأُ الرَّجُلُ من مَسِّ الذَّكرِ" (١). وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن المُغيرةِ، قال: حدَّثنا عُثمانُ، عن شُعَيبٍ، عنِ الزُّهريِّ، قال: أخبرني عبدُ اللَّه بن أبي بكر بن حَزْم، أَنهُ سمِعَ عُروةَ بن الزُّبيرِ، يقولُ: ذكَرَ مروانُ في إمارتهِ على المدينةِ: أنَّهُ يُتَوضَّأُ من مسِّ الذَّكرِ، إذا أفْضَى إليه الرَّجُلُ بيَدِهِ. فأنكرتُ ذلك، وقلتُ: لا وُضُوءَ على من مَسَّهُ. فقال مروانُ: أخْبَرتني بُسْرةُ بنتُ صفوانَ، أنَّها سمِعَتْ رسُولَ اللَّه ﷺ ذكرَ ما يُتَوضَّأُ منهُ، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ويُتَوضَّأُ من مسِّ الذَّكرِ". قال عُروةُ: فلم أزَلْ أُماري مروانَ، حتّى دَعا رَجُلًا من حَرسِهِ، فأرسلَهُ إلى بُسرةَ، فسألها عمّا حدَّثت من ذلك، فأرسلَتْ إليه بُسْرةُ بمِثلِ الذي حَدَّثني عنها مَرْوانُ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن قُسَيطٍ أبو عليٍّ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عَمرٍو، عن إسحاقَ بن راشِدٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، فذكَرَ الحديث مِثلهُ سَواءً، بمعناهُ إلى آخِرِهِ (٣). وزادَ: قال: وكانَتْ بُسرةُ خالةَ أميرِ المُؤمِنين عبدِ الملكِ بن مروانَ.

стр. 5814

هكذا جاءَ في الحديثِ: أنَّ بُسرةَ خالةُ عبدِ الملكِ بن مَرْوانَ، وهذا أعلى ما جاءَ في ذلك. وقدِ اختُلِف في بُسرةَ هذه، فقيل: هي من كِنانةَ. ومن قال هذا، جعَلَها خالةَ مروان، لا خالةَ عبدِ الملكِ، وأُمُّ مروان بنتُ عَلْقمةَ بن صفوان بن أُميّةَ بن مُحرِّثٍ الكِنانيِّ. فعلى هذا تكونُ بُسرةُ عمّةَ أُمِّ مروان، وإلى هذا ذهَبَ ابنُ البرقيِّ. وليسَ بشيءٍ، والصَّحيحُ أنَّها بُسرةُ بنتُ صفوان بن نَوْفلِ بن أسدِ بن عبدِ العُزَّى، قُرشيّةٌ، أسَدَيّةٌ. قال الزُّبيرُ بن بكّار (١): ليسَ لصفوانَ بن نوفلٍ عَقِبٌ، إلّا من بُسرةَ هذه. قال: وهي أُمُّ مُعاويةَ بن المُغيرةِ بن أبي العاص، جدّةُ عائشةَ بنتِ مُعاويةَ، وعائشةُ بنتُ مُعاويةَ بن المُغيرةِ بن أبي العاص، هي أُمُّ عبدِ الملكِ بن مروانَ. هذا قولُ الزُّبيرِ، وعمِّهِ مُصعب (٢)، وهُو أصحُّ ما قيل في ذلك إن شاءَ اللَّه. وقد قيلَ: إنَّ عائشةَ أُمَّ عبدِ الملكِ بن مروانَ، هي عائشةُ بنتُ المُغيرةِ بن أبي العاص، وإنَّ بُسرةَ بنت صفوانَ كانت عندَ المُغيرةِ بن أبي العاص، فولدَتْ لهُ مُعاويةَ، وعائشةَ أُمَّ عبدِ الملكِ بن مروانَ. فلو صحَّ هذا، كانت بُسرةُ جدّةَ عبدِ الملكِ، أُمَّ أُمِّهِ، لا خالتهُ، وعلى قولِ الزُّبيرِ، جدّةُ أُمِّ عبدِ الملكِ، وهذا أصحُّ إن شاءَ اللَّه، واللَّه أعلمُ. وقد ذكرنا بُسْرةَ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٣).

стр. 5815

وأمّا مروانُ، فلم نَقْصِد هاهُنا إلى ذِكرِهِ؛ لأنَّا قد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (١)، لأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ تُوُفِّي وهُو ابنُ ثمانِ سِنينَ، وما أظُنُّهُ رأى رسُولَ اللَّه ﷺ ، لأنَّهُ وُلدَ بالطّائفِ، ولم يزَلْ بها، حتّى ولي عُثمانُ، فيما ذكرَ غيرُ واحِدٍ من العُلماءِ بالسِّيرِ والخَبرِ، وتُوُفِّي مروانُ سنةَ خَمْسٍ وستِّين. وأمّا حديثُ هشام بن عُروةَ، فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (٢): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وُهَيبُ بن خالدٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن مروانَ بن الحَكَم، عن بُسْرةَ بنتِ صفوانَ، وكانت قد صحِبَتِ النَّبيَّ ﷺ ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا مسَّ أحدُكُم ذكَرهُ، فلا يُصلِّي حتّى يتَوضَّأ". قال أبو عُمر: هذا هُو الصَّحيحُ في حديثِ بُسرةَ: عُروةُ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ. وكلُّ من خالَفَ هذا، فقد أخطأ فيه عندَ أهلِ العِلم. والاختِلافُ فيه كثيرٌ على هشام، وعلى ابنِ شِهاب، والصَّحيحُ فيه عنهُما ما ذكَرْنا في هذا البابِ، وقد كان يحيى بن معينٍ، يقولُ: أصحُّ حَديثٍ في مسِّ الذَّكرِ: حديثُ مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عُروةَ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ. وكان أحمدُ بن حَنْبل يقولُ نحو ذلك أيضًا، ويقولُ: في مسِّ الذَّكرِ أيضًا حديثٌ حسنٌ ثابتٌ، وهُو حديثُ أُمِّ حبيبةَ. قال أبو عُمر: حديثُ أُمِّ حبيبةَ في ذلك: حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح،

стр. 5816

قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا المُعلَّى بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا العلاءُ، عن مَكْحُولٍ، عن عَنْبسةَ بن أبي سُفيان، عن أُمِّ حبيبةَ، قالت: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "من مَسَّ فرْجهُ فليتَوضَّأ". وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحَميدِ بن أحمد بن عيسى، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن محمدِ بن هانئ الوارَّقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سعيدٍ المُقْرئُ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بن حُميدٍ، عنِ العلاءِ بن الحارِثِ، عن مَكْحُولٍ، عن عَنْبسةَ بن أبي سُفيانَ، عن أُمِّ حبيبةَ، قالت: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من مسَّ فرْجهُ فليتوضَّأ". قال أبو عُمر: كان أحمدُ بن حَنْبل يذهبُ إلى إيجابِ الوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكرِ، لحديثِ بُسرةَ، وحديثِ أُمِّ حبيبةَ. وكذلك كان يحيى بن معينٍ يقولُ، والحديثانِ جميعًا عندَهُما صحيحانِ، فهذانِ إماما أهلِ الحديثِ، يُصحِّحانِ الحديث في مَسِّ الذَّكرِ. ذكر أبو زُرعةَ الدِّمشقيُّ، قال (٢): كان أحمدُ بن حَنْبل يُعجِبُهُ حديث أُمِّ حبيبةَ في مسِّ الذَّكرِ، ويقولُ: هُو حسنُ (٣) الإسنادِ.

стр. 5817

حدَّثنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن زكريّا بن يحيى بن أعْيَن المَقدِسيُّ، قال: حدَّثنا مُضَرُ بن محمدٍ، قال: سألتُ يحيى بن مَعينٍ: أيُّ حديثٍ يصِحُّ في مسِّ الذَّكرِ؟ فقال يحيى: لولا حديثٌ جاء (١) عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، لقلتُ: لا يصِحُّ فيه شيءٌ، فإنَّ مالكًا يقولُ: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، قال: حدَّثنا عُروةُ، قال: حدَّثنا مروانُ، قال: حدَّثتني بُسرةُ. فهذا حديثٌ صحيحٌ. فقلتُ لهُ: فبُسرةُ من غيرِ هذا الطَّريقِ؟ فقال: مروانُ، عن حديثِ بُسرةَ. فقلتُ لهُ: فحديثُ جابرٍ؟ قال: نعم، حديثُ محمدِ بن ثوبان هُو غيرُ صحيح. قلتُ لهُ: فحديثُ أبي هريرةَ؟ فقال: رواهُ يزيدُ بن عبدِ الملكِ النَّوفليُّ، عن سعيدٍ المقبُريِّ. وقال: جعلَ بينهُما رجُلًا مجهُولًا. قلتُ: فإنَّ أبا عبدِ اللَّه أحمد بن حَنْبل، يقولُ: أصحُّ حديثٍ فيه، حديثُ الهيثم بن حُميدٍ، عنِ العلاءِ، عن مكحُولٍ، عن عَنْبسةَ، عن أُمِّ حبيبةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "من مسَّ فرجَهُ (٢) فليتَوضَّأ". فسكتَ (٣). قال أبو عُمر: أمّا حديثُ جابرٍ، فحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا دُحَيمٌ وأحمدُ بن صالح، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن نافع، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن عُقبةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن ثوبانَ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّه، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من مَسَّ ذكَرهُ فليتَوضَّأ" (٤). وهذا إسنادٌ صَحيحٌ، كلُّ مذكُورٍ فيه ثِقةٌ معرُوفٌ بالعِلم، إلّا عُقبةَ بن

стр. 5818

عبدِ الرَّحمنِ، فإنَّهُ ليسَ بمشهُورٍ بحملِ العِلم، يُقالُ: هُو عُقبةُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعمرٍ. ويُقالُ: عُقبةُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن جابرٍ. ويُقالُ: عُقبةُ بن أبي عَمرٍو (١). وذكرَ أبو عليِّ بن السَّكنِ في كِتابِهِ "الصَّحيحِ" قال: كان أحمدُ بن حَنْبل يذهبُ إلى حديثِ بُسْرةَ ويختارُهُ. قال ابنُ السَّكنِ: ولا أعلمُ في حديثِ أُمِّ حبيبةَ عِلّةً، إلّا أنَّهُ قيل: إنَّ مكحُولًا لم يسمعهُ من عَنْبسةَ. وذكر ابنُ السَّكنِ حديث بُسرةَ فصَحَّحهُ، ثُمَّ قال: يُقالُ: إنَّ حديث بُسْرةَ ناسِخٌ لحديثِ طَلْقِ بن عليٍّ (٢)؛ لأنَّ طَلْقَ بن عليٍّ، قدِمَ على النَّبيِّ ﷺ وهُو يَبْني المسجِد (٣)، ثُمَّ رجعَ إلى بلادِ قومِهِ. وحديثُ بُسرةَ ابنةِ صَفْوانَ، ومن تابَعها، مِمَّن روى مِثلَ رِوايتِها، تأخَّر إسلامُهُم، وإنَّما أسْلَمُوا قبلَ وَفاةِ النَّبيِّ ﷺ بيَسيرٍ، ثُمَّ قال: إن صحَّ عنِ النَّبيِّ ﷺ في مَسِّ الذَّكرِ شيءٌ، فحديثُ بُسْرةَ. قال أبو عُمر: قد صحَّ عندَ أهلِ العِلْم سماعُ مكحُولٍ من عَنْبسةَ بن أبي سُفيان، ذكر ذلك دُحَيمٌ، وغيرُهُ (٤). وأمّا الذين روَوْا عنِ النَّبيِّ ﷺ من الصَّحابةِ في مسِّ الذَّكرِ، مِثل رِوايةِ بُسرةَ، وأُمِّ حبيبةَ: فأبو هريرةَ (٥)، وعائشةُ، وجابرٌ، وزيدُ بن خالدٍ، ولكِنَّ الأسانيدَ عنهُم معلُولةٌ. ولكِنَّهُم يُعَدُّون فيمَنْ أوجَبَ الوُضُوءَ من مسِّ الذَّكرِ من الصَّحابةِ، مع:

стр. 5819

سعدِ بن أبي وقّاصٍ (١)، وعبدِ اللَّه بن عُمرَ (٢)، وسائرِ من أوجَبَ الوُضُوءَ من مسِّ الذَّكرِ منهُم. قال أبو عُمر: الشَّرطُ في مسِّ الذَّكرِ، أن لا يكونَ دُونهُ حائلٌ، ولا حِجابٌ، وأن يُمَسَّ بقصدٍ وإرادةٍ؛ لأنَّ العربَ لا تُسمِّي الفاعِلَ فاعِلًا، إلّا بقَصدٍ منهُ إلى الفِعلِ. وهذه الحَقِيقةُ في ذلك، والمعلُومُ في القَصدِ إلى المسِّ، أن يكونَ في الأغْلَبِ بباطِنِ الكَفِّ. وقد رُوي بمِثلِ هذا المعنى حديثٌ حسنٌ: أخبَرناهُ خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بن السَّكنِ ومحمدُ بن إبراهيمَ بن إسحاق بن مِهران السَّرّاجُ، قالا: حدَّثنا عليُّ بن أحمد بن سُليمانَ البزّارُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ الهمدانيُّ، قال: حدَّثنا أصبَغُ بن الفَرج، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم، قال: حدَّثني نافعُ بن أبي نُعَيم ويزيدُ بن عبدِ الملكِ بن المُغيرةِ، عن سَعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من أفْضَى بيدِهِ إلى فرْجِهِ، ليسَ دُونها حِجابٌ، فقد وجَبَ عليه الوُضُوءُ" (٣). قال ابنُ السَّكنِ: هذا الحديثُ من أجودِ ما رُوي في هذا البابِ، لرِوايةِ ابنِ القاسم لهُ، عن نافع، عن أبي نُعيم. وأمّا يزيدُ فضعيفٌ.

стр. 5820

قال أبو عُمر: كان هذا الحديثُ لا يُعرَفُ إلّا ليزيد بن عبدِ الملكِ النَّوفليِّ هذا، وهُو مُجتَمعٌ على ضعفِهِ، حتّى رواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم صاحِبُ مالكٍ، عن نافع بن أبي نُعَيم القارئ (١)، وهُو إسنادٌ صالحٌ صحيحٌ (٢)، إن شاءَ اللَّه. وقد أثْنَى ابنُ مَعينٍ على عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم في حديثِهِ ووثَّقهُ، وكان النَّسائيُّ يُثْني عليه أيضًا في نَقلِهِ عن مالكٍ لحديثهِ، ولا أعلمُهُم يختلِفُونَ في ثِقتِهِ، ولم يَروِ هذا الحديث عنهُ، عن نافع بن أبي نُعيم ويزيد بن عبدِ الملكِ، إلّا أصبَغُ بن الفَرج. وأمّا سُحنُونُ، فإنَّما رواهُ عنِ ابنِ القاسم، عن يزيد وحدَهُ، وذكر عنِ ابنِ القاسم: أنَّهُ استَقرَّ قولُهُ: أنَّهُ لا إعادةَ على من مسَّ ذكَرهُ وصلَّى، لا في وَقتٍ، ولا في غيرِهِ، واختارَ ذلك سحنُونُ أيضًا. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الحسنُ بن يحيى القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا أبو غسّان عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُف القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ الهمدانيُّ، قال: حدَّثنا أصبَغُ بن الفرج، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم، عن نافع بن أبي نُعيم ويزيد بن عبدِ الملكِ، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "من أفْضَى بيَدِهِ إلى فرْجِهِ، ليسَ دُونهُ حِجابٌ، ولا سِترٌ، فقد وجَبَ عليه الوُضُوءُ". وأمّا الحديثُ المُسندُ المُسقِطُ للوُضُوءِ من مسِّ الذَّكرِ: فحدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا (٣) محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤):

стр. 5821

حدَّثنا هنّادُ بن السَّريِّ، عن مُلازِم بن عَمرٍو. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ. قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا مُلازِمُ بن عَمرٍو أبو داود (٢) الحَنفيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن بَدْرٍ، عن قَيْسِ بن طَلْقٍ، عن أبيه طَلْقِ بن عليٍّ، قال: قَدِمنا على رسُولِ اللَّه ﷺ ، فجاءَهُ رجُل كأنَّهُ بَدَويٌّ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، ما تَرى في مسِّ الرَّجُلِ ذَكَرهُ بعدَما يتَوضَّأُ؟ فقال: "هل هُو إلّا بَضْعةٌ منكَ؟ " وقال أحمدُ بن شُعيبٍ في حديثِهِ: "وهل هُو إلّا مُضغةٌ منكَ، أو بَضْعةٌ منكَ؟ ". قال أبو داود (٣): ورواهُ هشامُ بن حسّان (٤)، والثَّوريُّ (٥)، وشُعبةُ (٦)، وابنُ عُيينةَ (٧)، وجَريرٌ الرّازيُّ، عن محمدِ بن جابرٍ، عن قَيْسِ بن طَلْقٍ، عن أبيه.

стр. 5822

قال أبو عُمر: رواهُ أيُّوبُ بن عُتبةَ (١)، قاضي اليَمامةِ أيضًا، عن قَيْسِ بن طَلْقٍ، عن أبيه (٢). وهُو حديثٌ يَماميٌّ لا يُوجَدُ إلّا عندَ أهلِ اليَمامةِ، إلّا أنَّ محمد بن جابرٍ وأيُّوب بن عُتْبةَ يُضعَّفانِ، ومُلازِمُ بن عَمرٍو ثِقةٌ، وعلى حديِثِهِ عوَّل أبو داود والنَّسَويُّ جميعًا، وكلُّ من خرَّجَ في الصَّحيح ذكرَ حديث بُسْرةَ في هذا البابِ، وحديث طَلْقِ بن عليٍّ، إلّا البُخاريَّ، فإنَّهُما عندَهُ مُتعارِضانِ مَعلُولانِ، وعندَ غيرهُما صَحِيحانِ، واللَّه المُستعانُ (٣). وقدِ استدلَّ جماعةٌ من العُلماءِ، على أنَّ الحديثَ في إيجابِ الوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكرِ، ناسِخٌ لحديثِ سُقُوطِ الوُضُوءِ منهُ، بأنَّ إيجابَ الوُضُوءِ منهُ، إنَّما هُو مَأخُوذٌ من جِهةِ الشَّرع، لا مدخَلَ فيه للعَقلِ، لاجتِماعِهِ مع سائرِ الأعضاءِ، فمُحالٌ أن يُقال: إنَّما هُو بضعةٌ منكَ، والشَّرعُ قد وردَ بإيجابِ الوُضُوءِ منهُ، وجائزٌ أن يجِب منهُ الوُضُوءُ بعد ذلك القَولِ شرعًا، فتَفهَّم. وأمّا أقاويلُ الفُقهاءِ من الصَّحابةِ والتّابِعينَ ومن بعدَهُم من الخالِفينَ في

стр. 5823

هذا البابِ، فرُوي عن جَماعةٍ من الصَّحابةِ إيجابُ الوُضُوءِ من مسِّ الذَّكرِ، منهُم: عُمرُ بن الخطّابِ، وعبدُ اللَّه بن عُمرَ. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا الفَضْلُ بن الحُبابِ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا نافعُ بن عُمرَ، عنِ ابنِ أبي مُلَيكةَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ صلَّى بالنّاسِ، فأهْوَى بيدِهِ فأصابَ فرجهُ، فأشارَ إليهم: أنِ امكُثُوا، فخرجَ فتوضَّأ، ثُمَّ رجعَ إليهم فأعادَ (١). وأمّا ابنُ عُمر فمِن حديثِ مالكٍ في "المُوطَّأ" (٢) عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. والزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه (٣). وأمّا سعدُ بن أبي وقّاصٍ، فمِن رِوايةِ مالكٍ (٤) أيضًا، عن إسماعيل بن محمدِ بن سعدٍ، عن مُصعبِ بن سعدٍ، عن سعدٍ. هذه رِوايةُ أهلِ المدينةِ عنهُ في إيجابِ الوُضُوءِ منهُ. ورَوَى عنهُ أهلُ الكُوفةِ إسقاط الوُضُوءِ منهُ (٥). ورُوي عن جماعةٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ الوُضُوءُ من مَسِّ الذَّكرِ، منهُم: جابرُ بن عبدِ اللَّه، وزيدُ بن خالدٍ، وأبو هريرةَ (٦).

стр. 5824

قال أبو بكرٍ الأثرمُ: سُئل أبو عبدِ اللَّه، عنِ الوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكرِ، فقال: نعَمْ، نرَى الوُضُوءَ من مسِّ الذَّكرِ. قيلَ لهُ: فمن لم يرهُ، أتُعنِّفُهُ (١)؟ قال: الوُضُوءُ أقوى. قيل لهُ: فمَنْ قال: لا وُضُوءَ. قال: الوُضُوءُ أكثرُ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، وعن أصحابِهِ، والتّابِعينَ. قال أبو عُمر: أمّا التّابِعُونَ الذين رُوي عنهُمُ الوُضُوءُ من مسِّ الذَّكرِ، من كِتابِ الأثرم، وكِتابِ ابنِ أبي شَيْبةَ، وعبدِ الرَّزّاقِ: فسعيدُ بن المُسيِّبِ، وعَطاءُ بن أبي رباح، وطاوُوسٌ، وعُروةُ، وسُليمانُ بن يَسارٍ، وأبانُ بن عُثمان، وابنُ شِهاب، ومُجاهِدٌ، ومَكْحُولٌ، والشَّعبيُّ، وجابرُ بن زيدٍ، والحسنُ، وعِكرِمةُ. وبذلك قال الأوزاعيُّ، والشّافِعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ وداودُ، والطَّبريُّ (٢). واضطربَ مالكٌ (٣) في إيجابِ الوُضُوءِ منهُ، واستقرَّ قولُهُ: أن لا إعادةَ على من صلَّى بعدَ أن مسَّهُ قاصِدًا، ولم يتوضَّأ، إلّا في الوقتِ، فإن خرجَ الوقتُ، فلا إعادةَ عليه. وعلى ذلك أكثرُ أصحابِهِ، وكذلك اختلف أصحابُهُ فيمن مسَّ ذكرهُ ساهيًا ببطنِ كفِّهِ، فرَوَى ابنُ القاسم عنهُ: من مسَّ فرْجهُ في غُسلِ الجنابةِ، أنَّهُ يُعيدُ وُضُوءَهُ. وكذلك في سماع أشهب، وابنِ نافع، عن مالكٍ، فيمن مسَّ ذكرهُ وهُو يتوضَّأُ قبل أن يغسِلَ رِجليهِ: أنَّهُ ينتقِضُ وُضوؤه (٤). ورَوَى ابنُ وَهْبٍ (٥) عنهُ: أنَّهُ لا يُعيدُ الوُضُوءَ، إلّا من تعمَّدَ مسَّهُ. قال

стр. 5825

ابنُ وَهْبٍ: قيلَ لمالكٍ: فإن مسَّهُ على غِلالةٍ خَفيفةٍ؟ قال: لا وُضُوءَ عليه، ومن لم يتَعمَّد مسَّهُ، فلا وُضُوءَ عليه. وذكرَ العُتْبيُّ، عن سُحنُون وابنِ القاسم ما قدَّمنا، من سُقُوطِ الوُضُوءِ منهُ. واختار ابنُ حبيبٍ (١) إعادةَ الوُضُوءِ في العَمْدِ وغيرِهِ، لمن لم يُصلِّ، فإن صلَّى أعادَ في الوقتِ على رِوايةِ ابنِ القاسم. ومالَ البَغداديُّون إلى رِوايةِ ابنِ وَهْب: أنَّ الوُضُوءَ منهُ استِحباب في العَمدِ دُونَ غيرِهِ. قال ابنُ وَهْبٍ: سُئلَ مالكٌ عنِ الوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكرِ، فقال: حَسنٌ، وليس بسُنّةٍ، وأحَبُّ إليَّ أن يتوضَّأ من سماع ابنِ وَهْبٍ. قال أبو عُمر: وأمّا سائرُ من ذكَرْنا من العُلماءِ بالحِجازِ، فإنَّهُم يرونَ منهُ الإعادةَ في الوَقتِ وبعدَهُ، وذهبَتْ إليه (٢) طائفةٌ من المالكيِّين، منهُم: أصبغُ بن الفرج، وعيسى بن دينارٍ، واحتجُّوا بأنَّ عبد اللَّه بن عُمرَ أعادَ الصَّلاةَ والوُضُوءَ منهُ للصُّبح بعدَ طُلُوع الشَّمسِ (٣). وهذه إعادةٌ بعد خُرُوج الوَقْتِ، وكان إسماعيلُ بن إسحاقَ وسائرُ البَغداديِّين من المالكيِّينَ، يجعلُونَ مسَّ الذَّكرِ من بابِ المُلامسةِ، فيقولُون: إنِ التذَّ الذي يَمسُّ ذكَرهُ، فالوُضُوءُ عليه واجِبٌ، وإن صلَّى دُونَ وُضُوءٍ، فالإعادةُ عليه في الوَقتِ وبعدَهُ، وإن لم يلتذَّ من مَسِّهِ، فلا شيءَ عليه، كالمُلامِسِ للنِّساءِ سَواءٌ في مذهبِهِم (٤). وأمّا الذينَ لم يروا في مسِّ الذَّكرِ وُضُوءًا: فعليُّ بن أبي طالِبٍ، وعمّارُ بن

стр. 5826

ياسِرٍ، وعبدُ اللَّه بن مسعُودٍ، وعبدُ اللَّه بن عبّاسٍ، وحُذَيفةُ بن اليمانِ، وعِمرانُ بن حُصَينٍ، وأبو الدَّرداءِ (١). واختُلِف فيه عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، فرُوي عنهُ: أنَّهُ لا وُضُوءَ على من مَسَّ ذكرهُ. هذه رِوايةُ أهلِ الكُوفةِ عنهُ. ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عنِ ابنِ عُيينةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن قَيْسِ بن أبي حازِم قال: سألَ رجُلٌ سعدَ بن أبي وقّاصٍ عن مَسِّ الذَّكرِ، أيتوضَّأُ منهُ؟ قال: إن كان منكَ شيءٌ نجِسٌ، فاقطعهُ. ورَوَى أهلُ المدينةِ (٣) عنهُ: أنَّهُ كان يتوضَّأُ منهُ (٤). وكذلك اختُلِف فيه عن أبي هريرةَ وسعيدِ بن المُسيِّبِ، فرُوِيَ عنهُما القولانِ جميعًا (٥). وقال ربيعةُ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ وسُفيانُ الثَّوريُّ وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: لا وُضُوءَ في مسِّ الذَّكرِ (٦). ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٧)، عنِ الثَّوريِّ، قال: دعاني وابنَ جُريج، بعضُ أُمرائهِم،

стр. 5827

فسألَنا عن مسِّ الذَّكرِ، فقال ابنُ جُرَيج: يتوضَّأُ. وقلتُ: لا وُضُوءَ عليه. فلمّا اختلفنا، قلتُ لابنِ جُريج: أرأيتَ لو أنَّ رجُلًا وضعَ يدَه في مَنيٍّ، قال: يَغْسِلُ يَدَهُ. قلتُ: فأيُّها أنجسُ المنيُّ، أم الذَّكرُ؟ قال: المنيُّ. قلتُ: فكيفَ هذا؟ قال: ما ألقاها على لسانِكَ إلّا شَيْطانٌ. قال أبو عُمر: إنَّما جازَتِ المُناظرةُ والقياسُ عندَهُما في هذه المسألةِ، لاختِلافِ الآثارِ فيها عنِ النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّهُ لم يأتِ عنهُ فيها عندَهُما شيءٌ يجِبُ التَّسليمُ لهُ من وجهٍ لا تعارُض فيه، واختلَفَ فيه الصَّحابةُ أيضًا، فمِن هاهُنا تناظرا فيها. والأسانيدُ عنِ الصَّحابةِ في إسقاطِ الوُضُوءِ منهُ، أسانيدُ صِحاحٌ، من نَقلِ الثِّقاتِ. قال أبو عُمر: تحصيلُ مَذهبِ مالكٍ (١) في ذلك: أنْ لا وُضُوءَ فيه؛ لأنَّ الوُضُوءَ عندَهُ منهُ استِحباب، لا إيجاب. بدليلِ أنَّهُ لا يَرى الإعادةَ على من صلَّى بعدَ أن مَسَّ ذكرهُ إلّا في الوقتِ. وفي (٢) سماع أشهب وابنِ نافع، عن مالكٍ: أنَّهُ سُئلَ عنِ الذي يَمسُّ ذكرهُ ويُصلِّي: أيُعيدُ الصَّلاةَ؟ فقال: لا أُوجِبُهُ أنا. فرُوجِعَ، فقال: يُعيدُ ما كان في الوَقتِ، وإلّا فلا (٣). وقال الأوزاعيُّ: إن مَسَّ ذكرهُ بساعِدِهِ، فعليه الوُضُوءُ. وهُو قولُ عَطاءٍ. وبه قال أحمدُ بن حَنْبل (٤).
следующие страницы →