← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 608–647 · переход к 613.

стр. 608

قال (١): فلمَّا قُبضَ رسولُ اللَّه ﷺ تناهَتِ الفرائضُ؛ فلا يُزادُ فيها ولا يُنقَصُ منها أبدًا. قال: فهذا فرقُ ما بينَنا وبينَه إذا كان أحدُنا إمامًا اليوم. قال أبو عُمر: فالذي حصل عليه قولُ مالكٍ وأصحابِه، والشافعيِّ وأصحابِه، في هذه المسألةِ، ممَّا لا يَختلفون فيه، أنَّ الكلامَ والسلامَ ساهيًا في الصلاةِ لا يُفسِدُها، ولا يَقدَحُ في شيءٍ منها، وتُجْزِئُ منه سجدتَا السهوِ، وليستا هاهُنا بواجبةٍ فرضًا، عندَ واحدٍ منهم، ومَن نسِيَهما ولم يسجُدْهما لم يضُرَّه، ويسجُدُهما عندَ مالكٍ وأصحابِه متى ما ذكَر، وإنما الخلافُ بينَ مالكٍ والشافعيِّ أنَّ مالكًا يقولُ: لا يُفسِدُ الصلاةَ تَعَمُّدُ الكلام فيها إذا كان في إصلاحِها وشأنِها. وهو قولُ ربيعةَ، وابنِ القاسم، إلَّا ما رُويَ عنه في المنفرد. وقال الشافعيُّ وأصحابُه ومن تابعَهم من أصحابِ مالكٍ وغيرِهم: إنَّه إن تعمَّدَ الكلامَ، وهو يَعلمُ أنَّه لم يُتمَّ الصلاةَ وأنَّه فيها، أفسَد صلاتَه، وإنْ تكلَّم ساهيًا، أو تكلَّم وهو يَظنُّ أنَّه ليس في صلاةٍ -لأنَّه قد أكمَلها عندَ نفسِه- فهذا يَبني، ولا يُفسِدُ عليه كلامُه هذا صلاتَه. وأجمَع المسلمون طُرًّا أنَّ الكلامَ عامدًا في الصلاةِ -إذا كان المصلِّي يعلمُ أنَّه في صلاةٍ، ولم يكنْ ذلك في إصلاح صلاتِه- يُفسِدُ الصلاةَ (٢)، إلَّا ما رُويَ عن الأوزاعيِّ أنَّه مَن تكلَّم لإحياءِ نَفْسٍ، أو مثلِ ذلك من الأمورِ الجِسام، لم تَفسُدْ بذلك صلاتُه، وهو قولٌ ضعيفٌ في النَّظَرِ؛ لقولِ اللَّه : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قال زيدُ بنُ أرقمَ: كُنَّا نتكلمُ في الصلاةِ حتى نزلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.

стр. 609

فأُمِرْنا بالسكُوتِ ونُهِينَا عنِ الكلام (١). وقال ابنُ مسعود: سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إنَّ اللَّهَ قدْ أحدَث من أمرِه ألَّا تَكَلَّمُوا في الصلاةِ" (٢). وقال مُعاويةُ بنُ الحكم: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إنَّ صلاتَنَا هذه لا يَصلُحُ فيها شيءٌ منْ كلام الناسِ" (٣). وليس الحادثُ الجسيمُ الذي يَجِبُ له قطعُ الصلاةِ، ومن أجلِه يُمنَعُ منَ الاستئنافِ، فمن قطَع صلاتَه لِمَا يرَاه من الفضلِ في إحياءِ نَفْسٍ، أو ما كان بسبيلِ ذلك، استأنَفَ صلاتَه ولم يَبْنِ. هذا هو الصحيحُ إن شاء اللَّهُ. وأجمَعوا على (٤) أنَّ السلامَ فيها عامدًا قبلَ تمامِها يُفسِدُها. قال أبو عُمر: وأما العراقيون؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثورِيُّ، فذهَبوا إلى أنَّ الكلامَ في الصلاةِ يُفسِدُها، على أيِّ حالٍ كان؛ سهوًا أو عمدًا، لصلاح الصلاةِ كان أو لغيرِ ذلك (٥). واختلَف أصحابُ أبي حنيفةَ في السلام فيها ساهيًا قبلَ تمامِها؛ فبعضهم أفسَد صلاةَ المسَلِّم ساهيًا، وجعَله كالمتكلم ساهيًا، وبعضُهم لم يُفسِدْها بالسلام فيها ساهيًا، وكلُّهم يُفسِدُها بالكلام ساهيًا وعامدًا، وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وعطاءٍ، والحسنِ، وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ، وقتادةَ (٦).

стр. 610

وزعَم أصحابُ أبي حنيفةَ أنَّ حديثَ أبي هريرةَ هذا في قصةِ ذي اليدَيْنِ منسوخٌ بحديثِ ابنِ مسعودٍ وحديثِ زيدِ بنِ أرقمَ اللذين ذكرْنا. قالوا: وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ بيانُ أنَّ الكلامَ كان مُباحًا في الصلاةِ ثم نُسِخَ. قالوا: فحديثُ ابنِ مسعودٍ ناسخٌ لحديثِ أبي هريرةَ في قصةِ ذي اليدينِ. قالوا: وإن كان أبو هريرةَ مُتأخرَ الإسلام فإنَّه أرسَل حديثَ ذي اليدَيْنِ كما أرسَل حديثَ: "منْ أدركَهُ الفجرُ جُنبًا فلا صومَ له" (١)، ثم أضافَه إلى مَن حدَّثَه به إذ سُئلَ عنه. قالوا: وكان كثيرَ الإرسالِ، وجائزٌ للصاحبِ إذا أخبرَه الصحابةُ بشيءٍ أن يُحدِّثَ به عن رسولِ اللَّه ﷺ إذا لم يقلْ: سمِعتُ. ألا ترَى أنَّ ابنَ عباسٍ حدَّث عن رسولِ اللَّه ﷺ بما لا يَكادُ يُحصَى كثرةً من الحديثِ، ومعلومٌ أنَّه لم يَسمعْ منه إلا أحاديثَ يسيرةً؟ وقالوا: ألا ترَى إلى أنسِ بنِ مالكٍ، يقولُ: ما كُلُّ ما نُحدِّثُكُم سمِعناه من رسولِ اللَّه ﷺ ، ولكنْ منه ما سمِعْنا ومنه ما أخبَرَنا أصحابُنا (٢). وكلُّ حديثِ الصحابةِ مقبولٌ عندَ جماعةِ العلماءِ على كُلِّ حالٍ.

стр. 611

قالوا: فغيرُ نكير أن يُحدِّثَ أبو هريرةَ بقصةِ ذي اليدين وإنْ لم يشهَدْها. قالوا: وممَّا يدلُّ على أنَّ حديثَ أبي هريرةَ منسوخ أنَّ ذا اليدين قُتلَ يومَ بدرٍ لا خلافَ بينَ أهلِ السيرِ في ذلك. قالوا: فيومُ ذي اليَدَيْنِ، كان قبلَ يوم بدرٍ. واحتَجُّوا بما روَاه ابنُ وَهْبٍ، عن العُمَريِّ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ إسلامَ أبي هريرةَ كان بعدَ موتِ ذي اليَدَين (١). قالوا: وهذا الزُّهرِيُّ مع علمِه بالأثرِ والسِّيرِ، وهو الذي لا نظيرَ له في ذلك، يقولُ: إنَّ قصةَ ذي اليَدَينِ كانت قبلَ بدرٍ. حكَاه معمرٌ وغيرُه عن الزُّهريِّ، قال الزُّهريُّ: ثم استحكمَتِ الأمورُ بعدُ (٢). وهو قولُ (٣) أبي معشرٍ؛ أنّ ذا اليَدَيْنِ قُتِل يومَ بدرٍ. وهو قولُ ابنِ عمر وجماعةِ أهلِ السِّيرِ قالوا: وحديثَ ابنِ مسعودٍ (٤) كان بمكّةَ في حين مُنصَرَفِه من أرضِ الحبشةِ، وذلك قبلَ الهجرةِ، وحديثَ أبي هُريرةَ كان بالمدينةِ في قصةِ ذي اليدَينِ، هذا ما لا يدفعُه حاملُ أثرٍ ولا ناقلُ خبرٍ، وابنُ مسعودٍ شهدَ بعدَ قُدومِه من أرضِ الحبشةِ بدرًا، وأبو هريرةَ إنما كان إسلامُه عامَ خيبر (٥). قال أبو عُمر: هو كما قالوا إلَّا أنَّ مَن ذكَر في حديثِ ابن مسعودٍ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال في حين رُجوعِه من أرضِ الحبشةِ: "إنَّ اللَّهَ أحدَث ألَّا تَكَلَّمُوا

стр. 612

في الصلاةِ". فقد وهِمَ ولم يَحفَظْ، ولم يَقُلْ ذلك غيرُ عاصم بنِ أبي النَّجودِ، وهو عندَهم سيِّئُ الحفظِ، كثيرُ الخطأ في الأحاديثِ، والصحيحُ في حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّه لم يكنْ إلَّا بالمدينةِ، وبالمدينةِ نُهيَ عن الكلام في الصلاةِ، بدليلِ حديثِ زيدِ بنِ أرقمَ الأنصاريِّ؛ أنَّهم كانوا يَتَكَلَّمونَ في الصلاةِ حتى نزَلتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فأُمِرُوا بالسكُوتِ في الصلاةِ، ونُهُوا عنِ الكلام فيها. وقد رُويَ حديثُ ابنِ مسعودٍ بما يُوافقُ هذا ولا يدفعُه، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ سورةَ "البقرةِ" مدنيّةٌ، وتحريمُ الكلام في الصلاةِ كان بالمدينة. وأمَّا روايةُ عاصم في حديثِ ابنِ مسعودٍ، فأخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ أبي النَّجودِ، عن أبي وائل، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ، قال: كنا نُسلِّمُ على النبيِّ ﷺ في الصلاةِ، قبلَ أن نأتيَ أرضَ

стр. 613

الحبشةِ فيَرُدُّ علينا، فلمَّا رجَعْنا سلَّمْتُ عليه وهو يُصلِّي، فلم يَرُدَّ عليَّ، فأخَذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، فجلسْتُ حتى قضَى النبيُّ ﷺ الصلاةَ فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، سَلَّمْتُ عليكَ وأنتَ تُصلِّي فلمْ تَرُدَّ عليَّ؟ فقال: "إنَّ اللَّهَ يُحدِثُ من أمرِهِ ما يشاءُ، وإنَّ مِمَّا أحدَثَ ألَّا تَكَلَّموا في الصلاةِ". قال سُفيانُ: هذا أجودُ ما وجَدْنا عندَ عاصم في هذا الوجْهِ. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمانَ الأعْنَاقيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبدِ اللَّه، قال: كنا نُسَلِّمُ على النبيِّ ﷺ قبلَ أن نأتيَ أرضَ الحبشةِ. فذكَر مثلَه سواء. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مرزوقٍ، قال: أخبَرنا شُعبةُ، عن عاصم، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: أتيْتُ النبيَّ ﷺ وهو يُصلِّي فسلمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فلمَّا قضَى صلاتَه، قال: "إنَّ اللَّهَ يُحدِثُ لنبيِّهِ ما شاءَ، وإنَّ ممَّا أحدَثَ له ألَّا تَكَلَّمُوا في الصلاةِ" (١). فلم يَقُلْ شُعبةُ في هذا الحديثِ عن عاصم: إنَّ ذلك كان في حينِ انصرافِ

стр. 614

ابنِ مسعودٍ من أرضِ الحبشةِ (١). وقد رُويَ حديثُ ابنِ مسعودٍ من غيرِ طريقِ عاصم، وليسَ فيه المعنَى الذي ذكَره ابنُ عُيينةَ (٢) وغيرُه عن عاصم، بل فيه ما يدل على أنَّ معناه ومعنَى حديثِ زيدِ بنِ أرقمَ سواء.

стр. 615

أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ الجهنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ الكنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ النَّسائيُّ، قال (١): أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عمَّارٍ الموصِليُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي غَنِيَّةَ والقاسمُ -يعني ابنَ يزيدَ الجَرْمِيَّ- عن سفيانَ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ، عن كُلثوم، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ -وهذا حديثُ القاسم- قال: كنتُ آتي النبيَّ ﷺ وهو يُصلِّي، فأُسَلِّمُ عليه، فيَرُدُّ عليَّ، فأتيتُه، فسلمْتُ عليه وهو يُصلِّي فلم يَرُدَّ عليَّ شيئًا، فلمَّا سلَّم أشارَ إلى القوم، فقال: "إنَّ اللَّهَ أحدَثَ في الصلاةِ ألَّا تكَلَّمُوا إلَّا بذكْرِ اللَّه وما ينبغي لكمْ، وأنْ تَقوموا للَّه قانتين". وأما حديثُ زَيْد بنِ أرقمَ فليسَ فيه بيان أنّه قبل حديث أبي هريرة ولا بَعْدَهُ، والنظرُ يشهدُ أنّه قبله إن شاء اللَّه على ما نبينُه في هذا الباب. والحديثُ حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ سعيدٍ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٤)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا محمدُ بنُ عيسَى، قال: حدَّثنا هُشيمٌ،

стр. 616

قالا جميعًا: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ. قال أحمدُ بنُ شُعيبٍ في حديثِه: حدَّثني الحارثُ بنُ شُبَيْلٍ. وقال أبو داودَ في حديثِه: عن الحارثِ بنِ شُبيلٍ، عن أبي عمرٍو الشيبانيِّ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: كان أحدُنا يُكلِّمُ الرجلَ إلى جنبِه في الصلاةِ فنزَلتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأُمِرْنَا بالسكُوتِ ونُهِينَا عنِ الكلام. اللَّفظُ لحديثِ أبي داودَ. ففي هذا الحديثِ، وحديثِ ابنِ مسعودٍ، دليلٌ على أنَّ المنعَ من الكلام كان بعدَ إباحتِه في الصلاةِ، وأنَّ الكلامَ فيها منسوخٌ بالنهي عنه والمنع منه. وأمَّا قولُهم: إنَّ أبا هريرةَ لم يَشهدْ ذلك لأنَّه كان قبلَ بدرٍ، وإسلامُ أبي هريرةَ كان عامَ خيبرَ. فليسَ كما ذكَروا؛ بلَى إنَّ أبا هريرةَ أسلَمَ عامَ خيبرَ، وقدِم المدينةَ في ذلك العام، وصحِب النبيَّ ﷺ نحوَ أربعةِ أعوام، ولكنَّه قد شهِد هذه القصةَ وحضَرها، لأنَّها لم تكنْ قبلَ بدرٍ، وحضورُ أبي هريرةَ يومَ ذي اليدَينِ محفوظٌ من روايةِ الحفاظِ الثقَاتِ، وليسَ تقصيرُ مَن قصَّرَ عن ذلك بحُجةٍ على من عَلِمَ ذلك وحفِظَه وذكَره، فهذا مالكُ بنُ أنسٍ قد ذكَر في "موطَّئِه" (١) عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن أبي سُفيانَ، مولى ابنِ أبي أحمدَ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: صلَّى لنا رسولُ اللَّه ﷺ العصرَ فسلَّم في رَكْعتينِ، وذكَر الحديثَ. هكذا حدَّثَ به ابنُ القاسم (٢)، وابنُ وَهْبٍ (٣)، وابنُ بُكيرٍ (٤)، والقَعْنبِيُّ (٥)،

стр. 617

والشافعِيُّ (١)، وقتيبةُ بنُ سعيدٍ (٢)، عن مالكٍ، عن داودَ بالإسنادِ المذكورِ، ولم يقلْ يحيَى: "صلَّى لنا" في حديثِ مالكٍ عن داودَ هذا، وإنما قال: صلَّى رسولُ اللَّه ﷺ . وسقَط أيضًا عن بعضِهم قولُه: "لنا". وشهودُ أبي هريرةَ لذلك، وقولُه: صلَّى لنا رسولُ اللَّه ﷺ . و: صلَّى بنا رسولُ اللَّه. و: بَيْنا نحنُ مع رسولِ اللَّه ﷺ . كُلُّ ذلك في قصةِ ذي اليدين، محفوظٌ عندَ أهلِ الإتقان. أخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابقٍ، قال: حدَّثنا شيبانُ، عن يحيَى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: بينَما أنا مع رسولِ اللَّه ﷺ في صلاةِ الظهرِ، فسلَّم رسولُ اللَّه من الرَّكْعتينِ، فقامَ رجلٌ من بني سُليم، فقال: يا رسولَ اللَّه، أقَصُرَتِ الصلاةُ أمْ نسِيتَ؟ فقال رسولُ اللَّه: "لم تَقصُرْ ولم أنْسَه". قال: يا رسولَ اللَّه، إنما صلَّيْتَ رَكْعتينِ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أكما يقولُ ذو اليدين؟ " قالوا: نعم. فصلَّى بهم رَكْعتين أُخريين. قال يحيَى: وحدَّثني ضَمْضَمُ، أنَّه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: ثم سجَد رسولُ اللَّه ﷺ سجدتين (٣). وذكره أحمدُ بنُ شُعيبٍ (٤)، عن إبراهيمَ بنِ يعقوبَ، عنِ الحسنِ بنِ موسَى، عن شيبانَ، بإسنادِه مثلَه سواءً. وحدثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّه (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا

стр. 618

الفضلُ بنُ الحُبابِ القاضِي بالبصرةِ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسِيُّ، قال: حدَّثني عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: حدَّثني ضَمْضمُ بنُ جَوْسٍ الهِفَّانيُّ، قال: قال أبو هريرةَ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه ﷺ إحدَى صلاتي العَشِيِّ، وذكَر الحديثَ (١). حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيم (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ (٣)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عن أيوبَ بنِ موسى، قال: قال مَن سمِع أبا هريرةَ يقولُ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه ﷺ إحدَى صلاتي العَشِيِّ، وذكَر الحديثَ (٤). وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٥): أخبَرنا حُميدُ بنُ مَسْعَد، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا ابنُ عونٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: قال أبو هريرةَ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه ﷺ إحدَى صلاتي العَشِيِّ، قال: قال أبو هريرةَ: ولكنِّي نسِيتُ. قال: فصلَّى بنا رَكْعتين ثم سلَّم، فانطلَق إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجدِ، فقال بيدِه عليها كأنَّه

стр. 619

غضبانُ، وخرجَتِ السَّرَعَانُ (١) من أبوابِ المسجدِ، فقالوا: قَصُرتِ الصلاةُ. وفي القوم أبو بكرٍ وعمرُ، فهابَا أن يُكلِّمَاه، وفي القوم رجلٌ في يده طُولٌ، وكان يُسمَّى ذا اليدين، فقال: يا رسولَ اللَّه أنسِيتَ أم قَصُرَتِ الصلاةُ؟ قال: "لمْ أنسَ ولمْ تُقْصَر الصلاةُ". قال: "أكمَا يقولُ ذو اليدين؟ " قالوا: نعم! فجاءَ فصلَّى الذي كان ترَك، ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجَد مثلَ سُجودِه، أو أطولَ، ثم رفَع رأسَه وكبَّر، ثم كبَّر فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع رأسَه فكبَّر. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٢)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ السَّختيانيّ، عن محمد بنِ سيرينَ، عن أبي هريرة، قال: صلّى بنا رسُولُ اللَّه ﷺ إحدى صلاتي العَشِي؛ الظُّهرِ أو العَصْرِ. قال: فصلَّى بنا رَكْعتَينِ، ثمّ سلّمَ، ثم قامَ إلى خشبةٍ في مُقَدَّم المسجدِ، فوضَع يديْهِ عليها، إحداهمَا على الأخرى، وخرَج سَرَعَانُ الناسِ، وقالوا: أُقْصِرَت الصلاةُ، أُقْصِرَت الصلاةُ، وفي الناسِ أبو بكرٍ وعمرُ، فهابَا أن يُكلِّمَاه، فقامَ رجلٌ، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يُسميه ذا اليدينِ، فقال: يا رسولَ اللَّه، أنسِيتَ أم قَصُرَتِ الصلاةُ؛ فقال: "لمْ أنسَ ولم تَقْصُرِ الصلاةُ". قال: بل نسِيتَ يا رسولَ اللَّه. فأقبَل رسولُ اللَّه ﷺ على القوم، فقال: "أصدَق ذو اليدين؟ " فأومَئوا أن نعم. فرجَع رسولُ اللَّه إلى مَقامِه، فصلَّى الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم، ثم كبَّر

стр. 620

فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع وكبَّر، وسجَد مثلَ سجودِه أو أطولَ، ثم رفَع وكبَّر. قال: فقيل لمحمدٍ: سلَّم في السهوِ؟ قال: لم أحفظْ من أبي هريرةَ، ولكنْ نُبِّئْتُ أنَّ عِمرانَ بنَ حُصينٍ، قال: ثم سلَّم. قال أبو داودَ (١): كلُّ مَن روَى هذا الحديثَ، لم يَقُلْ: فأومَئوا، إلَّا حمَّادَ بنَ زيد. قال أبو عُمر: وهكذا رواه هشامُ بنُ حسانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: صلَّى بنا رسولُ اللَّه ﷺ إحدَى صلاتي العَشِيِّ. ثم ذكَر مثلَ حديثِ حمّادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ سواءً، ولم يَقُلْ: فأومَئوا؛ أخبرنِيه عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ (٢)، قال: أخبَرنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ بكرٍ السَّهْمِيُّ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، فذكره (٣). قال أبو عُمر: فحصَل محمدُ بنُ سيرينَ، وأبو سفيانَ مولَى ابنِ أبي أحمدَ، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، وضَمْضَمُ بنُ جَوْسٍ، كلُّهم يروي عن أبي هريرةَ في هذا الحديثِ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه. وكذلكَ روَاه العلاءُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، وابنُ أبي ذئبٍ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ (٤).

стр. 621

وقد رُويَ هذا الحديثُ أيضًا عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن رجلٍ من الصحابةِ يقالُ له: أبو العُريانِ بمثلِ حديثِ أبي هريرةَ ومعناه؛ ذكَره أبو جعفرٍ العُقيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدِ بنِ أسباطٍ، قال: أخبَرنا أبو نعيم، قال: أخبَرنا أبو خَلْدَة (١)، قال: سألْتُ محمدَ بنَ سيرينَ فقلتُ: أُصلِّي وما أدري أركعتينِ صليْتُ أم أربعًا؟ فقال: حدَّثني أبو العُريانِ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ صلَّى يومًا ودخلَ البيْتَ، وكان في البيْتِ رجلٌ طويلُ اليدين، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يُسميه ذا اليدَيْنِ، فقال ذو اليَدَيْنِ: يا رسولَ اللَّه، أقَصُرَتِ الصلاةُ أم نسِيتَ؟ قال: "لم تَقْصُرْ ولم أنسَ". قال: بل نسِيتَ الصلاةَ. قال: فتقدَّمَ فصلَّى بهم رَكْعتينِ، ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم كبَّر ورفَع رأسَه، ثم كبَّر وسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم كبَّر ورفَع رأسَه. ولم يَحْفَظْ لي أحدٌ سلَّم بعدُ أم لا (٢). وقد قيلَ: إنَّ أبا العُرْيانِ المذكورَ في هذا الحديثِ هو أبو هريرة (٣). وقد روَى قصةَ ذي اليدين عبدُ اللَّه بنُ عمرَ، ومعاويةُ بنُ حُديج، وعِمرانُ بنُ حُصينٍ، وابنُ مَسْعَدَةَ، رجل من الصحابةِ، وكلُّهم لم يَحْفَظْ عنِ النبيِّ ﵇، ولا صَحِبَه إلَّا بالمدينةِ مُتأخرًا.

стр. 622

فأما حديثُ ابنِ عمرَ فذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه، عن نافع، عنِ ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، صلَّى بالناسِ ركعتينِ، فسَهَا، فسلَّم، فقال له رجلٌ يُقالُ له: ذو اليدين، وذكَر الحديثَ. وأمَّا حديثُ مُعاويةَ بنِ حُديج، فروَاه الليثُ بنُ سعدٍ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، أنَّ سُويدَ بنَ قيسٍ أخبَره عن مُعاويةَ بنِ حُديج، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى يومًا، فسلَّم وانصرَف، وقد بَقِيَ عليه من الصلاةِ رَكْعةٌ، فأدرَكه رجل، فقال: نسِيتَ من الصلاةِ رَكْعةً. فرجَع، فدخَل المسجدَ، وأمَر بلالًا، فأقامَ الصلاةَ، فصلَّى بالناسِ رَكْعةً، فأخبرتُ بذلك الناسَ، فقالوا: أتعرِفُ الرجُلَ؟ قلتُ: لا، إلَّا أن أرَاه، فمرَّ بي، فقلْتُ: ها هو هذا. فقالوا: طلحةُ بنُ عُبيدِ اللَّه (٢). وأمَّا حديثُ عِمرانَ بنِ حُصينٍ، فروَاه شُعبةُ (٣)، وعبدُ الوهابِ الثقفِيُّ (٤)، وابنُ عُلَيّةَ، ويزيدُ بنُ زُريع، وحمادُ بنُ زيدٍ، كلُّهم عن خالدٍ الحذَّاءٍ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المهلبِ، عن عِمْرانَ بنِ حُصينٍ.

стр. 623

أخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، عن أبي المهلبِ (٢)، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا خالدٌ الحذَّاءُ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، عن أبي المهلبِ، عن عمرانَ بنِ حُصينٍ -واللَّفظُ لحديثِ مُسددٍ- قال: سلم رسول اللَّه ﷺ في ثلاثِ رَكْعاتٍ من العصرِ، ثم دخَل، فقامَ إليه رجل يُقالُ له: الخِرْباقُ، وكان طويلَ اليدينِ، فقال: الصلاةَ يا رسولَ اللَّه -وفي حديثِ ابنِ عُلمةَ: فذكَر له الذي صنَع- فخرَج مُغضَبًا يَجُرُّ إزارَه، فقال: "أصدَقَ هذا؟ " قالوا: نعم. فصلَّى تلكَ الرَّكْعةَ ثم سلَّم، ثم سجَد سجدتينِ، ثم سلَّم. وأمَّا حديثُ ابنِ مَسْعَد، فروَاه عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جُريج، عن عُثمانَ بنِ أبي سُليمانَ، عن ابنِ مسعدةَ صاحبِ الجيوشِ، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى الظهرَ أو العصرَ فسلَّم في رَكْعتينِ، فقال له ذو اليدينِ: أخُفِّفَتِ الصلاةُ يا رسولَ اللَّه أمْ نسِيتَ؟ فقال النبيُّ ﵇: "ما يقولُ ذو اليدين؟ " قالوا: صدَق يا رسولَ اللَّه.

стр. 624

فأتمَّ بهم الرَّكْعتين، ثم سجَد سجدَتَي السَّهوِ وهو جالسٌ بعدَما سلَّم (١). وابنُ مَسْعَدَةَ هذا اسمُه عبدُ اللَّه، معروفٌ في الصحابةِ؛ قد روَى عنِ النبيِّ ﵇ أنَّه سمِعه يقولُ: "إتِّي قدْ بدَّنْتُ (٢)، فمَن فاته رُكوعِي أدرَكه في بُطءِ قيامي" (٣). وروَى عنه حديثَ ذي اليدين، وهو معدودٌ في المكِّيِّين (٤).

стр. 625

وحسبُكَ في هذا الحديثِ بحديثِ أبي هريرةَ، ثم حديثِ ابنِ عمرَ، وحديثِ عمرانَ بنِ حُصينٍ وغيرِهم، وهو من الأحاديثِ التي لا مَطْعَنَ فيها لأحدٍ وإنما اختلَفوا في تأويلِ شيءٍ منه. وأمَّا قولُهم: إنَّ ذا اليدين قُتلَ يومَ بدرٍ. فغيرُ صحيح، وإنما المقتولُ يومَ بدرٍ ذُو الشمالين، ولسْنا نُدافِعُهم أنَّ ذا الشمالين مقتولٌ ببدرٍ؛ لأنَّ ابنَ إسحاقَ (١) وغيرَه من أهلِ السِّيرِ ذكَرُوه فيمَنْ قُتِل يومَ بدرٍ. وقال حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: قُتِل يومَ بدرٍ خمسةُ رجالٍ من قريشٍ من المهاجرين؛ عُبيدةُ بنُ الحارثِ، وعامرُ بنُ أبي وقّاصٍ، وذُو الشمالين، وابنُ بَيْضَاءَ، ومِهْجَعٌ مولَى عمرَ بنِ الخطابِ (٢). قال أبو عُمر: إنما قال سعيدُ بنُ المُسيِّب: إنَّهم من قريشٍ؛ لأنَّ الحليفَ والمولَى يُعَدُّ من القوم، فمِهجَعٌ مولَى عمرَ، وذُو الشمالين حليفُ بني زُهْرَةَ؛ قال ابنُ إسحاقَ (٣): ذُو الشمالين هو عُميرُ بنُ عمرِو بنِ غُبْشَانَ بنِ سُليم بنِ مالكِ (٤) بنِ أفصىَ بنِ حارثةَ بنِ عمرِو بنِ عامرٍ، من خُزاعةَ، حليفٌ لبني زُهْرَةَ. قال أبو عُمر: فذُو اليدَيْنِ غيرُ ذي الشِّمالين المقتولِ ببدرٍ، بدليلِ ما في حديثِ أبي هريرةَ، ومن ذكَرْنا معه؛ من حُضورِهم تلك الصلاةَ، وأنَّ المتكلمَ بذلك الكلام إلى النبيِّ ﷺ رجلٌ من بني سُليم، كذلك قال يحيَى بنُ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، وقد تقدَّمَ ذكرُنا لذلك.

стр. 626

وقال عِمْرانُ بنُ حُصينٍ: رجلٌ طويلُ اليدين يُقالُ له: الخِرْبَاقُ. وممكنٌ أن يكونَ رجُلانِ أو ثلاثةٌ يُقالُ لكلِّ واحدٍ منهم: ذو اليَدَيْن، وذو الشِّمالينِ. ولكنَّ المقتولَ يومَ بدرٍ غيرُ الذي تكلَّم في حديثِ أبي هريرةَ إلى النبيِّ ﷺ حينَ سَها فسلَّم من اثنتين، وهذا قولُ أهلِ الحِذْقِ والفهم من أهلِ الحديثِ والفقْهِ. أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمّدٍ (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سمِعتُ مُسدَّدًا (٢) يقولُ: الذي قُتِلَ يومَ بدرٍ إنما هو ذُو الشِّمالين بنُ عبدِ عمرٍ وحليفٌ لبني زُهرةَ، وهذا ذو اليَدَيْنِ رجلٌ من العربِ كان يكونُ بالباديةِ، فيَجيءُ فيُصلِّي مع النبيِّ ﷺ . وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: حدَّثني سُليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثني حمادُ بنُ زيدٍ، قال: ذُكِرَ لأيوبَ البناءُ بعدَ الكلام، فقال: أليسَ قد تكلَّم النبيُّ ﵇ يومَ ذي اليَدَيْنِ؟ قال أبو عُمر: فإن قال قائلٌ: إنَّ حديثَ ذي اليَدَيْنِ مُضطربٌ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ وأبا هريرةَ يقولانِ: سلَّم من اثنَتينِ. وعمرانَ بنَ حُصينٍ يقولُ: من ثلاثِ ركعاتٍ. ومعاويةَ بنَ حُديج يقولُ: إنَّ المتكَلِّمَ طلحةُ بنُ عُبيدِ اللَّه؟ قيلَ له: ليس اختلافُهم في موضع السلام من الصلاةِ عندَ أحدٍ من أهلِ العلم بخلافٍ يَقدَحُ في حديثهم؛ لأنَّ المعنَى المرادَ من الحديثِ هو البناءُ بعدَ الكلام، ولا فرقَ عندَ أهلِ العلم بينَ المسلِّمِ من ثلاثٍ أو من اثنتينِ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لم يُكمِلْ صلاتَه. وأمَّا ما ذُكِرَ في حديثِ مُعاويةَ بنِ حُدَيْج من ذكرِ طلحةَ بنِ عُبيدِ اللَّه، فمُمكنٌ أن يكونَ أيضًا طلحةُ كلَّمَه وغيرُه، وليس في أن يُكلِّمَه طلحةُ وغيرُه ما

стр. 627

يَدفعُ أنَّ ذا اليدين كلَّمَه أيضًا، فأدَّى كُلٌّ ما سمِع على حسَبِ ما سمِع، وكلُّهم اتَّفقُوا في أنَّ المعنى المرادَ من الحديثِ هو البناءُ بعدَ الكلام، لمن ظنَّ أنَّه قد أتمَّ. وأمَّا قولُ الزُّهْريِّ في هذا الحديثِ: إنَّه ذُو الشِّمالين، فلم يُتابَعْ عليه، وحمَله الزُّهريُّ على أنَّه المقتولُ يومَ بدرٍ، وقد اضْطُرِبَ على الزُّهريِّ في حديثِ ذي اليَدَين اضطرابًا أوجَب عندَ أهلِ العلم بالنقلِ تركَه من روايتِه خاصَّةً؛ لأنَّه مرةً يروِيه عن أبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمَةَ، قال: بلغني أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ركَع ركعَتَيْنِ. هكذا حدَّثَ به عنه مالكٌ (١)، وحدَّثَ به مالكٌ (٢) أيضًا عنه، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بمثلِ حديثِه عن أبي بكر بنِ سليمانَ بنِ أبي حَثْمَة. وروَاه صالحُ بنُ كَيْسَانَ عنه؛ أنَّ أبا بكر بنَ سليمانَ بنِ أبي حثمةَ أخبَره أنَّه بلغَه أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ صلَّى رَكْعتين ثم سلَّم، وذكَر الحديثَ، وقال فيه: فأتَمَّ ما بَقِيَ من صلاتِه، ولم يَسجُدِ السَّجدتَيْنِ اللَّتينِ تُسجَدان إذا شكَّ الرجلُ في صلاتِه حينَ لَقَّنَه الرجلُ. قال صالحٌ: قال ابنُ شهابٍ: فأخبَرني هذا الخبرَ سعيدُ بنُ المُسيِّب عن أبي هريرةَ. قال: وأخبَرني به أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، وأبو بكر بنُ عبدِ الرَّحمن، وعبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه (٣). وروَاه ابنُ إسحاقَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّب، وعروةَ بنِ الزبيرِ، وأبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمَةَ، قال: كُلٌّ قد حدَّثني بذلك، قالوا:

стр. 628

صلَّى رسولُ اللَّه بالناسِ الظهرَ، فسلَّم من ركعتين، وذكَر الحديثَ، وقال فيه الزُّهريُّ: ولم يُخبرني رجلٌ منهم أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سجَد سجدتي السهوِ. فكان ابنُ شهابٍ يقولُ: إذا عرَف الرجلُ ما نَسِي من صلاتِه، فأتمَّها، فليس عليه سجدتا السهوِ، لهذا الحديث. وقال ابنُ جُريج: حدَّثني ابنُ شهابٍ، عن أبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمَةَ وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عمن يَقنَعانِ بحديثه، أنَّ النبيَّ ﵇ صلَّى ركعتين في صلاةِ الظهرِ، أو العصرِ، فقال له ذو الشمالين بنُ عبدِ عمرٍو: يا رسولَ اللَّه، أقَصُرَتِ الصلاةُ أمْ نسِيتَ؟ وذكَر الحديث. وروَاه معمرٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، وأبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حثمةَ، عن أبي هريرة (١). وهذا اضطرابٌ عظيمٌ من ابنِ شهابٍ في حديثِ ذي اليَدَينِ (٢)؛ قال مُسلمُ بنُ الحجَّاج في كتاب "التمييزِ" له: قولُ ابنِ شهابِ: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يسجُدْ يومَ ذي اليدين سجدتي السهوِ، خطأٌ وغلطٌ (٣). وقد ثبَت عن النبيِّ ﵇ أنَّه سجَد سجْدَتَي السَّهوِ ذلك اليومَ من أحاديثِ الثِّقاتِ؛ ابنِ سيرينَ وغيرِه.

стр. 629

قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا من أهلِ العلم بالحديثِ المصنِّفينَ فيه عوَّل على حديثِ ابنِ شهابٍ في قصةِ ذي اليَدَينِ؛ لاضطرابِه فيه، وأنَّه لم يُتِمَّ له إسنادًا ولا متْنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأنِ، فالغلطُ لا يَسلمُ منه أحدٌ، والكمالُ ليس لمخلوقٍ، وكلُّ أحدٍ يُؤخذُ من قولِه ويتركُ إلَّا النبيَّ ﷺ ، فليس قولُ ابنِ شهابٍ أنَّه المقتولُ يومَ بدرٍ بحُجَّةٍ؛ لأنَّه قد تَبَيَّن غلطُه في ذلك. وذكَر عبدُ الرزاقِ (١)، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني عبدُ اللَّه بنُ عبيدِ اللَّه بنِ أبي مُليكةَ، أَنَّه سمِع عُبيدَ بنَ عُميرٍ فذكرَ خبرَ ذي اليدَيْنِ، قال: فأدرَكه ذُو اليَدَينِ أخو بني سُليم. قال أبو عُمر: ذُو الشمالين المقتولُ يومَ بدرٍ خُزاعيٌّ، وذُو اليَدَينِ الذي شهِد سهوَ النبيِّ ﵇ سُلَمِيٌّ، وممَّا يَدُلُّ على أنَّ ذا اليَديْنِ ليس هو ذا الشِّمالين المقتولَ ببدرٍ ما أخبَرناه عبدُ اللَّه بنُ محمَّدٍ (٢)، قال: أخبَرنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الأثرمُ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قالا: حدَّثنا عليُّ بنُ بَحْرٍ، قال: حدَّثنا معدِيّ بنُ سُليمانَ السعدِيُّ البصرِيُّ، قال: حدَّثني شُعيثُ بنُ مُطَيْرٍ، ومُطَيرٌ حاضرٌ يُصدِّقُه بمقالتِه، قال: يا أبتَاه، أخبرتَني أنَّ ذا اليدين لَقِيَكَ بذي خُشُبٍ (٣)، فأخبَركَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ صلَّى بهم إحدَى صلاتي العشِيِّ، وهي العصرُ، فصلَّى ركعتين، ثم سلَّم، فقامَ رسولُ اللَّه ﷺ ، وتبِعه أبو بكرٍ وعمرُ، وخرَج سَرَعَانُ الناسِ، فلَحِقَه ذو اليدينِ، وأبو بكرٍ

стр. 630

وعمرُ مُبتدَّيْه (١)، فقال: يا رسولَ اللَّه، أقَصرَتِ الصلاةُ أم نسِيتَ؟ فقال: "مَا قَصُرَتِ الصلاةُ وما نسيتُ". ثم أقبَل رسولُ اللَّه ﷺ على أبي بكرٍ وعمرَ فقال: "ما يقولُ ذو اليدين؟ " قالا: صدَق يا رسولَ اللَّه. فرجَع رسولُ اللَّه، وثابَ الناسُ، فصلَّى ركعتين، ثم سلَّم، ثم سجَد سجدتي السهو (٢). وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا مَعْدِيُّ بنُ سُليمانَ، قال: حدَّثنا شُعيثُ بنُ مُطيرٍ، ومُطيرٌ حاضرٌ يُصَدِّقُه بمقالتِه. فذكرَ مثلَ ما تقدَّم سواءً إلى آخرِه (٣).

стр. 631

وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه (١) أنَّ أباه أخبَره، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ (٢)، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا أبو سُليمانَ معدِيُّ بنُ سُليمانَ صاحبُ الطعام، قال: كنا بوادِي القُرَى، فقيلَ: إنَّ هاهُنا شيخًا قديمًا، قد بلَغ بضعًا ومئةَ سنةٍ، فأتينَاه فإذا رجلٌ يُقالُ له: مُطيرٌ. وإذا ابنٌ له يقالُ له: شُعيثٌ، ابنُ ثمانينَ سنةً، فقلْنا لابنِه: قُلْ له يُحدِّثْ بحديثِ ذي اليدَينِ، فثَقُلَ على الشيخ، فقال ابنُه: أليس حدَّثتنا أنَّ ذا اليدَينِ تَلَقَّاكَ بذِي خُشُبٍ، فقال: صلَّى رسولُ اللَّه ﷺ إحدَى صلاتي العشيِّ، وهي العصرُ؟ ثم ذكَر معنَى حديثِ عليِّ بنِ بَحْرٍ (٣). أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: أخبَرنا أبي، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: سمِعتُ العباسَ بنَ يزيدَ يقولُ: حدَّثني مَعديُّ بنُ سُليمانَ الحنَّاطُ، وكانوا يرون أنَّه من الأبدال. فهذا الحديث يُبَيِّنُ لكَ أنَّ ذا اليدين عُمِّرَ عُمرًا طويلًا، وأنَّه غيرُ المقتولِ ببدرٍ، وفيما قدَّمْنا من الآثارِ الصحاح كفايةٌ لمنْ عُصِمَ من العصبيَّةِ (٤).

стр. 632

وقد قيلَ: إنَّ ذا اليَدَينِ عُمِّرَ إلى خلافةِ مُعاويةَ، وإنَّه تُوُفِّي بذي خُشُبٍ. فاللَّهُ أعلم. ولو صحَّ للمخالفين ما ادَّعَوه؛ من نسخ حديثِ أبي هريرةَ بتحريم الكلام في الصلاةِ (١) لم يكنْ لهم في ذلك حُجَّةٌ؛ لأنَّ النهيَ عن الكلام في الصلاةِ إنما توجَّهَ إلى العامدِ القاصدِ، لا إلى الناسِي؛ لأنَّ النسيانَ مُتجاوزٌ عنه، والناسِي والساهِي ليسَا ممَّن دخَل تحتَ النهي لاستحالةِ ذلك في النظر. فإنْ قيلَ: فإنكم تُجِيزونَ الكلامَ في الصلاةِ عامدًا إذا كان في شأنِ إصلاحِها. قيلَ لقائلِ ذلك: أجَزْنَاه من بابٍ آخرَ قياسًا على ما نُهيَ عنه من التسبيح في غيرِ موضعِه من الصلاةِ، وإباحتُه للتنبيهِ على ما أغفَله المصلِّي من صلاتِه ليستدرِكَه، واستدلالًا بقصةِ ذي اليدين أيضًا في ذلك (٢). واللَّهُ أعلم. وهذا المعنَى قد نزَع به أبو الفرج وغيرُه من أصحابِنا، وفيما قدَّمْنا كفايةٌ إن شاء اللَّه. وقد تَدْخُلُ على أبي حنيفةَ وأصحابِه مُناقضةٌ في هذا البابِ؛ لقولِهم: إنَّ المشيَ في الصلاةِ لإصلاحِها عامدًا جائزٌ، كالراعِفِ -ومَن يجري مجرَاه عندَهم- للضَّرورر إلى خُروجِه، وغسلِ الدم عنه، ووضوئِه عندَهم، وغيرُ جائزٍ فعلُ مثلِ

стр. 633

ذلك في غير إصلاح الصلاةِ وشأنِها. فكذلك الكلامُ يجوزُ منه لإصلاح الصلاةِ وشأنِها ما لا يجوزُ لغيرِ ذلك؛ إذِ الفِعْلان منهيٌّ عنهما، واللَّهُ أعلم. وممَّن قال من السَّلفِ بمعنَى حديثِ ذي اليَدَيْنِ، ورأى البناءَ جائزًا لمن تكلَّم في صلاتِه ساهيًا؛ عبدُ اللَّه بنُ الزُّبيرِ، وابنُ عباسٍ، وعُروةُ، وعطاءٌ، والحسنُ، وقتادةُ، والشعبيُّ. ورُوِيَ أيضًا عن الزبيرِ بنِ العوام، وأبي الدرداءِ مثلُ ذلك (١)، وقال بقول أبي حنيفةَ في هذا البابِ إبراهيمُ النخعِيُّ، وحمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ، ورُويَ عن قتادة أيضًا مثلُه، والحجةُ عندَنا في سُنّةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فهي القاضيةُ فيما اختُلِف فيه، وباللَّه التوفيق. وفي هذا الحديثِ أيضًا إثباتُ حُجَّةِ مالكٍ وأصحابِه في قولِهم: إذا نَسِيَ الحاكمُ حُكمَه فشهِد عليه شاهدان نفَّذه وأمضَاه، وإنْ لم يذكرْه؛ لأنَّ النبيَّ ﵇ رجَع إلى قولِ ذي اليَدَين ومَن شهِد معه، إلى شيءٍ لم يذكُرْه. وقال الشافعِيُّ وأبو حنيفةَ: لا يُنفِّذُه حتى يَذكرَ حُكمَه به على وجهِه. وفيه إثباتُ سجودِ السهوِ على من سَهَا في صلاتِه. وفيه أنَّ السجودَ يكونُ بعدَ السلام إذا زادَ الإنسانُ في صلاتِه شيئًا سهوًا، وبه استدلَّ أصحابُنا على أنَّ السجودَ بعدَ السلام فيما كان زيادةً من السَّهوِ في الصلاة. وفيه أنَّ سجدَتَي السَّهْوِ يُسلَّمُ منهما ويكبَّرُ في كُلِّ خفضٍ ورفع فيهما، وهذا موجودٌ في حديثِ أبي هريرةَ، وعِمرانَ بنِ حُصينٍ، في قصةِ ذي اليدَيْنِ من وُجُوِهٍ ثابتةٍ، وسنذكُرُ اختلافَ الفقهاءِ في سُجودِ السَّهوِ وموضعِه من الصلاةِ في بابِ

стр. 634

زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسار (١). ويأتي منه ذكرٌ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن الأعرجِ (٢)، عن ابنِ بُحَيْنَةَ (٣) إن شاء اللَّه. واختلَف المتأخِّرون من الفقهاءِ في رُجوع المسَلِّم ساهيًا في صلاتِه إلى تمام ما بقِيَ عليه منها؛ هل يحتاجُ في ذلك إلى إحرام أم لا؟ فقال بعضُهم: لا بُدَّ أن يُحدِثَ إحرامًا، يُجددُه لرجوعِه إلى تمام صلاتِه، وإنْ لم يَفعلْ لم يُجْزِئْه. وقال بعضُهم: ليس ذلك عليه، وإنما عليه أن يَنويَ الرجوعَ إلى تمام صلاتِه، فإنْ كبَّرَ لرُجُوعِه فحسَنٌ؛ لأنَّ التكبيرَ شعارُ حركاتَ المصلِّي، وإنْ لم يُكبِّرْ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ أصلَ التكبيرِ في غيرِ الإحرام إنما كان لإمام الجماعةِ، ثم صارَ سُنَّةً، بمواظبةِ رسولِ اللَّه ﷺ حتى لقيَ اللَّهَ. وسنذكُرُ هذا المعنَى مُمهدًا في بابِ ابنِ شهابِ، عن أبي سلمةَ (٤)، وعن عليِّ بنِ حُسينٍ (٥) إن شاء اللَّه. وإنما قُلْنا: إنَّه إذا نوَى الرُّجوعَ إلى صلاتِه ليتِمَّها فلا شيءَ عليه، وإنْ لم يُكبِّرْ؛ لأنَّ سلامَه ساهيًا لا يُخرجُه عن صلاتِه، ولا يُفسِدُها عليه عندَ الجميع، وإذا كان في صلاةٍ يبني عليها، فلا معنَى للإحرام هاهُنا؛ لأنَّه غيرُ مُستأنِفٍ لصلاتِه، بل هو مُتِمٌّ لها بانٍ فيها، وإنما يُؤمرُ بتكبيرةِ الإحرام المبتدئُ وحدَه، وباللَّه التوفيق.

стр. 635

حديثٌ ثانٍ لأيُّوب السَّختيانيِّ مسندٌ صحيحٌ مالِكٌ (١)، عن أيُّوبَ بنِ أبي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانيِّ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَّةِ، أنَّها قالَتْ: دَخَل علينا رسولُ اللَّه ﷺ حينَ تُوفِّيَتِ ابنَتُه، فقال: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أو خمسًا، أو أكثرَ من ذلك، بماءٍ وسِدْرٍ، واجعلْنَ في الآخِرةِ كافُورًا، أوْ شيئًا مِنْ كافُورٍ، فإذا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّني". قالت: فلمَّا فَرَغْنا آذَنَّاه، فأعْطَانا حَقْوَه، فقال: "أشْعِرْنَهَا إيَّاه" قال مالك: يعْني بحَقْوِه: إزَارَه. قال أبو عُمر: قالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْل السِّيَرِ والعِلْم بالخَبَر: إنَّ ابنةَ رسولِ اللَّه ﷺ التي شَهِدَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ غَسْلَها هي أمُّ كُلْثُوم (٢)، فاللَّهُ أعلم. وكلُّ مَن روَى هذا الحديثَ فيما عَلِمْتُ عن مالكٍ عن "المُوَطَّأ" (٣) يقولون

стр. 636

فيه بعدَ قولِه: "أو أكْثَرَ مِن ذلك". "إن رَأيْتُنَّ ذلك". وسقَطَ ليحيى: "إن رَأيْتُنَّ ذلكَ". ليس في روايَتِه، ولا في نُسْخَتِه في "المُوَطَّأ"، ولا أعلمُ أحدًا مِن أصْحابِ أيُّوبَ أيضًا إلَّا وقد ذكَرَ هذه الكَلِمَةَ في حَدِيثه هذا؛ قولَه: "إنْ رَأَيْتُنَّ ذلك". وقد روَى هذا الحَدِيثَ عن أيُّوبَ جماعَةٌ، أثْبَتُهم فيه حمَّادُ بنُ زيدٍ وابنُ عُلَيَّهَ، وروايَتُهما لهذا الحديثِ كرِوَايَةِ مالِكٍ سواءً إلى آخِرِه، إلَّا أنَّهما زَادَا فيه؛ فقالا: قال أيُّوبُ: وقالتْ حَفْصةُ بِنْتُ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ في هذا الحديثِ: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أو خَمْسًا، أوْ سَبْعًا، أو أكْثَرَ مِن ذلك، إن رأيْتُنَّ ذلك". قال: وقالتْ حَفْصَةُ: قالتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: مَشَطْناها ثَلاثةَ قُرُون (١). قال أبو عُمر: كانت حَفْصَةُ بنتُ سِيرينَ قد روَتْ هذ الخَبَرَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ بأكْمَلِ ألْفاظٍ، فكان محمدُ بنُ سِيرينَ يَرْوي عن أُخْتِه حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ مِن ذلك ما لم يَحْفَظْه عن أُمِّ عَطِيَّةَ، فمِمَّا كان يَرْوِيه عن حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ قَولها: ومَشَطْناها ثَلاثةَ قُرُونٍ. لم يسْمَع ابنُ سِيرِينَ هذه اللَّفْظَةَ مِن أُمِّ عَطِيَّةَ، فكان يَرْويها

стр. 637

عن أُخْتِه حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ. حدَّثَ بذلك عن أيُّوبَ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ - قَوْمٌ؛ منهم ابنُ عُيَيْنَةَ (١)، ويَزِيدُ بنُ زُريْع (٢). وقد روَى أيُّوبُ هذا الحديثَ، عن حَفْصَةَ بنتِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ، وعن محمدِ بنِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ. فكان يَرْوي عن كلِّ واحدٍ منهما حَدِيثَه على وَجْهِه، وكانَ مِن أحْفَظِ الناس. قرَأْتُ على عبدِ الوارِثِ بنِ سفيانَ، أنَّ قاسِمَ بنَ أصْبَغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ محمدٍ القاضِي البِرْتيُّ ببَغْدَاَد، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ (٤)، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن حَفْصَةَ بنتِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالت: دخَل علينا رسولُ اللَّه ﷺ ونحن نَغْسِلُ ابْنَةً له، فقال: "اغْسِلْنَها بِمَاءٍ وسِدْرٍ، واغْسِلْنَها وترًا؛ ثَلاثًا، أوْ خَمْسًا، أوْ سَبْعًا، أوْ أكْثَرَ مِنْ ذلك، إنْ رَأيْتُنَّ ذلك، واجعَلْنَ في آخِرِهنَّ كافُورًا، أو شَيئًا مِن كافُورٍ، فإذا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي". فلمَّا فَرَغْنا ألقَى إلينا حَقْوَه، فقال: "أشْعِرْنَها إيَّاه". قالت: فمَشَطْناها. أو قالت: ضَمَمْنَا رأْسَها ثَلاثةَ قُرُون (٥). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ هو أصْلُ السُّنَّةِ في غَسْلِ الموْتَى، ليس يُرْوَى عن النبيِّ ﵇ في غَسْلِ الميِّتِ حديثٌ أعَمُّ منه ولا أصَحُّ، وعليه عَوَّلَ العُلماءُ في ذلكَ، وهو أصلُهم في هذا الباب.

стр. 638

وأمَّا رِوايَةُ حَفْصَةَ، عن أُمِّ عطية في هذا الحديثِ: "أو سَبْعًا، أو أكْثَرَ مِنْ ذلك، إن رَأيْتُنَّ ذلك". فإنَّ ذِكْرَ السَّبْع وما فَوْقَها لا يُوجَدُ مِن حَدِيثِ أُمِّ عَطيَّةَ إلَّا مِن رِوايَةِ حَفْصةَ بنتِ سِيرِين (١). ولا أعْلَمُ أحدًا مِن العُلَماء قال بمُجَاوَزَةِ سَبْع غَسَلاتٍ في غَسْلِ المَيِّتِ، وقد روَى أنَسٌ، عن أُمِّ عطيِّةَ، هذا الحَدِيثَ بما يَدُلُّ على أنَّ الغَسَلاتِ لا يُتَجاوَزُ بها سَبْعٌ، وذلك مُوافِقٌ لرِوايَةِ محمدِ بنِ سيرين (٢). أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفْيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ العَوَقِيُّ أبو بكر، قال: حدَّثنا هَمَّامٌ، قال: حدَّثنا قَتَادَة، عن أنسٍ، أنَّه كان يأْخُذُ ذلك عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: غسَلْنَا ابْنَةَ النبيِّ ﵇، فأمَرَنَا أنْ نَغْسِلَها بالسِّدْرِ ثَلاثًا، فَإنْ أنْجَتْ (٤)، وإلَّا فخَمْسًا، وإلَّا فأكْثَرَ مِن ذلك. قال: فرَأيْنا أنْ أكْثَرَ مِن ذلك سَبْعٌ.

стр. 639

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في البُلُوغِ بغَسْلِ الميِّتِ إلى سَبْع غَسَلاتٍ؛ فقال منهم قائلون: أقْصَى ما يُغْسَلُ الميِّتُ ثلاثُ غسَلاتٍ، فإن خرَجَ منه شيءٌ بعدَ الغَسْلَةِ الثالثَةِ غُسِلَ ذلك الموْضِعُ وحدَه، ولا يُعَادُ غسْلُه. ومِمَّنْ قال هذا؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثَّوْريُّ (١)، وإليه ذهَبَ المُزَنيُّ (٢)، وأكْثَرُ أصْحابِ مالكٍ (٣). ومنهم مَن قال: يُوَضَّأُ إذا خرَج منه شيءٌ بعدَ الغَسْلَةِ الثالثَةِ، ولا يُعَادُ غَسْلُه؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ الجُنُبِ إذا اغْتَسَلَ وأحْدَثَ بعدَ الغَسْلِ، اسْتَنْجَى بالأحْجارِ أو بالماءِ ثم تَوَضَّأَ، فكذلكَ الميِّتُ. وقال ابنُ القاسِم: إنْ وُضِّئَ فحَسَنٌ، وإنَّما هو الغَسْلُ. قال أبو عُمر: لأنَّها عِبادَةٌ على الحَيِّ قد أدَّاها، وليس على المَيِّتِ عِبادَةٌ. وقال الشافِعِيُّ: إنْ خرَجَ منه شيءٌ بعدَ الغَسْلَةِ الثالثَةِ أُعِيدَ غسْلُه (٤). وتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مالكٍ (٥)، أنَّه إذا جاءَ منه الحَدَثُ بعدَ كَمالِ غَسْلِه، أُعِيدَ وُضوؤه للصَّلاةِ ولم يُعَدْ غَسْلُه (٦). وقال أحمدُ بنُ حَنْبَل (٧): يُعَادُ غَسْلُه أبَدًا إذا خرَجَ منه شيءٌ إلى سَبعْ غَسَلاتٍ، ولا يُزَادُ على سَبْع، وإنْ خرَجَ منه شيءٌ بعدَ السَّابِعَةِ، غُسِلَ الموْضِعُ وحدَه، وإن

стр. 640

خرَجَ منه شيءٌ بعدَ ما كُفِّنَ، رُفِعَ، ولم يُلْتَفَتْ إلى ذلك. وهو قولُ إسْحاقَ (١). وكُلُّ قَوْلٍ مِن هذه الأقوالِ قد رُوي عن جَماعَةٍ مِن التَّابِعِينَ. ذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٢)، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أيُّوبِ، عن ابنِ سِيرِينَ، قال: يُغْسَلُ المَيِّتُ ثلاثًا، فإنْ خرَجَ منه شيءٌ بعدَ الثلاثِ غَسَلُوه خَمْسًا، فإن خرَجَ منه شيءٌ غُسِلَ سبْعًا. قال (٣): وأخْبَرَنا هِشَامٌ، عن ابنِ سِيرِينَ مثلَه. قال هِشَامٌ: وقال الحَسَنُ: يُغْسَلُ ثلاثًا، فإنْ خرَجَ منه شيءٌ، غُسِلَ ما خرَجَ منه ولم يُزَدْ على الثَّلاث. قال (٤): وأخْبَرَنا ابنُ جُرَيْج، قال: سَمِعْتُ أبا جَعْفَرٍ محمدَ بنَ عليٍّ يقولُ: غُسِلَ رسولُ اللَّه ﷺ ثلاثَ غَسَلاتٍ، كلُّهُنَّ بماءٍ وسِدْر. قال (٥): وأخْبَرَنا الثَّوْريُّ، عن الزُّبَيْرِ بنِ عَدِيٍّ، عن إبْراهيمَ قال في غَسْلِ الميِّتِ: الأُولَى بمَاءٍ قَرَاح (٦)؛ يُوَضِّئُه وُضُوءَ الصلاةِ، والثانيةُ بماءٍ وسِدْرٍ، والثالثةُ بماءٍ قَرَاح، وتُتَّبَع مَساجِدُه (٧) بالطِّيبِ (٨). قال أبو عُمر: كان إبراهيمُ النَّخَعِيُّ لا يَرَى الكَافُورَ في الغَسْلَةِ الثالِثةِ، ولا يُغْسَلُ الميِّتُ عندَه أكثرَ مِن ثلاثٍ، ليس في شيءٍ منها كافُورٌ، وإنَّما الكافُورُ

стр. 641

عندَه في الحَنُوطِ لا في شيءٍ مِن الماءِ. وإلى هذا ذهَبَ أبو حَنِيفَةَ وأصْحابُه (١). ولا معْنَى لذلك؛ لأنَّه قد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ أَنَّه قال للنِّساءِ اللاتي غَسَلْنَ ابْنَتَه: "اجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كافُورًا". وعلى هذا جُمْهُورُ العُلَماءِ، أنْ يُغْسَلَ الميتُ الغَسْلَةَ الأُولَى بالماءِ القَرَاح، والثانِيةَ بالماءِ والسِّدْر، والثالثةَ بماءٍ فيه كافُور (٢). حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤْمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٣)، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٤)، حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا هَمَّامٌ، قال: حدَّثنا قَتَادَةُ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنَّه كانَ يأْخُذُ الغَسْلَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ: يُغْسَلُ بالماءِ والسِّدْرِ مرَّتَيْنِ، والثالثَةَ بالماءِ والكافُور. ومِن أهْلِ العِلْم مَن يَذْهَبُ إلى أنَّ الغسَلاتِ الثَّلاثَ كلَّها بالسِّدْرِ، على ما جاءَ في الحديثِ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ غُسِلَ ثلاثَ غسَلاتٍ، كلُّهُنَّ بماءٍ وسِدْرٍ. وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ: تذهَبُ إلى السِّدْرِ في الغسَلاتِ كلِّها؟ قال: نَعَمْ؛ السِّدْرُ فيها كلِّها على حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ: "اغْسِلْنها ثَلاثًا، أو خَمْسًا، أو أكثرَ مِن ذلك، إنْ رأيْتُنَّ ذلكَ، بماءٍ وسِدْرٍ"، وحديثِ ابنِ عباسٍ: "بماءٍ وسِدْرٍ" (٥). ثم قال: ليس في غَسْلِ الميِّتِ أرْفَعُ مِن حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ ولا أحْسَنُ منه، فيه: "ثَلاثًا، أو خَمْسًا، أو سَبْعًا، وابْدَأْنَ بِمَيَامِنِها". ثم قال: ما أحْسَنَه!

стр. 642

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَةَ، قال (١): حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالدٍ الحَذَّاء، عن حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال لَهُنَّ في غَسْلِ ابْنَتِه: "ابْدَأْنَ بِمَيامِنها ومَوَاضِع الوُضُوءِ منها". قال أبو عُمر: تَطْهِيرُ الميِّتِ تَطْهِيرُ عِبادَةٍ لا لإزالةِ نَجاسَةٍ، وإنَّما هو كالجُنُبِ، وغَسْلُه كغُسْلِ الجُنُبِ سواءً، فأوَّلُ ما يَبْدَأُ الغاسِلُ به مِن أمْرِه بعدَ سَتْرِه جهْدَه، أن يَعْصِرَ بَطْنَه عصْرًا خَفِيفًا رَفِيقًا، فإنَّ الاسْتِنْجاءَ يُقَدَّمُ في الوُضُوءِ على كلِّ شيءٍ منه (٢)، فإن خرَجَ منه شيءٌ، تَناوَلَ غَسْلَ أسْفَلِه وعلى يَدِه خِرْقَةٌ، ولا يَحِلُّ له أنْ يُبَاشِرَ قُبُلَه ولا دُبُرَه إلَّا وعلى يَدِهٌ خِرْقَة مَلْفُوفَةٌ، يُدْخِلُ بها يَدَه مِن تحتِ الثَّوبِ الذي يُسَجَّى به الميِّتُ ويُسْتَرُ به للغَسْلِ، فيَغْسِلُ فَرْجَيْه غَسْلًا ناعمًا، ويُوالَى بصَبِّ الماءِ على يَدِ الغاسلِ حتى يَصِحَّ إنْقاؤُه، ثم يَبْتَدِئُ فيُوَضِّئُه وضوءَ الصَّلاة. قال أبو الفَرَج حاكِيًا عن مالكٍ: يَجْعَلُ الغاسِلُ خِرْقَةً على يَدِه يُباشِرُ بها فَرْجَ الميِّتِ إنِ احْتاجَ إلى ذلك. وكذلك قال الوَقَّار (٣). قال أبو عُمر: اخْتَلفَ العُلَماءُ في مَضْمَضةِ الميِّتِ عندَ وُضُوئِه، وفي غَسْلِ أنْفِه، ودَلْكِ أسْنانِه؛ فرَأى ذلك منهم قَوْمٌ، وأباه آخرونَ. ولا وَجْهَ لقولِ مَن أبى من ذلك.

стр. 643

فإذا فرَغَ بوُضُوئِه، بدَأ بغَسلِ شِقِّه الأيْمَنِ مِن رَأْسِه إلى طرَفِ قَدَمِه اليُمْنَى، ثم يَصْرِفُه برِفْقٍ على شِقِّه، فيَغْسِلُ شِقَّه الأيْسَرَ مِن قَرْنِ رَأْسِه إلى طرَفِ قَدَمِه حتى يأْتِيَ الغَسْلُ على جَمِيعِه بالمَاءِ القَرَاحِ، وإنْ كانَ فيه سِدْرٌ فحَسَنٌ، ثم يَغْسِلُه غَسْلَةً ثانِيَةً بماءٍ فيه وَرَقُ سِدْرٍ مَدْقُوقٌ، أو بسِدْرٍ يجْعَلُه في رَأْسِه ولِحْيَتِه ويَغْسِلُه به، ويَبْدَأُ برَأْسه قبلَ لِحْيَتِه، فإنْ لم يكنْ سِدْرٌ فبِالأُشْنَانِ، أو بالخَطْميِّ، أو بالحُرُضِ، أو الماءِ القَرَاحِ، حتى يأتي أيضًا على تَمام غَسْلِه كغُسْلِ الجنابَةِ، وهو في ذلك كلِّه يَسْتُرُه طاقَتَه، ويَغُضُّ بصَرَه عن عَوْرَته كما يُفْعَلُ بالحيِّ، وإنْ كان به قُروحٌ أو جِراحٌ أخَذَ عَفْوَه، ومِن أهْلِ العِلْم مَن يَسْتَحِبُّ أنْ يُوَضِّئَه في كُلِّ غَسْلَةٍ، ومنهم مَن يقولُ: الوُضوءُ في أوَّلِ مرَّةٍ يكْفِي (١). ثم يَغْسِلُ الثالثَةَ بماءِ الكافُورِ كما غَسَلَه في الأُولى، فإذا أكْمَلَ غَسْلَه جفَّفَه، وحشَا داخلَ إزارِه قُطْنًا وهو على مُغْتَسَلِه، ثم شَدَّ عليه شِدادتَهُ مِن خلفِه إلى مُقَدَّمِه، ثم حمَلَه رفْقًا في ثَوْبِه إلى نَعْشِه، وأدْرَجَه في أكفانِه. ووجْهُ العَملِ أنْ يَبْدَأَ الغاسِلُ بتَهْذِيبِ اكْفانِه، ونَشْرِها، وتَجْمِيرِها (٢) قبلَ أخْذِه في غَسْلِه. والوتْرُ عندَهم في الغَسَلاتِ مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجبٍ عندَ الجميع، وليسَ الوتْرُ في غَسْلِ الميِّتِ كالوتْرِ في الاسْتِنْجاءِ بالأحْجارِ عندَ مَن أوْجَبَ ذلك. ذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٣)، عن ابنِ جُرَيْج، عن عَطَاءٍ قال: يُغْسَلُ الميِّتُ وتْرًا؛ ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، كلُّهُنَّ بماءٍ وسِدْرٍ، وفي كُلِّ غَسْلَةٍ يُغْسَلُ رأْسه مع سائرِ جَسَدِه. قلتُ: وتُجْزِئ واحِدَةٌ؟ قال: نعم، إذا أنْقَوْا.

стр. 644

قال (١): وأخبَرنا مَعْمَر، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابَةَ وابنِ سِيرِينَ قالا: إذا طالَ مرَضُه ولم يَجِدُوا سِدْرًا، غَسَلُوه بالأُشْنَانِ إنْ شاءُوا. ويُقالُ: إنَّ أعْلَمَ التَّابِعينَ بغَسْلِ الميتِ، ابنُ سِيرِينَ، ثم أيُّوبُ، وكِلاهُما كانَ غاسِلًا مُتَوَلِّيًا لذلك بنَفْسِه، مُحْسِنًا مُجِيدًا. ذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٢)، قال: أخبَرنا مَعْمَر، عن أيُّوبَ، عن ابنِ سِيرِينَ في الميِّتِ يُغْسَلُ، قال: تُوضَعُ خِرْقَةٌ على فَرْجِه وأُخْرَى على وَجْهِه، فإذا أرادَ أنْ يُوضِّئَه كشَفَ الخِرْقَةَ عن وَجْهِه، فيُوضِّئُه بالماءِ وُضُوءَ الصلاةِ، ثم يَغْسِلُه بالماءِ والسِّدْرِ مَرَّتَينِ مِن رأْسِه إلى قدَمِه؛ يبدَأُ بميَامِنِه، ولا يكْشِفُ الخِرْقَةَ التي على فَرْجِه، ولكِنْ يَلُفُّ على يَدِه خِرْقَةً إذا أرادَ أنْ يَغْسِلَ فَرْجَه، ويَغْسِلُ ما تحتَ الخِرْقَةِ التي على فَرْجِه بماءٍ، فإذا غسَلَه مرَّتَيْنِ بالماءِ والسِّدْرِ غسَلَه المرَّةَ الثالثةَ بماءٍ فيه كافُورٌ. قال: والمَرْأَةُ أيضًا كذلك. قال: فإذا فَرَغَ الغاسِلُ اغْتَسَلَ إنْ شاءَ أو تَوَضَّأ. قال أبو عُمر: لا غُسْلَ ولا وُضُوءَ على الغاسِلِ واجبًا عندَ جماعَةِ الفُقَهاءِ وجُمْهُورِ العُلَماءِ، وهو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالكٍ، والمَعْمُولُ به عندَ أصْحابِه على حَدِيثِ أسْماءَ بنتِ عُمَيْسِ حينَ غسَلَتْ أبا بكر (٣). وستَأْتي هذه المَسْألةُ في بابِها مِن هذا الكتابِ إنْ شاءَ اللَّه (٤). قال أبو عُمر: إنَّما قال ابنُ سِيرِينَ: يضَعُ خِرْقَةً على وَجْهِه سَتْرًا له؛ لأنَّ الميِّتَ رُبَّما تغيَّرَ وَجْهُه بالسَّوادِ ونحوِه عندَ المَوْتِ؛ وذلك لداءٍ أو لغَلَبَةِ دَم، فيُنْكِرُه

стр. 645

الجُهَّالُ، وقد رُويَ عن النبيِّ ﵇ مِن مَراسلِ الثِّقاتِ؛ الشعبيِّ وغيرِه، أنَّه قال: "مَنْ غَسَلَ مَيِّتًا ولم يُفْشِ عليه، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِه كيومَ ولَدَتْه أُمُّهُ" (١). وقال أبو بكرٍ الأثْرَمُ: قيلَ لأحمدَ بنِ حَنْبَل: يُغَطَّى وجْهُ الميِّتِ؟ قال: لا، إنَّما يُغَطى ما بينَ سرَّتِه إلى رُكبتَيْه. وأمَّا قولُه في هذا الحديثِ: أعطَانَا حَقْوَه، فقال: "أشْعِرْنَها إيَّاه". فالحَقْوُ: الإزارُ، كما قال مالكٌ (٢). وقيل: المِئْزَرُ. قال مُنْقذ (٣) بنُ خالدٍ الهُذَليُّ (٤): مُكبَّلَة قد خرَّقَ الرِّدْفُ حقْوَها ... وأُخْرَى عليها حقْوُها لم يُخَرَّقِ والحِقْوُ مكْسُورُ الحاءِ بلُغَةِ هُذَيْلٍ، وقد قيلَ: حَقْوها، بالفَتْح، وجمْعُه حُقِيٌّ، وأحْقاءٌ، وأحْقٍ (٥) (٦).

стр. 646

وأمَّا قولُه: "وأشْعِرْنَها إيَّاه". فإنَّه أرادَ: اجْعَلنَه يلي جسَدَها قبلَ سائرِ أكْفَانِها. ومنه قولُ عائشةَ: كان رسولُ اللَّه ﷺ لا يُصَلِّي في شُعُرِنا ولا لُحُفِنَا (١). تعْني ما يلي أجْسَادَنا مِن الثِّيابِ ونحن حُيَّضٌ. ومنه الحدِيثُ: "الأنصارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ" (٢). فالشِّعارُ هاهُنا أرادَ به ما قَرُبَ مِن القَلْبِ، والدِّثارُ ما فوقَ الشِّعارِ. وقال ابنُ وَهْبٍ في قولِه: "أشْعِرْنَها إيَّاه". إنَّه يُجْعَلُ الإزَارُ شِبْهَ المِئْزَرِ، ويُفْضَى به إلى جِلْدِها.

стр. 647

وذكَرَ عبدُ الرَّزَّاق (١)، عن ابنِ جُرَيْج قال: قلتُ لأيُّوبَ: ما قولُه: "أشعِرْنَها إيَّاه". أتُؤزَّرُ؟ قال: لا أُرَاه إلَّا قال: الفُفْنَها فيه. قال: وكذلك كانَ ابنُ سِيرِينَ يأْمُرُ بالمرأةِ أنْ تُشْعَرَ لِفَافَةً ولا تُؤزَّرَ. وقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: الحَقْوُ فوقَ الدِّرْعِ. وخالفَه الحَسَنُ وابنُ سِيرِينَ والناسُ، فجعَلُوا الحَقْوَ يَلي أسْفَلَها مُباشِرًا لها. وقال ابنُ عُليَّةَ: الحَقْوُ هو النِّطَاقُ الذي تُنَطَّقُ به المَيِّتةُ. وهو سَبَنِيَّةٌ (٢) طويلةٌ، يُجْمَعُ بها فَخِذَاها؛ تَحْصِينًا لها أنْ يخرُجَ منها شيءٌ، كنِطاقِ الحَيْضِ، وهو أحَدُ الخَمْسَةِ الأثْوابِ التي تُكَفَّنُ بها المرأةُ؛ أحدُها دِرْع، وهو القَمِيصُ، ولِفافَتانِ، وخِمارٌ، وهذا النِّطاقُ؛ لأنَّه يُؤْخَذُ بعدَ غَسْلِها قِطْعَةُ كُرْسُفٍ فيُحْشَى به أسْفَلُها، ويُؤْخَذُ النِّطاقُ فَيُلَفُّ على عَجُزِها، وتُجْمَعُ به فَخِذاها كما يُلَفُّ النِّطاقُ عليها، ويُخْرَجُ طَرَفَا السَّبَنِيَّةِ ممَّا يلي عَجُزَها، يُشَدُّ به عليها إلى قَرِيبٍ مِنْ رُكبَتَيْها. وقد قال عيسَى بنُ دينَار: يُلَفُّ على عَجُزِها وفَخِذَيْها حتى يُسَوَّى ذلك منها بسائرِ جسَدِها، ثم تُدْرَجُ في اللِّفافَتيْنِ كما يُدْرَجُ الرَّجُلُ. قال: ولو لم يكنْ إلَّا ثَوْبٌ واحِدٌ كان الخِمارُ أولى مِن المِئْزَرِ؛ لأنَّها تُصَلِّي في الدِّرْع والخِمَارِ ولا تُصَلِّي في الدِّرْع والمِئْزَر. قال أبو عُمر: كيفما صُنِعَ بها ممَّا يكونُ تَحْصِينًا لأسْفَلِها فحَسَنٌ، وليْسَ
следующие страницы →